← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2171–2210 · переход к 2176.

стр. 2171

وقوله: (مُسْلِماً) احترزاً مما لو آلى في حال كفره ثم أسلم فإنه لا يلزمه شيء قاله في المدونة، وقيل: يلزمه بناءً على أن اليمين هل تنعقد في حال الكفر أم لا؟ ولو رضي الذمي في الإيلاء بحكمنا، فحكمنا عليه به قاله في الكافي. وقول ابن عبد السلام: لا يشترط في الإيلاء الإسلام لأن الزوجين إن كانا كافرين فالمنع من الحكم فيهما في الطلاق علي ما تقدم هو المانع من الإيلاء، وإن كان الزوج وحده مسلماً لزمه الإيلاء، وليس من فروع هذه المسألة العكس، ليس بظاهر لما قلناه. وقوله: (مُكَلَّفاً) احترازاً من الصغير والمجنون؛ فإنه لا يصح إيلاؤهما فإن آلى وهو صحيح ثم جن عند تمام أجل الإيلاء؛ فقال أصبغ: يوكل السلطان عليه من يكون ناظراً في أمره فإن رأى له ألا يفيء ويطلق عليه فعل ويلزمه ذلك، وإن رأى أن يكفر عنه فعل. واختار اللخمي ألا يكون لامرأته مقال لأن امتناعه في حال الجنون ليس بيمين، وإذا يكن لها مقال إذا قطع ذكره، فالمجنون أولى؛ لأنه إن لم يصب الآن أصاب بعده، وسيأتي الكلام على ما إذا أصاب في حال جنونه عندما يتعرض المصنف لذلك. وقوله (يُتَصَوَّرُ وِقَاعُهُ) قال في المدونة: وأن آلى خصي أو شيخه كبير- وقد تقدم له فيها وطء أو آلى الشاب ثم قطع ذكره- لم يوقفوا ولا حجة لنسائهم. وخالف أصبغ في الخصي والمجبوب ورأى أنه يصح منه الإيلاء لأن لزوجته منفعة فيما آلى عنه من المضاجعة والمباشرة، ولذلك تزوجته فإذا قطع عنها ذلك وجب أن توقعه. قال: وأما الشيخ فلا إذا أقعده الكبر إلا أن يكون فيه حراك فيقطعه عنها. وَيَصِحُّ مِنَ الْحُرِّ والْعَبْدِ والصَّحِيحِ وَالْمَرِيضِ لأن شرط المولي موجود فيهم، واحتاج إلى التنبيه على حكمهم، لأن الشرط لا يلزم من وجوده المشروط، والدليل على صحة [٣٧٦/ أ] إيلاء هؤلاء قوله تعالى: (ِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) فعم.

стр. 2172

ابن عبد السلام: وظاهر المذهب مثل ما ذكره المصنف في المريض، ورأى بعضهم أنه إذا كان عاجزاً عن الجماع أنه لا معنى لانعقاد الإيلاء في حقه، ألا ترى أنه لو آلى الصحيح ثم مرض لما طولب بالفيئة بالجماع. وَيَلْحَقُ بِالْمولي مَنْ مُنِعَ مِنْهَا لْشَكٍّ أي: كل من كانت يمينه على حنث كما لو قال: إن لم أدخل فأنت طالق، وقد تقدم هذا عند قوله في الطلاق، (وإن كان نفياً يمكن دعوى تحقيقه ... إلى آخره) هكذا كان يقيد شيخنا هذا المحل، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر. ومثل ابن راشد من منع منها للشك بما إذا قال لامرأتيه: إحداكما طالق، وقال: نويت واحدة معينة ونسيتها؛ فإنه يوقف رجاء أن يتذكر، فإن طال تذكره وقامتا عليه فهو كالمولي. وقول ابن عبد السلام: إن تصور كلام المصنف مشكل. ليس بظاهر. فرع: إذا قال لامرأتيه: والله لا وطئت إحداكما، ولا نية له فقيل: هو مول منهما جميعاً. وقيل: لا إيلاء عليه حتى يطأ واحدة فيكون مولياً من الأخرى. وَمِنِ امْتَنَعَ مِنَ الْوَطْءِ لِغَيْرِ عِلَّةٍ وعُرِفَ مِنْهُ حَاضِراً أَوْ مُسَافِراً أي: ويلحق بالمولي من امتنع من الوطء لغير علة، بل ترك ذلك إما لمصلحة جسده أو للانقطاع للعبادة، أو لقصد الضرر. قوله: (وعُرِفَ مِنْهُ) أي أنه لم يمتنع لعلة. وقوله: (حَاضِراً أَوْ مُسَافِراً) حال من الفاعل المضمر في (امْتَنَعَ) وما ذكره المصنف مروي عن مالك لكنه خلاف المشهور؛ فإن المشهور وهو مذهب المدونة أن لها أن تقوم

стр. 2173

بالفراق، فإذا تبين ضرره طلقت عليه من غير ضرب أجل، لأن آية الإيلاء لا تتناول هذه الصورة ولا ينطبق اسم الإيلاء عليها. بعض القرويين في هذا: ويجب ألا يضيق عليه في أجل التلوم بل يفسح له في ذلك مقدار أجل الإيلاء وأكثر، وذلك أنه يقول: أنا لو تركت الوطء بالحلف أربعة أشهر فأقل لم يكن علي شيء فكيف إذا تركت الوطء بغير يمين؟ عبد الحق- وقال لنا أنه رأى ذلك لبعض العلماء من البغداديين: ونص المدونة: ومن ترك وطء زوجته لغير عذر ولا إيلاء لم يترك، فإما وطئ وإلا طلق، وبذلك يقضى. وكتب عمر بن عبد العزيز إلى قوم بخرسان: إما أن يقدموا أو يقدم نساؤهم إليهم، أو يطلقوا. أصبغ: فإن لم يطلقوا طلق عليهم، وفي النكاح الثاني منها: ومن سرمد العبادة لم ينه عن تبتله. وقيل له: إما وطئت أو طلقت. ابن القاسم في العتبية: ويتلوم للغائب السنة والسنتين. وفي سماع عيسى: والثلاثة. ابن رشد: ومعناه وإن كان يبعث بالنفقة. اللخمي: وقول مالك في من سرمد العبادة أصل في كل من ترك الإصابة غير مضار، إلا أن ذلك لا يسقط حقها من الوطء واختلف إذا لم يقدر على الإصابة لأنه قطع ذكره، أو لعلة نزلت به، فقال مالك مرة: لا مقال لها، وفي كتاب ابن شعبان: لها القيام وإن قطع ذكره ولو فعل ذلك بنفسه خطأ كان على خلاف، وقد جرى ذلك لبعضهم أراد أن يستحد فنزلت يده فقطع ذكره فإن تعمد ذلك كان لها الفراق بالاتفاق وإن شرب دواءً ليقطع منه لذة النساء كان لها الفراق، وكذلك لو شربه لعلاج علة وهو عالم أنه يذهب بذلك أو شاك، كان لها الفراق بالاتفاق.

стр. 2174

وَمَنِ احْتَمَلَتْ مُدَّةُ يَمِينِهِ أَقَلَّ الأجَلِ أي: ويلحق بالمولي من احتملت مدة يمينه أقل الأجل كما لو قال: والله لا وطئتك حتى يموت زيد، ونحو ذلك قاله في المدونة. إِلا أَنْ أَجَلَهُمْ مِنْ يَوْمِ الرَّفْعِ، والأَوَّلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ، ولِذَلِكَ فُرِّقَ بَيْنَ أَنْ أَمُوتَ أَوْ تَمُوتِي وبَيْنَ أَنْ يَمُوتَ زَيْدُ .. الضمير في أجلهم عائد على من ألحق بالمولي، وقوله: (والأَوَّلُ مِنْ يَوْمِ الْحَلِفِ) من حلف على ترك الوطء وحاصله أن المولي حقيقة أجله من يوم اليمين، وأما من ألحق به فأجله من يوم الرفع وهذا هو المشهور، وقيل: أجله من يوم اليمين كالأول. وقوله: (لِذَلِكَ ... إلى آخره) أي ولأجل التفرقة بين المولي حقيقة وبين من ألحق به فرق بين من حلف ألا يطأها حتى تموت أو يموت وبين أن يموت زيد، أي فيكون أجله إذا حلف أن لا يطأها حتى تموت أو يموت من يوم الحلف، لأن يمينه تناولت بقية عمره أو عمرها فكان بمنزلة من قال: والله لا أطؤك فأطلق، ويكون أجله إذا قال: حتى يموت زيد، من يوم الرفع لأن مدة يمينه محتملة لأقل من أجل الإيلاء. خليل: وظاهر المدونة يخالف هذه التفرقة لقوله: وإن حلف ألا يطأ امرأته حتى يموت فلان، أو حتى يقدم أبوه من السفر؛ فهو مول؛ فظاهره أنه يضرب له الأجل من يوم اليمين. ابن عبد السلام: والتفريق الذي ذكره المصنف غير خال من مغمز. وَفِي ابْتِدَاءِ أَجَلِ الْمُظَاهِرِ الْمُمْتَنِعِ مِنَ التَّكْفِيرِ قَادِراً قَوْلانِ، وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ يعني: اختلف هل ابتداء أجل الإيلاء في حق المظاهر إذا دخل عليه الإيلاء بسبب امتناعه من الكفارة وهو [٣٧٦/ ب] قادر عليها من يوم اليمين؟ وهو الذي في الموازية، وعليه اختصر البراذعي، وغيره المدونة. أو من يوم الرفع وهو أيضاً لمالك.

стр. 2175

اللخمي: والأول أحسن لأن المظاهر قصد تحريم الوطء، إذ معنى الظهار إن وطئتك علي حرام كأمي. وقال ابن يونس: القول الثاني أحسن، يريد: أنه لم يحلف على ترك الوطء بالتصريح، فيكون هو الجاري على المشهور في المسألة السابقة. وفي المسألة قول ثالث: أن الأجل من يوم يتبين ضرره، قيل: وهو مذهب المدونة. وقال الباجي: الثالث، والأول في المدونة. وقوله: (وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ) أي فيئة هذه المظاهر تكفيره لا الوطء كما في صريح الإيلاء، والفرق على أن الحالف على ترك الوطء إذا وطئ زال عنه الامتناع وإنما بقي مطالباً بالكفارة. وأما المظاهر فإذا وطئ لا يرتفع عنه المانع بل يتأكد كما سيأتي. وفهم من قوله: (وفَيْئَتُهُ تَكْفِيرُهُ) أن المظاهر لو طئ لم ينهدم الأجل. والله أعلم. وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمُضَارَّ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلاءُ، ولِذَلِكَ لَمْ يَدْخُلْ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ إِيلاءُ لأَنَّ مُدَّةَ صَوْمِهِ مُدَّةُ أَجَلِهِ .. يعني: فأما من ترك الكفارة لعدم القدرة وهو معنى قوله: (لَيْسَ بِمُضَارَّ فَلا يَدْخُلُ عَلَيْهِ إِيلاءُ) وعلى هذا فيكون هذا الكلام قسيماً في المسألة السابقة للممتنع من التكفير قادراً، فإن قيل: فإذا كان قسيمه فكان ينبغي أن يقول فأما من ليس بقادر، لأنه إنما أراد سلب وصف القدرة في قوله: الممتنع من التكفير قادراً، قيل لعله عدل عن ذلك تنبيهاً منه على أن الأجل إنما ضرب له في المسألة السابقة دفعاً للضرر وما ذكره المصنف من أن غير القادر لا يدخل عليه الإيلاء هو مقتضى المدونة. وقيده اللخمي بما إذا طرأ عليه العسر والعجز عن الصيام بعد عقد الظهار، قال: وأما إن عقده على نفسه مع علمه أنه عاجز عن حله فإنه يدخل عليه، لأنه قصد الضرر بالظهار. ثم يختلف هل يطلق عليه الآن أو يؤخر إلى انقضاء أجل الإيلاء؟ رجاء أن يحدث لها رأي في ترك القيام.

стр. 2176

قوله: (ولِذَلِكَ) يعني ولأجل أنه لا يدخل الإيلاء على من ليس بمضار، لم يدخل على العبد إيلاء ونحوه في الموطأ ونصه قال مالك في العبد يظاهر من امرأته: أنه لا يدخل عليه الإيلاء، وذلك أنه إذا ذهب يصوم صيام كفارة المظاهر دخل عليه طلاق الإيلاء قبل أن يفرغ من صيامه. الباجي: يريد لأن صيامه شهران وأجله في الإيلاء شهران فإن أفطر ساهياً أو لمرض انقضى أجل الإيلاء قبل تمام الكفارة. قال: وتعليل مالك في الموطأ يدل على أنه لا يضرب له الأجل وإن أذن له السيد في الصوم. لكن لا يوجد هذا لمالك ولا لأحدٍ من أصحابه على هذا التفسير، ولعله أراد أن هذا من بعض ما يعتذر به العبد في رفع ضرب أجل الإيلاء عنه إن كان أراد الصوم ومنعه سيده، لأنه يضر به، فذلك عذر للعبد دخول الإيلاء عليه، وبه قال أصبغ فلم ير منع سيده من الصيام ضرراً يدخل به الإيلاء لأنه ليس من قبله، وإنما هو حق يملكه غيره. وروى ابن القاسم عن مالك: لا يدخل على العبد إيلاء إلا أن يكون مضاراً لا يريد أن يفيء أو يمنعه سيده الصيام بأمر جائز فهذا يضرب له أجل الإيلاء إن رفعته امرأته ومعناه أن يضرب له أجل الإيلاء ليشرع في الكفارة إذا امتنع، أو ليبيح له سيده في أثناء ذلك التكفير بالصيام. وقال صاحب الاستذكار: ما قاله في الموطأ هو أصله لا يدخل على المظاهر الإيلاء حراً كان أو عبداً إلا أن يكون مضاراً. وقوله: (أنه لو ذهب يصوم .. إلى آخره) هو على قول من يقول: أن بانقضاء أجل الإيلاء يقع الطلاق، فيقول: لو وقع الطلاق بعد شهرين لم تصح له كفارة؛ إذ هو لا يكفر إلا بالصوم فكيف يكون مكفراً ويلزمه الطلاق؟ وهذا محال.

стр. 2177

ابن عبدوس: قلت لسحنون: فإذا لم يدخل على العبد إيلاء فما تصنع المرأة؟ قال: ترفعه إلى السلطان فإما فاء أو طلق عليه. أبو عمر: وهذا خلاف قول مالك في الموطأ. خليل: وكلام الباجي أولى؛ لأن ابن عبد البر جعل كلامه في الموطأ مبنياً على القول بوقوع الطلاق بمجرد مضي الزمان، وهو غير المعروف من أقوال مالك، وظاهر كلامه أنه حمل الموطأ على أنه لا يلزمه إيلاء البتة لجعله ما حكاه ابن عبدوس مخالفاً له، وهو شيء لم يقله مالك ولا أحد من أصحابه على ما قاله الباجي. ولَوْ زَالَ الْمِلْكُ عَنِ الْعَبْدِ الْمَحْلُوفِ بِعِتْقِهِ انْحَلَّ الإِيلاءُ فَلَوْ عَادَ عَادَ إِنْ كَانَ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ .. يعني: إذا قال: إن وطئتك فعبدي ميمون حر، ثم باع ميموناً انحل الإيلاء، لأنه إن امتنع الآن من الوطء فليس امتناعه من اليمين، (فَلَوْ عَادَ) أي العبد المحلوف بعتقه إلى ملكه عاد الإيلاء عليه إن كانت يمينه غير مؤقتة، أو مؤقتة وبقي من المدة أكثر من أربعة أشهر. وما ذكره المصنف من عود الإيلاء عليه إذا ملكه ثانياً [٣٧٧/ أ] هو مذهب ابن القاسم. قال ابن بكير: لا يعود عليه. وقال أشهب: إن خرج من ملكه أولاً من غير اختياره، كما لو باعه الحاكم لفلسٍ لم يعد، ولو خرج أولاً باختياره عاد إليه الإيلاء، وقد تقدم توجيه الأقوال في الطلاق عند الكلام على المحل. فإن قيل في الفرق علي قول ابن القاسم بين رجوع العبد وبين رجوع الزوجة بملك مستأنفٍ فإنه وافق على أنه لا تعود عليه اليمين عادت الزوجة إليه بملك مستأنف كما سيأتي. قيل: لأنه يتهم في العبد أن يكون قصد ببيعه حل اليمين بخلاف الزوجة فإنه لا يتهم عليها، ولهذا لم يتهمه هو ولا غيره في إرث العبد لما كان ملكه جبرياً.

стр. 2178

وَكَذَلِكَ الطَّلاق الْبَائِنْ إِذَا قَصُرَ عَنِ الْغَايَةِ ولَوْ بَعْدَ زَوْجٍ أي: فكمسالة العبد إذا قال لإحدى زوجتيه مثلاً: إن وطئتك ففلانة طالق، فطلق فلانة طلاقاً بائناً أو رجعياً وبانت، انحل الإيلاء، فلو أعادها بعد ذلك ولو بعد زوج عادت عليه اليمين ما بقي من العصمة الأولى شيء. فَلَوْ بَلَغَ الْغَايَةَ فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ لَمْ يَعُدْ هذا هو مقابل قوله أولاً: (قَصُرَ عَنِ الْغَايَةِ) أي فلو بلغ الغاية إما بأن طلقها ثلاثاً أو تكملت الثلاث ثم تزوجها بعد زوج لم تعد عليه اليمين لأن الملك الذي علق عليه اليمين ذهب. واعلم أن ما ذكره من عدم عود اليمين إذا بلغ الغاية إنما هو في المحلوف بطلاقها، وأما المحلوف على عدم وطئها فإن اليمين منعقدة عليه فيها سواء طلقها ثلاثاً ثم تزوجها أو أقل من ذلك؛ قاله في المدونة في مسألة: زينب وعزة، وقد تقدم نصها في الطلاق. أَمَّا لَوْ وُرِثَ الْعَبْدُ لَمْ يَعُدْ يعني: (أَمَّا لَوْ) عاد ملك العبد بالإرث (لَمْ يَعُدْ) عليه الإيلاء كرجوع الزوجة بعد الزوج. ولو اشترى بعض العبد وورث بعضه عاد عليه إيلاء لأجل بقاء اليمين في ذلك البعض المشترى، وكذلك لو لم يرث منه شيئاً، ولكن اشترى بعضه فإن وطأها في المسألتين عتق عليه جميع العبد، البعض المشترى منه بنفس حنثه وبقية العبد بالتقويم. وَلَوْ قَالَ لِغَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا أَوْ غَيْرِهَا إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ وَقَعَ بِأَوَّلِهِ طَلْقَةُ رَجْعِيَّةُ وبَقِيَّتُهُ ارْتِجَاعُ ويَنْوِيهِ .. يعني: إذا قال لغير المدخول بها أو غيرها: إن وطئتك فأنت طالق، يريد واحدة أو اثنتين من الوطء في المدخول بها أو غيرها، وعلى الوطء يعود الضمير في أوله وبقيته.

стр. 2179

ابن راشد: قوله (فيَنْوِيهِ) عائد على قوله: (ارْتِجَاعُ) وساوت غير المدخول بها لأنها تصبر مدخولاً بها بالالتقاء، وهكذا قال ابن المواز، ونص كلامه عند ابن يونس، وغن كانت يمينه بواحدة فهو مولٍ وإن وطئ فلينو ببقية مصابه الرجعة، لأنه يحنث بأول الملاقاة، وإن كان ذلك قبل البناء ضرب له أجل الإيلاء وله الفيئة في الوطء على أن ينوي ببقية مصابه الرجعة فإن وطئ على هذا وإلا طلق عليه وكذلك قال عبد الملك وإن لم ينو ببقية مصابه الرجعة فلا رجوع له مدخولاً بها أو غير مدخول بها لأنه ترك تحقيق رجعته بأن ينوي ببقية وطئه الرجعة. وحكى اللخمي في هذه المسألة خلافاً فقال: اختلف في صفة ما يباح له وهل ذلك بشرط أن ينوي الرجعة؟ فقيل: له أن يصيب وينزل، إلا أن ينوي مراجعة لأن الإنزال زائد على الوطء وقد حنث بما قبل إنزاله، وقيل: له مغيب الحشفة، لأنه يحنث بأول ما يقع عليه اسم الوطء ولم ير النزع منها وطئاً. وقيل: يمنع منها ابتداءً لأنه يحنث بمغيب الحشفة والنزع وطء. وهو أحسن على ظاهر المذهب في الحنث بالأقل ثم يختلف هل يسقط عنه بذلك الإيلاء؟ فعلى قول ابن القاسم يسقط لأنه قد حنث، وعلى قول عبد الملك لا يسقط عنه نوى أم لا؛ لأنه يقول: لا يسقط الإيلاء إلا بالمصاب وإذا كان ذلك فمن حقها الوطء التام والإنزال لحقها في الولد، فإن أصاب وهي في العدة بعد أن نوى الرجعة وإلا طلق عليه. قال: وكذلك اختلف إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق البتة، كالاختلاف الأول. ولَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُكِ فَأَنْتِ طَالِقُ ثَلاثاً، فَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ: لا يُمكَّنُ إِذْ بَاقِي وَطْئِهِ حَرَامُ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ، وقَالَ أَيْضاً: يُمكَّنُ مِنَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ وينْزِعُ، وقَالَ أَيْضاً: حَتَّى يُنْزِلَ .. يعني: اختلف إذا قال لامرأته: إن وطئتك فأنت طالق ثلاثاً، فروى أكثر الرواة عن مالك: لا يمكن من الفيء بالوطء، هكذا في التهذيب، وهو أحسن من كلام المصنف،

стр. 2180

لأن ما في التهذيب يؤخذ منه أنه مولٍ وإنما منع من الفيئة خاصة، بخلاف كلام المصنف لاحتماله هذا وإلا يكون مولياً، لكن لما قابل المصنف قول (أَكْثَرُ الرُّوَاةِ) بقول ابن القاسم: (ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ) زال هذا الاحتمال. وقوله: (إِذْ بَاقِي وَطْئِهِ حَرَامُ) هكذا اختصر ابن يونس المدونة واختصرها البراذعي: إذ باقي وطئه لا يجوز وكلاهما سواء؛ لأنه يحنث [٣٧٧/ ب] بأول الملاقاة فيكون باقي وطئه حرام. ورأى ابن القاسم أنه لما كان ممنوعاً من الفيئة لم يكن في ضرب الأجل فائدة، إذ ضرب الأجل إنما هو وسيلة للفيئة. وقول ابن القاسم بتنجيز الطلاق مروي عن مالك، وهو اختيار سحنون، وقوله: (وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ويُنْجَّزُ مِنْ غَيْرِ أَجَلٍ إِذَا رَفَعَتْهُ) يدل على أنها لو لم ترفعه لم تطلق عليه. وقال مطرف: تطلق وإن لم ترفعه. قال في المقدمات: وتحصيل الخلاف في هذه المسالة أن فيه قولين: أحدهما: أنه مولٍ والثاني: ليس بمولٍ فعلى الأول تطلق عليه حتى يحل أجل الإيلاء، واختلف عليه إذا حل الأجل على أربعة أقوال: الأول: أنها تطلق عليه ولا يمكن من الفيء وهو مذهب ابن الماجشون. والثاني: أنه لا تطلق عليه إلا أن يأبى الفيء، فإن لم يأب مكن من التقاء الختانين فقط. وهو مروي عن مالك. والثالث: أنه يمكن من جميع لذته ولا ينزل خيفة أن يكون الولد ولد زناً وهو قول أصبغ. والرابع: أنه يمكن من الكمال؛ أي لا يقع عليه الحنث إلا بتمامه، وهو قول ابن القاسم في أصل الأسدية.

стр. 2181

وظاهر قوله في المدونة وما يؤخذ له فيها من خلاف ذلك فقد قيل إنه من إصلاح سحنون. وعلى أنه غير مول وفي ذلك قولان: أحدهما: أنه يعجل عليه الطلاق من يوم حلف وهو قول مطرف. والثاني: أن الطلاق لا يعجل عليه حتى ترفعه امرأته إلى السلطان وتوقفه انتهى باختصار. وذكر عياض عن شيخه ابن عتاب عن أبيه أنه يتضمن كلامه في المسألة في الكتاب أربعة أقوال: أحدها: أنه مولٍ ولا يطلق عليه إلا بعد الأجل. الثاني: أنها تطلق عليه إذا قامت وهو مولٍ. الثالث: تطلق عليه وإن لم تقم وليس بمولٍ. الرابع: تطلق عليه إذا قامت وليس بمولٍ. اللخمي: ولم يختلف أنه لو نزع قبل تمام الوطء أنه يمنع من المعاودة. واستشكل القول بأنه يمكن من التقاء الختانين- بأن ضبط النفس عن الزيادة على ذلك عسير. وَيُمَكَّنُ فِي الظِّهَارِ اتِّفَاقاً أي: إذا فرضت هذه المسألة في الظهار بأن قال: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، فإنه يمكن من الوطء بالاتفاق، وفي هذا الاتفاق نظر. وقد حكى اللخمي في كتاب الظهار في هذه المسألة في إباحة الوطء أربعة أقوال:

стр. 2182

الأول: لمحمد أنه يمنع جملة لأن مغيب الحشفة يوجب الحنث والنزوع وطء ممن وقع عليه الظهار. الثاني: لعبد الملك أنه له مغيب الحشفة ثم ينزع بناءً على أن النزوع ليس بوطء. الثالث: لا يطأ ولا ينزل. الرابع: أن له ذلك وإن أنزل. قال: وظاهر المدونة أن له الإصابة التامة ثم ينعقد عليه الظهار ولا تلزمه الكفارة إلا أن يطأها بعد ذلك. وعلى هذا فلا فرق بين هذه المسألة والتي قبلها لأن الزوجة تحرم هنا بالظهار كما تحرم في الأولى بالطلاق، ولكن رفع التحريم الحاصل في الظهار بيده لقدرته على التكفير. خليل: وانظر على هذا لو كان له عبد حاضر وقال: أنا أطأ وأعتقه عن ظهاري إذا أولجت، هل يتفق على تمكينه من الوطء حينئذ وهو الظاهر أم لا؟ ولا يقال: إذا كان الظاهر أنه يمكن في هذه الصورة بالاتفاق يصح كلام المصنف، لأنه لم يقيد كلامه بهذه الصورة ولا يمكن أن يريدها فقط لأنها فرض نادر. وقول اللخمي: ظاهر المدونة؛ لأن فيها: من قال لزوجته: إن وطئتك فأنت علي كظهر أمي، فهو مول حين تكلم بذلك، فإن وطئ سقط عنه الإيلاء ولزمه الظهار بالوطء ولا يقربها بعد ذلك حتى يكفر، ولهذا غمز سحنون ما في المدونة. فضل: وإنما غمزها فيما أظن لأنه ذهب مذهب عبد الملك أنه لا يمكن من الوطء. قال: وإنما تكلم ابن القاسم على أحد قوليه في كتاب الإيلاء أي المسألة التي فوق هذه. صاحب النكت وابن محرز: وليس في قوله في المدونة ما يدل على تمكينه من الوطء، وإنما قال: فإن وطئها، فأنت ترى كيف أشار فضل إلى إجراء هذه المسألة على التي فوقها،

стр. 2183

وكلام عبد الحق وابن محرز ظاهر لأنه إنما قال في المدونة: إن وطئ سقط عنه الإيلاء لأن له أن يطأها. وَلَوْ قَالَ: إِنْ وَطِئْتُ إِحْدَاكُمَا فالأُخْرَى طَالِقُ وأَبَى الْفَيْئَةَ فَالحَاكِمُ يُطَلِّقُ إِحْدَاهُمَا. (وأَبَى الْفَيْئَةَ) أي وطء كل منهما ولا إشكال أنه لو وطئ واحدة طلقت عليه الأخرى. وقوله (فَالحَاكِمُ يُطَلِّقُ إِحْدَاهُمَا) ينبغي أن يفهم على أن القاضي يجبره على طلاق واحدة، أو يطلق واحدة بالقرعة، وإلا فطلاق واحدة غير معينة لا يمكن؛ إذ الحكم يستدعي تعيين محله، وفي تطليق معينة منهما ترجيح بلا مرجح. ومن قامت بحقها من هاتين المرأتين كان الحكم كما ذكره المصنف، ولا يشترط قيامهما معاً. ابن عبد السلام: وذكر بعضهم في تقييد هذه المسألة قولين هل يكون مولياً منهما معاً أو لا يكون مولياً إلا من إحداهما؟ وَلَوْ حَلَفَ لا يَطَأُ فِي هَذِهِ السَّنَةِ إِلا مَرَّةً فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مُولٍ حِينَئِذٍ، وقَالَ أَيْضاً: لا إِيلاءَ عَلَيْهِ حَتَّى يَطَأَ وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ، واخْتُلِفَ فِيهَا لَمَّا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ .. ههنا قاعدة تنبني عليها هذه المسألة، والمسألة التي قبلها وما بعدها [٣٧٨/ أ] من الفروع، وهي أن الحالف إذا كان امتناعه ليمين انعقدت عليه كان مولياً باتفاق وإن امتنع لا يمين انعقدت عليه وإنما امتنع خوفاً من انعقاد اليمين فهل يكون مولياً من حين اليمين أو لا يكون موليا حتى يطأ؟ قولان. والقولان في المسألة التي ذكرها المصنف في الموازية، والقول الثاني مع بقية الكلام الذي ذكره المصنف في المدونة، ولا يلزم من تقديم المصنف للقول الأول أن

стр. 2184

يكون هو المشهور وإنما يلزم ذلك لو صدر به ثم عطف عليه بـ (قيل)، واختار ابن المواز القول الأول. وَلَوْ حَلَفَ لا يُجَامِعُهَا فِيهَا غَيْرَ مَرَّتَيْنِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَكُونُ مُولِياً، وقَالَ أَصْبَغُ: مُولٍ؛ وهُوَ غَلَطُ، نَعَمْ لَوْ وَطِئَ مَرَّتَيْنِ وَقَدْ بَقِيَ أَكْثَرُ فَمُولِ. قوله: (فِيهَا) أي في السنة، ووجه قول ابن القاسم أن له أن يترك وطئها أربعة أشهر ثم يطأها ثم يترك وطئها أربعة أشهر ثم يطأها فلا يبقى من السنة غير أربعة أشهر. وقال أصبغ: مول، قال محمد: هو غلط، وتبعه المصنف لما قلناه في توجيه قول ابن القاسم، خليل: ويمكن أن يوجه قول أصبغ بأن يقال: لو لم يلزمه الإيلاء في مثل هذه الصورة لتوصل بهذا إلى مضارة الزوجة، لأنه يمكنه أن يفعل في كل سنة كذلك فيؤدي إلى الضرر المستديم، وإبطال ما شرعه الله من إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان، فتكون هذه المسألة كالسريجية، ولا سيما ومن قواعدنا القول بسد الذريعة، على أن جواب ابن القاسم بعدم الإيلاء إنما ينبني على القول بأن من حلف على ترك الوطء أربعة أشهر لا يكون مولياً وأما على الرواية الأخرى فلا. وهذا الذي أشرنا إليه في توجيه قول أصبغ رأى اللخمي أن يكون لها حق في الوقف للضرر لا للإيلاء. وقوله: (نَعَمْ لَوْ وَطِئَ مَرَّتَيْنِ وَقَدْ بَقِيَ .. إلى آخره) هو جواب لابن القاسم تقديره أن يقال: إنما ألزمه أصبغ الإيلاء لاحتمال أن يطأ مرتين في أول السنة، فأجاب عنه بأنه لو وطئ مرتين وقد بقي أكثر من أربعة أشهر لكان مولياً بالاتفاق. وَفِيهَا: إِنْ وَطِئْتُكِ فَكُلُّ مَمْلُوكٍ أَوْ كُلُّ مَالٍ أَمْلِكُهُ مِنْ بَلَدِ كَذَا حُرُّ أَوْ صَدَقَةُ؛ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ: فِي تَعْجِيلِ الإِيلاءِ بِخِلافِ التَّعْمِيمِ فَإِنَّهُ لا يَكُونُ مُولِياً .. هذان القولان مبنيان على القاعدة المتقدمة لأنه امتنع من الوطء خوفاً من انعقاد اليمين عليه في ما يملكه من البلد المسمى؛ لأنه إن جعلت الانعقاد بمنزلة ما يلزمه من

стр. 2185

صوم أو صدقة أو نذر أو كفارة عجلت الإيلاء، وإلا لم تعجله، ولعل المصنف نسب هذه المسألة للمدونة ليبين لك أن كلاً من القولين في المسألة السابقة له أصل في المدونة. وقوله: (بِخِلافِ التَّعْمِيمِ) أي فلا يكون مولياً لأن يمينه لم تنعقد. وَلِلزَّوْجَةِ الْمُطَالَبَةُ إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ فَيَامُرُهُ الْحَاكِمُ بِالْفَيْئَةِ أَوِ الطَّلاقِ؛ فَإِنْ أَبَى طَلَّقَ عَلَيْهِ .. قوله: (إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) هذا مبني على المعروف من المذهب، وأما على القول بوقوع الطلاق بمضي الأربعة أشهر فلا. وقوله: (أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ) أي من يوم الحلف إذا كانت يمينه صريحة في ترك الوطء أو من يوم الرفع إذا كانت يمينه متضمنة لترك الوطء كما تقدم. قوله: (فَيَامُرُهُ الْحَاكِمُ بِالْفَيْئَةِ) أي الوطء (أَوِ الطَّلاقِ؛ فَإِنْ أَبَى) من كل منهما، (طَلَّقَ) الحاكم (عَلَيْهِ). وظاهر كلامه أنه لا يتلوم له، وهو الصحيح وإن كان بعضهم ذهب إليه. واعلم أن للمولي إذا وقف حالتين: الأولى: أن يقول: لا أطأ، والحكم فيها أن يطلق عليه من غير تلوم، والثانية: أن يقول: أطأ، فهذا يتلوم له فيها. وإليه أشار بقوله: فَإِنْ أَجَابَ اخْتَبَرَ مَرَّةً وثَانِيَةً فَإِنْ تَبَيَّنَ كَذِبُهُ طَلَّقَ عَلَيْهِ أي (فَإِنْ أَجَابَ) إلى الوطء، وعلى هذا فمراده بالإجابة أخص من مراده بالإباية في قوله: (أَبَى) لأن مراده به بالإباية من كل من الوطء والطلاق كما تقدم، ومراده بـ (أَجَابَ) أي إلى الوطء، على أنه يمكن أن يريد بأجاب الإجابة إلى أحد الأمرين لا يعنيه ويكون مقابلاً لقوله: أبى، لكن المسألة إنما هي منصوصة على الوجه الأول. وقوله: (اخْتَبَرَ مَرَّةً وثَانِيَةً) ظاهر كلامه أنه موكول إلى اجتهاد الحاكم.

стр. 2186

قال في البيان: وهو المعلوم من مذهب مالك في المدونة وغيرها أنه يختبر المرتين والثلاث. ابن عبد السلام: ووقع في المذهب روايات بالتحديد أضربنا عنها لمخالفتها الأصول. اللخمي: وروى ابن وهب أنه قال: يؤخر وإن أقام في الاختبار حتى تحيض ثلاثة حيض وأكثر، ويوقف أيضاً، فإن قال: أنا أفيء خلي بينه وبينها، إلا أن يكثر ذلك فتطلق عليه، وروى أشهب أنه قال: يخلى بينه وبينها فلو لم يف حتى انقضت عدتها من يوم قال: أنا أفيء، طلقت عليه طلقة بائنة. والْفَيْئَةُ تَغَييبُ الْحَشفَةِ فِي الْقُبُلِ فِي الثَّيِّبِ وافْتِضَاضِ الْبِكْرِ طَائِعاً عَاقِلاً. (الْفَيْئَةُ) لغة الرجوع، والمراد بها [٣٧٨/ ب] هنا الرجوع إلى ما كان ممتنعاً منه بسبب اليمين وهو الجماع، واحترز بالطوع من المكره، وبالعقل من المجنون، فإن وطئهما ليس فيئة. وهكذا في الجواهر، لكنه خلاف ما نص عليه ابن المواز وأصبغ في العتبية، ونقله صاحب تهذيب الطالب واللخمي وصاحب البيان أن وطء المجنون في حال جنونه فيئة، قال في البيان: لأنها نالت بوطئها في جنونه ما تنال بوطئه في صحته. ووقع في قول أصبغ زيادة أنه يحنث بالوطء ويكفر عنه وليه. قال في البيان: وهو ضعيف لأن فعله في حال الجنون كلا فعل فإذا وطئ في حال الجنون وجب أن لا يحنث بذلك، ولا تجب به الكفارة لقوله ﵇: "رفع القلم عن ثلاث"، وعد فيهم المجنون. وقياس ما قاله أهل المذهب في المجنون أن يكون وطء المكره فيئة، بل أولى، ألا ترى أنه اختلف في حد الواطئ مكرهاً ولم يختلف في سقوط الحد عن المجنون، وأيضاً فإنه قد قيل عندنا أن الإكراه إنما يكون في القول لا في الفعل والله أعلم.

стр. 2187

وَلا يَنْحَلُّ بِالْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ أي: (وَلا يَنْحَلُّ) الإيلاء (بِالْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ) وهكذا قال في إيلاء المدونة: لا تحصل الفيئة بالوطء بين الفخذين ولا بالقبلة والمباشرة واللمس، قال فيها: إلا أن الكفارة تلزمه بالوطء دون الفرج وتحمل يمينه على الاعتزال حتى يخص بنيته الفرج. اللخمي: وعلى القول بحمل الأيمان على العادة لا يحنث بالإصابة بين الفخذين في كتاب الرجم من المدونة، فإن وطئها بين الفخذين فكفر زال إيلاؤه لأنه لو كفر قبل أن يطأ سقط إيلاؤه، فكيف إذا وطئ للإيلاء وظاهر ما قال في الإيلاء يخالف ما في كتاب الرجم، لأنه نص في الرجم على سقوط الإيلاء، وفي الإيلاء على عدم سقوطه. أبو الحسن: إلا أن يتأول قوله في الإيلاء، إلا أن الكفارة تلزمه على معنى ولم يخرجها، وأما لو أخرجها لسقط عنه الإيلاء عملاً بما في الرجم. وقال الباجي بعد أن ذكر قول مالك أنه يحنث بالوطء دون الفرج: وتحمل أيمانهم على الاعتزال لا خلاف أنه إذا أتى بما يحنث به فقد بطلت يمينه، وإذا بطلت يمينه لم يبق إيلاء وهو أعلم بما تجب عليه به الكفارة من الوطء بالفرج أو غيره، وأما فيما بينه وما بين الزوجة فلا يخرج عن حكم الإيلاء بما يدعي من أنه لم يرد الفرج فلا يقبل قوله يسقط به حكم الإيلاء عن نفسه، ويقبل فيما يوجب عليه الكفارة كما أنه لو كانت يمينه بالله فكفر بزعمه، لم يقبل ذلك فيما بينه وبين الزوجة وبالله التوفيق. انتهى. خليل: وعلى هذا فقوله في المدونة في الإيلاء أن اليمين لا تنحل بالوطء بين الفخذين، إنما هو فيما بينه وبين الزوجة، وأما يمينه فقد انحلت. ابن عبد السلام: قال بعض الشيوخ: وقد اختلف إذا لم ينو الفرج هل يحنث بما دون الفرج؟ وهو قول مالك أم لا؟ وعلى الحنث لو كفر وقال: أردت يمين الإيلاء ففي تصديقه قولان.

стр. 2188

فإن ادعى نية في الفرج فله نيته، وإن قامت عليه البينة لأن نيته مطابقة لظاهر لفظه، إلا أن تفهم البينة على أنه أراد الاجتناب، فلا تقبل نيته حينئذ، وروى أصبغ عن ابن القاسم إذا وطئ المولي دون الفرج، وقال: نويت الفرج لم يحنث وبقي مولياً لحاله، وإن قال: لا نية لي حنث ولزمته الكفارة، فإن كفر سقط عنه الإيلاء، وإن لم يكفر بقي مولياً لأنه يتهم أن يكون نوى الفرج وكذب في قوله: لم أنو شيئاً حين لم يكفر وأراد سقوط الإيلاء عنه. وفي سماع أبي زيد في من قال: امرأته طالق إن وطئ فرجاً حراماً أبداً فضم جارية لامرأته إلى صدره حتى أنزل حنث، ولا أنويه أنه أراد الوطء بعينه. وفي الموازية من حلف أن لا يتسرى على امرأته فجرد جارية له ووضع يده على محاسنها وملاذها ليس بتسر. انتهى. وفسر ابن رشد ما في سماع أبي زيد من التحنيث بضم جارية امرأته، بما إذا حضرته البينة قال: وأما إن جاء مستفتياً فلا يحنث. أبو الحسن: وهو خلاف ما في الإيلاء من المدونة في قوله: أن يمينه تحمل على الاعتزال. وَيَجُوزُ عَلَى الْمَشْهُورِ لم يثبت هذا في نسختي ولا في نسخة ابن راشد ولا في أكثر النسخ، ووقعت في بعض النسخ وهو كلام مشكل، لأن ظاهر كلامه أنه عائد على الوطء بين الفخذين، فيكون التقدير ويجوز الوطء بين الفخذين على المشهور وليس كذلك فإنه لا خلاف في جوازه نقله ابن عبد السلام، والأقرب أن يكون قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) متعلقاً بصدر المسألة، أي ولا ينحل بالوطء بين الفخذين على المشهور وبين هذا ما وقع في بعض النسخ عوضاً عن قوله: (ولا ينحل بالوطء بين الفخذين، وفي حله بالوطء في غيره قولان) ووجد في بعض الحواشي المنسوبة إلى ابن الأنباري في هذا الموضع ما نصه لعله إنما أراد المظاهر

стр. 2189

منها، وهو في غاية الضعف لأنه تسليم لعدم صلاحية هذا الكلام لهذا الموضع، ولأن المشهور في المظاهر منها خلاف هذا كما سيأتي. وَفِي الْمُحَرَّمِ: قَوْلانِ أي: وفي انحلال الإيلاء بالوطء المحرم، كما لو وطئها حائضاً أو محرمة أو في نهار رمضان. وأجراها اللَّخْمِيّ وغيره على الخلاف في [٣٧٩/أ] الإحلال والإحصان بذلك. وَفِي كِتَابِ الرَّجْمِ: لَوْ جَامَعَ فِي الدُّبُرِ انْحَلَّ الِإيلاءُ إِلا أَنْ يَكُونَ نَوَى الْقُبُلَ، وَلَمْ يُقِرَّهُ سَحْنُونٌ ... تصور المسألة واضح، وقوله: (وَلَمْ يُقِرَّهُ) أي لم يقره في المدونة وطرحه وهكذا قال الشيخ أبو محمد وابن يونس أن سحنوناً طرحه ولم يقره. وفي بعض النسخ ولم يقرأه سحنون، والأول أحسن لأنه لا يلزم من عدم القراءة الطرح. ولعل سحنوناً إنما طرح هذه المسألة لأنها توهم إباحة الوطء في الدبر وهو محرم، أو لأنها مخالفة لما في كتاب الإيلاء؛ لأنه لا فرق بين الوطء في الدبر والوطء بين الفخذين بالنسبة إلى الزوجة. خليل: ويمكن أن يقال أن مراد مالك بانحلال الإيلاء هنا إذا جاء مستفتياً لأن يمينه تحمل على الاعتزال، وإذا حنث في يمينه لم يبق مولياً. وَالتَّكْفِيرُ وَتَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ بَعْدَ الْوُقُوفُ وَقَبْلَهُ يَنْحَلُّ بِهِ الإِيلاءُ لما انقضى كلامه على الفيئة أتبع ذلك بما يقوم مقامها وذلك نوعان: النوع الأول: التكفير، أي في اليمين بالله قبل الوقوف أو بعده ينحل به الإيلاء، وهذا هو المشهور. وقال أَشْهَب: لا ينحل الإيلاء بالكفارة قبل الحنث، إذ لعله كفَّر عن يمين سبقت، وهذا الخلاف مبنيٌ على الخلاف في تقديم الكفارة قبل الحنث، ولأنه يتهم على قول أَشْهَب أن يكون قصد يميناً أخرى.

стр. 2190

النوع الثاني: تعجيل الحنث في المحلوف به كما لو أعتق العبد المحلوف بعتقه. قال في البيان: ولا خلاف في هذا؛ لأنه لا بقاء ليمين بعد ذلك. وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِي الْفَيْئَةِ كَالاعْتِرَاضِ يعني: في دعواه الفيئة قال في المدونة: مع يمينه، فإن نكل حلفت هي تطلق عليه إن شاءت. والمشهور أن القول قوله بكراً كانت أو ثيباً، وقيل: القول قولها إن كانت بكراً. وهذا الخلاف يؤخذ من تشبيه المصنف بالاعتراض، فإذا كان القول قوله في الفيئة، ففي الكفارة أحرى، إلا أن يقال أن الوطء يتعذر إقامة البينة عليه بخلاف الكفارة. فَلَو ْكَانَ مَرِيضاً أَوْ مَحْبُوسَاً أَوْ غَائِباً- فَتَكْفِيرُ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ إِنْ كَانَتْ مِمَّا تُكَفَّرُ قَبْلَ الْحِنْثِ كَالْيَمِينِ بِاللهِ أَوْ تَعْجِيلِ الْحِنْثِ- كَعِتْقِ الْعَبْدِ، وَإِبَانَةِ الزَّوْجَةِ الْمَحْلُوفِ بِهما- فَإِنْ أَبَوْا طَلَّقَ عَلَيْهِمْ، وفِي عِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ: قَوْلانِ ... هذا تقسيم للفيئة وذلك لأن المولي إن كان الوطء ممكناً منه فالفيئة في حقه ما تقدم، وإن لم يمكنه الوطء كالمريض والمحبوس والغائب فتكفير اليمين على المشهور، وهو خبر المبتدأ؛ أي ففيئته تكفير اليمين على المشهور، أو مبتدأ وخبره محذوف. والشاذ يحتمل أنه يريد به ما تقدم لأشهب في الكفارة، على ما تقدم فإنه منصوص هنا، فيكون الشاذ على هذا أضيق من المشهور، ويحتمل أن يريد بما ذكره عن سحنون. وهو قوله (وقال سحنون: الأكثر أن الوعد كاف إلى أن يمكنهم، فيكون الشاذ أوسع من المشهور وهذا هو الظاهر لعمومه ولأنه المصرح به في كلامه. واستقرأ اللَّخْمِيّ من المشهور أن المسجون لا تدخل عليه زوجته في السجن، ولو كان ابن عبد الحكم قال: يجوز دخولها، وتصور قوله: أو تعجيل الحنث ظاهر، وهو يؤخذ من كلامه السابق،

стр. 2191

والضمير في قوله: (أَبَوْا) عائد على المريض والمحبوس والغائب وقوله: (طَلَّقَ عَلَيْهِمْ) أي إذا أبوا من التكفير وتعجيل الحنث، وقوله: (بِهمَا)، عائد على العبد والزوجة. وقوله: (وفِي عِتْقٍ غَيْرِ مُعَيَّنٍ: قَوْلانِ) أي وفي إجزاء العتق غير المعين قولان، وقد تقدما وتقدم الكلام عليهما عندما ذكر المصنف المسألة في باب الأيمان، وذكرنا أن المشهور عدم الإجزاء. وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا لا يُكَفَّرُ قَبْلَهُ- كَصَوْمٍ لَمْ يَاتِ أَوْ بِمَا لا يَنْفَعُ تَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِيهِ كَطَلاقٍ فِيهِ رَجْعَةٌ فِيهَا أَوْ فِي غَيْرِهَا- فَالْفَيْئَةُ الْوَعْدُ ... أي: (وَإِنْ كَانَتْ) اليمين (مِمَّا لا يُكَفَّرُ) قبل الحنث ولم يمكنه الوطء إن كان مريضاً أو محبوساً كما تقدم (فَالْفَيْئَةُ الْوَعْدُ). ابن راشد: ولا خلاف فيه، ومثل ذلك بما إذا حلف بصوم (لَمْ يَاتِ) زمانُه، و (بِمَا لا يَنْفَعُ تَعْجِيلُ الْحِنْثِ فِيهِ) وهو ظاهر لأنه إذا قال: إن وطئتها ففلانة طالقة، فلا فائدة في تطلقة فلانة؛ لأنه إذا طلقها طلقة رجعية فاليمين منعقدة، وكذلك أيضاً إذا قال: إن وطئتك فأنت طالق، ثم قيل له: عجل هذه الطلقة، فله أن يقول: لا فائدة في هذا التعجيل، وليست هذه المسألة هي التي قدمها المصنف، أعني قوله: (ولو قال لغير المدخول بها أو غيرها: إن وطئتك فأنت طالق، وقع بأوله طلقة رجعية وبقيته ارتجاع فينويه) كما قال ابن عبد السلام: لأ، الأولى إنما أتى بها لإفادة أنه يمكن من الوطء وأنه تقع عليه طلقة بالوطء فينوي الرجعة ببقية الوطء وهذه إنما أتى بها لإفادة أن تعجيل الطَّلاق لا يفيد. قال في البيان: وكذلك لو حلف بصيام أو صدقة أو مشي أو صدقة شيء بغير عينه فلا خلاف أنه لا ينحل عقد اليمين ولا يرتفع عنه الإيلاء بالصيام ولا بالمشي [٣٧٩/ب] ولا بالصدقة إن فعل ذلك قبل الحنث وإن نوى بذلك حل اليمين عنه، وأن عليه أن يفعل ذلك مرة أخرى إن حنث، وعلى هذا فكفارته أيضاً بالوعد.

стр. 2192

وَيُبْعَثُ إِلَى الْغَائِبِ وَلَوْ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ نحوه في المدونة. الباجي: فجعل الشهرين في حد القرب، وهو مقيد بما إذا علم مكانه، وإن لم يعلم فالحكم فيه كالمفقود. قال في البيان: وقال ابن الماجشون: لا يعذر بالغيبة وتطلق كانت يمينه مما يقدر علي حلها بالكفارة أم لا وزاد غيره في قوله: وسواء عنده قربت غيبته أو بعدت، وكذلك في السليمانية أنها تطلق عليه وإن خرج حاجاً أو غازياً، ويفهم من قوله: (وَلَوْ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ) أنه لو كان أكثر من ذلك لطلق عليه، وهو مفهوم المدونة، لكن صاحب اللباب جعل القريب بما تبلغه فيه المكاتبة فإنه قال: وإن كان بموضع تبلغ فيه المكاتبة بعث إليه، وإن كان بموضوع لا تبلغه أو تبلغه ويتعذر إتيانها ومعرفتها أو معرفة من ينقل الشهادة عنه، كان لها أن تقوَّم بالفراق؛ لأن محله في مقامه على الاختيار حتى يثبت أنه ممنوع فيكون حينئذ كالأسير. فرع: اختلف إذا أراد السفر قبل أجل الإيلاء وتقوم به امرأته، فقال ابن القاسم: يمنعه السلطان حتى يحلّ الأجل فيفيء أو يطلق عليه فإن أبى إلا السفر أعلمه أنه يطلق عليه إذا حلَّ الأجل. وقال ابن كنانة: إن كان منكراً للإيلاء منع من السفر حتى يتحاكم مع امرأته وإ، كان مقراً أطلق له السفر، فإذا حلَّ الأجل طلق عليه. وقال سحنون: يقال له إما أقمت وإما وكلت من يفيء أو يطلق فإن قال: أفيء، قيل له: كفِّر.

стр. 2193

وَقَالَ سَحْنُونٌ: الأَكْثَرُ أَنَّ الْوَعْدَ كَافٍ إِلَى أَنْ يُمْكِنَهُمْ الوطء فَإِنْ لَمْ يَطَؤُوا طُلِّقَ عَلَيْهِمْ ... قد تقدم أن هذا هو مقابل المشهور ونصه في التهذيب وقد قال ابن القاسم في يمينهم بالله: إن فاؤا بألسنتهم أجزأهم. سحنون: وهذه الرواية أصح من كل ما كان من هذا الصنف على غير هذا وعليه أكثر الرواة. ابن القاسم: وأكثر الأصحاب: إذا أمكنهم من الوطء فلم يطأوا طلق عليهم. أبو الحسن: وقوله من هذا الصنف، أي أسماء الله تعالى وصفاته، والنذر الذي لا مخرج له. انظر كيف جعل المصنف هذا القول شاذاً مع أنه قول ابن القاسم وأكثر الأصحاب وصححه سحنون. فَلَوْ رَضِيَتْ لَكَانَ لَهَا الْعَوْدُ كَالاعْتِرَاضِ والإِعْسَارِ بِخِلافِ الْعُنَّةِ يعني: إذا رضيت بإسقاط حقها في الفيئة ثم أرادت الإيقاف فلها ذلك من غير استئناف أجل كالتي بالمعترض أو المعسر ثم تقوم لأنها تقول: رجوت علاجه وزوال اعتراضه وعسره، بخلاف ما إذا رضيت بالعنين أي بذي الذكر الصغير، وظاهر كلام المصنف أن لها الإيقاف من غير يمين لسكوته عنها ونحوه لمالك. وقال أصبغ: تحلف ما كان تركها على التأبيد إلا لتنظر ثم تطلق مكانه دون أجل. الباجي: وهذا الذي قاله أصبغ مخالف لقول مالك، لأن الصبر على الضرر لا يلزم الزوجة إذا كانت ممن يثبت لها الخيار كالرضى بالأثرة. وَلا مُطَالَبَةَ لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ والْمَجْنُونَةِ بِخِلافِ سَيِّدِ الأَمَةِ، وَلَوْ رَضِيَتْ يعني: إذا رضيت الصغيرة أو السفيهة أو المجنونة بترك الوطء فلا يكون لوليهن الإيقاف، سواء كان أبا أو غيره لأن نظر الولي خاص بالمال، ويفهم من قوله: (لا مُطَالَبَةَ

стр. 2194

لِوَلِيِّ الصَّغِيرَةِ) أن لولي الصغيرة المطالبة لكن بشرط أن تبلغ حد الوطء وإن لم تبلغ ذلك فلا كلام لها، قاله اللَّخْمِيّ. وقوله: (بِخِلافِ سَيِّدِ الأَمَةِ) أي فإن له إيقاف الزوج ولو رضيت الأمة بترك الوطء لأ، للسّيد حقاً في الوطء فلا يكون للأمة إسقاطه. وَلا مُطَالَبَةَ لِمُمْتَنِعٍ وَطِئَهَا لرتَقٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ حَيْضٍ يعني: أنه لا مطالبة للمرأة بالفيئة إذا امتنع وطئها لمانع سواء كان المانع عقلياً كالرتق، أو عادياً كالمرض، أو شرعياً كالحيض فإن قلت: كلامه هنا مناقض لما في اللعان بالنسبة إلى الحيض لقوله: ويؤخر لعانهما معاً، وفي المختصر: لعانها للحيض والنفاس كما يؤخر طلاقها للإعسار والعنة بخلاف الإيلاء. وروى أشهب: والإيلاء؛ فقوله: بخلاف الإيلاء، فإنه يقدم طلاق المولي في الحيض، والتطليق عليه حالة الحيض يقتضي أن يكون مطالباً للفيئة في تلك الحالة، قيل: لا يبعد أن تكون الفيئة على هذا القول بالوعد كما في نظائر المسألة، حيث تتعذر الفيئة بالوطء ويكون التطليق عليه إنما هو إذا امتنع من الوعد والله أعلم. وَتَتِمُّ رَجْعَتُهُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِنِ انْحَلَّتِ الْيَمِينُ فِي الْعِدَّةِ بِوَطْءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلٍ أَوْ تَعْجِيل حَنِثَ كَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ وطلاقٍ بَائِنٍ، بِخِلافِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ ونَحْوِهِ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ تَعَالَى وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَلذَلِكَ يَتَوَارَثَانِ، وَتَجِبُ النَّفَقَةُ لأَنَّهَا لَمْ تَبِنْ ... اعلم أنّ كل طلاق يوقعه الحاكم فهو بائن إلا طلاقين: طلاق المولي وطلاق المعسر بالنفقة. [٣٨٠/أ] ثم إن الرجعة في المولي مشترطة بانحلال اليمين في العدة؛ لأنه إنما طلق عليه للضرر اللاحق لها بترك الجماع بسبب اليمين، فلو عادت إليه بدون الانحلال لبقي

стр. 2195

ذلك الضرر على حاله، واختلف إذا رضيت الزوجة بالرجعة لعدم الإصابة هل تصح- وإليه ذهب ابن القاسم ومطرف وابن الماجشون- أو لا تصح وإليه ذهب سحنون. ثم بين المصنف ما تنحل به اليمين فقال: (بِوَطْءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ انْقِضَاءِ أَجَلٍ) الإيلاء. وقوله: (أَوْ تَعْجِيل حَنِثَ كَعِتْقٍ مُعَيَّنٍ) ظاهر التصور. وقوله: (بِخِلافِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ) فإن حكم الإيلاء باق عليه كما تقدم وقوله: (ونَحْوِهِ) أي من المباشرة ويحتمل أن يريد بـ (ونَحْوِهِ) الوطء المحرم على الخلاف المتقدم. وقوله: (إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ وَنَحْوِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى قوله: (أَوْ كَفَّارَةٍ) أي إنما تجري الكفارة إذا كانت اليمين بالله ونحوه على المشهور. (ونَحْوِهِ إِذَا كَانَتِ الْيَمِينُ بِاللهِ) يحتمل أني ريد به النذر المبهم، فإنه فيه كفارة يمين ويحتمل أن يريد به صفاته وهو الأقرب، وإلا لقال: ونحوها، ولا يصح أن يريد بالنحو العتق غير المعين. فإن المشهور فيه أنه لا تنحل به اليمين كما تقدم. ولو قال: وتتم رجعته بما ينحل به اليمين وفاقاً وخلافاً، لكان أخصر. وقوله: (وَلذَلِكَ) أي ولو كان الطَّلاق رجعياً (يَتَوَارَثَانِ) وهو ظاهر وقوله: وروي عن مالك في كتاب ابن شعبان أنه لا نفقة عليه حتى يرتجع وهو خلاف نص المدونة. فَإِنْ لَمْ تَنْحَلَّ فِيهَا أُلْغِيَتْ رَجْعَتُهُ وَبَانَتْ وَحَلَّتْ مَا لَمْ يَكُنْ خَلا بِهَا فَإِنَّهَا لا تَنْحَلُّ بَعْدَ رَجْعَتِهِ فَتَاتَنِفُ الْعِدَّةَ ثُمَّ لا رَجْعَةَ لَهُ بِخِلافِ الْمَعْذُورِ بِمَرَضٍ وَنَحْوِهِ إِلا أَنْ يُمْكِنَهُ الْوَطْءُ فَيَمْتَنِع .... ابن عبد السلام: الضمير في (تَنْحَلَّ) عائد على اليمين. وقوله: (فِيهَا) أي العدة. (أُلْغِيَتْ رَجْعَتُهُ) أي قدرت كالعدم، وفي المدونة: وإذا طلق على المولي وقد بنى فله الرجعة في بقية العدة بالقول، ويتوارثان ما لم تنقض، فإن ارتجعها بالقول فواسع له أن

стр. 2196

يخلَّى وإياها؛ فإن لم يطأ حتى دخلت في أول دم الحيض الثالثة حلت ولم تكن تلك الرجعة إلا المعذور بمرض أو سفر أو سجن فرجعته رجعة بالقول فإذا أمكنه الوطء بعد العدة فلم يطأ فرق بينهما واجزأته العدة الأولى إلا أن يكون خلا بها وأقر أنه لم يطأ فلتأنف العدة ولا تكون له عليها رجعة في هذه العدة المؤتنفة لأنه أقر أنه لم يطأ. وضعف في سماع أَشْهَب وجوب العدة عليها للأزواج بسبب الخلوة ورأى التهمة عليها في ذلك بعيدة، وقال في العتبية: كل طلاقٍ رجعي إذا ارتجع انقضت العدة واستؤنفت إلى المولي وحده. وَلا رَجْعَةَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُول بِهَا إذا طلق عليه بالإيلاء غير المدخول بها فلا رجعة له وهو ظاهر. وَلا يَنْتَقِلُ الْعَبْدُ إِلَى أَجَلِ الْحُرِّ إِذْ عَتَقَ بَعْدَ أَنْ آلَى كَمَا لا تَنْتَقِلُ الأَمَةُ إِذَا عُتِقَتْ فِي الْعِدَّةِ الرَّجْعَيَّةِ وَغَيْرِهَا إِلَى عِدَّةِ الْحُرَّةِ ... قد تقدم أن أجل العبد في الإيلاء شهران فإذا ضرب له ذلك ثم عتق لم ينتقل إلى أجل الحر كما لو زنا ثم عتق مكانه فإنه لا ينتقل إلى حد الحر لأن المعتبر حال الصدور. وقوله: (كَمَا لا تَنْتَقِلُ ... إلى آخره) ظاهر التصور.

стр. 2197

الظِّهَارُ تَشْبِيهُ مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمَنْ يَحْرُمُ الجوهري: الظهار قول الرجل لامرأته: أنتِ عليَّ كظهر أمي. عياض: وهو مأخوذ من الظهر، وكنى به عن المجامعة؛ لأن المرأة تركب كما يركب ظهر المركوب، لاسيما وعادة كثير العرب وغيرهم المجامعة على حرف من جهة الظهر ويستقبحون سواه ذهاباً منهم إلى التستر والحياء ألا تجمع الوجوه حينئذٍ ولا يطلع على العورات، وهي كانت سيرة الأنصار حتى نزل: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَاتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٣] على إحدى الروايتين في سبب نزولها، واعلم أن الظهار كان في الجاهلية وأول الإسلام طلاقاً حتى أتت خولة بنت ثعلبة على ما رواه أبو داود في سننه وغيره تشكو زوجها إلى النبي ﷺ وتقول: ظاهر مني زوجي أوس بن الصامت. وجادلت النبي ﷺ ، واختلفت الأحاديث في نص المجادلة، حتى أنزل الله قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ [المجادلة: ٢] إلى آخرها. عبد الوهاب: والظاهر محرم للكذب كما أخبر الله ، فقال: ﴿مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ﴾ لنصه في الآية على أنه منكر وزور ولقوله في آخر الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ﴾. الشيخ أبو إسحاق: ويؤدب من ظاهر لقوله المنكر والزور. مالك في المبسوط: والظهار يمين تكفر. الباجي: وفي المدونة إن مطلق الظهار ليس بيمين، وإنما يكون يميناً إذا قال: إن فعلتْ كذا، فإنها عليَّ كظهر أمي. وحد المصنف الظهار بقوله: (تَشْبِيهُ مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا بِمَنْ يَحْرُمُ) ودخل في قوله: (مَنْ يَجُوزُ) الأمة والزوجة، [٣٨٠/ب] وشمل قوله: (مَنْ يَحْرُمُ) المحرمة على التأبيد كالأم ونحوها، والمحرمة لا على التأبيد وهي الأجنبية، ومراده بقوله: (مَنْ يَجُوزُ وَطْؤُهَا) من الأصل جواز وطئها وإن كان يعرض لها عدم الجواز كما إذا حاضت الزوجة

стр. 2198

أو الأمة أو أحرمتا أو صامتا في واجب، وبهذا يسقط اعتراض من قال: هذا الرسم غير جامع لخروج الزوجة الحائض منه إذا قال لها: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فإنه ظهار وهو تشبيه من يجوز وطؤها بمن يحرم، وغير مانع؛ لأنه يدخل فيه ما إذا قال لإحدى زوجتيه: أنتِ عليَّ كظهر زوجتي الأخرى، وهي حائض فإنه يصدق عليه الحد الذي قاله المصنف، وإنه ليس بظهار. فَيَصِحُّ ظِهَارُ السَّيِّدِ فِي الأَمَةِ لا مَالِكَ جُزْءٍ مِنْهَا وَلا الْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ فَيَصِحُّ ظِهَارُ الْمُدَبَّرَةِ، وَأُمِّ الْوَلَدِ، وَالرَّجْعِيَّةِ، وَالصَّغِيرَةِ، وَالْحَائِضِ، وَالْمُحْرِمَةِ، وَالْكَافِرَةِ لما ذكر رسم المظاهر ذكر هذه الجملة بياناً له، ولذلك أتى بالفاء المشعرة بالسببية؛ أي فلأجل أن الظهار تشبيه من يجوز وطؤها بمن يحرم صح الظهار من الأمة؛ لأنها ممن يجوز وطؤها، وهذا مذهبنا، وقال الشافعي ﵁: لا يصح الظهار من الأمة، ومنشأ الخلاف هل تدخل في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾، ولاشك أنها من النساء لغة؛ لكن العرف يخصص هذا اللفظ بالزوجات. وقوله: (لا مَالِكَ جُزْءٍ مِنْهَا وَلا الْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ) لأن وطأهما غير جائز وتشاركهما المكاتبة، وصح الظهار من المدبرة وأم الولد؛ لأن وطأهما جائز. وقول: (وَالرَّجْعِيَّةِ)؛ لأنها وإن كانت محرمة فالتحريم لعارض رفعه بيده، ولو قيل: إن ظهاره منها قرينة في الارتجاع، ما بعد، كما قالوا في إسلام المجوسي على أكثر من أربع، وقوله: (وَالصَّغِيرَةِ، وَالْحَائِضِ، وَالْمُحْرِمَةِ) نحوه في المدونة. وقال: (وَالْكَافِرَةِ) ولم يقل الكتابية كابن شاس؛ ليشمل المجوسية إذا أسلم زوجها المجوسي ثم ظاهر منها بقرب إسلامه ثم أسلمت، فإن ذلك يلزمه قاله في المدونة. وقال أشهب: لا يلزمه، وعلله ابن يونس بأنها حينئذٍ غير زوجة.

стр. 2199

صاحب المقدمات: وهو غير صحيح؛ لأنها لو كانت غير زوجة لم ترجع إليه إلا بنكاح جديد، بل هي في ذلك الوقت زوجة إلا أن لها أن تختار فراقه باختيار دينها، وليس ذلك مما يمنع وقوع الظهار عليها، فإن الرجل لو قال: إن تزوجت عليك فأمرك بيدك ثلاثاً، فتزوج عليها ثم ظاهر منها، فإن الظاهر يلزمه، وهل خلاف؟ أشهب: إنما هو إذا عرض عليها الإسلام فأبت ثم أسلمت بالقرب، فيتفق على أنه مظاهر، أو الخلاف فيهما طريقان. وَفِي الْمُكَاتَبَةِ لَوْ عَجَزَتْ قَوْلانِ يعني: واختلف في صحة الظهار من المكاتبة في حال كتابتها ثم عجزت على قولين، والقول بأنه لا يصح لسحنون وعزي لابن القاسم ورأى في القول الآخر اللزوم؛ لأنها قبل الكتابة مباحة له وإنما منع من وطئها قبل العجز لأجل الشك، فيستصحب حال الملك إذا انكشف أمرها بالعجز، ومنشأ الخلاف هل رجوع المكاتبة إلى سيدها بالعجز كابتداء ملك أم لا؟ ومفهوم قوله: (لَوْ عَجَزَتْ) أنها لو لم تعجز لم يلزمه الظهار إلا أن ينوي إن تزوجها فيلزمه كما يلزمه في الأجنبية إذا علق ذلك على زواجها، وقال اللخمي وغيره: هذا هو المعروف. وقال بعض أصحابنا: إذا ظاهر من معتقة إلى أجل أو أمة له فيها شرك أو مكاتبة فتزوجهن بعد العتق أن ذلك الظهار يلزمه، ولا يطأ حتى يكفر. ابن يونس: وهو عندي غلط؛ لأن الله إنما ألزم الظهار فيمن يحل وطؤها وتصح فيه العودة؛ لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا﴾. قيل: والفرق على المشهور بين من ظاهر من مكاتبته ثم عجزت بقرب ظهاره أنه لا شيء عليه، وبين المجوسي يسلم على زوجته فظاهر منها ثم تسلم بالقرب أن الظهار يلزمه، والفرق أن المجوسية لم تخرج من

стр. 2200

عصمته بعد، والمكاتبة كالأجنبية، وإن كانت قد تعجز، والأجنبية قد لا تتزوجه فلا يلزمه فيها الظهار المتقدم. وَجُزْؤُهَا مِثْلُ كُلِّهَا كَالطَّلاقِ أي: وجزء المظاهر منها مثل كلها في لزوم الظهار، فإذا قال: يدك عليَّ كظهر أمي، لزمه الظهار. وقوله: (كَالطَّلاقِ)، يحتمل معنيين، أحدهما: الاحتجاج على الشافعي؛ لأنه وافق على التطليق بالجزء، وخالف هنا في أحد قوليه. وثانيهما: الإشارة إلى أنه ليس كل جزء يلزمه به الظهار، بل هو كالطلاق، فيتفق على الظهار إن شبه بيدها أو رجلها، ويختلف في الشعر والكلام كما تقدم، وهكذا في المقدمات أنه يختلف في الشعر والكلام هنا كالطلاق، وهذا هو الأقرب؛ لأن المصنف لم يذكر مذهب الشافعي، ولأنه ليس من عادته الاحتجاج على المخالف، وليس هو مطلوباً منه، وإنما المطلوب منه معرفة الحكم، والله أعلم. وَشَرْطُ الْمَظَاهِرِ أَنْ يَكُونَ مُسْلِماً بَالِغاً عَاقِلاً وَيصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ ذكر للمظاهر ثلاثة شروط، وقوله: (مُسْلِماً) صفة لمحذوف تقديره [٣٨١/أ] أن يكون زوجاً مسلماً أو سيداً، واحترز من الذمي فإنه لا يصح ظهاره هنا عندنا وإن أسلم، وحكى عن المغيرة أنه يلزم الذمي نذره وطلاقه في حال الكفر؛ أعني إذا أسلم فخرج على قوله لزوم الظهار، واحترز بالعاقل من المجنون، وبالبالغ من الصغيرن والمشهور أن المراهق لا يلحق بالبالغ. وعن ابن كنانة: إن حلف قبل البلوغ ثم حنث بعده، أنه تلزمه الكفارة، فأخذ منه بعضهم لزوم الظهار للصغير إذا تأخر النظر له حتى بلغ، وعن أشهب مثله، وتأول بعضهم قول ابن كنانة أنه في المراهق، وأخذ من قوله: (وَشَرْطُ الْمَظَاهِرِ أَنْ يَكُونَ

стр. 2201

مُسْلِماً ... إلخ) أن المرأة لو ظاهرت من زوجها تلزمها الكفارة، وهو صحيح، وقد نص في المدونة على ذلك ابن المواز، ولو كان ملَّكها الطلاق. وقوله: (وَيصِحُّ ظِهَارُ الْعَبْدِ) لتوفر الشروط فيه. اللخمي: ويصح منه الطلاق ولو كان ممنوعاً من المال كالسفيه والعبد ولا خلاف في ذلك. وَظِهَارُ السَّكْرَانِ كَطَلاقِهِ أي: فيلزمه على المشهور، وقد تقدم الكلام على حكمه في الطلاق. وَيَصِحُّ ظِهَارُ الْعَاجِزِ عَنِ الْوَطْءِ لِمَانِعٍ فِيهِ أَوْ فِيهَا؛ كَالْمَجْبُوبِ وَالرَّتْقَاءِ، وَقَالَ سُحْنُونُ: لا يَصِحُّ ... القول الذي قدمه المصنف في الرتقاء هو مذهب المدونة، وأما المجبوب وفي معناه الخصي والمعترض والشيخ الفاني فما قدمه المصنف فيه هو مذهب العراقيين، وبالثاني قال أصبغ. ابن عبد السلام: واختلف الشيوخ فيما تدل عليه المدونة، وفهم اللخمي المدونة على الثاني، فإنه لما نقل عن سحنون وعلي بن زياد عدم صحة ظهار من ذكر، قال: وهذا قول مالك في المدونة؛ لقوله: لأن القبلة لا تدعو إلى خير. وخرج على هذا الاختلاف إذا قال: قُبْلَتُكِ عليَّ أو مضاجعتك عليَّ كظهر أمي، هل يلزمه الظهار أم لا؟ عياض: وما تأوله اللخمي خلاف المعروف من المذهب، فإن المقدر من مذهب مالك عند أئمتنا البغداديين وغيرهم أن جميع أنواع الاستمتاع محرم عليه، قاله محمد والأبهري وابن نصر وغيرهم. وحكى الباجي أنه اختلف في تأويل منعه ذلك في الكتب وغيره على وجهين: الأول للقاضي أبي محمد: أنه محمول على الوجوب، والثاني لعبد الملك في المبسوط: أنه محمول على الكراهة؛ للتغرير للجماع الذي لا يحل. لكن ما خرجه اللخمي

стр. 2202

قول صحيح في المذهب وعليه يأتي قول علي بن زياد وسحنون في المجبوب والمعترض والشيخ الفاني أنه لا يلزمهم الظهار. انتهى. وما قاله اللخمي هو متمسك من تأوُّل المدونة على الموافقة لسحنون، وتمسك الآخرون بإلزامه الظهار من الصغيرة، ولم يفصل بين من بلغت حد الاستمتاع وغيرها وبإلزامه الظهار من الرتقاء. وَعَلَيْهُمَا خِلافُ الاسْتِمْتَاعِ أي: وعلى المشهور، وقول سحنون: يجري على الخلاف هل يجوز الاستمتاع بالمظاهَر منها فيما عدا الفرج؟ فعلى صحة الظهار من المجبوب والرتقاء يمنع الاستمتاع، ففرع على الخلاف المتقدم الذي ذكره الباجي العكس؛ لأنه لما حكى عن سحنون أن الظهار لا يلزم الخصي والعنين والمجبوب والشيخ الفاني، قال: عندي مبني على أن الظهار لا يحرم الاستمتاع بغير الوطء. وقد اختلف أصحابنا في ذلك، فإن قلنا أن الظهار يحرم الاستمتاع كما يحرم الوطء، وهو ممكن من جميعهم، وجب أن يلزمهم الظهار، وإن قلنا أنه ليس بحرام لنفسه، وإنما هو ممنوع لئلا يكون داعية إلى الجماع، فإنه لا يصح الظهار من المجبوب ولا الخصي ولا العنين؛ لأن الجماع لا يتأتى منهم، ونحوه لصاحب المقدمات. وكلام المصنف يقتضي أنه على قول سحنون يجوز الاستمتاع بالمظاهَر منها من غير كراهة، والذي في البيان والمقدمات: اختلف في قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ فجعله أكثر أهل العلم على عمومه أنه لا يطأ ولا يقبل ولا يباشر، وهو مذهب مالك، وقال الحسن وعطاء والزهري: المراد الوطء خاصة، فللمظاهر أن يقبل ويباشر ويطأ في غير الفرج، واختلف الذين حملوا الآية على عمومها إن قبل وباشر في خلال الكفارة، فقال أصبغ وسحنون: يستغفر الله ولا شيء عليه، وقال مطرف: يبتدئ الكفارة.

стр. 2203

والامتناع على قول مطرف في مقدمات الوطء واجب، وعلى قول أصبغ وسحنون مستحب، والظاهر من قول مالك التحريم كقول مطرف؛ لأنه قال: يجب على المرأة أن تمنعه نفسها وإن رفعته إلى الإمام حال بينه وبينها وقال عبد الملك له أن يقبل ويباشر وينظر إلى الشعر والصدر والمحاسن؛ نقله ابن راشد. وَعَلَى الْمَشْهُورِ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُظَاهِرُ مَعَهَا إِنْ أُمِنَ عَلَيْهَا أي: وعلى المشهور من عدم جواز الاستمتاع بالمظاهَر منها، وصحة ظهار الخصي ونحوه، يجوز أن يكون المظاهر معها، قال في المدونة: ويجوز أن يكون معها في بيت، ويدخل عليها بلا إذن إذا كان تؤمن ناحيته، فتجوز المساكنة معها، وزاد في العتبية الخدمة بشرط الاستتار. قال في المدونة: ولا ينظر إلى صدرها ولا إلى شعرها حتى يكفِّر، وجائز أن ينظر إلى وجهها. [٣٨١/ب] وفي الجلاب: ولا بأس أن ينظر إلى الرأس والوجه والقدمين وسائر الأطراف. قال مالك في العتبية: له النظر إلى شعرها. وأشار عياض إلى أن إجازة النظر مشروطة بأن لا يقصد بذلك اللذة، وأما إن قصدهابه فهو ممنوع كالمباشرة، قال: وعلى هذا فتكون القبلة وما في معناها ممنوعة على الإطلاق، والنظر ممنوع إذا قصد به اللذة، قال: ولو أخذ من المدونة قولاً آخر أنه يجوز النظر إلى شعرها وصدرها، من إجازته أن يدخل عليها بغير إذن ما بَعُد؛ لأن دخوله عليها بغير إذن سبب إلى أن ينظر منها ذلك. وقوله: (وَعَلَى الْمَشْهُورِ) أي وأما على مقابله فهو أولى، وإنما احتاج إلى التفريع على المشهور؛ لأنه قد يتوهم منه منع الدخول عليها، فإن قلت: فما الفرق بين المظاهَر منها، فإنكم أجزتم الدخول عليها والنظر إليها، وبين الرجعية، فإن الذي رجع إليه مالك أنه لا يدخل عليها وكل منهما محرم وطؤه، قيل: لأن الرجعية منحلة العصمة، مختلة النكاح بخلاف المظاهَر منها، فإنها ثابتة العصمة صحيحة النكاح. والله أعلم.

стр. 2204

وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ حَتَّى يُكَفِّرَ فَإِنْ خَافَتْ رَفَعَتْ أَمْرَهَا إِلَى الْحَاكِمِ قال في المدونة: ويجب عليها أن تمنعه من نفسها فإن خشيت منه على نفسها، رفعت ذلك إلى الإمام فيمنعه من وطئها، ويؤدبه إن أراد ذلك. وقد تقدم قوله في البيان: إن ظاهر هذا يقتضي تحريم الاستمتاع، وأن الإمام يحول بينه وبينها، فقول المصنف: (وَيَجِبُ عَلَيْهَا أَنْ تَمْنَعَهُ) أي من الوطء ومقدماته، لا من الوطء فقط. وَفِي تَنْجِيزِهِ فِيمَا يُنْجَزُ فِيهِ الطَّلاقُ- مِثْلَ بَعْدَ سَنَةٍ- قَوْلانِ اعلم أن المصنف أشار إلى المسألتين، الأولى: إذا قال لزوجته: أنت عليَّ كظهر أمي بعد سنة، أو بعد شهر أو نحو ذلك. فهل يتنجز الظهار عليه من الآن كالطلاق وهو المشهور، أو لا؟ والفرق على هذا القول بين الطلاق والظهار: أن الظهار يرتفع بالكفارة، فلم يشبه نكاح المتعة بخلاف الطلاق، وظاهر كلامه أن الشاذ منصوص، وبذلك صرح في الجواهر. وقال ابن عبد السلام: هو مخرج من الشاذ في الثانية، وهو إذا قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، مثلاً ولم يعد حتى انقضت السنة، فهل يتأبد الظهار عليه حتى يكفر، وهو المشهور، بمنزلة ما لو قال لها: أنت طالق سنة، أو لا يتأبد عليه وينقطع عنه الظهار بمضي السنة، وهو قول مالك في كتاب ابن شعبان؟ ولو قال المصنف: (وفي تنجيزه فيما ينجز فيه الطلاق، وتعميمه فيما يتعمم فيه الطلاق قولان) لكان أحسن؛ لأن قوله: (فِي تَنْجِيزِهِ) إنما يتناول الصورة الأولى فقط، ولعل المصنف لما رأى أن الصورتين يشتركان في المعنى، وهو أن الظهار هل يتغير بزمان أم لا؟ اكتفى بالتمثيل.

стр. 2205

وَلَوْ قَالَ: إِنْ لَمْ أَتَزَوَّجْ عَلَيْكِ فَإِنَّمَا يَلْزَمُ عِنْدَ الإِيَاسِ أَوِ الْعَزِيمَةِ يعني: إذا قال: إن لم أتزوج عليك فأنت عليَّ كظهر أمي، فلا يكون مظاهراً إلا بالإياس أو العزيمة على ترك التزويج، وزاد ابن شاس إلا أن ينوي مدة معينة، فيحنث بمضيها، ولم يتعرض المصنف لكونه هل يمنع من الوطء أي الطلاق، أو لا؟ ونص الباجي على أن الظهار كالطلاق، وأنه يحرم عليه الوطء، إذا كانت يمينه على حنث، ويدخل عليه الإيلاء، ويضرب له الأجل من يوم الرفع، والإياس يتحقق عليه إذا مات المحلوف عليها المعينة. وهل يتحقق بعلو سنه إذا كانت المرأة غير معينة؟ فيه نظر. وقوله: (أَوِ الْعَزِيمَةِ) ابن راشد: جعل العزم على الترك كالترك، ومن هنا أفتى شيخنا القرافي بالحنث في من قال لامرأته: إن لم أدخل الدار فأنتِ طالق، ثم عزم على ترك الدخول، وقول ابن عبد السلام: إن ظاهر كلام المصنف أنه لا يمنع من الوطء ليس بظاهر؛ لأن كلام المصنف ليس فيه تعرض لجوز ولا لعدمه. وَإِذَا عَلَّقَهُ لَمْ يَصِحَّ تَقْدِيمُ الكَفَّارَةِ قَبْلَ لُزُومِهِ يعني: إذا علق الظهار بأن قال: إن كلمتُ فلاناً فأنتِ عليَّ كظهر أمي، لم يصح له أن يكفر قبل أن يكلم فلاناً؛ لأن الظهار إلى الآن لم ينعقد عليه، ولهذا لا يصح أن يتخرج في هذه المسألة الخلاف الذي في كفارة اليمين قبل الحنث؛ لأن اليمين هناك انعقدت، ولأن كفارة الظهار مشروطة بالعودة، والعودة مشروطة بتقديم الظهار، قال في الجواهر: ولو قال: إن دخلت الدار فأنتِ كظهر أمي، ثم أعتق عن الظهار قبل الدخول لم يجزه، كما لو قال: إن دخلت الدار فوالله لا أكلمك، ثم أعتق قبله لم يجزه.

стр. 2206

وَإِذَا كَرَّرَهُ لَمْ يَتَعَدَّدْ وَلَوْ قَصَدَ ظِهَارَاتٍ مَا لَمْ يَنْوِ كَفَّارَاتٍ كَالْيَمِينِ بِاللهِ إِلا أَنْ يُعَلِّقَهَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ بِخِلافِ الطَّلاقِ فِي التَّكْرِيرِ، وَإِنْ عَلَّقَهَ بِمُتَّحِدٍ يعني: إذا كرر الظهار فقال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، أنتِ عليَّ كظهر أمي، لم يتعدد الظهار ولو قصد ظهارات، إلا أن ينوي كفارات، وقوله: (كَالْيَمِينِ بِاللهِ) يستفاد منه أن المسألة على ثلاثة أقسام: إن قصد التأكيد أو لم يقصد شيئاً فليس عليه إلا كفارة [٣٨٢/أ] واحدة باتفاق، وإن قصد كفارات لزمه ذلك باتفاق، وإن قصد ظهارات ولم ينوِ كفارات فنص هنا على عدم التعدد، وقد تقدم له في الأيمان قولان في اليمين بالله، ولا فرق بينهما، ثم إذا قصد كفارات فقال الشيخ أبو محمد: لا يطأ حتى يكفر ما نوى من الكفارات، وقال القابسي وأبو عمران: إن كفر واحدة جاز له الوطء، والباقي إنما هو كطعام نذره. قالا: وإن مات فأوصى بهذه الكفارات وضاق الثلث قدمت كفارة واحدة على كفارة اليمين بالله، وتقدم كفارة اليمين بالله على ما بقي؛ لأنه نذر. ابن يونس: وقول القابسي هو الصواب؛ لأن الله تعالى إنما ألزم المظاهر كفارة واحدة قبل المماسة، والزائد على ذلك التزمه المكلف فلا يغير ما قدره الشرع. ابن عبد السلام: وقد يقال: إن المكلف التزم ما بقي من الكفارة قبل المماسة، فيلزمه ما التزمه، ألا ترى أنه لو صرح فقال له: عليَّ أن أعتق رقبتين قبل أن أطأ لما جاز له الوطء إلا بعد عتقهما، فلعل هذا هو الذي فهم الشيخ أبو محمد من مراد المظاهر، وفهم غيره النذر المعلق، فكأنه قال: إن وطئتها فعليَّ كفارتان، وعلى هذا فيسئل المظاهر عن مراده، وتتفق القولان. قال: وينبغي ألا يشترط العدد فيما زاد على كفارة واحدة على مذهب القابسي. وقوله: (إِلا أَنْ يُعَلِّقَهَ بِأَشْيَاءَ مُخْتَلِفَةٍ) أي فتتكرر الكفارات بحسب ذلك، ولا ينوي كما لو قال: إن كلمت زيداً فأنت عليَّ كظهر أمي، وإن لبست الثوب فأنتِ عليَّ

стр. 2207

كظهر أمي، واتفق على هذا إذا حنث ثانياً بعد أن أخرج الكفارة الأولى، وأما قبله فاختلف، فقال المخزومي وابن الماجشون: تجزئه كفارة واحدة. اللخمي: وظاهر المدونة عليه لكل يمين كفارة، ومثله إذا لم يكفر عن يمينه حتى أوقع الظهار مجرداً عن اليمين، فعلى قول المخزومي تجزيه كفارة، وقال محمد: عليه كفارتان، وإن كان الأول ظهاراً مجرداً من اليمين، فعلى الأول تجزيه كفارة، وعلى قول محمد عليه كفارتان، وفرق أصبغ في الظهارين إذا كان أحدهما بيمين والأخرى بغير يمين، فقال: إن قدم ما كان بيمين وحنث ثم أردف ظهاراً مجرداً فعليه كفارة واحدة، وإن كان بالعكس فكفارتان، وربما نوقش المصنف في عبارته، فقيل: إنه يدخل في هذا الاستثناء ما لو قال لامرأته: أنت عليَّ كظهر أمي إن كلمت زيداً، أو أكلت الرغيف، ولبست الثوب، ويلزمه ثلاث كفارات، ألا ترى أنه يصدق عليه أنه علقه بأشياء مختلفة، مع أنه لا يلزمه عند أهل العلم إلا كفارة واحدة، ويجاب عنه بأن هذا الاستثناء من قوله وإن كرره، والمثال المذكور لا تكرار فيه. فرع: ولو أخذ في كفارة الظهار قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي، فليبتدئ الآن كفارة واحدة، وتجزئه، وقيل: بل يتم الأولى ويبتدئ في كفارة ثانية. محمد: وهو أحب إلي إذا كان لم يبقَ من الأولى إلا اليسير، وأما إن مضى يومان أو ثلاثة فليتم وتجزئه لهما جميعاً، وقال أشهب: سواء مضى أكثر الكفارة أو أقلها فإنه يجزئه أن يبتدئ الكفارة عن الظهارين إذا كانا نوعاً واحداً، مثل أن يقول: أنت عليَّ كظهر أمي، ثم يقول: وقد أخذ في الكفارة مثل ذلك، وكذلك لو كان الأول بيمين حنث فيها والثاني بغير يمين، قال: ولو كان الأول بغير يمين والثاني بيمين حنث فيها فليتم الأولى وليبتدئ كفارة ثانية للظهار الثاني.

стр. 2208

وقوله: (بِخِلافِ الطَّلاقِ فِي التَّكْرِيرِ، وَإِنْ عَلَّقَهَ بِمُتَّحِدٍ)، فـ (إِنْ) من قوله بمعنى (أو)؛ لأنها للمبالغة، وقد تقدم الفرق بين الطلاق والظهار واليمين بالله في باب الأيمان. وَكَذَلِكَ لَوْ عَادَ ثُمَّ ظَاهَرَ لَزِمَ ولأجل الفرق بين التعليق بأشياء مختلفة، فتعدد، وبين التعليق بمتفقة فلا تتعدد، لو ظاهر ثم عاد ثم ظاهر أيضاً لزمته كفارة ثانية، ولو كان ظهاره ثانياً بما ظاهر به أولاً، كما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار، وعاد ثم قال ثانياً: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار؛ لأن الأولى لما تقدرت بشرطها وهو العود صارت اليمين الثانية- وإن كانت بعين ما علقت به الأولى- مخالفةً للأولى، فصار ذلك بمنزلة ما لو قال: أنتِ عليَّ كظهر أمي إن كلمت زيداً، وأنتِ عليَّ كظهر أمي إن دخلت الدار. وَلَوْ ظَاهَرَ بِكَلِمَةٍ عَنْ أَرْبَعٍ أَجْزَأَتْهُ كَفَّارَةٌ؛ مِثْلُ: أَنْتُنَّ كَظَهْرِ أُمِّي، أَوْ إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ- بِخِلافِ مَنْ دخلت- فَهِيَ كَظَهْرِ أُمِّي ... يعني: لو قال: لزوجاته الأربع أنتن عليَّ كظهر أمي، أو قال لهن قبل أن يتزوجهن: إن تزوجتكن فأنتن عليَّ كظهر أمين لزمه الظهار في الأولى حين التكلم، وفي الثانية بشرطه، وتجزئه كفارة واحدة في الصورتين؛ لأن اليمين واحدة، وذكر ابن خويزمنداد أن عليه لكل واحدة كفارة، كالطلاق، إذا قال: أنتن طوالق. قال في المدونة: [٣٨٢/ب] ومن قال لأربع نسوة: إن تزوجتكن فأنتن عليَّ كظهر أمي، فتزوج واحدة لزمه الظهار، ولا يقربها حتى يكفر، فإن كفر وتزوج البواقي فلا شيء عليه فيهن، وإن لم يكفر ولم يطأ الأولى حتى ماتت أو فارقها سقطت عنه الكفارة، ثم إن تزوج البواقي لم يطأ واحدة منهن حتى يكفر؛ لأنه لم يحنث في يمينه بعد، وإنما يحنث بالوطء، ولو وطئ الأولى ثم ماتت أو طلقها أو لم يطلقها لزمته الكفارة، فإن تزوج البواقي فلا يقرب واحدة منهن حتى يكفر.

стр. 2209

وما ذكره في المدونة من أنه إذا تزوج واحدة يحنث، هو جارٍ على أصل المشهور في التحنيث بالبعض، ويتخرج فيها قولاً آخر: أنه لا يحنث إلا بالجميع بناءً على القول بأنه لا يحنث إلا بجميع المحلوف عليه. وقوله: (بِخِلافِ مَنْ دخلت) أي فيلزمه لكل امرأة كفارة؛ لأنه علق عنها الظهار على كل واحدة بانفرادها؛ لأن (مَنْ) من ألفاظ العموم، وكـ (مَنْ) في لزوم الكفارة لكل واحدة (أيتكن) قاله في المدونة. الباجي: وأما إن قال: كل من دخلت الدار فهي عليَّ كظهر أمي، فظاهر المذهب أنه بمنزلة: من دخلت منكن الدار فهي عليَّ كظهر أمي، رواه ابن المواز في العتبية من رواية ابن القاسم: تجزئه كفارة واحدة، فيحتمل أن يريد بذلك أن حكم كل امرأة مخالف لمن تزوجت منكن، وأنه بمنزلة قوله: (إِنْ تَزَوَّجْتُكُنَّ)؛ ويحتمل أن يريد الباب كله واحد، لا يجب في ذلك إلا كفارة واحدة، وما قدمنا أولى. انتهى. وقد يقال: بل الثاني أقرب؛ لأن لفظة (كل) للعموم، و (من) دونها في العموم، فإذا تعددت الكفارة مع (من) وحدها، فأحرى مع (كل)، لاسيما وقد دخلت على (من)، وقد يقال: بل اقتضاء (من) التعدد، أولى من (كل)؛ لأن (من) إنما كانت من ألفاظ العموم لإبهامها واشتمالها على الآحاد بغير تخصيص؛ لا أن مقتضى صيغتها كـ (كل)، فإنها بوضعها للاستغراق، فكانت كاليمين على شيء واحد، ولهذا كان المشهور فيها إذا قال: كل امرأة أتزوجها فهي عليَّ كظهر أمي، أنه لا تلزمه إلا كفارة واحدة، خلافاً لابن نافع، قال: وتتعدد أيضاً إذا قال: كل امرأة أتزوجها عليكِ، وقاله مالك في المختصر. السيوري: وهو الصواب. ولو قال: من أتزوج من النساء فهي عليَّ كظهر أمي، عليه كفارة واحدة، وانظر هل يتخرج على ما قاله اللخمي، فيما إذا قال: من دخلت منكن، قول بإجزاء كفارة واحدة. قال في الاستلحاق: وانظر لو قال: من تزوجت فهي علي كظهر أمي، ولم يقل من النساء، هل تجزئه واحدة؟

стр. 2210

تنبيه: وقع في كلام ابن يونس أن (من) في قوله: (من تزوجت منكن)، أو (من تزوجتمن النساء) للتبعيض. عياض وغيره: وليس كذلك، بل لبيان الجنس بدليل لو قال: (كل من تزوجت فهي عليَّ كظهر أمي)، لكان كذلك، وإن لم يقل: من النساء. فرع: إذا قال لزوجاته: إن دخلتن الدار فأنتن عليَّ كظهر أمي، فدخلت واحدة، فذكر الباجي عن المذهب أنه مظاهر من الجميع، وهو جارٍ على أصل المذهب في الحنث بالبعض، ونقل اللخمي عن ابن القاسم أنه لا شيء عليه حتى يدخلن جميعهن، وعن أشهب أنه يحنث فيمن دخلت خاصة، ولا شيء عليه في غيرها. خليل: ولعله خرج ذلك على مسألة العتق الأول من المدونة، إذا قال لأمتيه: إن دخلتما هذه الدار فأنتما حرتان، فدخلتها واحدة، فإن فيها هذه الثلاثة الأقوال، ومذهب ابن القاسم أنهما لا يعتقان حتى يدخلا معاً، وانظر لم خالف أصله في التحنيث بالبعض. وَأَلْفَاظُهُ: صَرِيحٌ، وَكِنَايَةٌ ظَاهِرَةٌ وَخَفِيَّةٌ، فَالصَّرِيحُ: مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ؛ مِثْلُ: كَظَهْرِ أُمِّي أَوْ عَمَّتِي .... كلامه ظاهر التصور، وتقسيمه هنا كتقسيمه في الطلاق، إلا أنه هنا مثل للخفية باسقني الماء، ولم يجعل ذلك من كناية الطلاق، وقوله: (فَالصَّرِيحُ: مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ) لا خلاف فيه، والمشهور قصر الصريح على ما ذكره، وعن ابن الماجشون: التشبيه بالمحارم صريح سواء سمى الظهر أم لا، ونقل عنه أيضاً أن التشبيه بالمحرمة كيفما كان صريح، وأنه لا كناية عنده. ابن عبد السلام: وقول المصنف: (مَا فِيهِ ظَهْرٌ مُؤَبَّدَةُ التَّحْرِيمِ) أحسن من قول غيره: (ذات محرم) لشمول كلام المصنف المحرمة بالرضاع والصهر.
следующие страницы →