← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2136–2175 · переход к 2141.

стр. 2136

وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً* وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ فَإِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنْكُنَّ أَجْراً عَظِيماً﴾ [الأحزاب: ٢٨ - ٢٩]. قوله: (وأُجِيبَ .. إلى آخره) هذا جواب اللخمي عن الآية يعني أن قوله تعالى: (وَأُسَرِّحْكُنَّ) يقتضي أنه لم يجعل الطلاق إلى زوجاته وإنما هو المطلق، ولو يعلم أن الزوجة المطلقة فإنما تطلق طلقة لأن السراح لا يقتضي الثلاث لاسيما كونه وصف بالجميل، نعم هو ﷺ لا يرتجع من اختارت الفراق بعد أن آثرت الدنيا على الله ورسوله والدار الآخرة، على أنه ولو سرح بالثلاث لكان ينبغي أن يكون حكمنا بذلك بخلافه لعدم حصول الندم له ﵊؛ لأنه كان يوحى إليه بخلافنا. والظاهر هنا هو الجواب الأول، وهو أنه ﷺ هو المسرح وبه يبطل الاستدلال بالآية الكريمة ويؤيد هذا ما قاله القاضي إسماعيل في الأحكام: وقد ظن قوم أنه ﵊ خير نساءه في الطلاق، وهذا ظن سوء منهم أن يظن برسول الله ﷺ أن يخير في طلاق ويكون ثلاثاً، وإنما خيرهن بين الدنيا والآخرة فإن اخترن الدنيا طلقن حينئذ طلاق السنة الذي علمه الله، ألا ترى إلى قوله: (أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحاً جَمِيلاً) وقاله ابن رشد وعياض، وروى البخاري ومسلم والنسائي أنه ﵊ لما أمره الله بالتخيير وبدأ بعائشة وتلى عليها الآية وقال لها: "لا عليك أن لا تستعجيل حتى تستأمري أبويك". فقالت: أفي هذا [٣٧٠/ أ] أستأمر أبوي، فإني أريد الله ورسوله والدار الآخرة. قالت: ثم فعل أزواجه مثل ذلك. وما وقع في المدونة أن بعض أزواجه اختارت الفراق، اللخمي وعياض وغيرهما: فليس بصحيح. تنبيه: استدل ابن عبد السلام على أن الطلاق المراد من الآية دون الثلاث لحصول المتعة لأنه لو كان الثلاث لم تكن متعة وليس بظاهر، لأن المذهب استحباب المتعة لكل مطلقة سواء طلقت ثلاث أم لا، إلا ما استثنى وقد تقدم ذلك.

стр. 2137

وَقِيلَ: بَائِنَةُ، وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ هذان القولان هما مقابل المشهور المتقدم من كلام المصنف، والقول بأنها بائنة هو الذي حكاه ابن خويز منداد عن مالك كما تقدم. وقوله: (وقِيلَ: رَجْعِيَّةُ، ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) هو القول الخامس من كلام القاضي عياض، لأن قوله: (ولَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ) يدل على أنه إذا لم يناكرها تقع الثلاث، واعترض ابن عبد السلام عليه القول الأول بعدم وجوده، وقوله أنه يتفق على لزوم الثلاث عند عدم المناكرة ليس بظاهر لما تقدم. وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقَعْ، وفِي بُطْلانِ اخْتِيَارِهَا: قَوْلانِ يعني: وإذا فرعنا على المشهور أن التخيير للثلاث، فلو أوقعت المرأة واحدة لم تقع لأنها غير الذي جعل لها، وهل يبطل خيارها بعدولها عما جعل لها؟ وهو المشهور أم لا؟ ويكون لها بعد ذلك أن تقضي بالثلاث وهو قول أشهب، واستحسنه اللخمي لأن المرأة لم تترك ما جعل لها إلا على تقدير حصول الواحدة. ابن المواز متمماً للمشهور: ما لم يتبين منه الرضى بما أوقعت فيلزم ذلك، وهل اللزوم فيما أوقعت من باب الطلاق بالنية أم لا؟ فيه تردد، وعورضت هذه المسالة بما إذا قالت المخيرة: اخترت نفسي إن دخلت علي ضرتي، فقال في المدونة: توقف لتختار أو تترك، ووجه المعارضة بينهما أن المخيرة في الأولى أخذت بعض حقها وهو الواحدة وأسقطت ما زاد عليها، كما أنها أخذت في الثانية حقها في إحدى الحالتين، أعني بشرط الدخول على ضرتها، فإسقاطها لبعض حقها إن كان مقتضياً لسقوط حقها فهو سقوط فيهما وإلا فلا فيهما، ولهذا قال سحنون: يسقط حقها أيضاً في الثانية، وأجيب بأنها في الأولى تركت بعض ما جعل لها. وللزوج فيه غرض لأنها إذا أوقعت الثلاث تسقط عنه نفقة العدة،

стр. 2138

فصارت لذلك الواحدة كأنها أمر آخر بخلاف الثانية فإنها لم تترك شيئاً للزوج فيه غرض، وإنما وقفت لحق الله تعالى في بقاء العصمة على الشك. فرع: اللخمي: إذا قال: اختاري تطليقتين. أو من تطليقتين. أو في تطليقتين فالجواب مختلف فيه فإن قال: اختاري تطليقتين، كان لها أن تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء. وإن قال: اختاري من تطليقتين قضت بواحدة ولم تستكمل اثنتين. واختلف إذا قال: اختاري في تطليقتين ففي المدونة تقضي بهما، وإن قضت بواحدة لم يلزمه شيء. وقال ابن سحنون: لها أن تقضي بواحدة. وعن أصبغ إذا قال: اختاري من ثلاث؛ أنها البتة. قال في المدونة: وإن قال لها: طلقي نفسك ثلاثاً، فقالت: طلقت نفسي واحدة، لم يقع عليها شيء. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا تُوقِعُ الثَّلاثَ فلَهُ نَيِّتُهُ ويَحْلِفُ وإِلا وَقَعَتْ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةُ وَقَعَتِ الثَّلاثُ .. حاصله أن الحكم في التخيير إذا كانت المرأة غير مدخول بها كالمملكة فله أن يناكرها فيما زاد على الواحدة بالشروط المتقدمة. فرع: واختلف في المدخول بها هل تعطي شيئاً على أن يخيرها، فقال مالك: تلزمه البتة باختيارها نفسها ولا مناكرة له. وقال سحنون وابن المواز: له أن يناكرها لأنها تبين بالواحدة. ابن محرز: وهو أظهر، لأنها تبين بالواحدة فكانت كغير المدخول بها؛ قال: ووجه قول مالك أنها إنما أعطته على الخيار، وحكم الخيار أنه لا مناكرة فيه بعد الدخول.

стр. 2139

وَيبْقَى بِيَدِهَا وَإِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ، وإِلَيْهِ رَجَع ولَوْ عُلِمَ أَنَّهُمَا خَرَجَا عَمَّا كَانَا فِيهِ إِلَى غَيْرِهِ، حَتَّى تُجِيبَ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ يَسْقُطُ إِنْ تَفَرَّقَا أَوْ طَالَ .. وهذا كما تقدم في التمليك سواء، ولا يؤخذ من قول المصنف (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: والأَكْثَرُ) أن ابن القاسم قال بهذا القول، وقد قمنا أنه قال به ولم يحفظ له غيره. أَمَّا لَوْ قُيِّدَ الْجَمِيعُ بِوَقْتٍ تَقَيَّدَ بِهِ إِلا أَنْ تَرُدَّ أَوْ يُسْقِطَهُ الْحَاكِمُ (الْجَمِيعُ) أي: التمليك والتخيير ويحتمل أو يريد جميع صيغ التخيير والتمليك سواء كانت تدل على التكرار ككلما، أو على امتداد الزمان كمتى؛ كما لو قال: لك الخيار في هذا اليوم أو إلى شهر أو سنة، تقيد به ولا يتعداه، ففي المدونة وإن قال لها: اختاري اليوم كله فمضى اليوم ولم تختر فلا خيار لها. واختلف هل هذا على قوليه معاً في التمليك؟ وإليه ذهب ابن أبي زيد والقابسي وابن الحارث وغيرهم. ابن محرز وابن يونس: وهو الصواب. أو اليوم هنا مثل المجلس ويدخله القولان إذا انقضى اليوم، ونقله عبد الحق عن بعض القرويين. (إِلا أَنْ تَرُدَّ) أي ما جعل لها وتختار زوجها أو يسقط الحاكم إذا اطلع لحق الله [٣٧٠/ ب] في بقاء العصمة على الشك. قال في المدونة: وإن قال لها أمرك بيدك إلى سنة وقعت متى علم ذلك ولا تترك تحته، وأمرها بيدها حتى توقف فتقضي أو ترد. ابن القاسم: وكذلك إذا قال لها إذا أعطيتني ألف درهم فأنت طالق، فإنها توقف إما أن تقضي أو ترد، إلا أن يطلقها في الوجهين وهي طائعة فيزول ما بيدها، وقال ابن شعبان: لا قضاء لها حتى يأتي الأجل وله الوطء إلى ذلك الأجل، وفي بعض الروايات لا يجوز أن

стр. 2140

يجعل الرجل الخيار لامرأته في نفسها إلى أجل بعيد إلا أن يكون ذلك اليوم وشبهه، فيوقف عن امرأته في اليوم وشبهه حتى ترجع إليه أو تفارقه. لَوْ قَالَتْ: اخْتَرْتُ نَفْسِي، ونَحْوَهُ مِنَ الظَّوَاهِرِ فَهُوَ الَبَتاتُ لما قدم التخيير من جهة الرجل تكلم على الجواب من جهة المرأة، واعلم أن جوابها قسمان: صريح: كما لو قالت: طلقت نفسي ثلاثاً، ولا شك في لزوم الثلاث، كما لو قالت: اخترت زوجي، أو رددت ما جعل إلي من التخيير، فلا شك في عدم لزوم الطلاق، ولما كان هذا واضحاً أعرض المصنف عنه. والثاني ظاهر: كما لو قالت: اخترت نفسي ... ونحوه، قال في المدونة: وإن أجابته بألفاظ ظاهرة المعاني كقولها: اخترت نفسي، أو: طلقت نفسي، أو: طلقت نفسي ثلاثاً، أو: بنت منك، أو: بنت مني، أو: قد حرمت عليك، أو: حرمت علي، أو: برئت منك، أو: برئت مني، أو نحو هذا فهو البتات، ولا تسأل فيه المرأة عن نيتها في خيار ولا في تمليك إلا أن للزوج أن يناكرها في التمليك كما وصفنا قبل. واختلف إذا سؤلت: أي الطلاق أرادت بقولها: اخترت نفسي؟ فلم تكن لها نية، فقال ابن القاسم: مرة واحدة، ومرة ثلاثاً. وبالأول قال ابن الماجشون. وبالثاني قال أصبغ، وكذلك إذا قالت اخترت الفراق. وَإِنْ قَالَتْ: طَلَّقْتُ نَفْسِي ونَحْوَهُ سُئِلَتْ- فَإِنْ أَرَادَتْ ثَلاثاً وَقَعَتْ، وإِلا لَمْ تَقَعْ هذا مذهب المدونة، واختلف شارحوها إذا لم تكن لها نية فقال صاحب المقدمات: يلزم الزوج ثلاثاً إلا أن يناكرها في التمليك. وقال عبد الحق: إذا لم تكن له نية ولا لها فهي

стр. 2141

طلقة واحدة تلزم في التمليك وسقط في التخيير. وفي المقدمات: إذا قالت: طلقت نفسي خمسة أقوال: الأول: مذهب المدونة تسأل في المجلس وبعده، في التخيير والتمليك وإن لم تكن لها نية فهي ثلاث إلا أن يناكرها في التمليك. والثاني: أنها تسأل في المجلس أيضاً وبعده في التخيير والتمليك، وإن لم تكن له نية فهي واحدة تلزمه في التمليك وتسقط في التخيير. والثالث: أنها لا تسأل في التخيير والتمليك وهي واحدة تلزم في التمليك وتسقط في التخيير، فإن قالت في المجلس أردت ثلاثاً فهي ثلاث، إلا أن يناكرها في التمليك وهو قول ابن القاسم في الواضحة. والرابع: أنها لا تسأل في التخيير والتمليك وهي ثلاث إلا أن: تقول في المجلس أردت واحدة فيسقط التخيير، وهو قول أصبغ في الواضحة. والخامس: أنها لا تسأل في التمليك وهي واحدة إلا أن تريد أكثر من ذلك فيكون للزوج أن يناكرها، وتسأل في التخيير فإن قالت: أردت ثلاثاً صدقت وكانت ثلاثاً، وإن قالت: واحدة أو اثنتين أو لم تكن لها نية أو افترقا من المجلس قبل أن تسأل سقط خيارها. قال: وأما إن قالت: أنا طالق، فلا تسأل في تمليك ولا تخيير وتكون واحدة تلزم في التمليك وتسقط في التخيير إلا أن تقول في المجلس: نويت ثلاثاً فتلزم في التخيير ويكون للزوج في التمليك أن يناكرها، ولا أحفظ في هذا نص خلاف. وأما إن قالت: اخترت الطلاق فالذي أرى فيه على أصولهم أنها تسأل فيالتخيير والتمليك لأن هذه الألف واللام قد يراد بهما الجنس فتكون ثلاثاً، ويراد بهما العهد وهو الطلاق السني المشروع فتكون واحدة. فإذا احتمل اللفظ الوجهين وجب أن تسأل أيهما

стр. 2142

أردت؟ فإن قالت: لم تكن لي نية كانت ثلاثاً على قول أصبغ في الواضحة. ومذهب ابن القاسم في المدونة في التي تقول: قد طلقت نفسي ولا نية لها أنها ثلاث. وواحدة على قول ابن القاسم في الواضحة في التي تقول: طلقت نفسي ولا نية لها أنها واحدة. ويحتمل أن يكون الألف واللام للعهد وهو الطلاق الذي ملكها إياه فيكون ثلاثاً. وقد كان ابن زرب يتوقف في الجواب في هذه المسألة إذ لم يجد في المدونة ولا في العتبية فيها نصاً. ونحو طلقت نفسي طلقت زوجي، أو أنا مطلقة أو هو مطلق وكذلك ما تقدم من الألفاظ التي في المدونة في التي قبلها. فَلَوْ أَبَانَهَا قَبْلَ اخْتِيَارِهَا ثُمَّ تَزَوَّجَهَا انْقَطَعَ التَّخْيِيرُ لأَنَّهَا رَضِيَتْ بِخِلافِ الرَّجْعِيِّ يعني: إذا خيرها ثم أبانها إما بخلع أو بثلاث فإنه إذا تزوجها ينقطع خيارها لأنها رضيت بتزويجه، وإذا كان تمليكها من نفسها دليلاً على إسقاط حقها فإنشاء عقدة النكاح أولى بخلاف ما إذا طلقها طلاقاً رجعياً فإن خيارها لا ينقطع لأن حكمها حكم الزوجة فلها أن تختار. وَلَوْ جَعَلَهُ بِيَدِ أَجْنَبِيِّ وتفرقا في المجلس فَكَالْمَرْأَةِ فِي الْقَوْلَيْنِ، فَإِنْ غَابَ ولَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ بَاقٍ سَقَطَ، وإِنْ أَشْهَدَ أَسْقَطَهُ الْحَاكِمُ فِي بَعِيدِ الْغَيْبَةِ وجَعَلَهُ إِلَى الزَّوْجَةِ، ورُوِيَ لا [٣٧١/ أ] يَسْقُطُ فَيَكُونُ كَالْمولي اختلف أولاً هل له أن يجعل الأمر في الطلاق إلى غير الزوجة؟ وهو مذهب المدونة، وعليه اقتصر المصنف وسواء كان الأجنبي حاضراً أو قريب الغيبة، قال في سماع عيسى كاليومين والثلاثة، وقال في الواضحة عن ابن القاسم: كاليوم وشبهه، ابن القاسم وأما إن كان بعيداً رجع الأمر إليها وليس أن يجعل الأمر إلى غيرها وإن كان حاضراً ويرجع الأمر إليها فتقضي أو ترد، وهو قول أصبغ، وعلى المشهور فإما أن يكون حينئذ حاضراً أو غائباً.

стр. 2143

وأنما تكلم المصنف على الحاضر، ثم الحاضر إن لم يغب ففي بطلان ما بيده بالقضاء المجلس القولان السابقان في المرأة وهكذا في المدونة، وزاد فيها أنه إن أمكن المملك من المرأة وزوجها زانل ما بيدها من أمرها، أي على القولين. وإذا فرع على القول بعدم السقوط بالتفرق فلو مكنت الزوجة ولم يعلم الأجنبي ففي المدونة يسقط خياره. وقال محمد: لا يسقط، واستحسنه اللخمي قال: وإذا ثبت أن للأجنبي حقاً فلا يكون للزوج أن يطأ الزوجة إلا بعد علم الأجنبي. وأما إن غاب وإليه أشار بقوله: (فَإِنْ غَابَ ولَمْ يُشْهِدْ أَنَّهُ بَاقٍ) على حقه (سَقَطَ) ما بيده، لأن عدم الشهادة دليل على إسقاط حقه، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق بين الغيبة القريبة والبعيدة، وكذلك كلام ابن بشير وابن شاس. وقال ابن عبد السلام: ينبغي أن يفرق بين طول الغيبة وقصرها كما في القسم الذي يقابله، وقد يقال إذا لم يشهد كان ذلك قرينة في إسقاط حقه ولا سيما والخلاف في أصل المسألة، أعني: هل يسقط الخيار انقضاء المجلس أم لا؟ وأما إن أشهد أنه باق على حقه ففي الجواهر: إن قربت الغيبة كتب إليه بإسقاط ما بيده وإمضاء ما جعل إليه وإن بعدت، فقيل يسقط ما بيده وينتقل إلى الزوجة لأن المملك كالنائب عنها. وفي الموازية ذلك بيده ولا يقربها الزوج لأنه قد جعل الأمر في طلاقها إلى غيره فيلزمه ما التزم. وإذا فرعنا على هذا ثم قامت بحقها في الوطء ضرب لها أجل المولي إذا رجي قدومه واستعلام ما عنده في الأجل، وأما إن لم يكن يرجى ذلك ففي ضرب الأجل قولان للمتأخرين، فقول المصنف في بعيد الغيبة، وأما في قربها فينظر ما عنده. وقوله: (ورُوِيَ لا يَسْقُطُ) هو ما في الموازية. مالك: والأجل من يوم ترفعه، وفيه نظر؛ لأن المشهور المذهب عدم ضرب الأجل في حق من امتنع من الوطء بغير يمين إلا أن يقال هذا مبني على الشاذ.

стр. 2144

وقول المصنف في القول الأول وجعله إلى الزوجة قد يخرج منه خلاف من رواية علي عن مالك في الذي تزوج امرأة وشرطت عليه أمها في العقد إن نكح عليها أو تسري أو خرج بها من بلدها فأمرها بيد الأم، ثم ماتت الأم فلا يكون ذلك بيد أحد غير من جعله الزوج بيده، لأنه يقول: لم أكن أرضى أن أجعل أمر امرأتي إلا بيدها لنظرها وقلة عجلتها، وهو خلاف المدونة. وحكي المتيطي وغيره روايتين إذا أوصت الأم به إلى أجنبي وماتت هل ينتقل إلى من أوصت له أم لا؟ فرع: قال اللخمي: وإن ملك غائباً فإن كان قريباً كتب إليه ليعلم ما عنده، واختلف إن كان بعيداً فلمالك في الموازية: يضرب له الأجل من يوم ترفع، فإن قدم وإلا طلقت عليه بالإيلاء. محمد: فإن قدم في العدة فقضى بالطلاق لزم الزوج مع طلقه الإيلاء، وإن لم يطلق كأن أن يرتجع متى شاء ما كانت فيه العدة، وقال أيضاً: لا يرجع الأمر إليها إذا كان يرجى قدومه في الأجل. وقد اختلف في هذا الأصل هل يجعل الطلقة الآن لما كان الصبر لا يفيد وهو مضرة عليها؟ أو يصيب رجاء أن ينتقل رأيها إلى الصبر، وإذا طلق بالإيلاء كان له أن يمنعه الرجعة، لأنه ممنوع من الإجابة، وإن انقضت العدة لم يجز له أن يتزوجها لأنه ممنوع منها حتى يقدم فلان، ولا يجوز له أن يتزوج من لا يحل له وطؤها ولا يتعرض بالحائض لأن ما فوق الإزار جائز وهذه ممنوعة جملة. ولَوْ خَيَّرَهَا قَبْلَ الْبُلُوغِ اعْتُبِرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: إِنْ بَلَغَتْ حَدَّ الوَطْءِ مقتضى كلامه أن قول ابن القاسم مخالف للأول لعطفه عليه بالواو، وفي النوادر عن الموازية قال مالك: إذا خير زوجته قبل أن تبلغ وقبل البناء واختارت نفسها فهو طلاق إن بلغت في حالها.

стр. 2145

ابن القاسم: يريد حد الوطء، فإن ابن القاسم إنما قصد التفسير، لكن وقع لمالك في سماع عيسى أن الطلاق يلزمه وإن لم تبلغ مبلغاً يوطأ مثلها إذا كانت قد عقلت وعرفت ما ملكت فيه. ومثله أيضاً لابن القاسم أيضاً في سماع أبي زيد فتفسيره ضعيف، لأن الموجود لمالك خلافه. ولو كانت صغيرة لم تعقل معنى الخيار لاستؤني حتى تعقل ثم تختار قاله ابن القاسم في سماع أبي زيد. انتهى. وقال سحنون في العتبية: لها الخيار وإن لم تبلغ لأنه هو الذي جعل ذلك إليها، ونحوه نقل [٣٧١/ ب] اللخمي عن أشهب وعبد الملك، قال في البيان: وقول سحنون: وإن لم تبلغ. يريد: وإن لم تبلغ الحيض، ومن تأول عليه أن لها الخيار وإن لم تبلغ مبلغاً تعرف فيه معنى الطلاق فقد أبعد، ووقع لعبد الملك في من خير المغمورة فاختارت نفسها قال: إن خيرها وهي مفيقة ثم غمرت فقضاؤها غير جائز، وإن خيرها وهي مغمرة فقضت جاز قضاؤها لأنه في حد رضي لنفسه بقضائها. قال: وكذلك لو ملك صبياً أمر امرأته لجاز قضاؤه إن كان يعقل ما جعل له وما يجيب به، فإن كان يخلط في كلامه ولا يعقل ما جعل له لم يجز. واانظر هل قوله في الصبي مخالف لقوله في المغمورة؟ وحكم التَّخْبِيرِ والتَّمْلِيكِ فِي التَّعْلِيقِ كَالطَّلاقِ فِي التَّنْجِيزِ والتَّاخِيرِ مِثْلَ إِنْ مَضَتْ سَنَةُ فَيَتَنَجَّزُ، وإِنْ دَخَلَتِ الدَّارَ فَيَتَأَخَّرُ .. تصوره ظاهر، وقوله: (كَالطَّلاقِ) أي وفاقاً وخلافاً. وَلَوْ قَالَ: إِنْ غِبْتُ شَهْراً فَأَمْرُكِ بِيَدِكِ فَغَابَ وَطَلَّقَتْ نَفْسَهَا وتَزَوَّجَتْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ قَدِمَ قَبْلَ ذَلِكَ وإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ فُسِخَ، وإِلا فَقَوْلانِ- كَمَنْ طَلَّقَ فَتَزَوَّجَتْ وقَدِ ارْتَجَعَ .. قوله: (وإِنْ كَانَتْ قَدْ عَلِمَتْ) أي بقدومه (فُسِخَ).

стр. 2146

قوله: (وإِلا) أي: وإن لم تعلم (فَقَوْلانِ) المشهور أنها تفوت بالدخول وهاتان المسألتان من نظائر المفقود وقد تقدمتا. واعلم أنها تطلق نفسها في المسألة الأولى بعد أن تثبت الغيبة ثم تحلف لقد غاب عنها الغيبة المذكورة ولا يرجع إليها سراً ولا جهراً، ثم إذا فعلت ذلك أباح لها القاضي أن تطلق نفسها. وَلَوْ قَالَ: إِنْ قَدِمَ فُلانُ فَقَدِمَ ولَمْ تَعْلَمْ ثُمَّ وَطِئَهَا فَهِيَ عَلَى خِيَارِهَا تصوره ظاهر ويعاقب إن علم ووطئها. الرَّجْعَةُ رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ عَنْ طَلاقٍ قَاصِرٍ عَنِ الْغَايَةِ ابْتِدَاءً غَيْرَ خُلْعٍ بَعْدَ دُخُولٍ ووَطْءٍ جَائِزٍ، ولَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ جَوَازَ الْوَطْءِ .. يقال: الرجعة بفتح الراء وكسرها، الجوهري: والفتح أفصح، وأنكر غيره الكسر، ورسمها المصنف بقوله: (رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ ... إلى آخره) فرد المعتدة كالجنس، فقال: رد المعتدة؛ لأنه لو تزوج ابتداءً وردها بعد خروجها من عدة الطلاق لم تكن رجعية وعن طلاق لا يخرج به شيء، وإنما ذكره توصلاً إلى قوله: (قَاصِرٍ) إذ لو قال: رد المعتدة عن قاصر لكان قبيحاً، وقولنا لا يخرج به شيئاً لأن رد المعتدة لا يكون إلا عن طلاق. وقال: (عَنِ الْغَايَةِ) ولم يقل عن الثلاث ليشمل الحر والعبد؛ لأن غاية طلاقه اثنتان فلو قال قاصر عن الثلاث لاقتضى أن العبد إذا طلق اثنتين أن تكون له الرجعة. وقوله: (ابْتِدَاءً) راجع إلى قوله: (قَاصِرٍ) لا إلى قوله: (طَلاقٍ) لأنه لو رجع إلى قوله طلاق لم ينعكس الحد لخروج الحر إذا طلق زوجته طلقة بائنة لأنه لا يصدق عليه أنه طلاق مبتدأ بخلاف ما إذا أعدناه إلى قاصر فإن الطلقة الثانية قاصرة عن الغاية باعتبار الابتداء.

стр. 2147

ويمكن أن يقال ابتداء كالصفة للغاية، ويكون المعنى قاصر عن الغاية الابتدائية لا إلى الانتهائية، فإن العبد إذا طلق طلقه في رقه ثم أعتق فليس له بعد عتقه إلا واحدة تكملة غاية الأولى فانظره. واحترز بقوله: (غَيْرَ خُلْعٍ) فإنه لا رجعة فيه. وبقوله: (بَعْدَ دُخُولٍ) من الطلقة قبله فلا رجعة له، والظاهر أن قوله: (رَدُّ الْمُعْتَدَّةِ) يغني عن هذا لأن المطلقة قبل البناء لا عدة عليها، وبـ (وَطْءٍ جَائِزٍ) مما لو دخل بها ووطئها حائضاً أو في نهار رمضان فإنه لا يكون له الرجعة بذلك كما لا يقع به الإحلال والإحصان؛ لأن ذلك الوطء كلا وطء، إذ المعدوم شرعاً كالمعدوم حساً. ولم يشترط ابن الماجشون في الرجعة جواز الوطء، وقوله مقيد بما إذا لم يكن الوطء محرماً بالأصالة، وأما المحرم بالأصالة وهو الوطء في الدبر فإنه يوافق على عدم اعتباره، ووجهه أنه وطء في زوجة يوجب تكميل الصداق فوجب أن يجلب للزوج الرجعة. وذهب ابن حبيب واللخمي إلى أن خلافه فيما عدا صوم التطوع وقضاء رمضان والاعتكاف وغير المنذور، وأما في الثلاث فيحل اتفاقاً لأن الصوم يفسد في هذا بأول الملاقات بخلاف رمضان والنذر المعين فإنه مخاطب بالإمساك عن التمادي، وذهب الباجي إلى أن الخلاف مطلق. واعلم أنه متى حصلت هذه القيود كان للزوج أن يرتجع الزوجة أحبت أم كرهت، والإجماع على ذلك، واعترض على الحد الذي ذكره المصنف بأنه غير جامع لأنه المطلق عليه بالإيلاء، أو لعدم النفقة لا تصح لأحدهما الرجعة إلا بعد ذهاب الموجب للطلاق بفينة المولي أو يسر العسر. واختلف إذا رضيت الزوجة بالرجعة ولم يصب قال سحنون في السليمانية في المولي وعادم النفقة لا تصح رجعتهما وإن رضيت ولا تنهدم عدة ثبتت بطلاق، بمعنى إلا بزوال ذلك المعنى الذي طلقت له.

стр. 2148

وقال ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون في الواضحة في من حلف بطلاق امرأته البتة ألا يصيبها سنة، فقامت بحقها فطلق عليها بالإيلاء، فله أن يرتجعها [٣٧٢/ أ] برضاها، قالوا: لأن لها أن تقيم بغير وطء إلى انقضاء السنة، فأجازوا رجعته إذا رضيت بترك الإصابة وإن لم يرتفع السبب. اللخمي: وهو أحسن لأن الطلاق كان لحق آدمين وأيضاً فإن كل طلاق يوقعه الحاكم غير هذين الطلاقين بائن ليس للزوج فيه رجعة مع أن كلام المصنف يقتضي أن تكون له الرجعة في ذلك إذ يصدق عليها أنها معتدة من طلاق قاصر إلى آخره، فكان ينبغي للمصنف أن يزيد بعد قوله: (طَلاقٍ) غير حكمي، لتخرج هذه الصورة وقد يجاب عنهما. أما المولي والمعسر بالنفقة فلا نسلم أنه ليس لكل واحد منهما الرجعة، بل لهما الرجعة وإنما لصحتها شرط إذ لو ارتجع المعسر بالنفقة ثم أيسر في العدة صحت رجعته، وعن الثاني فإنه إنما سكت عن التنبيه على ذلك لأنه رأى أن قوله (غَيْرَ خُلْعٍ) مغن عنه لاشتراك الجميع في البينونة والله أعلم. فَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ دُخُولُ فَلا رَجْعَةَ لَهُ، ولَوْ تَصَادَقَا عَلَى الْوَطْءِ قَبْلَ الطَّلاق، ويَلْزَمُ كُلَّ وَاحِدٍ بِمُقْتَضَى إِقْرَارِهِ .. هذا شروع من المصنف في الكلام على ما احترز به من القيود فقوله (فَلَوْ لَمْ يُعْرَفْ دُخُولُ فَلا رَجْعَةَ) إلى قوله (بَعْدَ دُخُولٍ) ولم تكن له رجعة، وإن تصادقا على الوطء لأن ذلك ذريعة إلى نكاح بلا ولي ولا صداق، إلا أن يظهر حمل ولا ينكره فتصح الرجعة لأن الحمل قاطع للتهمة وإذا لم يصدقهما فيلزم كل واحد بمقتضى إقراره، فيلزم الزوج بالنفقة والكسوة والسكنة وألا يتزوج أختها أو خامسة، وتلزم المرأة العدة وألا تتزوج غيره. وهكذا قال في المدونة، زاد فيها: ولا يتوارثان فإن لم يصدق فلا عدة عليها ولا نفقة ولا كسوة.

стр. 2149

فَلَوْ خَلا وادَّعَى الْوَطْءَ وأَنْكَرَتْهُ فَفِي ثُبُوتِ الرَّجْعَةِ قَوْلانِ ظاهر قوله (خَلا)، أنه لا فرق بين خلوة الاهتداء والزيارة والضمير في قوله (وأَنْكَرَتْهُ) عائدعلى الوطء. وتصور كلامه ظاهر وفي المدونة: وإن دخل بها في بيت أهلها غير دخول البناء صدق إنكاره الوطء ولها نصف الصداق. فإن أقر ههنا بالوطء وأكذبته فلها أخذ جميع صداقها بإقراره أو نصفه، ولابد لها من العدة للخلوة ولا رجعة له. انتهى. ومفهومه أنه لو كانت خلوة بناء أن له الرجعة وكذا قال اللخمي: الظاهر من قول ابن القاسم أنها تصح في خلوة البناء دون خلوة الزيارة. ونحوه لابن المواز لأنه قال: الموضع الذي يقبل قوله في الصداق يقبل قوله في إيجاب العدة وفي ثبوت الرجعة وفي دعواه دفع الصداق إليها وقاله ابن رشد. اللخمي: قال مالك في المختصر: لا رجعة له إذا انفرد بدعوى الإصابة وجعل حكم الرجعة لا يصح إلا باجتماعهما على الإصابة كالإحلال. خليل: وإذا كانت هذه المسألة جارية على الصداق فيتخرج في كل من خلوة البناء والزيارة قولان، والمشهور: يقبل قوله في خلوة الاهتداء دون خلوة الزيارة. وَإِذَا ادَّعَتِ انْقِضَاءَ الْعِدَّةِ بِوَضْعِ أَوْ غَيْرِهِ صُدِّقَتْ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ، وَإِنْ كَانَ عَلَى خِلافِ عَادَتِهَا، وَفِي قُبُولِ النَّادِرِ: قَوْلانِ .. لما كان الارتجاع إنما يكون في زمن العدة بين المصنف أنها مصدقة في انقضائها سواء كانت بوضع أو حيض، وهو مراده بقوله (أَوْ غَيْرِهِ) وأما الأشهر فهن والرجال سواء. وقوله (بِغَيْرِ يَمِينٍ مَا أَمْكَنَ)، هو كقوله في المدونة: وإذا قال لمعتدة: قد راجعتك فأجابته نسقاً لكلامه: قد انقضت عدتي، فإن مضت مدة تنقضي في زمن مثلها صدقت

стр. 2150

بغير يمين، وإلا لم تصدق. وقضى أبان ابن عثمان في مطلقة ادعت بعد خمسة وأربعين يوماً أن عدتها قد انقضت أنها مصدقة وتحلف، وليس العمل على التحليف إذا ادعت ما تحيط في مثله، وهذا لأنهن مأمونات على فروجهن ولا يعلم ذلك إلا من جهتهن ألا ترى قوله تعالى: (وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) [البقرة: ٢٢٨] فلولا أن قولهن مقبول في ذلك وإلا لما كان لعدم حلية الكتمان فائدة. وقوله: (وَفِي قُبُولِ النَّادِرِ: قَوْلانِ) اللخمي: واختلف إذا كانت المدة تنقضي فيها العدة للنادر هل تصدق؟ فقال مالك في المدونة: إذا قالت حضت ثلاث حيض في شهر، يسأل النساء فإن كن يحضن ويطهرن لذلك صدقت. وقال في الموازية: لا تصدق في شهر، وقال أيضاً: لا تصدق في شهر ونصف وما أراها إلا عجلت زمان أقل حيض النساء أن يقمن خمساً، وقال سحنون: لا تصدق في أقل من شهرين وعنه أقل ما تصدق فيه أربعون. وقال ابن العربي: عادة النساء عندنا أن تحيض في كل شهر مرة وقد قالت الأديان فلا تصدق في أقل من ثلاثة أشهر. وَلا يُفِيدُ تَكْذِيبُهَا نَفْسَهَا ولا أَنَّهَا رَأَتْ أَوَّلَ الدَّمِ وانْقَطَعَ، وَلا رُؤْيَةَ النِّسَاءِ لَهَا فِي وَضْعٍ ولا حَيْضٍ .. يعني إذا قالت: انقضت عدتي؛ ثم أكذبت نفسها أو قالت: إنما قلت إن عدتي انقضت لأني رأيت دماً وظننت أنه يتمادى وقد انقطع بإثر قولي، أو نظر النساء إليها فلم يرين بها أثر حيض ولا وضع فلا عبرة بقولها ولا قولهن، وبانت بقولها الأول وتصديقها [٣٧٢/ ب] ذريعة إلى إجازة النكاح بغير شروطه، ورتب المصنف هذه الثلاث مسائل ترتيباً حسناً، لأنه حكم أولا بعدم قبول قول المرأة التي أكذبت نفسها، ثم عقبه بعدم قبول قول من لم تكذب نفسها، ثم عقبه بعدم قبول قول من شهد لها النساء بصدقها.

стр. 2151

ولا إشكال في المسألة الأولى لأن خبرها في غاية الضعف، وأما الثانية ففي المدونة ما ذكره المصنف، وفيه إشكال لأن أكثر أصحابنا قالوا أنها لا تحل بدخولها في الحيضة الثالثة إلا بشرط الدوام فينبغي أن يقبل قولها في دعواها الانقطاع وكما هي مؤتمنة فيوجوده أولاً، فكذلك تؤتمن على ماديه وانقطاعه، وكما في قبول قولها داعية إلى إجازة نكاح بغير شروطه ففي عدم قبول قولها إباحتها للغير بالشك. ولم ينص في المدونة على عدم قبول شهادة النساء إذا شهدن بعدم الوضع، وإنما نص فيها على عدم القبول إذا شهدن بعدم الحيض، لكن الظاهر ألا فرق. وَإِذَا مَاتَ زَوْجُهَا بَعْدَ سَنَةٍ فَقَالَتْ: لَمْ أَحِضْ إِلا وَاحِدَةً فَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُرْضِعٍ لَمْ تُصَدَّقْ إِلا إِنْ كَانَتْ مُظْهِرَةً لِلتَّاخِيرِ فَتُصَدَّقُ .. يعني: إذا طلق الرجل زوجته طلاقاً رجعياً ثم مات بعد سنة من يوم الطلاق، وقالت: لم أحض إلا واحدة، فإن كانت مرضعا – اللخمي: أو مريضة- صدقت، لأن الرضاع والمرض يمنعان الحيض، وإن كانت صحيحة غير مرضع فقال في الموازية ما ذكره المصنف: لا تصدق، لأنها تتهم على أخذ الميراث من الزوج بدعوى أمر نادر، إلا أن تكون قبل موت مطلقها تذكر أنها لم تحض إلا مرة واحدة لضعف التهمة حينئذ فتصدق على الأقل. وقال ابن مزين: تصدق إذا ادعت تأخير حيضها بعد انقضاء سنة وتحلف بالله ما حاضت ثلاث حيض. ولعل هذين القولين سابقين في دعوى النادر إلا أن ذلك بحسب قصر العدة وهذا بحسب طولها. قال في البيان: ولو كانت بقرب السنة لجرت على القولين في السنة وفهم من كلام المصنف أنها لا تصدق فيما دون السنة. قال في البيان: وينبغي أن تصدق في نحو الأربعة

стр. 2152

أشهر وعشر بغير يمين وفي الستة أشهر ونحوه بيمين، قال: وأما إن ادعت بعد موت زوجها بأكثر من العام والعامين أنها لم تستكمل ثلاث حيض ألا تصدق إلا أن تكون ذكرت ذلك في حياته قولاً واحداً. اللخمي: وإن كان الطلاق بائناً صدقت لأنها معترفة على نفسها في موضع لا تهمة عليها فيه وأما إن كان الزوج حياً فإن صدقها الزوج كانت لها النفقة ولم تكن من الرجعة. ويختلف إذا كذبها هل يصدق لأنها تتهم في بقاء النفقة، ويختلف إذا ماتت الزوجة بعد مضي عدتها المعتادة هل تحمل على أنها في العدة ويرثها الزوج، فلمالك في كتاب المدنيين: إن مات بعد ثلاثة أشهر وادعى الزوج أنها كانت حاملاً فإنه يرثها، والبينة على من أراد منعه. وفي كتاب الاستبراء في من باع أمة ببراءة من الحمل وهو مقر بالوطء ولم يستبرئ فمضى لها بعد البيع قدر حيضة- محمد: وذلك قدر شهر- انتقل الضمان وكانت المصيبة من المشتري. اللخمي: فنقل الضمان وهو لا يدري هل رأت دماً أم لا؟ بل قال المشتري: لم تحض عندي؛ لم يصدق، وعلى هذا فيحمل من المرأة إذا انقضى الأمد المعتاد على أنها رأت الأقراء ثم ماتت وعلى هذا لا يرثها، وهذه المسألة دخيلة في هذا الباب لأن إرثها ليس في الرجعة بل في الميراث. والله أعلم. وَإِمْكَانُ انْقِضَاءِ الأَقْرَاءِ مَبْنِيُّ عَلَى الاخْتِلافِ فِي أَقَلِّ الطُّهْرِ، فِي الْعِدَّةِ والاسْتِبْرَاءِ لما ذكر أن المرأة تصدق إذا ادعت انقضاء العدة ما أمكن- مبني على أقل الطهر، والحيض المذكور في العدة والاستبراء، وأنما قال في العدة والاستبراء لأن الحيض من باب العبادات لا حد له بخلاف العدد كما سيأتي. وأما الطهر فهو في البابين متحد كما قدمناه في باب الطهارة.

стр. 2153

وَلَوْ أَشْهَدَ بِرَجْعَتِهَا فَصَمَتَتْ ثُمَّ ادَّعَتْ أَنَّهَا كَانَتِ انْقَضَتْ لَمْ يُقْبَلْ لأن سكوتها مع إشهاده كالإقرار له بصحة رجعته، فادعاؤها بعد ذلك أن عدتها كانت انقضت يعد ندماً فلذلك لا يقبل. وأجرى ابن رشد في هذه المسالة قولاً بأن سكوتها لا يعد إقراراً من خلاف ذكره في هذا الأصل. وَإِذَا قَالَتْ: حِضْتُ ثَلاثاً فَأَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى قَوْلِهَا قَبْلَهُ بِمَا يُكَذِّبُهَا صَحَّتْ رَجْعَتُهُ يعني: إذا أراد المطلق الرجعة فقالت له المطلقة: قد حضت ثالثة وذلك لمدة تنقضي فيها العدة غالباً، فقال الزوج: قد قلت بالأمس: أنك لم تحيضي أو إنما حضت مرة واحدة، فلا يلتفت إلى قوله، أشهب: ولا يقبل تصديقها له إلا أن يقيم الزوج بينة أنها قالت أمس: لم أحض. وإنما حضت مرة، فتكون له الرجعة إن لم يمض من يوم القول ما تحيض فيه كمال الثلاث. وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ رَاجَعَهَا قَبْلَ انْقِضَائِهَا لَمْ يُصَدَّقْ- أَنْكَرَتْهُ أَوْ صَدَّقَتْه- إِلا بِأَمَارَةٍ مِنْ إِقْرَارِهِ قَبْلَ ذَلِكَ، أَوْ تَصَرُّفِهِ، أَوْ مَبِيتِهِ، ثُمَّ تُمْنَعُ مِنْهُ ومِنَ التَّزْوِيجِ إِنْ صَدَّقَتْهُ ولَهَا النَّفَقَةُ .. قال في المدونة: وإن قال لها بعد العدة: كنت راجعتك فصدقته أو كذبته لم يصدق، ولا رجعة له إلا أن يقيم على ذلك بينة أو يعلم أنه كان يدخل عليها في العدة ويبيت عندها، فيقبل قوله. وإن أكذبته ولم يذكر مع قبول قوله يميناً ولا يبعد توجيهها، وقوله: أو يعلم أنه كان يدخل عليها، هو كقول المصنف: (أَوْ تَصَرُّفِهِ) لكن [٣٧٣/ أ] ظاهر المدونة أنه لابد من مجموع التصرف والمبيت، لعطفه المبيت بالواو خلاف مقتضى كلام المصنف.

стр. 2154

ورأى أشهب أنه لا يقبل قوله إلا أن يقيم بينه أنه جامعها في العدة أي على إقراره بذلك، وقوله في المدونة: أو يعلم أنه كان يدخل عليها. محمد: هو على أحد قوليه في منع الدخول عليها، وأما على القول بإباحة ذلك إذا كان مما يتحفظ بها فلا حجة له في الدخول والخروج. عياض: وأما المبيت فإن كان في بيتها وهي في الدار معه وحدها فهي حجة على القولين جميعاً. وقوله: (ثُمَّ تُمْنَعُ مِنْهُ) يعني أن الزوج إذا ادعى الرجعة فلزوجته حالتان: إحداهما: تكذيبه، والأخرى: تصديقه. فإن كذبته فلها أن تتزوج غيره. وإن صدقته فلا يمكن من ارتجاعها لأن تصديقها له داعية إلى نكاح بغير شروطه، لكن يلزم كل واحد من الزوجين بمقتضى إقراره، فتلزم هي بألا تتزوج غيره لاعترافها أنها في عصمة الزوج، ويلزم هو بالنفقة والكسوة لاعترافه أنها في عصمته، ويمنع من نكاح أختها أو خامسة. ونحو ذلك لبعض القرويين. ويلزم كل واحد بمقتضى إقراره إنما هو إذا تماديا على إقرارهما، وأما إن نزعا عن ذلك أو نزع أحدهما فلا يلزمان، وهذا كقولهم في المرأة تدعى أن زوجها طلقها ثلاثاً فلا يقبل منها، ثم بعد ذلك يخالعها زوجها، فيريد بعد المخالعة أن تتزوجه، فإن قالت: كنت كاذبة في قولي أن زوجي طلقني وإنما أردت الزوال عن عصمته، فلها أن تتزوجه وإن كانت متمادية على إقرارها فلا تتزوجه إلا بعد زوج. وقال غيره من القرويين يؤخذان بما تقدم من إقرارهما، إلا أن يستحدث الزوج طلاقها. عبد الحق: والقول الأول أصوب. فَإِنْ قَامَتْ بِحَقِّهَا في الوطء فِي الْوَطْءِ فَفِي تَطْلِيقِهَا بِسَبِبِهِ قَوْلانِ ظاهره أن القولين منصوصان قال اللخمي: واختلف إذا أجرى النفقة وقامت بالطلاق لعدم الوطء فالمعروف ألا مقال لها لأنه لم يقصد ضرراً والأحكام منعته، والقول الآخر أن ذلك لها قياساً على أحد قولي مالك في من قطع ذكره بعد الدخول.

стр. 2155

والطلاق على المرتجع أبين لأنه لا منفعة له فيها إذا حيل بينه وبينها، ومن انقطع ذكره يستمتع بغير إصابة. وَلَهُ جَبْرُهَا عَلَى تَجْدِيدِ عَقْدٍ بِرُبُعِ دِينَارٍ لأنا إنما كنا منعناه منها لحق الله تعالى في ابتداء النكاح بغير شروطه، وإذا جدد العقد زال ذلك وليس لها الامتناع لإقرارها أنها في عصمته، وكذلك أيضاً لو أقر سيد الأمة المتزوجة لزوجها برجعته بعد انقضاء العدة لم يقبل لكن للزوج أن يجبر السيد على تجديد عقد بربع دينار. فَلَوْ تَزَوَّجَتْ فَوَضَعَتْ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ رُدَّتْ إِلَيْهِ بِرَجْعَتِهِ ولا تَحْرُمُ عَلَى الثَّانِي لأَنَّهَا ذَاتُ زَوْجٍ لا مُعْتَدَّةُ. يعني: إذا ادعى أنه راجع في العدة فكذبته وتزوجت ثم ولدت (لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ) أشهر من نكاح الثاني لحق هذا الولد بالأول وردت المرأة إلى الأول بدعواه الرجعة أولاً. (ولا تَحْرُمُ) على الزوج الثاني إذا طلقها الزوج الأول، أو مات عنها؛ لأنا لما ألحقنا الولد بالأول لزم أن يكون تزويج الثاني في عصمة الأول ولم يتزوج معتدة. وتشارك هذه المسالة ما لو ارتجعها فأجابته بأن عدتها انقضت ثم تزوجت، وما إذا أقام الزوج الأول بينة بعد أن تزوجت ودخل بها الزوج الثاني على أنه كان ارتجعها. وَلَوْ انْقَضَتْ عِدَّتُهَا فَلَمْ تَعْلَمْ بِمُرَاجَعَتِهِ فَتَزَوَّجَتْ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ رَاجَعَهَا فَكَامْرَأَةِ الْمَفْقُودِ .. تصوره واضح، والقولان هنا منصوصان كما في مسألة المفقود. مالك: فإذا كان المرتجع حاضراً فرآها تزوجت ودخلت ولم يعلمها برجعته فإنها تمضي زوجة للثاني.

стр. 2156

اللخمي: وليس بالبين ولو رأى رجل زوجته تتزوج ولم ينكر عليها لم يكن ذلك طلاقاً ولو عد ذلك طلاقاً لاحتسب بطلقة أخرى. وَلَوْ كَانَتْ أَمَةً فَوِطْءُ السَّيِّدِ كَوِطْءٍ النِّكَاحِ يعني: ولو كانت المطلقة أمة فانقضت عدتها ولم يعلم سيدها بمراجعته ووطئها، فإن وطئه فوت على المشهور كوطء الزوج الثاني في المسألة المتقدمة. واعلم أن حكمهم بالفوات بالوطء في الأولى أقوى منه في الثانية لاستناده في الأولى إلى عقد ولا يقال الملك يتنزل منزلة العقد في النكاح، لأن عقد النكاح يوجب التحريم على آبائه وأبنائه، وتحرم به الأمهات، وليس بمجرد الملك موجب لذلك بالاتفاق، بل لابد مع ذلك مع الوطء أو ما يقوم مقامه من التلذذ. وَشَرْطُ الْمُرْتَجِعِ أَهْلِيَّةُ النِّكَاحِ ولا يَمْنَعُ مَرَضُ ولا إِحْرَامُ يعني: أن المرتجع يشترط فيه أن يكون أهلاً للنكاح فلا بد أن يكون عاقلاً بالغاً. قوله: (ولا يَمْنَعُ) أي ولا يمنع من الرجعة ما يمنع ابتداء النكاح، وحاصلة أن المتزوج والمرتجع يستويان في الشروط دون انتفاء الموانع ولا يمنع المرض، لأن المطلقة طلاقاً رجعياً ترث فلم يكن في ارتجاعها إدخال وارث، بخلاف ابتداء النكاح. قوله: (ولا إِحْرَامُ) يريد سواء كانت هي محرمة أو هو. وَيَرْتَجِعُ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إِذْنِ سَيِّدِهِ لأنه لما أذن له في النكاح فقد أذن له في توابعه، ولأن الرجعية زوجة. وَتكُونُ بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مِثْلَ: رَجَعْتُ، ورَاجَعْتُ، وارْتَجَعْتُ، وردَدَتُهَا وأَمْسَكْتُهَا أي: (وَتكُونُ) له الرجعة، قوله: (مِثْلَ: رَجَعْتُ) تبين القول وهو ظاهر.

стр. 2157

وَالْفِعْلُ مِثْلُ: الْوَطْءِ، والاسْتِمْتَاع تصوره ظاهر، ولم ينص في المدونة إلا على الوطء، لكنه نص في الموازية على القبلة والمباشرة للذة، وما أشبه ذلك كما لو وطئ قال في المقدمات وهو بيان للمدونة. وفِي اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ فِي الْفِعْلِ. لا خلاف إن اجتمعت النية مع الفعل أو القول في صحة الرجعة، واختلف إذا انفرد القول أو الفعل على ثلاثة أقوال: فقال أشهب: ليس ذلك برجعة. وقال ابن وهب: الوطء رجعة، وإن عري عن النية، فأخذ منه أنه لا يشترطها في القول أيضاً من باب الأولى. والثالث المشهور: يشترط في الفعل دون القول، لأن الفعل لا دلالة له بالوضع، فلذلك اشترطت معه النية لضعف دلالته، بخلاف اللفظ فإنه يدل بالوضع، ولأنه إذا قال: ارتجعتك، وقال: لم أنو الرجعة. إما أن يكون كاذباً فتلزمه الرجعة، وإما هازلاً فهزلها جد كالطلاق، وكذلك بنى غير واحد الخلاف في القول المجرد على الخلاف في صحة نكاح الهازل. قال في المقدمات: وإذا انفرد اللفظ دون النية لا تصح له بذلك الرجعة فيما بينه وبين الله، وإن حكمنا عليه بما ظهر من قوله ولم نصدقه فيما ادعاه من عدم النية إلا على مذهب من يرى أن الطلاق يلزم المستفتي بمجرد القول دون النية، وهو قائم من المدونة، إلا أنه بعيد في المعنى. واختلف هل يجوز له الوطء إذا التزام الرجعة؟ على القول الذي يرى إنها لا تصح له فيما بينه وبين الله، وعلى أن الوطء بمجرده لا يكون رجعة فليس عليه في وطئه صداق، قاله الباجي.

стр. 2158

مالك في المختصر: ولا يطأها إلا بعد الاستبراء من وطئه ولا تكون له الرجعة إلا في بقية العدة الأولى لا في الاستبراء قاله ابن المواز. فإن انقضت العدة الأولى فلا ينكحها هو أو غيره حتى ينقضي الاستبراء. أصبغ: فإن فعل فسخ نكاحه ولم تحرم عليه للأبد كما أحرمها على غيره ولو مس؛ لأنها عدة منه، وليس هذا وغيره فيما به سواء، وقيل حكمه حكم المصيب في العدة. ومنشأ الخلاف: هل التحريم لتعجيل النكاح قبل بلوغ أجله أو لاختلاط الأنساب؟ وعلى هذا المعنى اختلفوا في من طلق امرأته ثلاثاً فتزوجها قبل زوج في عدتها؟ فإن قيل: لم يكن وطء المطلق رجعة وإن لم ينوها عند ابن القاسم؟ كما كان وطء مبتاع الأمة بخيار اختياراً وإن لم ينوه. قيل: لأن البائع جعل له الخيار وأباح له الوطء، فإذا وطئ فقد فعل ما جعل له وتم ملكه ولأنه لو لم يطأ وتمادى على إمساكها حتى ذهبت أيام الخيار عد بذلك مختاراً، والرجعية محرمة على الزوج ولو تمادى على إمساكها حتى انقضت مدة الرجعة لبانت منه. فرعان: الأول: إذا انفردت النية ففي الموازية لا تصح الرجعة. ابن رشد: والصحيح أن الرجعة تصح بمجردها، لأن اللفظ إنما هو عبارة عما في النفس، فإن نوى في نفسه أنه راجعها فقد صحت رجعته فيما بينه وبين الله تعالى، وأشار إلى أنه يجري على الخلاف في الطلاق بالنية، ونحوه للخمي وعلى أن النية لا تكون بمجردها رجعة، فلو نوى ثم أصاب فإن بعد ما بينهما فليس ذلك رجعة، وإن قرب فأشار اللخمي إلى أنه يجري على الخلاف في تقديم النية في الطهارة. ونقل عن محمد ما يقتضي اشتراط المقارنة فقال: قال محمد: إن نوى الرجعة ثم قبل أو باشر أو ضم فإن فعل ذلك لكان ما نوى فهي الرجعة.

стр. 2159

اللخمي: يريد إذا أصاب ساهياً على الطلاق لم يكن وطؤه رجعة إذا لم تقارنه نية. الثاني: سئل أبو عمران عن الذي يطلق امرأته واحدة ثم يتمادى على وطئها من غير أن يريد الرجعة حتى تنقضي عدتها الأولى ثم يحنث بالطلاق الثلاث فهل يلزمه ذلك؟ قال: يلزمه الثلاث؛ لأن ذلك كالنكاح المختلف في فساده يطلق فيه ونقل عن الشيخ أبي محمد أنه لا يلزمه الثلاث والأول أظهر. ابن عبد السلام: وهو الصحيح. وَيُؤْمَرُ بِالإِشْهَادِ وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ المشهور هو مذهب المدونة وهو الذي نقله عبد الوهاب عن المذهب والقول بوجوبه للقاضي أبي بكر بن العلاء وتأوله ابن محرز على ألا تثبت الرجعة إلا بالبينة عليها، وعليه فلا يكون في المسألة خلاف بل الاستحباب راجع إلى أن يكون مقارناً للرجعة، وقول المصنف: (وَلا يَجِبُ عَلَى الْمَشْهُورِ) ينافي حمل ابن محرز. قال في المقدمات: وليس الإشهاد عند من أوجبه شرطاً في صحة الرجعة وإنما هو فرض على حياله يأثم تاركه. وَلَهَا مَنْعُ نَفْسِهَا حَتَّى يُشْهِدَ يعني: أن الإشهاد وإن لم يكن واجباً إلا أن للمرأة أن تمنع نفسها، وقوله في المدونة في المانعة: قد أصابت. يفيد أن الأولى أن تمنع نفسها، بخلاف قول المصنف: (وَلَهَا). وَلا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ عَلَى نِكَاحِ أَمَتِهِ، وَلا رَجْعَتُهَا لأنه إذا شهد على النكاح كان شاهداً على فعل نفسه وإذا شهد على الرجعة اتهم في ذلك. ولمالك في العتبية: أنه تقبل شهادة السيد في الارتجاع. والفرق على هذا بين [٣٧٤/ أ] الارتجاع والنكاح أن النكاح يوجب للأمة صداقاً فيتهم السيد لقدرته على انتزاعه.

стр. 2160

وَرَجَعَ مَالِكُ إِلَى أَنَّهُ لا يَدْخُلُ عَلَيْهَا وَلا يَاكَلُ مَعَهَا وَيَنْتَقِلُ عَنْهَا القولان في المدونة وزاد في القول المرجوع إليه أنه لا يدخل عليها وإن كان يريد رجعتها وشرط فيها على قول مالك الأول: أن يكون معها من يحفظها وأهمله المصنف وليس بجيد ولعل هذين القولين ينبنيان على القولين في الرجعة هل هي محرمة أم لا؟ إلا أن الشرط الذي ذكرناه وقلنا إن المصنف أهمله يأبى كون الشاذ مبنياً على الإباحة. قيل: ولا خلاف أنه لا يجوز أن يرى جسدها متجرداً. وَالْمُعَلَّقَةُ مِثْلُ إِذَا كَانَ غَداً أَوْ جَاءَ زَيْدُ قَالَ مَالِكُ: لَيْسَتْ بِرَجْعَةٍ، وَقِيلَ: يَعْنِي الآنَ .. يعني: والرجعة المعلقة على شرط سواء كان الشرط محققاً كقوله: إن كان غداً فقد راجعتك، أو محتملاً كقوله: إن جاء زيد فقد راجعتك. قال مالك في المدونة: ليس ذلك رجعة. لكن إنما نص فيها على المثال الأول، واختلف الشيوخ فأجراه صاحب النكت على ظاهره فقال إنما لم تكن رجعة لأن الرجعة كضرب من النكاح لأنها تبقي الزوج على العصمة، ووجدنا النكاح إلى أجل لا يصح، فكانت الرجعة إلى أجل كذلك وهذا ظاهر على القول بأن الرجعة محرمة، وأما على أنها حلال فلا. وقال ابن محرز: يعني لا تكون رجعة الآن ولكنها تكون رجعة غداً؛ لأنه حق له فكان له تنجيزه وتعليقه. ولما كان في هذا التأويل مخالفة لظاهر كلام مالك قال المصنف فيه (وَقِيلَ) وعده كالأجنبي. وفهم من عطفه بـ (قِيلَ) أن ثم قول آخر بإجراء قول مالك على ظاهره وقال اللخمي: قول مالك فيما إذا غداً ليس ذلك برجعة: يحتمل أن يكون رأى أن الرجعة إلى

стр. 2161

أجل كالنكاح إلى أجل وأن الرجعة تفتقر إلى نية مقارنة للفعل وإذا فرعنا على فساد هذه الرجعة فإن لم يصبها حتى خرجت من العدة بانت وإن أصابها في العدة وهو يرى أن تلك رجعة كان وطؤه رجعة. اللخمي: لأنه وإن كان الارتجاع الأول فاسداً فإن حقه في الرجعة قائم وإصابته وهو يرى أنه مرتجع رجعة محدثة. مالك: وإن قال: أشهدكم أني إن طلقت امرأتي يوماً من الدهر فقد ارتجعتها ثم طلقها فإنه لا ينتفع بقوله الأول حتى يراجعها. وقاله سحنون في من قال لامرأته: إن دخلت الدار فأنت طالق ثم أراد سفراً وخاف أن تحنثه في غيبته فأشهد أنها إن دخلت الدار فقد ارتجعها. انظر: ما قاله مالك وسحنون هنا مع ما قاله مالك في كتاب ابن سحنون في الحرة ذات الشرط في النكاح والتسري تقول: اشهدوا متى فعل زوجي فقد اخترت نفسي أن ذلك لها. وقال مالك في العتبية: في أمة تحت عبد أشهدت أنها متى عتقت تحته فقد اختارت نفسها أو زوجها، فليس ذلك شيئاً وهاتان المسألتان اللتان سأل عبد الملك مالكاً عن الفرق بينهما فقال له: أتعرف دار قدامة؟ ابن يونس: وقال المغيرة هما سواء ولا شيء لها. والفرق عندي بينهما أن الأمة أنما يجب لها أن تختار إذا عتقت، والعتق لم يحصل بعد فقد سلمت أو أوجبت شيئاً قبل وجوبه لها فلم يلزم، كتارك الشفعة قبل أن يستوجبها. والحرة قد أوجب لها زوجها الشرط إن فعل وملكها منه ما كان يملكه، فلها أن تقتضي به عليه قبل أن يفعل كما لو كان له أن يلزم نفسه قبل أن يفعله.

стр. 2162

وَالرَّجْعِيَّةُ مُحَرَّمَةُ الْوَطْءِ عَلَى الْمَشْهُورِ وإِنْ لَزِمَ الطَّلاق، والْخُلْعُ، والإِيلاءُ، والظِّهَارُ، واللِّعَانُ، والْمِيرَاثُ، والنَّفَقَةُ، ولَوْ قَالَ: زَوْجَاتِي طَوَالِقُ انْدَرَجَتْ .. قوله: (مُحَرَّمَةُ الْوَطْءِ) يريد: ومقدماته، ووجه المشهور أن الطلاق في الشرع مضاد للنكاح الذي هو سبب الإباحة، ولا يقضي للضد مع وجود ضده، ونظر في الشاذ إلى بقاء أحكام الزوجية، وتصور كلامه ظاهر. * * *

стр. 2163

الإيلاءُ الْحَلِفُ بِيَمِينِ يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ غَيْرِ الْمُرْضِعِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْماً، والْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ ... اختلف في مدلول الإيلاء لغة فقال عياض: أصل الإيلاء الامتناع قال الله تعالى: (وَلا يَاتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ) [النور: ٢٢] ثم استعمل في ما كان الامتناع منه بيمين، وقال الباجي: الإيلاء في اللغة: اليمين، وقال ابن الماجشون: وكذلك قال الفضل. ويقال: آلى وتآلى وائتلاء والأول هو المستعمل عند الفقهاء يقال فيه: آلى يؤلي. إيلاء. والاسم منه: الألية، والجمع الألايا. قال كثير في عمر بن عبد العزيز ﵁: قليل الألايا حافظ ليمينه وإن بدرت منه الآلية برت ويقال أيضاً: الألوة بفتح الهمزة وضمها وكسرها، ورسم المصنف الإيلاء في اصطلاح الفقهاء بقوله: (الْحَلِفُ ... إلى آخره) والحلف كالجنس ولو قال: الإيلاء يمين يتضمن ... إلى آخره لكان أحسن. ولا حاجة إلى الحلف بيمين إذ الحلف هو اليمين. وقوله: (يَتَضَمَّنُ تَرْكَ) هذه الجملة صفة ليمين تقديره: الحلف بيمين تدل على ترك وطء الزوجة. وانظر هل أراد بقوله (يَتَضَمَّنُ) ما يدل أعم من أن يدل بالمطابقة أو بالتضمن أو بالالتزام؟ أو أراد بالتضمن حقيقته واستغنى بالتضمن عن المطابقة [٣٧٤/ ب] والالتزام، والأول أظهر. وقوله: (يَتَضَمَّنُ تَرْكَ وَطْءِ) يريد سواء تضمنه عقلاً كحلفه ألا يلتقي معها لأن الالتقاء معها أعم من الالتقاء معها للجماع وغيره، ونفي الأعم مستلزم لنفي الأخص، أو شرعاً كحلفه ألا يغتسل عنها من جنابة؛ ولما قلناه من أن عدم الالتقاء مستلزم عقلاً لعدم الجماع كان عدم جزمه في المدونة لإيلاء مخالف هذا اليمين ليس بظاهر، ولهذا

стр. 2164

اختصر البراذعي المسألة على السؤال والجواب، لأن عادته ألا يفعل ذلك إلا لإشكال في الموضع فقال: وإن حلف بالله ألا يلتقي معها سنة، قال: كل يمين يمنع الجماع فهو مول، فإن كان هذا يمتنع بيمين فهو مول. ولهذا قال اللخمي: هو مول بلا شك. وقال صاحب النكت: إنما تردد لاحتمال أن يريد: لا ألتقي معك في دار بعينها أو موضوع بعينه وإلا فهو مول بلا شك. اللخمي: وقوله في من حلف ألا يتطهر منها من جنابة أنه مول؛ يحتمل أن يريد أنه يحنث بنفس الإصابة لأن القصد باليمين ألا يصيب، أو لا يحنث إلا بالغسل، لأنه هو الذي علق الحنث به، فعلى الاحتمال الأول يكون قوله: لا أغتسل، كناية عن نفي الجماع وهو كقولهم في الكناية عن كرم الشخص: هو كثير الرماد طويل النجاد. وعلى هذا فيضرب له الأجل من يوم اليمين، وعلى الثاني يضرب له الأجل من يوم الرفع على المشهور لأنه لم يحلف على ترك الوطء وإنما تركه من انعقاد اليمين على وسيتبين لك هذا. ابن القاسم: وإن قال: علي نذر ألا أقربك؛ فهو مول. وقال يحيى بن عمر: ليس بمول وهو بمنزلة قوله: علي نذر ألا أكلمك وهو نذر في معصية، وقوله: (تَرْكَ وَطْءِ الزَّوْجَةِ) احترز به مما لو حلف ألا يكلمها وليهجرنها وهو يصيبها فإنه ليس عند مالك مؤلياً. اللخمي: وهو من الضرر فللزوجة أن تقوم بالطلاق لأجله إلا أنه لا يضرب له أجل الإيلاء، بل إذا تبين ذلك طلق عليه. وقال أصبغ: إذا حلف ألا يكلمها فوطئها يحنث من جهة فهمها لما يريده منها كالحالف أن لا يكلم شخصاً فيشير إليه. فعلى قوله: يكون مولياً إذا حلف أن لا يكلمها. واختلف إذا حلف على العزل عن زوجته هل يكون مؤلياً؟ وكذلك اختلف في من حلف

стр. 2165

ألا يبيت مع امرأته والأقرب فيهما أن لها القيام ولا يضرب له أجل الإيلاء. أما لو حلف ألا يطأها ليلة، فلا قيام لها لأنه يبيت معها ويطأها نهاراً وكذلك لو حلف ألا يطأها نهاراً. وفي الموازية فيمن قال: علي الطلاق إن وطئتك إلا أن تأتيني، فهو مول وليس عليها أن تأتيه وعليه أن يأتيها. اللخمي: يريد لظاهر الحديث أنه ﵊ "كان يدور على نسائه". وفي كتاب ابن سحنون في من قال: والله لا أطؤك إلا أن تسأليني، هو مول ولها أن تقيم بها إلى السلطان وليس عليها سؤال. وقال سحنون: ليس بمول؛ لأن الامتناع من جهتها. قال في المدونة وإن حلف ألا يطأها في هذه الدار فليس بمول لإمكان أن يطأها في غيرها. وقيده اللخمي بمن يحسن في حقه ذلك وأما من لا يحسن في حقه ذلك، أو كان على الزوجة في الخروج معه مضرة فهو مول كما قال في من حلف ألا يطأ زوجته في هذا المصر أنه مولٍ إذا كان يتكلف في الانتقال المؤنة. واحترز بالزوجة عن السرية وأم الولد فإنه لا يضرب له أجل الإيلاء، نعم هو ممنوع من الضرر ولاسيما أم الولد فإنه لا منفعة فيها إلا بالوطء فإن لم يطأها وأضر ذلك بها منع لقوله ﵊: "لا ضرر ولا ضرار. وقوله: (غَيْرِ الْمُرْضِعِ) احترازاً مما لو حلف ألا يطأ زوجته المرضعة حتى يفطم ولدها فإنه ليس بمول. قاله مالك في المدونة والموطأ وغيرهما. ابن القاسم: لأن هذا أراد إصلاح ولده وليس على وجه الضرر، وإنما يدخل الإيلاء على من قصد الضرر، وخالف في ذلك أصبغ ورآه مؤلياً. اللخمي: وهو أقيس؛ لأن للمرأة حقاً في الوطء ولا حق للولد ولا مضرة عليه.

стр. 2166

لقوله ﵊: "أن ذلك لا يضر". واتفق على أنه مول إن أرضع الولد غيرها وعلى المشهور، فقال في كتاب ابن سحنون إذا حلف بطلاقها البتة ألا يطأها حتى تفطم ولدها، فإن مات الولد قبل الفطام حل له الوطء ولا حنث عليه إن كانت نيته استصلاح ولده، وإن كانت نيته أن لا يمسها حولين كاملين فهو مول، وتطلق عليه إذا أوقفه السلطان بعد أربعة أشهر؛ لأنه لا يقدر ألا يمسها ولا يفيء لأن يمينه بالبتة. وفي الموازية: وإن حلف ألا يطأ امرأته التي ترضع سنتين، وقال: أردت تمام الرضاع، فليس بمول إلا أن يموت الصبي وقد بقي من السنتين أكثر من أربعة أشهر فيلزمه الإيلاء من يومه. ابن يونس: واعترض بعض أصحابنا قوله: (من يومه)، وقال: إنما لم يعد مولياً أولاً، لأنه غير مضار، فإذا مات الولد ولم يطأ تبين أنه أراد الضرر فينبغي أن يكون أجله من يوم الحلف، وليس هو بصواب لأنه يحتمل أن يكون أراد الضرر فينبغي أن يكون أجله من يوم الحلف وليس هو بصواب؛ لأنه يحتمل أن يكون أراد الضرر اليوم بامتناعه إذ لا عذر [٣٧٥/ أ] له، ويحتمل أن يكون أراده من الأول فيلغى قصد الضرر أولاً للشك فيه، ويعتبر قصد الضرر الآن إذ لا شك فيه. ابن الماجشون: وإن حلف ألا يطأ امرأته سنتين، وقال: أردت بذلك كمال الرضاع، فذلك له ولا يلزمه توقيف. الباجي: ومعناه أنه مول لأنه قد يتعلق بيمينه الضرر إن مات ابنه قبل انقضاء السنتين أو فطم قبل ذلك. وإنما الذي لا يكون به مؤلياً من حلف ألا يطأ حتى يفطم لأنه لا يتعلق بيمينه الضرر على وجه. وعورضت هذه المسألة بما سيأتي أن إيلاءء المريض لازم مع أنه لا يريد الإضرار وإنما يريد استصلاح بدنه. وإذا قيل بعدم اللزوم لأجل مراعاة الولد فلأن يقال بذلك لنفسه

стр. 2167

هو أولى، ولهذا قال سحنون في المريض: كيف يكون مؤلياً وهو لم يحلف على ضرر؟ وخرج بعضهم من كل واحدة قولاً في الأخرى. خليل: وقد يفرق بينهما لأن إصلاح الولد فيه إصلاح لها وهي تحته، بخلاف الأخرى. وقوله: (أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أخرج أربعة أشهر فأقل فإنه لا يكون مؤلياً، وهذا هو المشهور، وروى عبد الملك أن من حلف على أربعة أشهر كان مؤلياً. ومنشأ الخلاف، الاختلاف في فهم قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ * وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧] وينبني على هذا الخلاف: هل يوقف للفيئة أو الطلاق بعد أربعة أشهر أو فيها؟ وهل يقع الطلاق بمضي الأربعة أو لا؟ فعلى المشهور لا يؤمر بالفيئة إلا بعد أربعة أشهر ولا يقع الطلاق بمجرد مضيها؟ فضل: وأصحاب مالك مجمعون على الأول، إلا ما روى أشهب عن مالك من وقوع الطلاق بمرور الأجل، وحكاه ابن نافع وعبد الملك عن مالك، وتمسك المشهور بما تعطيه الفاء في قوله: (فَإِنْ فَاءُوا) فإن ظاهرها يستلزم تأخير ما بعدها عما قبلها، وكذلك إن الشرطية فإنها تصير الماضي بعدها مستقبلاً، ورأى في الشاذ أن الفاء ليست إلا لمجرد السببية ولا يلزم تأخير المسبب عن سببه في الزمان، بل الغالب عليه المقارنة، ولأن مفهوم قوله: (أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أن التربص مقصور عليها. قال في المقدمات: وروى أشهب عن مالك في العتبية أنه إذا وقف بعد الأربعة أشهر فقال أنا أفيء، أمهل حتى تنقضي عدتها، فإن لم يفعل بانت منه بانقضاء عدتها. وهي قولة بين القولين على طريق الاستحسان غير جارية على قياس وعلى المشهور. فأطلق في المدونة الزيادة على أربعة أشهر كالمصنف، وظاهره أنه يكون مؤلياً باليوم ونحوه وبذلك صرح في الموازية والمدونة، وقيل: لا يكون مؤلياً إلا بزيادة مؤثرة وهو قول عبد الوهاب،

стр. 2168

ومن المتأخرين من تأول على عبد الوهاب أنه لا يكون مؤلياً إلا إذا زاد أكثر ما يتلوم به عليه إن قال: أنا أفيء. ابن رشد: وهو غلط؛ لأن التلوم أنما يكون إذا وقف فقال: أنا أفيء، ولم يفعل. وأما إذا أبى أن يفيء فإن الطلاق يعجل عليه ولا معنى للتلوم عليه، ومدة التلوم تبلغ المرة بعد المرة الثلاثين يوماً ونحوها، رواها ابن وهب عن مالك في الموازية. وقوله: (يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْماً) كقوله: والله لا أطؤك، وإنه إذا حنث لزمته الكفارة، وإن وطئتك فأنت طالق أو فلان حر. واحترز عما لو قال: إن وطئتك فعلي المشي إلى السوق، أو هو يهودي أو نصراني، أو فكل مملوك أملكه حر، أو فكل زوجة أتزوجها طالق، فإنه لا يلزمه وليس هو بمول قاله في المدونة. وقوله: (يُلزم) مضموم الياء فعل مضارع مبني للفاعل من ألزم وفاعله الحنث فظاهر قوله: (يَلْزَمُ الْحِنْثُ فِيهَا حُكْماً) أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون الحكم مشتقاً أم لا. وذهب بعضهم إلى أنه لا يكون مؤلياً إذا حلف بما لا مشقة فيه كما لو حلف بركعتين. قوله: (والْعَبْدِ أَكْثَرَ مِنْ شَهْرَيْنِ) هذا هو المشهور. وقيل: أجله كالحر، والعبد يحتمل أن يقرأ بالجر وبالرفع لأن قوله: (ترك)، مصدر مضاف إلى الفاعل أي ترك الحر، فالحر مجرور في اللفظ مرفوع في المحل، فلك أن تعطف على لفظه، ومحله. والله أعلم. وَالرَّجْعِيَّةُ كَغَيْرِهَا إِنْ مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ أي: (وَالرَّجْعِيَّةُ) في الإيلاء (كَغَيْرِهَا) لأنها في حكم الزوجات وهكذا في المدونة وغيرها.

стр. 2169

قال في الموازية: وكذلك إذا حلف لا أراجعك. واستشكله اللخمي لأن الوقف إنما يكون لمن لها حق في الوطء، والمطلقة لا حق لها فيه، قال: ولا خلاف أن الرجعة حق له لا عليه إن شاء ارتجع وأصاب، وإن شاء لم يرتجع فكيف يجبر على أن يرتجع ليصيب أو يطلق عليه طلقة أخرى؟ وهو ظاهر، وأجاب ابن محرز وغيره بأنه إنما لزمه الإيلاء خيفة أن يكون ارتجع وكتم الرجعة. وَأَمَّا إِنْ كَانَ الطَّلاق بَعْدَ الْوُقُوفِ فَلا تُطَلَّقُ عَلَيْهِ أُخْرَى قَبْلَ تَمَامِ الْعِدَّةِ لما ذكر [٣٧٥/ ب] أن الرجعة في إيلاء كغيرها وكان طلاق المولي رجعياً خشي أن يتوهم أنه إذا طلق عليه بسبب الإيلاء أن لها أن توقفه مرة ثانية، فبين أنها ليس لها ذلك لأنه قد طلق عليه بسبب الإيلاء. وَإِنَّمَا قَالَ فِي مَنْ قَالَ- واللهِ لا وَطِئْتُكِ- واسْتَثْنَى: أَنَّهُ مُولِ إِذَا رَفَعَ وَلَمْ تُصَدِّقْهُ فِي قَصْدِ الاسْتِثْنَاءِ .. هذا راجع إلى قوله في الرسم: (يلزم الحنث فيها حكماً) فيقال على سبيل الاعتراض هذا الرسم غير جامع لأن مالكاً قال في المدونة في من قال والله لا وطئتك واستثنى بالمشيئة: هو مول؛ مع أنها يمين لا يلزمه الحنث فيها حكماً لأن الاستثناء يمنع انعقاد اليمين كما تقدم، ولهذا قال أشهب: لا يكون مولياً. اللخمي: هو أبين. وأجاب المصنف بأن مالكاً إنما قال ذلك إذا رفعته الزوجة إلى القاضي ولم تصدقه في أنه أراد بذلك الاستثناء حل اليمين، ولعله أراد التبرك بذكر الله. وامتناع الحالف من الوطء يدل على أنه لم يرد حل اليمين واتهام مالك هنا للمخالف كاتهامه في المدونة لمن قال لزوجته: والله لا أطؤك، فلما مضت أربعة أشهر وقف، فقال: أردت ألا أطأها بقدمي. قال فيقال له: إن وطئت نصدقك وأنت في الكفارة أعلم؛ فإن شئت فكفر أو فدع.

стр. 2170

وأَوْرَدَ عَلَيْهِ لَوْ كَفَّرَ وَقَالَ: عَنْ يَمِينِي، ولم تُصَدِّقْه يعني (وأَوْرَدَ) على قول مالك في المسألة السابقة ما قاله مالك في من حلف أن لا يطأ ثم كفر ولم يطأ بعد الكفارة فقالت له الزوجة: لم تكفر عن يمين الإيلاء وإنما كفرت عن يمين أخرى، أن الإيلاء لا ينحل عنه فيلزم كما رفع عنه التهمة هنا بأضعف الكفارات أن يرفعها عنه هناك، وكما لم يرفعها عنه هناك، وكما لم يرفعها عنه في المسألة السابقة لتهمته لأجل الامتناع من الوطء فكذلك يلزم في الثانية لامتناعه أيضاً. وفرق بأن المكفر أخرج المال وفي معناه الصوم لشدته فلم يتهم بخلاف المستثنى، وفيه نظر؛ لأن احتمال قصد غيرها باقٍ، ولهذا قال أشهب: لا ينحل عنه الإيلاء بالكفارة. وفرق صاحب النكت بأن المستثنى يحتمل بأن يكون قصد باستثناءه حل اليمين ويحتمل ألا يكون قصد به ذلك بل التبرك ونحو ذلك. والكفارة تحل اليمين بلا شك، وإن كنا لم نعرف هل قصد بها حل هذه اليمين أو غيرها؟ فلما كانت الكفارة تسقط اليمين على كل حال كانت التهمة فيها أبعد. وشَرْطُ الْمولي أَنْ يَكُونَ زَوْجاً مُسْلِماً مُكَلَّفاً يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ، وقَالَ أَصْبَغُ: يَصِحُّ إِيلاءُ الْخَصِيِّ والْمَجْبُوبِ .. قوله: (أَنْ يَكُونَ زَوْجاً) أي تحقيقاً أو تعليقاً بل يصح من الأجنبية فلو قال لأجنبية: والله لا وطئتك، ثم تزوجها فهو مول صرح بذلك في المدونة ولو استغنى عن قوله: (زَوْجاً) ليعلم من قوله أولاً في الرسم الحلف بيمين يتضمن ترك وطء الزوجة فإنه يعلم من هذا الكلام أن الحالف بهذا اليمين لا يكون إلا زوجاً أيضاً، فالشرط خارج عن الماهية والركن داخل فيها، فذكر الزوج في أحد القسمين يمنع من ذكره في الآخر، قاله ابن عبد السلام.

стр. 2171

وقوله: (مُسْلِماً) احترزاً مما لو آلى في حال كفره ثم أسلم فإنه لا يلزمه شيء قاله في المدونة، وقيل: يلزمه بناءً على أن اليمين هل تنعقد في حال الكفر أم لا؟ ولو رضي الذمي في الإيلاء بحكمنا، فحكمنا عليه به قاله في الكافي. وقول ابن عبد السلام: لا يشترط في الإيلاء الإسلام لأن الزوجين إن كانا كافرين فالمنع من الحكم فيهما في الطلاق علي ما تقدم هو المانع من الإيلاء، وإن كان الزوج وحده مسلماً لزمه الإيلاء، وليس من فروع هذه المسألة العكس، ليس بظاهر لما قلناه. وقوله: (مُكَلَّفاً) احترازاً من الصغير والمجنون؛ فإنه لا يصح إيلاؤهما فإن آلى وهو صحيح ثم جن عند تمام أجل الإيلاء؛ فقال أصبغ: يوكل السلطان عليه من يكون ناظراً في أمره فإن رأى له ألا يفيء ويطلق عليه فعل ويلزمه ذلك، وإن رأى أن يكفر عنه فعل. واختار اللخمي ألا يكون لامرأته مقال لأن امتناعه في حال الجنون ليس بيمين، وإذا يكن لها مقال إذا قطع ذكره، فالمجنون أولى؛ لأنه إن لم يصب الآن أصاب بعده، وسيأتي الكلام على ما إذا أصاب في حال جنونه عندما يتعرض المصنف لذلك. وقوله (يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ) قال في المدونة: وأن آلى خصي أو شيخه كبير- وقد تقدم له فيها وطء أو آلى الشاب ثم قطع ذكره- لم يوقفوا ولا حجة لنسائهم. وخالف أصبغ في الخصي والمجبوب ورأى أنه يصح منه الإيلاء لأن لزوجته منفعة فيما آلى عنه من المضاجعة والمباشرة، ولذلك تزوجته فإذا قطع عنها ذلك وجب أن توقعه. قال: وأما الشيخ فلا إذا أقعده الكبر إلا أن يكون فيه حراك فيقطعه عنها. وَيَصِحُّ مِنَ الْحُرِّ والْعَبْدِ والصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ لأن شرط المولي موجود فيهم، واحتاج إلى التنبيه على حكمهم، لأن الشرط لا يلزم من وجوده المشروط، والدليل على صحة [٣٧٦/ أ] إيلاء هؤلاء قوله تعالى: (ِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) فعم.

стр. 2172

ابن عبد السلام: وظاهر المذهب مثل ما ذكره المصنف في المريض، ورأى بعضهم أنه إذا كان عاجزاً عن الجماع أنه لا معنى لانعقاد الإيلاء في حقه، ألا ترى أنه لو آلى الصحيح ثم مرض لما طولب بالفيئة بالجماع. وَيَلْحَقُ بِالْمولي مَنْ مُنِعَ مِنْهَا لْشَكٍّ أي: كل من كانت يمينه على حنث كما لو قال: إن لم أدخل فأنت طالق، وقد تقدم هذا عند قوله في الطلاق، (وإن كان نفياً يمكن دعوى تحقيقه ... إلى آخره) هكذا كان يقيد شيخنا هذا المحل، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر. ومثل ابن راشد من منع منها للشك بما إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، وقال: نويت واحدة معينة ونسيتها؛ فإنه يوقف رجاء أن يتذكر، فإن طال تذكره وقامتا عليه فهو كالمولي. وقول ابن عبد السلام: إن تصور كلام المصنف مشكل. ليس بظاهر. فرع: إذا قال لامرأتيه: والله لا وطئت إحداكما، ولا نية له فقيل: هو مول منهما جميعاً. وقيل: لا إيلاء عليه حتى يطأ واحدة فيكون مولياً من الأخرى. وَمِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْوَطْءِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وعُرِفَ مِنْهُ حَاضِراً أَوْ مُسَافِراً أي: ويلحق بالمولي من امتنع من الوطء لغير علة، بل ترك ذلك إما لمصلحة جسده أو للانقطاع للعبادة، أو لقصد الضرر. قوله: (وعُرِفَ مِنْهُ) أي أنه لم يمتنع لعلة. وقوله: (حَاضِراً أَوْ مُسَافِراً) حال من الفاعل المضمر في (امْتَنَعَ) وما ذكره المصنف مروي عن مالك لكنه خلاف المشهور؛ فإن المشهور وهو مذهب المدونة أن لها أن تقوم

стр. 2173

بالفراق، فإذا تبين ضرره طلقت عليه من غير ضرب أجل، لأن آية الإيلاء لا تتناول هذه الصورة ولا ينطبق اسم الإيلاء عليها. بعض القرويين في هذا: ويجب ألا يضيق عليه في أجل التلوم بل يفسح له في ذلك مقدار أجل الإيلاء وأكثر، وذلك أنه يقول: أنا لو تركت الوطء بالحلف أربعة أشهر فأقل لم يكن علي شيء فكيف إذا تركت الوطء بغير يمين؟ عبد الحق- وقال لنا أنه رأى ذلك لبعض العلماء من البغداديين: ونص المدونة: ومن ترك وطء زوجته لغير عذر ولا إيلاء لم يترك، فإما وطئ وإلا طلق، وبذلك يقضى. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى قوم بخرسان: إما أن يقدموا أو يقدم نساؤهم إليهم، أو يطلقوا. أصبغ: فإن لم يطلقوا طلق عليهم، وفي النكاح الثاني منها: ومن سرمد العبادة لم ينه عن تبتله. وقيل له: إما وطئت أو طلقت. ابن القاسم في العتبية: ويتلوم للغائب السنة والسنتين. وفي سماع عيسى: والثلاثة. ابن رشد: ومعناه وإن كان يبعث بالنفقة. اللخمي: وقول مالك في من سرمد العبادة أصل في كل من ترك الإصابة غير مضار، إلا أن ذلك لا يسقط حقها من الوطء واختلف إذا لم يقدر على الإصابة لأنه قطع ذكره، أو لعلة نزلت به، فقال مالك مرة: لا مقال لها، وفي كتاب ابن شعبان: لها القيام وإن قطع ذكره ولو فعل ذلك بنفسه خطأ كان على خلاف، وقد جرى ذلك لبعضهم أراد أن يستحد فنزلت يده فقطع ذكره فإن تعمد ذلك كان لها الفراق بالاتفاق وإن شرب دواءً ليقطع منه لذة النساء كان لها الفراق، وكذلك لو شربه لعلاج علة وهو عالم أنه يذهب بذلك أو شاك، كان لها الفراق بالاتفاق.

стр. 2174

وَمَنِ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ الأجَلِ أي: ويلحق بالمولي من احتملت مدة يمينه أقل الأجل كما لو قال: والله لا وطئتك حتى يموت زيد، ونحو ذلك قاله في المدونة. إِلا أَنْ أَجَلَهُمْ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، والأَوَّلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ، ولِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتِي وبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ زَيْدُ .. الضمير في أجلهم عائد على من ألحق بالمولي، وقوله: (والأَوَّلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ) من حلف على ترك الوطء وحاصله أن المولي حقيقة أجله من يوم اليمين، وأما من ألحق به فأجله من يوم الرفع وهذا هو المشهور، وقيل: أجله من يوم اليمين كالأول. وقوله: (لِذَلِكَ ... إلى آخره) أي ولأجل التفرقة بين المولي حقيقة وبين من ألحق به فرق بين من حلف ألا يطأها حتى تموت أو يموت وبين أن يموت زيد، أي فيكون أجله إذا حلف أن لا يطأها حتى تموت أو يموت من يوم الحلف، لأن يمينه تناولت بقية عمره أو عمرها فكان بمنزلة من قال: والله لا أطؤك فأطلق، ويكون أجله إذا قال: حتى يموت زيد، من يوم الرفع لأن مدة يمينه محتملة لأقل من أجل الإيلاء. خليل: وظاهر المدونة يخالف هذه التفرقة لقوله: وإن حلف ألا يطأ امرأته حتى يموت فلان، أو حتى يقدم أبوه من السفر؛ فهو مول؛ فظاهره أنه يضرب له الأجل من يوم اليمين. ابن عبد السلام: والتفريق الذي ذكره المصنف غير خال من مغمز. وَفِي ابْتِدَاءِ أَجَلِ الْمُظَاهِرِ الْمُمْتَنِعِ مِنَ التَّكْفِيرِ قَادِراً قَوْلانِ، وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ يعني: اختلف هل ابتداء أجل الإيلاء في حق المظاهر إذا دخل عليه الإيلاء بسبب امتناعه من الكفارة وهو [٣٧٦/ ب] قادر عليها من يوم اليمين؟ وهو الذي في الموازية، وعليه اختصر البراذعي، وغيره المدونة. أو من يوم الرفع وهو أيضاً لمالك.

стр. 2175

اللخمي: والأول أحسن لأن المظاهر قصد تحريم الوطء، إذ معنى الظهار إن وطئتك علي حرام كأمي. وقال ابن يونس: القول الثاني أحسن، يريد: أنه لم يحلف على ترك الوطء بالتصريح، فيكون هو الجاري على المشهور في المسألة السابقة. وفي المسألة قول ثالث: أن الأجل من يوم يتبين ضرره، قيل: وهو مذهب المدونة. وقال الباجي: الثالث، والأول في المدونة. وقوله: (وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ) أي فيئة هذه المظاهر تكفيره لا الوطء كما في صريح الإيلاء، والفرق على أن الحالف على ترك الوطء إذا وطئ زال عنه الامتناع وإنما بقي مطالباً بالكفارة. وأما المظاهر فإذا وطئ لا يرتفع عنه المانع بل يتأكد كما سيأتي. وفهم من قوله: (وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ) أن المظاهر لو طئ لم ينهدم الأجل. والله أعلم. وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمُضَارَّ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلاءُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ إِيلاءُ لأَنَّ مُدَّةَ صَوْمِهِ مُدَّةُ أَجَلِهِ .. يعني: فأما من ترك الكفارة لعدم القدرة وهو معنى قوله: (لَيْسَ بِمُضَارَّ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلاءُ) وعلى هذا فيكون هذا الكلام قسيماً في المسألة السابقة للممتنع من التكفير قادراً، فإن قيل: فإذا كان قسيمه فكان ينبغي أن يقول فأما من ليس بقادر، لأنه إنما أراد سلب وصف القدرة في قوله: الممتنع من التكفير قادراً، قيل لعله عدل عن ذلك تنبيهاً منه على أن الأجل إنما ضرب له في المسألة السابقة دفعاً للضرر وما ذكره المصنف من أن غير القادر لا يدخل عليه الإيلاء هو مقتضى المدونة. وقيده اللخمي بما إذا طرأ عليه العسر والعجز عن الصيام بعد عقد الظهار، قال: وأما إن عقده على نفسه مع علمه أنه عاجز عن حله فإنه يدخل عليه، لأنه قصد الضرر بالظهار. ثم يختلف هل يطلق عليه الآن أو يؤخر إلى انقضاء أجل الإيلاء؟ رجاء أن يحدث لها رأي في ترك القيام.
следующие страницы →