Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2101–2140 · переход к 2106.
стр. 2101
خليل: ومذهبنا هو الصحيح؛ لأن ما قاله ابن سريج وغيره مؤد إلى اتخاذ آيات الله هزواً؛ إذ يلزم عليه أن كل شخص فعل مثل ذلك لا يمكنه الطلاق في البتة ويبقى يطلق ولا يلزمه وهو خلاف ما شرعه الله تعالى من الطلاق في حق كل زوج. والله أعلم.
فَإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً لَمْ يُمْنَعْ
لما قال أولاً: (فإن كان نفياً يمكن دعوى تحقيقه لفعل له غير محرم ... إلى آخره) وكان مشتملاً على قيود أخذ يتكلم عليها. يعني: فإن كان الفعل المنفي مؤجلاً كقوله: إن لم أدخل الدار إلى شهر فأنت طالق لم يمنع منها لأنه على بر؛ لأن القاعدة: أن كل من ضرب أجلاً فعلى بر إليه، وهذا هو المشهور، وحكى اللخمي قولاً آخر بالمنع. والقولان هنا كالقولين الذين لمالك في كتاب العتق الأول من المدونة في القائل: أمتي حرة إن لم أفعل كذا إلى أجل سماه هل يمنع من وطئها في ذلك الأجل أم لا؟
وإِنْ كَانَ مُحَرَّماً، مِثْلَ: إِنْ لَمْ أَقْتُلْ زَيْداً تَنَجَّز إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ قَبْلَ التَّنْجِيزِ عَلَى الْمَشْهُورِ ..
هذا مقابل قوله أولاً: (غير محرم) أي وإن كان الفعل محرماً كقوله: إن لم أقتل زيدا اليوم فأنت طالق فإنه يتنجز عليه الطلاق، لأنه لا يمكن من قتل زيد إلا أن يوقع الحالف الفعل المحرم قبل تعجيل الطلاق فقد أثم ولا يلزمه الطلاق وهذا معنى قوله: (إِلا أَنْ يَتَحَقَّقَ ... إلى آخره) والمشهور منصوص في المدونة وغيرها، وكلامه في المقدمات يدل على نفي الخلاف في هذا، وكذلك قال ابن عبد السلام: لست أحفظ الشاذ.
خليل: ويمكن تخريجه مما تقدم في باب الأيمان فيمن حلف ليطأنها فوطئها حائضاً هل يبر أم لا؟ بناء على المعدوم شرعاً هل هو كالمعدوم حساً أم لا؟
стр. 2102
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ، مِثْلَ: إِنْ لَمْ تُمْطِرِ السَّمَاءُ غَداً طَلُقَتْ نَاجِزاً عَلَى الْمَشْهُورِ لأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ بِخِلافِ مَا تَقَدَّمَ إِذْ يَدَّعِي مَعْرِفَتَهُ والْقُدْرَةَ عَلَيْهِ ..
هذا مقابل قوله أولاً: (يُمْكِنْ دَعْوَى تَحْقِيقِهِ) أي وإن لم يمكن دعوى تحقيقه، مثل: إن لم تمطر السماء غداً، أو إلى شهر، أو إن لم تمطر في الشهر الفلاني طلقت ناجزاً على المشهور.
اللخمي: وقيل لا يحنث حتى ينظر ما يكون غداً، ولابن القاسم في الواضحة قول ثالث في كل من حلف بطلاق على شيءلا يدري أحق هو أم باطل؛ مثل أن يقول: إن لم تكن مطرت الليلة بالإسكندرية وهو بالفسطاط، أو: إن لم تمطر غداً؛ فإنه إن رفع إلى السلطان طلق عليه ولا يؤخره، وإن لم يرفع حتى وجد ذلك الشيء حقاً لم يكن عليه في يمينه شيئ.
وقال أصبغ: إن قال: إن مطرت السماء غداً؛ فلا شيء عليه الآن حتى تمطر، قال: وهو بمنزلة من قال: إن قدم فلان غداً فأنت طالق.
اللخمي: يريد لأنه عنده على بر وعلى أصله إن قال: إن لم تمطر غداً؛ تطلق عليه لأنه على حنث، وهذا موافق للمشهور وليس هو رابع لأن المشهور يوافق في البر على عدم التنجيز كذلك بين في الواضحة في إذا مطرت أو إن ولدت جارية، وكذلك ساق عياض ما في الواضحة تقييداً ثم إن هذا الخلاف إنما هو إذا قيده بأجل قريب كما ذكرنا، وأما إن قال: إن لم تمطر ولم يقيد فلا شيء عليه.
اللخمي: [٣٦٤/ أ] وسواء عمم أو سمى بلداً لأنه لابد أن تمطر في زمن ما، وكذلك إذا ضرب أجل عشر سنين أو خمس سنين، وقيد بعض الشيوخ وقوع الطلاق على من قال به بما إذا لم يكن يحلف لعادة وأما إن حلف على ذلك لعادة له وعلامات عرفها واعتاد بها ليس من جهة الحرز وتأثير النجوم عند من زعمها لم يقع الحنث حتى يكون ما حلف عليه ويحتج عليه بقوله ﵇: "إذا أنشأت بحرية ثم تشاءمتفتلك عين غديقة".
стр. 2103
وقوله: (لأَنَّ هَذَا مِنَ الْغَيْبِ ... إلى آخره) جواب عن سؤال تقديره: ما الفرق بين هذا على المشهور من أنه ينجز الطلاق وبين ما تقدم في أنه لا يتنجز الطلاق؟ وتقرير الجواب أن هذا حالف على الغيب فأمره دائر بين الشك والهزل، وكل منهما موجب للحنث على المذهب بخلاف ما تقدم، لأنه يمكن معرفته بمقتضى العادة وهو قادر على فعله.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ، مِثْلَ: أَنْتِ طَالِقُ إِنْ شَاءَ اللهُ- طُلِّقَتْ، وكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ والْجِنُّ عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ إِنْ شَاءَ زَيْدُ ..
وهذا أيضاً مقابل قوله: (لَمْ يُمْكِنِ الاطِّلاعُ عَلَيْهِ) يعني وإن لم يمكن الإطلاع مثل: أنت طالق إن شاء الله، طلقت ناجزاً لما تقدم في باب الأيمان أن الاستثناء بالمشئة لا يفيد في غير اليمين بالله لا طلاق ولا عتاق. قوله: (وكَذَلِكَ الْمَلائِكَةُ والْجِنُّ) ولعل الخلاف بين الأصح ومقابله مبني على الخلاف في الشك.
وقوله: (بِخِلافِ إِنْ شَاءَ زَيْدُ) أي فلا تطلق عليه حتى يشاء زيد ذلك. وانظر هل ذلك من باب التمليك فيزول من يد من جعل بيده بانقضاء المجلس أم لا؟
فَإِنْ قَالَ: إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ فَمِثْلُ إِنْ شَاءَ عَلَى الْمَشْهُور
يعني: إذا قال: أنت طالق إلا أن يشاء زيد فهو بمنزلة ما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد على المشهور، فلا تطلق عليه حتى يشاء زيد لأن الطلاق موقوف على مشيئته، ورأى في الشاذ لزوم الطلاق، والفرق أن الكلام في صورة الثانية اقتضى وقوع الطلاق إلا أن يشاء زيد رفعه بعد وقوعه، والطلاق بعد وقوعه لا يرتفع بخلاف الصورة الأولى، فإن وقع الطلاق فيها مشروط بالمشيئة، ومن هذه المسالة ما وقع لأصبغ في من قال: أنت طالق إلا أن يمنعني أبي، فيمنعه فلا شيء عليه. واستشكله بعضهم لأن الطلاق بعد وقوعه لا يرتفع بإرادة أبيه، إلا أن يريد التعليق.
стр. 2104
بِخِلافِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي عَلَى الأَشْهَرِ
يعني: فإنه إذا قال: أنت طالق إلا أن يبدو لي، يقع عليه الطلاق على الأشهر. ورأي مقابل الأشهر عدم اللزوم كالمشهور في إلا أن يشاء زيد، والفرق للأشهر قوة التهمة في: إلا أن يبدو لي، بخلاف إلا أن يشاء زيد، فإنه لا يتهم على ذلك.
وقول ابن عبد السلام: في الفرق؛ لأن (إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ) يمكن رده إلى الشرط (بِخِلافِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي) ليس بظاهر، لأنه كما يرد إلا أن يشاء زيد كذلك يمكن رد إلا أن يبدو لي إلى إن بدا لي.
ابن راشد: ولم أقف على القول بعدم اللزوم في: إلا أن يبدو لي، وهو بعيد في النظر. انتهى.
وصرح في البيان بنفي الخلاف في هذا، وكذلك صرح بنفيه في أنه ينفعه إذا قال: امرأتي طالق إن فعلت كذا وكذا إلا أن يبدو لي أو غير ذلك.
كَالنّذرِ والْعِتْقِ فِيهِمَا
أي في: (إِلا أَنْ يَشَاءَ زَيْدُ) و (إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي) فإذا قال على هذي: إلا أن يشاء زيد توقف اللزوم على مشيئته على المشهور وإذا قال: على هذا أو عتق عبدي فلان إلا أن يبدو لي لزمه على الأشهر.
ويحتمل أن يريد بقوله: (فِيهِمَا) مشيئة الله تعالى ومن لا تعلم مشيئته كالملائكة.
وَفُرِّقَ بَيْنَ الطَّلاقِ والْيَمِينِ بِاللهِ تَعالى بِأَمْرَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ حُكْماً قَدْ شَاءَهُ اللهُ فَلا يُقْبَلُ التَّعْلِيقُ عَلَيْهَا لِتَحَقُّقِهَا فَلا يَرْتَفِعُ، بِخِلافِ لَفْظِ الْيَمِينِ، والثاني: أنه متحقق فكان كاليمين على الماضي ..
لما ذكر أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد في الطلاق وقد تقدم له أن ذلك يفيد في اليمين بالله تعالى، وكان للأصحاب في الفرق بين ذلك طريقان أراد أن يذكرهما:
стр. 2105
الطريق الأول: أن لفظ الطلاق جعله الله سبباً لحل العصمة فحيث ما وجد ذلك السبب ترتب عليه مسببه فلا يقبل التعليق لأن المتعلق على الشيء ينعدم عند عدم الشيء، وذلك الشيء هنا لا يقبل العدم لأنه حكم شرعي وجد سببه، بخلاف لفظ اليمين فإنه لا يوجب فعل ما حلف عليه بل خيره في وفي تركه، والإتيان بالكفارة تارة ومنعه تارة.
والطريق الثاني: للبغداديين أن الطلاق لما كان موجباً لحل العصمة لزم أن يقع الطلاق إذا تلفظ بلفظه، وإذا وقع فلا يصح فيه الاستثناء لأنه بمنزلة من حلف بالله تعالى على ما مضى. وهذا إذا تأملته هو في الحقيقة راجع إلى الأول، ويرد عليه أنه لو كان كما قالوه من تحقيق وقوع الطلاق بالتلفظ بالصيغة لزما لطلاق فيما إذا قال: أنت طالق إن شاء زيد، وهذا خلاف الاتفاق، وإذا قبل الطلاق والتعليق بمشيئة زيد ونحوها وجب أن يقبله في مشيئة الله تعالى.
وأيضاً فإن قوله: (أَنَّ لِلَفْظِ الطَّلاقِ بِمُجَرَّدِهِ .. إلى آخره) إن أراد بقوله: (قَدْ شَاءَهُ اللهُ) أي حكم به فصحيح، ولكن لما قلتم إنه لا يقبل التعليق؟ فإن هذا لم ينص الشرع [٣٦٤/ ب] عليه وإلا أومئ إليه، وإن أراد أن كل ما حكم الله قد شاءه فليس بصحيح وهو خلاف مذهب أهل السنة لأن الأمر عندهم لا يستلزم الإرادة، لا يقال إنما قلنا يقبل التعليق في مشيئة زيد ونحوها لإمكان الإطلاع على مشيئته، بخلاف مشيئة الله تعالى فإنا لا نطلع عليها، فلذلك أوقعنا الطلاق، لأنا نقول: لو عكس هذا لكان أولى لأن مشيئة الله تعالى واجبة النفوذ فلذلك كل معدوم وجد نعلم أن الله تعالى أراده، وكل ما لم يوجد نعلم أن الله تعالى لم يرده.
وأن مشيئة غيره فلا تعلم لأن غايته أن يخبرنا وخبره إنما يفيد الظن، وفرق ابن المنير على ما نقله ابن راشد عنه بين الطلاق وغيره بأن الأصل في اليمين بالله تعالى والطلاق اللزوم، وإن كان واحد منهما لا ينحل بالاستثناء بالمشيئة خالفنا الأصل في اليمين بالله للحديث الوارد فيه، فيبقى الطلاق على أصل اللزوم.
стр. 2106
المازري: وتحقيق قوله إن شاء الله؛ إن أراد بذلك إن شاء الله إيقاع هذا اللفظ مني لزمه الطلاق عند أهل السنة، وإن أراد إن شاء الله لزوم الطلاق للحالف به فيلزم قولاً واحداً، وإن أراد إن شاء الله طلاقك في المستقبل فأنت طالق الآن، فيجري على الخلاف في تعليق الطلاق في المشكوك في وقوعه.
وإليه أشار مالك ﵁ بقوله: علق الطلاق بمشيئة من لا يعلم مشيئته.
وإن قصد بقوله: إن شاء الله إلزام الطلاق مع الاستثناء فهو من أشكل الوجوه والحق فيه أن يرجع إلى خلاف الأصوليين، هل لله تعالى في الفروع حكم مطلوب ونحن غير عالمين به فيرجع إلى القول الثالث، وهو تعليق اليمين بالمغيبات أو ليس له حكم؟ بل كل مجتهد مصيب؛ فيكون الحق في المسألة معلقاً باجتهاد المفتي.
فَإِنْ صَرَفَ مَشِيئَةَ اللهِ تَعَالَى إِلَى مُعَلَّقٍ عَلَيْهِ مِثْلَ: أَنْتِ طَالِقُ لأَدْخُلَنَّ الدَّارَ، أو إن دخلت الدار إِنْ شَاءَ اللهُ لَمْ يُفِدْ عَلَى الأَصَحِّ، وقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وأَصْبَغُ: يُفِيدُ ..
لما ذكر أن الاستثناء بالمشيئة لا يفيد إذا ادعاه على الطلاق تكلم على ما ادعاه على الفعل الذي علق عليه الطلاق، وذكر أن الأصح لا يفيده، وهو قول ابن القاسم.
ابن عبد السلام: وهو المشهور ويلزمه الطلاق إن لم يدخل إذا كانت يمينه على حنث بانعدام الدار مثلاً، أو إن دخلها إن كانت يمينه على بر.
واختار جماعة قول ابن الماجشون حتى زعم ابن رشد أنه هو الجاري على مذهب أهل السنة، وأن المشهور إنما يجري على مذهب القدرية، لأن معنى قوله: أنت طالق لأدخلن الدار إن شاء الله، إذا صرف المشيئة إلى الدخول هو إن امتنعت من الدخول بمشيئة الله فلا شيء عليه.
стр. 2107
وكذلك قوله: امرأتي طالق إن دخلت الدار إن شاء اللهن هو إن شاء الله دخولي الدار، فلا شيء عليه، وقد علم من مذهب أهل السنة أن كل واقع في الوجود هو بمشيئة الله تعالى، فامتناع إذا من الدخول أو عدمه هو بمشيئة الله فلا يلزمه طلاق لأن ذلك هو الذي التزمه.
أما من قال بلزوم الطلاق فمقتضى قوله: أن بالفعل المعلق عليه الطلاق قد فعله والله تعالى لا يشاء أن يفعله. قال في المقدمات: وذلك مستحيل إلا على مذهب القدرية، فعلى قول ابن القاسم في قوله أن الاستثناء لا ينفعه وأن صرفه إلى الفعل درك عظيم.
وأشار صاحب الذخيرة إلى أنه لا ينبغي أن يختلف في صحة كلام ابن الماجشون، وذلك بعد أن قرر قاعدة وهي: أن الأسباب منها ما لم يكله الله إلى خلقه كالزوال. ومنها ما وكله إلى خلقه فإن شاءوا جعلوه سبباً وإلا فلا، وهو التعليقات كلها فدخول الدار ليس سبباً لطلاق امرأة، ولا لعتق عبد في أصل الشرع إلا أن يريد المكلف ذلك فيجعله سبباً للتعليق.
وكل ما وكل للمكلف سببيته لا يكون سبباً إلا بجزمه، وإذا تقرر هذا فإذا عاد الاستثناء إلى الفعل المعلق عليه كان معناه أن ذلك الفعل المعلق عليه لم أجزم بجعله سبباً للطلاق، بل فوضت سببيته إلى مشيئة الله تعالى، إن شاء جعله سبباً وإلا فلا وعلى هذا التقدير لا يكون الفعل سبباً ولا يلزمه شيء إجماعاً ولا يمكن أن يخالف ابن القاسم في هذا، ولكن ساق صاحب المقدمات قول ابن الماجشون على أنه خلاف.
وقرر ابن عبد السلام مذهب ابن القاسم بأن قال: يمكن أن يقال إن دخول الدار وعدمه المعلق عليهما لما كان لا يخرجان على المشيئة ولا واحد منهما فذكر المشيئة لا يعيد لأنه لم يقصد التبرك كما في اليمين ولا في حل اليمين لأن الطلاق لا ينحل بها كما مر، ولا إخراج بعض المعلق عليه لأن جمعيه داخل تحت المشيئة كما هو مذهب أهل السنة، فلم
стр. 2108
يبق إذاً في ذكرها هنا فائدة فيكون الحكم مع ذكرها كالحكم مع عدم ذكرها، فوجب ترتب الطلاق على عدم الدخول في قوله: لأدخلن، وعلى الدخول في قوله: لا دخلت.
خليل: وفي كلام القرافي ما هو جواب عن هذا وهو أن يقال إنما معنى ذكر المشيئة هنا أن الفعل المعلق عليه لم أجزم بكونه سبباً بل فوضت سببيته إلى الله تعالى.
أَمَّا لَوْ قَالَ فِي مُعَلَّقٍ عَلَيهِ إِلا أَنْ يَبْدُوَ لِي [٣٦٥/ أ] فَذَلِكَ لَهُ.
كما لو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، أو إن لم أدخل الدار إلا أن يبدو لي، لن معناه حينئذ إن لم أصمم على جعل الدخول أو عدمه سبباً، بل الأمر موقوف على إرادتي في المستقبل فلهذا نفعه، لأن كل سبب وكل إلى إرادته لا يكون سبباً إلا بتضمينه على جعله سبباً.
وَإِنْ عَلَّقَهُ عَلَى حَالٍ وَاضِحَةٍ بَعْدَ الْمُعَلَّقِ فِيهَا هَازِلاً، مِثْلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا الإِنْسَانُ إِنْسَاناً وهَذَا الْحَجَرُ حَجَراً حَنِثَ لِهَزْلِهِ، كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ أَمْسِ
هكذا وقع في بعض التي رأيتها، وعلل المصنف الحنث بهزله وهو ظاهر، ولا يمكن أن يكون وقوع الطلاق هنا لتحقق المحلوف عليه فإن المعلق عليه هنا الطلاق هو نفي الإنسانية ونفي إنسانية الإنسان عنه لا يمكن، فلو كان الوقوع للتحقق لم يقع طلاق وقول ابن عبد السلام: يمكن أن يكون وقوع الطلاق هنا لتحقق المحلوف عليه ليس بظاهر ولعل الواقع في نسخته: (إن كان هذا الإنسان إنساناً) بإسقاط حرف النفي، ولهذا قال: وإذا اقترن بالكلام ما يدل على أن المراد وهو تمام الأوصاف الإنسية كالكرم والشجاعة وغير ذلك، وكون الحجر صلباً بحيث لا يتأتى للحديد، فعلق المتكلم على وجود هذه الأوصاف أو عدمها فلا يحصل الطلاق إلا بحصول الشرط.
стр. 2109
وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقُ أَمْسِ) أي فيلزم، وهذا أيضاً متردد بين الهزل والإخبار، لأن ما يقع الآن يستحيل أمس، فيكون هذا الاعتبار هازلاً، ويحتمل أن يريد به الإخبار أي أخبر أنه طلق أمس فيلزم أيضاً الطلاق.
فَإِنْ كَانَتْ لا تَعْلَمُ حَالاً ومآلاً طُلِّقَتْ
أي: فإن كانت الصفة المعلق عليها الطلاق (لا تَعْلَمُ حَالاً ومآلاً طُلِّقَتْ) كما لو قال: إن لم يكن خلف جبل قاف كيت وكيت. أو إن لم يكن في وسط البحر المالح كيت وكيت. فأنت طالق.
وكما لو حلف أن فلاناً من أهل الجنة أو النار فأنت طالق، أعني في غير الذين ثبت لهم ذلك.
ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريج الخلاف في قوله: أنت طالق إن شاءت الملائكة أو الجن.
وَإِنْ أَمْكَنَ حَالاً وادَّعاه دُيِّنْ
كما لو قال ليلة تسع وعشرين والسماء مغيمة: علي الطلاق إن لم أكن رأيت الهلال وقوله: (دُيِّنْ) أي وكل إلى دائنه وحلف إن رفع إلى حاكم.
وتفسير ابن عبد السلام: قوله: (دُيِّنْ) فيحلف ليس بظاهر لأن النظر في الأيمان تختص بالأحكام.
وكَذِلِكَ لَوْ حَلَفَ اثْنَانِ عَلَى النَّقِيضِ فِيهِمَا، مِثْلَ: إِنْ كَانَ هَذَا غُرَاباً وإِنْ لَمْ يَكُنْ فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقيناً طُلِّقَت عَلَى الأَصَحِّ ..
يعني: لو حلف شخصان (عَلَى النَّقِيضِ) أي حلف كل منهما على نقيض ما حلف عليه صاحبه (فِيهِمَا) أي فيما لا يعلم حالاً ومآلاً، أو ما يعلم حالاً، ومثل المصنف بمثال واحد إما لأنه رآه صالحاً للصورتين فإنه إذا حلف أحدهما بالطلاق أنه غراب، والآخر
стр. 2110
ليس بغراب، فإن كان الطائر لا يعرف لبعده حنثا، وإن كان قريباً بحيث يمكن كل منهما أن يدعي يقين ما حلف عليه الآخر صدقا، وهكذا قال ابن راشد، وإما لأنه مثل ما يمكن حالاً، وسكت عن تمثيل الذي لا يمكن حالاً ومآلاً، فيكون مثاله كما لو حلف شخص بالطلاق أن فلاناً من أهل الجنة وحلف غيره أنه من أهل النار.
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يدَّعِ يقيناً).
ابن راشد: أي وإن لم يدع كل واحد منهما أنه حلف على يقينه وإنما حلف على ما يظن أو يشك، حنث على الأصح، والقول بعدم اللزوم مشكل.
ابن راشد: ولا يبعد ما نقله المصنف عن أصول المذهب، وعكس بعضهم النقل فأتى بما ظاهره العكس، أعني أنه جعل القولين فيما إذا جزم كل واحد من الحالفين بصحة ما حلف عليه، وإن لم يجزما لزمهما الطلاق، وأجمل بعضهم النقل وأتى بما يدل على أن المسألة مختلف فيها من حيث الجملة، وكأن المصنف اختصر المدونة ونصها: ومن قال لرجل: امرأتي طالق، لقد قلت كذا، وقال الآخر: امرأته طالق إن كنت قلته؛ فليدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً. واختلف قول مالك خارج المدونة هل يحلفان أم لا؟
وبني ذلك على الخلاف في توجيه يمين التهمة، قيل: ومحل الخلاف إذا رفع الأمر إلى الحاكم، وأما لو جاءا مستفتيين فلا وجه لليمين، ونظير هذه المسألة في العتق من المدونة في العبد بين الشريكين فقال أحدهما: هو حر إن كان دخل المسجد، وقال الآخر: هو حر إن كان لم يدخل، فليدينا ويتركا إن ادعيا يقيناً فإن شكا عتق عليهما بغير قضاء.
وقال غيره بالقضاء فإن قيل: كيف جرى الخلاف هنا في الشك، وقد تقدم في باب الصيد والذبائح أنه متى شك هل مات من الزكاة أو غيرها لم يؤكل بالاتفاق، وإنما الخلاف في الظن قيل: لأن الأصل هنا استمرار النكاح بخلاف ما ذكرت.
стр. 2111
أما لو كان لرجل امرأتان فرأى طائراً فقال: إن كان هذا غراباً فزينب طالق وإن لم يكن غراباً فعزة طالق؛ والتبس عليه الأمر وتعذر التحقيق طلقتا عليه، وكان ذلك كاختلاط الميتة مع الذكية قاله بعضهم.
وَفِيهَا: إِنْ قَالَ: فَعَلْتُ، ثُمَّ قَالَ: كُنْتُ كَاذِباً صُدِّقَ بِيَمِينِ
[٣٦٥/ ب] مثاله لو قال لزوجته: تزوجت أو اشترين جارية ثم حلف لامرأته إن كنت فعلت ذلك فأنت طالق، ثم قال: كنت كاذباً في قولي أولاً، لم يلزمه الطلاق لأن كلامه أولاً لا مدخل له في الطلاق. قوله: (صُدِّقَ بِيَمِينِ) أي يحلف أنه كان كاذباً وإنما حلف لأن كلامه أولاً يوجب التهمة.
بِخِلافِ مَا لَوْ قَالَ بَعْدَ الْيَمِينِ: فَعَلْتُهُ فَإِنَّهُ يُقْضَى عَلَيْهِ
كما لو حلف بالطلاق لا يدخل الدار ثم قال: دخلتها؛ لزمه الطلاق وقضى عليه به؛ لأنه أقر بانعقاد اليمين، وأقر بعد ذلك بالحنث، قالوا: ولو شهد عليه شهود بأنه فعل كذا فحلف بالطلاق لقد كذبوا في ذلك، لم يلزمه الطلاق لأنه حلف على رد قولهم، وفيه نظر، قالوا: ولو شهد عليه غيرهما، أنه فعل ذلك الفعل فإنه يحنث، وقالوا لو شهدت بينة أنه وجد منه ريح الخمر فحلف بالطلاق ما شربها لم يحنث.
وَلا يَسَعُ زَوْجَتَهُ- إِنْ عَلِمَتْ إِقْرَارَهُ- الْمُقَامُ إِلا كُرْهاً إِنْ بَانَتْ كَمَنْ عَلِمَتْ أَنَّهَا طُلِّقَتْ ثَلاثاً ولا بَيِّنَةَ لَهَا إِذْ لا يَنْفَعُهَا مُرَافَعَتُهُ ..
المسألة متصلة بالتي قبلها في المدونة كما هنا، ففيها: فإن كان علم أنه كاذب في إقراره عندهم بعد يمينه حل له المقام فيما بينه وما بين الله تعالى ولم يسع امرأته المقام معه إن سمعت إقراره هذا إن لم تجد بينة ولا سلطاناً فهي كمن طلقت ثلاثاً ولا بينة لها فلا تتزين
стр. 2112
له ولا يرى لها شعراً ولا وجهاً إن قدرت، ولا يأتيها إلا كارهة ولا تنفعها مرافعته ولا يمين عليه إلا بشاهد.
وقوله: (إِلا كُرْهاً) معناه مكرهة وهو أحسن من قوله في المدونة: كارهة؛ إذ لا ينفعها كراهة إتيانه فيما بينها وبين الله تعالى، وإنما ينفعها أن تكون مكرهة ولتبعد منه بما قدرت عليه، وإن قدرت على ضربه إذا أرادها فلتفعل، وهو كالعادي والمحارب.
وقال سحنون: لا تقتله ولا تقتل نفسها، واختاره بعض الشيوخ، واعترض قياس ابن المواز بأن شرط القياس أن يثبت في الفرع مثل حكم الأصل، والمثلية هنا غير حاصلة، لأن الحكم في الحرابة التخيير بين ممانعة المحارب أو تسليم المال له، والحكم هنا متحتم الممانعة، ولأن قتله إما أن يكون قبل الوطء وهو لا يجوز لعدم حصول موجب الحد أو بعده وذلك لا يجوز لها أيضاً، لأن الواجب عليه الحد وذلك للأئمة، وأجيب عن الأول بأن مراد محمد الاستدلال الذي هو محاولة الدليل عن القواعد الشرعية لا حقيقة القياس، وذلك لأن حرمة الفروج أقوى من حرمة المال، وإذا جازت المدافعة في الأضعف ففي الأقوى أولى.
وعن الثاني باختيار أن لها القتل قبل الوطء إذا لم يمكنها دفعه إلا بذلك، كما لو أراد قطع عضو منها.
ابن عبد السلام: وأجاب بعضهم عن كلام ابن المواز أيضاً بأنه مبني على أحد القولين في تقييد المنكر بالقتل، وفيه نظر. والله أعلم.
فَإِنْ أَمْكَنَ مَآلاً مِثْلَ: إِنْ كُنْتِ حَامِلاً. أو: إِنْ لَمْ تَكُونِي حَامِلاً فَأَنْتِ طَالِقُ، فَقَالَ مَالِكُ: هِيَ طَالِقُ، لأَنَّهُ لا يَدْرِي أَحَامِلُ هِيَ أَم لا؟ وقِيلَ: إِنْ أَنْزَلَ وُقِفَتْ فِيهِمَا، وإِلا خُلِّيَ فِي الأُولَى، وطُلِّقَتْ فِي الثَّانِيَةِ ..
يعني: وإن طلق الطلاق على صفة يمكن الإطلاع عليها في المآل وذكر اللخمي في هذه المسألة أربعة أقوال فقال: إن قال لها: إن كنت حاملاً فأنت طالق وإن لم تكوني حاملاً
стр. 2113
فأنت طالق، فإن كانت في طهر لم يمس فيه أو مس ولم ينزل كان محملها على البراءة، فإن قال: إن كنت حاملاً لم تطلق. وإن قال: إن لم تكوني حاملاً طلقت.
وكذلك إن كان يعزل لأن الحمل نادر. واختلف إذا أنزل ولم يعزل على أربعة أقولا، قال مالك في المدونة: هي طالق مكانها لأنه في شك من حملها، وسواء قال: إن كنت حاملاً، أو: إن لم تكوني حاملاً.
وفي الواضحة: لا يقع عليها طلاق إلا أن يوقعه الحاكم. وقال أشهب: لا شيء عليه الآن ويؤخر أمرهما حتى تنظر هل هي حامل أم لا، وفرق أصبغ بين أن يكون على بر أو حنث، وقال إن كنت حاملاً لم يقع الطلاق لأنه على بر حتى يعلم أنها حامل، وإن قال: إن لم تكوني حاملاً عجل الطلاق لأنه على حنث.
واختار اللخمي قول أشهب، والقول الثاني من كلام المصنف هو قول أصبغ إلا أنه زاد: إن أنزل وقفت فيهما، أي في الصورتين، لكن في كلام المصنف مخالفة للخمي؛ لأن المصنف إنما ذكر القول الثاني إذا لم ينزل، واللخمي ذكره إذا أنزل. والله أعلم.
وَإِذَا وَقَفَتْ فَمَاتَ أَحَدُهُمَا فَثَالِثُهُا: تَرِثُهُ لا يَرِثُهُا
يعني: إذا فرعنا على مذهب المدونة من التخيير فلا ميراث، وإن فرعنا على القول بالوقوف أو على افتقاره إلى حكم حاكم، فمات أحدهما، فقيل يتوارثان.
ابن عبد السلام: وهو الأصح استصحاباً لحال الزوجية؛ لأن الطلاق لم يقع إلى الآن بل وقوعه متعذراً لأجل الموت.
والقول الثاني: أنهما يتوارثان لحصول الشك في العصمة.
والثالث لسحنون: ترثه ولا يرثها لأنه مرسل العصمة من يده بسبب يمينه. وفيه نظر؛ لأن الشك إن نهض مانعاً منع الجانبين وإلا لم يمنع منهما. وقيد اللخمي قول
стр. 2114
سحنون بما إذا تبين له أنه كان باراً، قال: وهذا الخلاف إنما هو إذا كانت [٣٦٦/ أ] يمينه بالثلاث، ولو كانت اليمين بطلقة توارثا بالاتفاق لأنه وإن كان حانثا فهو طلاق رجعي.
وَمِثْلُهُ: إِنْ كَانَ أَوْ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي بَطْنِكِ غُلامُ- فِي التَّنْجيز والْوُقُوفِ
أي: فيأتي الخلاف المتقدم، قوله: (والْوُقُوفِ) يعني: وعلى الوقوف تأتي الأقوال في الميراث كما تقدم وسكت عن ذلك للعلم به.
وقول ابن عبد السلام: إنما أراد التشبيه في التنجيز والوقوف ولو أراد الإرث لقال: والإرث ليس بظاهر، وهكذا كان شيخنا ﵀ يقول.
فرع:
إذا قال: إن ولدت ولداً فأنت طالق اثنتين فولدت ولدين، طلقت بالأول وانقضت عدتها بالثاني، ولو قال: كلما ولدت ولداً فكذلك.
ابن سحنون عن أبيه: وإن قال: إن كان حملك جارية فأنت طالق واحدة، وإن كان غلاماً فأنت طالق اثنتين، فولدت غلاماً وجارية، فإن ولدت الغلام أولاً طلقت اثنتين وتنقضي العدة بوضع الجارية ولا يلزمه بوضعها، وإن ولدت أولاً الجارية لا يلزمه إلا طلقة.
وفِي مِثْلِ: إِنْ كُنْتِ تُجِيِّبنِي أَوْ: إِنْ كُنْتِ تُبْغِضِينِي؛ يُؤْمَرُ بِفِرَاقِهَا، وثَالِثُهَا: إِنْ أَجَابَتْهُ بِمَا يَقْتَضِي الْحِنْثَ حَنِثَ، ورَابعُهَا إِنْ أَجَابَتْهُ وصَدَّقَهَا
اعلم أنه لا خلاف في أمره بالفراق صرح بذلك ابن بشير وابن شاس، وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف، وإنما اختلف هل الأمر مع الجبر أم لا على أربعة أقوال وتصورها من كلامه ظاهر.
واختلف هل مذهب المدونة عدم الجبر مطلقاً أو التفصيل بين أن تجيبه بما يقتضي الحنث فيجبر، وبين ما لا يقتضيه فلا يجبر؟ وما ذكره المصنف من تعميم الخلاف هي
стр. 2115
طريقة بعضهم، وجعل بعضهم الثالث تفسيراً للأولين، ورأى بعضهم أنه لا يختلف في الجبر إذا أجابته بما يقتضي الحنث، وإنما اختلف إذا أجابته بخلافه.
قال عبد الحميد: إن قصد لفظها فلا طلاق عليه إن جاوبته بما لا يقتضيه، وإن قصد ما في قلبها فهو من باب وقوع الطلاق بالشك فيأتي الخلاف.
خليل: وينبغي إن ظاهر من قرائن أحوالها بغضه أو محبته أن يعمل عليه، وإن لم يظهر شيء فيكون محل الخلاف.
وَإِذَا شَكَّ أَطَلَّقَ أَمْ لا مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْتَنِدَ إِلَى أَصْلٍ لَمْ يُؤْمَرْ
فهم من قوله: (لَمْ يُؤْمَرْ) عدم الجبر من باب الأولى، وحكى صاحب البيان وعياض الاتفاق على عدم الجبر هنا، وحكى التونسي في حنثه قولين، وخرج اللخمي الحنث على القول بوجوب الوضوء في حق من تيقن الطهارة وشك في الحدث، قال: وعلى القول بأن الوضوء مستحب يؤمر هنا بالفراق استحباباً، وفرق غيره بين الشك في الطلاق والحدث بفرقين:
أولهما: عظم المشقة الناشئة عن الطلاق لو أمر به، ويسارتها في الوضوء.
ثانيهما: أن المشكوك فيه يجب طرحهن فالشك في الوضوء شك في المشروط، وذلك يمنع من الدخول في الصلاة. والشك في الطلاق شك في حصول المانع من استصحاب العصمة فيطرح المانع.
فَإِنْ اسْتَنَدَ كَمَنْ حَلَفَ ثُمَّ شَكَّ فِي الْحِنْثِ وهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ حَنِثَ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: أن الشك إذا استند إلى سبب أقوى منه لأنه إذا لم يستند جرى مجرى الوسوسة، ومثل المستند بمن حلف ثم شك.
стр. 2116
ابن عبد السلام: وفي مثاله نظر، وليس مراد العلماء بالسبب هذا المعنى، لأنه لا يلزم من وجود اليمين حصول الشك لأن من حلف بالطلاق لا يدخل زيد داره ثم شك هل دخل زيد داره أم لا؟
فهذا من الشك الذي لا يؤمر فيه بطلاق، وإن رأى إنساناً دخل تلك الدار وشبهه بزيد ثم غاب ذلك الإنسان بحيث يتعذر تحققه، هل هو المحلوف على الدخول أم لا؟ ففيه الخلاف، والمشهور عند أبي عمران وجماعة من الشيوخ كما ذكر المصنف، والمشهور عند الشيخ أبي محمد الأمر من غير جبر.
اللخمي: وهو المعروف وهو الذي في الخلاف، ونقله في الواضحة عن مطرف وابن الماجشون وابن القاسم.
واحترز بقوله: (وهُوَ سَالِمُ الْخَاطِرِ) مما لو كان ذا وسوسة فإنه لا شيء عليه، قاله في المدونة. قال في البيان في باب طلاق السنة: الشك في الطلاق على خمسة أوجه: وجه لا يجبر فيه على الطلاق ولا يؤمر به اتفاقاً، ووجه لا يجبر عليه، ويؤمر به اتفاقاً، ووجه لا يجبر فيه، واختلف هل يؤمر به أم لا؟ ووجه اختلف فيه، هل يجبر أم لا؟ ووجه يجبر عليه باتفاق.
فأما الذي لا يجبر فيه على الطلاق ولا يؤمر به فهو أن يحلف على رجل لا تفعل كذا ثم شك هل فعل أم لا؟ لغير سبب قام عنده.
وأما الوجه الذي لا يجبر فيه على الطلاق ويؤمر به باتفاق فهو أن يحلف ألا يفعل فعلاً ثم شك هل فعل أم لا؟ لسبب قام عنده.
وأما الوجه الذي لا يجبر على الطلاق واختلف هل يؤمر به أم لا؟ فهو أن يشك هل طلق أم لا؟ وهل حلف وحنث أو لم يحلف؟ فقال ابن القاسم: لا يؤمر بالطلاق. وقال أصبغ: يؤمر به.
стр. 2117
وأما الوجه الذي اختلف فيه هل يجبر على الطلاق أم لا؟ فهو أن يشك في عدد الطلاق، ومن هذا إذا قال لزوجته: أنت طالق إن كانت فلانه حائضاً، فقالت فلانة: ما أنا حائض، أو حلف لصدقته، فقالت له: صدقتك، أو قال لها: إن كنت تبغضيني فقالت: لا أبغضك.
وأما الوجه الذي يجبر فيه على [٣٦٦/ ب] الطلاق باتفاق، فهو أن يقول: إن كان أمس كذا فأنت طالق لفعل يمكن أن يكون ويمكن ألا يكون وقد عمي خبره، وكذلك إذا طلق إحدى نسائه ولم يعينها، أو قال: عينتها ونسيتها انتهى. فالوجه الثاني من كلامه الذي حكى فيه الاتفاق على أنه يؤمر ولا يجبر هو الذي ذكر المصنف أن المشهور فيه الحنث وعلى هذا فيتحصل في المذهب في هذا الوجه ثلاثة طرق:
طريقة أبي عمران وهي طريقة المصنف أن المشهور الحنث، وطريقة الشيخ أبي محمد واللخمي أن المشهور عدم الحنث، وطريق صاحب البيان.
وَفِيهَا: وكُلُّ يَمِينٍ بِالطَّلاقِ لا يَعْلَمُ صَاحِبُهَا أَنَّهُ فِيهَا بَارُّ فَهُوَ حَانِثُ يَعْنِي يَشُكُّ
هذا استشهاد منه رحمه الله تعالى على أن مذهب المدونة موافق لما شهر، وبهذا اللفظ تمسك أبو عمران.
وقوله: (يَعْنِي يَشُكُّ) هذا تفسير منه للمدونة، ولعل المصنف اعتمد في هذا التفسير على ما قاله ابن المواز: كل من حلف ثم شك في بره وحنثه فهو حانث ما لم تكن يمينه بالله تعالى.
وأخرج المصنف بقوله: (يَشُكُّ) الظن والاعتقاد.
خليل: وانظر هل لا يؤمر بشيء إذا ظن البر كما يفهم من تفسير المصنف، أو يكون أخف؟ فعلى القول بالجبر مع الشك يؤمر هنا بغير جبر، وعلى القول بالأمر مع الشك لا يؤمر هنا.
стр. 2118
وَلو قَالَ: إِنْ كَتَمْتِنِي أَوْ كَذَبْتِنِي فَتُخْبِرُهُ ولا يَدْرِي أَكَتَمَتْهُ أَمْ كَذَبَتْهُ أَمْ لا؟ أمر بِغَيْرِ قَضَاءٍ، وفِيهَا: ولَوْ حَلَفَ بِطَلاقٍ فَلَمْ يَدْرِ أَحَنِثَ أَمْ لا أُمِرَ بِغَيْرِ قَضَاءٍ
ذكر أيضاً هاتين المسألتين حجة للقول بعدم الحنث، وينبغي أن يجري في مسألة (إن كذبتني) الأقوال التي تقدمت في: إن كنت تحبيني أو تبغضيني.
فَإِنْ شَكَّ أَوَاحِدَةً طَلَّقَ أَمِ اثْنَيْنِ أَمْ ثَلاثاً فَفِيهَا: قَالَ مَالِكُ: لا تَحِلُّ لَهُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ كَانَ أَمْلَكَ بِهَا، ويُصَدَّقُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ- بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ تَحَقَّقَ التَّحْرِيمُ، وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ، أَوْ تَحَقَّقَ مِلْك الثَّلاثُ، وسُقُوطُ اثْنَيْنِ مَشْكُوكُ ...
يعني: إذا تحقق وقوع الطلاق وشك عدده، فقال مالك في المدونة: تطلق عليه ثلاثاً بمعنى إيقاع ما زاد على الواحدة لم يقع على معنى التحقيق بل على طريق الاحتياط كما سيأتي، واختلف هل على هذا القول يحكم عليه بالثلاث؟ وهو الذي فهمه أكثر الشيوخ من المدونة كعبد الحق واللخمي، ومنهم من فهمها على الأمر بذلك فقط.
قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَإِنْ ذَكَرَ فِي الْعِدَّةِ) نحوه في المدونة، ولا إشكال فيه على الأمر بالثلاث من غير جبر، وأما على الحكم بالثلاث فلا يكون أحق، قاله بعض القرويين، وصدق لأنه شيء ما علم إلا من جهته.
ابن عبد السلام: ولا يمين عليه، قال في المدونة: وإن ذكر ذلك بعد العدة كان خاطباً ويصدق في ذلك.
وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ) نحوه في الجواهر.
ابن عبد السلام: وتبع المصنف في هذا القول بعض المتأخرين، وأنكر غيرهما من حفاظ الشيوخ وجوده في المذهب، وأصول المذهب تشهد لوجوده.
стр. 2119
وقوله: (بنَاءً .. إلى آخره) يعني ومنشأ الخلاف أن المشهور نظر إلى أن بالطلاق حصل التحريم، والتحريم لا يرفعه إلا الرجعة إن كانت الزوجة مدخولاً بها، أو تجديد العقد إن كانت غير مدخول بها فتلك الرجعة، وذلك العقد يشترط في صحتهما بقاء بعض أهل العصمة الأولى وبقاء البعض مشكوك فيه، فحصل الشك في صحة الرجعة والعقد فيبقى على الأصل المتيقن قبلهما وهو التحريم، ورأى في الشاهد أن ملك الثلاث متيقن وقد وقع الشك فيما زاد عليها، والأصل انتفاء ما لم يتيقن وقوعه، والواحدة هي المتبقية فلا يقع غيرها. وفهم من قوله: (وحِلَّ الرَّجْعيةِ مَشْكُوكُ) أن الرجعة محرمة وهو المذهب كما سيأتي، وفهم أيضاً أن هذا الخلاف إنما هو في المدخول بها لأنها التي فيها الرجعة، وأما غيرها فالواحدة تحرمها وقد تحقق ذلك.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فَمَتَى تَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ وطَلَّقَهَا وَاحِدَةً واثْنَتَيْنِ لَمْ تَحِلَّ لَهُ إِلا بَعْدَ زَوْجٍ أَبَداً لِدَوَرَانِ الشَّكِّ مَا لَمْ يَبُتَّ، ورَوَى أَشْهَبُ زَوَالَهُ بَعْدَ ثَلاثِةِ أَزْوَاجٍ وتَطْلِيَقَتَيْنِ ..
يعني: وإذا فرعنا على المشهور من إيقاع الثلاث ثم زوجها بعد زوج، ثم طلقها واحدة لم تحل له إلا بعد زوج، وكذلك في زوج ثالث ورابع، قال في المدونة: ومائة زوج، لأنه إذا تزوجها ثانياً وطلقها واحدة، قلنا يحتمل أن يكون طلقت اثنتين، فتكون هذه الطلقة مكملة الثلاث. فإذا تزوجها ثالثاً بعد زوج ثان فكذلك، لأنه يحتمل أن يكون المشكوك في عدده أولاً واحدة، وكذلك يفعل فيما بعد ذلك.
عياض: ويجرى على هذا ولو بعد ألف زوج، ولهذا تلقب هذه المسألة بالدولابية لدورانها هكذا، وكذلك إذا طلقها اثنتين، ولا يحصل الدوران مع الاختلاف وإن كان ظاهر كلام جماعة حصوله، وبيان ذلك إذا طلقها طلقتين في الثاني وفي الثالث طلقة وفي الرابع طلقة، فإن فرض المشكوك فيه ثلاثاً فهذه الأخيرة هي أول عصمة مستأنفة، فإن فرض اثنتين فتكون ثانية، وذلك إن فرض واحدة فاعلمه.
стр. 2120
وقوله: (مَا لَمْ يَبُتَّ) أي ما لم يطلق ثلاثاً فيزول الشك حينئذ، وإذا تزوجها بعد زوج ترجع عنده على عصمة مستأنفة.
خليل: ويمكن أن يزيل [٣٦٧/ أ] الشك أولاً بأن يقول: إن لم يكن طلاقي ثلاثاً فقد أوقعت عليه تكملة الثلاث، لأنه بين أحد أمرين إما أن طلقها ثلاثاً فلا شك، وإن طلقها دون ثلاث فهي في عصمته فيقع بقية الثلاث، اللهم إلا أن تنقضي العدة أو تكون غير مدخول بها، وإلى هذا أشار عبد الحميد. والله أعلم.
وروى أشهب أن الشك يرتفع بعد ثلاثة أزواج.
ابن يونس: ووجهه أنه لا يخلو أن يكون الطلاق الأول طلقة أو اثنتين أو ثلاثاً، فإن كان ثلاثاً فقد تزوجها بعد زوج، وإن كان اثنتين فقد طلقها بعد أن تزوجها بعد زوج فصارت ثلاثاً، ثم تزوجها بعد زوج، وإن كان واحدة فقط طلقها بعد الزوج الأول واحدة، وبعد الثاني ثانية، وطلقة الشك الأولى ثالثة فوجب أن يزول الشك بعد ثلاثة أزواج.
قال في البيان: وبه قال أشهب وابن وهب وابن حبيب وقال يحيى بن عمرو: قد تدبرته فوجدته خطأ وقال ذلك فضل أيضاً، وهو كما قالا لأنه لا يرتفع الشك. ونقل ابن يونس في المسألة قولاً ثالثاً عن ابن وهب أنه إذا طلقها ثلاثاً وإن كن متفرقات فإنها ترجع على ملك مبتدأ. وأشار عياض إلى أنه وهم في ذلك وأنه راجع إلى القول الثاني وليس بثالث، لأنه إن طلق ثلاثاً مجتمعة في كلمة واحدة فلا خلاف، وأما المفترقات فمعناها من الأزواج وهو قول أشهب.
فَإِنْ شَكَّ أَهِنْدُ هِيَ أَم غَيْرُهَا طُلِّقَنْ كُلُّهُنَّ بِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ طَلاقٍ
يعني: فإن طلق واحدة معينة من نسائه ونسي عينها، أو حلف بطلاقها فحنث فإن نسائه الجميع يطلقن عليه.
стр. 2121
قال في الكافي: واتفق على ذلك قول مالك.
قوله: (بِغَيْرِ اسْتِئْنَافِ طَلاقٍ) نحوه في المدونة، قال في الجواهر: ويوقف ليتذكر ولا يعجل عليه بالاتفاق لرجاء التذكر وإن طال الأمد ورفعناه ضرب له أجل الإيلاء، ونحوه للخمي وزاد: وقيل: يطلقن عليه من غير أجل.
اللخمي: والصبر أحسن لأنه يرجو أن يتذكر، فإن طلق ونوى التي لم يطلق حلتا للأزواج، وإلا طلق السلطان عليه ونوى التي لم تطلق أي لتحل للأزواج، وعلى هذا فيلزم إذا لم يتذكر أن يطلق التي لم يقع عليها طلاق، فيقول: امرأتي التي لم يقع عليها طلاق طالق. خلاف قول مالك يطلقن عليه من غير استئناف طلاق، وهو مذهب أبي حنيفة، واستحسنه ابن عبد السلام.
ولعل الخلاف مبني على اختلاف الأصوليين في اختلاط الميتة بالذكية هل يحرمان معاً أو إنما تحرم الميتة؟ فعلى الثاني لابد من استئناف الطلاق.
وَفِي إِحْدَاكُنَّ طَالِقُ، أَوِ امْرَأَتُهُ طَالِقُ، ولَمْ يَنْوِ وَاحِدةً مُعَيَّنَةً- قَالَ الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ: يُطَلَّقْنَ، وقَالَ الْمَدَنِيُّونَ: يَخْتَارُ كَالْعِتْقِ ..
قال في البيان: المشهور المعلوم من قول مالك وأصحابه أن الجميع يطلقن وقال المدنيون: ويختار واحدة كالمشهور في العتق.
والمشهور أن العتق أحق، لأنه يتبعض ولا يتنجز إذا علق على زمان آت، ويعتق فيه بالقرعة، بخلاف الطلاق، فإن قيل: فلم لم يقل المدنيون في الأولى أيضاً يختار كهذه؟ قيل: لأن الطلاق في الأولى وقع على واحدة معينة، وذلك التعيين مانع من نقله منها إلى غيرها، ولهذا قلنا: إذا تذكر المطلقة لم يلزمه في غيرها شيء، فإذا لم تعلم المطلقة احتجنا إلى طلاق الجميع، بخلاف هذه فإنه إنما ألزم نفسه الطلاق في غير معينة فكان تعيين له.
стр. 2122
وفهم من قوله: (ولَمْ يَنْوِ وَاحِدةً) أنه لو نوى معينة لصدق. ابن بشير: بلا خلاف.
قال في المدونة: ويصدق في القضاء والفتيا وظاهرها نفي اليمين لتسويته بين القضاء والفتيا. وحكى اللخمي وغيره في ذلك قولين، وهما على الخلاف في أيمان التهم، وقال اللخمي: إن لم تكن عليه بينة لم يحلف على حال، وإن كانت عليه بينة وقال: أردت فلانة وكان كلامه نسقاً صدق بغير يمين، وإن لم يكن نسقاً وقال: نويت الشابة أو الحسنة أو من يعلم منه الميل إليها لم يحلف وإن قال: نويت الأخرى حلف. ابن بشير: وهذا إن كان التعيين والزوجتان في الحياة، فإن عين بعد الموت فقال: المطلقة هي الميتة، قبل قوله، واستظهر عليه باليمين.
وإن عكس فقال: المطلقة هي الحية، وليس للميتة مال قبل قوله، ولا يمين أيضاً، وإن كان لها مال. فقال اللخمي لا يقبل قوله، لأنه يريد الميراث، والأصل قبول قوله ويستظهر عليه باليمين، لأنه كان مقبول القول فلا يرجع قبول قوله بموت الميتة.
فَإِنْ شَكَّ أَطَلاقُ هُوَ أَمْ غَيْرُهُ فَفِي أَمْرِهِ بِالْتِزَامِ جَمِيعِ مَا يَحْلِفُ بِهِ عَادَةً قَوْلانِ
يعني: إذا تيقن أنه حلف يميناً ثم نسي ما حلف به، والقول بالأمر مذهب المدونة ففيها من لمي در بها حلف أبطلاق أو عتق أو مشي أو صدقة؟ فليطلق نسائه ويعتق رقيقه، وليتصدق بثلث ماله، وليمش إلى مكة، يؤمر بذلك من غير قضاء، وإذا تأملت كلام المصنف وجدته مخالفاً للمدونة، لأنه في المدونة إنما أمره بالتزام ما يحلف [٣٦٧/ ب] به عادة كالمصنف، وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر لكنه تبع ابن شاس.
وقال أصبغ: إن لم يدر بأي يمين حلف أبطلاق أو عتاق أو إيلاء أو مشي أو ظهار؟ فإنه تلزمه ولا تجري على لسانه. واعترضه اللخمي وقال: قول أصبغ أنه يجبر على المشي والصدقة خلاف المعروف من المذهب، ولعل ابن شاس رأى قول أصبغ إلا ما كان منها
стр. 2123
ليس من أيمانه، فجعله تقييداً للمدونة وفيه بعد. وقول اللخمي إن المعروف من المذهب في المشي والصدقة عدم الجبر صحيح إلا أن ينص على الجبر فيهما إذ يحتمل أن يريد بلزوم ما ذكره في القضاء والفتيا أي يقضي عليه بما علم في غير هذا الموضوع أنه يقضي عليه به، وذلك الطلاق والعتق المعين والظهار على أن الصقة ليس لها ذكر في كلام أصبغ.
التَّفْوِيضُ: تَوْكِيلُ، وتَمْلِيكُ، وتَخْبِير
يقال: فوض الأمر إليه إذا رده إليه وهذا مشترك بين التوكيل والتمليك والتخيير فلذلك جعل التفويض جنساً والثلاثة أنواعاً له، والفرق بين التوكيل وغيره أن التوكيل يفعل على طريق النيابة بخلاف غيره.
وأما الفرق بين التخيير والتمليك فقيل أمر عرفي لا مشاركة للغة فيه، فقولهم: في المشهور كما سيأتي أن للزوج أن يناكر المملكة دون المخيرة إنما ذلك مستفاد من العرف، وعلى هذا ينعكس الحكم بانعكاس العرف، وقيل: هو وإن كان تابعاً للعرف إلا أن العرف موافق للغة أو قريب منها؛ لأن التمليك إعطاء ما لم يكن حاصلاً، فلذلك قلنا أن للزوج أن يناكرها، لأن الأصل بقاء ملكه بيده.
أما التخيير فقال أهل اللغة: خيرت فلاناً بين الشيئين إذا فوضت إليه الخيار، فيكون على هذا معنى تخيير الزوجة أن الزوج فوض إليها البقاء على العصمة والذهاب عنها وذلك إنما يتأتى لها إذا حصلت على ما لا يبقي للزوج معها رجعة.
ففِي التَّوْكِيلِ: يَرْجِعُ قَبْلَ أَنْ توقِعَ
تصوره ظاهر، ونحوه في التلقين وهو مقيد بما إذا لم يتعلق للمرأة حق صرح بذلك ابن بشير كما إذا قال لها إن تزوجت عليك فقد جعلت أمرك بيدك أو أمر الداخلة بيدك توكيلاً لا تمليكاً فهنا قد تعلق للمرأة حق في التوكيل فلا يكون له عزلها وهذا كما قلنا أن للموكل عزل الوكيل ما لم يتعلق به حق الغير.
стр. 2124
واقتضى كلام المصنف أنه ليس للموكل له عند وكيله ما لم يتعلق به حق الغير- الرجوع في التمليك وهو كذلك في التلقين ليس له أن يرجع إلى أن يبطل تمليكها.
الباجي: وهو مما انفرد به.
وَالتَّمْلِيكُ: مِثْلُ: مَلَّكْتُكِ أَمْرَكِ، أَوْ أَمْرُكِ بِيَدِكِ وَطَلاقُكِ بِيَدِكِ، وطَلِّقِي نَفْسَكِ، وأَنْتِ طَالِقُ إِنْ شِئْتِ أَوْ كُلَّمَا شِئْتِ؛ فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا، وَلا تُتْرَكُ تَحْتَهُ حَتَّى تُجِيبَ ..
هذه صيغة التمليك وقدم (مَلَّكْتُكِ) لأنها صريح هذا الباب فلما كان (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) أقرب في باب التمليك من (طَلاقُكِ بِيَدِكِ) جعل (أَمْرُكِ بِيَدِكِ) إثر (ملكتك) ولا يقال: لا ينبغي عد (أمرك بيدك) لأن الأمر هو الشأن وشأنها بيدها قيل قوله لأن أمرك بيدك في هذا الباب المراد منه الإنشاء.
وقوله: (فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا) أي إذا ملكها وتخصيصه هذا للتمليك يقتضي أنها ليس لها ذلك في التوكيل وهو ظاهر لأن للزوج عزلها وإذا كان لها المنع فليس لها أن تطول على زوجها وإنما لها ذلك في المجلس وشببهه كما سيأتي.
وقوله: (حَتَّى تُجِيبَ) يحتمل أن يكون غاية للجملة الأخيرة وهي (وَلا تُتْرَكُ تَحْتَهُ) ويحتمل أن يكون غاية لها ولقوله: (فَتَمْنَعُ نَفْسَهَا) وهو الأقرب.
وَالْجَوَابُ قَوْلُ صَرِيحُ وَمُحْتَملُ، وفِعْلُ، فَالصَّرِيحُ يُعْمَلُ بِهِ فِي رَدِّ التَّمْلِيكِ والطَّلاقِ
يعني: وجواب المرأة إذا صدر من الرجل التمليك ينقسم إلى (قَوْلُ .. وفِعْلُ) والقول ينقسم إلى (صَرِيحُ وَمُحْتَملُ) لأنه إذا كان نصاً في المراد فهو صريح وإلا فهو محتمل وينبغي أن يكون الفعل أيضاً ينقسم كذلك لأنه وإن لم تكن له دلالة بالوضع بل بالقرائن المحتفة به فتلك القرائن إما أن تحتمل النقيض أو لا.
стр. 2125
ولعل المصنف ترك تقسيمه اكتفاءً بما سيذكره.
وقوله: (فِي رَدِّ التَّمْلِيكِ) كما لو قالت: رددت ما جعلت إلي أو لا أقبله (والطَّلاقِ) عطف على (رَدِّ) تقديره، وإيقاع الطلاق كما لو قالت: طلقت نفسي أو بنت منك أو بنت مني.
مَا لَمْ تُوقِعْ أَكْثَرَ مِنْ وَاحِدَةٍ فَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِي قَصْدِهِ عَلَى الْفَوْرِ ويَحْلِفُ، فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَقَعَتِ الثَّلاثُ، فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلاقاً وقع ما زَادَته، فَإِنْ رَجَعَ فَفِي قَبُولِ قولِهِ قَوْلانِ، أَمَّا لَوْ شَرَطَ عِنْدَ نِكَاحِهِ أَوْ قَبْلَهُ- مثل: إِنْ تَزَوَّجْتُ عَلَيْكِ فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ- فَلا مُنَاكَرَةَ لَهُ فِي الثَّلاثِ بَنَى أَوْ لَمْ يَبْنِ ..
يريد إذا أجابت صريحاً بالطلاق فإن صرحت بالواحدة إن لم تنو شيئاً وإنما صرحت بمجرد الطلاق وقعت واحدة وإن أوقعت أكثر فله مناكراتها بأن يكون: إنما قصدت واحدة بشروط أن يناكرها بالفور، فإن تراخى أي لزمه ما اوقعته وسئل أبو بكر بن عبد الرحمن عن من ملك امرأته فقضت بالثلاث فلم يناكرها [٣٦٨/ أ] هل يدخل في مناكرتها بعد المجلس الخلاف الذي في المرأة ببطلان خيارها بانقضاء المجلس أم لا؟
فقال: لا يدخل وسكوته التزام بما قصدت بخلاف المملكة وإلى هذا أشار بقوله (عَلَى الْفَوْرِ).
ثانيها: أن يحلف، فإن لم يحلف ففي المبسوط عن القاضي إسماعيل تلزمه الثلاث.
مالك في العتبية: ولا تنقلب اليمين على المرأة لنكوله، قال في البيان ولا خلاف في ذلك إذا لم يعلم صدقه من كذبه في ما ادعاه من النية، قال وليس في حلفه خلاف.
ابن عبد السلام: وأصله من يمين التهمة.
فرع:
ومتى يحلف؟ قال ابن المواز: إن كانت مدخولاً بها حلف مكانه إذ له الرجعة، وإن كانت غير مدخول بها لم يحلف إلا إذا أراد أن يتزوجها ولا يحلف قبل ذلك، إذ لعله لا
стр. 2126
يتزوجها قال الباجي وغير: لا يحلف في المدخول بها إلا عند إرادة الارتجاع إذ لعله لا يرتجعها، ولعل ابن المواز إنما ألزمه اليمين ناجزاً لتحقيق أحكام الزوجية الحاصلة في المطلقة طلاقاً رجعياً للنفقة وموارثة واستمتاع عند من يراه.
ثالثها: أن ينوي واحدة عند التمليك، فلوى نوى بعده أو لو لم ينو شيئاص وقع ما أوقعته وإلى هذا أشار في قوله:
(فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً وَقَعَتِ الثَّلاثُ) وأشار إلى اشتراط القطع من التمليك بقوله أولاً (فِي قَصْدِهِ).
وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَنْوِ وَاحِدَةً) فيه نظر؛ لأنه يقتضي أنه لو نوى اثنتين أن يقع الثلاث ولو كان كما في المدونة إلا أن يناكرها الزوج مكانه فيحلف ويلزمه ما نوى من واحد فأكثر لكان أحسن.
رابعها: أن يقصد بالتمليك الطلاق وإليه أشار في قوله: (فَلَوْ قَالَ: لَمْ أُرِدْ طَلاقاً وقع ما زَادَته) وزادته بالزاي المعجمة وفي بعض النسخ (أرادته) من الإرادة والمعنى متقارب وقوله: (فَإِنْ رَجَعَ .. إلخ) يعني فإن أنكر أن يكون قصد الطلاق فقلنا يلزمك ما أوقعته من الثلاث فرجع وقال إنما نويت واحدة. فهل تقبل هذه النية منه؟ وهو رواية ابن القاسم عن مالك بعد حلفه أو لا يقبل منه وهو ندم من قائله وهو قول أصبغ.
أصبغ: والقول الأول وهم من ناقله واختاره غير واحد وهو الذي يأتي على المشهور في ما إذا أنكر المودع الوديعة فأقام ربها البينة على الإيداع فقال المودع: رددتها؛ فلا يسمع قوله ولا بينته على الرد وكذلك إذا أنكر المدين الدين أو المشتري الشراء وأقيمت عليهما البنية بالدين والشراء فزعما الوفاء، بل قبول قوله في هذه المسألة أولى من قبول قوله في مسألة التمليك، لأن الوديعة التي قامت على ردها البينة وكذلك الدين وثمن السلعة قد يسوغ في الشرع أو يظن كثير من العوام أنه سائغ ويقول: إنما أنكرت لعلمي أنه لا
стр. 2127
شيء له عندي وخفت متى أقررت له بذلك أن يطالبني فأتكلف إقامة بينة وهي الغائبة أو تزكيتها ونحو ذلك.
وأما إنكار إرادة الطلاق بقوله (ملكتك) مع أنه يعلم من نفس إرادة الطلاق، فلا يجهله أحد فناسب ألا يعذر.
أصبغ: وإنما تنفعه النية التي خرج لفظ التمليك عليها لا ما حدث له بعد القول.
محمد: إلا رواية أشهب عن مالك في من ملك امرأته وهو يلاعبها فتقول: قد تركتك؛ فيقول الرجل: كنا لاعبين ولم أرد طلاقاً.
قال مالك: يحلف ما أراد إلا واحدة.
وفي مسألتهم شبهة قيل: أعليه حرج أن يحلف والله يعلم أنه لم يرد شيئاً قال: لا، قد أمر بذلك ويحلف ما أراد الطلاق وتكون واحدة.
محمد: وليس بأصل مالك لأنه ملكها ولم يرد واحدة، والله أعلم.
خامسها: أن لا يكون التمليك مشترطاً عليه في أصل العقد، فإن كان مشترطاً ففي المدونة في كتاب الأيمان بالطلاق: لها أن تطلق نفسها بالطلاق ولا مناكرة له، بنى أو لم يبن، فإن طلقت نفسها واحدة وقد بنى بها فله الرجعة وإن لم يبن بها فقد بانت وإلى هذا أشار في قوله (أَمَّا لَوْ شَرَطَ ... إلخ) وهذا هو المشهور، وفي سماع عيسى: إن لم يبن بها طلقت نفسها واحدة لا أكثر لأنها تبين بها وقد علمت أن مذهب المدونة إذا طلقت المدخول بها نفسها واحدة أن له الرجعة، وقال سحنون وغيره: لا رجعة له، لأن ذلك مشترط في أصل النكاح وقرره ابن عتاب بأنه راجع إلى الخلع، لأنها أسقطت من صداقها لشرطها، قال: وقوله في المدونة جار على غير أصوله واحترز بقوله: (إلا أن يكون التمليك مشترطاً في أصل العقد) مما لو ملكها فيه طائعاً من غير شرط فإن له مناكرتها. نص عليه غير واحد.
стр. 2128
واختلف إذا لم يحصل التنصيص على الطوع أو الشرط فقال ابن العطار: ذلك على الطوع، وقال أبو الوليد وابن فتحون: ذلك على الاشتراط.
قوله: (أَوْ قَبْلَهُ) أي قبل العقد وهو كالمستغنى عنه لأنه إن استديم إلى عقدة النكاح فلا شك في اعتباره وإن لم يتعرض له في عقدة النكاح ألغي فدار الأمر مع ذكره في عقدة النكاح وجوداً وعدماً.
وَتَقَعُ الْوَاحِدَةُ ثُمَّ لا تَزِيدُ إِلا فِي كُلَّمَا، أَوْ يَكُونُ نَسَقاً لَمْ يَنْوِ بِهِ التَّاكِيدَ كَطَلاقِهِ قَبْلَ الْبِنَاءِ ..
يعني: أن المملكة إذا أوقعت واحدة وقعت وليس لها أن تزيد عليها إلا في [٣٦٨/ ب] صورتين:
الأولى: أن تكون الصيغة مقتضية للتكرار. كما إذا قال: كلما شئت فأمرك بيدك.
والثانية: أن تكون نسقاً فلا تقبل منه المناكرة في غرادة التكرار بخلاف الصورة التالية.
واسم (يَكُونُ) في كلام المصنف يحتمل أن يعود على تمليكه وعلى ذلك مشاه ابن راشد وعليه فيقرأ (يَنْوِ) بالياء المثناة من أسفل.
ويحتمل أن يعود على جوابه وعلى ذلك حمله ابن عبد السلام، وعليه فيقرأ (تَنْوِ) بالتاء المثناة من فوق والوجهان في المدونة. أما الوجه الأول: ففيها: وإن قال أمرك بيدك، أمرك بيدك، أمرك بيدك فطلقت نفسها ثلاثاً سئل الزوج عما أراد فإن نوى واحدة حلف وكانت واحدة وإن نوى الثلاث فهي الثلاث وإن لم تكن له نية فالقضاء ما قضت من واحدة فأكثر ولا مناكرة له.
وأما الوجه الثاني ففيها: وإن ملكها قبل البناء ولا نية فطلقت نفسها واحدة ثم واحدة ثم واحدة فإن نسقتهن لزمه الثلاث إلا أن تنوي واحدة كطلاقه إياها إذا كان نسقاً
стр. 2129
قبل البناء ولا ترقى على الوجه الأول بين أن يعطف تمليكه أم لا، فقد روي عن مالك في من ملك وزجته فقالت كما ملكتني؟ فقال: مرة ومرة ومرة ففارقته فليس ذلك بثلاث إذا حلف ما ملكها إلا واحدة.
التونسي: وهو مشكل بأنه قد أبان بقوله: مرة ومرة ومرة أنه أراد ثلاثاً إلا أن يكون قصد إلى حكاية الألفاظ وأنه تمليك واحد.
قال في البيان: إن قال أمرك بيدك فقالت قد قبلت ثم قال أمرك بيدك فقالت قد قبلت ثم كذلك، فإن لم تكن للزوج نية وقع في الثلاث بالاتفاق، وإن قال لم أنو إلا واحدة ففي الموازية عن مالك: تقع الثلاث.
محمد: والأحسن أنها واحدة ويحلف. وقوله في المدونة: إن ملكها قبل البناء؛ يريد أو بعده من باب الأولى، ولهذا لم يخصص المصنف.
وَالْمُحْتَمَلُ مِثْلُ: قَبِلْتُ، أَوْ قَبِلْتُ أَمْرِي أَوْ مَا مَلَّكْتَنِي فَيُقْبَل تَفْسِيرُهَا مِنْ رَدِّ، أَوْ طَلاقٍ، أَوْ بَقَاءٍ ..
لما تكلم على الصريح شرع في المحتمل ومثله بثلاثة ألفاظ لأن كل واحد منها يحتمل أن يفسر بالرد أي رد التمليك والاستدامة على العصمة أو بالطلاق أو بالبقاء، أي البقاء على النظر في الأمر ولا إشكال في تفسير كل من الألفاظ الثلاثة بالطلاق والبقاء، وأما التفسير بالرد ففيه نظر بأن القبول ليس موضوعاً للرد وليس الرد من مقتضى القبول بل دافع لمقتضاه وقد يجاب عنه بأنه لما كان الرد من آثار قبول النظر في الأمر صح التفسير به على سبيل المجاز، والله أعلم.
وما ذكره المصنف هو المشهور، وقيل يلزمه الطلاق إذا قالت قبلت أمري ولا تسأل وهل قبلت نفسي كقبلت أمري وهو مقتضى بالطلاق قولان:
стр. 2130
وَالْفِعْلُ: إِنْ كَانَ مِثْلَ أَنْ تَنْتَقِلَ أَوْ تَنْقُلَ قُمَاشَهَا وتَنْفَرِدَ عَنْهُ، وَمِثْلَ أَنْ تُمَكِّنَهُ مِنْ مُبَاشَرَتِهَا طَوْعاً فَكَالصَّرِيحِ فِيهِمَا ..
(فِيهِمَا) أي في الطلاق والرد، فنقلها لقماشها وانفرادها عنه (فَكَالصَّرِيحِ) في الرد وفيه حذف مضاف أي كاللفظ الصريح وهو يقتضي أنها لو قالت لم ترد بنقل القماش والاستتار عنه والبعد منه الطلاق لم يقبل منها؛ لأن ذلك يجري مجرى جوابها بالطلاق، وكذلك قال مالك على ما نقله اللخمي وعليه اقتصر في الجواهر.
ونقل ابن محرز عن عبد الوهاب وأومئ إلى ترجيحه بأنها لو فعلت ما يدل على رضاها به كما لو قبلته لما كان لها كلام، وإن لم ترد الرضى فكذلك إذا فعلت ما يدل على فراقه. ونقل ابن محرز عن مالك: أنه لا يكون طلاقاً إلا إذا أرادت به ذلك، وبه قال ابن وهب ومحمد، وهو الذي اقتصر عليه في المقدمات، وإليه يرجع اختيار اللخمي لأنه قال: أرى أن تسأل لم فعلت ذلك؟ فإن قالت: خمرت وجهي كراهية في رؤيته، ونقلت متاعي خيفة أن يحتال علي فيه. صدقت ولم يكن فراقاً.
وإذا ألزمناه بذلك الطلاق فقال عبد الملك: إن قالت بعد أن خمرت رأسها ونقلت قماشها أردت البتة، فله أن يناكرها ويحلف أنه ما ملكها إلا واحدة.
قال ابن القاسم: لا ينوى. الباجي: ووجهه أن الظاهر من فعلها البينونة فترك الإنكار عليها في المجلس يقتضي الرضى بالثلاث.
وقيل: عليه أن يحلف يميناً أخرى أنه لم يظن انتقالها وما فعلت يكون طلاقاً بائناً.
ومقتضى قول ابن الماجشون وسحنون وأصبغ أن ذلك يلزمه مع يمينه أنه لم يملك إلا واحدة.
стр. 2131
وقال ابن المواز: يمين واحدة تجزئة لجميع ذلك وهذا ليس بخلاف في الظاهر. انتهى.
وقيد المصنف التمكين بأن تكون طائعةً لأنها لو لم تكن طائعةً كانت على خيارها، وأحرى إذا كانت غير عالمة، ويعاقب الزوج في فعله، نص عليه في المدونة.
وهو وإن كان في المدونة إنما نص على المعاقبة في التخيير، فالتمليك مساوٍ له في ذلك.
ونظير هذه المسألة في عدم السقوط خيارها بالوطء إذا كانت غير عالمة: الأمة تعتق تحت العبد، ومن شرط لها إن تزوج عليها أو تسري فأمرها بيدها وفعل ولم تعلم، قاله في المدونة. وإن ادعى على المملكة العلم فلا قول لها، فإن [٣٦٩/ أ] أعلمها وأمكنته وادعت الجهل لم تعذر، فإن اختلفا في الإصابة فالقول قولها، إلا أن تكون هناك خلوة، وإن أصابها وقالت: أكرهني، فالقول قوله مع يمينه، بخلاف إذا قبلها فالقول قولها مع يمينها.
فَإِنْ لَمْ تُجِبْ وتَفَرَّقَا، أَوْ طَالَ طُولاً يُخْرِجُ عَنِ الْجَوَابِ- فَفِي بَقَائِهِ كَالتَّخْبِيرِ رِوَايَتَانِ، وعَلَى بَقَائِهِ يَلْزمُ الْحَاكِم بِالإيقَاعِ أَوِ الرَّدِّ وإِلا أَسْقَطَ
الروايتان في المدونة والذي رجع إليه مالك أنه يبقى وإن تفرقا وطال ما لم توقف أو توطأ. وأخذ ابن القاسم بالقول الأول، أنهما إذا تفرقا من المجلس أو طال بهما حتى يعلم أنهما تركا ذلك، وخرجا من الكلام الذي كانا فيه إلى غيره بحيث يعلم أنهما تركا ما كانا فيه بطل، قال فيها: وعلى هذا جماعة من الناس. ونقل أشهب أن مالكاً إنما قال ببقائه وإن انقضى المجلس مرة ثم رجع عنه إلى أن مات.
واختار عبد الحميد القول بأنه بيدها وإن تفرقا. ورأى اللخمي أنها تمهل ثلاثة أيام قياساً على الشاذ في من وجبت له شفعة أنه يمهل ذلك. وفيه نظر، لأن المملك كالطالب للجواب، بخلاف حق الشفيع فإنه ثابت بالشرع، ولهذا قيل في الشفيع: إن حقه باق أبداً، وعلى القول بالسقوط بانقضاء المجلس فذلك بشرط أن يمكنها القضاء وأما لو ملكها
стр. 2132
وأسرع القيام عنها لم يسقط خيارها ولا تمليكها قاله في الجلاب. واعلم أن هاتين الروايتين إنما هما في التمليك المطلق، أي إذا قال لها: أمرك بيدك.
قال في المقدمات: وأما التمليك المفوض فهو أن يقول لها: أمرك بيدك أن شئت، أو إذا شئت، أو متى شئت أربعة ألفاظ يكون بها التفويض وهي تختلف باختلاف معانيها، فأما متى شئت فلا يختلف أن الأمر بيدها ما لم توقف وإنما يختلف هل يقطع ذلك الوطء أم لا يقطعه فيقطعه على مذهب ابن القاسم، ولا يقطعه على مذهب أصبغ.
وأما: إن شئت، أو: إذا شئت، فيختلف فيه على ثلاثة أقوال:
أحدها: قول مالك أن ذلك كالتمليك المطلق سواء.
والثاني: قول ابن القاسم أن الأمر بيدها ما لم توقف بخلاف مذهبه في التمليك المطلق.
والثالث: لأصبغ إن قال: إن شئت؛ كان الأمر بيدها في المجلس، وإن قال: إذا شئت؛ كان الأمر بيدها حتى توقف، ولا يقطع ذلك الوطء عنده في: إذا، بخلاف قوله: إن.
واختلف قول ابن القاسم إذا قال: أنت طالق إن شئت، فله في المدونة أن ذلك تفويض والأمر إليها حتى توقف، وله في الواضحة أنه لا قضاء لها إلا في المجلس بخلاف قوله: أمرك بيدك إن شئت، وهو الصحيح. وقد تأول بعض الناس على ما لابن القاسم في المدونة أن: أمرك بيدك إن شئت. ليس بتفويض بخلاف قوله: أنت طالق إن شئت. ووجه ذلك بتوجيه بعيد، حكى ذلك أبو النجاء في كتابه. انتهى.
وحكى ابن بشير في ما إذا قال لها: أنت مخيرة أو مملكة إن شئت، وإذا شئت، طريقين للمتأخرين:
أحدهما: أن في ذلك القولين السابقين في التمليك المطلق.
стр. 2133
والثاني: أنه يتفق على أن الخيار لها بعد المجلس، ولا خلاف أنه لو نص المخير أو المملك على أن ذلك لا يكون للمرأة إلا إن اختارت في الحال، أو نص على أن ذلك بيدها وإن تفرقا، أنه يعمل على ذلك.
فرع:
الأول: إذا ثبت أن لمالك فيما إذا خيرها ثم انقضى المجلس قولين، فذلك إنما هو إذا ملكها وهي حاضرة، وأما لو خيرها وهي غائبة من المجلس ثم بلغها ذلك فهل تكون بمنزلة ما لو كانت حاضرة؟ فيختلف فيه على قولين. وهي طريقة اللخمي، وقال: والقول ببقائه أحسن، لأن لفظه هنا لا يقتضي جواباً، أو يتفق هنا على أن لها القضاء وإن انقضى المجلس طريقان، وإلى الأولى ذهب صاحب المقدمات فقال: وأما إن كتب إليها أو أرسل إليها رسولاً فلم يختلف قول مالك أن ذلك بيدها وإن لم تقض ساعة وجب لها التمليك، وقيل: بيمين، وقيل: بغيرها ما لم يطل ذلك حتى يتبين أنها راضية بإسقاط حقها. والطول في ذلك أكثر من شهرين على ما في سماع ابن القاسم، إلا أن يكون الزوج حاضراً حين التمليك وتمنعه نفسها فيكون ذلك بيدها وإن طال الأمر كالأمة المعتقة تحت العبد. وروى ابن وهب أن حقها يسقط إذا لم تقض ساعة وجب التمليك كالمملكة التي تواجه بالتمليك. انتهى.
تنبيه:
وإن قالت المرأة في المجلس: قد قبلت أمري فلها أن تقضي بعد المجلس ولا يدخله اختلاف قول مالك، أشار إليه في المدونة، ونص عليه الباجي وغيره.
صاحب البيان: وليس ذلك بالبين إلا إذا قيدت القول بالمجلس فلم ينكر عليها الزوج، ويكون سكوته كالإذن، وأما إن رد عليها وقال لها: إما أن تقضي أو تردي فالمسألة جارية على القولين.
стр. 2134
قوله: (وعلى بقائه) أي إذا فرع على قول مالك الثاني فإن الحاكم لا يمهل أمرها ويتركها ولو رضي الزوج بذلك لحق الله تعالى في بقاء [٣٦٩/ ب] العصمة على الشك بل يوقفها، فإما أن توقع الطلاق أو ترد التمليك.
قوله: (وإلا) أي: وإن لم تفعل أحد الأمرين أسقط الحاكم ما بيدها.
والتَّخْبِيرُ مِثْلُ: اخْتَارِينِي أَوِ اخْتَارِي نَفْسَكِ، وهُوَ كَالتَّمْلِيكِ إِلا إِنَّهُ لِلثَّلاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ نَوَيَا أَوْ لَمْ يَنْوِيَا مَا لَمْ يُقَيَّدْ فَيَتَعَيَّنُ مَا قُيِّدَ ..
لما انقضى كلامه على التمليك شرع في التخيير وهو كالتمليك أي فيما تقدم من عدم العزل والجواب، ثم استثنى من ذلك أنه الثلاث المدخول بها من غير مناكرة وسواء نوى الزوجان ذلك أم لا. واحترزنا بالدخول بها من غيرها كالمملكة، فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة، كما سيأتي ومقابل المشهور القولان الآتيان في كلامه.
عياض: والمتحصل من الأقوال في مذهبنا في التخيير ستة أقوال:
أشهرها مذهب الكتاب: أن اختيارها ثلاث ولا مناكرة للزوج نوت المرأة الثلاث أم لا، وأن قضاءها بدون الثلاث لا حكم له.
ثم اختلف هل هو مسقط للخيار ولا قضاء لها بعد أم لها القضاء ثانية؟
الثاني: أن لها الثلاث بكل حال وإن نوت دونها أو لم تنو شيئاً ولا تسأل عن شيء، ولا مناكرة للزوج وهو قول عبد الملك.
الثالث: أنها واحدة بائنة، وهو الذي ذكره ابن خويز منداد عن مالك هو أحد مذهبي علي بن أبي طالب. وتأوله اللخمي على حكاية ابن سحنون عن أكثر أصحابنا واختياره هو.
الرابع: أن للزوج المناكرة في الثلاث والطلقة بائنة وهو قول ابن الجهم، وهو الظاهر عندي، من معنى ما حكاه ابن سحنون عن أكثر أصحابنا إلا ما تأوله اللخمي.
стр. 2135
الخامس: له المناكرة والطلقة رجعية، وهو ظاهر قول سحنون، وعليه تأولها اللخمي كالتمليك وهو قول عمر وعلي أولاً.
السادس: أنها إن اختارت نفسها فهي ثلاث، وإن اختارت زوجها أو ردت الخيار عليه فهي واحدة بائنة، وهو قول زيد ابن ثابت، وحكاه النقاش عن مالك. انتهى.
وقوله: (مَا لَمْ يُقَيَّدْ) فيتعين ما قيد، كما لو قال لها: أنت طالق بالخيار في طلقة أو طلقتين وهل عليه يمين إذا قال: اختاري واحدة؟ فلا خلاف في وجوب اليمين أنه ما أراد إلا واحدة لأنك تختارين مرة واحدة، وإن قال: اختاري من الطلاق واحدة أو من الطلاق طلقة، أو اختاري طلقة فلا يمين عليه بلا خلاف، واختلف في وجوب اليمين إذا قال: في أن تطلقي نفسك طلقة واحدة وفي أن تقيمي على قولين، ونسب اللخمي وجوب اليمين لابن القاسم، وقال: عدم اليمين أحسن. وقد تقدم الفرق بين التخيير في أنه ليس له مناكرة بخلاف التمليك أول الباب.
وَقَالَ اللَّخْمِيّ: يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ مِنْ يَدِهَا مَا لَمْ تُوقِعْهُ لأَنَّ الثَّلاثَ مَمْنُوعَةُ، وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْبِيرِ، وأُجِيبَ بِأَنَّ السَّرَاحَ فِيهَا لا يَقْتَضِي الثَّلاثَ، ولأَنَّ الرَّسُولُ ﷺ لا يَرْتَجِعُ ..
يعني: أن اللخمي لما رأى أن التخيير مقتضي للثلاث وكان إيقاع الثلاث ممنوعاً قال: ينتزع الحاكم التخيير من يدها لتضمنه للممنوع إلا أن تسبق بالقضاء فيمضي.
عياض: وذهب بعض شيوخنا إلى أنه مباح إذ ليس هو إيقاع الثلاث وإنما هو سبب له والظاهر الآية في أمر النبي ﷺ بالتخيير وفعل ذلك. وهذا هو القول الذي ذكره المصنف بقوله: (وقِيلَ: يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْبِيرِ) وفي المسألة قول ثالث لأبي عمران يجوز التخيير وكيره للمرأة إيقاع الثلاث. وآية التخيير المشار إليها هي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لأَزْوَاجِكَ إِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ
стр. 2136
وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩].
قوله: (وأُجِيبَ .. إلى آخره) هذا جواب اللخمي عن الآية يعني أن قوله تعالى: (وَأُسَرِّحْكُنَّ) يقتضي أنه لم يجعل الطلاق إلى زوجاته وإنما هو المطلق، ولو يعلم أن الزوجة المطلقة فإنما تطلق طلقة لأن السراح لا يقتضي الثلاث لاسيما كونه وصف بالجميل، نعم هو ﷺ لا يرتجع من اختارت الفراق بعد أن آثرت الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة، على أنه ولو سرح بالثلاث لكان ينبغي أن يكون حكمنا بذلك بخلافه لعدم حصول الندم له ﵊؛ لأنه كان يوحى إليه بخلافنا. والظاهر هنا هو الجواب الأول، وهو أنه ﷺ هو المسرح وبه يبطل الاستدلال بالآية الكريمة ويؤيد هذا ما قاله القاضي إسماعيل في الأحكام: وقد ظن قوم أنه ﵊ خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء منهم أن يظن برسول الله ﷺ أن يخير في طلاق ويكون ثلاثاً، وإنما خيرهن بين الدنيا والآخرة فإن اخترن الدنيا طلقن حينئذ طلاق السنة الذي علمه الله، ألا ترى إلى قوله: (أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) وقاله ابن رشد وعياض، وروى البخاري ومسلم والنسائي أنه ﵊ لما أمره الله بالتخيير وبدأ بعائشة وتلى عليها الآية وقال لها: "لا عليك أن لا تستعجيل حتى تستأمري أبويك". فقالت: أفي هذا [٣٧٠/ أ] أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواجه مثل ذلك. وما وقع في المدونة أن بعض أزواجه اختارت الفراق، اللخمي وعياض وغيرهما: فليس بصحيح.
تنبيه:
استدل ابن عبد السلام على أن الطلاق المراد من الآية دون الثلاث لحصول المتعة لأنه لو كان الثلاث لم تكن متعة وليس بظاهر، لأن المذهب استحباب المتعة لكل مطلقة سواء طلقت ثلاث أم لا، إلا ما استثنى وقد تقدم ذلك.
стр. 2137
وَقِيلَ: بَائِنَةُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ
هذان القولان هما مقابل المشهور المتقدم من كلام المصنف، والقول بأنها بائنة هو الذي حكاه ابن خويز منداد عن مالك كما تقدم.
وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) هو القول الخامس من كلام القاضي عياض، لأن قوله: (ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) يدل على أنه إذا لم يناكرها تقع الثلاث، واعترض ابن عبد السلام عليه القول الأول بعدم وجوده، وقوله أنه يتفق على لزوم الثلاث عند عدم المناكرة ليس بظاهر لما تقدم.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقَعْ، وفِي بُطْلانِ اخْتِيَارِهَا: قَوْلانِ
يعني: وإذا فرعنا على المشهور أن التخيير للثلاث، فلو أوقعت المرأة واحدة لم تقع لأنها غير الذي جعل لها، وهل يبطل خيارها بعدولها عما جعل لها؟ وهو المشهور أم لا؟ ويكون لها بعد ذلك أن تقضي بالثلاث وهو قول أشهب، واستحسنه اللخمي لأن المرأة لم تترك ما جعل لها إلا على تقدير حصول الواحدة.
ابن المواز متمماً للمشهور: ما لم يتبين منه الرضى بما أوقعت فيلزم ذلك، وهل اللزوم فيما أوقعت من باب الطلاق بالنية أم لا؟ فيه تردد، وعورضت هذه المسالة بما إذا قالت المخيرة: اخترت نفسي إن دخلت علي ضرتي، فقال في المدونة: توقف لتختار أو تترك، ووجه المعارضة بينهما أن المخيرة في الأولى أخذت بعض حقها وهو الواحدة وأسقطت ما زاد عليها، كما أنها أخذت في الثانية حقها في إحدى الحالتين، أعني بشرط الدخول على ضرتها، فإسقاطها لبعض حقها إن كان مقتضياً لسقوط حقها فهو سقوط فيهما وإلا فلا فيهما، ولهذا قال سحنون: يسقط حقها أيضاً في الثانية، وأجيب بأنها في الأولى تركت بعض ما جعل لها. وللزوج فيه غرض لأنها إذا أوقعت الثلاث تسقط عنه نفقة العدة،
стр. 2138
فصارت لذلك الواحدة كأنها أمر آخر بخلاف الثانية فإنها لم تترك شيئاً للزوج فيه غرض، وإنما وقفت لحق الله تعالى في بقاء العصمة على الشك.
فرع:
اللخمي: إذا قال: اختاري تطليقتين. أو من تطليقتين. أو في تطليقتين فالجواب مختلف فيه فإن قال: اختاري تطليقتين، كان لها أن تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء. وإن قال: اختاري من تطليقتين قضت بواحدة ولم تستكمل اثنتين. واختلف إذا قال: اختاري في تطليقتين ففي المدونة تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء. وقال ابن سحنون: لها أن تقضي بواحدة. وعن أصبغ إذا قال: اختاري من ثلاث؛ أنها البتة. قال في المدونة: وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي واحدة، لم يقع عليها شيء.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا تُوقِعُ الثَّلاثَ فلَهُ نَيِّتُهُ ويَحْلِفُ وإِلا وَقَعَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةُ وَقَعَتِ الثَّلاثُ ..
حاصله أن الحكم في التخيير إذا كانت المرأة غير مدخول بها كالمملكة فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة بالشروط المتقدمة.
فرع:
واختلف في المدخول بها هل تعطي شيئاً على أن يخيرها، فقال مالك: تلزمه البتة باختيارها نفسها ولا مناكرة له. وقال سحنون وابن المواز: له أن يناكرها لأنها تبين بالواحدة.
ابن محرز: وهو أظهر، لأنها تبين بالواحدة فكانت كغير المدخول بها؛ قال: ووجه قول مالك أنها إنما أعطته على الخيار، وحكم الخيار أنه لا مناكرة فيه بعد الدخول.
стр. 2139
وَيبْقَى بِيَدِهَا وَإِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ، وإِلَيْهِ رَجَع ولَوْ عُلِمَ أَنَّهُمَا خَرَجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى تُجِيبَ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ يَسْقُطُ إِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ ..
وهذا كما تقدم في التمليك سواء، ولا يؤخذ من قول المصنف (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ) أن ابن القاسم قال بهذا القول، وقد قمنا أنه قال به ولم يحفظ له غيره.
أَمَّا لَوْ قُيِّدَ الْجَمِيعُ بِوَقْتٍ تَقَيَّدَ بِهِ إِلا أَنْ تَرُدَّ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ
(الْجَمِيعُ) أي: التمليك والتخيير ويحتمل أو يريد جميع صيغ التخيير والتمليك سواء كانت تدل على التكرار ككلما، أو على امتداد الزمان كمتى؛ كما لو قال: لك الخيار في هذا اليوم أو إلى شهر أو سنة، تقيد به ولا يتعداه، ففي المدونة وإن قال لها: اختاري اليوم كله فمضى اليوم ولم تختر فلا خيار لها. واختلف هل هذا على قوليه معاً في التمليك؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد والقابسي وابن الحارث وغيرهم.
ابن محرز وابن يونس: وهو الصواب.
أو اليوم هنا مثل المجلس ويدخله القولان إذا انقضى اليوم، ونقله عبد الحق عن بعض القرويين.
(إِلا أَنْ تَرُدَّ) أي ما جعل لها وتختار زوجها أو يسقط الحاكم إذا اطلع لحق الله [٣٧٠/ ب] في بقاء العصمة على الشك. قال في المدونة: وإن قال لها أمرك بيدك إلى سنة وقعت متى علم ذلك ولا تترك تحته، وأمرها بيدها حتى توقف فتقضي أو ترد.
ابن القاسم: وكذلك إذا قال لها إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالق، فإنها توقف إما أن تقضي أو ترد، إلا أن يطلقها في الوجهين وهي طائعة فيزول ما بيدها، وقال ابن شعبان: لا قضاء لها حتى يأتي الأجل وله الوطء إلى ذلك الأجل، وفي بعض الروايات لا يجوز أن
стр. 2140
يجعل الرجل الخيار لامرأته في نفسها إلى أجل بعيد إلا أن يكون ذلك اليوم وشبهه، فيوقف عن امرأته في اليوم وشبهه حتى ترجع إليه أو تفارقه.
لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، ونَحْوَهُ مِنَ الظَّوَاهِرِ فَهُوَ الَبَتاتُ
لما قدم التخيير من جهة الرجل تكلم على الجواب من جهة المرأة،
واعلم أن جوابها قسمان:
صريح: كما لو قالت: طلقت نفسي ثلاثاً، ولا شك في لزوم الثلاث، كما لو قالت: اخترت زوجي، أو رددت ما جعل إلي من التخيير، فلا شك في عدم لزوم الطلاق، ولما كان هذا واضحاً أعرض المصنف عنه.
والثاني ظاهر: كما لو قالت: اخترت نفسي ... ونحوه، قال في المدونة: وإن أجابته بألفاظ ظاهرة المعاني كقولها: اخترت نفسي، أو: طلقت نفسي، أو: طلقت نفسي ثلاثاً، أو: بنت منك، أو: بنت مني، أو: قد حرمت عليك، أو: حرمت علي، أو: برئت منك، أو: برئت مني، أو نحو هذا فهو البتات، ولا تسأل فيه المرأة عن نيتها في خيار ولا في تمليك إلا أن للزوج أن يناكرها في التمليك كما وصفنا قبل.
واختلف إذا سؤلت: أي الطلاق أرادت بقولها: اخترت نفسي؟ فلم تكن لها نية، فقال ابن القاسم: مرة واحدة، ومرة ثلاثاً. وبالأول قال ابن الماجشون. وبالثاني قال أصبغ، وكذلك إذا قالت اخترت الفراق.
وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي ونَحْوَهُ سُئِلَتْ- فَإِنْ أَرَادَتْ ثَلاثاً وَقَعَتْ، وإِلا لَمْ تَقَعْ
هذا مذهب المدونة، واختلف شارحوها إذا لم تكن لها نية فقال صاحب المقدمات: يلزم الزوج ثلاثاً إلا أن يناكرها في التمليك. وقال عبد الحق: إذا لم تكن له نية ولا لها فهي
следующие страницы →