← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

الشرط بالولد، لأن بعضهم حكى في الرؤية إذا لم يكن عنها حمل، أن السكوت الطويل لا يمنع من اللعان، وإنما يمنع منه الوطء، وروى محمد وابن حبيب عن ابن الماجشون، أنه إذا ادعى رؤية قديمة، ثم قام بها الآن، ألا يقبل قوله، ويحد لأن سكوته حين رؤيته دليل على كذبه، وذكر ابن شعبان أنه إذا لم يقم حين رآها يحد، وإطلاق المصنف الشرط على هذا، هو اصطلاح الفقهاء، لأنهم يرون كل ما يوقف عليه الشرط يسمى شرطاً، وغلا فأهل الأصول يرون مثل هذا مانعاً، ويقولون كل ما يشترط عدمه، فوجوده مانع. وَصِفَتُهُ أَنْ يَقُولَ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ بِاللهِ- وقَالَ مُحَمَّدٌ: يَزِيدُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هُوَ- لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي، وقِيلَ: ويَصِفُ كَالشُّهُودِ، وقِيلَ: يَكْفِي لَزَنَتْ عَلَى الْخِلافِ الْمُتَقَدِّمِ ..... أي: وصفة اللعان أن يشهد الرجل أربع مرات، فيقول: أشهد بالله، وقيل: يجوز أن يقول: أقسم بالله، وأشهد بعلم الله، وقال بعضهم: ويجزئ بعزة الله، وإذا أجازه بالصفة، فأحرى بأسمائه تعالى. المازري: والمنصوص أنه لا يجزئ في أسمائه إلا بالله، وزاد محمد بعد قوله: أشهد بالله: الذي لا إله إلا هو، وزاد ابن كنانة في ال مجموعة على زيادة محمد: عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم، قال في المجموعة: يقول ذلك في اللعان وفي القاسمة وفي ربع دينار فصاعداً، وعن أشهب إن لم يزد: الذي لا إله إلا هو لا يجزئه ذلك. وقوله: (لَرَأَيْتُهَا تَزْنِي ... إلخ)، على القول بأنه يعتمد على مطلق الرؤية، ويقول في يمينه: أشهد بالله لرأيتها تزني، وعلى القول بأنه لا يعتمد إلا على الوصف، كالشهود، يقول: رأيتها تزني، يلج فرج الرجل في فرجها، كالمرود في المكحلة، وعلى القول بأنه يعتمد على يقينه كالأعمى، يقول في يمينه: أشهد بالله لزنت، وهذا معنى قوله: على الخلاف المتقدم، وظاهر كلام المصنف أنه اختلف ابتداء، هل يزيد: الذي لا إله إلا هو، وظاهر ما حكاه غيره، أنه يقوله، وإنما الخلاف إذا تركه.

стр. 2277

خليل: وفيه نظر، وقد ذكر المتيطي وابن شاس القولين كالمصنف. ابن عبد السلام: وسكت المؤلف هل يقول مع كل مرة إني لمن الصادقين، وذكر أصبغ عن ابن القاسم أنه يقول في كل مرة، أشهد بالله إني لمن الصادقين لرأيتها تزني، وهذا أسعد بظاهر الآية. وفِي نَفْيِ الْحَمْلِ: لَزَنَتْ أَوْ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي، وقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الاعْتِمَادِ كَالأَوَّلِ، ويَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ أي: ويقول الرجل في نفي الحمل: لزنت، وهذا مذهب المدونة، وقوله: (أَوْ: مَا هَذَا الْحَمْلُ مِنِّي)، هو قول محمد، واستحب في الموازية والعتبية، أن يزيد بعد قوله: ما هذا الحمل مني، لزنت كالمرود في المكحلة، وقوله: (وقِيلَ: لا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ سَبَبِ الاعْتِمَادِ) هذا القول نقله ابن شعبان، فقال: وقال بعض أصحابنا: ويقول: لقد استبرأت. اللخمي: وأرى أن يكون اللعان مبنياً على الوجه الذي ينفي به ذلك الولد، فيثبت ذلك في لعانه، وقد اختلف في الوجه الذي به يكون النفي، هل الاستبراء بانفراده أو الرؤية بانفراده، أو بمجموع ذلك؟ فمن أجاز نفيه بالاستبراء فقط أثبت في لعانه الاستبراء، وعلى الرؤية يثبتها فقط، وعلى القول بأنه لا بد من الجميع يثبت الجميع في لعانه، قوله: (الأولى) سقط هذا من بعض النسخ، وثبت في نسخة ابن عبد السلام، فقال: ومراده كالصورة الأولى التي فوق هذه، ووقع في أكثر النسخ كالأول، أي كالفرع الأول، كما كان في الزنا، لابد أن يذكر الاستبراء، كما كان في الزنا، لابد أن يذكر معتمده في الرؤية، فكذلك هنا لابد أن يذكر الاستبراء، وانظر مذهب المدونة بأنه لا يلزم من قوله: زنت، أن يكون الحمل من غيره [٣٩٥/أ]. قوله: (ويَقُولُ فِي الْخَامِسَةِ: أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مِنَ الْكَاذِبِينَ) هو نص الآية، وأتى المصنف بـ (أَنَّ) تبعاً للآية الكريمة، والمدونة، وفي الجلاب والكافي: لعنة الله عليه من غير (أن)، وعلى هذا فلا يكون ذكر أن واجباً، ولكن ينبغي أن يكون أولى.

стр. 2278

وتَقُولُ الْمَرْأَةُ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ: أَشْهَدُ باللهِ مَا رَأَىنِي أَزْنِي، أَوْ مَا زَنَيْتُ أَوْ لَقَدْ كَذَبَ لِلْجَمِيعِ، فِي نَفْيِ الْحَمْلِ: مَا زَنَيْتُ- لِلأَوَّلِ- وإِنَّهُ مِنْهُ- وَقِيلَ وتَعْكِسُ- ولَقَدْ كَذَبَ لِلْجَمِيعِ؛ وفِي الْخَامِسَةِ: أَن غَضبَ الله عَلَيْهَا إِنْ كَانَ مِنَ الصَّادِقِينَ أي: وتقول المرأة في القذف أربع مرات: أشهد بالله ما رآني أزني. (لِلأَوَّلِ)، أي القول الأول، وهو مذهب المدونة الذي تقدم، أعني قوله: (لرأيتها تزني)، وقوله: (مَا زَنَيْتُ)، هذا على القول بأنه يكتفي بقوله: (لزنت). وقوله: (وفِي نَفْيِ الْحَمْلِ) أي وتقول في نفي الحمل: (مَا زَنَيْتُ)، على مذهب المدونة (وإِنَّهُ مِنْهُ) على قول ابن المواز. قوله: (وقيل للجميع وتعكس)، أي وقيل: يفتقر الرجل للجميع وتعكس المرأة، وذلك أنه قدم أنه يكتفى على المشهور بقوله: لزنيت، وأنه يكتفى على قول محمد، بـ (ما هذا الحمل مني)، وهذا القول يرى أنه لا بد منهما، وهو لأصبغ، ونصه على نقل اللخمي: وقال أصبغ: يقول أشهد بالله لزنت، وما هذا الحمل مني، وتقول هي: مازنيت وإنه لمنه، ويمكن أن يكون قوله: (وقيل للجميع وتعكس)، أن ذلك خاص بالمرأة، ويكون التقدير، وقيل تفتقر المرأة للجميع وتعكس، وذلك أنه قدم أنها تقول على مذهب المدونة: ما زنيت، وعلى قول محمد: (وإنه منه) أي وقيل على كلا القولين لابد أن تثبت مجموع اللفظين، لأنه إذا قال: زنت، لزم منه نفي الحمل، وإذا قال، على قول محمد، ما هذا الحمل مني، لزم منه الزنا، فترد ما ادعاه عليها تصريحاً والتزاماً، غير أنها تقدم في لفظها ما ذكره تصريحاً، فإذا قال على مذهب المدونة: لزنت؛ تقول هي: ما زنيت وإنه منه، وإن قال على مذهب محمد: ما هو مني؛ تقول هي: إنه منه، وما زنيت، فيكون، وتعكس على هذا التقدير، ما كان مؤخراً على القول الآخر، ولم أر نقلاً يساعد هذا الوجه، فليعتمد على

стр. 2279

الأول، وقوله: (ولقد كذب للجميع) أي لجميع الأقوال، أي سواء قال: لزنت وما هذا الحمل مني، أو ذكرهما. قوله: (وفِي الْخَامِسَةِ)، تصوره ظاهر ويقول الرجل: أن لعنة الله، متصلة بيمينه الخامسة، وكذلك المرأة، ولا يفرد اللعنة بيمين لئلا يحلف ستة، قاله ابن القاسم. ويَتَعَيَّنُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ واللَّعْنِ والْغَضَبِ بَعْدَهَا يعني: يتعين أن يقول كل واحد منهما: أشهد، ولا يجزئ أحلف ولا أقسم على المشهور كما تقدم، ويتعين اللعن في حق الرجل والغضب في حق المرأة، هكذا قال عبد الوهاب في شرح الرسالة، أن النظر يقتضي ألا يجزئ إذا بدل اللعنة بالغضب، وبالعكس. أصبغ: وإن قال في الخامسة مكان (إن كنت من الكاذبين)، (إن كنت كذبتهأ)، أجزأه، وإن قالت المرأة في الخامسة، مكان إن كان من الصادقين: إنه لمن الكاذبين أجزأها، وأحب إلينا لفظ القرآن. الباجي: فأشار إلى أن لفظ اللعان غير متعين إلا أن لفظ القرآن أفضل، وظاهر قول ابن وهب في الموازية أنه يتعين بلفظ القرآن. ابن عبد السلام: وأشار بعض أهل المعاني إلى أن الغضب أشد، فعلى هذا إن أبدلت المرأة الغضب باللعنة لم يجزها، وأعادت الخامسة على سنتها، وإن أبدل الرجل أجزأه، فإن قلت: لم اختص الرجل باللعنة واختصت المرأة بالغضب، قيل لأن قاعدة الشرع المجازاة على الفعل من جنسه، يشهد لذلك قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى ....﴾ إلى آخرها، وما ورد في الحديث: "من قتل نفسه بشيء عذب به يوم القيامة" "ومن حلف باللات والعزى فليقل لا إله إلا الله" "ومن قال لصاحبه: تعالى أقامرك، فليتصدق" لأن الحلف بغير الله يتضمن تعظيمه، فكانت كفارته التوحيد، وقد قصد إخراج مال في غير وجه، فكانت كفارته أن يخرج مالاً في وجهه، ولما كان الزوج مبعداً لزوجته ونسبه، ناسب أن

стр. 2280

يذكر اللعنة، ولما كانت المرأة مغضبة لزوجها ووليها وأهلها، ناسب أن تذكر الغضب، والله أعلم. فَلَوْ بَدَأَتِ الْمَرْأَةُ بِاللِّعَانِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يُعَادُ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُعَادُ لا خلاف أن الرجل يبدأ باللعان، وهو الذي دلت عليه الآية، ووقع في حديث عويمر، وذكر عبد الوهاب أن المذهب فيها إذا أخطأ، وقدم المرأة إعادتها، ونقل ابن الكاتب واللخمي وصاحب البيان عن ابن القاسم وأشهب مثل ما نقله المؤلف، وجعل في البيان منشأ الخلاف، هل تقديم الرجل واجب أم لا، وقاس أشهب عدم الإجزاء على ما إذا حلف الطالب قبل نكول المطلوب، فإنه لا يجزئ، واختار ابن الكاتب واللخمي قول أشهب، قال في البيان: والخلاف إنما هو إذا حلفت المرأة أولاً كما يحلف الرجل، لا على تكذيب أيمانه، فقالت: أشهد بالله إني لمن الصادقين ما زنيت، وأن حملي هذا منه، وقالت في الخامسة، غضب الله عليها إن كانت من الكاذبين، فها هنا قال ابن القاسم: يلتعن الرجل فيقول: أشهد بالله إنها لمن الكاذبين، ولقد زنت وما هذا الحمل مني، ويقول في الخامسة: لعنة الله عليه [٣٩٥/ب] إن كانت من الصادقين، وأما إن حلفت المرأة أولاً، فقالت: أشهد بالله إنه لمن الكاذبين، وقالت في الخامسة: غضب الله عليها إن كان من الصادقين، فلا خلاف بين ابن القاسم وأشهب في إعادة المرأة، لأنها حلفت على تكذيب أيمان الزوج، وهو لم يتقدم له يمين، انتهى. فإن قلت: لم خولفت القاعة في اليمين هنا وفي القسامة، لأن الزوج وأولياء المقتول مدَّعون، والقاعدة إنما يحلف أولاً المدَّعى عليه؟ قيل: أما الملتعن فإنه مدع ومدعى عليه، ولذلك يحلف هو والمرأة، وبدئ باليمين لأنه لما قذفها طالبته بحقها، احتاج لذلك أن يحلف، إذا صار مدعى عليه الحد، وأما أولياء المقتول فإنهم مدعى عليهم حكماً، وإن

стр. 2281

كانوا مدعين في الصورة، فإن المدعى عليه من ترجح قوله بمعهود أو أصل، وهم كذلك ترجح قولهم باللوث، والله أعلم. ويَجِبُ فِي أَشْرَفِ أَمْكِنَةِ الْبَلَدِ نحوه في الجواهر، وكذلك قال الباجي وابن راشد: إن التغليظ بالمكان شرط، لأنها يمين فيما له بال تحتاج إلى التغليظ، فكان من شرطها أن تغلظ بالمكان كاليمين في الحقوق، وعليه جماعة العلماء، هذا نص كلامهما، وهو مقتضى كلام عياض وغيره، وقال ابن عبد السلام: ليس هذا واجب، بل أولى، وعبارة المتقدمين كما في المدونة: ويلتعن في المسجد، ولم يشترط عبد الملك المسجد، بل قال: يكون عند الإمام أو في المسجد عن أمر الإمام. خليل: وفيه نظر لما ذكرناه عن الباجي وغيره. وبِحُضُورِ جَمَاعَةٍ أَقَلُّهَا أَرْبَعَةٌ لقول سهل: فتلاعنا وأنا مع الناس عند رسول الله ﷺ ، لكن إنما يتم الاستدلال بهذا الحديث أن لو ثبت أنه ﵊ أحضرهم، أما إن كان حضورهم اتفاقياً فلا، وأما أن أقل العدد أربعة، فلاحتمال نكول الزوجة الموجب للحد، أو إقرارها فلا يتم الحكم إلا بأربعة شهداء، على أحد القولين عندنا. وفِي إِثْرِ صَلاةٍ قَوْلانِ، عَنْ مَالِكٍ: بَعْدَ الْعَصْرِ أَحَبُّ إِلَيَّ اختلف قوله في المدونة في ذكر الوقت في هذه المسألة، فنفاه في باب الأقضية، وقال في اللعان: عند الإمام دبر الصلاة، واختلف هل هو اختلاف قول أو أراد بالنفي الصلاة المعينة، وبالإثبات الصلاة غير المعينة، ووقع لمالك في الموازية: هو جائز في كل وقت. الباجي: والتغليظ بالوقت، أي في كونه بإثر صلاة مستحب، وقال ابن الماجشون: لا يكون إلا بإثر صلاة، وكأنه جعل ذلك شرطاً كالمكان، وإذا قلنا بإثر صلاة فمقتضى

стр. 2282

كلامه في المدونة في اللعان عدم التعيين، وكذلك قال في غير المدونة عن مالك، بإثر مكتوبة أحب إليَّ، قال: وكذلك عندنا بإثر العصر، وليس بسنة، وقال ابن شعبان: بإثر العصر والصبح، وقيل بعد الظهر أو العصر، وقال سحنون: بعد العصر سنة، واستحسنه جماعة لما في الصحيح من حديث أبي هريرة عنه ﵊: "ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا يكلمهم ولهم عذاب أليم، رجل كان له فضل ماء بالطريق فمنعه ابن السبيل، ورجل بايع إماماً لا يبايعه إلا لدنيا، فإن أعطاه منها رضي وإن لم يعطه منها سخطه، ورجل أقام سلعته بعد العصر، فقال: والله الذي لا إله إلا هو لقد أعطيت فيها كذا وكذا فصدقه". عياض: وسنة اللعان أن يكون مشهوراً بحضرة الناس، وحضرة الإمام، أو من يستنيبه لذلك من الحكام، قال: وهذا إجماع أنه لا يكون إلا بسلطان، وقال اللخمي: لا يبعد أن يكون عند الفقيه الجليل. ابن عبد السلام: يريد عن أمر الإمام والقاضي. ويُسْتَحَبُّ تَخْوِيفُهُمَا- وخُصُوصاً عِنْدَ الْخَامِسَةِ- ويُقَالُ: إِنَّهَا مُوجِبَةٌ الْعَذَابِ، وعَذَابُ الدُّنْيَا أَهْوَنُ مِنْ عَذّابِ الآخِرَةِ .... قوله: (ويُقَالُ: إِنَّهَا)، أي يقال لهما: هذه الخامسةم هي موجبة العذاب، لما في الصحيح، أنه ﵊ تلا آية اللعان على الملاعن، ووعظه وذكره وأخبره أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قال: لا والذي بعثك بالحق ما كذبت عليها، ثم دعاها فوعظها وذكرها وأخبرها أن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، قالت: لا والذي بعثك بالحق إنه لكاذب، وفي النسائي أنه ﵊ أمر رجلاً حين أمر المتلاعنين أن يتلاعنا أن يضع يده على فيه عند الخامسة.

стр. 2283

ويُؤَخِّرُ لِعَانُهُمَا مَعاً وفِي الْمُخْتَصَرِ لِعَانُهَا لِلْحَيْضِ والنِّفَاسِ كَمَا يُؤَخَّرُ طَلاقُهَا لِلإِعْسَارِ والْعُنَّةِ بِخِلافِ الإِيلاءِ، ورَوَى أَشْهَبُ: والإِيلاءُ .... أخر اللعان للحيض، وإن لم يكن طلاقها للمشهور، قياساً على منع الطلاق فيه، بجامع تطويل العدة، ومراعاةً لقول من قال أن الفرقة فيه طلاق (بِخِلافِ الإِيلاءِ) أي فلا يؤخر التطليق له للحيض، لئلا ياد فيما أجله إليه من الأربعة أشهر، ولعله يريد بالمختصر، مختصر ابن أبي زيد، لا مختصر ابن عبد الحكم، فإن هذه المسألة مشهورة عنه، وينبغي إذا التعن هو على ما في المختصر أن تسجن هي لأنها مطلوبة بحد الزنا، إن نكلت كما كان مطلوباً [٣٩٦/أ] بحدِّ القذف، وحد الزنا آكد، على أن الباجي لم يسق ما في المختصر على أنه خلاف، بل نقله عن الأصحاب، وكذلك ساقه ابن يونس على جهة التفسير. فرع: قال الباجي: فإن كان مريضاً أو كانت مريضة أرسل الإمام إلى المريض منهما، رواه في العتبية أصبغ عن ابن القاسم، ووجه ذلك أنه حكم من سنته التعجيل، والمرض لا يدرى له غاية، فيسقط التغليظ بالمكان للضرورة. ولَوْ قَذَفَهَا بِأَجْنَبِيٍّ حُدَّ لَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: إذا سماه، فقال: رأيتها تزني مع فلان، فإنه يحد لذلك الأجنبي على المشهور. الباجي: ولا يخلصه من ذلك اللعان مع الزوجة، خلافاً للشافعية، ودليلنا أنه شخص لا يجب عليه الحد بالتعان الزوج، فلم يسقط حده بالتعانه، كالمرأة الأجنبية، أما لو حد للرجل المسمى، فقال سحنون: يسقط عنه اللعان. الباجي: ووجهه أن من حد لقذف دخل فيه كل قذف ثبت عليه قبل ذلك الحد ممن قام به ومن لم يقم به، ومقابل المشهور لم أره معزواً، ووجهه أنه قذف شخصين قذفاً واحداً، وقد

стр. 2284

جعل الشرع اللعان يقوم مقام الحد، ولو حد لأحدهما سقط عنه الحد للآخر، وأيضاً فإن هلال بن أمية رمى زوجته بشريك بن سحماء، فلاعن ولم يحد له، وأجيب عن هذا بأنه لم يطلبه، وهو صحيح على الأصح، لأنه حق لآدمي. فرع: وأما إن لم يسم الرجل، فالمذهب أنه لا حد عليه، خلافاً للشافعي في أحد قوليه لنا أن حد القذف لا يجب استئنافه إلا بمطالبة مستحقه، والمجهول لا يستحق المطالبة، فكان كمن قال رأيت رجلاً يزني. وعَلَى حَدِّهِ- مَعَ وُجُوبِ إِعْلامِهِ- قَوْلانِ أي: وإذا فرعنا على المشهور من أنه يحد، ففي الجواهر: ليس على الإمام أن يعلمه، وروي أن ذلك عليه ومنشأهما: هل الحد حق لله فلا يجب إعلامه، أو حق للآدمي فلابد من إعلامه؟ وهو الأقرب، أما أولاً فلأنه قد يعترف فيسقط الحد، وأما ثانياً، فلأن الأصح أنه من حقوق الآدميين، بدليل أنه يورث ويسقط بالعفو، قبل بلوغ الإمام، فإن قيل هذا معترض لأنه هنا قد بلغ الإمام، فالجواب أنه ولو بلغ الإمام، فإن له العفو إذا أراد ستراً على نفسه على ظاهر المذهب، فإن بعض من رأى وجوب إعلامه، وهذه المسألة إحدى المسائل التي استثنيت من النميمة. ولَوْ لاعَنَهَا ثُمَّ قَذَفَهَا لَمْ يُحَدَّ عَلَى الأَصَحِّ تصور المسألة من كلامه واضح، والأصح مذهب محمد، قال: لأنه إنما لاعن لقذفه إياها، والقول بوجوب الحد نقله عياض عن ابن نافع، ونسبه في المدونة لربيعة، وفي الموازية لابن شهاب، لأنه قذفها وليست بزوجة، واختاره التونسي، فإن قلت: ما قاله المصنف هنا مخالف لما قاله في القذف، ولو حد ثم قذفه ثانياً حد ثانياً على الأصح، قيل:

стр. 2285

وقد فرق ابن الكاتب بين المسألتين، بأن المتلاعنين أحدهما كاذب، إلا أنه لا يدري من هو منهما، فإذا قال الزوج، ما كنت إلا صادقاً لم يحد، إذ لعله كان صادقاً، والقاذف إنما حد تكذيباً له، فإذا قال: كنت صادقاً، فهو قذف مبتدأ، فوجب أن يُحدَّ تارة أخرى، والله أعلم. ومَتَى اسْتَلْحَقَ الْمَنْفِيَّ لَحِقَ وحُدَّ، إِلا أَنْ تَكُونَ زَنَتْ بَعْدَ اللِّعَانِ فَلا يُحَدُّ، وقِيلَ: إِنْ كَانَ المنفْيُ عَنْ قَذْفِهَا بالزِّنَى .... لأن استلحاق الولد بعد نفيه إقرارٌ منه بالكذب فيما رماها به، فيحدّ، إلا أن تكون زنت بعد اللعان فحينئذ لا يحد ويصير كمن قذف عفيفاً، فلم يحد له حتى زنا المقذوف فإنه يسقط الحد عن القاذف، وهذا مذهب المدونة، قوله: (وقِيلَ) هذا القول لابن المواز، يعني يحد على القول الأول مطلقاً، سواء كان لاعن لنفي الحمل أو الرؤية، وقال محمد: إنما يحد إذا لاعن لنفي الولد، لأنه كذب نفسه باستلحاقه، وأقر بأن لعانه كان باطلاً، قال محمد: وأما إن ادعى الرؤية بانتفاء الحمل والتعن لهما معاً فلا يلزم من تكذيب نفسه في الحمل تكذيبه في الرؤية، فقد بقي للعانه محمل وهو الرؤية، هذا نص قوله: وعلى هذا فيكون قوله: وقيل: إن كان المنفي عن قذفها بالزنا، أي فلا يحد، وقوله: بالزنا، أي سواء كان الزنا بمفرده أو مع نفي الحمل، وأما إذا كان اللعان لنفي الولد فقط، فإنه يحد، وهذا خلاف ظاهر كلام المصنف، على أنه يمكن أن يقال أن قوله: (وقِيلَ)، راجع إلى قوله: (فَلا يُحَدُّ)، أي قيل لا يحد إن كان المنفي عن قذفها بالزنا. وشَرْطُ الْمُلاعِنَةِ أَنْ تَكُونَ زَوْجَةً مُكَلَّفَةً- فَتُلاعِنُ الذِّمِّيّةُ فِي كَنِيسَتِهَا- لا فِي الْمَسْجِدِ- لِرفْعِ اللعان، فإنْ أَبَتْ أُدِّبَتْ ..... احترز بالزوجة من الأمة، وبالمكلفة من الصغيرة، فإنهما لا يتلاعنان، نعم يلاعن هو إذا كانت ممن يوطأ مثلها، كما تقدم، وقوله: (فَتُلاعِنُ)، جعله كالنتيجة عما قبله، وفي

стр. 2286

إدخاله الذمية تحت المكلفة تسامح، لأنه إن أدخلها لأجل أنها مكلفة بالأيمان بالاتفاق، وهو تكليف مقيد فيستلزم التكليف المطلق فغير بين، لأنه إن أريد ذلك المقيد بخصوصيته، منع ذلك من تكليفها بغيره، وإن أدخلها على القول بتكليفهم بالفروع على [٣٩٦/ب] معنى أنهم يؤخذون بها في الدنيا، فهذا مال إليه بعض المتأخرين، لكن الذي قاله غير واحد أن أثر التكليف إنما يظهر في الآخرة بتضعيف العذاب، والبيعة لليهودية، كالكنيسة للنصرانية، وإنما لاعنت في الكنيسة لأنها هي التي تعظم، والقصد التغليظ على الحالف، ولأن الكافر ممنوع من دخول المسجد، ومعنى قوله: (فَتُلاعِنُ الذِّمِّيّةُ) أي إذا أجابت. مطرف: معنى قول مالك في المسلم تحته النصرانية، فينفي حملها، إنما يتلاعنان، يعني إن طاوعته، ولا تجبر، لأنها لو أقرت بالزنا لم تحد، وقوله: لرفع العار، يعني أن ثمرة لعانها مخالف لثمرة لعان المسلمة، لأن المسلمة يلزمها الحد بالنكول، بخلاف الذمية، فإنها لا تحد، ولو شهد عليها أربعة بالزنا، وإنما أدبت لإذايتها زوجها المسلم، قال في الجواهر: وإذا التعنت انقطع النكاح، وإن أبت فهما على الزوجية، وترد إلى أهل دينها بعد العقوبة لأجل خيانتها زوجها في فراشه، وإدخالها الالتباس في نسبه، وهكذا روى مطرف عن مالك، أنها إذا نكلت ترد إلى أهل دينها، ولهذا قال صاحب النكت إنما فرق بين الصغيرة، وقال أنها لا تلاعن، وبين الكتابية، وقال أنها تلاعن، مع أن كلتيهما لو نكلت أو أقرت لم تحد، لأن النصرانية قد يتعلق عليها بإقرارها ونكولها حد عند أهل ملتها، لأنها مردودة إليهم. وَالطَّلاقُ الرَّجْعِيُّ لا يَمْنَعُ فِي الْعِدَّةِ، وفِي الْبَائِنِ قَوْلانِ كلام المصنف هنا باعتبار الرؤية، لا باعتبار نفي الولد، فإنه سيذكر اللعان باعتبار نفي الولد، يعني أن من طلق زوجته طلاقاً رجعياً، ثم ادعى أنه رآها تزني، فإنه يلاعن، ولا يمنع من اللعان طلاقه، لأن المطلقة طلاقاً رجعياً في حكم الزوجة، وأما إن كانت في عدة طلاق بائن، فحكى المصنف قولين، وحكى الباجي وصاحب البيان ثلاثة أقوال،

стр. 2287

قال ابن القاسم: وروى ابن وهب عن مالك: يلاعن، يريد لأن العدة من توابع الزوجحية، وقال ابن المواز: يحد ولا يلاعن، لأنها أجنبية، وقال المغيرة: لا يحد ولا يلاعن، وإليه مال سحنون، قال في الموطأ وغيره: ولو ادعى بعد أن طلقها البتة، أنه رآها تزني قبل أن يطلقها، فإنه يحد ولا يلاعن، وقال في كتاب أبي الفرج أنه يحد إلا أن يظهر بها حمل فينفيه فيلاعن، وقال ابن المواز أحب إليَّ أن ينظر، فإن تبين ألا حمل بها حد، وإن ظهر لاعن. الباجي: هذا مبني على قول ابن المواز أن المطلق بائناً لا يلاعن إلا لنفي الحمل، وتقدم لابن القاسم وغيره أنه يلاعن، والخلاف بين أبي الفرج وابن المواز في تأخير الحد بعد القذف، فأبو الفرج يعجل بالحد، لأن من قذف وادعى المخرج لا يمهل، وابن المواز يؤخر، بخلاف الأجنبي، لحاجة الزوج له دون غيره. وتُلاعِنُ ولَوْ تَزَوَّجَتْ إِن كَانَ الْقَذْفُ سَابِقاً ورَفَعَتْهُ يصح أن يقرأ (يلاعن) بالياء من أسفل، وبالتاء من فوق، فإن المطلق والمطلقة، يتلاعنان إذا كان قذفها بالزنا، وهي في عصمته، ثم طلقها ورفعته بعد ذلك، فقوله (سَابِقاً) أي سابقاً للطلاق. فرع: قال في الجواهر: إذا قذف أجنبية ثم نكحها وقذفها فلاعن، اندفع الحد. وأَمَّا نَفْيُ الْوَلَدِ فَيَجْرِي فِي كُلِّ مَنْ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا حَيَّة أَوْ مَيِّتَةً إِلا مِلْكَ يَمِينِهِ هذا مما يبين لك أن كلامه أولاً إنما هو باعتبار الرؤية، ويدخل في قوله: (مَنْ يَلْحَقُهُ وَلَدُهَا) من في عصمته أو طلقها طلاقاً رجعياً أو بائناً، سواء خرجت من العدة أم لا، ما لم تجاوز أقصى أمد الحمل، وقوله: (إلا في ملك يمينه) أي فلا لعان في ذلك. فَلَوْ قَذَفَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ ولا حَمْلَ حُدَّ أي: قذفها برؤية الزنا، قيل: ولا خلاف في ذلك.

стр. 2288

وإن اشْتَرَى زَوْجَتَهُ ثُمَّ ظَهَرَ حَمْلٌ فَإِنْ وَلَدَتْه لأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ فَحُكْمُهَا فِيهِ حُكْمُ الزَّوْجَةِ، وإِنْ وَلَدَتْهُ لِسِتَّةِ فأكثر فَحُكْمُهَا حُكْمُ الأَمَةِ ..... لما قدم أن اللعان في الزوجة دون الأمة، ذكر هذه لأنها مركبة من القسمين، وهي إذا اشترى زوجته ثم ظهر بها حمل، قال في النوادر: ولو اشترى زوجته ثم ظهر بها حمل فإن علم أنها كانت يوم الشراء حاملاً، لم ينفه إلا بلعان، إلا أن يكون وطأها بعد رؤية الحمل، فلا ينفه، وإن لم يعلم أكانت حاملاً يوم الشراء أم لا، حتى ظهر الحمل، وأتت به لأقل من ستة أشهر، فالولد للنكاح، ما لم يطأ بعد الشراء. الشيخ أبو محمد: قوله: (ما لم يطأها بعد الشراء)، يريد إذا أتت به لأكثر من ستة أشهر، وقد روى ابن سحنون عن أبيه، أنه إذا لم يطأها بعد الشراء فحيضتين، قال: ولو وطئها بعد الشراء، فلا ينفيه بلعان ولا بغيره، استبرأها بعد الوطء أو لم يستبرها، إلا أن يدعي أنه استبرأها بعد أن وطأها، فهذا ينظر، فإن ولدت لأقل من ستة أشهر فهو للنكاح، لا ينفيه إلا بلعان، وإن ولدت لستة أشهر فأكثر، فله نفيه بغير لعان إن ادعى استبراء بعد الوطء الذي هو بعد الشراء، وإن لم يدع استبراء فهو منه، انتهى. وذكره في الجواهر بنصه، وعلى هذا فكلام المصنف مقيد بما إذا لم يعلم أنه كانت حاملاً يوم الشراء، أو بما إذا لم يطأها [٣٩٧/أ]، وقولهم: إنها إذا ولدته لستة أشهر فأكثر، أن له نفيه بغير لعان، يريدون بغير يمين. وحُكْمُهُ رَفْعُ الْعُقُوبَةِ عَنْهُ أَوِ الأَدَبُ كَالأَمَةِ والذِّمِّيَّةِ اعلم أنه يترتب على اللعان ستة أحكام، ثلاثة على لعانه وثلاثة على لعانها، فالثلاثة الأول: سقوط الحد عنه وهو مراد المصنف بقوله: (الْعُقُوبَةِ)، ولذلك عطف عليه (الأَدَبُ)، الثاني: وجوب حد الزنا عليه، الثالث: قطع النسب.

стр. 2289

والثلاثة الأخر: سقوط الحد عنها، والفراق وتأبيد التحريم، وقيل في الأخيرين أنهما يترتبان على لعانه، وقوله: كالأمة والذمية راجع للأدب، فإن قاذفها لا حد عليه، وإنما عليه الأدب. وإِيجَابُهَا عَلَى الْمَرْأَةِ الَّتِي تُحَدُّ في الإِقْرَارِ مَا لَمْ تُلاعِنْ أي: وإيجاب العقوبة، وهذا هو الثاني من الأحكام المترتبة على لعانه، وأخرج بقوله: (التي تحد بالإقرار) الصبية والذمية، وتصور كلامه ظاهر. وتَحْرِيمُهَا أَبَداً بِتَمَامِ لِعَانِهَا، فلو أَكْذَبَ أَحَدُهُمَا نَفْسَهُ قَبْلَ تَمَامِ لِعَانِهَما حُدَّ وبَقِيَتْ زَوْجَتُهُ، ويَتَوَارَثَانِ وإِنْ رُجِمَتْ .... ما ذكره من تحريمها أبداً هو المعروف، وذكر ابن شعبان عن عبد العزيز بن أبي سلمة أنه قال: تحل بنكاح جديد، وقاله ابنه عبد الملك في الثمانية. اللخمي وأشهب ينحوا إليه، وقوله: (بِتَمَامِ لِعَانِهَا): يدل على أن الفراق يقع لمجرد التعانها، وهو المذهب، خلافاً لأبي حنيفة ﵀، في قوله: لا تقع الفرقة بلعانها، حتى يوقعها الحاكم بينهما. فرع: والفرقة في اللعان فسخ بغير طلاق، قال في المقدمات: هذا مذهب مالك وجميع أصحابه، وقال جماعة من أصحابنا أنه طلقة بائنة، وفي الجلاب، أن الملاعنة قبل البناء لا صداق لها، خلاف قول مالك في المدونة والموطأ، أن لها نصف الصداق، وبناه اللخمي على أن فرقة المتلاعنين هل هي فسخ فلا شيء لها، أو طلاق فلها، وفيه نظر، فإن المعروف أن لها النصف، وأن فرقة المتلاعنين فسخ، ولكن لما كنا لا نعلم صدق الزوج، ولعله أراد تحريمها وإسقاط حقها من نصف الصداق، اتهم في ذلك، وألزم نصف الصداق، ويحتمل أن يكون إنما التزمه النصف مراعاة لقول من قال هو طلاق.

стр. 2290

عبد الحق واللخمي وابن يونس وابن بشير وغيرهم: وفي الجلاب أيضاً في الذي يشتري زوجته قبل البناء أنها يجب لها نصف الصداق، وهو خلاف المعروف في المذهب. خليل: ولم أر ما ذكروه عن الجلاب فيه بل فيه النص على خلاف ما نقوله عنه، وقول المصنف: (فلو كذب أحدهما نفسه قبل تمام لعانهما حد وبقيت زوجة) ظاهر، لأن من أكذب نفسه منهما قد أقر على نفسه بما قال الآخر، فالرجل يحد حد القذف، والمرأة تحد حد الزنا، جلداً إن كان أو رجماً. قوله: (ويَتَوَارَثَانِ وإِنْ رُجِمَتْ)، لأنه إذا كذب أحدهما نفسه قبل تمام لعانهما، فهما على الزوجية، فلذلك يتوارثان ولو رجمت، لأنها رجمت وهي زوجة، واختلف إذا شهد الزوج عليها مع ثلاثة، فرجمها القاضي، ثم عثر على ذلك، فهل يرثها هذا الزوج، فقال ابن القاسم: يرثها إلا أن يعلم أنه تعمد الزور، أو يقر بذلك، وقال أصبغ: لا يرثها، والفرق بينها وبين مسألة المصنف ظاهر، لأن البينة موجبة للرجم، ومجرد الدعوى في مسألة اللعان لا توجبه، لأنها قادرة على رده بأيمانها. ولَوِ اشْتَرَاهَا وأَقَرَّ بِالْكَذِبِ أو انْفَشَّ الْحَمْلُ لَمْ تَحِلَّ له يعني: إذا لاعن زوجته الأمة، فرق بينهما، ثم اشتراها لم تحل له بالملك، لأن تحريم اللعان مؤبد، وإن أقر بالكذب لم ينفعه، كما لا ينفعه ذلك في الحرة، وقد تقدم ذلك في الحرة، وقد تقدم الكلام على انفشاش الحمل. وَقِيلَ: وبِلِعَانِهِ هذا راجع لصدر المسألة، تقديره: وتحريمها أبداً بتمام لعانها، وقيل: وبلعانه، ويقع في بعض النسخ هذا القول متصلاً بالقول الأول، وهذا القول حكاه ابن شاس، وهو مقتضى ما وقع لسحنون في نوازله، أنه إذا لاعنها ونكلت عن اللعان، أن ذلك قطع

стр. 2291

للعصمة، وقال في البيان: لا خلاف إذا صدقته أنها تحد، وتكون زوجة، إن شاء طلق، وإن شاء أمسك، وإنما اختلفا وهل ينتفي الولد منه دون لعان، أو لا ينتفي إلا بلعان، وقد أنكر أبو بكر بن عبد الرحمن قول سحنون لمخالفته الأصول، وكذلك قال الباجي: لا خلاف عند أصحابنا أنها لو لم تلاعن أو أكذب نفسه قبل تمام لعانها لم تثبت بينهما فرقة، وكأنهما لم يعتبرا قول سحنون. وقَطْعِ النَّسَبِ إِنْ نَفَى الْوَلَدُ هذا راجع أيضاً لصدر المسألة، وهو ظاهر. فَلَوْ نَكَلَ عَنِ اللَّعَانِ حُدَّ قد تقدم هذا الفرع، وأعاده المصنف ليرتب عليه ما بعده، وهو قوله: فَإِنْ عَادَ إِلَيْهِ قُبِلَ، وفِي قَبُولِهِ مِنَ الْمَرْأَة: قَوْلانِ يعني: إذا أعاد الرجل إلى اللعان بعد نكوله، قبل ذلك منه، وظاهر كلامه أنه متفق عليه، لأنه لم يحك الخلاف، إلا في المرأة، وهي إحدى الطريقتين، قال في المقدمات: وهي الصحيحة، [٣٩٧/ب] قال: وقيل إن الخلاف الذي في المرأة يدخل في الرجل، وحكى المتيطي في القبول من الرجل قولين، قال: والصحيح أنه لا يقبل لأن نكوله كإقراره بالقذف، وليس له الرجوع عنه. والقول بقبول اللعان من المرأة إذا عادت إليه لأبي بكر ابن عبد الرحمن وأبي علي بن خلدون. الباجي: وعندي أن لابن القاسم في الموازية مثله، والقول بأنها ليس لها الرجوع إلى اللعان لسحنون وأبي عمران وابن الكاتب، ومنشأهما هل نكولها كإقرار بالزنا، فيقبل رجوعها، أو يقال حق الزوج قد تعلق بنكولها، فلا يكون لها الرجوع، قال في المقدمات: وقبول رجوعها هو الصحيح، فإن قيل: فهل يظهر فرق على الطريقة التي ذكرها

стр. 2292

المصنف، قيل: نعم، وذلك لأن الزوج مدع، والزوجة مدعى عليها، فإن نكل الزوج فكأنه صفح عنها، وأيضاً فإنه ما انحصر أمره، بل له أن يقيم البينة، وأما هي فإنها مدعى عليها، فإن نكلت فقد صدقته، وأيضاً فقد انحصر أمرها فيه. وَحُكْمُ التَّوْءَمَيْنِ حُكْمُ الْوَاحِدِ ولِذَلِكَ يَنْتَفِي الثَّانِي بِاللَّعَانِ الأَوَّلِ، ولِذَلِكَ ثبتت لَهُمَا أُخُوَّةُ الأَبِ أَيْضاً .... أي: حكم الولد الواحد، فلا يمكن لحوق أحدهما ونفي الآخر، ولذلك إذا لاعن لأولهما خروجاً، انتفى الثاني بذلك اللعان، وإلى هذا أشار بقوله: (فلِذَلِكَ يَنْتَفِي الثَّانِي بِاللَّعَانِ الأَوَّلِ)، وأفاد بقوله: (أُخُوَّةُ الأَبِ أَيْضاً)، أنهما إخوة أشقاء، وهذا هو المشهور، وقال المغيرة أنهما يتوارثان لأم كالمشهور في توأمي الزانية والمغتصبة، خلافاً لابن نافع في قوله أن توأمي الزانية شقيقان، وأما توأمي المسبية والمستأمنة، فإنهما يتوارثان لأب وأم، قاله في البيان. ومَتَى اسْتُلْحِقَ أَحَدُهُمَا لَحِقَ الآخَرُ وإِنْ نَفَى أَحَدَهُمَا وأَقَرَّ بالآخَرِ حُدَّ، ولَمْ يَنْتَفِ شَيْءٌ ..... هذا لما ذكره أنهما كالولد الواحد. فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سِتَّةٌ فَصَاعِداً فَهُمَا بَطْنَانِ إِلا أنَّهُ قَالَ: إِنْ أَقَرَّ بِالثَّانِي وقَالَ: لَمْ أَطَأها بَعْدَ الأَوَّلِ سُئِلَ النِّسَاءُ فَإِنْ قُلْنَ إِنَّهُ يَتَأخَّرُ هَكَذَا لَمْ يُحَدّ، بِخِلافِ مَنْ أَقَرَّ بِوَلَدِ زَوْجَتِهِ وقَالَ لَمْ اَطَاهَا حُدَّ .... معناه أن الحكم الذي قدمه إنما هو إذا لم يكن بين وضعهما ستة أشهر، وأما إن كان بينهما ستة أشهر فأكثر، فليسا بتوأمين، إلا أنه قال، أي في المدونة: ففيها، وإن وضعت الاثني لستة أشهر فأكثر فهما بطنان، فإن أقر بالأول ونفى الثاني، وقال: لم أطأها بعد ولادة

стр. 2293

الأول، لاعن ونفى الثاني، إذ هما بطنان، فسكت المصنف عن هذا الفرع لجريانه على أصل كونهما بطنين، ثم قال فيها: وإن قال: لم أجامعها بعدما ولدت الأول، وهذا الثاني مني فإنه يلزمه، لأن الولد للفراش، ويسأل النساء، فإن قلن أن الحمل يتأخر هكذا، لم ي حد، وإن قلن لا يتأخر، حد ولحق به، وهذا هو الفرع الذي ذكره المصنف، إلا أن فيه إشكالاً، لأن النساء إذا قلن أنه يتأخر هكذا، كان حكم الجميع حكم الحمل الواحد، فكان ينبغي أن يحد لتكذيبه نفسه في نفيه الأول، وكأنه إنما أسقط الحد لأن قول النساء لا يحصل به القطع، فكان ذلك شبهة تسقط الحد، ويرد على هذا أنه لو كان كذلك للزم أيضاً سقوط الحد إذا قلنا أنه لا يتأخر، لأن قولهن لا يحصل به القطع، وقد نص في المدونة على وجوب الحد في ذلك، وقوله: بخلاف إلخ، هكذا قال في المدونة، فقال بإثر الفرع المتقدم: بخلاف الذي يتزوج امرأة ولم يبن بها حتى أتت به لستة أشهر من يوم تزوجت، فأقر به الزوج، وقال لم أطأ منذ تزوجتها، هذا يحد ويلحق به الولد. ابن المواز: وكأنه قال: حملت من غيري، ثم أكذب نفسه باستلحاقه، ابن يونس: يريد ولا يسأل في هذا النساء، كما يسألن في المسألة التي قبلها. * * * انتهى المجلد الرابع من كتاب التوضيح للشيخ خليل بن إسحاق الجندي ويليه المجلد الخامس وأوله كتاب العدد

стр. 2294

التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب تأليف خليل بن إسحاق الجندي المالكي (المتوفى سنة٧٧٦هـ) ضبطه وصححه الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب المجلّد الخامس

стр. 2295

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2296

العِدَدُ: عِدَّةُ الطّلاقِ، َوعِدَّةُ الْوَفِاةِ، وَالاسْتِبْرَاءِ العِدد: جمع عدة، وسميت بذلك لاستمالها على العدد، وهي تربص المرأة زماناً، معلوماً قدره الشرع علامة على براءة رحمها مع ضرب من التعبد، وجعل المصنف أنواعها ثلاثة، وفي جعل الاستبراء من أنواع العدة تجوز في اصطلاح الفقهاء. وهيَ بالأَقْرَاءِ ِوالأَشْهُرِ، والْحَمْلِ الأقراء في الطلاق لذوات الحيض، قال الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة:٢٢٨] والأشهر للمتوفى عنها وللمطلقة إذا لم تكون من ذوات الحيض لصغر أو كبر، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة:٢٣٤] وقال تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ﴾ إلى ﴿وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] أي فعدتهن كذلك، ووضع الحمل عدة للحامل كانت متوفى عنها أو مطلقة، قال الله تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ [الطلاق:٤]. ولا عِدَّةَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ قَبْلَ الدُّخُولِ لقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ [الأحزاب:٤٩] ولا مفهوم لصفة الإيمان هنا لأنه خرج مخرج الغالب، ولا فرق بين مؤمنة وكافرة. فَإِنْ لَمْ يُعْلَمْ وَجَبَتْ بِإِقْرَارِهَا لا بِإِقْرَارِه يعني: فإن لم يعلم دخول فإن أقرت هي به وجبت عليها العدة، لأنه إقرار منها على نفسها فلزمها كسائر الإقرارات بخلاف ما [٣٩٨/أ] لو أقر هو فقط فإنه دعوى عليها

стр. 2297

بغير دليل فلا يقبل كسائر الدعاوي، وهذا الكلام في نفس العدة، وأما لواحقها من النفقة والسكنى فسيأتي الكلام عليها. فَإِنْ ظَهَرَ حَمْلٌ ولَمْ يَنْفِهِ كَانَ كَالدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ والرَّجْعَةِ ولَوْ ظَهَرَ بَعْدَ َمْوتِهِ لَحِقَ بِهِ .... لأن الولد للفراش فهو لاحق به ولا ينتفي عنه إلا بلعان، وعلى هذا فيجب عليها إذا طلقها العدة وتكون له الرجعة، وهذا معنى قوله: (وكَانَ َكَالدُّخُولِ فِي الْعِدَّةِ والرَّجْعَةِ) وفي بعض النسخ: (ولا رجعة له) وهي غير صحيحة لأنها إذا وجبت عليها العدة كان له الرجعة، وقوله: (ولَو ظَهَرَ بَعْدَ مَوْتِهِ) ظاهرٌ لأنه إنما كان ينتفي عنه في الحياة باللعان وهو لا يتأتى هنا. وأَمَّا بَعْدَهُ فَتَجِبُ، وإِنْ تَصَادَقَا عَلَى نَفْيِ الْوَطْء حَيثُ أَمْكَنَ شَغْلُهَا مِنْهُ بِأَيِّ خَلْوةٍ كَانَتْ .... أي: وأما بعد الدخول وهو إرخاء الستور (فَتَجِبُ) العدة سواء (تَصَادَفَا) معاً (عَلَى نَفْي الْوَطْء) أم لا لحق الله في العدة بشرط إمكان الوطء، وأما لو خلا بها لحظة تقصر عن زمان الوطء فلا، وقوله: (بِأَيِّ خَلْوةٍ كَاَنَتْ) أي: سواء كانت خلوة اهتداء زيارة. فرع: قال في المدونة: ولو كان معها نساء حين قَبَلَ وانصرف لمحضرهن فلا عدة عليها. الباجي: وكذلك امرأة واحدة، أي: لأن الخلوة قد فقدت وتَسْقُطُ النَّفَقَةُ والسُّكْنَى، وَلا يَجِبُ إِلا نِصْفُ الصَّداقِ، ولا رَجْعَةَ لَهُ هذا مفرع على ما إذا تصادقا على نفي الوطء وسقط حقها من النفقة والسكنى ومن تكميل الصداق لإقرارها بعدم الإصابة، وسقط حقه من الرجعة لإقراره أنه لم يصب،

стр. 2298

وكذلك أيضاً لا تكون الرجعة إذا دعى أحدهما الوطء وأنكره الآخر، لأنه يتهم على الرجعة في غير محلها. ابن عبد السلام: وينبغي إذا اختلفا في المسيس أن يجري حكم النفقة والسكنى على الصداق بحيث يكمل يثبتان، وحيث لا يكمل يسقطان. ولا شَيْءَ لَهَا فِي الْفاسِدِ، وقِيلَ: تَعَاَرضَ إن كان تَلَذَّذَ بشَيْءٍ يعني: أن ما قدمه من وجوب نصف الصداق إذا طلق قبل البناء إنما هو في النكاح الصحيح وأما الفاسد فلا شيء عليه فيه، لأن الله تعالى إنما أوجب النصف إذا طلق الزوج فقال: ﴿وَإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ [البقرة:٢٣٧] لأنه قد أضاف الطلاق إليهم، والإضافة إليهم تستدعي وقوعه باختيارهم. وظاهر ما لابن القاسم في إرخاء الستور ما قدمه المصنف، والمنسوب فيه لغيره هو القول الثاني، وعكس هذا القول في كتب العدة فجعل القول بأنها تعارض لابن القاسم ولا تعارض لغيره. وَلا تَجِبُ بِوَطْءِ الصَّغِيرِ الَّذِي لا يُولَدُ لِمِثْلهِ وإِنْ قَوِىَ عَلَى الْجِمَاعِ، ولا بالْمَحْبوبِ ذَكَرُهُ وأُنّْثَيَاهُ .... يعني: أن العدة في الطلاق إنما تجب إذا كان الزوج يمكن أن يولد لمثله، فلذلك لا تجب بوطء الصغير الذي لا يولد لمثله، يريد إذا خالع عنه أبوه أو وصيه مثلاً فطلاقه نافذ، ولا بوطء المجبوب لكن تجب على زوجاتهما العدة في الوفاة، ولا أعلم في هذه الجملة خلافاً. بِخِلافِ الْخَصِيَّ الْقَائِمِ الذَّكَرِ، وفِيهَا فِيهِ وفِي عَكْسِهِ يُسْأَلُ النِّسَاءُ، فَإِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَالْعِدَّةُ، وإِلا فَلا عِدَّةَ ولا يَلْحَقُ .... (بِخِلافِ الْخَصِيَّ الْقَائِمِ الذَّكَرِ) المقطوع الأنثيين، ومقتضى قوله (بِخِلافِ) أنها تجب العدة بوطئه وهذا قول حكاه اللخمي وغيره.

стр. 2299

ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب. وقال ابن حبيب: لا عدة على امرأته وهو ظاهر، لأن الولد لا يلحق به عند ابن القاسم. ابن حبيب: وكذلك ذاهب الخصية اليسرى. وقال ابن دينار: الولد لاحق بالخصي كيفما كان. قيل: وعكسه تجب العدة كيفما كان، وأشار عياض إلى أنه لا فرق في القليح الذكر بين أن يكون سالماً أو بعضه لأنه يصيب بما بقي من ذكره، وكذلك صرح به أشهب، وقوله: (فِيهِ وفِي عَكْسِهِ) المراد بالعكس أن يكون ما في الأنثيين مقطوع الذكر. عياض: وسبب الخلاف بين المدونة وابن حبيب ذهاب الأنثيين أو أحدهما، فمذهب الكتاب الإحالة على سؤال أهل المعرفة هل يولد له أم لا؟ ومذهب ابن حبيب الإحالة على علم الطب والتشريح لأنهم يقولون: إن البيضة اليسرى جعلت لطبخ المني فإذا فقدت لم يمكن أن يتأتى له ولد، فلا تعتد زوجته ولا يلحق به ولد بخلاف ما إذا كان مقطوع الذكر أو البيضة اليمنى، ونص ابن حبيب على أنه إن بقي معه أنثياه أو اليسرى منهما وبقي من العسيب بعضه أن الولد لاحق به. وينبغي على قوله أن يلحق به الولد وإن لم يبق من عسيبه شيء. وقوله: (إِنْ كَانَ يُولَدُ لِمِثْلِهِ فَالْعِدَّةُ) أي فالعدة واجبة، يريد ويلحق به الولد (وإِلا فَلا) أي وإن لم يولد لمثله (فَلا عِدَّةَ ولا يَلْحَقُ) به الولد. ولا عَلَى صَغِيرَةٍ لا تُطِيقُ الرَّجُلَ لا خلاف في ذلك لأن وطئها جرح وفساد، وفهم منه أنها إن طاقت الرجل عليها العدة وإن لم يمكن حملها وهو مذهب المدونة، واختار ابن لبابة أنها لا عدة عليها ولا على الكبيرة المسنة التي لا يخشى منها الحمل. ويَجِبُ عَلَى الْحُرَّةِ عِدَّةُ المْطَلَّقَةِ مِنْ كُلِّ نِكَاحٍ فَاسِدٍ بَعْدَ الدُّخُولِ مِنْ حِينَ فُرِّقَ بَيْنَهُمَا ثَلاثُ حِيضٍ ومِنْ كُلِّ وَطْءٍ مِنْ زِنَى أَوِ اشْتِبَاهٍ عدة المطلقة [٣٩٨/ب] ثلاثة أقراء في ذات الأقراء وثلاثة أشهر في اليائسة والصغيرة.

стр. 2300

وقوله: (مِنْ كُلَّ نِكاَحٍ) أي سواء كان مجمعاً على فساده أم لا؟ وهذا هو المشهور ومذهب المدونة. اللخمي: وقيل: يكفي في المتفق على فساداه كنكاح المحرم والرضاع حيضة لأن الزيادة على الواحدة تعبد. وقوله: (بَعْدَ الدُّخُولِ) ظاهر لأنه إذا لم يجب على المطلقة قبل البناء شيء في النكاح الصحيح فأحرى الفاسد. وقيل: من حين فرق بينهما، لأنه قد يتوهم أن النكاح المجمع على فساده لما كانت الفرقة فيه لا تحتاج إلى حكم كانت في كل وقت كالأجنبية، فتكون العدة من آخر وطء. وقوله: (ثَلاثُ حِيَضٍ) هو عطف بيان على قوله: (عِدَّةُ الْمُطَلَّقَةِ) أو بدل، ومراده بقوله: (ثَلاثُ حِيضٍ) أي ثلاثة أطهار، لأن الأقراء عندنا الأطهار كما سيأتي، ووجبت العدة في النكاح الفاسد كالصحيح لأن الولد لا يلحق به فيه. وقوله: (ومِنْ كُلَّ وطْءٍ مِنْ زنّى أَوِ اشْتِباهٍ) هذا معطوف على قوله: (مِنْ كُلَّ نكاحٍ فاسد) لكن لا يسمى هذا في عرف الفقهاء عدة وإنما يسمى استبراء ولا يَطَأُ الزَّوْجُ ولا يَعْقِدُ وإِنْ لَحِقَ الْوَلَدُ بِخِلافِ الْمَطَلِّقِ فِي الصَّحِيحِ يعني: أن من زنت زوجته أو اشتبهت فلا يطأها زوجها في مدة الاستبراء ولو كان الولد به لاحقاً، وكذلك لا يعقد على الأجنبية التي زنت أو وطئت باشتباه، لأن كل محل امتنع فيه الاستمتاع امتنع فيه العقد إلا الحيض والنفاس. ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد أن النكاح الفاسد إذا فسخ لا يكون للزوج فيه أن يعقد ولا يطأ وإن لحق الولد، وهذا المعنى الثاني وإن كان قرب إلى لفظه لكن يبقى قوله: (ولا يَطَأُ) ليس فيه كبير فائدة واقتصر، وعلى الثاني بخلاف المطلق في النكاح الصحيح فإن له أن يعقد ويطأ لأن ماءه صحيح لكن يشترط أن لا تكون مريضة بحيث يحجر عليها.

стр. 2301

ومِنْ غَيْبَةِ الْغَاصِبِ والسَّابِى عَلَيْهَا والْمُشْتَرِي ولا يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِها يعني: ويجب الاستبراء أيضاً بثلاثة أطهار إذا غصبت وغاب عليها الغاصب. ابن عبد السلام: وقد اختلف لفظه في المدونة في الأمة المغصوبة يغيب الغاصب عليها ثم تعود إلى ربها فظاهر كلامه في أول الاستبراء الوجوب ونص بعد ذلك على أن استبراءها مستحب، وينبغي أن يجري ذلك في الحرة، وكذلك يجب الاستبراء بالثلاثة إذا غاب عليها السابي من الكفار أو المشتري، وسواء بيعت هذه الحرة جهلاً أو فسقاً. وقوله: (ولا يُرْجَعُ إِلَى قَوْلِها) أي لا تصدق المرأة إن قالت: لم يصبني. وفي بعض النسخ: (قولهما): أي الرجل والمرأة لحق الله تعالى. وفِي إِيجَابِ ذِلِكَ فِي إِمْضَاءِ الْوِلِيِّ أِوْ فَسْخِهِ قَوْلانِ يعني: إذا زوج أجنبي امرأةً مع وجود وليها غير المجبر. وقلنا بأشهر قولي ابن القاسم أن للولي الخيار في إجازته وفسخه ما لم يطل بعد البناء، فأمضاه بعد البناء بالقرب فهل هو تقرير، وكأن النكاح وقع بولي فلا يحتاج إلى استبراء، وكذلك لا يحتاج إليه في الفسخ إذا أراد أن يتزوجها بعد الفسخ؟ أو يقال: إمضاؤه كابتداء نكاح فيحتاج إلى استبراء لأن الماء الأول فاسد وكذلك يحتاج إليه في الفسخ؟ وحاصله: إن قيل أن الماء صحيح لم يحتج إليه وإلا احتاجت. والقول بالاستبراء هو ظاهر المدونة على ما وقع في بعض الروايات، ففيها: ويكره للرجل أن يتزوج امرأة بغير أمر ولي، أعني ولي نسب. ابن القاسم: فإن فعل كره له وطؤها حتى يعلم وليها فيجيز أو يفسخ، فإن فسخه الإمام أو وليها عند الإمام ثم أرداته زوجها إياه مكانها وإن كره الولي إذا دعته إلى سداد وإن لم يساوِ حسبها ولا غناها، وكان مرضياً في دينه وعقله وهذا إذا لم يكن دخل بها.

стр. 2302

ابن يونس: يريد فإن دخل بها لم ينكحها حتى تستبرئ بثلاث حيض. لكن صرح في بعض الروايات بأن قوله: (وهذا إذا لم يدخل بها) من كلام سحنون، والأولى رواية أبي عمران لأنه قال: إن كان هذا الشرط لسحنون فهو على مذهبه في العبد يتزوج بغير إذن سيده فيجيز السيد أنه يستبرئ. قال: وقاله ابن الماجشون. وإن كان من كلام ابن القاسم فهو خلاف ما ذكره ابن حبيب أن مالكاً قال: إن كل نكاح ليس لأحد إجازته فلا يتزوجها في استبراء منه، وإن كان للولي أو السلطان إجازته فله أن يتزوجها في عدة منه. وهو في الموازية في المملوكة توطأ قبل العلم عليها الاستبراء. واستشكل جماعة الاستبراء هنا لعدم فائدته فإن الولد لاحق به. وأجيب بأن الفائدة تظهر في القذف فلو نسب الولد إلى شبهة في نسبه لم يحد من نسبه إلى ذلك إذا نشأ من الماء الواقع قبل الفسخ أو الاختيار، ويحد إذا نشأ الولد بعد ذلك. فرع: وإما إذا كان النكاح صحيحاً والوطء فاسداً كمن وطئ زوجته حائضاً فإنه لا يلزم من ذلك استبراء، قالوا: وكذلك لو كان النكاح فاسداً لصداقه. والأَمَةُ فِي النَّكَاحِ الصَّحِيحِ والْفاسِدِ كذلك، وفِي الزِّنى والاشْتِبَاهِ كذلك هكذا وقع في بعض النسخ، وفي بعضها: وفي الزنا والاشتباه حيضة، يعني [١٢١/ب] أن الأمة الزوجة حكمها حكم الزوجة الحرة في هذه الأحكام إلا في القدر الذي تعتد به فإنها تعتد بحيضتين وتستبرئ في الزنا والاشتباه، يريد ومن غيبة الغاصب والسابي والمشتري بحيضة واحدة. ولولا أن المصنف اعتمد على ما اشتهر من أن عدة الأمة حيضتان لكان قوله: كذلك قوله: كذلك: يوهم أن عدة الأمة ثلاث حيض، وعلى هذا فيكون التشبيه بذلك راجعاً إلى أصل الوجوب لا إلى قدره. ووقع في بعض النسخ: والأمة في النكاح الصحيح والفاسد حيضتان، وفي الزنا والاشتباه حيضة: وهي أظهر.

стр. 2303

وتُجْبَرُ الْكتَابيَّةُ عَلَى الْعِدَّةِ مِنَ الْمُسْلِمِ فِي طَلاقِهِ ومَوْتِهِ كَالمْسْلِمَةِ قوله: (كَالمْسْلِمَةِ): أي: فتعتد ذات الأقراء بثلاثة قروء، واليائسة والصغيرة بثلاثة أشهر، وفي الوفاة بأربعة أشهر وعشر، هذا هو المشهور، وحكى ابن الجلاب رواية ثانية بأن الذمية تعتد في الوفاة من المسلم بثلاثة قروء، وخرج على الروايتين ما إذا توفي عنها قبل البناء فعل المشهور وتعتد في الوفاة أي المسلم بأربعة أشهر وعشر، وعلى الرواية الثانية لا عدة عليها وإنما أجبرت الكتابية على العدة لحق الزوج. واعلم أنه اختلف في الأقراء الثلاثة في عدة الحرة المسلمة فقال الأبهري: الجميع استبراء ولا تعبد فيها. وقال أبو بكر القاضي: القرء الأول لاستبراء الرحم والقرءان الأخيران عبادة. واختار ابن يونس الأول، ولا يعترض عليه بأنه يكفي في الأمة القرء الواحد لأنا نقول: ذلك كالحدود إنما هي موضوعة على حرمة المحدود من العبيد والأحرار والمحصنين والأبكار. وقال عبد الحق: قول أبي بكر هو الصواب. وخرج بعضهم على قول أبي بكر قولاً بأن الذمية تكتفي بقرء واحد في الوفاة والطلاق بناء على أن الكفار غير مخاطبين بالأحكام، ولهذا روى أبو زيد عن ابن القاسم في النصرانية يموت عنها زوجها الذمي فيتزوجها المسلم بعد حيضة أنه لا يفسخ نكاحها. وَيَتَزَوَّجُهَا الْمُسْلْمُ بَعْدَ مَوْتِ الذَّمَّيِّ بَعْدَ ثَلاثَةِ قُرُوءٍ كَطَلاقِهِ يعني: وقد دخل بها الذمي لمقابلته ذلك بقوله: فَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ تَزَوَّجَهَا مَكَانَهَا فِيهِمَا أي: في موت الذمي وطلاقه، ولمالك في العتبية أنه يكتفي بحيضة واحدة من طلاق الذمي.

стр. 2304

أَقْسَامُهَا مُعْتَادَةٌ، ومُرْتَابَةٌ بِتَأخِيرِ الْحَيْضِ، وصَغِيِرِةٌ، ويَائِسَةٌ، وحَامِلٌ، ومُرْتَابَةٌ بالْحَمْلِ الضمير في (أَقْسَامُهَا) عائد على العدة، فـ (مُعْتَادَةٌ) فيه حذف مضاف، أي عدة معتادة، ويحتمل عوده على المعتدات، ويترجح الأول بأنه لو أراد الثاني لقال: أقسامهن في الأفصح، وحصرها فيما ذكره استقراء، ثم أخذ المصنف يتكلم على كل قسم فقال: فَالْمُعْتَادَةُ ثَلاثَةُ قُرُوءٍ للْحُرَّةِ، وقُرْءانِ للأَمةِ ما ذكره في الحرة هو نص الآية الكريمة، ولا فرق بين أن يكون زوجها حراً أو عبداً على المعروف. وقيل: إن العدة تتشطر بكون أحد الزوجين رقيقاً، وما ذكره في الأمة متفق عليه عندنا، ويعضده ما رواه أبو داود وغيره أنه ﵊ قال: ((طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان)) لكنه ضعيف عند أهل الحديث، قيل: والصحيح أنه من كلام أبي عمران. وَالأَقْرَاءُ الأَطْهَارُ، وجَاءَ لَفْظُ الْحَيْضِ مَوْضِعَهُ كَثِيراً عَلَى التَّسَامُحِ قوله بقولنا، الشافعي، وهو قول عائشة، وزيد بن ثابت، وابن عمر، والقاسم بن محمد، وسالم بن عبد الله، وأبي بكر بن عبد الرحمن، وسليمان بن يسار، وابن شهاب، وأبان بن عثمان، وأبي ثور. وقال أبو حنيفة: الأقراء هي الحيض. وهو مروي عن أبي بكر وعمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى وغيرهم. وضعف أحمد أسانيد ما روي عن عمر وعلي وابن مسعود. وبالجملة فكل من القولين مروي عن جماعة من الصحابة والتابعين، ولولا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق:١] مع حديث ابن عمر في طلاق الحائض لكان مذهب أبي حنيفة أظهر، لأن المقصود من العدة إنما هو العلم أو الظن ببراءة الرحم، والدال على ذلك إنما هو الحيض، وأما الطهر فيوجد مع الحمل.

стр. 2305

قوله: (وجَاءَ لَفْظُ الْحَيْضِ) أي إنهم قد يطلقون لفظ الحيض موضع الطهر كثيراً على التسامح. ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف هو مذهب المحققين، وذهب بعض الشيوخ إلى حمل هذه الإطلاقات على ظاهرها فنقل عن المذهب قولاً كمذهب أبي حنيفة وهو بعيد لأن هذه المسامحة جرت على لسان من علم أنه لا ينصر إلا قول مالك. وطُهْرُ الطْلاقِ تَعْتَدُّ بِهِ ولَوْ لحظَةً لا خلاف في هذا عندنا وليس كمذهب أبي حنيفة في التي تطلق في الحيض فإنها لا تعتد بذلك الحيض عنده وإن قال: القرء هو الحيض. فَتَحِلُّ بِأَوَّلِ الْحَيْضَةِ الثَّالِثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، ويَنْبَغِي أَلا تَعْجَلَ إِذْ قَدْ يَنْقَطِعُ عَاجِلاً فَلا تَعْتَدُ بِهِ .... أتى بالفاء لأن هذا مرتب على ما قبله وأيضاً فلما قدم أن الطهر الأول تعتد به ولو لحظة خشي أن يتوهم منه أن الجزء الأول من الطهر الأخير يقوم مقام جميع الطهر فتحل [٣٩٩/ب] ببعضه فبين ذلك وأنها لا تحل إلا بجميعه. ومقابل المشهور رواه ابن وهب عن مالك أنها لا تبين إذا رأت الدم حتى يعلم أنها حيضة تامة. وخرج ابن رشد على قول ابن الماجشون أن أقل الحيض خمسة أيام أنها لا تحل لغير المطلق حتى تمكثها، وكذلك على القول أن أقله ثلاثة وعلى أنه يوم، وفيه نظر، ألا ترى أن مالكاً وابن القاسم يريان الدفعة ونحوها ليست بحيض في هذا الباب مع أنها تبين برؤيتها أول الدم الثالث فلا يبعد أن يسلك ابن الماجشون وغيره هذا المسلك. ابن رشد: بناء على تخريجه وعلى قول ابن الماجشون وابن مسلمة: لو انقطع الدم فإن عاد بالقرب لفق منه العدة المذكورة، وإن لم يعد إلا بعد البعد كانت تلك الدفعة ونحوها ملغاة لا يعتد بها، وحكم ذلك دم العلة والفساد، وتقضي ما تركت فيه من الصلاة.

стр. 2306

عياض: وقول شيخنا، تقضي ما تركت فيه من الصلاة، فيه نظر لا يوافق عليه. وقوله: (ويَنْبَغِي أَلا تَعْجَلَ) يعني وإذا قلنا تحل للأزواج برؤيتها أول الدم الثالث فينبغي ألا تعجل بالتزويج لاحتمال أن ينقطع الدم عنها قبل اسبترائها حيضة. واعلم أن قوله: (ويَنْبَغِي) هو من كلام أشهب في المدونة، والكلام الأول لابن القاسم، كذا قال الجمهور، واختصر ابن أبي زمنين المدونة على أن مجموع الكلام لأشهب، وعلى الأول فاختلف هل كلام أشهب وفاق وهي طريقة المصنف وأكثر الشيوخ، أو اختلاف وإليها ذهب غير واحد وهو مذهب سحنون لقوله: هو خير من رواية ابن القاسم، وهو مثل رواية ابن وهب: أنها لا تحل للأزواج ولا تبين من زوجها حتى يتبين أنها حيضة مستقلة، وهو مذهب ابن المواز وابن حبيب. وعلى هذا فيكون قول أشهب: (وأحب) محمولاً على الوجوب، ويبين ذلك تعليل أشهب بقوله: أن قد ينقطع عاجلاً فإنه علة تقتضي الوجوب. واختلف القائلون بحمل قوله على الخلاف لو انقطع الدم ما الحكم؟ فقال أبو عمران وابن رشد وغيرهما: لا يضرها ذلك وقد حلت للأزواج برؤيته أولاً. ورأوا أن مذهب ابن القاسم في مقدار الحيض واحد في باب العبادة والعدة. ومنهم من قال: بل يضرها، وإنما لم يطلب منها ابن القاسم ما طلبه أشهب لأن الأصل عدم انقطاع الدم، وهو أيضاً الغالب فلا يلزمها وجوب ولا استحباب رعياً لمخالفة الأصل والغالب، وإلى هذا ذهب جمهورهم أنه إن لم يتماد بها الدم لا تحسب به حيضة. فرعان مرتبان على قول الجمهور: الأول: لو ماتت الزوجية بعد رؤية الدم وقبل التمادي فإنه يحمل أمرها فيه على التمادي ولا يرثها مطلقاً، وإن مات الزوج حينئذ لم ترثه إن تمادى، وإن قالت قبل موته باليوم والشيء القريب: انقطع الدم عني، وكان موته بإثر قولها ذلك ورثته، نقله ابن عبد السلام.

стр. 2307

الثاني: عياض: واختلف إذا راجعها زوجها عند انقطاع هذا الدم وعدم تماديه ثم رجع الدم بقرب، هل هي رجعة فاسدة إذ قد ظهر أنها حيضة صحيحة وقعت الرجعة فيها فتبطل وهو الصحيح. وقيل: لا تبطل رجع عن قرب أو بعد. خليل: وهذا الكلام يدل على أنها لم يعاودها الدم أن الرجعة صحيحة وأن للزوج الرجعة وإن قالت قبل ذلك: رايت الدم ثم ادعت انقطاعه. وَلا يُقْبَلُ قَوْلُهَا بَعْدَ التَّزْوِيجِ ولا قَبْلَهُ فِي ثُبُوتِ الرَّجْعةِ ابن راشد: يعني إذا ادعى زوجها أنه ارتجعها قبل انقضاء العدة وأقرت هي بصحة قوله فإن قولها في ذلك غير مقبول. هذا الذي ظهر لي من قوله، وما كان يحتاج إلى هذا فقد سبق له في الرجعة ما يغني عنه. وقال ابن عبد السلام: يعني إذا فرعنا على المشهور أن لها أن تتزوج ولم تفعل ما استحب لها من التأخير فتزوجت فبعد أن عقد عليها النكاح قالت: انقطع الدم، لم يقبل قولها لأن ذلك إقرار على غيرها وهو الزوج فتتهم على إرادة فسخ نكاحه، وكذلك لو لم تتزوج فتتهم على إنشاء نكاح من مطلقها من غير صداق ولا ولي فعلى هذا لو دفع إليها المطلق ربع دينار وأحضر الولي لما منعت من ذلك إذ لا موجب للتهمة والله أعلم. وانظر كلام المؤلف ووفق بينه وبين قول أشهب في المدونة أحب إلى ألا تنكح حتى تستمر الحيضة لأنها ربما رأت الدم ساعة أو يوماً ثم ينقطع عنها فيعلم أن ذلك ليس بحيضة فإذا رأت المرأة هذا في الحيضة الثالثة فلترجع إلى بيتها والعدة قائمة ولزوجها الرجعة حتى تعود عليها حيضة صحيحة مستقيمة. انتهى كلام ابن عبد السلام وفيه نظر، لأنها إذا قالت: انقطع عني قبل التزويج فإما أن تبني على قول أبي عمران وابن راشد أن ابن القاسم يرى أن اقل الحيض لا حد له هنا كما في العبادة أولاً، فإن كان الأول فلا عبرة

стр. 2308

بكلامها لأنها قد كمل لها حينئذ ثلاث حيض، وإن بنينا على قول الأكثر فيقبل قولها لأنها حينئذ ثلاثاً ويكون لزوجها الرجعة، وقد تقدم في الفرع الثاني من كلام القاضي عياض ما يدل [٤٠٠/أ] على ذلك، وقد صرح غيره بذلك، وعلى هذا فكلام ابن راشد أحسن، والله أعلم. فَإِنْ طُلَّقَتْ فِي حَيْضٍ أِوْ نِفَاسٍ حَلَّتْ بأَوَّلِ الرَّابِعَةِ، والأَمَةُ بحِسَابِهَا لأنها لا تعتد بالحيضة التي طلقت فيها وكذلك النفاس فلأجل ذلك لا تحل إلا بالدخول في الحيضة الرابعة. قوله (والأَمَةُ بحِسَابِهَا)، أي فتحل بالدخول في الحيضة الثالثة. وَإِذَا حَاضَتْ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْم فَفِيهَا يُسْأَلُ النِّسَاءُ أَيَكُونُ هَذَا حَيْضاً أَمْ لا، وقَالَ أَيْضاً: ولا تِكُونُ حَيْضةٌ أَقَلَّ مِنْ يَوْمَيْنِ. ابْنُ مَسْلَمَةَ: لا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ. ابْنُ الْماجِشُونِ وسَحْنُونٌ: لا تَكُونُ أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةٍ. ولِذَلِكَ قَالَ سَحْنُونٌ: لا تَنْقَضِي بأَقَلَّ مِنْ أَرْبِعَينَ وقَد تَقَدَّمَ الطُّهْرُ فِي الْحَيْضِ .... قد تقدم أن ابا عرمان وابن راشد تأولا على المدونة أنه لا حد لأقل الحيض هنا كالعبادات وأن أكثرهم خالفهما هنا في ذلك، ونص المازري على أن المشهور عن مالك نفي التحديد وإسناد الحكم إلى ما يقوله النساء أنه حيض، ونص أشهب في المدونة أن اليوم لا يكون هنا حيضاً، وحكى الخطابي عن مالك أنه لا تكون الحيضة هنا أقل من يوم، وكل من قال بالتحديد بيوم أو يومين أو ثلاثة أو خمسة فإنما قال ذلك لعادة جرت عنده. وصرح المصنف عن سحنون أنه يقول: إن أقل الحيض خمسة، وإنما يحكيه غيره استقراء من قوله أنها لا تنقضي بأقل من أربعين، أي بناء على أن أقل الحيض خمسة، وعلى المشهور أن أقل الطهر خمسة عشر يوماً، وذلك أنه يقدر الطلاق وقع آخر لحظة من الطهر فهذا قرء ثم حاضت بعد خمسة أيام ثم طهرت خمسة عشر يوماً ثم حاضت خمسة

стр. 2309

ثم طهرت خمسة عشر يوماً ثم دخلت في الدم الثالث وذلك أربعون، ولو بنى على قوله أن أقل الطهر ثمانية لانقضت بستة وعشرين. قوله: (وقَد تَقَدَّمَ الطُّهْرُ فِي الْحَيْضِ) فيه حذف خطابين تقديرهما: تقدم مقدار الطهر في كتاب الحيض، وحاصل كلام المصنف أن الطهر في البابين سواء، وإنما يختلف البابان في مقدار الحيض. وَالْمُرْتَابَةُ بغَيْر ِسَبَبٍ مُعْتَادٍ- حُرَّةً أَوْ أَمَةً- تَتَرَبَّصُ تِسْعَةَ أَشْهُرٍ اسْتِبْرَاءً ثُمَّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ عِدَّةً فَتَحِلُّ عَقِبَ السَّنَةِ، كَمَا قَضَى عُمَرُ، ولذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ: عِدَّة الطَّلاقِ بَعْدَ الَّريبَةِ، وعِدَّةُ الْوَفَاةِ قَبْلَ الرِّيبَةِ لما انقضى كلامه على المعتادة أخذ يتكلم على المرتابة بتأخير الحيض. وقوله: (بغَيْر ِسَبَبٍ مُعْتَادٍ) احترز بذلك مما لو تأخر حيضها لسبب معتاد وسيأتي. وسوى المصنف بين الحرة والأمة في التربص تسعة أشهر، وهي زمان الحمل غالباً، فإذا لم يظهر بها حمل ولا رأت ما حصل الظن أنها ليست بحامل وأنها لا ترى دماً فقام ذلك مقام الإياس من كونها من أهل الأقراء فتعتد حينئذ كعدة الآيسة ثلاثة أشهر مضافة إلى التسعة ولا تدخل فيها، وهو معنى قوله: (فَتَحِلُّ عَقِبَ السَّنَةِ) ثم أشار إلى دليل هذا الكم بقوله: (كَمَا قَضَى عُمَرُ) وبه قال ابن عباس ولا يعلم لهما مخالف، وهذا هو المشهور. وذكر في الكافي قولاً آخر أن المرتابة لا تخرج من عدتها حتى تستوفي بقيتها وترفع الريبة. وقال أشهب: تعتد الأمة بأحد عشر شهراً تسعة استبراءً وشهران للعدة، وهو الظاهر لأن الثلاثة أشهر إنما لم تتشطر في حق الأمة لأجل أن الحمل لا يظهر في أقل منها وها هنا قد حصل قبلها تسعة أشهر.

стр. 2310

وقوله: (ولذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ ... إلخ) إنما كانت عدة الطلاق بعد الريبة قبلها لأن المطلقة تطلب أولاً بالأقراء فإذ مضت لها تسعة أشهر ولم تر شيئاً علمت أن عدتها بالأشهر، والمتوفى عنها تعتد بالأشهر فإذا انقضت عدتها ولم تر حيضاً وهي ممن تحيض في ذلك القدر حصت الريبة فأمرت أن تنتظر حمل النساء غالباً، وهو تسعة أشهر- لتزول الريبة. فَإِنْ حَاضَتْ فِي السَّنَةِ ولَوْ آخِرَهَا انْتَظَرَتِ الثَّانِيَةَ كَذَلِك ثُمَّ الثَّالِثَةَ يعني: إذا قلنا تتربص سنة فإن جاءتها الحيضة ولو في آخر السنة انتقلت إلى الحيض لأن الحيض يدل على الأقراء فإذا ظهر الأصل قبل ترتب البدل وجب إلغاء البدل كما في سائر الأصول، أما لو رأت الدم بعد السنة ولو بقليل لم يكن له أثر لأن المرأة قد حلت للأزواج بانقضاء السنة، فكان ذلك بمنزلة ما لو طرأ الماء على المتيمم وهو في الصلاة، وما ذكر المصنف من انتظار الثانية والثالثة كذلك هو المشهور. وقال ابن نافع: إن حاضت حيضة أو حيضتين ثم رفعتها حيضتها أو كانت ممن تحيض فإنها تنتظر أقصى الحمل خمس سنين، وإن كانت ممن يئس مثلها من الحيض اعتدت بالسنة تسعة أشهر ثم ثلاثة. سحنون: وأصحابنا لا يفرقون بينهما والعدة فيهما بالسنة. الشيخ أبو محمد: يعني سحنون فيمن يحتمل أن تحيض، وأما من لم تحتمل ذلك فعدتها ثلاثة أشهر. فَإِنِ احْتَاجَتْ إِلَى عِدَّةٍ أُخْرَى قَبْلَ الْحَيْضِ فَفِي الاكْتِفَاءِ بثَلاثَةِ أَشْهُرٍ قَوْلانِ يعني: إذا تمت عدتها بالسنة ثم احتاجت إلى عدة أخرى إما بأن تزوجت غير زوجها ودخل بها ثم طلقها، وإما أن يكون زوجها قد ارتجعها ثم طلقها فروى محمد عن مالك وأصحابه أن عدتها ثلاثة أشهر حرة كانت أو أمة لأنها لما اعتدت بالشهور صارت لها حكم اليائسة والقول بأنها لا تكتفي بثلاثة [٤٠٠/ب] أشهر وتنتظر السنة لم أره معزواً.

стр. 2311

وَتَكْفِي فِي الأَمَةِ الْمُشَتَراةِ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ مُضِيِّ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ باتِّفَاقٍ قال في المدونة: وإن اشترى معتدة من طلاق وهي ممن يحيض فارتفعت حيضتها فإذا مضت سنة من يوم الطلاق وليوم الشراء ثلاثة أشهر فأكثر حلت، وعلى هذا ففاعل (تَكْفِي) ضمير عائد على السنة، ويكون كلامه مقيداً بما إذا بقي من السنة من يوم الشراء ثلاثة أكثر، ويحتمل أن يكون ضمير (تَكْفِي) عائد على الثلاثة أشهر المتقدمة في قوله: (فَفِي الاكْتِفَاءِ بثَلاثَةِ أَشْهُرٍ قَوْلانِ) وذكر عن القابسي في معتدة من طلاق اشتريت فرفعتها حيضتها أنها لا توطأ إلا بعد سنة ولو قال القوابل بعد ثلاثة أشهر وقبل سنة لا حمل بها، فلا توطأ إلا بعد حيضتين أو سنة لا حيض فيها. قال: وليست كالمعتدة من الوفاة هذه إن قال القوابل: بعد ثلاثة أشهر وقبل تسعة لا حمل بها، حل لمشتريها وطؤها لأن العدة من الوفاة قد انقضت بمضي شهرين وخمس ليال والتربص لزوال الريبة فمتى زالت حلت، والمطلقة عدتها بعد التسعة أشهر، وفي المدونة أيضا: من اشترى معتدة من وفاة زوج فحاضت قبل تمام شهرين وخمس ليال لم يطأها حتى تتم عدتها، فإن انقضت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن انقضت ولم تحض حتى تتم عدتها، فإن انقضت عدتها أجزأتها من العدة والاستبراء، وإن انقضت ولم تحض بعد البيع انتظرت الحيضة فإن رفعتها حتى مضت ثلاثة أشهر وحست من نفسها انتظرت تمام تسعة أشهر من يوم الشراء، فإن زالت الريبة قبلها حلت وإن ارتابت بعدها بحس البطن لم توطأ حتى تذهب الريبة. وأتيت بالكلام في المشتراة في عدة الوفاة استطراداً لأن كلام المصنف لا يتناولها، إذ هو الآن إنما يتكلم في عدة المطلقة. وَبسَبَبٍ مُعْتَادٍ كَمَنِ اعْتَادَتْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ سَنَةٍ فَفِي انْتِظَارِهَا لاعْتِبَارِ الأَقْرَاءِ قَوْلانِ، وعَلَى انْتِظَارِهَا تَحِلُ بِانْتِفَائِهَا هذا قسيم قوله: (والمرتابة بغير سبب معتاد) أي والمرتابة بسبب معتاد، وجعل المصنف الأسباب أربعة: الأول: إذا كانت عادتها أنها لا تحيض إلا في كل سنة أو نحو

стр. 2312

ذلك. والثاني: الرضاع. والثالث: المرض. والرابع: الاستحاضةز واقتصر في الجواهر على الثلاثة الأخر، وهو أحسن، لأن في إدخال من تأخر حيضها بسبب العادة تحت المرتابة تسامحاً، والقول بانتظارها الأقراء لمحمد، وهو الذي حكاه اللخمي وغيره. ابن عبد السلام: وهو الظاهر. ابن راشد: وهو الصحيح عملاً بعموم الآية، لأن عمدة المذهب في التربص سنة إنما هو قضاء عمر، وهو إنما كان فيمن رفعتها حيضتها. ابن راشد: وقيل تحل بانقضاء السنة. وقال ابن عبد السلام: لا أتحقق وجود هذا القول في المذهب. ويمكن أن يريد المصنف أنها تحل بثلاث أشهر، لكن هذا القول إنما نقله أشهب عن طاوس ووجهه أنه حمل الآية في الأقراء الثلاثة على الغالب من حصول الطهر والحيض في شهر. وعلى الانتظار فقال محمد: إن لم تحِض عند مجيئها حلت وإن حاضت من الغد، وهذا معنى قوله: (وعَلَى انْتِظَارِهَا تَحِلُ بِانْتِفَائِهَا) وكذلك في الحيضة الثانية والثالثة، واستشكله اللخمي فقال: وليس هذا أصل المذهب، ألا تحتسب بالحيض إذا جاء من الغد لأن الحيض يتقدم ويتأخر. ثم تكلم المصنف على الرضاع فقال: والْمُرْضِعَةُ تَتَرَبَّصُ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ لا بالسَّنَةِ اتَّفَاقاً، فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ تَرَبَّصَتْ حِيَنِئِذٍ كالأُولَى .... ما حكاه من الاتفاق حكاه محمد فقال: لم يختلف قول مالك وأصحابه في عدة المرضع أنها لا تعتد بالسنة وعليها أن تنتظر الحيض أبداً ما دامت ترضع حتى ينقطع عنها الرضاع فتسقبل ثلاث حيض، فإن لم تحِض حتى أتت عليها سنة من يوم قطعت الرضاع حلت. وهذا معنى قول المصنف: (فَإِذَا انْقَطَعَ الرَّضَاعُ تَرَبَّصَتْ حِيَنِئِذٍ كالأُولَى) وعلل محمد انتظارها للأقراء بأنا عرفنا أن الرضاع هو الذي رفع عنها الحيض فكانت عدتها بالأقراء كما قال الله تعالى، أي فلم تدخل تحت اليائسات.

стр. 2313

وَلِلَّزْوِج انْتِزَاعُ وَلَدِهِ فِرَاراً مِنْ أَنْ تَرِثَهُ أَوْ لِيَتَزَوَّجَ أُخْتَهَا أَوْ أَرْبَعَةً فِي طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ إِذَا لَمْ يَضُرَّ بِالْوَلَدِ .... هكذا قال مالك ومحمد وهو مئروط بأن لا يضر بالود كما إذا علق بأمه ولم يقبل غيرها. مالك في العتبية: وكذلك هي إذا طلبت طرحه إذا قبل ثدي غيرها وكان للأب مال. وإنما قال المصنف: (فِي طَلاقٍ يَمْلِكُ فِيهِ الرَّجْعَةَ) لأنه لو كان طلاقاً بائناً لم يحتج إلى انتزاع الولد لأنها حينئذ لا ترثه وله أن يتزوج أختها أو رابعة، ثم تكلم المصنف على المرض فقال: وَالْمَرِيضَةُ: قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَالْمُرْتَابَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ، وقَالَ أَشْهَبُ: كَالْمُرْضِعِ قوله: (كَالْمُرْتَابَةِ بِغَيْرِ سَبَبٍ) أي تتربص سنة، ورأى أشهب أن المرض يذهب الدم فكان كالرضاع، وفرق ابن القاسم بينهما بأن المرضعة قادرة على إزالة ذلك السبب فكانت قادرة على الأقراء بخلاف المريضة فإنها لا تقدر على رفع السبب فأشبهت اليائسة. وقول ابن القاسم مروي عن مالك، وبه قال أصبغ وابن عبد الحكم، واختار ابن المواز قول أشهب [٤٠١/أ] ثم تكلم المصنف على السبب الرابع وهو الاستحاضة فقال: وَأَمَّا الْمْسَتحَاضَةُ فَإِنْ كَانَتْ مُمَيَّزَةَّ بَيْنَ الدَّمَيْنِ فَرِوَايَتَانِ، ابْنُ الْقَاسِمِ: يُعْتَبرُ الْحَيْضُ الْمُمَيَّزُ، ابْنُ وَهْبٍ: كَالْمُرْتَابَة، وغَيْرُ الْمُمَيِّزَة كَالْمُرْتَابَةِ .... حاصله أن المستحاضة على ضربين: إن كانت غير مميزة فهي كالمرتابة باتفاق فعدتها سنة، وإن ميزت فروايتان، واختار ابن القاسم أنها تعمل على المميز الذي لاشك فيه وهو المشهور، واختار ابن وهب أن تعتد بالسنة كالأوىل وتمييزه برائحته ولونه، وقال ابن المواز بكثرته أي أن دم الحيض كثير ودم الاستحاضة قليل، والأمة في ذلك كالحرة.

стр. 2314

تنبيه: الباجي: انتظارها سنة ظاهر في تقديم الاستحاضة وأما في تأخيرها ففيه نظر وذلك أن الاستحاضة لا تكون إلا بعد حيض، فإذ وجد الحيض بطل حكم الريبة بارتفاع الحيضة واعتدت بالأقراء، فلا يجوز أن يضاف ما بعد الحيض والاستحاضة إلى ما قبله، وقاله ابن القاسم. تستأنف بالمستحاضة التي ينقطع عنها الدم سنة من يوم انقطعت الاستحاضة، ووجهه أن الاستحاضة ليست من جنس انقطاع الدم فلا تلفق. وقال بعضهم: إذا قلنا تبني على أيام الاستحاضة فاختلف إذا لم تعلم أول الدم هل كان حيضاً أو استحاضة؟ فقيل: محمله على الاستحاضة وتكون السنة من يوم الطلاق. محمد: والقياس أن تكون السنة من بعد قدر حيضة والاستطهار. وأَمَّا الصَّغِيرَةُ والْيَائِسَةُ حُرَّةُ أَوْ أَمَةً فَثَلاثَةُ أَشْهُرٍ بِالأَهِلَّةِ لقوله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ [الطلاق:٤] أي كذلك، وقوله: (حرة أو أمة) هو المشهور، ووجهه أن الحمل لا يظهر في أقل من ثلاثة أشهر. وحكى ابن بشير قولين آخرين: شهر ونصف. والثاني: شهران. وقوله تعالى: ﴿إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ أي فلم تدروا ما عدتهن، هكذا فسره مالك في العتبية، وقال ابن بكير والقاضي إسماعيل: إن ارتبتم في معاودة الحيض، قالا: ولو كانت ريبة ماضية في الحكم لكان حقها أن ارتبتم بفتح الألف من إن. قالا: واليائس في كلام العرب إنما هو فيما لم ينقطع فيه الرجاء، يقال: يئست من الحيض لشدة مرض ومن الغائب لبعد غيبته، ولا يقال: يئست من الميت الذي قد انقطع منه الرجاء. قال اللخمي: والأول أحسن لقوله: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾ ولا يجتمع الإياس والشك وقال بعض المفسرين: المعنى: إن ارتبتم هذ الدم الذي ظهر من المرأة استحاضة أو حيض معهود أو كبر؟ وقال بعضهم أنه متصل بأول السورة، والمعنى

стр. 2315

لا تخرجوهن من بيوتهن إن ارتبتم في انقضاء العدة، قيل: وهو الأصح في معنى الآية. وقوله: (بِالأَهِلَّةِ) ظاهر. فَإِنِ انْكَسَرَ الأَوَّلُ تُمِّمَ الْمُنْكَسِرُ ثَلاثِينَ مِنَ الرَّابعِ، وقِيلَ: تُمِّمَ الثلاثة أي فإن انكسر الشهر الأول بأن طلقها في أثناء شهر، وما قدمه المصنف هو في المدونة على بعض الروايات، لكن صرح عياض وغيره بأن ذلك إنما هو عن ابن شهاب وربيعة. المتيطي عن بعض القرويين: وقولهما مخالف لقول مالك. وقال أبو عمران: لعل ربيعة يريد إذا لم تر الأهلة مثل أن يغم الهلال، وهو أحسن من الخلاف، والقول الثاني هو مذهب المدونة، ونص عليه في كتاب أكرية الدور، وصرح بعضهم بمشهوريته، وهو الذي يأتي على ما ذكره المصنف في الظهار بقوله: فإن انكسر الأول تمم المنكسر ثلاثين من الثالث، وهو الظاهر لأن المطلوب ما يصدق عليه ثلاثة أشهر، وذلك حاصل بهذا القدر، ووقع في بعض النسخ تقديم هذا القول وهي أحسن. قَالَ مَالِكٌ: وتُلْغِي الْيَوْمَ الأَوَّلَ، بَعْدَ أَنْ قَالَ: تَحْتَسِبُ بهِ إِلَى وَقْتِهِ أي: إذا طلقت في بعض يوم- وعلى قوله الأول- أنها تحتسب به إلى وقته فتحل في تلك الساعة. قال في البيان: ووجهه أنها تجب عليها بإجماع أن تبتدئ العدة من تلك الساعة ولتجتنب الطيب والزينة من حينئذ إن كانت عدة وفاة فيجب أن تحل في تلك الساعة. قال: ووجه الثاني أن السنة والشهر واليوم لما كان أول كل واحد منها غروب الشمس عند العرب والعجم وجب إلغاء بعض اليوم. وعلى الثاني: لو تزوجت بعد الوقت الذي هلك فيه زوجها وقبل غروب الشمس لفسخ النكاح. وقال ابن القاسم: لا يفسخ. وهو قول ثالث وهو استحسان مراعاة للخلاف.
следующие страницы →