← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

وَهُوَ: شَهْرَانِ مُتَتَابِعَانِ بِالأَهِلَّةِ، وَإِنِ انْكَسَرَ تَمَّمَ الْمُنْكَسِرَ ثَلاثِينَ مِنَ الثَّالِثِ، وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ ... كونه شهرين متتابعين هو نص الآية، وإن صام بغير الهلال تمم المنكسر ثلاثين من الشهر الثالث، ويصوم الشهر الثاني بالهلال، ويمكن تخريج [٣٨٨/ب] الخلاف مما ذكره المصنف في العدد، وهو قوله: (فَإِنِ انْكَسَرَ) الأول تممه ثلاثين من الرابع، وقوله: (وَسَوَاءٌ الْحُرُّ وَالْعَبْدُ) ظاهر. وَتَجِبُ نِيَّةُ الكَفَّارَةِ وَنِيَّةُ التَّتَابُعِ لأن الكفارة والتتابع واجبان، والواجب لابد له من نية، وقد تقدم للمصنف ما يدل على الخلاف في وجوب النية للكفارة في الزكاة. وَإِذّا انْقَطَعَ التَّتَابُعُ اسْتَانَفَ لأن الله تعالى اشترط التتابع؛ لقوله: ﴿فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ﴾ [المجادلة: ٤]، ثم أخذ المصنف في بيان ما يقطع التتابع، فقال: وَيَنْقَطِعُ التَّتَابُعُ وَيَبْطُلُ مُتَقَدِّمُ الإِطْعَامِ عَلَى الْمَشْهُورِ- وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ- بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا وَلَوْ لَيْلاً- نَاسِياً أَوْ غَالِطاً- بِخِلافِ غَيْرِهَا لَيْلاً فِي الصِّيَامِ، ولَيْلاً وَنَهَاراً فِي الإِطْعَامِ ... نوع ﵀ العبارة في الصيام: (وَيَنْقَطِعُ) تتابعه، وفي الإطعام: (يَبْطُلُ)؛ لأن الإطعام لا يوصف بالتتابع، وقوله: (بِوَطْءِ الْمُظَاهِرِ مِنْهَا) متعلق بينقطع؛ يعني أن التتابع ينقطع بوطء المظاهر منها، وكذلك يبطل متقدم الإطعام على المشهور بوطء المظاهر منها، فقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الإطعام فقط، وأما الصوم فلا يبطل باتفاق.

стр. 2242

وقوله: (وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ) مبالغة على المشهور؛ أي يبطل ما تقدم من الإطعام على المشهور ولو لم يبق عليه إلا مسكين، وهذه النسخة أحسن مما وقع في بعضها من تقديم قوله: (وَلَوْ بَقِيَ مِسْكِينٌ) على قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ)؛ لإيهامه حينئذٍ أن الشاذ إنما يخالف فيما إذا لم يبقَ إلا مسكين واحد، وليس كذلك، وليس الشاذ هذا؛ لأن ابن الماجشون يرى أن الوطء لا يبطل الإطعام المتقدم مطلقاً، قال: وأحب إليَّ أن يستأنف؛ لأن الله تعالى قال: ﴿مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا﴾ في العتق والصيام، ولم يقله في الإطعام، وقيد في المشهور الإطعام بأن يكون قبل المماسة، كالأولين. وفي الشاذ نظر؛ لأنه يلزم عليه حِليَّة وطء المظاهر قبل الإطعام إذا كان هو الكفارة، ولا يحل ذلك بالإجماع، نقله بعض الأئمة، وقوله: (وَلَوْ لَيْلاً نَاسِياً)؛ يعني أنه يبطل الصوم بوطء المظاهر منها، ولو ليلاً ناسياً أو غالطاً؛ لأن الله تعالى اشترط في الكفارة أن تكون قبل المماسة، ونبه بذلك على خلاف الشافعية في قولهم: إن وطء المظاهر منها ليلاً لا يبطل ما تقدم من الصيام، فإن قيل: الحكم ببطلان الصوم والإطعام بالوطء مشكل؛ لأن سبقية بعض الكفارة على الوطء أولى من تأخير جميعها عنه، وقد قلتم بالإجزاء لو تقدم الوطء على الجميع، فالجواب أن المماسة المطلوب تقديم الكفارة عليها هي المماسة المباحة؛ لأن تقدير الآية: فصيام شهرين متتابعين من قبل أن تباح له المماسة، والمماسة الواقعة في خلال الكفارة ليست بمباحة، فاستؤنفت كفارة أخرى لتحصل كفارة مستأنفة سابقة على مماسة مباحة. فرع: واختلف إذا قبَّل المظاهر بإثرها في أثناء الكفارة، وقد تقدم ذلك، وقوله: (بِخِلافِ وطء غَيْرِهَا لَيْلاً فِي الصِّيَامِ)؛ أي فلا يبطل الصيام لصحته ليلاً أو نهاراً في الإطعام؛ لأن عدم المماسة مشروط في حق المظاهر منها فقط، والله أعلم.

стр. 2243

وَما يُجْزِئُ عَنْ ظِهَارِهِنَّ كَفَّارَةٌ وَاحِدَةٌ فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ، ولَوْ عَيَّنَهَا لَمْ تَتَعَيَّنْ أي: إذا ظاهر من أربعٍ بكلمة واحدة، وقلنا: إنه تجزئ كفارة واحدة، فإنه يبطل متقدم الصيام والإطعام بوطء إحداهن، ولو حين الكفارة لغيرها؛ لأن الكفارة لما كانت تجزئ على الجميع لم تتعين، وقوله: (فِي حُكْمِ الْوَاحِدَةِ) فيه حذف الموصوف؛ أي حكم المرأة الواحدة، وقوله: (ولَوْ عَيَّنَهَا)؛ أي عين المرأة أو الكفارة. وَبِفْطِرِ السَّفَرِ بِخِلافِ الْمَرَضِ والْحَيْضِ، إِذَا قَضَى قَضَى مُتَتَابعاً هذا معطوف على وطء تقديره: وينقطع التتابع بوطء المظاهر منها، وبفطر السفر؛ لأنه سبب اختياري غالباً بخلاف المرض، فإنه لا يقطع التتابع؛ لأنه غير اختياري، ثم إذا قلنا بعدم قطعه يقضي ما أفطر متصلاً بصومه، وإن لم يتابعه ابتداء، وهو معنى قوله: (قَضَى قَضَى مُتَتَابعاً)، وليس كقضاء رمضان، واستشكل ذكر المصنف الحيض هنا؛ لأن صوم الظهار إنما يخاطب به الرجل، وأجيب بأن المصنف قصد أن يذكر ما يقطع التتابع، وما لا يقطعه من حيث الجملة، وقوله: (والْحَيْضِ)؛ يعني فيمن قتلت خطأ وصامت. وَالْمَرَضُ يُهَيِّجُهُ السَّفَرُ كَالسَّفَرِ يعني: إذا حصل له مرض بسبب سفر، فإنه يقطع التتابع بمنزلة السفر، وهذا هو المشهور، وقال سحنون: يجزئه البناء وإن هيج عليه السفر المرض؛ لأن السفر مباح، وقال محمد: إن أفطر في السفر ابتداءً استأنف، وإن مرض بنى. وفِي الْخَطَأِ والسَّهْوِ- ثَالِثُهَا: يَنْقَطِعُ بِالْخَطَأِ، والْمَشْهُورُ: لا يَنْقَطِعُ ولَوْ بِوَطْءِ غَيْرِهَا، ويَقْضِيهِ مُتَّصِلاً .... يعني: أنه اختلف، هل ينقطع التتابع بالفطر سهواً، كمن أفطر في يوم ناسياً أو أخطأ [٣٨٩/أ] كمن صام تسعة وخمسين ثم أصبح مفطراً، معتقداً أنه كمل الصوم، وكمن

стр. 2244

اعتقد أن الشمس غربت فأكل، أو الفجر لم يطلع فأكل، ثم تبين له خلاف ما اعتقده على ثلاثة أقوال: والأول: ينقطع في السهو والخطأ، وهو لمالك في الموازية نص فيها على القطع بالفطر ناسياً. اللخمي وغيره: وعليه فينقطع بالفطر خطأ، وفي البيان: مشهور المذهب أنه لا يعذر بالنسيان في كفارة القتل والظهار. والقول الثاني: أنه لا ينقطع بهما، قال المصنف: (وهو المشهور)، وإنما عزاه اللخمي وصاحب البيان وغيرهما لابن عبد الحكم، وقوله: (ولَوْ بِوَطْءِ غَيْرِهَا)، إذا عذر في الوطء فأحرى في الأكل والشرب. والقول الثالث: أنه لا ينقطع بالسهو؛ لأنه يعرض في كل جزء الصوم فيعسر التحرز منه بخلاف الخطأ، وبعضهم يرى هذا الثالث ظاهر المدونة، ذكره فيها إذا أصبح مفطراً بعد تسعة وخمسين يوماً معتقداً التمام، وقوله: (ويَقْضِيهِ مُتَّصِلاً)؛ أي إذا فرعنا على عدم القطع وهو ظاهر. وَلَوْ أَفْطَرَ ثَانِياً مُتَعَمِّداً انْقَطَعَ ولو أفطر ثانياً متعمداً في يوم إفطاره سهواً أو خطأ، انقطع التتابع؛ لأنه لما عذر بالنسيان صار وجود ذلك الأكل كعدمه، فصار فطره ثانياً كفطره أولاً متعمداً، هكذا مشَّى ابن راشد هذا المحل، ويحتمل لو أفطر في قضاء ما أفسده من صيام التتابع متعمداً فإنه يبطل صومه من أصله؛ إذ يلزمه في القضاء ما يلزمه في الأداء، والتمشيتان صحيحتان.

стр. 2245

بِخِلافِ أَوَّلِ يَوْمٍ فَإِنَّه لا يَحْرُمُ فِطْرُهُ ثَانِياً كَقَضَاءِ رَمَضَانَ، بِخِلافِ رَمَضَانَ والنَّذْرِ الْمُعَيَّنِ، وصَوْمِ التَّطَوُّعِ ... أي: في بقية اليوم؛ لأنه لا حرمة للزمان، ولا يفسد بفطره ثانياً كقضاء رمضان، بخلاف رمضان والنذر المعين، وصوم التطوع صحيحاً، وإنما دخل على أنه واجب، فتبين أنه غير واجب، وقضاء رمضان مشارك له في هذا المعنى. وقوله: (لا يَحْرُمُ) وقع في بعض الروايات (ويكره) وهو ظاهر؛ لأنه دخل بنية القربة، فاستحب له إتمامها، بخلاف رمضان والنذر المعين وصوم التطوع، فإنه يحرم الفطر في الثلاثة، إذا أفطر أولاً ناسياً، أما الأولان فلتعين زمانهما، وأما الثالث، فلأن الفطر على سبيل النسيان، لما كان لا يفسده، صار فطره ثانياً عمداً كفطره أولاً. وَيَنْقَطِعُ بِالْعَمْدِ، وفِي الْجهلِ: قَوْلانِ هكذا في بعض النسخ (بالعمد) وهو بيّن، وفي بعضها (بالعيد)، فيحمل كلامه على إذا ما إذا ابتدأ في شهر العيد عالماً به، وأما الجاهل فقد أشار إليه بقوله: (وفي الجاهل) قولان، قال في المدونة: وإذا صام ذا القعدة وذا الحجة لظهار عليه، أو قتل نفساً خطأ لم يجزه إلا من فعله بجهالة، وظن أنه يجزيه، فعسى أن يجزيه، وما هو بالبين، وأحب إليَّ أن يبتدئ، ونحوه لابن وهب إن كان عالماً ابتدأ، وإن كان جاهلاً فلا شيء عليه، وقال أشهب وسحنون: لا يجزئه. عياض: هل الجهالة التي عذره بها في المدونة الجهالة بالحكم، أو الجهالة بالعدد وتعين الشهر، وغفلته أن فيه فطر، فيكون كالناسي؟ وأشار إلى أن في المبسوط والمدونة ما يبين أن المراد الثاني لأجل الحكم، واختلف في تأويل المدونة من الإجزاء، فقال أبو محمد: يريد:

стр. 2246

ويقضي أيام النحر التي أفطر فيها وفصلها، وقال غيره: لا يجزئ إلا أن يفطر يوم النحر خاصة، ويصوم أيام التشريق، وروى نحوه عن مالك ابن يونس، وهو أصوب. ابن القصار: لأن صوم هذه الأيام إنما هو على الكراهة، وقال ابن الكاتب: معنى مسألة المدونة أنه صام يوم النحر وأيام التشريق، ويقضيها ويبني، وأما لو أفطرها لم يجزه البناء؛ لأنه صوم غير متوالٍ، بخلاف إذا لم يأكل فيها ونوى صيامها، وإن كانت لا تجزئه. ابن يونس: وهو أضعفها. ابن عبد السلام: ولا يحتمل كلام المصنف هذا القول الثالث بخلاف الأولين. ابن حبيب: وإن صام شعبان عن ظهاره ثم صام رمضان لفطره، ثم أكمل ظهاره بشوال أجزأه. ابن يونس: يحتمل أن يكون وفاقاً لقول مالك فيمن جهل فصام القعدة وذا الحجة لظهار عسى أن يجزيه، وقال بعض شيوخنا: لا يجزيه؛ لأنه تفريق كثير، والأول أولى؛ لأن الجهل عذر كالمرض في غير وجه. وَلَوْ صَامَ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ لِكَفَّارَتِهِ وَفَرِيضَةً لَقَضَى ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ يعني: قضاء رمضان واستئناف الكفارة، أما رمضان فلتشريكه فيه، ويلزم من بطلان رمضان بطلان شعبان، قال في المدونة: ومن صام شعبان ورمضان ينويهما لظهاره، ويريد أن يقضي رمضان في أيام أخر، لم يجزه لفرضه ولا لظهاره، واختلف هل يدخلها الخلاف المذكور في مسألة من صام رمضان قضاء عن رمضان آخر فتجزئه الكفارة منها على رواية من روى هناك إجزاءه، وعليه قضاء الآخر (بكسر الخاء)، فيقضي هنا رمضان فقط، وعلى رواية من روى هناك الآخر (بفتح الخاء)، يجزئه هنا الصوم عن رمضان [٣٨٩/ب] وحده، وإليه ذهب بعضهم، أو لا يدخله الخلاف؛ لأن ما بين الكفارة ورمضان أشد مما بين رمضان ورمضان آخر، وإليه ذهب صاحب النكت.

стр. 2247

وعلى القطع بالنسيان لَوْ صَامَ أَرْبَعَةً عَنْ ظِهَارَيْنِ، ثُمَّ ذَكَرَ يَوْمَيْنِ مُجْتَمِعَيْنِ لا يَدْرِي مَوْضِعَهُمَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَصُومُ يَوْمَيْنِ يَصِلُهُمَا ثُمَّ يَقْضِي شَهْرَيْنِ، وقَالَ سَحْنُونُ: يَوْماً وشَهْرَيْنِ ... يعني: إذا فرعنا على أن النسيان يقطع التتابع، لو ذكر أنه أفطر يومين مجتمعين ناسياً لا يدري موضعهما، هل هما من الأولى أو من الثانية، أو أحدهما آخر الأولى، والثاني أول الثانية، فقال ابن القاسم: يصوم يومين يصلهما، ثم يقضي شهرين، وقال سحنون: لاحتمال أن يكونا من الأخيرة، فلا ينتقل عنها، وهو قادر على تمامها، ثم يقضي شهرين لاحتمال أن يكونا من الأولى، أو أحدهما من الأولى والآخر من الثانية، ورأى سحنون أنهما إن كانا من الأولى فقد صحت الثانية، وإن كانا من الثانية فقد صحت الأولى، وعلى هذين الاحتمالين يبدأ بالشهرين اللذين أمر بإتيانهما، ولم يبقَ إلا احتمال واحد، وهو أن يكمل كل يوم من واحد، فيصوم يوماً ثم يقضي شهرين. فَلَوْ عَلِمَ أَنَّهُمَا مِنْ أَحَدِهِمَا، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مِثْلُهَا، وقَالَ سَحْنُونُ: يَصُومُ شَهْرَيْنِ، وهُمَا عَلَى الْخِلافِ فِيمَنْ ذَكَرَ سَجْدَةً مِنْ إِحْدَى رَكْعَتَيْنِ ..... فوجه قول ابن القاسم كما تقدم، وأما سحنون فهو إنما أمره باليوم في الأولى لاحتمال الثالث، وهو منتفٍ هنا، وقوله: (وهُمَا عَلَى الْخِلافِ) هو إشارة إلى تنظير المسألة بمسألة قد قدمها في سجود السهو، وهو ما إذا ذكر في آخر صلاته سجدة، ولا يدري من أي الركعات هي، فقال ابن القاسم: يسجد الآن سجدة لاحتمال أن تكون من الأخيرة، ثم يأتي بركعة لاحتمال أن تكون من غيرها، وقال أشهب وأصبغ: يأتي بركعة فقط، والمصنف وإن لم يقدم عن سحنون في مسألة الصلاة شيئاً، لكن كلامه هنا يدل على أن سحنون موافق لأصبغ، وهذا إن ثبت النقل فواضح، وإن كان المصنف أخذ من قول سحنون أنه موافق لأصبغ في الصلاة، وقد يفرق بينهما بقوة حرمة الصلاة، فيجوز أن

стр. 2248

يوافق هناك على الإتيان بالسجدة، ولتأكيد حرمة الصلاة أنه لو افتتح الصلاة بالتيمم، ثم طرأ عليه الماء لم يجز له القطع، بخلاف من شرع في الصوم هنا، ثم أيسر، فإنه يجوز له الانتقال إلى العتق، والله أعلم. فَإِنْ لَمْ يَدْرِ اجْتِمَاعَهُمَا فَأَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ، وفِي الْيَوْمَيْنِ الْقَوْلانِ تصوره لا يخفى عليك، لكن إنما يحتاج إلى الأربعة أشهر على قول سحنون، إذا شك في أمسه هل هو من اليومين، وإما إن تحقق أن اليومين سابقان على ذلك فيستحب بالعدد الذي صامه، ولم يتخلله فطر، والله أعلم. تنبيه: كلام ابن القاسم وسحنون هنا مبني على أن بدء النسياني قطع، وهو دليل لما شهره صاحب البيان من أن النسيان يقطع؛ لأنه قل أن يخالف المشهور، والله أعلم. وترك المصنف التفريع على القول بأن النسيان لا يقطع لوضوحه؛ لأنا إذا بنينا عليه يأتي بما نسيه فقط، واختلف عليه لو ذكر يومين مثلاً من الأولى في أثناء الثانية، فقيل: يتم الثانية، ثم يصومها؛ لأنه معذور، بما تشبث به من صيام الكفارة التي هو فيها، وقضاء الكفارة الأولى على الخلاف فيمن ذكر صلاة في صلاة، هل تفسد الأولى، وقد ذهب بعض المتأخرين إلى أنه يجوز له أن يقضي اليومين في أثناء الكفارة، ويبني على صيامه، ولا يعد بذلك مفرقاً لصيامه؛ إذ لم يتخلله فطر، على ما قال ابن حبيب، فيمن صام شعبان وشوال، ولا يضره ما تخلل من صوم رمضان. الإِطْعَامُ: وشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الصِّيَامِ فَيُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ، فَلَوْ غَلَبَ ظَنُّ قُدْرَتِهِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، فَفِي وُجوُبِ التَّاخِيرِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ ..... قوله: (وشَرْطُهُ الْعَجْزُ عَنِ الصِّيَامِ) هو نص الآية الكريمة، وقوله: (فَيُعْتَبَرُ مَا تَقَدَّمَ)؛ أي: هل يعتبر العجز يوم الأداء أو يوم الوجوب؟

стр. 2249

قوله: (فَلَوْ غَلَبَ ... إلخ)؛ يعني فلو عجز في الحال عن الصيام، إما لمرض أو حد وغلب على ظنه أنه سيقدر عليه في المستقبل، فهل يجب عليه التأخير؟ قولان، وفهم من قوله: (فلو غلب على ظنه) أنه لو آيس من القدرة على الصيام لأطعم اتفاقاً، وهو صحيح. اللخمي: وينتظر إذا رجا الصحة بالقرب، واختلف إذا رجا ذلك بعد طول، وقوله: (ظن قدرته) يقتضي أنه لو شك لأطعم، ويتبين لك ما في هذا بسياق مسألتي المدونة، وذكر بعض من تكلم عليها، فالأولى: قال ابن القاسم: ومن صام عن ظهاره شهراً ثم مرض وهو لا يجد رقبة، لم يكن عليه أن يطعم، وإن تمادى به المرض أربعة أشهر لم يدخل عليه الإيلاء؛ لأنه غير مضارٍّ، وينتظر إفاقته، فإن صح صام، إلا أن يعلم أن ذلك المرض لا يقوى صاحبه على الصيام بعده، فيصير حينئذٍ من أهل الإطعام. وقال أشهب: إذا مرض صار من أهل الإطعام. والثانية: ومن تظاهر وهو مريض مثل الأمراض التي يصح من أمثالها الناس، فلينتظر حتى يصح ثم يصوم، إذا كان لا يجد رقبة [٣٩٠/أ] وكل مرض يطول بصاحبه، ولا يدرى أيبرأ منه أم لا، ولعله يحتاج إلى أهله، فليطعم، وليصب أهله، ثم إن صح أجزأه ذلك الإطعام؛ لأن مرضه كان إياساً، وقال أشهب: إذا طال مرضه وإن وجد برأه، وقد احتاج إلى أهله، فليطعم بظهار الأولى، إن ظن القدرة في المستقبل، والتردد في ذلك يمنع الإطعام عند ابن القاسم، ولا يمنع عند أشهب، وظاهر الثانية أن التردد لا يمنع من الإطعام عند ابن القاسم؛ لقوله: ولا يدري أيبرأ منه أم لا؟ واختلف القرويون هل الثانية مخالفة للأولى أم لا؟ واختلف القرويون هل الثانية مخالفة للأولى أم لا؟ والقائلون بأنها ليست خلافاً للأولى، فرقوا بينهما بأن المكفر في الأولى دخل في الصيام، وفي الثانية لم يدخل، وللدخول في العمل تأثير في التمادي، وإلى هذا ذهب ابن شبلون، وبعض من ذهب إلى حمل المسألة على الخلاف، قال: يتحصل في المسألة أربعة أقوال:

стр. 2250

الأول: إذا أخذه المرض، انتقل إلى الإطعام، وهو قول أشهب في الأولى، والثاني: لا ينتقل حتى يعلم صاحب ذلك المرض أنه لا يقدر على الصوم، وإن أفاق، وهو قول ابن القاسم في الأولى، الثالث: إن طال مرضه انتقل، وهو قول أشهب في الثانية، الرابع: أنه لا ينتقل حتى يشك هل يبرأ أم لا، وهو قول ابن القاسم في الثانية، ويمكن الجمع بين المسألتين على غير الوجه المتقدم، ولنتركه خشية الإطالة، واستحسن قول أشهب لأنه أسعد بظاهر قوله تعالى: ﴿فَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ﴾؛ لأنه يصدق على المريض أنه غير مستطيع، وقياساً على وجود الرقبة في الحال، ولو روعي حال المستقبل لزم ألا يكفر أحد بالصيام؛ لأنه ما من أحد إلا وهو يرجو أن يملك رقبة أو ما يساويها في المستقبل. وَعَدَدُ سِتِّينَ مِسْكِيناً أَحْرَاراً مُسْلِمِينَ مُرَاعىً أي: واجب، وتصوره ظاهر. لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدٌّ بِمُدِّ هِشَامٍ، وَمُدُّ هِشَامٍ: مُدٍّ وَثُلُثَانِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: مُدٌّ وَثُلُثّ، وَقِيلَ: مُدَّانِ، وقِيلَ: بِمُدِّ الْيَمِينِ ..... قوله: (فِيهِمَا)؛ أي في كونهما بمد هشام، وكون مد هشام مداً وثلثين، ومقابل المشهور في مقدار مد هشام هو قوله: (وَقِيلَ: مُدٌّ وَثُلُثّ، وَقِيلَ: مُدَّانِ). ابن بشير: وقيل مد ونصف، واعلم أن من ذهب إلى أنها بمد اليمين اختلفوا، فقال بعضهم: بمد واحد، وأنكر أن يكون بمد هشام لفظاً ومعنى، وقال: متى كان هشام يعتبر مده، وبعضهم أنكره لفظاً فقط، وقال: بل يقال: يطعم مداً وثلثين بمده ﷺ ، وروى مطرف عن مالك: لكلمسكين مدان بمده ﷺ ، وإنما قلنا على المشهور أنه لا يكتفي هنا إلا بمد وثلثين؛ لأنها مطلقة في القرآن لم تقيد بالوسط ككفارة اليمين بالله تعالى فحملت على الشفع الكامل، كفدية الأداء، واستصوب

стр. 2251

الباجي القول بأن مد هشام مدان، قال: وهي رواية البغداديين عن معن بن عيسى، وهو الصحيح؛ لأن معن مدني، وهو أعلم بذلك لطول مقامه بالمدينة، وقد شاهدت بالمدينة هذا المد، وحققته فوجدته كما قال مدين. فَلَوْ أَطْعَمَ مِئَةً وَعِشْرِينَ نِصْفاً نِصْفاً كَمَّلّ لِسِتِّينَ مِنْهُمْ وَإِلا اسْتَانَفَ تصوره ظاهر. اللخمي: وإذا كان الطعام قائماً بأيديهم، وعلى أنه كفارة عن ظهار انتزع من ستين منهم، وأكمل الستين، والانتزاع بالقرعة؛ لأنه ليس أحدهم أحق بالانتزاع من الآخر، ومن فوت الطعام لم يرجع عليه بشيء، واختلف شارحو المدونة، هل من شرط التكميل بقاء النصف المأخوذ أم لا؟، وقوله: (وَإِلا اسْتَانَفَ)؛ أي: وإن لم يمكن التكميل ستين، فإنه يستأنف الكفارة. وَإِذَا كَفَّرَ عَنْ يَمِينٍ ثَانِيَةٍ فَلَمْ يَجِدْ إِلا مَسَاكِينَ الأُولَى، فَفِيهَا: لا يُعْجِبُنِي أَنْ يُطْعِمَهُمْ كَانَتْ مِثْلَهَا أَوْ مُخَالِفَتَهَا؛ كَالظِّهَارِ وَالْيَمِينِ بِاللهِ تَعَالَى، إِلا أَنْ يُحْدِثَ الثَّانِيَةَ بَعْدَ التَّكْفِيرِ .... (لا يُعْجِبُنِي) محمول على الكراهة، وهي غاية ما يمكن هنا، ولهذا قال محمد عن ابن القاسم: فإن فعل أجزأه، وفي الأسدية الجواز. ابن عبد السلام: وهو أظهر، وإن كان بعضهم لم يعد خلافاً للمدونة، وحمل المدونة على الحكم قبل الوقوع، والأسدية بعده. والْجِنْسُ كَزَكَاةِ الْفِطْرِ نحوه في الباجي، فقال: والذي يجزئ هنا هو على حسب ما تقدم في اليمين بالله تعالى، وقد تقدم أن المصنف شبه اليمين بالله تعالى بزكاة الفطر، وعلى هذا فتُخرج من التسعة الأصناف، وعلى قول ابن حبيب: تخرج من عشرة، وقال ابن عبد السلام: الأقط، لا أعلم من قال بجواز إخراجه هنا.

стр. 2252

خليل: وظاهر كلامه جواز إخراجه لتشبيبههم ذلك بكفارة اليمين بالله، وبزكاة الفطر، فإنه قد نص في البيان على أنه تُخرج من كل ما تُخرج منه زكاة الفطر، وفي كلام المصنف إشارة إلى شيء آخر، وهو إذا اقتيت غير التسعة كاللحم والقطاني، فإنه قدم في زكاة الفطر أن المشهور الإجزاء. فَإِنْ كَانَ عَيْشُهُمْ تَمْراً أَوْ شَعِيراً أَطْعَمَ عَدْلَ شِبَعِ مُدِّ هِشَامٍ مِنَ الْحِنْطَةِ حاصله: إن كان عيشهم القمح أخرج منه مداً هشامياً، وإن كان عيشهم تمراً أو شعيراً أو نحوه، أطعم عدل شبع مد هشام من الحنطة، قاله في المدونة. عياض: قيل معناه [٣٩٠/ب] إذا أشبع الرجل مد حنطة، كم يشبعه من غيرها؟ خليل: وفيه نظر؛ لأنا لم نعتبر بالحنطة، بل أصل الحديث إنما ورد في التمر، وبين ذلك أن أهل التمر لا يقال في زكاة الفطر أخرجوا ما يشبع صاع القمح. ابن عبد السلام: وقال بعض الشيوخ: يراعى الشبع سواء زاد على مد هشام، فيزاد، أو نقص عن مد هشام فينقص. وَفِيهَا: ولا أُحِبُّ أَنْ يُغَدِّيَ أَوْ يُعَشِّيَ فِيهَا ولا فِي فِدْيَةِ الأَدَاء هذا كما قال في المدونة: إن الغداء والعشاء لا يبلغ المد الهشامي، وأحرى فدية الأداء. اللخمي: وقال ابن الماجشون: إن غدى وعشى أجزأه، فجعلهما ككفارة اليمين بالله تعالى. انتهى. ونص ابن المواز على أنه لو غدى وعشى لا إعادة عليه، وعلى هذا فتكون أحب على بابها، ويحتمل أن يراد بها عدم الإجزاء، ولعله نسب المسألة للمدونة، لهذا التردد الذي في قوله: (ولا يُعْجِبُنِي)، ولإشكالها أيضاً، وذلك أن الحامل لهم على التقدير بالمد الهشامي إنما هو تحصيل الشبع في يوم، وقد حصل ذلك.

стр. 2253

وَلا يُجْزِئُ قِيمَةٌ فِي كَفَّارَةٍ، وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ أما عدم إجزاء القيمة فقد نص في المدونة وغيرها على ذلك، وأجري في ذلك الخلاف في الزكاة. وقوله: (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) ظاهره أنه قيل هنا بإجزاء القيمة، كما في اليمين بالله تعالى، وفي هذا نظر؛ لأن المصنف لم يقدر القيمة تجزي في كفارة اليمين بالله، ولا يقال: إن المصنف شبه لإفادة الحكم؛ لأن المصنف لم يذكرها هنا حكماً، والأقرب أن في هذا المحل أن يكون معنى قوله: (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) أي في إجزاء الغداء والعشاء، وهو قول ابن الماجشون، كما ذكرنا، وقد يقال على بعد (وَقِيلَ: كَالْيَمِينِ) أي: إذا قلنا فيه مد بمده ﷺ ، فهل يزاد مثل ثلث المد أو نصفه. * * *

стр. 2254

اللِّعَانُ: يَمِينُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ بِزِنىً أَوْ نَفْيٍ نَسَبٍ، ويَمِينُ الزَّوْجَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ هي مشتقة من اللعنة التي في خامسة الزوج، ولم يسمى بالغضب، وإن كان يصدر من المرأة في الخامسة، لأن القاعدة تغليب المذكر، ولأنه لما كان لعان الرجل سابقاً وسبباً في لعانها، غلب ما يصدر منه، واللعن: البعد والطرد، ومعنى لعنه الله، أي أبعده الله من رحمته، وكانت العرب إذا تمرد الشرير منهم طردوه وأبعدوه عنهم لئلا يؤاخذوا بجرائره، وسموه لعيناً، وقول المصنف: (يَمِينُ الزَّوْجِ عَلَى زَوْجَتِهِ) أي على رمي زوجته (بِزِنىً) مخرجاً لرميها بمقدمات الجماع ونحو ذلك، فإنه لا لعان في ذلك، ومخرج أيضاً حلف الزوج على زوجته في الحقوق المالية، أو غيرها، وقال: (أَوْ نَفْيٍ نَسَبٍ) ليدخل فيه إذا نفى الولد، بل هذه الصورة هي المقصود الأهم من اللعان. وقوله: (ويَمِينُ الزَّوْجَةِ عَلَى تَكْذِيبِهِ) كالمتمم لجميع صفات ماهية جميع اللعان، وأورد هذا على التعريف أنه غير جامع؛ لأن قوله: (يَمِينُ الزَّوْجِ) يخرج به لعان المطلق مع مطلقته، فإنه ليس بزوج في الحال، ولا يقال هو زوج باعتبار الماضي، لأن الإطلاق باعتبار الماضي، والاستقبال مجاز، كما قرر في أصول الفقه، وأجيب بأن هذا إنما هو إذا كان المشتق محكوماً به، كقولك: زيد مشرك، أو زان، أو قائم، أما إذا كان متعلق الحكم، كقولك: السارق يقطع، حقيقة مطلقاً، صرح بذلك جماعة من أهل الأصول. القرافي: ولو كان مجازاً، لكان قوله تعالى: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾، و ﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي﴾، و ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ﴾، وشبهها مجازات، باعتبار من اتصف بهذه الصفات في زماننا لأنه مستقبل باعتبار زمان الخطاب، ويلزم حينئذٍ أن يسقط الاستدلال بها، لأن الأصل عدم التجوز، ثم أحسن التعريفات ما كان فيه إشارة إلى سبب الحكم، فذكر الزوجة مشير إلى قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ [النور: ٦]، فكان ذكره حسناً، ولم يوجب خللاً.

стр. 2255

فَيَصِحُّ مَعَ الرِّقِّ والْفِسْقِ أتى بالفاء المشعرة بالسببية، أي فلدخول الرق والفسق تحت الزوج صح لعانهما، سواء كان الرق أو الفسق فيهما، أو في أحدهما، ونبه المصنف بهذا على خلاف أبي حنيفة، في قوله ﵀: أنه لا يصح اللعان إلا ممن تصح شهادته، لقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلاَّ أَنفُسُهُمْ﴾، والجواب أنه استثناء منقطع، وهو وإن كان على خلاف الأصل، لكن يعينه قوله ﷺ في حديث هلال بن أمية: "لولا الأيمان لكان لي ولها شأن"، ولأجل أن اللعان يمين وليس بشهادة، دخلت المرأة فيه، وليس لها مدخلاً في الشهادة على الزنا، ولأن العبد والفاسق تدعوهما الضرورة إليه، فوجب أن يباح لهما قياساً على الحر العدل. وَشَرْطُ الْمُلاعِنِ: أَنْ يَكُونَ زَوْجاً مُسْلِماً مُكَلِّفاً- فَيُلاعِنُ الْحُرُّ الْحُرَّةَ والأَمَةَ والْكِتَابِيَّةَ، وكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِيهِنَّ .... احترز بالزوج من السيد، فإنه لا لعان عليه، ونقل المتيطي أنه وقع للشيخ أبي عمران في أسئلة الباجي، أن اللعان يكون مع شبهة النكاح، وإن لم تثبت الزوجية، وهذا مما يشكل به قول المصنف (زَوْجاً). [٣٩١/أ] وقوله: (مُسْلِماً): يخرج الكافر، فلا يصح لعانه، قال في المدونة: ولا لعان بين الكافر، فإن ترافع هو وزوجته، وتراضيا أن يحكم بينهم بحكم الإسلام، فقال أبو عمران: يتلاعنان، قال: فإن نكلت المرأة، فعلى قول عيسى: ترجم، وعلى قول البغداديين، لا ترجم، لأن أنكحتهم فاسدة، وإنما يجب على من نكل منهم الحد، كالمتلاعنين قبل البناء.

стр. 2256

وقوله: (مُكَلِّفاً) يخرج المجنون والصبي، وقوله: (فَيُلاعِنُ الْحُرُّ الْحُرَّةَ والأَمَةَ والْكِتَابِيَّةَ) تصوره ظاهر، ويلحق بالكتابية المجوسية يسلم زوجها، ولم تسلم هي، وقوله: (وكَذَلِكَ الْعَبْدُ فِيهِنَّ) ظاهر. والنكاح الفاسد كالصحيح أي: في اللعان، لأنه لما كان يلحق فيه الولد، احتيج إلى اللعان لنفيه، قال في الموازية: كل نكاح يلحق فيه الولد ففيه اللعان، وإن فسخ بعد ذلك. وَيَتَلاعَنَانِ إِنْ رَفَعَتْهُ بِقَذْفِهَا بِالزِّنَى طَوْعاً فِي نِكَاحِهِ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ- كَانَ وَلَدٌ أَوْ حَمْلٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، نَفَاهُ، أَوِ اسْتَلْحَقَهُ .... لما ذكر الملاعن وشروطه، أخذ يذكر أسباب اللعان، فبدأ بالكلام على القذف بالزنا، وشرط فيه أن ترفعه إلى الحاكم، فإن لم ترفعه فلا لعان، لأن ذلك من حقها، ثم إن لم يبلغ رميه لها الحاكم فلا كلام، وإن بلغه حد، إلا أن يلاعن، وقوله (بِالزِّنَى) يخرج ما إذا قذفها بغيره، ولا خلاف في اللعان إذا رماها بصريح الزنا، وأما إن عرَّض بذلك، فعن ابن القاسم قولان، أحدهما: أنه يلاعن، والثاني: لا، ووافقه عليه أشهب: أنه يحد ولا يلاعن، والقولان قائمان من المدونة، ففيها في اللعان: ومن قال لامرأته: وجدتها قد تجردت لرجل، وهي مضاجعة له في لحاف؛ أنه لا يلتعن بذلك إلا أن يدعي رؤية الفرج في الفرج، وإن لم تكن له بينة على ما ذكر فعليه الأدب، ولا يحد، وفي القذف منها، ومن عرَّض بالزنا لامرأته، ولم يصرح بالقذف ضرب الحد، إن لم يلتعن، وأشار عياض إلى أن الذي في كتب اللعان لا دليل فيه على انتفاء الحد، لأنه إنما أسقط الحد عن ذلك التعريض الخاص، ولا يلزم منه إسقاطه عن التعريض مطلقاً، فقال لما ذكر ما قاله في اللعان: وفي الموازية نحوه، لا لعان بينهما إلا في صريح القذف، أو تعريض يشبه القذف.

стр. 2257

ابن عبد السلام: وفي كلامه نظر، أما أولا فلأن الخلاف في التعريض حكاه غير واحد من الشيوخ، ولم ينسبه للمدونة، وأما ثانياً فنفيه الحد، واستثناؤه رؤية الفرج في الفرج دليل على أن ما عدا هذه الصورة لا يلزمه فيها عنده حد، على أن في أواخر كتاب القذف: ومن قال جامعت فلانة بين فخذيها، أو في أعكانها، فعليه الحد، ثم قال: قال مالك: ولا يجب الحد إلا في قذف أو نفي أو تعريض، يرى أنه يريد به القذف، ولا تعريض أشد من هذا. وقوله: (طَوْعاً)، احترازاً مما لو نسبها إلى استكراه، فإنها لا تلاعن إذا ثبت الغصب، أو تصادق الزوجان عليه، نعم يلاعن هو لنفي الولد، فصار الطوع شرط في تلاعنهما معاً، لا في لعانه، ولما كان المصنف يتكلم على لعانهما معاً، قيد ذلك الزنى بالطوع. فرع: وإذا قذف الزوج زوجته وترافعا إلى الحاكم سجنه، وحكى الباجي في سجلاته في سجنه قولين، وقوله: (فِي نِكَاحِهِ)، احتراز من الصورة التي يذكرها بإثر كلامه هذا، وهو قوله: (ولو قذفها بزنى قبل نكاحه)، وقوله: (فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ)، إنما لاعنها إذا رماها بالوطء في الدبر، لأنه لو كان أجنبياً لحُدُّ في رميها بذلك، وما يُحد الأجنبي فيه يلاعن الزوج فيه. وقوله: (كَانَ وَلَدٌ أَوْ حَمْلٌ، أَوْ لَمْ يَكُنْ، نَفَاهُ، أَوِ اسْتَلْحَقَهُ)، ظاهر التصور، ووقع في بعض النسخ بإثر هذا الكلام: (وقيل إن استلحقه حد) وسيأتي. فَلَوْ قَذَفَهَا بزِنىً قَبْلَ نِكَاحِهِ حُدَّ قد تقدم أنه احترز عن هذه الصورة بقوله أولاً: (فِي نِكَاحِهِ). الباجي: ولا خلاف في وجوب الحد هنا في المذهب.

стр. 2258

وَيُعْتَمَدُ عَلَى يَقِينِهِ- بالرُّؤْيَةِ- وَقِيلَ: كالشهود أي: يعتمد الملاعن في قذفه بالزنى على يقينه برؤية ذلك، وقيل كالشهود، يعني أن المشهور اعتماده على الرؤية، وإن لم يصف كالشهود، وقيل: لا يجوز له ذلك حتى يصف كالشهود، وهذا القول لمالك أيضاً في العتبية، وقد حكى ابن الجلاب وعبد الوهاب الروايتين، وحكاهما الباجي وصاحب البيان وابن يونس، وقول ابن عبد السلام: الأحسن حذف الواو بين الرؤية وبين قيل، ليس بظاهر، لا يؤخذ القولان من كلام المصنف إلا بإتيانها. وقيل عَلَى يَقِينِهِ كَالأَعْمَى عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: وقيل: إذا تحقق وقوع الزنا منها جاز اللعان، وإن لم يراها تزني، كالمشهور من القولين في الأعمى، قال في المدونة: ويلتعن الأعمى في الحمل يدعي الاستبراء في القذف، لأنه من الأزواج، فيحمل ما تحمل، ومقابل المشهور في الأعمى رواه ابن القصار، وعن مالك أنه لا يجوز اللعان إلا أن يقول: مسست الفرجين. وَبِنَفْيِ الْوَلَدِ أَوِ الْحَمْلِ هذا معطوف على قوله: (بقذفها بالزنا) وتقدير كلامه: ويتلاعنان إن رفعته بنفي الولد أو الحمل، ولا خلاف في ذلك. ويُعْتَمَدُ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهَا بَعْدَ وَضْعٍ أَوْ فِي مُدَّةٍ لا يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ لكَثْرةٍ أَوْ قِلَّة، ويُعْتَمَدُ عَلَى اجْتِمَاع الاسْتِبْرَاءِ والرُّؤْيَةِ وفي اعتماده على أحدهما روايتان يعني: أنه يعتمد في نفي الولد أو الحمل على ثلاثة أشياء، واختلف في رابع، ومعنى اعتماده أنه يجوز له في الشرع أن ينفي الولد بذلك:

стр. 2259

الأول: إذا لم يطأها بعد وضع، يعني وقد طال ما بين الوضعين، بحيث لا يكون الولد الثاني من بقية الحمل الأول. الثاني: أن يكون وطأها بعد الوضع، ولكن بين هذا الحمل والإصابة مدة لا يتأتى فيها ولد، إما لقلة الزمان لخمسة أشهر ونحوها، وإما لكثرته كخمس سنين فأكثر، وإليه أشار بقوله: (أَوْ فِي مُدَّةٍ لا يَلْحَقُ فِيهَا الْوَلَدُ لِقِلَّةٍ أَوْ كَثْرَة). الثالث: إذا استبرأها من وطئه ثم رآها بعد ذلك تزني، ووقع في بعض النسخ بإثر هذا الكلام: على المشهور، وهي زيادة صحيحة، فقد حكى ابن شاس وغيره عن السيوري أنه ليس له نفيه بهما، قال: وحكى الداودي عن المغيرة مثله. وأما الرابع المختلف فيه، وإليه أشار بقوله: (وفي اعتماده .... إلخ)، والضمير في (أحدهما) عائد على الاستبراء والرؤية. عياض: والمشهور أنه يعتمد على الاستبراء، والأظهر أنه لا يعتمد على أحدهما، بل ولا عليهما، لأنه إذا كانت الحامل تحيض، فكيف يصح له النفي، والقول باعتماده على مجرد الرؤية أضعف، لأن الحيض علامة ظنية على براءة الرحم، بخلاف رؤيته، فإنه لا يدل على الحمل البتة. وقِيلَ: يُلاعِنُ لِلْقَذْفِ يعني: أنه اختلف في قاذف زوجته القذف المطلق غير المقيد برؤية، ولا بنفي حمل، فقال ابن نافع وابن القاسم في أحد قوليه: يلاعن، وقال أكثر الرواة وابن القاسم أيضاً: يحدُّ ولا يلاعن، والقولان في المدونة، واختار بعض كبار المتأخرين الأول، لصدق آية اللعان عليه. خليل: وقول المصنف: (وقيل) يقتضي معطوف عليه، ويقتضي أن ذلك المعطوف عليه هو المذهب، والأقرب أن يكون راجعاً إلى قوله: (ويعتمد على يقينه بالرؤية ... إلخ)، فإن

стр. 2260

كلامه هنا يقتضي أنه لا يلاعن للقذف، ثم ذكر قولاً آخر، أنه يلاعن بمجرد القذف، من غير رؤية، ولعل المصنف شهر الأول، لما قال في المدونة أنه قول أكثر الرواة، وبه قال المخزومي وابن دينار، وهو أحد قولي ابن القاسم، لكن في الإرشاد، المشهور أنه يلاعن بمجرد القذف. فَإِنْ أَتَتْ بولد لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ فَصَاعِداً بَعْدَ الرُّؤْيَةِ للعان وإِلا لَحِقَ بِهِ يعني: فإنه لاعن لسبب الرؤية، ثم أتت بولد بعد اللعان، فإن أتت به لستة أشهر فأكثر من يوم الرؤية، لم يلحق به، وتعد كأنها بريئة الرحم يوم اللعان، وإن أتت به لأقل من ستة أشهر لحق به لأن لعانه إنما كان لرؤية الزنا، خاصة لا لنفي الولد. خليل: وفي هذه المسألة إشكال، لأنهم نفوا الولد، الذي الأصل فيه أن يكون للفراش، بأمر نادر، وهو وضع المرأة في ستة أشهر. واخْتَلَف قَوْلُ مَالِكٍ فِي نَفْيِ الْحَمْلِ إِذَا لَمْ يَدَّعِ اسِتْبَراءً فَأَلْزَمَهُ مَرَّةً ولَمْ يُلْزِمْهُ مَرَّةً، وقَالَ بِنَفْيِهِ مَرَّةً. ابْنُ الْقَاسِمِ: وأَحَبُّ إِلَيَّ أَنَّهُ لو كَانَ ظَاهِراً يَوْمَ الرُّؤْيَةِ لَزِمَهُ، وعَنْهُ: إِنْ أَتَتْ بِهِ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ لَزِمَهُ، ولا يُحَدُّ إِنْ نَفَاهُ، وقَالَ الْمَخْزُومِيُّ: إِنْ أَقَرَّ بِالْحَمْلِ لِسِتَّةٍ فَصَاعِداً مِنَ يوم الرُّؤْيَةِ لَمْ يَلْزَمْهُ، ولَوِ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ وحُدَّ، ولأقَلَّ يَلْزَمُه صورة هذه المسألة أن يقول: رأيتها تزني ووطئتها قبل الرؤية في اليوم أو قبله، ولم استبرأ لاعنها للرؤية، ثم أتت بولد، فهل هذا اللعان موضوع لنفي الحد ونفي الولد معاً فلا يلحق به، ولا يحتاج إلى لعان ثان، أو هو موضوع لنفي الحد فقط، وعدوله عن دعوى الاستبراء رضاً منه باستلحاق الولد، وليس فيه تعرض للولد فيبقى الأمر موقوفاً، فقول المصنف: ألزمه مرة، أي لم ينفه باللعان الأول، ويلحق به، وإن ولدته لستة أشهر من يوم الرؤية، إلا أن ينفيه بلعان ثان، ومقابل هذا القول القولُ الثالث، وهو قوله: (وقَالَ بِنَفْيِهِ

стр. 2261

مَرَّةً)، فإن ادعاه بعد ذلك لحق به، وهذه الأقوال التي قالها الإمام مطلقة، سواء كانت حاملاً يوم الرؤية أم لا، وهذا قال في المدونة في القول الثالث، وقال بنفيه مرة، وإن كانت حاملاً، وفصل ابن القاسم، وتفصيله ظاهر، لأنه لا يلزم من لعانه لنفي الحد عنه نفي حمل ظاهر، والظاهر أنه لا يشترط الظهور، بل إنما يشترط أن تأتي بالولد لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية، ولو قيل أنه للأول ولو أتت به لستة أشهر- لأن الوضع في ستة أشهر نادر، والأصل إلحاق الولد بالفراش- لكان حسناً، فإن قيل: في قول المصنف (أحب) نظر، إذ هو موضع الجزم لعظم أمر الأنساب، وإنما يقال أحب في باب العبادات، قيل: إنما حمله على ذلك اضطراب مدارك الإمام، فلم يستطع الجزم بمخالفته، والله أعلم. وقوله: (وقَالَ الْمَخْزُومِيُّ)، نصه في المدونة: وقال المخزومي إن أقر بالحمل وادعى رؤيةً لاعن، فإن وضعت [٣٩٢/أ] لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية، فالولد منه، وإن كان لستة أشهر فأكثر فهو اللعان، وإن ادعاه بعد لك لحق به ويحد. تنبيهات: الأول: في كلام المصنف مناقشة، فإن مقتضاه أن لابن القاسم في المسألة قولين، كل منهما مخالف لقول مالك، وليس كذلك، بل قوله: (إِنْ أَتَتْ بِهِ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ يَوْمِ الرُّؤْيَةِ لَزِمَهُ)، مفسراً لقول مالك الأول الذي قال فيه: لم يلزمه مرة، كذلك هو في المدونة وغيرها، ولفظها: قال مالك: ولا يلزمه ما أتت به من ولد. ابن القاسم: إلا أن تأتي به لأقل من ستة أشهر، من يوم الرؤية فيلزمه، وفي المقدمات: اختلف في هذه المسألة على ثلاثة أقوال: الأول: أن الولد ينفيه باللعان على كل حال، وإن ولده لأقل من ستة أشهر، وهو أحد قولي مالك في المدونة. والثاني: أنه لا ينفيه بحال، وإن ولد لأكثر من ستة أشهر، ويلحق به، وهو قول أشهب وعبد الملك. والثالث: التفرقة بين أن يولد لأقل من ستة أشهر أو لأكثر منها، وهذا القول الثاني لمالك في المدونة، انتهى.

стр. 2262

ولا يكون هذا القول في المدونة إلا إذا كان قول ابن القاسم تفسيراً له، وكذلك قال غيره. الثاني: اختلف في فهم المدونة في قوله: (أَلْزَمَهُ مَرَّةً ولَمْ يُلْزِمْهُ مَرَّةً، وقَالَ بِنَفْيِهِ مَرَّةً)، فمنهم من فهم ذلك على أنها ثلاثة أقوال كما قررنا به كلام المصنف، وفهمها ابن لبابة، وصاحب المقدمات على أنه ليس فيها إلا قولان، الأول: أن الولد منفي وإن أتت به لأقل من ستة أشهر، والثاني: الفرق بين أن يولد لأقل من ستة أشهر أو لأكثر، وجعلا قوله: لم يلزمه مرة وقال بنفيه مرة، قولاً واحداً. التنبيه الثالث: عياض: اختلف في قوله ف يالمدونة في القول الذي قال فيه بنفيه وإن كانت حاملاً، هل ذلك سواء عرف الحمل أو أقر به أو بشرط ألا يعلم أنها حامل، إلا بعد الوضع لأقل من ستة أشهر، فقيل: ذلك سواء علم به أو لم يعلم أقر بالولد أو لم يقر، وهو نص الموازية، وظاهر قول المخزومي في الكتاب: وأقر بالحمل، ذلك لأ، هـ لما اطلع على خيانتها صح له نفي ما كان أقر به قبل بسلامة نيته وصحة اعتقاده، وقال ابن محرز بل معنى ذلك فيمن لم يقر بالحمل ولا اعترف به حتى ظهر بعد اللعان، وأن معنى قول المغيرة: أقر بالحمل أي بالوطء، بدليل قوله بعد هذا: فإن اعترف به بعد هذا ضربته الحد، وقال شيخنا أبو الوليد: وهو بعيد. عياض: وظاهر كلام المغيرة ما قاله ابن محرز، لقوله: فإن ولدت ما في بطنها لأقل من ستة أشهر فالولد منه، وإن ولدته لستة أشهر فلا لعان، ولو كان ظاهراً، وهو مقر به حين اللعان لم يحتج إلى هذا التفصيل لِعِلْمنا على كل حال أنه كان قبل اللعان، وتأول ابن يونس قول المغيرة بأن معنى قوله: أقر بالحمل، أي الآن على معنى أنه أقر أنها حملت بهذا الولد ثم يعتبر إيلاده بعد الرؤية، فإن كان لأقل من ستة أشهر لزمه، وإن كان لستة أشهر فأكثر جاز أن يكون للرؤية وقد التعن لها وادعى أن هذا الولد لها، وهو قريب في المعنى من تأويل ابن محرز، فيأتي على قول المغيرة ثلاثة تأويلات، أولها: أن المراد الاعتراف بالوطء

стр. 2263

لا بالحمل. الثاني: الإقرار بالحمل على ظاهره. الثالث: الاعتراف بالحمل حين الوضع لا حين اللعان، وقد حكى ابن الجلاب وعبد الوهاب فيما إذا أقر بحملها، وادعى أنه رآها تزني، ثلاث روايات: إحداهن: أنه يحد ويلحق به الولد ولا يلاعن، والأخرى أنه يلاعن وينتفي عنه الولد الذي أقر به، والثالثة: أنه يلحق به الولد ويلاعن لنفي الحد عنه، ابن الجلاب: وهي الصحيح. وَلَوْ قَالَ بَعْدَ الْوَضْعِ لأَقَلَّ: كُنْتُ اسْتَبْرَاتُ؛ ونَفَاهُ انْتَفَى بِاللَّعَانِ الأَوَّلِ، فَلَوِ اسْتَلْحَقَهُ لَحِقَ به وَحُدَّ .... أي: في المسألنة التي قبلها، وهي ما إذا لاعنها للرؤية، ولم يكن ذكر الاستبراء على القول بذلك، وأتت بولد لأقل من ستة أشهر من يوم الرؤية، وقلنا أن الولد يلحق به، فإنما يلحق به بشرط أن يسكت عن الاستبراء، فإن قال الآن: كنت استبرأت قبل الرؤية وهذا الولد ليس مني؛ اكتفى باللعان الأول، وهذا قول أشهب، وقال عبد الملك وأصبغ: إنما ينفيه بلعان ثان، قال في المقدمات: وفي المدونة ما يدل على القولين، وقوله: فإن استلحقه، يعني فإن استلحق هذا الولد بعد أن نفاه وانتفى عنه، فهو تكذيب لنفسه، فيحد ويلحق به، وقول المصنف، لأقل، ينبغي أن يكون الحكم كذلك إذا كان لستة أشهر على القول بإلحاقه به. وشَهَادَتُهُ بِالزِّنَى عَلَيْهَا كَقَذْفِه يعني: سواء شهد وحده أم مع ثلاث. ابن الماجشون وابن أبي زمنين: وإذا شهد عليها مع ثلاثة، فيقال للزوج أولاً: التعن؛ فإن أبي حُدَّ هو والثلاثة، وإن التعن، قيل لها: التعني، فإن التعنت وتم اللعان بينهما حُدَّ الثلاثة فقط، وإن نكلت عن اللعان وجب عليها الحد، وسقط الحد عن الثلاثة، لأنه قد حق عليها ما شهدوا به بنكولها عن اللعان، وإن لم يعثر على أنه زوجها حتى رجمها الإمام، فيدرأ عن الثلاثة الحد، ويحد الزوج إلا أن

стр. 2264

يلاعن، قاله مالك في الموازية، قال: ويرثها إلا أن [٣٩٢/ب] يعلم أنه تعمد الزور عليها ليقتلها، أو يقر بذلك، فلا يرثها ولا دية على الإمام، لأنه مختلف فيه، وليس بخطأ صريح كشهادة العبد والنصراني. ابن يونس: وقاله أصبغ: إلا في الميراث، فقال: لا يرثها لأنه التعن وليس بشاهد، فلا يخرج من تهمة العامد لقتل وارثه. والاسْتِبْرَاءُ حَيْضَةً، وقِيلَ: ثَلاثٌ، وفِي اعْتِمَادِهِ عَلَى أَحَدِهِمَا- عَلَى الاسْتِبْرَاءِ أَوِ الرُّؤْيَةِ- رِوَايَتَانِ ..... اختلف المذهب بماذا يكون الاستبراء الذي ينتفي به الحمل، وصرح الباجي وجماعة بمشهورية الأول، كما هو مقتضى كلام المصنف، والقول بالثلاث للمغيرة، وروي أيضاً عن مالك وجه الأول، أن الاستبراء هنا ليس بعدة بل لبراءة الرحم، فأشبه استبراء الأمة. ابن عبد السلام: بعد ذكر القولين، وقال ابن الماجشون إن كانت أمة فحيضة، وإن كانت حرة فثلاث، وعن المغيرة أنه لا ينفيه إلا بعد خمس سنين، وله قولان آخران كقولي مالك. فائدة: ليس عندنا حرة تستبرأ بحيضة إلا هنا، وليس عندنا أمة تستبرأ بثلاث إلا على قول المغيرة هنا، وفيمن ادعى سيدها وطئها فأتت بولد فنفاه، وادعى أنه كان استبرأها. فَإِنْ لَمْ يَدَّعِ الاعْتِمَادَ فِي الْجميعِ فَفِي حَدَّهِ قَوْلانِ هذا هو القذف المجرد، وقد تقدم هذا الفرع من كلام المصنف، لكن ذكره هنا لإفادة شيء لم يستفده من الأولى، لأن الأولى إنما هي باعتبار الرؤية، وقوله هنا: (فِي الْجميعِ)، أي في الرؤية ونفي الولد، ولأنه تكلم هنا على الحد، ولم يتكلم عليه فيما سبق، وقوله: (فَفِي حَدَّهِ قَوْلانِ) أي قول بأنه يحد ولا يلاعن، وقول بأنه يلاعن ولا يحد، وقد تقدم

стр. 2265

القولان إذا رماها بالزنا، وكذلك اللخمي وابن يونس وصاحبالبيان القولين فيما إذا نفى الحمل نفياً مطلقاً، وحمل ابن عبد السلام كلام المصنف على أن مراده بالقولين إذا قلنا: لا يلاعن، هل يحد أم لا؟ ثم اعترضه، وقال: الذي أعرفه أن القولين أحدهما يلاعن ولا يحد، والثاني أنه يحد ولا يلاعن، وأما أنه لا يلاعن ولا يحد مع أنه قاذف فبعيد ليس بظاهر، وليس في كلام المصنف دلالة على ما قاله. وَاللِّعَانُ بِنَفْيِ الْوَلَدِ مَعَ دَعْوَى الرُّؤْيَةِ والاسْتِبْرَاءِ، وبِالزِّنَا مَعَ الرُّؤْيَةِ كَالشُّهُودِ مُتَفِّقٌ عَلَيْهِ ........ لما ذكر أسباب اللعان وما فيها من الاضطراب أراد أن يبين ما اتفق عليه منه، فذكر أنه اتفق على صورتين، إحداهما: أن ينفي الولد مع دعوى الرؤية والاستبراء. والثانية: أن يرميها بالزنى ويدعي رؤية ذلك، ويصف كالشهود، زاد بعضهم: وتكون المرأة حين الرؤية غير ظاهرة الحمل، وكذلك ذكر في المدونة أن هذين الوجهين مجمع عليهما، وكذلك حكى الاتفاق فيهما اللخمي وصاحب البيان وغيرهما، ولا إشكال في الصورة الثانية، وأما الأولى فقد تقدم أن ابن شاس حكى فيها عن المغيرة والسيوري، أنه ليس له أن ينفي الولد باجتماع الرؤية والاستبراء، وقد تقدم أن هذا القول وقع التنبيه عليه في بعض نسخ ابن الحاجب، لكن حكاية الاتفاق هنا يبعد ثبوته، لأنه حينئذٍ يتناقض كلامه، وزاد جماعة في المتفق عليه ما إذا أنكر الوطء جملة، أو قال لم أطأها منذ كذا وكذا، لمدة لا يلحق فيها النسب، وزاد اللخمي أن يقول: لم تلد الولد. فَلَوْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِ الْوَلَدِ- فَرِوَايَتَانِ، والأَكْثَرُ لا يَنْتَفِي إِلا بِلِعَانِهِ هكذا ذكر القولين في المدونة وذكر أن المرأة تحد، لإقرارها بالزنا على كلتا الروايتين.

стр. 2266

ابن يونس: وعلى رواية الأكثر إنما يلعتن الزوج فقط، لأن المرأة إنما تلتعن لدفع حد الزنا، لا لنفي الولد، إذ لا يصح نفي ما ولدته بخلاف الزوج. قيل: والمسألة على وجهين، أحدهما: أن تقول المرأة ليس الولد منك، والثاني: أن تصدقه في الزنا، وتقول: الولد منك، وفيها ثلاثة أقوال، قيل: ينتفي بغير لعان فيهما، وقيل: لا ينتفي إلا بلعان فيهما، وقيل: بالفرق، فإن صدقته في نفي الولد انتفى بغير لعان، وإلا ففيه اللعان، والأقرب ما ذهب إليه الأكثر، لأن تصديقها للزوج في أن الولد ليس منه إقرار على الغير. ابن رشد: فإن رجعت المرأة فأكذبت نفسها، فإن كان قبل الحكم لم يسقط نسب الولد، وعاد اللعان بينهما، فإن نكل الزوج لحق به الولد ولا يحد، لأنها مقرة، وإن رجعت بعده لم يقبل رجوعها، وقال ابن الكاتب: لا يقبل رجوعها بعد إقرارها لما تعلق الزوج بذلك من الحق. ابن عبد السلام: وكان ينبغي أن يسقط الحد ويبقى الولد منفياً كمن أقر بسرقة ورجع عنها، فإنه يغرم المال ولا يقطع. خليل: وقد يفرق بينهما بتشوف الشرع هنا إلى لحوق النسب. فرع: قال ابن القاسم في المطلق قبل البناء، وتقاررا على عدم المسيس، ثم مات الزوج وظهر بها حمل فقالت: هو منه، فالولد يلحق به، ولا ترثه هي ولا يتم لها صداقها. محمد: لأ، ها لم تثبت على قولها، وتصديقها فيه سقوط الولد على قول من يسقطه بتصديقها، ولا حد عليها لأنها لم تقر بزنا. محمد: والصواب أن يتم لها الصداق لأن الولد إذا لحق فقد [٣٩٣/أ]، ولو تم لها المسيس، ولو مات قبل انقضاء العدة ورثته إذا كان الطلاق واحدة رجعية.

стр. 2267

وَلَهُ نَفْيُهُ حَيّاً أو مَيِّتاً أي للزوج نفي الولد حياً أو ميتاً. ابن عبد السلام: لا خلاف أعلمه في ذلك، قال في المدونة: وإن ولدت ولداً ميتاً أو مات بعد الولادة، ولم يعلم به الزوج لغيبة أو غيرها، ثم نفاه إذا علم به، فإنه يلاعن، لأنه قاذف، وعلى هذا ففائدة اللعان بعد موته سقوط الحد عن الزوج. ولو اسْتَلْحَقَهُ مَيِّتاً لحق وحُدَّ، وقِيلَ: إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ظاهر قوله: (وقِيلَ: إِنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ)، أن الخلاف في الحد، ولا خلاف في حده، وإنما الخلاف في الإرث، ومذهب المدونة أنه يرث إن كان للولد الميت ولد، لا إن لم يكن، ففيها: ومن نفى ولداً بلعان ثم ادعاه بعد أن مات الولد عن مال، فإن كان لولده ولد طرب الحد ولحق به، وإن لم يترك ولداً لم يقبل قوله، لأنه يتهم في ميراثه، ويحد ولا يرثه، ودليل المدونة أنه يرث مع الولد السدس، وقد قال ذلك فيمن شهد في وصية له فيها نصيب يسير أن شهادته جائزة، وقال أشهب: لا شيء له، حكاه عنه البرقي وغيره، واختاره ابن القصار، وعلى هذا فلا خلاف في ثبوت الحد وسقوط الميراث، إذا لم يكن للميت ولد، واختلف في الإرث إذا كان له ولد، لكن قيد فضل عدم إرثه إذا لم يكن للميت ولد، بما إذا كان المال كثيراً، وأما إذا كان يسيراً فإنه يرثه، فقيل لابن القاسم: فإن لم يكن له مال ولا ولد، قال أصبغ: فرأيته لا يرى أن يلحق به، ورآه شيئاً واحداً إذا لم يترك ولداً. أصبغ: إذا لم يترك ولداً لم يلحق، وإن استلحقه، كان له مال أو لم يكن، وإنما يلحق به إذا كان له ولد، فيقع الإقرار على النسب. أشهب: ولو كان الولد عبداً أو نصرانياً صدق ولحق به.

стр. 2268

أبو إسحاق: لم يتهمه إن كان له ولد، وإن كان يرث معه السدس، فكذلك العبد والنصراني وإن كانا لا يرثاه. خليل: والذي ينبغي أن تتبع التهمة، فقد يكون السدس كثيراً، فينبغي ألا يرثه، ولو كان للميت ولد، وقد يكون المال كله يسيراً، فينبغي أن يرثه، وإن لم يكن له ولد. ويَكْفِي فِي الأَوْلادِ الْمُتَعَدِّدَةِ لِعَانٌ وَاحِدٌ يعني: إذا ولدت أولاداً عدة، واحداً بعد واحد، وكان الزوج غائباً، ثم قدم ونفى الجميع، فإنه يكفيه لعان واحد، كمن قذف امرأته بالزنا في مرات متعددة، فإنه يكفيه لعان واحد. فرعان: الأول: إذا قدم من سفره فوجد ولداً فنفاه، فذلك على ضربين، أحدهما: أن يقول: لم تلديه، والثاني: أن يقول: ولدتيه ولكن ليس مني، فأما الأول، فهو أن ينكر أن تكون ولدته جملة، فقال الباجي: قال ابن القاسم في الموازية: هو منه إلا أن ينفيه بلعان، وقال أشهب: المرأة مصدقة ولا لعان فيه، إلا أن يقصد بذلك نفي الولد منه، فيلاعن. ابن القاسم: فإن نكل بعد أن نفاه على هذا الوجه، ولم يلاعن لم يحد، وأما الوجه الثاني فإنه لا ينفيه إلا بلعان. الثاني: قال في المقدمات: واختلف فيمن قذف أربع نسوة في كلمة واحدة، فقال الأبهري: لست أعرفها منصوصة، والذي يجيء على مذهبنا أن يلاعن لكل واحدة، لأن اللعان بمنزلة الشهادة، ولو أتى بالشهود لزم أن تعتبر الشهادة على كل واحدة بانفرادها، ويحتمل أن يجزيه لعان واحد، كما لو قذف جماعةب كلمة واحدة، وكما لو ظاهر منهن، فإنه تكفيه كفارة واحدة، وحكي عن إسماعيل القاضي ما يؤخذ منه الاكتفاء بلعان واحد، وقال اللخمي: وقال محمد فيمن قذف امرأتيه، فقامت عليه إحداهما، فقال كذبت عليك، جلد الحد، ثم قامت الأخرى فلا حد عليه، لأن ذلك الضرب لكل من قذف قبل ذلك، فإن قال لها بعد أن ضرب: قد صدقت عليك، أو على صاحبتك، كان عليه

стр. 2269

الحد، إلا أن يلاعن، وسواء قال ذلك لمن قامت عليه أم لا، هذا قول ابن القاسم، وقال عبد الملك: يحد للأولى، ولا لعان له فيها، لأنه قذف ثان قد أكذب نفسه فيه. محمد: ولو قال للثانية: أما أنت فقد صدقت عليك، وكذبت على صاحبتك، لا عن الثانية، وقول ابن القاسم هنا، أنه يلاعن الأولى إذا رجع بعد أن كذب نفسه، خلاف المعروف من المذهب، وخلاف الأصول، انتهى. وكَذَلِكَ فِي الزِّنَا والْوَلَدِ جَمِيعاً يعني: إذا قال: هذا الولد ما هو مني، وزنيت قبل الحمل أو بعده، فإنه يكفي فيهما أيضاً لعان واحد، لأن حاصل قوله راجع إلى قذف المرأة بالزنا مرات، وكما اكتفي لذلك الحد الواحد، كذلك اكتفى بلعان واحد. ومَنَعَهُ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْحَمْلِ لِجَوَازِ انْفِشَاشِهِ، ورُدَّ بأَنَّ الْعَجْلانِيَّ وغَيْرَهُ لاعَنَ فِي الْحَمْلِ لِظُهُورِهِ كإيجاب النَّفَقَةِ والرَّدِّ بِالْعَيْبِ .... يعني: اختلف فيمن نفى حملاً ظاهراً، فالمشهور أنه يعجل كما يقضي للمطلقة بنفقة الحمل، إذا ظهر حملها، وكما يجب الرد للمشتري إذا اشترى جارية وظهر حملها، ولا يؤخر فيهما إلى الوضع، ومنع عبد الملك اللعان قبل الوضع خشية أن ينفش، ورواه عن مالك، والفرق على قوله بين اللعان، وما ذكر أن اللعان تترتب عليه أمور عظام عظام من فسخ النكاح والحرمة على التأبيد ووجوب الحد، واستدل [٣٩٣/ب] محمد للمشهور بأ، قال: السنة أن يلاعنها حاملاً، وقد لاعن النبي ﷺ في عويمر وامرأته حامل، وإلى هذا أشار بقوله: (ورُدَّ بأَنَّ الْعَجْلانِيَّ وغَيْرَهُ لاعَنَ فِي الْحَمْلِ). اللخمي وغيره: وليس هذا الرد بالبين، لأن عويمر أو هلال بن أمية لم يكن سبب لعانهما إنكار الحمل، وإنما كان السبب في لعانهما الرؤية، نعم كانت امرأة العجلاني حاملاً لقوله ﷺ : "إن جاءت به على وجه كذا ... وإلا فقد كذب عليها". اللخمي: والخلاف إنما هو إذا لم تكن رؤية، أو كانت ولم تقع بقذفها.

стр. 2270

وَلو انْفَشَّ الْحَمْلُ لَمْ تَحِلَّ أَبَداً إِذْ لَعَلَّها أَسْقَطَتْهُ وكَتَمَتْهُ هذه المسألة وقعت هنا في أكثر النسخ، وسقطت من بعضها، وتصورها ظاهر، وقوله: (إِذْ لَعَلَّها أَسْقَطَتْهُ وكَتَمَتْهُ)، نحوه في المدونة، وتقديره أن التحريم على التأبيد ثابت لحصول سببه، وهو اللعان، ورافعه هو انفشاش الحمل مشكوك فيه، لاحتمال أن تكون أسقطته وكتمته، فلا يؤثر هذا الشك في ذلك المحقق، وظاهره وهو الذي صرح به ابن عبد الحكم، أنه لو تحقق أنه انفش بحيث لا يشك في ذلك، مثل أن تلازمها بينة ولا تفارقها إلى انقضاء أمد الحمل، أن ترد إليه لزوال الشك، قيل: وقول ابن عبد الحكم تفسير للمدونة، وقال الباجي: إذا قلنا برواية ابن القاسم أنه يلاعن بظهور الحمل، فتلاعنا، ثم انفش الحمل، لم يحد الزوج، ولم تحل له أبداً، قاله ابن المواز، ووجه ذلك أن حكم اللعان قد ثبت بينهما، فلا يزول بما يتبين من الكذب، كما لو أقر الزوج بالحمل، وفهمه ابن عبد السلام على أنه خلاف للأول، وقال: الأول عندي أولى لأنه أوفق لقول مالك؛ إن أراد الباجي بقوله تفسير قول مالك، وفيه نظر، ويمكن ألا يكون ما قاله الباجي مخالفاً لما قاله ابن عبد الحكم. ولا يَجُوزُ أَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى عَزْلٍ لمَّا قدم ما يعتمد عليه في نفي الحمل، أخذ يتكلم هنا فيما يتوهم أنه مانعاً وليس بمانع، أي لا يجوز له أن يعتمد في نفي الحمل على عزل، لأنه قد يبسقه الماء ولا يشعر به. ابن عبد السلام: وأشار بعض الشيوخ إلى اعتباره في الإماء. ولا مُشَابَهَةٍ لِغَيْرِهِ ولو بالسَّوَادِ لما في الصحيح عن أبي هريرة أن أعرابياً قال للنبي ﷺ : إن امرأتي قد ولدت غلاماً أسود، وإني قد أنكرته، فقال له النبي ﷺ : "هل لك من إبل؟

стр. 2271

فقال: نعم، فقال: ما لونها؟ فقال: أحمر، فقال: هل فيها من أورق؟ فقال: نعم؛ فقال له النبي ﷺ : فأنى هو يكن؟ فقال: لعله يكون نزعه عرق، فقال رسول الله ﷺ : وهذا لعله يكون قد نزعه عرق" زاد البخاري: ولم يرخص له في الانتفاء منه. ابن عبد السلام: ففهم الأئمة من هذا الحديث أن الأشباه لا يعتمد عليها، وأراد اللخمي أن يسلك بذلك مسلك التعليل، وزاد: فألزم عكس العلة، فقال: ولو كان الأبوان أسودان قدما من الحبشة، فولدت أبيض، فانظر هل ينفيه بذلك، لأنه لا يظن أنه كان في آبائه أبيض، أي لأنه لا يمكن أن يقال هنا، لعله عرق نزعه. ولا عَلَى الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ إِنْ أنزَلَ لاحتمال أن يكون وصل من مائه شيء إلى الفرج، قالوا: وكذلك الوطء في الدبر، واستشكل الباجي هذا، فقال: يبعد عندي أن يلحق الولد من الوطء في غير الفرج، ولو صح هذا لما جاز أن تحد امرأة يظهر بها حمل ولا زوج لها، لاحتمال أن يكون من وطءٍ في غير الفرج. ولا وَطءٍ بِغَيْرِ إِنْزَالٍ إِنْ كَانَ أَنْزَلَ قَبْلَهُ ولَمْ يَبُلْ أي لاحتمال أن يكون بقي من الماء شيء، في قناة الذكر، ولهذا إذا بال جاز له الاعتماد، لأنه لا يبقى شيء بعد البول. ويُلاعِنُ الأَخْرَسُ بِالإِشَارَةِ والْكِتَابَةِ إِنْ فُهِمَ كما يصح بيعه وشراؤه ونكاحه وطلاقه، والزوجة الخرساء كذلك، في العتبية، في المرأة الصماء البكماء، يقذفها زوجها، أنها تلاعن بما يفهم منها بالإشارة.

стр. 2272

ويلاعِنُ الأَعْمَى فِي نَفْيِ الْوَلَدِ وفِي الْقَذْفِ لا إشكال في ملاعنته في نفي الولد، وأما القذف فملاعنته فيه متفق عليها من حيث الجملة، لكن هل يعتمد على يقينه أو لا يعتمد إلا على مسيس الفرجين؟ قولان قد تقدما. أَمَّا إِذَا تَبَيَّنَ انْتِفَاؤُهُ عَنْهُ- بِأَنْ نَكَحَ مَشْرِقِيٌّ مَغْرِبِيَّةً فَأَتَتْ بِوَلَدٍ مِنْ غَيْرِ إِمْكَانِ وَطْءٍ، أَوْ لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ، أَوْ هُوَ صَبِيٍّ صَغِيرٌ حِينَ الْحَمْلِ، أَوْ كَانَ مَجْبُوب- فَلا لِعَانَ ..... صورة ذلك أن يعقد المشرقي وهو في المشرق النكاح على امرأة مغربية وهي بالمغرب، ويتولى عقد النكاح بينهما إما أبوها وهي بكر أو وكيلها وهي ثيب، وخالفنا في ذلك أبو حنيفة، فألحق الولد، وتمسك بعمووم قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ وبقوله ﵊: "الولد للفراش" وخصص أهل المذهب الآية والحديث، بما إذا كان الوطء ممكناً في العادة، وقوله (أقرب)، وقوله: (أَوْ كان لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنَ الْعَقْدِ) تقديره: أو كان الولد الذي أتت به غير السقط، لأقل من ستة أشهر من حين العقد، ينتفي بغير لعان، لأنه لا يمكن أن تضع لأقل من ستة أشهر، وقوله: أو هو صغير أو مجبوب [٣٩٤/أ]، أي فينتفي الولد أيضاً عنهما بغير لعان لعدم إمكان الحمل فيهما في العادة. فَإِنْ نَسَبَهَا إِلَى اسْتِكْرَاهٍ أَوْ وَطْءٍ شُبْهَةٍ لاعَنَ لِنَفْيِ الْوَلَدِ ولَمْ تُلاعِنْ هِيَ إِذَا ظَهَرَ الْغَصْبُ ...... نحوه في الجواهر، ولفظه: فلو نسبها إلى زنى هي مستكرهة فيه، التعن هو لنفي الولد، ولم تلتعن هي إذا ظهر الغصب، إذ يمكن أن يكون منه، قال ابن عبد السلام: ظاهر هذا الكلام أنه لا يلاعن إلا إذا كان عن الغصب حمل، أو كان يخشى ذلك، فإن فقدا فلا لعان، وظاهر الروايات خلافه، ففي المدونة: إذا قذفها وقد كانت وطئت غصباً

стр. 2273

التعن، قال غيره: وإن قذفها برؤية غير الغصب تلاعنا جميعاً، فأما إن غصبت واستمرت حاملاً، ونفى الولد لم ينتف الولد إلا بلعان، ولا تلاعن هي، إذ تقول: إن لم يكن منك فمن الغاصب. ابن عبد السلام: فلم يتعرض ابن القاسم إلى الولد بوجه، مع أنه أثبت اللعان، واختلف الشيوخ في كلام غيره، هل هو تفسير أو خلاف؟ والأقرب أنه تفسير، وأن ابن القاسم تكلم على ما إذا لم يظهر حمل عن ذلك الغصب، وتكلم غيره على ما إذا ظهر، واعلم أن المسألة على صورتين: إحداهما: أن يظهر الغصب أو يثبت، وهذه هي التي تكلم عليها المصنف. اللخمي: وإذا ثبت الاغتصاب ببينة، كان كثبوت الزناء، فيختلف إن قال: ليس مني، وقد كنت استبرأتها؛ هل ينفيه بلعان أو بغيره؟ واختلف قول ابن القاسم إذا كذبته وقالت: هو منه، وإذا كان الحكم لا ينتفي إلا بلعان، فإن اللعان على الزوج وحده، فإن نكل لم يحد، وإن لاعن لم يكن عليها لعان، لأنها تقول: يمكن أن يكون من الغاصب، وأرى ألا ينتفي إلا بلعان، لاتفاقهم إذا كانت الزوجة أمة أو نصرانية، أنه لا ينتفي إلا بلعان، وإن كان لا حد عليه في قذفها. الصورة الثانية: ألا يثبت الغصب ولا يظهر، وهي أيضاً تنقسم إلى صورتين، الأولى أن تصدقه، والثانية أن تنكر الوطء جلمة، فإن صدقته لم ينفه إلا بلعان، وتلاعن أيضاً هي. ابن المواز وابن عبد الحكم: وتقول: ما زنيت، ولقد غلبت على نفسي، وكذلك قال ابن القاسم، وتقول: بالله إني لمن الصادقين ما أطعت، وتقول في الخامسة: غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين. محمد: ويفرق بينهما، فإن نكلت رجمت. اللخمي: ولا نعلم لرجمها وجهاً، لأن الزوج لم يثبت عليها في لعانه زنى، وإنما أثبت غصباً، فلا لعان عليها، كما لو أثبتت البينة الغصب، ولو لاعنته لم يفرق بينهما، لأنها إنما أثبتت بالتعانها الغصب، وقد صدقها الزوج، ولها أن تقول في الأربع: أشهد بالله إنه لمن

стр. 2274

الصادقين، ولقد صدق، وهذا خارج عما ورد في القرآن مما يوجب الحد بنكولها، أو يوجب الفراق إن نكلت، فإن قيل: لم قال ابن القاسم فيما إذا تصادق الزوجان على الغصب أن الولد لا ينتفي إلا بلعان، بخلاف ما إذا تصادقا على الزنا؟ فالجواب أن الزانية لما كانت تحد لإقرارها بالزنى انتفت عنها التهمة، بخلاف التي أقرت بالغصب، فإنه لا حد عليها، فلم تصدق في رفع النسب، قاله صاحب النكت، وأما الصورة الثانية، وهي إذا ادعى الغصب وأنكرته هي، فقال اللخمي: على قول محمد يلتعنان جميعاً، قال: والصواب إذا التعن ألاَّ لعان عليها، لأن الزوج إنما أثبت في التعانه أنه اغتصاباً. فرعان: الأول: إذا نكل الزوج عن اللعان مع ثبوت الغصب بالبينة، وتصادقا عليه، لم يحد، وكذلك إن ادعاه وأنكرته، لأن محمل قول الزوج محمل الشهادة، لا محمل التعريض، قاله محمد وغيره. الثاني: إذا قالت: كنت مغتصبة، وقال: بل كنت طائعة؛ وهي مقرة بالوطء، مدعية للغصب. اللخمي: فعلى قول ابن القاسم، تحد، ولا لعان على الزوج، وعلى قول أشهب، لا تؤخذ بغير ما أقرت به، ويلتعن الزوج، فإن نكل لم يحد، للاختلاف. فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً يُوطَأُ مِثْلُهَا لاعَنَ هُوَ دُونَهَا أي: كانت الصغيرة المطيقة للوطء، لا يخشى منها الحمل، فقال ابن القاسم: يلاعن وإن نكل حُدَّ، ولا لعان عليها، لأنها لو أقرت بالزنى لم تحد، وهو جار على المشهور أن من قذف صبية غير بالغة يمكن وطؤها يحد، وقال ابن الماجشون: لا حد على من قذف من لم تبلغ من الإناث، فعلى هذا لا يلاعن ولا يحد، وخرج اللخمي ثالثاً، أنه يحد ولا يلاعن من أحد قولي مالك أن اللعان إنما يكون لنفي الحمل خاصة.

стр. 2275

وأما إن كانت في سن من يحمل فله أن يلاعن بالاتفاق إن ادعى رؤية، وهل يجب؟ فعلى المشهور يجب، وعلى قول ابن الماجشون لا يجب، وإذا التعن وقف أمرها، فإن ظهر حمل لم يلحق به، ووجب عليها اللعان، لأن الحمل لا يصح إلا من بالغ، وظهوره يبين أنها كانت بالغاً يوم وطئت، فإن نكلت حدت حد البكر، لإمكان أن يكون بلوغها بعد إصابة الزوج وقبل الإصابة التي رماها به، ولو لم تقم هي بقذفها حتى ظهر الحمل، وجب عليها اللعان [٣٩٤/ب] باتفاق، فإن نكل حد لأنه قاذف لبالغ، ولحق به الولد، وإن وجب عليها اللعان، ونكلت حدت حد البكر، وإن كانت ممن قعدت عن الحيض وادعى رؤية، تلاعنا على قول ابن القاسم، وأحد قولي مالك، وعلى أن اللعان لنفي الحمل خاصة يحد الزوج. وشَرْطُهُ فِي الْوَلَدِ أَنْ لا يَطَأَ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ أَوِ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ أَوِ الْحَمْلِ وأَنْ لا يُؤَخِّرَ بَعْدَ الْعِلْمِ بِالْوَضْعِ أَوِ الْحَمْلِ ..... أي: وشرط اللعان في نفي الولد ألا يطأها بعد الرؤية والعلم بالوضع أو الحمل، لأن وطئها رضىً منه بالبقاء، والنفوس لا تطيق الكتمان في مثل هذا، فإذا سكت دل ذلك على أن الولد منه. وقوله: (وأَنْ لا يُؤَخِّرَ) وشرطه إذا علم بالوضع أو الحمل ألا يؤخر رفعها، فإن أخر ذلك، قال في المدونة: يوماً أو يومين لم ينفعه نفيه، ويلحق به، وتبقى له زوجة مسلمة كانت أو كتابية، ويحد للحرة المسلمة، ولا يحد للأمة ولا الكتابية، قال فيها: وأما إن قدم من سفر فله أن ينفي الحمل، وإن كان ظاهراً، وقيد عبد الوهاب ذلك بما إذا لم يكن له عذر، وأما إن كان له عذر في ترك الإنكار اليوم واليومين، يريد أو أكثر فلا يدل ذلك على الرضا، وهو ظاهر، وخالف في ذلك ابن القصار، فقال: إذا أخر ذلك حتى وضعت، وقال: رجوت أن يكون ذلك ريحاً فأستريح منه، فله ذلك، إلا أن يجاوز ثلاثة أيام بعد الوضع، أو يظهر منه ما يدل على الرضى، مثل أن يقبل التهنئة قبل الثلاث، وقيد المصنف

стр. 2276

الشرط بالولد، لأن بعضهم حكى في الرؤية إذا لم يكن عنها حمل، أن السكوت الطويل لا يمنع من اللعان، وإنما يمنع منه الوطء، وروى محمد وابن حبيب عن ابن الماجشون، أنه إذا ادعى رؤية قديمة، ثم قام بها الآن، ألا يقبل قوله، ويحد لأن سكوته حين رؤيته دليل على كذبه، وذكر ابن شعبان أنه إذا لم يقم حين رآها يحد، وإطلاق المصنف الشرط على هذا، هو اصطلاح الفقهاء، لأنهم يرون كل ما يوقف عليه الشرط يسمى شرطاً، وغلا فأهل الأصول يرون مثل هذا مانعاً، ويقولون كل ما يشترط عدمه، فوجوده مانع. وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ- وقَالَ مُحَمَّدٌ: يَزِيدُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ- لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي، وقِيلَ: ويَصِفُ كَالشُّهُودِ، وقِيلَ: يَكْفِي لَزَنَتْ عَلَى الْخِلافِ الْمُتَقَدِّمِ ..... أي: وصفة اللعان أن يشهد الرجل أربع مرات، فيقول: أشهد بالله، وقيل: يجوز أن يقول: أقسم بالله، وأشهد بعلم الله، وقال بعضهم: ويجزئ بعزة الله، وإذا أجازه بالصفة، فأحرى بأسمائه تعالى. المازري: والمنصوص أنه لا يجزئ في أسمائه إلا بالله، وزاد محمد بعد قوله: أشهد بالله: الذي لا إله إلا هو، وزاد ابن كنانة في ال مجموعة على زيادة محمد: عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، قال في المجموعة: يقول ذلك في اللعان وفي القاسمة وفي ربع دينار فصاعداً، وعن أشهب إن لم يزد: الذي لا إله إلا هو لا يجزئه ذلك. وقوله: (لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي ... إلخ)، على القول بأنه يعتمد على مطلق الرؤية، ويقول في يمينه: أشهد بالله لرأيتها تزني، وعلى القول بأنه لا يعتمد إلا على الوصف، كالشهود، يقول: رأيتها تزني، يلج فرج الرجل في فرجها، كالمرود في المكحلة، وعلى القول بأنه يعتمد على يقينه كالأعمى، يقول في يمينه: أشهد بالله لزنت، وهذا معنى قوله: على الخلاف المتقدم، وظاهر كلام المصنف أنه اختلف ابتداء، هل يزيد: الذي لا إله إلا هو، وظاهر ما حكاه غيره، أنه يقوله، وإنما الخلاف إذا تركه.

стр. 2277

خليل: وفيه نظر، وقد ذكر المتيطي وابن شاس القولين كالمصنف. ابن عبد السلام: وسكت المؤلف هل يقول مع كل مرة إني لمن الصادقين، وذكر أصبغ عن ابن القاسم أنه يقول في كل مرة، أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني، وهذا أسعد بظاهر الآية. وفِي نَفْيِ الْحَمْلِ: لَزَنَتْ أَوْ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الاعْتِمَادِ كَالأَوَّلِ، ويَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ أي: ويقول الرجل في نفي الحمل: لزنت، وهذا مذهب المدونة، وقوله: (أَوْ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي)، هو قول محمد، واستحب في الموازية والعتبية، أن يزيد بعد قوله: ما هذا الحمل مني، لزنت كالمرود في المكحلة، وقوله: (وقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الاعْتِمَادِ) هذا القول نقله ابن شعبان، فقال: وقال بعض أصحابنا: ويقول: لقد استبرأت. اللخمي: وأرى أن يكون اللعان مبنياً على الوجه الذي ينفي به ذلك الولد، فيثبت ذلك في لعانه، وقد اختلف في الوجه الذي به يكون النفي، هل الاستبراء بانفراده أو الرؤية بانفراده، أو بمجموع ذلك؟ فمن أجاز نفيه بالاستبراء فقط أثبت في لعانه الاستبراء، وعلى الرؤية يثبتها فقط، وعلى القول بأنه لا بد من الجميع يثبت الجميع في لعانه، قوله: (الأولى) سقط هذا من بعض النسخ، وثبت في نسخة ابن عبد السلام، فقال: ومراده كالصورة الأولى التي فوق هذه، ووقع في أكثر النسخ كالأول، أي كالفرع الأول، كما كان في الزنا، لابد أن يذكر الاستبراء، كما كان في الزنا، لابد أن يذكر معتمده في الرؤية، فكذلك هنا لابد أن يذكر الاستبراء، وانظر مذهب المدونة بأنه لا يلزم من قوله: زنت، أن يكون الحمل من غيره [٣٩٥/أ]. قوله: (ويَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) هو نص الآية، وأتى المصنف بـ (أَنَّ) تبعاً للآية الكريمة، والمدونة، وفي الجلاب والكافي: لعنة الله عليه من غير (أن)، وعلى هذا فلا يكون ذكر أن واجباً، ولكن ينبغي أن يكون أولى.

стр. 2278

وتَقُولُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ باللهِ مَا رَأَىنِي أَزْنِي، أَوْ مَا زَنَيْتُ أَوْ لَقَدْ كَذَبَ لِلْجَمِيعِ، فِي نَفْيِ الْحَمْلِ: مَا زَنَيْتُ- لِلأَوَّلِ- وإِنَّهُ مِنْهُ- وَقِيلَ وتَعْكِسُ- ولَقَدْ كَذَبَ لِلْجَمِيعِ؛ وفِي الْخَامِسَةِ: أَن غَضبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي: وتقول المرأة في القذف أربع مرات: أشهد بالله ما رآني أزني. (لِلأَوَّلِ)، أي القول الأول، وهو مذهب المدونة الذي تقدم، أعني قوله: (لرأيتها تزني)، وقوله: (مَا زَنَيْتُ)، هذا على القول بأنه يكتفي بقوله: (لزنت). وقوله: (وفِي نَفْيِ الْحَمْلِ) أي وتقول في نفي الحمل: (مَا زَنَيْتُ)، على مذهب المدونة (وإِنَّهُ مِنْهُ) على قول ابن المواز. قوله: (وقيل للجميع وتعكس)، أي وقيل: يفتقر الرجل للجميع وتعكس المرأة، وذلك أنه قدم أنه يكتفى على المشهور بقوله: لزنيت، وأنه يكتفى على قول محمد، بـ (ما هذا الحمل مني)، وهذا القول يرى أنه لا بد منهما، وهو لأصبغ، ونصه على نقل اللخمي: وقال أصبغ: يقول أشهد بالله لزنت، وما هذا الحمل مني، وتقول هي: مازنيت وإنه لمنه، ويمكن أن يكون قوله: (وقيل للجميع وتعكس)، أن ذلك خاص بالمرأة، ويكون التقدير، وقيل تفتقر المرأة للجميع وتعكس، وذلك أنه قدم أنها تقول على مذهب المدونة: ما زنيت، وعلى قول محمد: (وإنه منه) أي وقيل على كلا القولين لابد أن تثبت مجموع اللفظين، لأنه إذا قال: زنت، لزم منه نفي الحمل، وإذا قال، على قول محمد، ما هذا الحمل مني، لزم منه الزنا، فترد ما ادعاه عليها تصريحاً والتزاماً، غير أنها تقدم في لفظها ما ذكره تصريحاً، فإذا قال على مذهب المدونة: لزنت؛ تقول هي: ما زنيت وإنه منه، وإن قال على مذهب محمد: ما هو مني؛ تقول هي: إنه منه، وما زنيت، فيكون، وتعكس على هذا التقدير، ما كان مؤخراً على القول الآخر، ولم أر نقلاً يساعد هذا الوجه، فليعتمد على

стр. 2279

الأول، وقوله: (ولقد كذب للجميع) أي لجميع الأقوال، أي سواء قال: لزنت وما هذا الحمل مني، أو ذكرهما. قوله: (وفِي الْخَامِسَةِ)، تصوره ظاهر ويقول الرجل: أن لعنة الله، متصلة بيمينه الخامسة، وكذلك المرأة، ولا يفرد اللعنة بيمين لئلا يحلف ستة، قاله ابن القاسم. ويَتَعَيَّنُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ واللَّعْنِ والْغَضَبِ بَعْدَهَا يعني: يتعين أن يقول كل واحد منهما: أشهد، ولا يجزئ أحلف ولا أقسم على المشهور كما تقدم، ويتعين اللعن في حق الرجل والغضب في حق المرأة، هكذا قال عبد الوهاب في شرح الرسالة، أن النظر يقتضي ألا يجزئ إذا بدل اللعنة بالغضب، وبالعكس. أصبغ: وإن قال في الخامسة مكان (إن كنت من الكاذبين)، (إن كنت كذبتهأ)، أجزأه، وإن قالت المرأة في الخامسة، مكان إن كان من الصادقين: إنه لمن الكاذبين أجزأها، وأحب إلينا لفظ القرآن. الباجي: فأشار إلى أن لفظ اللعان غير متعين إلا أن لفظ القرآن أفضل، وظاهر قول ابن وهب في الموازية أنه يتعين بلفظ القرآن. ابن عبد السلام: وأشار بعض أهل المعاني إلى أن الغضب أشد، فعلى هذا إن أبدلت المرأة الغضب باللعنة لم يجزها، وأعادت الخامسة على سنتها، وإن أبدل الرجل أجزأه، فإن قلت: لم اختص الرجل باللعنة واختصت المرأة بالغضب، قيل لأن قاعدة الشرع المجازاة على الفعل من جنسه، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ....﴾ إلى آخرها، وما ورد في الحديث: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" "ومن حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" "ومن قال لصاحبه: تعالى أقامرك، فليتصدق" لأن الحلف بغير الله يتضمن تعظيمه، فكانت كفارته التوحيد، وقد قصد إخراج مال في غير وجه، فكانت كفارته أن يخرج مالاً في وجهه، ولما كان الزوج مبعداً لزوجته ونسبه، ناسب أن

стр. 2280

يذكر اللعنة، ولما كانت المرأة مغضبة لزوجها ووليها وأهلها، ناسب أن تذكر الغضب، والله أعلم. فَلَوْ بَدَأَتِ الْمَرْأَةُ بِاللِّعَانِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُعَادُ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُعَادُ لا خلاف أن الرجل يبدأ باللعان، وهو الذي دلت عليه الآية، ووقع في حديث عويمر، وذكر عبد الوهاب أن المذهب فيها إذا أخطأ، وقدم المرأة إعادتها، ونقل ابن الكاتب واللخمي وصاحب البيان عن ابن القاسم وأشهب مثل ما نقله المؤلف، وجعل في البيان منشأ الخلاف، هل تقديم الرجل واجب أم لا، وقاس أشهب عدم الإجزاء على ما إذا حلف الطالب قبل نكول المطلوب، فإنه لا يجزئ، واختار ابن الكاتب واللخمي قول أشهب، قال في البيان: والخلاف إنما هو إذا حلفت المرأة أولاً كما يحلف الرجل، لا على تكذيب أيمانه، فقالت: أشهد بالله إني لمن الصادقين ما زنيت، وأن حملي هذا منه، وقالت في الخامسة، غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين، فها هنا قال ابن القاسم: يلتعن الرجل فيقول: أشهد بالله إنها لمن الكاذبين، ولقد زنت وما هذا الحمل مني، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه [٣٩٥/ب] إن كانت من الصادقين، وأما إن حلفت المرأة أولاً، فقالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فلا خلاف بين ابن القاسم وأشهب في إعادة المرأة، لأنها حلفت على تكذيب أيمان الزوج، وهو لم يتقدم له يمين، انتهى. فإن قلت: لم خولفت القاعة في اليمين هنا وفي القسامة، لأن الزوج وأولياء المقتول مدَّعون، والقاعدة إنما يحلف أولاً المدَّعى عليه؟ قيل: أما الملتعن فإنه مدع ومدعى عليه، ولذلك يحلف هو والمرأة، وبدئ باليمين لأنه لما قذفها طالبته بحقها، احتاج لذلك أن يحلف، إذا صار مدعى عليه الحد، وأما أولياء المقتول فإنهم مدعى عليهم حكماً، وإن
следующие страницы →