Полный текст (4 728 стр.). Показаны 1856–1895 · переход к 1861.
стр. 1856
مطلقاً. ولابن لبابة: إن دخل بهما فلكل واحدة الأكثر، وإن دخل بواحدة فصداق المثل مطلقاً. انتهى.
وتؤول على المدونة القولان الأولان، ومقتضى كلام ابن عبد السلام أن المشهور فيما إذا سمى لهما أن يكون لكل واحدة الأكثر، وإن لم يدخل إلا بواحدة لجعله الثالث تفصيلاً، وكلامه في التنبيهات يدل على أن ظاهر المذهب فيما إذا لم يدخل إلا بواحدة أن يكون للمدخول بها صداق المثل مطلقاً؛ لأنه نقل عن ابن القاسم أنه فسر المسألة كذلك في رواية يحيى بن يحيى، قال: وقال عيسى بن دينار في المبسوط خلافه [٣٢٣/ أ] وأن لها الأكثر كما لو لم يدخل بها.
وأما الصورة الثالثة: أعني: إذا سمى لإحداهما فقط- فإن دخل بالتي لم يسم لها فلها صداق المثل، وإن دخل بالتي سمى لها فتأول ابن أبي زيد على المدونة أن لها الأكثر، وتأولها ابن لبابة على أن لها صداق المثل مطلقاً، نقله ابن عبد السلام، وقال: والضمير في قوله: (فِيهِمَا) يحتمل عوده على نكاح المرأتين المسمى لهما، وهي الصورة الثانية وهو ظاهر التشبيه في قوله: (كَمَنْ نَكَحَ بِمائَةِ دِينَارٍ وخَمْرٍ) أي: فكما إذا تزوجها بمائة وخمر يكون لها الأكثر من صداق المثل والمائة كذلك يكون هنا، وشبهها أيضاً في المدونة بما إذا تزوجها بمائة نقداً، وبمائة إلى موت أو فراق، ويحتمل أن يعود على الصورتين الأخيرتين؛ أعني: إذا سمى لهما أو لإحداهما، ويكون قوله: (مَا لَمْ يَنْقُصْ عَمَّا سُمِّيَ لَهُمَا) أي حيث سمى، ويكون كلام المصنف على هذا دالاً على الحكم في التي سمى لها والتي لم يسم لها بالمطابقة، وعلى الاحتمال الأول يكون دالاً على التي لم يسم لها بالالتزام، والله أعلم.
فرعان:
الأول: الشغار في الأختين والأمتين كالبنتين، وقد صرح بذلك في أصل المدونة، ولعل المصنف اقتصر على البنتين تبعاً للحديث، وبذكر الأختين يعلم أن الشغار لا
стр. 1857
يختص بالوليتين المحجورتين، قال في تهذيب الطالب: وذهب بعضهم إلى أن الشغار إنما يكون في من تجبر على النكاح، وهو غلط.
الثاني: قال أبو عمران في رجلين عقد كل منهما نكاح أخته من صاحبه في مجلس واحد: هو جائز إذا لم يفهم أنه إن لم يزوج أحدهما صاحبه لم يزوجه الآخر. ومثله لابن لبابه قال: وإن قال: زوجني وأزوجك، وعقدا على ذلك وسميا صداقاً جاز. قال: والذي يشبه الشغار: زوجني على أن أزوجك، أو إن زوجتني زوجتك.
وَفِي كَوْنِهِ مَنَافِعَ كَخِدْمَتِهِ مُدَّةً مُعَيَّنَةً، أَوْ تَعْلِيمِهِ قرآناً مَنَعَهُ مَالِكُ وكَرِهَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وأَجَازَهُ أَصْبَغُ، وإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ، وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضاً: إِذَا لَمْ يَكُنْ مَعَ الْمَنَافِعِ شَيْءُ فُسِخَ قَبْلَ الْبِنَاءِ، ووَجَبَ صَدَاقُ مِثْلِهَا بَعْدَهُ، وإِنْ كَانَ خَدَمَ رَجَعَ بِقِيمَتِهَا
تبع في نسبة هذه الأقوال ابن شاس، ونسب اللخمي لمالك الكراهة، والمنع لابن قاسم، ونسب في البيان لأصبغ الكراهة، والظاهر أن لكل واحد قولين، ويؤخذ من كلام المصنف القولان لابن القاسم؛ لأنه حكى عنه الكراهة، ثم حكى عنه الفسخ إذا لم يكن مع المنافع شيء، والفسخ إنما يتصور مع المنع، واستدل اللخمي للجواز بقضية موسى مع شعيب ﵉ التي ذكرها الله تعالى في كتابه: (إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ) الآية [القصص: ٢٧] وقد استدل بها مالك ﵀ في العتبية على جبر الأبابنته البكر على النكاح من غير استئمار.
اللخمي بعد نسبته المنع لابن القاسم، وقال- يعني ابن القاسم-: ما ذكره الله في نكاح موسى ﵇، فإن الإسلام على غيره. انتهى. وهذا مبني على مسألة أصولية؛ وهي: أن شرع من قبلنا شرع لنا أم لا؟ واستدل أيضاً للجواز بما رواه مالك وغيره أنه ﵊ زوج امرأة لرجل بأن يعلمها ما معه من القرآن.
стр. 1858
قوله: (وإِنْ وَقَعَ مَضَى عَلَى الْمَشْهُورِ) هذا تفريع على ما نسبه لمالك من المنع، وأما على الكراهة والجواز فلا يختلف في الإمضاء، وإنما مضى على المشهور لما فيه منا لخلاف وما شهره المصنف، قال في الجواهر: هو قول أكثر الأصحاب، ورواه أصبغ عن ابن القاسم، وروى عنه يحيى: إذا لم يكن مع المنافع صداق فسخ قبل البناء وثبت بعده، ويكون لها صداق مثلها وتسقط الخدمة، فإن كان خدم رجع عليها بقيمة الخدمة، وعلى هذا فقوله: (وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ) هو مقابل للمشهور، وكذلك قال.
وقول ابن عبد السلام: أن الإمضاء دليل على أن المشهور في حكم ابتداء الكراهة ليس بظاهر؛ لجواز أن يكون الحكم ابتداء المنع، وكم من مسألة الحكم فيها ابتداء المنع وإذا وقعت صحت، وهذا هو الظاهر من كلام المصنف؛ لأنه إنما نسب المنع لمالك فكيف يكون المشهور خلاف قوله؟ ولم يذكر المصنف تمام قول ابن القاسم، وهو: (إذا كان مع المنافع شيء)، إلا أن يقال: استغنى عن ذلك بالمفهوم، وهو أنه إذا كان معه ربع دينار جاز النكاح، لكن قال في البيان: تفرقة ابن القاسم فيه بين أن يكون معها شيء أم لا، على وجهين: أحدهما: إن كان معه نقد جاز ولم يفسخ، وإن لم يكن معه نقد فسخ قبل البناء وثبت بعده، وكان فيه صداق المثل.
والثاني: إن لم يكن معه نقد فسخ قبل الدخول ومضى بعده وكان فيه صداق المثل، وإن كان معه نقد فسخ قبل الدخول ومضى بعده بالمسمى من النقد.
وَعَنْهُ فِي احْجَاجِهَا كَذَلِكَ، وأَنْكَرَهُ الْعُلَمَاءُ لأَنَّ فِيهِ نَفَقَةً وكِرَاءً فَهُوَ كَصَدَاقِ مِثْلِهَا ..
الضمير في (وَعَنْهُ) عائد على ابن القاسم، قال في الجواهر: وروى عنه يحيى أيضاً في نكاحها على إحجاجها أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده، ويجب صداق المثل إلا أن يكون مع الحجة غيرها فيجوز.
стр. 1859
ابن حبيب: وليس يعجبني ولا رأيت أصبغ ولا غيره من أصحاب [٣٢٣/ ب] مالك يعجبهم، ورأيتهم مراراً يرونه جائزاً؛ لأن ذلك يرجع إلى حجة مثلها في النفقة والكراء والمصلحة، مثل نكاح المرأة على شورة مثلها وعلى صداق مثلها فيجوز ويكون لها الوسط. انتهى.
والظاهر أن نفقة الحج لا تنضبط غالباً لاختلاف الأزمان والأحوال فكان ذلك غرراً، وحكى اللخمي في إحجاجها الثلاثة السابقة في المنافع.
ابن القاسم في الرواية السابقة: وإذا بنى بها وكان مع الحجة مسام كان لها المسمى وقيمة ما ينفق على مثلها من الكراء والنفقة والكسوة وما يتكلف لمثلها في حجها، قال: وقد قال مالك في التي يكون صداقها شيئاً معلوماً والحج فتموت قبل أن يحج بها بعد البناء: أنه يعطي ورثتها ما كان ينفق على مثلها في حجها، قال: وأنا لا أرى إلا أن يحمل لهم مثلها إلا أن يتراضى الزوج والورثة على أمر يجوز بينهم إن كان الكراء لازماً للزوجين، وقاعدة المذهب أن الكراء لا ينفسخ بموت أحد المستأجرين فليس على الزوج إلا الحملان، ولما ذكرناه من الفروع، ولو قالت المرأة ابتداء: أنا لا أحج فأعطني ما كنت تنفقه علي، لم يكن لها ذلك، وكذلك لو أراد أن يعطيها نفقة مثلها ويبرأ من حملها لم يكن له ذلك. وقول ابن القاسم مبني على المنع دون النكاح بالإجارة، لأن حكمه بالفسخ إذا لم يكن مع الحج شيء إنما يحسن على ذلك ولا يحسن على الكراهة، وزعم ابن عبد السلام أن الإنكار إنما يحسن على القول بالكراهة، وأما على المنع فلا، وفيه نظر لما ذكرنا.
فرعان:
الأول: اختلف في بنائها قبل أن يحجها، فمنعه ابن القاسم إلا أن يقدم ربع دينار، وقال أشهب: له أن يبني بها ويجبرها على البناء، لأنه قال: ذلك بمنزلة من تزوج بمائة دينار إلى سنة فله أن يبني بها، يريد: ويجبرها على البناء، وإذا أتى أوان الحج حج بها إلا أن يأتي أوان الحج قبل البناء فلا يكون له البناء حتى يحجها.
стр. 1860
الثاني: قال في البيان: لا خلاف في منع النكاح بالجعل؛ لأن الجعل لا يلزم المجهول له، وله أن يتركه متى شاء، فالنكاح به نكاح فيه خيار.
وَكَرِهَ مَالِكُ الْمُؤَجَّلَ وقَالَ: إِنَّمَا الصَّدَاقُ فِيمَا مَضَى نَاجِزُ كُلُّهُ، فَإِنْ وَقَعَ شَيْءُ مِنْهُ مُؤَخَّراً فَلا أُحِبُّ طُولَهُ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُفْسَخُ إِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ عِشْرِينَ سَنَةً ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَرْبَعِينَ، ثُمَّ قَالَ: خَمْسِينَ وسِتِّينَ ..
ظاهر كلام مالك كراهة الأجل مطلقاً، وقد صرح في المدونة بكراهة الأجل في بعض الصداق ولو إلى سنة، ووجهه ما ذكره من مخالفة أنكحة الماضين، وأيضاً فلئلا يتذرع الناس إلى النكاح بغير صداق، ويظهرون أن هنالك صداقاً ثم تسقطه المرأة، وأخذه الباجي من حديث: "زوجتكها بما معك من القرآن" بعد أن سأله: "هل تجد شيئاً"، وبالغ معه في ذلك حتى قال له: "التمس ولو خاتماً من حديد"، فقال: هذا يقتضي أن حكم الصداق التعجيل، وإلا كان زوجها له بشيء مؤخر، وعن أشهب جواز الأجل فيه إلى اثني عشر عاماً وكذلك زوج ابنته، وعن ابن القاسم إجازة الأربعة، وابن وهب الخمسة، وأصبغ العشرين، ابن عبد السلام: وقيل بجواز العام وكراهة ما فوقه. ابن عبد السلام: ولا خلاف أنه لا يفسخ في العشرين.
خليل: وفيه نظر فقد حكى ابن حارث وغيره عن ابن وهب أنه قال: يفسخ النكاح إذا جاوز العشرة، وقاله ابن القاسم ثم رجع إلى ما نقله المصنف عنه.
اللخمي: ولو زاد على الستين فسخ على كل حال.
ابن عبد السلام: وحكي عن ابن القاسم أيضاً: لا يفسخ إلا إلى السبعين والثمانين.
стр. 1861
وَأَمَّا الْمُؤَجَّلُ أَوْ بَعْضُهُ إِلَى غَيْرِ مُعَيَّنٍ مِنْ مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ وشِبْهِهِ فَفَاسِدُ، وقَالَ أَصْبَغُ: إِلا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى الْمُعَجَّلِ، أَوْ يُعَجَّلُ الْمُؤَجَّلُ
قوله: (أَوْ بَعْضُهُ) يعني: لا فرق بين جميع الصداق أو بعضه، والفساد هو مذهب المدونة والمشهور، ووجهه بين للضرر.
قال شيخنا: ويقوم منها منع من يشتري سلعة إلى الميسرة، كقول بعض الفقراء: إلى أن يفتحا لله في الثمن، وهذا إذا صرح بذلك ابتداء، وأما إن اشتراها ولم يذكر ذلك ابتداء فهو جائز، وهو محمول على الحلول، وقول أصبغ بين التصور.
فَإِنْ بَنَى فَقَالَ مَالِكُ: لَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا مُعَجَّلُ كُلُّهُ وإِنْ زَادَ عَلَيْهِمَا ولا يَنْقُصُ عَنِ الْمُعَجَّلِ. وَعَنْهُ: قِيمَةُ الْمُؤَجَّلِ. وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَمَا لا يَنْقُصُ عَنِ الْمُعَجَّلِ لا يُزَادُ عَلَيْهِمَا ..
مثاله: لو تزوجها بمائة معجلة وبمائة إلى موت أو فراق، فإن اطلع على ذلك قبل البناء فسخ ولم يكن لها شيء، وإن بنى فقال مالك: إنما لها صداق مثلها؛ لأنه صداق فاسد، وإنما جعله معجلاً؛ لأن الأصل في الصداق التعجيل، والضمير في عليها عائد على المعمجل والمؤجل، فلو كان صداق مثلها في المثال المفروض ثلاثمائة أخذتها، فلو كان مائة وخمسين أخذتها، فإن نقص عن المائة لم تنقص منها؛ لأن من حجة الزوجة أن تقول له: أنت رضيت بها مع مائة أخرى، فلأن ترضى بها مفردة من باب الأولى.
(وَعَنْهُ) أي: وعن مالك أنه يلزمه قيمة المائة المؤجلة إلى الأجل المجهول، فتكون تلك القيمة مع المعجل صداقها، وهذا القول إنما ذكره في المدونة في جميع الصداق المؤجل بأجل مجهول، لكن لا فرق، وحكى اللخمي قولاً آخر أنه ينظر إلى قيمتها من المائة المعمجلة، فإن كانت ثلثها أخذت المائة المعجلة وثلث صداق المثل.
стр. 1862
وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَمَا لا يَنْقُصُ عَنِ الْمُعَجَّلِ لا يُزَادُ عَلَيْهِمَا) أي عن المعجل والمؤجل، ووجهه ظاهر؛ لأنه إذا زاد عليهما فمن حجة الزوج أن يقول: أنت رضيت بمائة معجلة ومائة إلى موت أو فراق، فلا ترضي بهما معجلتين من باب الأولى. وحكى في البيان قولاً آخر: أن لها صداق المثل وإن كان أقل من مائة أو أكثر من مائتين، قال: وهو ظاهر قول أصبغ وأبي زيد.
فَإِنْ كَانَ مَعَهُمَا تَاجِيلُ مَعْلُومُ قَدْرَ صَدَاقِ الْمِثْلِ بِهِ ثُمَّ يَاتِي الْقَوْلانِ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْجَمِيعِ ..
كما لو تزوجها بثلاثمائة معجلة ومائة إلى سنة ومائة إلى موت أو فراق.
وقوله: (قَدْرَ صَدَاقِ الْمِثْلِ بِهِ) أي بالمؤجل إلى الأجل المعلوم، وكذا فسر المسألة أبو سعيد ابن أخي هشام، فلا ينقص صداق مثلها عن المائة المعجلة والمائة المؤجلة إلى سنة إن نقص عنهما، ويختلف إذا زاد على الثلاثمائة، فعلى قول مالك يكون لها الزائد، وبه قال مطرف وابن الماجشون، وعلى قول ابن القاسم يسقط وبه قال محمد، وهو معنى قوله: (ثُمَّ يَاتِي الْقَوْلانِ) أي: قولي مالك وابن القاسم في الزيادة على الجميع على الثلاثمائة، أما إن زاد صداقها على المائة المعجلة والمائة المؤجلة إلى سنة فلها الزائد حالاً مع المائة الحالة وتبقى المائة إلى أجلها.
وَقَوْلُ مَالِكٍ: يَجُوزُ إِلَى الدُّخُولِ لأَنَّهُ مَعْلُومُ عِنْدَهُمْ
هذا جواب سؤال مقدر، فإنه لما قدم أن الأجل المجهول لا يجوز، وكان ظاهر قول مالك هذا يخالفه أجاب عنه أن مالكاً إنما أجازه؛ لأنه رآه إلى أجل معين لأن الدخول معلوم عندهم، وقد نص مالك على هذا الجواب في رواية يحيى وهو الظاهر هنا، لا ما أجاب به ابن المواز من أن ذلك يرجع إلى الحال؛ لأن الدخول بيد المرأة متى شاءت لأن
стр. 1863
ذلك جواب عن مالك بما نص مالك على خلافه، من أن كلاً من الزوجين إذا دعا الآخر إلى الدخول بإثر العقد وأبى الآخر أنه يحكم لمن طلب التأخير ويؤخر القدر الذي يقوله أهل العرف بما لا مضرة فيه على واحد منهما، نعم وقع في الرواية في الحالف بطلاق زوجته: ليدخلن ليلة كذا بها، والليلة تأتي قبل الأجل الذي قدره أهل العرف، أنه يقضي له ولا يحنث ارتكاباً لأخف الضررين. وفي سماع عيسى أن الدخول مجهول، فلا يكون أجلاً للكافي. وقاله أبو زيد وأصبغ، ويفسخ النكاح عندهما قبل البناء وهو خلاف قول مالك.
وَقَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ إِلَى أَنْ تَطْلُبَهُ أَوْ إِلَى مَيْسَرَتِهِ إِذَا كَانَ مَلِياً لأَنَّهُ رَأَىهُ حَالاً، وخُولِفَ
هو أيضاً جواب عن سؤال مقدم وتصوره ظاهر، والذي خالفه ابن الماجشون وأصبغ وابن حبيب ورأوا أنه لا فرق بين المؤجل المؤخر إلى موت أو فراق، وبين المؤخر إلى أن تطلبه الزوجة أو إلى اليسار، ويعكر على الجواب الذي ذكره المصنف عن ابن القاسم ما نص عليه ابن القاسم في العتبية من أنه يؤخر بقدر ما يرى من التوسعة عليه.
وقوله: (إِلَى مَيْسَرَتِهِ) يريد: وهو موسر وهو معنى قوله: (إِذَا كَانَ مَلِياً) وكذلك صرح به ابن القاسم في العتبية، قال: وإن كان يومئذ معدما فسخ ما لم يبن فيثبت بصداق المثل. ابن عبد السلام: ولا خلاف في ذلك.
وَمَتَى أُطْلِقَ فَمُعَجَّلُ
لأن الأصل التعجيل.
فرع: واختلف إذا لم يؤرخ أجل الكلام فقال المتيطي: المشهور من مذهب مالك وأصحابه وعليه العمل والحكم أنه يفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل، وقال ابن وهب: لا يفسخ قبل البناء، ويعجل المؤخر إلى موت أو فراق وهو قول الليث. وقال أصبغ: يخير الزوج فإن عجله أو رضيت الزوجة بإسقاطه صح النكاح وإلا فسخ، ويجوز
стр. 1864
في الأجل أن يقدر بما يؤجله الناس، سئل ابن زرب عمن نكح بنقد معلوم وكالأ إلى ما يكفي الناس، فقال: لا يجوز؛ لأن الناس يختلفون في التأجيل، وذكر ابن الهندي عن بعض معاصريه أنه لا يفسخ قبل البناء ويجعل أجله على ما مضى عليه الناس في الكالئ، فإن اختلف الأجل ضرب له أجل وسط.
وَلَوْ أَصْدَقَهَا عَبْداً يُسَاوِي أَلْفَيْنِ عَلَى أَنْ تَرُدَّ لَهُ أَلْفاً فَبَعْضُ الْعَبْدِ مَبِيعُ، وبَعْضُهُ صَدَاقُ مَنَعَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ، وَأَجَازَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا تَحَقَّقَ بَقَاءُ رُبُعِ دِينَارٍ، وأَجَازَهُ أَشْهَب مُطْلَقاً كَالسِّلْعَتَيْنِ، وقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ فَضَلَ فَضْلُ ..
المنع مذهب المدونة كما ذكر وهو المشهور، وعليه فيفسخ قبل البناء وإن دخل كان لها صداق المثل.
ابن القاسم في العتبية: وترد السلعة إلا أن تفوت بحوالة سوق فأغلى مما يفوت به البيع الفاسد فيلزمها قيمتها يوم قبضها.
وقوله: (وَأَجَازَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ إِذَا تَحَقَّقَ بَقَاءُ رُبُعِ دِينَارِها) كذا حكى عنه اللخمي وعياض، وحكى عنه أيضاً في النكاح الثالث من البيان قولاً آخر: أنه لا يكتفي بفضل ربع دينار بل الفضل الكثير، وهذا هو الذي حكاه المصنف في كلامه آخرا بقوله: (وقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ فَضَلَ فَضْلُ)، وبه تعلم أن ما وقع في بعض النسخ (فصل) بالصاد المهملة من التفصيل ليس بجيد.
قوله: (وأَجَازَهُ أَشْهَب مُطْلَقاً كَالسِّلْعَتَيْنِ)، كما لو أعطاها سلعة في صداقها وباعها أخرى، ووجه قوله أنه لم يأت في منع البيع والنكاح قرآن ولا حديث فالأصل الجواز، وقال ابن عبد السلام: قول أشهب بأن يكون ما أعطاه الزوج يساوي [٣٢٤/ ب] نصف دينار فأكثر، أما إذا كان يساوي ربع دينار وزيادة يسيرة فلا يمكن أشهب أن يقول بالجواز، لكن المثال الذي ذكره المصنف لا يحتاج إلى هذا التقييد؛ لأنه
стр. 1865
فرض المسألة أن العبد يساوي ألفين، ولهذا كان قول ابن الماجشون وما بعده خارجاً عن فرض المسألة.
وجرت عادة الشيوخ هنا بتكثير الأمثلة، فيقولون: إن كان العبد يساوي ألأفاً جاز عند أشهب فقط، وإن كان يساوي ألفاً وربع دينار جاز على قول أشهب ومطرف، لكن المصنف ﵀ قد يأتي بأقوال أعم من فرض المسألة للاختصار.
قيل: وإنما يقضي على قول أشهب على النكاح وما أعطته المرأة إذا كان المدفوع مقارباً لهما جميعاً، وأما إن كان أكثر منهما جميعاً بكثير، فيحمل على أن الزوج زادها ذلك رغبة في نكاحها، وكذلك إن كان أقل نمهما بكثير، حمل على أن المرأة نقصته لرغبتها في نكاحه.
قال في البيان: وهو معنى حسن لو ساعده ظاهر اللفظ.
واختلف في تعليق المشهور، فقال أصبغ: حماية من النكاح بغير صداق؛ لأن بعض النساء ترضى أن تتزوج الرجل على أن تعطيه.
وقيل: لأنه عقد جمع بين متضادين؛ لأنا لبيع مبني على المكايسة وتجوز فيه الهبة بخلاف النكاح فلذلك فسد.
وقيل: للجهل بما ينوب النكاح وهو تعليل ابن الكاتب، ولهذا قال: لو قوم المدفوع قبل العقد، فأحسبهم لا يختلفون في جوازه؛ لأنه يصير للبضع شيء معلوم، كما لو تزوج امرأتين في عقد واحد وسمى لكل واحدة صداقها.
فرع: إذا أعطت المرأة الرجل شيئاً ليتزوجها به، فإن كانت ثيبا وزاندها ربع دينار جاز النكاح؛ لأنها مالكة نفسها، وإن زادها أقل أو لم يزدها شيئاً كان بمنزلة من تزوج بأقل من ربع دينار أو بلا شيء وقد تقدم حكمه، وأما البكر فلا تجوز عطيتها؛ لأنها مولى عليها. واختلف قول ابن القاسم في الذي يلزم الزوج سواء زادها أم لا، فمرة قال: النكاح ثابت لا خيار له فيه دخل أو لم يدخل، ويؤخذ منه قدر ما كان أصدقها وإليها
стр. 1866
رجع ومرة قال: إن كان قبل الدخول كان مخيراً في إعطائها ذلك أو فسخ النكاح، وإن كان بعد الدخول كان لها صداق مثلها.
وَكَذَلِكَ بِأَلْفٍ عَلَى أَنْ يُعْطِيَهُ الأَبُ دَاراً
أي: في كونه ممنوعاً لاجتماع النكاح والبيع، ويفسخ أيضاً، قال في الجواهر: وهو من باب جمع الرجلين سلعتيهما، وسيأتي بيان الخلاف في ذلك إن شاء الله تعالى. وما ذكره المصنف هو نص كلام ابن القاسم في العتبية، ولا يريد أن الأب يأخذ عوض الدار بل قرروا أن الأب وهب تلكا لدار لابنته ثم باع الدار وزوج الابنة في عقد واحد، ووجه الشبه بين هذه المسألة والتي قبلها ظاهر؛ لأن الزوج كما خرج منه في الأولى عبد في مقابلة البضع وألف، كذلك خرج منه ههنا ألف في مقابلة بضع ودار، أما لو تزوجها على غير صداق مسمى بأن تزوجها تفويضاً على أن أعطاه الأب داراً لصح النكاح وفرق بينهما.
ابن محرز: بأن الدار ههنا هبة خالية عن العوض، وفي المسألة الأولى كانت مقابلة لبعض الصداق.
وَإِذَا جَعَلَ رَقَبَةَ الْعَبْدِ صَدَاقاً لِزَوْجَتِهِ فَسَدَ مُطْلَقاً لأَنَّ إِثْبَاتَهُ يَرْفَعُهُ بِخِلافِ الْخَمْرِ
يعني: إذا زوج الرجل عبده امرأة وجعل صداقها رقبته فسد مطلقاً؛ أي: قبل الدخول وبعده؛ لأن إثبات النكاح يوجب كون الصداق الذي هو العبد ملكاً للزوجة، وثبوت ملكها له يرفع النكاح؛ لما تقدم أن النكاح والملك لا يجتمعان، وهذا معنى قوله: (لأَنَّ إِثْبَاتَهُ يَرْفَعُهُ).
وقوله: (بِخِلافِ الْخَمْرِ) أي فإن النكاح يثبت بعد البناء.
стр. 1867
وَفِيهَا: وإِذَا زَوَّجَ أَمَتَهُ عَلَى أَنَّ مَا وَلَدَتْ حُرُّ لَمْ يُقَرَّ، ولَهَا الْمُسَمَّى بِالدُّخُولِ، وقِيلَ: الأَصَحُّ صَدَاقُ الْمِثْلِ.
أي: يفسخ قبل البناء وبعده، ونقل في البيان الاتفاق على ذلك، قال: ولا يبعد دخول الخلاف فإنه يفسخ قبل البناء فقط؛ لأنه فسد لشرط فيه. انتهى. ولعله إنما لم يقر؛ لأنه بيع الأجنة بزيادة في الصداق، كذل كيشكل مذهب المدونة في إيجاب المسمى.
المتيطي: لأن مقصود الزود لم يحصل ولم يرض بدفع ذلك القدر إلا على استدامة النكاح، فإذا لم يوف له بذلك وفسخ النكاح وجب أن ينقص الزوج بقدر ما فاته.
وقوله: (وقِيلَ: الأَصَحُّ صَدَاقُ الْمِثْلِ)، هذا القول حكاه ابن يونس، وقال: إنه الأقرب، وكذلك قال ابن بشير: إنه الأقيس.
خليل: وفيه نظر؛ لأن صداق المثل قد يكون أكثر من المسمى، فالذي يظهر هنا أن يكون لها الأقل من المسمى وصداق المثل، وهل هذا الإشكال هو الذي أوجب عدم جزم المصنف بأن الأصح صداق المثل ولم يتعرض المصنف الولد، ونص في المدونة وغيرها على أنه حر بالشرط وولاؤه لسيده ولا قيمة على الزوج فيه.
فرع: فإن استحقت أخذها المستحق وولدها ورد عتقه؛ [٣٢٥/ أ] لأن العتق فيه إنما كان من السيد لا من الأب، قاله ابن القاسم في العتبية، وليس للأب أن يعطي السيد القيمة إلا برضاه، ولا للسيد أن يلزم الأب ذلك بخلاف الأمة الغارة، والفرق أنه هنا شرط حرية الولد غير مالك الرقبة، ومتزوج الغارة أنها تزوج حرة في ظنه وأن ولده منها حر من أصله، فوجب أن يكون حراً وبذلك قضى عمر.
فرعان:
الأول: لو زوج أمته على أن أول ولد تلده حر، ففي سماع عيسى ويحيى أنه يفسخ مطلقاً كالأول، وقال ابن الماجشون: إذا لم يعثر على ذلك حتى ولدت فلا يفسخ؛ لأن
стр. 1868
الشرط قد ذهب، قال في البيان: وقوله: يأتي على رواية ابن القاسم عن مالك في المدونة في نكاح المريض والمريضة أنهما إذا صح قبل الفسخ ثبت النكاح لذهاب علة الفسخ.
الثاني: إذا زوج عبده من أمة غيره على أن ما تلده يكون بينهما، فروى ابن المواز أنه يفسخ مطلقاً، قال: والولد لسيد الأمة، وحكى أبو الفرج أن الولد بينهما ولها مهر المثل بالمسيس، فإن كان أكثر من المسمى فقال بعض القرويين: لا يزاد على المسمى على رواية محمد؛ لأن الزوج زاد في مهرها على شرط لم يحصل له، وعلى ما قاله أبو الفرج يكون له الزائد لحصول غرضه.
وَإِذَا شَرَطَ مَا يُنَاقِضُ مُقْتَضَى الْعَقْدِ مِثْلَ: أَنْ لا يَقْسِمَ لَهَا، أَوْ يُؤْثِرَ عَلَيْهَا فَكَالصَّدَاقِ الْفَاسِدِ، وما لا يُنَاقِضُهُ يُلْغَى، فَإِنْ كَانَ لَهَا فِيهِ غَرَضُ مِثْلَ: أَنْ لا يَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا، ولا يَتَسَرَّى، أَوْ لا يُخْرِجُهَا مِنْ بَلَدٍ أَوْ بَيْتٍ فَمَكْرُوهُ. قَالَ مَالِكُ: لَقَدْ أَشَرْتُ عَلَى الْقَاضِي أَنْ يَنْهَي النَّاسَ عَنْ ذَلِكَ، ولَيْسَ بِلازِمٍ.
حاصله: أن الشروط في النكاح على ثلاثة أقسام:
الأول ما يناقض مقتضاه مثل ألا يقسم لها أو يؤثر عليها أو لا نفقة أو لا ميراث لها فالكصداق الفاسد؛ أي يفسخ قبل البناء ويثبت بعده على المشهور، وهكذا قال في الجواهر.
ابن عبد السلام: ونقل بعضهم الاتفاق على ذلك وأشار إليه، ونقل ابن القاسم فيما إذا تزوج على ألا نفقة أو لا ميراث أنه يفسخ بعد البناء، وحكى اللخمي فيها وفي نكاح النهارية، أو على أن يؤثرها على غيرها، أو ألا ي عطيها الولد، أو على أن أمرها بيدها، بعد أن ذكر أن هذه الشروط لا يصح الوفاء بها ثلاثة أقوال، فقيل: يفسخ قبل البناء فقط، وقيل: يفسخ قبله وبعده.
ابن زياد: إن تزوجت على ألا ميراث لها، أو لا يعطيها الولد، أو على أن أمرها بيدها، فعلم بذلك قبل الدخول أو بعده، قيل للمرأة أمرك بيدك الآن، فإن اختارت فراقه
стр. 1869
كان ذلك لها، وإن لم تختر فلا شيء لها ويقيمان على نكاحهما، وإن مسها بعد أن جعل الأمر إليها فلا خيار لها.
اللخمي: وهذا هو أحد الأقوال في الشروط الفاسدة في البيع أن مشترطها بالخيار بين أن يسقطها فيمضي البيع أو يتمسك بها فيفسخ، وهذا هو المنقول، وسلك ابن بشير طريقة أخرى فقال: الشرط إن عاد بخلل في العقد فسخ قبل البناء، وفي فسخه بعد البناء قولان، وإن عاد بخلل في الصداق فثالثها: يفسخ قبله لا بعده، وهي حسنة من جهة الفقه إلا أن الأنقال لا تساعده.
القسم الثاني: ما لا يناقضه بل يكون العقد يقتضيه وإن لم يذكر، كشرطه أن ينفق عليها أو يبيت عندها ولا يؤثر عليها ونحو ذلك، فوجد ذلك وعدمه سيان، ولا يوقع في العقد خللاً ويحكم به ترك أو ذرك، وإلى هذا أشار بقوله: وما لا يناقضه يلغى.
القسم الثالث: ما لا تعلق له بالعقد فلا يقتضيه ولا ينفيه، وللمرأة فيه غرض كشرط ألا يتزوج عليها، فذكر المصنف أنه مكروه ملغى، وقسمه اللخمي وغيره على ثلاثة أقسام: جائز، ومكروه، ومختلف فيه.
الأول: أن يشترط ألا يضر بها في نفسها ولا مالها ولا في نفقة ولا كسوة وكل ذلك جائز وداخل في قوله تعالى: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ [النساء: ١٩].
والثاني: أن يشترط إسقاط ما له أن يفعله دون أن يعلقه بشيء، مثل ألا يتزوج عليها ولا يتسرى أو لا يخرجها من بلدها أو بيتها، فهذا مكروه لما فيه من التحجير، فإن نزل فالنكاح جائز.
مالك: والشرط باطل، وله أن يخرجها ويتزوج ويتسرى ويستحب له الوفاء بذلك. وقال ابن شهاب: يلزمه ذلك وهو أحسن لما في الصحيحين: "إن أحق الشروط أن توفوا به ما استحللتم به الفروج".
стр. 1870
والثالث: أن يشترط إسقاط ما له أن يفعله بعتق أو تمليك أو طلاق، فاختلف في ذلك، فقال مالك في الموازية: لا يحل الشرط ابتداء فإن وقع الدخول رأيته جائز النكاح ولزم الشرط، وقال ابن القاسم في الموازية: فيمن تزوج امرأة على أنه إن أضر بها أو شرب خمراً أو غاب عنها فأمرها بيدها فذلك يكره أن يعقد عليه، فإن وقع الدخول رأيته جائزاً.
اللخمي: وأجاز ذلك سحنون ابتداء وزوج [٣٢٥/ ب] غلامه أمته، على أنه إن سرق زيتونة فأمر امرأته بيدها، وأنكر ابن بشير على اللخمي وجود هذا القول، وقال: فعل سحنون لا يدل على أن مذهبه الجواز؛ لأنه قد يستخف مثل هذا للضرورة، وأيضاً فإن فعل أحد لا يدل على الجواز إلا من وجبت له العصمة وفيه نظر؛ لأن العلماء لم تزل تستدل على مذاهب العلماء بأفعالهم لاسيما مثل سحنون الذي هو أشد الناس ورعاً، بل فعل أهل الورع أقوى في الجواز من قولهم؛ لأنه يفتي الغير بالجوار ويتورع هو من فعله. وقوله: (إن فعل أحد) لا يدل على الجواز، إن أراد أنه لا يكون حجة فصحيح، وإن أراد أنه لا يدل على أن مذهبه الجواز فممنوع لما ذكرنا، وقول المصنف في القسم الثالث: (مَكْرُوهُ) سبب الكراهة فيه واضح؛ لأن فيه تفويت غرض المرأة، ولهذا قال ابن شهاب وغيره بلزوم الشرط هنا.
وقوله: (وقَالَ مَالِكُ .. إلخ) هذا مختصر من العتبية ونصها: أشرت على القاضي منذ دهر أن ينهى الناس ألا يتزوجوا على الشروط وألا يزوجوا إلا على دين الرجل وأمانته، وأنه كتب بذلك كتاباً وصيح به في الأسواق.
ولمالك في العتبية أيضاً: لا ينبغي لأحد أن يشهد كتاباً فيه شروط بحرية أو طلاق أو مشي إلى مكة. ونص ابن شعبان على معاقبة الشاهد في نكاح فيه شروط من ترك نكاح غيرها أو طلاق أخرى.
стр. 1871
سحنون: ولا ينبغي للموثق أن يكتب أن الداخلة طالق ثلاثاً، ولا ينبغي لأحد أن يكتب شهادته فيه وكان يستحق فالداخلة طالق واحدة.
فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ شَيْئاً مُعَيَّناً مِنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ رَجَعَتْ بِهِ إنْ خَالَفَ، وإِنْ خَفَّفَتْ قَبْلَهُ ولَمْ تُعَيِّنْ لَمْ تَرْجِعْ، وقِيلَ: تَرْجِعْ إِنْ كَانَ نَقَصَ مِنْ صَدَاقِ الْمِثْلِ، وإِنْ عَيَّنَتْ فَقَوْلانِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى يَمِينٍ عَلَيْهِ لَمْ تَرْجِعْ فِي الْجَمِيعِ ..
حاصله: أنها إن وضعت شيئاً من صداقها على ألا يتزوج عليها أو لا يتسرى ونحو ذلك، وفرعنا على قول مالك بعدم اللزوم فتزوج، فإن كان الشرط معلقاً بطلاق أو عتق أو تمليك فليس لها رجوع للزوم الطلاق والعتق، وإلى هذا أشار بقوله آخر المسألة: (فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى يَمِينٍ عَلَيْهِ لَمْ تَرْجِعْ فِي الْجَمِيعِ) أي في جميع الصور سواء كان ذلك بعد العقد أو قبله، وإن لم يكن معلقاً بيمين فثلاث صور:
الأولى: أن تضع له شيئاً معيناً من صداقها بعد العقد، كما إذا كان صداقها ألف فوضعت منه شيئاً، إما عدداً أو جزءاً فإنها ترجع إن خالف، وهذا معنى قوله: (فَإِنْ وَضَعَتْ لَهُ شَيْئاً مُعَيَّناً مِنْ صَدَاقِهَا بَعْدَ الْعَقْدِ رَجَعَتْ بِهِ) يريد: أو أعطته شيئاً من مالها، وإنما ذكر الصداق؛ لنه قد يتوهم أن أمره خفيف، فنبه ﵀ بالأخف على الأشد، وكلام المصنف في هذه الصورة قريب من كلامه في المدونة، وذلك يدل على أن ذلك عقد جائز، ومنعه في السليمانية وكتب المدنيين؛ لأن له أن يوفي وألا يوفي، فصار ما تعطيه تارة ثمناً وتارة سلفاً، ووجه الأول أنهما دخلا على الوفاء بالشرط وإن خالف بعد ذلك فأمر طارئ.
الصورة الثانية: أن تخفف قبل العقد ولم تعين، بل قالت له: أتزوجك مثلاً بألف، وعلم أن صداق مثلها ألفان، فالمشهور أنها لا ترجع، وبه أخذ أصبغ وغيره، وحكى في الجواهر ثلاثة أقوال: الأول: ترجع بما تركته، وفي الكتاب: لا ترجع. وقال علي بن زياد:
стр. 1872
ترجع إن كان ما وضعته من صداق المثل دون أن يكون من الزائد، رواه ابن نافع، وعلى الرجوع بتمام صداق المثل، فلو تنازعا فالقول قولها: أنها تركت لأجل الشرط، وكأن المصنف أسقط القول بالرجوع مطلقاً؛ لأما قاله ابن بشير: أن الأشياخ ردوه إلى الثالث.
الصورة الثالثة: أن تضع بعد التعيين وقبل العقد، مثاله: لو تقرر أن صداقها ألف ثم قالت له: أنا أسقطت عنك مائتين على ألا تتزوج عليَّ، فالمشهور أيضاً أنها لا ترجع، ومقابله رواه أشهب عن مالك: أنها ترجع بما وضعت، وصوبه ابن يونس.
ابن عبد السلام: وحكى غير واحد أنها ترجع بالأقل مما نقصت ومن تمام صداق المثل.
ففي المسألة على هذا ثلاثة أقوال، وظاهر كلام المصنف وكلام غيره فيما إذا وضعت بعد العقد: أنها تخرج عليه سواء خالف عن قريب أو بعد تحقيقاً للوضيعة، وقاله ابن عبد السلام: وأشار ابن عبد السلام إلى أنه ينبغي أن يفرق في ذلك بين القرب والبعد، كما فرقوا إذا أراد طلاقها فوضعت من صداقها أو سألها الحطيطة، فقالت: أخاف أن تطلقني، فقال: لا أفعل، فخففت ثم طلقها، أو أعطت زوجها مالاً على أن يطلق ضرتها فيطلقها ثم يريد مراجعتها، وكما قالوا: إذا سأل البائع المشتري الإقالة، وقال المشتري: إنما مرادك البيع لغيري لأجل إن اشتريتها برخص، فيقول له البائع: متى بعتها فهي لك بالثمن الأول، أنه إن باع عقيب الإقالة أو قريباً منها فللمبتاع شرطه، فإن باع بعد الطول أو بحدوث سبب اقتضاه فالبيع ماضٍ، والكلام على الشروط متسع، انظر المتيطية، واقتصرنا على ما ذكره المصنف تبعاً له.
أَمَّا لَوْ أَصْدَقَهَا أَلْفاً عَلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَتْ لَهُ امْرَأَةُ أُخْرَى فَأَلْفَانِ فَصَدَاقُ فَاسِدُ
لأنه لا ندري حين العقد ما يصح لها فصار [٣٢٦/ أ] صداقها مجهولاً.
стр. 1873
وَإِذَا قَالَ: زَوِّجْنِي بِأَلْفٍ فَزَوَّجَهُ بِأَلْفَيْنِ ولَمْ يَعْلَمْ وَاحِدُ بِالتَّعَدِّي قَبْلَهُ فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدُّخُولِ، فَإِنْ رَضِيَتْ بِأَلْفٍ أَوْ رَضِيَ بِأَلْفَيْنِ لَزِمَ، وإِنْ لَمْ يَرْضَيَا لَمْ يَلْزَمْ ..
هذه المسألة في النكاح الأول من المدونة وأكثر الناس الكلام عليها، وذكر المصنف منها جملة صالحة، ومعنى كلامه: إذا وكل رجلاً على أن يزوجه بألف فزوجه بألفين ولم يعلم واحد من الزوجين بالتعدي قبل العقد، وعلم بذلك قبل الدخول، وقامت على التوكيل بالألف بينة وعلى التزويج بالألفين بينة، أو حصل التصادق في ذلك، أو قامت البينة على أحد الأمرين وحصل التصادق في الآخر، فالحكم كما قاله المصنف: إن رضيت المرأة بألف أو رضي الزوج بألفين لزم النكاح، وإن لم يرض واحد منهما بقول الآخر فسخ النكاحن قال في المدونة: بطلاق.
ابن يونس: وقال المغيرة: بغير طلاق.
ابن القاسم: وسواء في ذلك قال له: زوجني فلانة، أو قال: زوجني، ولم يقل فلانة.
ابن عبد السلام: وعدم التفرقة في المرأة بين أن تكون معينة أم لا هو ظاهر المذهب. وقال أصبغ: إذا لم يعين الزوج ينبغي أن يكون القول قول الأم إذا أشبه ودخل؛ لأنها فرطت، وإذا عين له امرأة ولا يشبه ما قال أن يكون صداقها فالقول قول الرسول، هكذا نقل التونسي عنه واختاره.
قال ابن عبد السلام: وإن كان لفظه هكذا فليس فيه كبير مخالفة للمشهور، قيل: وإن أقر الوكيل هنا بالتعدي- يعني: قبل الدخول- لزمته الألف الثانية، وفيه نظر من وجهين: أحدهما: أنه لم يفوت بتعديته شيئاً فلا يضمن، والثاني: أنه لو ضمن بالإقرار لضمن مع قيام البينة.
стр. 1874
وَلَوْ قَالَ الْوَكِيلُ: أَنَا أَغْرَمُ الزَّائِدَ، فَفِي إِلزامِ الزَّوْجِ قَبُولَهُ قَوْلاَنِ
هذا مذهب المدونة وهو المعروف، ولم يلزم الزوج قبول الزائد لوجهين: أحدهما: أن ذلك عطية من الوكيل فلا يلزم قبولها، والثاني: لما عليه في ذلك من ضرر زيادة النفقة، فإن نفقة من صداقها ألفان غير نفقة من صداقها ألف، وذكر ابن بشير قولاً آخر باللزوم، ووقع في بعض النسخ التنبيه عليه.
وَلِكُلِّ فَسْخُهُ، وَلِكُلِّ تَحْلِيفُ الآخَرِ حَيْثُ لا يُعَدُّ نُكُولُهُ كَإِقْرَارِهِ، وإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةُ بِذَلِكَ، فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَ ..
يعني: ولكل من الزوجين فسخه إذا لم يرض بقول الآخر كما تقدم.
قوله: (وَلِكُلِّ تَحْلِيفُ الآخَرِ) اعلم أن هذه المسألة لها أربع صور: الأولى: أن تقوم للرجل على التوكيل بالألف بينة وللمرأة على التزويج بالألفين بينة. والثانية: ألا يقوم على كل منهما بينة. والثالثة: أن تقوم للرجل بينة على التوكيل بالألف وليس على التزويج بألفين بينة، وإنما الوكيل يصدقها. والرابعة: عكس الثالثة، والحكم في الجميع ما قدمه المصنف أن لكل منهما الرضا بقول الآخر وإلا انفسخ.
وقوله: (وَلِكُلِّ تَحْلِيفُ الآخَرِ) فيما يصير إقراره إن لم تقم بينة خاص بالثلاث الأخيرة.
فإذا لم يكن على الوكيل بالألف بينة كان للزوجة أن تحلف الزوج أنه لم يأمره إلا بالألف، فإن نكل لزمه النكاح بالألفين، وإن حلف قيل للزوجة: إما أن ترضي بالألف وإلا انفسخ النكاح، وكذلك إن قامت له بينة ولم يكن على التزويج بالألفين بينة فله أن يحلفها أنها لم ترض بالألف، فإن نكلت لزمها النكاح بالألف، وإن حلفت قيل للزوج: إما أن ترضى بألفين وإلا فسخ النكاح.
стр. 1875
وكذلك إن قامت له بينة ولم يكن على التزويج بالألفين بينة فله أن يحلفها أنها لم ترض بالألف وإن نكلت لزمها النكاح بالألف، وإن حلفت قيل للزوج: إما أن ترضى بألفين وإلا انفسخ النكاح. وعلى هذا فقوله: (فَإِنْ نَكَلَ لَزِم) أي: وإن نكل من توجهت عليه اليمين من الزوجين (لَزِمَ) أي: النكاح بما ادعاه عليه الآخر، وهذا ظاهر إذا قامت لأحدهما بينة دون الآخر، وإن لم تقم لواحد منهما بينة، فنص ابن يونس وغيره على أن الحكم فيها كاختلاف الزوجين في الصداق قبل البناء، فتحلف الزوجة أن العقد كان بألفين، ثم يقال للزوج: ارض بذلك أو احلف أنك ما أمرته بألفين، ويفسخ النكاح إلا أن ترضى الزوجة بألف، وكلام المصنف لا ينافيه؛ لأن قوله: (وَلِكُلِّ تَحْلِيفُ الآخَرِ) لا دلالة فيه أن لمن شاء منهما أن يحلف صاحبه أولاً.
وَلا تُرَدُّ لأَنَّهَا يَمِينُ تُهْمَةٍ إِلا أَنْ يَدَّعِىَ تَحْقِيقاً فَتُرَدَّ
يعني: إذا توجهت اليمين على أحد الزوجين ونكل لزم لكل منهما ما ادعاه الآخر بنكوله، وليس له أن يرد اليمين على صاحبه؛ لأنها يمين تهمة وأيمان التهم لا ترد، فإن ادعى أحدهما على صاحبه التحقيق بأن تقول: أنا أتحقق بأنك أمرت الوكيل أن يزوج بألفين، أو يقول الزوج: أنا أتحقق أنك رضيت بألف، فحينئذ لا يلزم الحكم بمجرد النكول وترد اليمين.
وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الدُّخُولِ لَزِمَ بِأَلْفٍ، وقِيلَ: بِصَدَاقِ الْمِثْلِ
ما صدر به هو مذهب المدونة، زاد فيها: ولا يلزم المأمور شيء؛ لأنها صدقته وهو المشهور، وقيده ابن المواز بما إذا حلف الزوج، قال: وأما إذا نكل حلفت الزوجة وأخذت الألفين.
ابن محرز: وهذا إذا لم تكن لها بينة على عقد النكاح بألفين، فإن كان لها بينة لم تحلف وغرم الزوج الألفين، والقول بإلزام الزوج صداق المثل لعبد الملك، [٣٢٦/ ب] وينبغي أن
стр. 1876
يقيد بما إذا كان صداق المثل ألفاً فأكثر، وأما إذا كان أنقص فلا ينقص؛ لأن الزوج رضي به، وكذلك إذا زاد على الألفين فلا يزاد عليهما؛ لأنها رضيت بهما.
تنبيه:
ما ذكره في المدونة من أنه لا يلزم الوكيل شيء، إنما هو إذا لم يقر بالتعدي أو لم تقم عليه بينة، وأما إذا أقر بالتعدي أو قامت عليه بينة فقد بين المصنف حكمه بقوله:
وَفِي إِلْزَامِ الْوَكِيلِ الزَّائِدَ بِالإِقْرَارِ وبِالتَّعَدِّي أَوْ بِالْبَيِّنَةِ قَوْلاَنِ
المشهور الغرم، قال في المدونة: وإن أقر المأمور بعد البناء بالتعدي غرم الألف الثانية والنكاح ثابت، والقول بعدم اللزوم لمالك في مختصر ما ليس في المختصر وهو مبني على أن الغرر بالفعل لا يوجب غرامة، وقيام البينة على الوكيل بالتعدي كالإقرار، واعلم أن المصنف سلك هنا طريقة غير ما سلكها اللخمي وابن بشير وابن شاس؛ لنهم حكوا: إذا دخل وأقر الوكيل بالتعدي أو قامت عليه البينة ثلاثة أقوال: المشهور، وما في المختصر، وإلزام الزوج صداق المثل والوكيل الباقي، وكأن المصنف عدل عن ذلك؛ لأنه رأى أن ما ذكره أعم فائدة؛ لأن قوله: (إِلْزَامِ الْوَكِيلِ الزَّائِدَ) يشمل الألف الثانية وما زاد من صداق المثل على الألف، على القول بإلزامه ذلك بخلاف ما قاله اللخمي؛ لأنه لا يتناول ما زاد على صداق المثل، فكانت طريقة المؤلف أولى، وهذا وإن كان حسناً لكن هذه الفائدة وأمثالها ليس مدركها الاستدلال وإنما تؤخذ من النقل، فإن وجد عدم إلزام الوكيل الزائد، على القول بأن الزوج يغرم صداق المثل؛ كانت طريقة المؤلف أولى وإلا فلا.
فَفِي تَحْلِيفِهَا لَهُ قَوْلانِ
الفاء للسببية؛ أي: لما اختلف في غرم الوكيل، نشأ عن ذلك خلاف في تحليف المرأة له، فعلى القول بأن لها أن تغرمه لها أن تحلفه إن اتهمته أو حققت عليه العداء، وعلى القول
стр. 1877
بعدم التغريم فلا تحلفه؛ لأن غاية النكول أن يعد كالإقرار، وهو لو أقر به لم يلزمه شيء، والقولان اللذان ذكرهما المصنف في تحليفها الوكيل حاصلان فيما إذا قامت البينة على عقد النكاح بألفين، وحصل الدخول ولم يقم على التوكيل بينة، وكذلك هما حاصلان إذا لم تقم على عقد النكاح بينة، وحلف الزوج وأدى ألفاً، وأما إن نكل فقال أصبغ: للزوج إن نكل وغرم الألف الثانية أن يحلف الرسول فإن نكل أغرمه ما غرم.
محمد: وهو غلط ولا يمين على الرسول؛ لأنه لو نكل لم يحكم عليه إلا بعد يمين الزوج، والزوج قد نكل عن اليمين حين لم يحلف للمرأة.
فَإِنْ عَلِمَ أَحَدُهُمَا بِالتَّعَدِّي قَبْلَهُ فَالزَّوْجُ أَلْفَانِ والزَّوْجَةُ ألْفُ
يعني: أن ما تقدم إنما هو إذا لم يحصل علم من أحد الزوجين، فإن علم أحدهما بتعدي الوكيل قبل الدخول، فإن كان الزوج فقط فعليه ألفان؛ لأن دخوله رضا بالألفين، وإن علمت الزوجة فتمكينها من نفسها رضا منها بالألف؛ لأن الألف الأخرى محض عداء.
فَإِنْ عَلِمَا وعَلِمَ كُلُّ بِعِلْمِ الآخَرِ فَأَلْفَانِ
أي: فإن علم كل واحد من الزوجين بالعداء، وعلم كل واحد منهما بعلم صاحبه بأن الوكيل تعدى بالواجب، للزوجة ألفان؛ لأن الزوج لما علم بتعدي الوكيل ودخل على ذلك، والمرأة علمت بأن الزوج دخل على ذلك وجب أن يكون لها ألفان، وينبغي ألا تكون لها الألف الثانية بكمالها، بل تقسم بينهما كما في المسألة التي بعد هذا؛ وهي قوله:
فَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَحَدُهُمَا بِعِلْمِ الآخَرِ فَالرِّوَايَةُ: أَلْفَانِ، وَقِيلَ: الْعَدْلُ أَنْ يَكُونَ الزَّائِدُ بَيْنَهُمَا ..
قوله: (فَالرِّوَايَةُ) نظراً إلى ما دخل عليها الزوج.
стр. 1878
قوله: (وَقِيلَ) هو قول اللخمي وتبعه غير واحد من المتأخرين؛ لأن الزوج وإن دخل على ألفين فالزوجة أيضاً قد دخلت على أن لها ألفاً فتقسم الألف الزائدة بينهما.
وَبِالْعَكْسِ أَلْفَانِ
يعني: إذا علم الزوج بتعدي الوكيل، وعلمت المرأة بتعديه وبأن الزوج علم بالتعدي ولم يعلم هو بعلمها، فعلى الزوج ألفان؛ لأنها تقول له: أنت دخلت على ذلك.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْجَمِيعِ لُزُومُ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ
هذا من المصنف ﵀ بيان للعلة في جميع المسائل المتقدمة، والله أعلم.
وَإِذَا أَذِنَتْ بِالتَّزْويجِ خَاصَّةً فَزُوِّجَتْ بِأَقَلَّ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ لَمْ يَلْزَمْهَا الْعَقْدُ بِخِلافِ الأَبِ يُزَوِّجُ الْمُجْبَرَةَ ..
يعني: إذا أذنت اليتيمة المالكة لأمرها لوليها في التزويج خاصة ولم تسم له قدر المهر؛ فإن زوجها بمهر المثل لزمها، وإن زوجها بأقل لم يلزمها النكاح باتفاق نقله في البيان، كتوكيلها على بيع سلعة في الوجهين، وانظر لو رضي الزوج بتمام صداق المثل بعد أن أبت، والأقرب لزوج النكاح إن كان بالقرب.
وقوله: (بِخِلافِ الْمُجْبَرَةَ) أي: فإن للأب أن يزوج ابنته بأقل من صداق مثلها، وقد تقدم ذلك.
وَإِذَا اتَّفَقَا عَلَى صَدَاقِ السِّرِّ وأَعْلَنَا غَيْرَهُ فَالصَّدَاقُ مَا فِي السِّرِّ
يعني: إذا أظهر الزوجان صداقاً وأخفيا دونه أو مخالفاً له في الجنس أو الصفة فالعمل على ما في السر، وهذا ظاهر إن اتفق الزوجان على ذلك، وأما إن ادعت الزوجة الرجوع عنه إلى ما في العلانية، فإن كان شهود [٣٢٧/ أ] السر شهدوا أن العلانية لا أصل لها وأن المعمول على ما أسرَّا فلا يمين على الزوج، وإن كان إنما شهدوا بأن النكاح وقع بخمسين
стр. 1879
مثلاً ثم أعلنوا مائة ولم يشهدوا بإبطال ما في العلانية، فإن الزوج يحلف، قاله اللخمي وعياض وابن شاس وأقام بعض المتأخرين من هنا إعمال شهادة الاسترعاء.
فرع: إذا تزوجها بثلاثين ديناراً عشرة منها نقداً وعشرة إلى سنة وسكت عن العشرة الثانية، فالروايات: أن العشرة المسكوت عنها ساقطة، ولو كان ذلك في البيع لكانت العشرة الأخرى حالة، والفرق أن النكاح قد يظهر فيه غرر ويكون في السر دونه، فيكون سكوتهم عن تلك العشرة دليلاً على إسقاطها، ولا كذلك البيع.
وَ نِكَاحُ التَّفْوِيضِ: جَائِزُ؛ وهُوَ إِخْلاءُ الْعَقْدِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْرِ.
لقوله تعالى: (لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) [البقرة: ٢٣٦] فأباح الطلاق في النكاح الذي لم يفرض فيه يدل على صحته، وأيضاً فإنه قد رفع الجناح مع عدم الفرض وذلك يقتضي رفع الإثم عن العقد.
الباجي: ولا خلاف في جوازه وصحته، قال: وصفته أن يصرحوا بالتفويض أو يسكتوا عن ذكر المهر قاله أشهب وابن حبيب. وهذا معنى قوله: (وهُوَ إِخْلاءُ الْعَقْدِ مِنْ تَسْمِيَةِ الْمَهْر).
فَإِنْ صَرَّحَ بِإِسْقَاطِهِ فَسَدَ كَالْخَمْرِ
أي: فيفسخ قبل البناء ويثبت بعده بصداق المثل على المشهور، وأفاد تشبيهه بالخمر أن في هذه المسألة الثلاثة الأقوال المتقدمة وهو صحيح، فقد حكى في المدونة في فسخه بعد البناء قولين، واستحسن ابن القاسم فيها عدم الفسخ، وحكى ابن شعبان أن هذه الصورة كنكاح التفويض، وعليه فلا يفسخ قبل البناء ولا بعده ويكون لها صداق المثل، وقال ابن حبيب: يخير الزوج قبل البناء بعد أن يفرض ربع دينار أو يفارقها ولا شيء عليه، وقال: لا يجبر على فرض ربع دينار؛ لأنه دخل على ألا شيء عليه، وفي تشبيهه بالخمر أيضاً فائدة أخرى، وذلك أنه لو اقتصر على قوله: (فَسَدَ) لتوهم أن فساده لعقده.
стр. 1880
وَلَفْظُ: وَهَبْتُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِهِ مِثْلُهُ
أي: ولفظ الهبة من غير ذكر الصداق كالتصريح بالإسقاط، ومن المدونة قال ابن القاسم: وليس الموهوبة إذا لم يسموا معها صداقاً كالتفويض، وكأنه قال في الهبة: قد زوجتكها بلا صداق، فلا يصح ولا يقر هذا النكاح ما لم يدخل بها، فإذا دخل بها فلها صداق مثلها ويثبت النكاح.
سحنون: وقد كان قال: يفسخ وإن دخل بها، ابن المواز: وقاله أشهب وابن عبد الحكم وأصبغ.
أصبغ: لأن فساده في البضع. أشهب: ويكون لها إذا فسخ ثلاثة دراهم. وقال ابن وهب: بل صداق المثل. ابن راشد: والأول أقيس؛ لأن الثلاثة من حق الله والزائد قد وهبته للزوج.
وَفِيهَا: قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فِي الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِرَجُلٍ فَمَسَّهَا يُعَاقَبَانِ وَيَفُرَّقُ بَيْنَهُمَا
اعلم أن الصورة الأولى قصد فيها ولي النكاح وهبة الصداق، وهذه قصد فيها هبة نفس المرأة، ونص في هذه على الفسخ قبل البناء والثبات بعده، واعترضه الباجي وقال: يفسخ قبل البناء وبعده، وهو زنى يجب فيه الحد وينتفي الولد وهو ظاهر. لكن ظاهر قول ابن شهاب: (يُعَاقَبَانِ) أنه لا يبلغ معاقبتهما الحد.
ربيعة: ويفرق بينهما وتعاض، وسواء وهبت نفسها أو وهبها أهلها قاله في المدونة.
ابن عبد السلام: وأشار بعض الشيوخ أن كلام ربيعة إنما يناسب أن يكون في المسألة الأولى لا في مسألة ابن شهاب.
وَالْمُفَوَّضَةُ تَسْتَحِقُّ مَهْرَ الْمِثْلِ بِالْوَطْء لا بِالْعَقْدِ ولا بِالْمَوْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ
أما استحقاقها مهر المثل بالوطء فلا خلاف فيه كما بالعقد، فلو طلقها قبل الفرض فلا تستحق شيئاً؛ لقوله تعالى: (وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) [البقرة: ٢٣٧] مفهومه: فإن لم تفرضوا لهن شيئاً لم يكن لهن شيء.
стр. 1881
قوله: (ولا بِالْمَوْتِ عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: ولا تستحق المهر بالموت على المشهور؛ لأنه إنما يتكمل بالموت ما يتشطر بالطلاق، وحكى عبد الحميد قولاً شاذاً أنه يجب لها بالموت، وهو قول ابن مسعود وجماعة، والمشهور قول علي وابن عمر وزيد بن ثابت وأكثر الصحابة.
مالك في الموازية: وليس العمل على قول ابن مسعود. واختار ابن العربي وغيره الشاذ؛ لما رواه الترمذي وصححه أنه ﵊ قضى به.
وَلا تَسْتَحِقُّ النِّصْفَ بِالطَّلاق إِلا أَنْ يُفْرَضَ شَيْءُ بَعْدَ الْعَقْدِ فَيَكُونُ كَمُسَمَّى فِي الْعَقْدِ ..
أما إذا طلق قبل الفرض فلا خلاف أنه لا شيء لها، قاله ابن عبد السلام.
وقوله: (إِلا أَنْ يُفْرَضَ شَيْءُ) يعني: فإنه إن فرض ثم طلق فإنه يتشطر ذلك المفروض، ولا إشكال فيه إن فرض صداق المثل أو دونه ورضيت، وأما إن كان أقل من صداق المثل ولم ترض به فإنه إذا طلق يرد عليه.
محمد: ولا يقبل منها بعد الطلاق أنها رضيت به قبله إلا أن تقدم بينة.
مالك: وإن قدم الزوج شيئاً ثم أدخلوها عليه ثم طلبوا بقية مهرها فلا شيء لهم إلا أن يكون ذلك المقدم لا يشبه أن يكون صداقاً كالدرهمين والثلاثة، ومثل الطعام يبعث فترجع عليه بصداق مثلها.
واستشكل بعض القرويين قوله: (إذا طلبوا البقية فلا شيء لهم)؛ لأن لهم أن يقولوا: أردنا اتباعه ببقية الصداق.
وَلِلْمَرْأَةِ طَلَبُ التَّقْدِيرِ قَبْلَ الدُّخُولِ [٣٢٧/ ب] فَإِنْ وَقَعَ الرِّضَا وإِلا فُسِخَ إِلا أَنْ يبذل صَدَاقُ مِثْلِهَا فَيَلْزَمُهَا ولا يَلْزَمُهُ كَوَاهِبِ سِلْعَةٍ لِلثَّوَابِ فَيَلْزَمُهُ أَخْذُ الْقِيمَةِ وَلا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ له الْقِيمَةُ ..
يعني: أن من حق المرأة ألا تمكن من سلعتها حتى تعلم ثمنها، ولابن شاس نحوه لقوله: وللمرأة طلب الفرض لتقدير التشطير أو لتعرف ما تستحق بالمسيس، ولها حبس
стр. 1882
نفسها للفرض. وقال ابن عبد السلام: إنما جعل لها في المدونة طلب التقدير إذا أراد الزوج البناء، والذي قاله في المدونة هو الصحيح، وعليه يتأول قول المؤلف، وإلا فلا فائدة فيما قاله المؤلف إن حمل على ظاهره.
خليل: ولم أر ما ذكره عن المدونة فيها. وقوله: (لا فائدة فيما قاله المصنف) ليلس بظاهر؛ لأن الفائدة ظاهرة مما تقدم من كلام ابن شاس، والله أعلم.
قوله: (فَإِنْ وَقَعَ الرِّضَا وإِلا فُسِخَ النكاح) أي: بطلاق؛ لأنه صحيح إلا أن يبذل الزوج صداق مثلها فيلزمها ولا مقال لها.
(ولا يَلْزَمُهُ) أي: ولا يلزم الرجل ابتداءً أن يفرض صداق مثلها؛ لأن المرأة هنا بمنزلة من وهب لرجل سلعة للثواب، فإن الموهوب له إن دفع القيمة لزم الواهب قبولها، ولا يلزم الموهوب له أن يعطي القيمة، وعلى هذا فالزوج هنا كالموهوب له، وقد يفهم من قوله وقول صاحب الجواهر: (وللمرأة طلب التقدير) أن لها أن تمكن من نفسها قبل الفرض؛ لأن اللام تقتضي أن ذلك من حق المرأة، ومن له حق جاز له تركه. وعلى هذا فلا يكون التقدير قبل البناء واجباً.
وفي المدونة: ليس للزوج البناء حتى يفرض، وقريب منه في الرسالة، لكن نص أبو الحسن أن ذلك على الاستحباب، وفي المقدمات: إنما يجب تسمية الصداق عند الدخول، فظاهره أن التقدير قبل البناء واجب. ابن حبيب وغيره: ولا ينبغي أن يبني بالمفوضة ولا يخلو بها حتى يقدم ربع دينار فأكثر.
وَفِيهَا: فَإِنْ فَرَضَ فِي مَرَضِهِ فَمَاتَ لَمْ يَجُزْ؛ لأَنَّهَا وَصِيَّةُ لِوَارِثٍ إِلا أَنْ يَطَأَ فَتَرُدَّ مَا زَادَ عَلَى الْمِثْلِ خَاصَّةً ..
لأنها لم لم تستحق الصداق بالموت، جعلوا ما فرضه لها وصية لوارث فتبطل إلا أن يجيزه الورثة ولا خلاف في إرثها لصحة النكاح. واختلف إذا لم يدخل وكانت ذمية أو
стр. 1883
أمة، فقال ابن المواز ونقله عن مالك: يكون لها ما فرض من الثلث. وقال ابن الماجشون: يبطل؛ لأنه لم يسم لها ذلك على سبيل الوصية، وإن دخل كان لها المسمى من رأس المال إن كان صداق المثل أو أقل بلا اختلاف، وإن فرض لها أكثر من صداق مثلها كان صداق المثل من رأس المال وبطل الزائد إلا ان يجيزه الورثة. وهذا معنى قول المصنف: (إِلا أَنْ يَطَأَ فَتَرُدَّ مَا زَادَ عَلَى الثُّلث خَاصَّةً).
فرع:
إنما يبطل ما زاد على صداق المثل إذا مات كما تقدم، فإن صح منه وهي حية ثبت لها الجميع باتفاق حكاه في البيان، واختلف إذا فرض ولم يدخل ولم يصح من مرضه حتى ماتت على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا شيء لورثتها مات من مرضه أو صح منه وهو قول ابن المواز. والثاني: أنه إن صح من مرضه كان لورثتها، وإن مات منه كان لهم من الثلث؛ لأنه يصير وصية لغير وارث، وإلى هذا ذهب الفضل. والثالث: إن صح من مرضه كان لورثتها، وإن مات منه لم يكن لهم شيء؛ لأن الموصى له إذا مات قبل الموصي بطلت وصيته وهو قول أصبغ ودليل قول ابن القاسم في العتبية، ولعل المصنف نسب المسألة للمدونة لإشكالها وذلك والله أعلم لأحد أمرين:
أولهما: وهو الظاهر أن الحكم بالبطلان إذا فرض ولم يدخل ليس بظاهر؛ لأنهم عقدوا على صداق مجهول وكل تعيينه إلى الزوج، فإذا فرض فقد عين ما وقع العقد عليه فكيف يكون وصية لوارث.
ثانيهما: وهو الذي اقتصر عليه ابن عبد السلام: أن مقتضى إبطالهم للصداق قبل الدخول ألا يكون لها شيء بالدخول لإجرائهم ذلك مجرى الوصية، ويجاب عن الثاني بأنه إنما كان لها المسمى بالدخول ما لم يزد على صداق المثل من باب قيم المتلفات، ونقض
стр. 1884
ابن عبد السلام هذا الجواب؛ لنكاح المريض إذا دخل فإنهم جعلوا لها الصداق في الثلث ولم يعدوه من باب قيم المتلفات
خليل: ويجاب عن هذا بأن العقد في مسألتنا وقع صحيحاً، فلما استند الدخول إليه لزم أن يكون فيه المسمى من رأس المال بخلاف نكاح المريض لوقوع العقد فيه فاسداً.
وَفِي رِضَا السَّفِيهَةِ غَيْرِ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا بِدُونِهِ قَوْلانِ
نحو هذا في ابن بشير وابن شاس وابن راشد. وقال ابن عبد السلام: حكى في المدونة الوقلين ولم يصرح فيها بسفه المرأة وإنما فرضها في البكر التي لا أب لها ولا وصي. والمسألة محمولة عند الشارحين على من لم يعلم حالها بسفه ولا رشد، والمشهور فيها وهو قول ابن القاسم أنه لا يجوز رضاها بأقل من صداق المثل، وكذلك لا يجوز لها أن تضع منه شيئاً بعد الطلاق. وقال غيره فيها: يجوز رضاها، وطرحه سحنون.
واختلف أيضاً إذا تزوجت بصداق مثلها فأكثر واختلفت مع وليها، فقال ابن حبيب: الرضا لمن يزوجها دونها. وقيل: الرضا إليها دونه. ونسبه فضل للعتبية، قال في البيان: ولم أره فيها. قال: والقياس إذا اختلف ألا يثبت ما رضي به أحدهما صداقاً إلا بعد نظر السلطان، قال: وأما ثبوت ما اجتمعا على الرضا به صداقاً دون نظر السلطان إلا استحساناً.
وَالْمُولَّى عَلَيْهَا الْمُجْبَرَةُ لا يُعْتَبَرُ رِضَاهَا
يشمل قول المجبرة البكر ذات الأب والأمة والموصى عليها [٣٢٨/ أ] على أحد الأقوال، ولا خفاء في عدم اعتبار رضاهن.
تنبيهات:
الأول: قولهم المجبرة يشمل المعنسة على أحد القولين، وأما على القول بعدم الجبر فيكون الرضا بقليل الصداق وكثيره إليها دون أبيها، وحكى في المقدمات هذين القولين.
стр. 1885
الثاني: اختلف هل للأب الرضا بأقل من صداق المثل مطلقاً قبل البناء وبعده، وهو تأويل اللخمي، أو إنما له ذلك إذا كان قبل البناء، وأما بعده فليس له أن يرضى بأقل من صداق المثل وهو تأويل ابن يونس وابن رشد.
الثالث: وقع في بعض النسخ إثر الكلام المتقدم ما نصه: ويعتبر رضا وليها ولا إشكال عليها في ذات الأب والسيد، وأما ذات الوصي فالظاهر أن المصنف لم يردها بهذا الكلام بل أشار إليه بقوله:
وَأَمَّا غَيْرُهما فَالْمَشْهُورُ يُعْتَبَرُ رِضَاهُمَا مَعاً بِدُونِهِ إِنْ كَانَ نَظَرَا
لأنه لم يبق غيرها وهكذا قال ابن راشد: أن مراده بغير الموصي عليها، لا يقال: لا نسلم أنه لم يبق إلا الموصى عليها، ولم لا يجوز أن يكون أراد المرأة التي ليست بمجبرة مع أن لها ولياً غير وصي؟ لأنا نقول إذا كانت غير مجبرة ولم يكن لها وصي كانت سفيهة مهملة، وقد أشار إليها المصنف أولاً بقوله: (وَفِي رِضَا السَّفِيهَةِ غَيْرِ الْمُوَلَّى عَلَيْهَا .. إلخ).
وقوله: (غَيْرُهما) هكذا وقع في بعض النسخ بضمير التثنية؛ أي: غير السفيهة والمجبرة، وفي بعضها (غيرها) بالإفراد فيعود على المجبرة، وما ذكره من اعتبار رضاهما مخالف لابن شاس فإنه قال: وإن كانت السفيهة مولى عليها فإن كان الفرض قبل الدخول وهو من حسن النظر صح رضا الولي به، فظاهره: إنما يعتبر الولي.
وفي التهذيب: وإن زوج البكر غير الأب فرضيت بذلك؛ أي: بأقل من صداق مثلها لم يجز رضاها والرضا للولي، ولو رضي الولي ما جاز أيضاً.
ابن القاسم: إلا أن يكون ذلك نظراً لها فيجوز مثل أن يعسر الزوج ويسأل التخفيف ويخاف الولي الفراق ويرى مثله رغبة لها، فيجوز ذلك إن رضيت وما كان على غير هذا لم
стр. 1886
يجز، وإن أجازه الولي فظاهره اشتراط رضاها ككلام المصنف لقوله إذا رضيت: والمراد بالولي الوصي، لكان كلام عياض يرد هذا، ويصحح نقل ابن شاس، فإنه قال: ظاهر المدونة لا يتم إلا برضاهما معاً بالصداق، والصحيح عند شيوخنا على منهاج المذهب أن يمضي على رضا الوصي وهو الذي في كتاب ابن حبيب، ولا يلتفت إلى رضا البكر؛ إذ النظر في المال له، بخلاف ما لو لم ترض حين العقد فلها ألا ترضى بالزوج إلا بالوجوه التي ترضيها من إضعاف الصداق وغيره مما تشترطه ولا يتم العقد ما لم ترض، بخلاف ما ٍإذا رضيت بالتفويض ثم نازعت في الفرض. انتهى.
وكذلك قال في المقدمات: إن ذات الوصي لا يجوز له أن يزوجها بعد بلوغها بأقل من صداق مثلها وإن رضيت، وله أن يزوجها وإن عنست برضاها ويكون إذنها صماتها بما رضي به من صداق مثلها فأكثر وإن لم ترض؛ إذ ليس لها مع الوصي من الرضا بالمهر شيء، وله أن يراضي الزوج في نكاح التفويض على صداق مثلها بأكثر، فيجوز ذلك عليها ويلزمها رضيت أو لم ترض، فإن لم يرض هو بذلك ورضيت هي لم يكن ذلك إلا بحكم السلطان، وليس له أن يراضي الزوج على أقل من صداق مثلها عند مالك، خلاف مذهب ابن القاسم أن ذلك جائز على وجه النظر، إلا أنه شرط رضاها وفي ذلك من قوله نظر. انتهى باختصار.
وعلى هذا فتشهير المصنف ليس بظاهر، لكن حكى أبو الحسن عن بعضهم أنه رأى أن قول ابن القاسم تفسير لقول مالك، وأن شروط الجواز عندهما ثلاثة: رضا الولي، ورضاهما، وأن يكون ذلك نظراً. فعلى هذا يتم كلام المصنف، وكلام ابن عبد السلام على هذه المسالة ليس بظاهر.
تنبيهان:
الأول: لا إشكال أن المرأة إذا كانت ثيباً رشيدة أنه يعتبر رضاها فقط، ويؤخذ ذلك من قول المصنف أولاً: (فَإِنْ وَقَعَ الرِّضَا وإِلا فُسِخَ).
стр. 1887
الثاني: جعل الأندلسيون قول ابن القاسم هنا حجة في المحجورة إذا رضيت إسكان زوجها معهافي دارها وإنفاقها على نفسها رغبة في الزوج مخافة طلاقها ولغبطتها به، وأنه إن فارقها رجعت تسكن دارها وتنفق على نفسها وتفقد ما رغبته من وزجها أن ذلك لها إذا طلبته، وبذلك أفتى ابن عتاب.
عياض: وقاله شيخنا هشام بن أحمد الفقيه والقاضي محمد بن حمديس، وهو الذي يوجبه النظر، وخالفهم أبو مطرف الشعبي في إنفاقها على نفسها خاصة، وقال: يلزم عليه أن يكون لها الرضا بما طلب من مالها إذا خشيت فراقه، وفرق عياض بين ما تنفقه على نفسها وبين ما تعطيه له، فإنه لو طلقها لعادت نفقتها على نفسها، فإذا كانت نفقتها على نفسها في الموضعين فبقاؤها مع زوجها أولى، ولا كذلك ما تعطيه؛ لأنه إذا طلقها بقي لها ذلك القدر، وهو فرق ظاهر إن طلب منها شيئاً كثيراً.
فَإِنْ دَخَلَ بِهَا فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ يَصِحُّ فِي الأَبِ دُونَ غَيْرِهِ
أي: فإن دخل بذات الأب وذات الوصي قبل الفرض ثم فرض لهن أقل من صداق المثل فقيل: يصح رضا الأب والوصي بذلك. وقيل: لا يصح. والثالث: يصح من الأب دون الوصي وهو المشهور لقوة تصرف الأب. وقد حكى هذه الأقوال هكذا جماعة.
وَإِذَا أَبْرَأَتِ الزَّوْجَةُ قَبْلَ الْفَرْضِ خَرَجَ عَلَى الإِبْرَاءِ عَمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ دُونَهُ
يعني: إذا أبرأته قبل البناء ثم طلبته بعده بالصداق [٣٢٨/ ب] فهل لها ذلك أم لا؟ أجرى ذلك على قولين في الإبراء.
(عَمَّا جَرَى سَبَبُ وُجُوبِهِ دُونَهُ) أي دون الوجوب هل يلزم نظراً لتقدم سبب الوجوب وهو ههنا العقد أم لا؟ لأنها أسقطت حقها قبل وجوبه كما لو أسقط الشفيع الشفعة قبل الشراء، وفي ذلك قولان وكالمرأة إذا أسقطت نفقة المستقبل عن زوجها هل
стр. 1888
يلزمها لأن سبب وجوبها قد وجد أو لا يلزمها لأنها لم تجب بعد؟ قولان حكاهما ابن راشد، وكعفو المجروح عما يؤول إليه الجرح، وكإجازة الورثة الوصية للوارث او بأكثر من الثلث للأجنبي في مرض الموصي، وأمثله هذا كثيرة، أما إن لم يجز سبب الوجوب لم يعتبر بالاتفاق حكاه القرافي.
وَتَزُوَّجْتُكِ عَلَى حُكْمِي أَوْ حُكْمِ فُلانٍ أَوْ حُكْمِكِ: تَفْوِيضُ لا فَاسِدُ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ لِمَا عَلِمَ من قَوْلَ مَالِكِ، وقَالَ أَشْهَب: إِلا عَلَى حُكْمِكِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِهَا لَمْ يَلْزَمَهَا مَا لَمْ يَبْنِ بِهَا ..
اعلم أنه اختلف في نكاح التحكم ابتداء على أربعة أقوال: الجواز وهو قول مالك ورجع إليه ابن القاسم بناء على إلحاقه بالتفويض وعدمه.
ويفسخ قبل البناء ويثبت بعده وهو الذي رجع عنه ابن القاسم في المدونة؛ لأنه خرج عن حد ما أرخص فيه من التفويض، ولم يذكر المصنف غير هذين القولين، وقيل: إن كان المحكم الزوج جاز وإن كان المحكم الزوجة أو الولي أو أجنبياً لم يجز. وقيل: يجوز إلا أن يكون المحكم الزوجة، وما ذكرناه من إطلاق الخلاف هي طريقة التونسي واللخمي وابن رشد وغيرهم.
وذهب ابن الكاتب إلى أنه لا يختلف في الصحة إذا كان المحكم الزوج. قال في المقدماـ: ولا خلاف إذا كان الزوج هو المحكم على القول بجوازه أنه كنكاح التفويض إن فرض صداق المثل فأكثر لزم الزوجة، ولا يلزمه أن يفرض صداق المثل. انتهى.
واختلف إذا كان المحكم الزوجة أو الولي أو الأجنبي أو أشرك أحد منهم مع أحد في التحكين على خمسة أقوال: أولها: للقابسي أن التحكم عكس التفويض، ينزل المحكم في التحكيم منزلة الزوج في التفويض، إن فرضت الزوجة صداق المثل فأقل إن كانت هي
стр. 1889
المحكمة، أو فرض ذلك المحكم برضاها لزم ذلك الزوج، وإن فرض الزوج صداق المثل فأكثر لم يلزم ذلك الزوجة إلا أن ترضى به كانت هي المحكمة أو غيرها، وتأوله على المدونة.
وثانيها: لأبي محمد وابن رشد وغيرهما أن معنى الكتاب: أن النكاح لا يلزم إلا برضا لازوج والمحكم زوجة كانت أو غيرها فرض الزوج أكثر أو المحكم أقل. قال في المقدمات: وهو ظاهر الكتاب. واستبعدوا تأويل القابسي.
ثالثها: حكاه في الواضحة عن ابن القاسم وأصبغ وابن عبد الحكم أنه كنكاح التفويض في كل الوجوه إن فرض الزوج صداق المثل لزم النكاح، وإن رضي المحكم بصداق المثل أو أقل لم يلزم ذلك الزوج إلا أن يشاء، وتأوله أيضاً بعض الصقليين على الكتاب، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف لقوله: (تَفْوِيضُ) وأطلق.
والقول الرابع: لعبد الملك: أنه كنكاح التفويض إلا إذا كان المحكم المرأة فإنه لا يلزمها الرضا بصداق المثل، ولابن القاسم وأشهب نحوه أيضاً.
القول الخامس: في الموازية أنه لا يلزم إلا بتراخي الزوجين كان أحدهما المحكم أو غيرهما، وحكي عن أشهب أيضاً.
وَمَهْرُ الْمِثْلِ: مَا يَرْغَبُ بِهِ مِثْلُهُ فِي مِثْلِهَا، ويُعْتَبَرُ الدِّينُ والْجَمَالُ والْحَسَبُ والْمَالُ والزَّمَانُ والْبَلاءُ. وفِيهَا: ويُنْظَرُ الرَّجُلُ فَقَدْ يُزَوَّجُ فَقِيرُ لِقَرَابَتِهِ، وأَجْنَبِيُّ لِمَالِهِ فَلَيْسَ مَهْرُهُمَا سَوَاءً ..
يعين: يراعي في صداق المثل هذه الصفات المذكورة، وذكر في المدونة أنه ينظر إلى أشباهها في قدرها وجمالها وموضعها. قال في البيان: أي موضعها في النسب. فيحتمل ما قاله ويحتمل ما قاله المصنف من اعتبار المكان، ولابد من اعتبار الاثنين.
مالك: ويعتبر حالها في زمانها. قال في البيان: وتأول بعضهم عن مالك أنه ينظر إلى أمثالها من النساء في جمالها ومالها وعقلها، ولا ينظر إلى نساء قومها، وليس ذلك بصحيح على ما
стр. 1890
بينا من مذهبه في المدونة، قال: ونساء قومها اللاتي يعتبر بصداقهن أخواتها الشقائق أو للأب، ولا تعتبر أمهاتها ولا خالتها ولا أخواتها من أمها ولا عماتها للأم؛ لأنهن من قوم آخرين، فقد تكون قرشية وأمها من الموالي. انتهى.
وقال عبد الوهاب: باعتبار عشيرتها وجيرانها كن عصبتها أو لا. قال: خلافاً للشافعي في مراعاة العصبة، وينبغي أن يراعي في ذلك العرف، فإن جرى العرف بالنظر إلى صداق الأم وغيرها كما هو في زماننا فيجب اعتبار، وأشار اللخمي وغيره إلى ذلك، وبقية كلام المصنف ظاهر التصور.
ومَهْرُ الْمِثْلِ فِي الْفَاسِدِ يَوْمَ الْوَطْءِ
يعني: أن نكاح التفويض الفاسد بخلاف التفويض الصحيح؛ يعتبر فيه مهر المثل يوم العقد والفاسد يعتبر فيه يوم الوطء. واستغنى المصنف عن ذكر الحكم الصحيح المفهوم على ما علم من ملاءمته، وظاهر المذهب كمفهوم كلام المصنف، وقيل: يعتبر في الصحيح يوم البناء إن دخل ويوم الحكم إن لم يدخل، وبنى الاختلاف على الاختلاف في الهبة للثواب إذا فاتت هل تجب قيمتها يوم القبض أو يوم الهبة؟
وفرقوا هنا على المشهور كما قالوا في البيع الصحيح بسبب ما يطرأ من عيب أو استحقاق أن المعتبر يوم العقد، وفي البيع الفاسد يوم القبض.
فإن قيل في اعتبار [٣٢٩/ أ] مهر المثل في نكاح التفويض يوم العقد نظر؛ لأنه لم يكن ثابتاً حينئذ بدليل سقوطه بالطلاق والموت، فالجواب أن العقد لما كان صحيحاً وترتبت عليه الأحكام من الميراث ولحوق الولد ألحقوا ذلك به.
وَإِذَا اتَّحَدَتِ الشُّبْهَةُ اتَّحَدَ الْمَهْرُ كَالْغَالِطِ بِغَيِرِ الْعَالِمَةِ
نحوه في الجواهر؛ يعني: أن الوطء إذا استند إلى شبهة متحدة اتحد المهر، ويعد كوطأة واحدة فلا يجب إلا مهر واحد، كما لو وطئ أجنبية مراراً يظنها زوجته أو أمته.
стр. 1891
وقوله: (بِغَيِرِ الْعَالِمَةِ) وأما لو كانت عالمة فلا شيء لها؛ لأنها زانية، ومفهوم كلام المصنف أنه لو تعددت الشبهة تعدد المهر كما لو وطئها مرتين ظناً في واحدة زوجته وفي الأخرى أمته، وهكذا ينبغي إذا تخلل بين الوطأين وطء مباح ظاهراً أو باطناً، فوطئها غالطاً ثم تزوجها فوطئها غالطاً أو لم يطأها ثم طلقها ووطئها غالطاً ما لم يكن وطؤه بعد ابلصداق بشبهة مستندة للطلاق، كما قالوا: إذا قال لأجنبية: إن تزوجتك فأنت طالق، فتزوجها ووطئها فلا شيء عليه إلا صداق واحد على المشهور. وقيل: عليه صداق ونصف وهو القياس، وكما لو خاطب امرأته بكلام يعتقد أنه لا يلزم به شيء واسترسل على وطئها ثم سأل مفتياً عن ذلك، فقال: وقع عليك الطلاق به، فالمذهب أيضاً أنه لا يلزمه إلا صداق واحد، وظاهر كلامهم أنه لا فرق في الحكم بين أن يكون المسمى مساوياً لصداق المثل أو أقل.
وَإِلا فَفِي كُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرُ كَالزِّنَى بِغَيْرِ الْعَالِمَةِ أَوْ الْمُكْرَهَةِ
نحوه في الجواهر، وتصوره ظاهر، ولولا تمثيله بالصورتين المذكورتين لكان كلامه مشكلاً؛ لأنه اشترط في اتحاد المهر الشبهة واتحادها، ثم قال: وإلا فيدخل فيه ما إذا انتفت الشبهة وكان الوطء زنى محضاً، ومن صور الزنى المحض ما لا يجب فيه المهر فلا يصدق قوله: (فِي كُلِّ وَطْأَةٍ مَهْرُ).
التَّسْلِيمُ: وَيَجِبُ تَسْلِيمُ حَالِّهِ ومَا يَحِلُّ مِنْهُ بِإِطَاقَةِ الزَّوْجَةِ الْوَطْءَ وبُلُوغِ الزَّوْجِ لا بُلُوغِ الْوَطْءِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
أي: ويجب تسليم حال المهر وما كان منه مؤجلاً، فحل عند زمان إطاقة الزوجة الوطء وعند بلوغ الزوج الحلم على المشهور، ولمالك في كتاب ابن شعبان: عند بلوغه القدرة على الوطء كالمرأة، والفرق المشهور أن من يمكن وطؤها يحصل منها كمال اللذة
стр. 1892
بخلافه، وإنه لا يحصل له كمال اللذة إلا ببلوغ الحلم، والباء في قوله: (بِإِطَاقَةِ الْوَطْءَ) باء السبب، وهذا إذا لم يكن من الزوجين تمانع في المبدأ منهما، أما لو تنازعا في البداية ففي الجواهر وهو ظاهر كلام المصنف أن الزوج يبدأ بتسليم المهر وهو مقتضى المدونة؛ لقوله فيها: وللمرأة منع نفسها حتى تقبض صداقها.
وقال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي أن الصداق يوقف ولا تأخذه المرأة حتى تمكن من نفسها.
وفي الواضحة: وإذا طلبت قبل البناء أخذ النقد وأبى الزوج إلا عند البناء فللزوج ذلك إلا أن تشاء تعجيل البناء فلها قبضه.
إِلا أَنْ يَكُونَ مُعَيَّناً كَدَارٍ أَوْ عَبْدٍ فَيَجِبُ بِالْعَقْدِ
أي: إلا أن يكون الصداق شيئاً معيناً لا مضموناً كدار أو عبد فيجب تسليمه للمرأة بالعقد، ولا ينظر بلوغ الزوج ولا إطاقة الزوجة الوطءن ولا يجوز تأخيره كما لا يجوز بيع معين يتأخر قبضه للغرر؛ إذ لا يدري على أي صفة يقبض، ونظير الصداق في أنه لا يجب تعجيله إلا أن يكون معيناً الأجرة فإنه لا يجب تعجيلها إلا بشرط، إلا أن تكون شيئاً معيناً.
وَالْمَرِيضَةُ كَالصَّحِيحَةِ
يعني: أنه لا يجوز له الامتناع في دفع الصداق لمرضها ولو بلغت حد السياق، وأما النفقة فمذهب المدونة وجوبها وإن لم يقدر الزوج على الجماع ما لم تكن في السياق. والفرق بين النفقة والصداق أن النفقة في مقابلة الاستمتاع، والاستمتاع من التي بلغت حد السياق متعذر، وأما الصداق فلا يصلح أن يكون المرض مانعاً منه؛ لأن غاية حصول الموت معه، والموت موجب التكميل.
стр. 1893
وَالرَّتْقَاءُ والْمَجْنُونَةُ ونَحْوُهُمَا مِمَّا طَرَأَ بَعْدَ الْعَقْدِ أَوْ رَضِيَ بِهِ بَعْدَهُ كَغَيْرِهِنَّ، وإِنْ لَمْ يُمَكِنْ وَطْؤُهُنَّ ..
لأن العيب الطارئ بعد العقد لزمه كما تقدم، وإذا لزمه كان لها من الحق ما للسالمة.
وَقَالَ سُحْنُونُ: لا يَجِبُ مُؤَجَّلُ يَحِلُ إِلا بِالدُّخُولِ. وَأَلْزَمَ الأَجَلَ الْمَجْهُولَ.
قول سحنون راجع إلى صدر المسألة؛ وهي قوله: (وَيَجِبُ تَسْلِيمُ حَالِّهِ ومَا يَحِلُّ مِنْهُ) أي: وخالف سحنون فيما حل منه، وقال: لا يجب إلا بعد الدخول. وروى عن مالك أيضاً قوله: وألزم الأجل المجهول. يعني: وألزم سحنون على قوله هذا بوجهين:
الأول: أنه لما كان جواز أن يكون الصداق إلى أجل مجهول من إلزامه التأخير إلى الدخول، والدخول غير معلوم، والموقوف على المجهول مجهول، وأجيب بوجهين: الأول: أنه لما كان الدخول بيد المرأة في كل وقت صار حالاً، والثاني: أن الدخول كان معلوماً عندهم كما تقدم.
وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا مِنَ الدُّخُولِ ومِنَ الْوَطْءِ بَعْدَهُ، ومِنَ السَّفَرِ مَعَهُ حَتَّى تَقْبِضَ مَا وَجَبَ مِنْ صَدَاقِهَا ..
ما وجب يعني الحال أو ما حل، وظاهر قوله: (وَلِلْمَرْأَةِ مَنْعُ نَفْسِهَا) أن ذلك حق لها، فيجوز إذا رضيت بالدخول من غير أن تقبض شيئاً، وليس بظاهر؛ بل ذلك مكروه عند مالك إلا بعد [٣٢٩/ ب] تقديم ربع دينار، نص على ذلك صاحب البيان وغيره.
وقوله: (ومِنَ الْوَطْءِ بَعْدَهُ) يريد: بعد اختلائه بها وقبل أن تمكنه من نفسها، وأشار بذلك إلى ما وقع في العتبية أن رجلاً سأل مالكاً فقال له: إن امرأتي أذنت لي بالدخول عليها والمبيت معها وأنا أضجع إلى جانبها في اللحاق وتمنعني نفسها حتى أعطيها صداقاً، فقال: لها ذلك.
стр. 1894
فإن قلت: لما حملت قوله: (ومِنَ الْوَطْءِ بَعْدَهُ) على أن المراد بعد الخلوة، ولم تحمله على أن المراد بعد الوطء؛ لأن ذلك هو الدخول المعروف عند الفقهاء، فالجواب يمنع من ذلك وجهان:
الأول: أن قوله: بعد ذلك في آخر المسألة: (فإن وطئها لم يبق لها إلا المطالبة) يدل على أنه هنا لم يتقدم له منها وطء.
الثاني: أنا لو حملنا كلامه على ما فهمت لكان مخالفاً لقول ابن القاسم، فإن ابن القاسم نص في العتبية على أنها بعد الوطء ليس لها أن تمنع، نعم وهو قول محمد.
ابن عبد السلام: وأما امتناعها من السفر معه قبل قبض صداقها فإنما يكون لها ذلك قبل الدخول بها.
فرع: كره ابن القاسم في العتبية الدخول بالهدية، قال: لأنها ليست من الصداق.
قال في البيان: لأنه لو طلقها لم يكن له منها شيء ولو كانت قائمة. قيل لابن القاسم: فإن ألفى النكاح مفسوخاً هل يرجع ويأخذ هديته؟ قال: إن أدرك منها شيئاً أخذه وإن فاتت لم يكن له قبلها قليل ولا كثير. قيل: هل يدخل بها إذا رهنها في الصداق؟ فقال: نعم. قيل: هل يجوز أن يتحمل عنها بالصداق ويبني بأهله؟ قال: أخبرني من أثق به أن بعض أهل العلم أجازه، وأحب إلي أن يقدم لها ربع دينار.
قال في البيان: وأجاز له ابن حبيب الدخول بالهدية. ومثله لمالك في المبسوط من رواية ابن نافع، وفي الموازية لمالك أن من تزوج امرأة فلا يدخل بها حتى تقبض من ذلك ثلاثة دراهم.
وقال أيضاً: له أن يدخل وإن لم يعط شيئاً لأنه حق له. فعلى القول بأنه لا يدخل بها في الدين حتى يعطي ثلاثة دراهم لا يجوز أن يبني بها بالرهن، قال: وأخف هذا المسائل
стр. 1895
الدخول بالدين، والأظهر أن الدخول به جائز، لأنه قد وجب لها ولو شاءت باعته وأخذت ثمنه، ويليه الدخول بالرهن لأنها قبضت ما هي أحق به في الموت والفلس، وأشدها الدخول بالحمالة.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ تُلُوِّمَ لَهُ بِأَجَلٍ بَعْدَ أَجَلٍ، ثُمَّ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمَا بِطَلْقَةٍ
يعني: إذا طلب الزوج بالصداق فإن صدقته المرأة أو أقام بينة على إعساره ضرب له الأجل.
المتيطي: ويؤجله في إثبات عسره أحداً وعشرين يوماً، ستة ثم ستة ثم ستة ثم ثلاثة، وللمرأة أن تطالبه بحميل بوجهه، فإن عجز عنه فلها أن تسجنه، لأن الصداق دين كسائر الديون، فإذا أثبت إعساره أو صدق اجله الحاكم وتلوم له.
قال في المدونة: ويختلف التلوم فيمن يرجى وفي من لا يرجى، أي: فيطول في الأجل في حق من يرجى دون غيره.
واختلف الشيوخ فرأى ابن بشير أن المذهب كله على ما حكيناه عن المدونة، وأن ما وقع في الروايات من الخلاف إنما هو بحسب الأشخاص، ورأى اللخمي والمتيطي وابن يونس وغيرهم ذلك خلافاً حقيقياً. اللخمي: واختلف في مواضع:
أحدها في قدر التلوم، والثاني: هل يؤخر بشرط النفقة؟ الثالث: هل يطلق على من لا يرجى بغير أجل؟ ففي المدونة: يتلوم له على حسب ما يرجى له ولم يوقت، وفي الموازية، يؤخر السنتين ولا يعجل بعد السنتين حتى يتلوم له تلوماً آخر السنة وشبهها. وقال ابن حبيب: إن اتهم أن يكون أخفى ماله لم يوسع في الأجل، وإن تبين عجزه عن الصداق وعن النفقة لم يوسع أيضاً في الأجل، ويؤخر الأشهر والسنة أكثره. وقال سحنون في كتاب ابنه: في من ملك ببيع الفاكهة وأقام بينة بعدم الصداق، وقامت الزوجة بالفراق وقال الزوج أجلوني، فلا يؤجل مثل هذا لأنه لا يرجى له شيء. وقال مالك في المختصر
следующие страницы →