Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2451–2490 · переход к 2456.
стр. 2451
وَلَوْ عَادَتْ بَالِغَةً أَوْ عَادَتِ الزَّمَانَةُ لِلذَّكَرِ لَمْ تَعُدْ
يعني: فلو زوج الأب ابنته الصغيرة ثم طلقها زوجها أو مات عنها وعادت إلى أبيها بعد البناء بالغة لم تعد نفقتها على الأب. مالك: فإن طلقت قبل البناء فهي على نفقتها. ومفهوم كلام المصنف أنها لو عادت غير بالغة لوجب على الأب الإنفاق، وهو قول سحنون، قال: تعود نفقتها ولا يسقطها بلوغها حتى تتزوج زوجاً آخر. وقال غيره: لا تعود أصلاً، وقيل: تعود إلى أن تبلغ فتسقط. وهو الذي قدمه المتيطي، قال: ولا تسقط النفقة لترشيده لابنته.
قوله: (أَوْ عَادَتِ الزَّمَانَةُ) يعني إن بلغ الابن زمناً وقلنا باستمرار نفقته على المشهور ثم صح وحكمنا بسقوط نفقته ثم زمن فإن النفقة لا تعود إلى الأب.
واعلم أن الخلاف في هذا الفرع موجود سواء بلغ زمناً أو صحيحاً، وفيه ثلاثة أقوال: قال ابن القاسم: إن بلغ زِمناً أو أعمى لم تسقط وإن طرأ ذلك عليه بعد البلوغ لم تعد. وقال ابن وهب في الموازية: لا نفقة له بلغ على ذلك أو طرأ عليه. وذكر ابن الجلاب عن ابن الماجشون أن نفقته لأبيه بلغ على ذلك أو أحدث به.
اللخمي: وهو أحسن. ولما لم يذكر المصنف في هذه المسألة خلافاً كان انتصاره في فرض المسألة على ما إذا عادت الزمانة حسباً، لأنه تنبيه منه بالأخف عن الأشد، لأن النفقة إذا لم تعد لأجل الصحة الواقعة بين الزمانتين فلأن لا تعود إذا بلغ صحيحاً ثم زمن أولى، إذ لقائل أن يقول: لا عبرة بالصحة الواقعة بين الزمانتين.
فرع:
نص محمد على ما إذا دخل بها وهي زمنة ثم طلقت أنه تعود نفقتها، وكذلك قال الباجي إن كان للولد الزمن مالك ثم ذهب أنه تعود نفقته.
стр. 2452
ثُمَّ لَهُمَا أَنْ يَذْهَبَا حَيْثُ شَاءَا، إِلا أَنْ يُخَافَ سَفَهٌ فَيَمْنَعَهُمَا الأَبُ أَوِ الْوَلِيُّ
يعني: ثم للان والبنت أن يذهبا بعد بلوغهما حيث شاءا، وهكذا قال مالك في المدونة، وحمله ابن رشد على ظاهره من ذهابهما بأنفسهما ومالهما، واحتج لذلك بأنه وقع لمالك هكذا في رواية زياد، وتأوله الشيخ أبو محمد وأكثرهم على أنه يريد بأنفسهما لا بمالهما، قالوا: لأن المعروف لمالك في غير موضع أنه لا يحكم للولد بالرشد بنفس البلوغ لا سيما الأنثى ولو كانت مدخولاً بها حتى يعرف من حالهما ما يستوجبان به الرشد، فحمل المدونة على ما يعرف لمالك في المدونة وغيرها أولى من حلمه على رواية شاذة لا يعرفها كل الناس. ثم إن خيف عليهما السفه في المال فلا شك أن للأب والولي منعهما، وإن كان في الدين فلهما منعهما وللأم ولسائر المسلمين إلا أن الأب والولي أخص بالمنع من غيرهما.
ونَفَقَةُ ولَدِ الْمُكَاتَبَةِ عَلَيْهَا إِنْ كَانُوا فِي كِتَابَتِهَا إِلا أَنْ يَكُونَ الأَبُ فِي كِتَابَتِهِمْ فَنَفَقَتُهُمْ عَلَيْهِ ....
يعني: أن من كاتب أمة فحدث لها أولاد بعد كتابتها أو كان لها أولاد موجودون وكاتبت على نفسها وعليهم كتابة واحدة فإن الولد على الأم لأنها أحرزت نفسها ومالها وولدها ومالها من سيدها، وليس عندنا أنثى تجب عليها النفقة إلا هذه، وفي التحقيق أن النفقة من السيد، لأنه اشترط ذلك عليها أو كأنها من جملة الكتابة.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ الأَبُ فِي كِتَابَتِهِمْ فَنَفَقَتُهُمْ) أي الأولاد والأم (عَلَيْهِ).
وَلَيْسَ عَجْزُهُ عَنْهَا كَعَجْزِهِ عَنِ الْكِتَابَةِ والْجِنَايَةِ
يعني: ليس عجز المكاتب عن نفقة ولده كعجزه عن الجناية والكتابة، لأن الجناية والكتابة متعلقان برقبته بخلاف النفقة فإنها مواساة بشرط اليسار.
стр. 2453
وَيَجِبُ عَلَى الأُمِّ الإِرْضَاعُ إِنْ كَانَتْ تَحْتَ أَبِيهِ أَوْ رَجْعِيَّة ولا مَانِعَ مِنْ عُلُوِّ قَدْرٍ بِغَيْرِ أَجْرٍ ....
إنما وجب على الأم الرضاع إذا كانت في العصمة أو رجعية بغير أجر، لأن عرف المسلمين على توالي الأعصار في جميع الأمصار على أن الأم ترضع الولد. وألحقت الرجعية بمن في العصمة، لأن أحكام الزوجية منسحبة.
وقوله: (ولا مَانِعَ) يعني: وأما أن كانت ممن [٤٢٥/ب] لا ترضع لشرفها فلا رضاع عليها، لأن العرف ألا تكلف هذه الشريفة الإرضاع، والعرف كالشرط.
قال في الجواهر: ويجب على الأم أن ترضع ولدها إذا كانت تحت أبيه إلا أن يكون مثلها لا يرضع لسقم أو قلة لبن أو لشرف وعلو قدر. ولذات الشرف أن تأخذ الأجرة من الأب إذا رضيت أن ترضعه، نص على ذلك اللخمي وابن بشير وابن عبد السلام.
خليل: وأفتى بعض مشايخ شيخي بأن الشريفة إذا تواضعت للإرضاع لا أجر لها لإسقاطها حقها، ولا كبير مؤنة عليها في لبنها.
وكَذَلِكَ إِنْ كَانَ الأَبُ عَدِيماً ولَمْ يَقْبَل غَيْرهُا
إنما يظهر هذا في الشريفة وفي معناها المطلقة طلاقً بائناً، وأما في حق من في العصمة والرجعية فلا، لأنه إذا كان الإرضاع عليهما وإن كان الأب ذا مال فكيف إذا كان عديما؟ ولو قال المصنف إلا أن يكون الأب عديماً كما قال في الجواهر لكان أبين. وهكذا قال اللخمي وغيره أن الأب إذا كان عديماً كان على الشريفة الإرضاع، وهو مقيد بما إذا لم يكن للولد أيضاً مال، وأما إن كان له مال فلها الأجرة في ماله. قاله صاحب البيان وغيره.
وقوله: (ولَمْ يَقْبَل غَيْرهُا) والأحسن أن يقول أو لم يقبل، لأنه إذا لم يقبل غيرها يجب عليها الإرضاع كان الأب عديماً أم لا، والواقع فيما رأيته في نسخ كثيرة ولم يقبل بالواو، ولعل ذلك ليكون مقابلاً لقوله:
стр. 2454
فإن قبل فالمشهور وجوبه بخلاف النفقة. وفي الجلاب: لا يجب
ظاهر كلامه أن هذا من تمام ما قبله، وإنما ذكره في المدونة والجلاب في الموت، ونص المدونة: وإن مات الأب وللصبي مال فلها ألا ترضعه وتستأجر له من يرضعه من ماله إلا ألا يقبل غيرها على أن ترضعه بأجرها من ماله، فإن لم يكن للصبي مال لزمها إرضاعه بخلاف النفقة التي لا يقضى بها عليها، ولكن يستحب لها أن تنفق عليه إن لم يكن له مال.
وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر، لأنه لا يؤخذ منه حكم الموت أصلاً، اللهم إلا أن يقال أن المصنف لم يتكلم على مسألة الموت وإنما كلامه مفرع على ما قبله، ومعناه أن المرأة إذا كانت شريفة أو بائناً وكان الأب عديماً وقبل الابن غيرها فالمشهور وجوب الإرضاع عليها.
فإن قيل هو لم ينص في المدونة على هذه الصورة. قيل: لا فرق بين أن يموت الأب ولا مال للصغير وبين أن يكون الأب عديماً في المعنى. ولهذا حكى ابن بشير المشهور وقول ابن الجلاب في الأب العديم، وعلى كل تقدير فكلامه ليس بظاهر، لأنه إن أراد مسألة الموت وهي التي في المدونة والجلاب فكلامه لا ينبئ عن ذلك، وإن أراد التفريع على مسألة الشريفة فليس بظاهر لأن التخريج وإن كان صحيحاً فكلامه لا ينبئ عن التخريج، والظاهر أنه أراد هذا الثاني، لأن كلامه لا ينبئ على الموت ولا سيما على ما وقع في بعض النسخ: (فإن قبل غيرهما) بضمير التثنية فيتعين الثاني، لأن الضمير ليس له شيء يعود إليه إلا الشريفة والبائن. وفي بعضهما: (غيرها) فيعود على الأم. وبما في الجلاب قال عبد الوهاب. ابن الجلاب: ويكون إرضاعه في بيت مال المسلمين.
وقوله: (بخلاف النفقة) أي فلا تجب على الأم بالاتفاق. وحمل بعضهم ما في المدونة وهي المشهور والذي حكاه المصنف على أن ذلك إذا تعذر الاستئجار من بيت المال، والفرق للمشهور بين النفقة والإرضاع أن اللبن مستخف.
стр. 2455
ابن عبد السلام: ورأيت في بعض كلام ابن العربي عن ابن المواز أنه يقول: نفقة الولد على الأبوين على قدر الميراث، فقال هو: لعله أراد أنها على الأم عند عدم الأب.
ابن عبد السلام: فإن صح نسبة هذا القول لابن المواز فتأويل ابن العربي بعيد، لأنه إذا كان الأب عديماً أو معدوماً فكيف يمكن أن يؤدى من النفقة شيئاً فضلاً عن الثلثين اللذين هما نصيبه من الميراث.
تنبيه:
قد تبين لك من كلامه في المدونة أن للأم إذا لم يقبل الولد غيرها أن تأخذ على ذلك الأجرة، وإن كلام للأم ذلك فالأجنبية أولى. قال شيخنا ﵀ وأبو الحسن: ويجري فيهما قول آخر أنهما يكون لهما شيءٌ قياساً على أحد القولين في المواساة الواجبة بفضل طعام أو شراب، وذلك بأنه إذا لم يقبل الولد غيرهما تعين عليهما الإرضاع، والله أعلم.
وعلى وجوب في إيجاب الاستئجار عليها إن لم يكن لها لبن قولان
يعني: وإذا فرعنا على المشهور من وجوب الإرضاع عليها فلو لم يكن لها لبن فهل يجب عليها أن تستأجر من يرضعه، لأنها لما كان عليها الإرضاع فعليها خلفه أو لا لأن هذا من النفقة ولا تجب عليها؟ قولان، والقول بالوجوب لمالك في الموازية وهو قول القاضي إسماعيل أبو عمران وهو قولهم كلهم، والقول بعدم الوجوب لعبد الوهاب وهو اختيار التونسي واللخمي.
وما عدا ذلك فعلى الأب
الإشارة بذلك عائدة على وجوب الإرضاع حيث قلنا أنه على الأم فعلى الأب، أي إذا طلقت طلاقاً بائناً أو كانت شريفة وقبل الولد غير الأم وكان الأب ملياً
стр. 2456
فإن لم يقبل غيرها تعينت بأجرة المثل
أي: فإن لم يقبل الطفل غير أمه تعينت بأجرة المثل، وظاهر كلامه سواء كانت بائناً أو شريفة [٤٢٦/ا] ولا إشكال في ذلك في حق البائن.
ابن عبد السلام: لقوله تعالى: فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَآَتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ [الطلاق:٦].
وأما الشريفة فكلام المصنف موافق لما تقدم. وقد تقدم عن بعضهم أنه خالف في ذلك على أن الظاهر أنه لم يتعرض المصنف هنا للشريفة، لأن الفروع التي ذكرها بعد هذا إنما ذكروها في البائن.
فإن قبل غيرها خيرت فيه بأجرة المثل
يعني: فإن قبل الولد غير أمه المطلقة خيرت هي في أن ترضعه بأجرة المثل أو تتركه لمن يرضعه بذلك.
إلا أن يجد الأب من يرضعه عنده بدونها فتخير بذلك اتفاقاً، فإن لم يكن عندها فقولان ....
يعني: فإن وجد الأب من يرضعه بأقل من أجرة المثل فإن كانت الظئر ترضعه عند أمه فاتفق على أنه لا مقال لها في طلب أجرة المثل، بل إما أن ترضعه بالقدر الذي وجده الأب أو تسلمه للظئر، وإن كانت الظئر لا ترضعه عند أمه فهل يكون كما لو كانت ترضعه عندها أو لا ويكون القول قولها في طلب أجرة المثل؟ قولان.
واعلم أن هذين القولين وقعا لمالك في الموازية مطلقين، ثم اختلف الشيوخ فحكى ابن بشير عن بعضهم أنه فهم أن محلهما إذا كانت الظئر لا ترضعه عند الأم كما قال المصنف، ومنهم من جمع بين القولين فحمل الرواية بخيار الأب على ما إذا كانت الظئر ترضعه عند الأم، والرواية الأخرى على ما إذا أبت الظئران أن ترضعه عند الأم. ومنهم من جعل القولين مطلقين سواء كانت ترضعه عند الأم أم لا.
стр. 2457
وحمل ابن يونس وغيره المدونة على أن القول قول الأم في أجرة المثل وإن وجد الأب من يرضعه عندها بأقل من ذلك، ونصها على نقل ابن يونس: قلت: فإن قالت بعدما طلقها ألبته لا أرضعه إلا بمائة درهم كل شهر. وأصاب الزوج من يرضعه بخمسين، قال: قال مالك: هي أحق به بما ترضعه به غيرها وليس للأب أن يفرق بينها وبينه، فإن أبت أن ترضعه بذلك فلا حق لها إلا أن يكون الولد لا يقبل غيرها وخيف عليه الموت فإنها تجبر على رضاعة بأجرة مثلها.
ابن يونس: قوله إذا وجد الأب من يرضعه بخمسين وقالت الأم لا أرضعه إلا بمائة فقال مالك: الأم أحق به بما يرضعه به غيرها. يريد بأجرة مثلها لا بخمسين. وقاله بعض القرويين، وإليه رجع ابن الكاتب وهو الصواب.
وسواء وجد من يرضعه عند الأم أم لا، وإن كان عند الأم فهي لا تباشره بالرضاع والمبيت، وذلك تفرقة بين الأم وولدها، فلذلك كانت الأم أحق به بأجرة مثلها وهو أبين.
عياض: ويشهد لهذا قوله بعد: (وليس للأب أن يفرق بينه وبينها إذا أرادت أن ترضعه بما ترضعه به الأجنبية ... إلى قوله في آخر المسألة: (فإنها أحق بأجرة رضاع مثلها).
وقوله أيضاً آخر الكتاب: إذا وجد من يرضعه باطلاً وهو موسر لم يكن له أخذه، وعليها رضاعه بما يرضعه به غيرها ويجبر الأب على ذلك.
وحمل بعضهم المدونة على أنها إنما تكون أحق بأجرة المثل إذا لم يقبل غيرها أو لم يوجد من يرضعه عندها، وأما إن وجد من يرضعه عندها باطلاً أو بدون أجرة المثل فلا حجة لها، ونحوه في كتاب ابن سحنون لأبيه، وقد يشهد أيضاً لهذا من الكتاب قوله إذا علق بالأم لا صبر له عليها وكان لا يقبل غيرها أو خيف عليه فأمه أحق به بأجرة مثلها. واختار اللخمي التفصيل، فإن كان الزائد الذي تبتغيه الأم يسيراً فالقول قولها، وإن تباين
стр. 2458
ما بين الأجرتين أو وجد من يرضع ولده فالقول قول الأب إذا كانت الظئر ترضعه عند الأم، وإن قالت أنا أرضعه عندي لم يكن ذلك للأب لأن للأم حقاً في الحضانة وليس للأب أن يحول بينه وبينها.
وإن وجده مجاناً وهو موسر فقولان
يعني: فإن وجد الأب من يرضعه مجاناً فإن كان معسراً فله ذلك إلا أن ترضى هي أن ترضعه بلا شيء، فإن لم يكن معسراً فهل له ذلك لأنه حق له أو لا نظراً لحق الأم في الحضانة؟ قولين: مذهب المدونة ليس له ذلك. واقتصر في الجواهر عليه، والقول الآخر لمالك من رواية ابن وهب. قال في البيان: ومعناه عندي إذا كان الذي وجده الأب يرضعه عند أمه ولا يخرجه عن حضانتها.
***
стр. 2459
و الحضانة في النساء: للأم، ثم أمها، ثم جدة الأم لأمها، ثم الخالة، ثم الجدة للأب، ثم جدة لأبيه، ثم الأخت، ثم العمة، ثم بنت الأخت ....
تصوره ظاهر، وقدم بعضهم على بعض على نحو ما ذكره المصنف، لقوة الشفقة في المقدم، ولهذا قال اللخمي: لو عُلِمَ مِمَّنْ قدمناه قلة الحنان، والعطف لخلق بجفاء أو قسوة أو لأمر بينها وبين أم الولد أو أبيه، وعُلِمَ من أحدٍ مِمَّنْ أخرناه الحنان والعطف، لقدم على من علم منه القسوة أو غير ذلك.
وذكر المصنف بينت الأخت، وأسقط بينت الأخ، وهي التي في التهذيب وفي اختصار ابن يونس بعد الأخت، ثم بنت الأخت ثم العمة ثم بنات الأخ، ولم يجعل لبنت الأخت ولا لبنت الخال، ولا لبنت العمة ملك في الواضحة حقاً في الحضانة.
اللخمي: ومعناه في العصبة وإلا فهم أحق من الأجنبيين، واستبعد ابن محرز وابن رشد وغيرهما ما في الواضحة لأن بنت الأخت رحم محرم، ولهذا قيل: بل تقدم بنت الأخ عليها للاتفاق عليها. وقيل: هما [٤٢٦/ب] سواء ينظر في أحرزهن وَأَكْفَئِهِنَّ. ونص عبد الوهاب واللخمي وصاحب المقدمات وغيرهم أن الأخت الشقيقة مقدمة على التي للأب، وكذلك الخالة والعمة، وكذلك يقدم الأخ للأم على الذي للأب، بل قيل إسقاط الأخ للأب، وروي عن مالك وابن القاسم في كتب المدنيين أنه لا حق للأخت للأب، لأن التعاطف بين الأختين للأم، والشنآن بينهما إذا كانتا للأب لاختلاف ما بين أمهاتهم. قال في المقدمات: وإنما تستوجب الحضانة بوصفين:
الأول: أن تكون ذات رحم. والثاني: أن تكون محرمة عليه. فإن كانت ذات رحم منه ولم تكن محرمة عليه كبنت الخالة، وبنت العمة وما أشبههما لم يكن لها حق في الحضانة، وكذلك إن كانت محرمة عليه، ولم تكن ذات رحم منه كالمحرمة عليه والمصاهرة والرضاع.
стр. 2460
وفي إلحاق خاله الخالة بالخالة قولان
يعني: اختلف على قولين: هل لخالة الخالة حق في الحضانة أو لا؟ وهي أخت الجدة للأم، قيل: وكذلك عمة العمة، وهي أخت الجدة للأب. ومذهب ابن القاسم إلحاق خالة الخالة بالخالة، وقدمها على الجدة للأب، واستشكله اللخمي.
ابن عبد السلام: وفي عبارة المؤلف قلق، لأن القول بعدم إلحاق خالة الخالة لا يلزم منه سقوط حقها مطلقاً، لما علمت أن عدم إلحاقها بالخانة أعم من سقوطها بالكلية.
وفي المذكور: للأب ثم الأخ ثم الجد ثم ابن الأخ ثم ابن العم ثم المولى الأعلى والأسفل على المشهور فيهما ....
الترتيب بين الحاضين على ثلاثة أوجه بين النساء بانفرادهن، وبين الرجال بانفرادهم، وبينهما. ولما تلكم على الأول أتبعه بآخرين.
والترتيب الذي ذكره المصنف ذكره ابن المواز أن أحق العصبة الأخ بعد الأب، ثم الجد ثم ابن الأخ ثم العم. قال في المقدمات: فيحتمل أن يريد أن الجد وإن علا أحق من ابن الأخ والعم، ويحتمل أن يريد أن أحق الناس بالحضانة من العصبة الأخ، ثم الجد الأدنى ثم ابن الأخ ثم العم ثم ابن العم وإن سفل الأقرب فالأقرب ثم أبو المجد ثم عم العم ثم ابن عم العم، وإن سفل الأقرب فالأقرب ثم جد الجد، ثم ولده ثم ولد جد الأب، ثم ولده على هذا الترتيب.
قال: فترتيب الحضانة يسن لحي على ميراث المال ولا على ميراث الولاء، والصلاة على الجنائز لأن الجد وإن علا أرفع مرتبة في الميراث من الأخ، ولأن بني الإخوة يسن لهم حق مع الجد وإن علا، وابن الأخ في باب الولاء أحق من الجد
стр. 2461
اللخمي: ولم أر للجد للأم في الحضانة نصاً، وأرى أن له في ذلك حقاً، لأن له حناناً، ولهذا غلطت الدية فيه، وأسقط عنه القود، وفي الوثائق المجموعة: إن اجتمع الجدان فالجد للأب أولى من الجد للأم. وهو قول ابن العطار، ونص في المقدمات على أنه لاحق له، ثم المولى الأعلى- أي بعد العصبة- وهو المعتق والأسفل يريد بعد الأعلى نص على ذلك اللخمي: على المشهور فيهما، أي في الأعلى والأسفل.
والمشهور مذهب المدونة إثبات الحضانة لهما. وقال ابن محرز: لا حق في الحضانة للمولى الأعلى إذ لا رحم له. وعلى قوله فلا حق للأسفل من باب الأولى.
اللخمي: ومن شرط من له الحضانة من الرجال وجود الأهل من زوجة أو سرية، قال: وهذا في الذكر، وأما الأنثى فحق الأولياء في حضانتها على ثلاثة أقسام: ثابت، وساقط، ومختلف فيه. فيثبت فيمن بينهن وبين محرم كالأخ وابنه والجد، ويسقط في كل من ليس بمحرم إذا كان غير مأمون أو مأموناً، ولا أهل له، لقوله ﵊: ((لا يخلُ رجل بامرأة ليس بينه وبينها محرم)).
واختلف إذا كان مأموناً وله أهل، فقال في الموازية في الصبيةِ تتزوجُ أمُها، ولها جد وعم لهما أن يأخذاها، وأما الوصي فليس بينه وبينها محرم، وتكون مع زوج أمها لأنه صار كالمحرم منها إلا أن يخاف عليها عنده، فيكون الوصي أولى بها.
وقال أصبغ: الوصي أولى بها من الأم إذا تزوجت، ومن العم فالإناث وإن كن قد بلغن أبكاراً، والأولياء إذا لم يكن بينهم وبينها محرم كالأوصياء. وقول مالك أصوب، لأنه لا ينفك مَنْ تكون في ولايته أن يطلع منها على ما لا يحل، لأن طول الصحبة والتربية يسقط التحفظ، وهذا فيمن بلغ منهن حد الوطء، وأما فيمن كان صغيراً فيصح أن يقال يكفلها الوصي إلى أن تبلغ حد الوطء فتزوج، ويصح أن يقال بمنع ذلك لما عليها من الضرر في التنقل من قوم إلى قوم لأنها يشق عليها نقلها عمن ألفته، وما ذكره من أول
стр. 2462
الفصل أن شرط الرجل في الحضانة أن يكون له أهل هو قول مالك في مختصر ابن عبد الحكم إذا تنازع الأب والخالة في الحضانة، الأب أولى إذا كان عنده من يحضنه فراعى أهله لأنهن العمدة في القيام بالأطفال، والغالب من الرجال التصرف، فإذا لم يكن لهم من يكفلهم ضاعوا، انتهى.
وقول مالك: (إذا كان عنده من يحضنه) أحسن من قول اللخمي: (إذا كان عنده زوجة أو سرية)، لصدق كلام مالك على ما إذا كانت أمة للخدمة أو قرابة، لأن الغرض من يقوم بمصالح الصبي. المتيطي: [٤٢٧/ا] ولمالك في المدونة: الوصي أحق بالولد إذا نكحت الأم وليس له جدة ولا خالة.
بعض القرويين: أراه يريد الولد الذكر. قال في الموازية: ولا يأخذ الأنثى إذ ليس بينه وبينها محرم. فجعل بعض شيوخنا ما في الموازية تفسيراً لظاهر المدونة، وظاهر المدونة محتمل، لأن لفظ الولد والصبيان يقع على الذكور والإناث.
والأم ثم أمها أولى من الجميع
هذا هو الوجه الثالث، أعني إذا اجتمع الرجال والنساء، وقوله من الجميع، أي جميع الرجال والنساء، وحكى اللخمي والمتيطي وابن رشد وغيرهم الاتفاق على ذلك.
وفي الأب مع بقيتهن. ثالثها المشهور: يقدم على من بعد الجدة للأب
القول بتقدمة الأب على من عدا الأم وأمها لمالك في الموازية، والقول بتقدمة الجميع عليه لمالك في الواضحة. والمشهور مذهب المدونة: يقدم على من بعد الجدة للأب، فيقم على الأخت وما بعدها، وتقدم الجدة عليه، ولو كانت نصرانية. وزاد اللخمي رابعاً لابن القاسم في كتب المدنيين أن الخالة تبدأ على الأب ويبدأ هو على أمه. وزاده غيره خامساً أن الأب يقدم على من عدا الأم، والجدة إن لم يكن مسلمات، وإن كن قدمن عليه، ونقل عن
стр. 2463
أشهب. وذكر في المقدمات في تقديم الأب على جميع قرابته أو تقديمهن عليه أو تقديمه على من عدا الجدة من قبله ثلاثة أقوال.
وقيل: الأب أولى من الأم عند إثغار الذكور
يعني: فأحرى أن يكون مقدماً على غيرها، وهذا القول رواه ابن وهب عن مالك، ووجهه أن احتياج الولد إلى أبيه بعد الإثغار أكثر، لأنه يحتاج حينئذ إلى التربية والتعليم. واستحسن ابن القصار وابن رشد وغيرهما من الشيوخ استهام الأبوين على الذكر إذا أثغر على ما وقع في بعض الآثار، وذهب إليه بعض العلماء خارج المذهب، وذهب الشافعي إلى أن الولد الذكر يخير بين أبويه، واختاره بعض الشيوخ، وترجح في الأنثى إذا كانت عند غير الأم.
وبقية النساء أولى من بقية الذكور
ابن عبد السلام: لا خلاف في هذا في المذهب. اللخمي: وكل من ذكر أنه له حظاً في الحضانة فليس ذلك بواجب عليه، وهو في ذلك بالخيار من أب أو غيره، لأن لكل حناناً وعطفاً، ما خلا الأم. واختلف هل تخير أم لا؟ أي بناء على أنه حق لها، أوله ابن محرز، والصواب عندي أنه حق مشترك بين الحاضن والمحضون.
وأم الولد تعتق كالحرة الأصلية على الأصح
يعني: إذا عتق أم ولده- وله منها ولد- فإنها أحق بحضانة ولدها على الأصح. والأصح هو مذهب المدونة، ووجهه أن الفرقة حصلت بين الأبوين بالعتق هنا، كما حصلت بالطلاق. وقال ابن وهب: لا حضانة لها. قال: وإنما ذلك للحرة يطلقها زوجها.
стр. 2464
كالأمة المتزوجة في ولدها الحر يعتق
قوله: (يعتق) - بالياء المثناه من تحت- عائد على الولد، قال في المدونة: وإذا أُعتق ولد الأمة وزوجها حر فطلقها فهي أحق بحضانة ولدها، إلا أن تباع إلى بلد غير بلد الأب، فالأب أحق به، أو يريد الأب انتقالاً إلى غير بلده فله أخذه.
محمد: وكذلك أيضاً إذا تزوجت الأم فالأب أحق به. قيل: وظاهر المدونة خلافه، وفيه نظر، وليس في المدونة ما يؤخذ منه أنها إذا تزوجت لا تسقط حضانتها، وإذا سقطت حضانة الحرة بالتزويج فالأمة أولى، وأسقط المصنف حرف العطف من قوله: (كالأمة) لأنه قصد بذلك الاستدلال على مسألة أم الولد، وذلك لأن الأمة المطلقة إذا لم يسقط حقها في الحضانة فالحرة التي كانت أم ولد وعتقها سيدها أَولى لأن الحرة أقوى على صيانة ولدها من الأمة.
واستشكل اللخمي وجوب الحضانة للأمة، لأنها مقهورة مشغولة بحق ساداتها، وإذا سقطت حضانة الحرة بالتزويج لما يتعلق بها من حقوق الزوجية، فالأمة أولى لأن سلطنة الرق أقوى من سلطنة الزوجية. وقد جنح مالك إلى هذا المعنى في مختصر ما ليس في المختصر، فقال: إذا أُعتق الصغير وأمه مملوكة وأمها حرة فتنازعاه، فأمه أحق به- دنيا-، إلا أن يكون ذلك مضراً به. فقوله: (مضراً به) جنوح منه إلى النظر فيمن كان في الرقم. وإلى هذا الإشكال أيضاً ذهب ابن رشد، فقال: القياس أن تكون الجدة الحرة أحق بالحضانة من الأم من أجل سيدها، كما إذا تزوجت الأم. قال: وإنما جعل الأم أحق، أي: في مسألة المختصر، لأنه رأى ألا يفرق بينه وبين أمه ورآها أحق بحضانته من الجدة الحرة، لأن سيده هو الذي ينفق عليه من أجل أنه أعتقه صغيراً، ألا ترى أن من قول مالك وغيره في المدونة وغيرها أن من أعتق صغيراً وأمه عنده أنه لا يبيعها إلا ممن يشترط عليه نفقته ليكون مع الأم في نفقة سيدها.
стр. 2465
ابن هارون وابن عبد السلام: إنما يتم هذا لو كان زمان الحضانة هو الزمان الذي ينفق فيه السيد على عبده، والزمان الذي لا يعرف بينه وبين الأم وولدها المعتق، وهي أزمنة ثلاثة: زمان الحضانة في الذكر إلى الاحتلام، وزمان النفقة على هذا المعتق أقل الأجلين، إما بلوغ الحلم، وإما بلوغه قدر ما يسعى فيه على نفسه، والزمان الذي لا يفرق فيه بين الأم [٤٢٧/ب] وولدها الإثغار على ما عرف في المذهب. فالجواب على إشكال اللخمي أن المرأة إذا تزوجت حصل بين زوجها الثاني وبين مطلقها بعض العداوة له ولولده فَنُزعَ الولد من الأم لهذا المعنى بخلاف الأمة فإنها وإن شغلت بخدمة ساداتها لا يبغضون ولدها كما يبغضه الزوج، ولا سيما إن كانوا هم الذين أعتقوه. وينبهك على ما أشرنا غليه من البغض ما لمالك في الموازية: إذا نكحت الأم فالجدة للأم أولى بحضانة الولد إذا كان لها منزل تضمهم فيه، ولا تضمهم مع أمهم. وقال سحنون في أسئلة ابن حبيب: إذا كانت الجدة لا زوج لها وهي ساكنة مع ابنتها في دار زوجها الثاني لم يلزمها الخروج من الدار، ولم يكن للزوج حجة في بقاء الولد مع الأم والزوج الثاني في موضع واحد.
ابن هشام: وبما في الموازية أفتى ابن العواد، وهي الرواية المشهورة عن مالك وأصحابه، ولعل سحنوناً أراد الصبي لأنه لا كشفة فيه، وقد يقول في الصبية الكبيرة أن أباها يكره اطلاع زوجها عليها، ويمكن أن يكون ما قاله مالك في الموازية ليس معللاً بالبغض، بل لأن للأب كما قال في المدونة تعاهد الولد عند الأم وأدبهم وبعثهم إلى المكتب، ولا يبيتون إلا عندها، فإذا سكنت الحاضنة عند أمهم لم يكن للأب تعاهدهم عندها بسبب ما يحدث بذلك مما لا يخفى.
والأب والوصي أولى من جميع العصبة على المنصوص، ويسافر بهم سفر نقله، وقيل: كولي النكاح ....
يعني: أن الذي نص عليه في الرواية أن الوصي أولى من سائر العصبة.
стр. 2466
ابن بشير: وينبغي أن يجرى الأمر على قولين، هل يكون مقدماً أو غير مقدم. وقد قدمنا في الصلاة على الميت وفي ولي النكاح ما يقتضي الخلاف في هذا الأصل، وهي أن هذه الحقوق هل تكون كالحقوق المالية، فلمالكها أن يتصرف فيها وينقلها إلى غيره، أو لا تكون كالحقوق المالية لأنه إنما ملك بسبب موجود فيه، لا في المنقول إليه؟
وهذا معنى قوله (وقيل: كولى النكاح) وعلى هذا فيكون قوله: (وقيل: كولى النكاح) مقابل المنصوص، وكان ينبغي أن يبين أن هذا القول مخرج، وعلى هذا فقوله أولى على المنصوص، أي: ومقابله لاحق له في الولاية، وإن كان لفظه يحتمل أن له حقاً في الولاية، وليس بأولى لكن لم أرَ ذلك. وكذلك يحتمل أن يكون قوله: (وقيل: كولي النكاح) اختلاف طريقة، ويكون أشار بذلك على أنه هل يكون أولى من الولي أو الولي أولى منه، أو هما سواء، أو كالأجنبي؟ لكن لم أر نقلا يساعده.
وقوله: (ويسافر بهم سفر نقلة) ظاهر لأنه إذا كان للولي السفر بالطفل والوصي أولى منه، كان الوصي أولى بذلك.
بعض الشيوخ: وإنما يقدم الوصي على الأولياء، ما لم يعلم أن ذلك من الأب، لشنآن بينه وبين جد الولد أو أخيه، فيقدمان على الوصي. قال: ولو كان الشنآن بينه وبين عم الولد أو ابن عمه لتقدم عليه الوصي، لأنهما يتهمان في عداوته والإساءة له لعداوة الأب.
وإذا اجتمع المتساوون رجح الشقيق ثم بالصيانة والرفق
وقع في بعض السخ: (الشقيق) من الشقاقة، وهو صحيح، وقد تقدم، وفي بعضها (الشفيق) من الشفقية وهو أيضاً صحيح ظاهر المعنى، وثم يرجح بالصيانة ثم بالسن لأن الغالب أن الأسن أقرب إلى الرفق والصبر من غيره.
стр. 2467
فإن غاب الأقرب، فالأبعد لا السلطان
هذا ظاهر، ولا مدخل له هنا، بخلاف النكاح.
وشرط الحضانة: العقل، والأمانة، والكفاية، وحرز المكان في البنت يخاف عليها، ولو كان أباً أو أماً، ويأخذها منهم الأبعد ...
لمن يستحق الحضانة شروط:
أولها: العقل، فلا حضانة لمجنون ولو كان غير مطبق، ولا لمن به طيش.
ثانيها: الكفاية، فلا حضانة لمن به زمانة، أو بلغ به المرض أو الكبر ما لا يملكه معه التصرف.
اللخمي: أو يمكنه بمشقة.
ثالثها: الأمانة، فلا حضانة لمن يبذر ما يأخذه من نفقة المحضون، أو كان غير مأمون في دنيه، لأن من هذا حاله يخاف أن يدخل على المحضون فساداً.
فرع:
ويحتاج الحاضن أن يثبت الأمانة على ما ذكره ابن العطار وابن الهندي وغيرهما من الموثقين، واحتجوا لذلك بما في إرخاء الستور من المدونة: أن الحضانة يستحقها من الأولياء من كان في كفاية وحرز وتحصين، وقد يكون الأب غير مأمون، فرب أب شريب يذهب يشرب ويترك ابنته أو يُدخل عليها الرجال، فهذا لا تضم إليه.
ابن القاسم: وينظر لها السلطان. المتيطي: فيما قيده الموثقون نظر عندي، والواجب أن يحمل على الأمانة فيهم، ولا يكلف بينة حتى يثبتوا عليه ذلك.
رابعها: المكان في البنت التي يخاف عليها، بخلاف الصبي والصغيرة التي لا يخاف عليها.
وقوله: (ولو كان أباً) يعني: أن هذه الشروط تعتبر في الحاضن مطلقاً، ولو كان أقرب الحاضنين أو الحاضنات، ولا يقال أن قربه يسقط بعض هذه الأوصاف.
стр. 2468
واختلف في السفيهة، فقيل: لها الحضانة، وقيل: لا. وهو قوله في الموازية، قال: ولا حضانة لسفيهة، [٤٢٨/أ] ابن القاسم في وثائقه: ويلزم عليه العمى والصمم والقعد والخرس، وقال اللخمي: إن كانت سفيهة في عقلها ذات طيش وقلة ضبط، لا تحسن القيام بالمحضون ولا أدبه، أو كانت سفيهة فيما تقبضه، تبذره قبل انقضاء الأمر، فلا حق لها في الحضانة، بخلاف ما إذا كانت سفيهة مولى عليها ذات صيانة وقيام، ويشترط في الحاضنة ألا تكون جذماء ولا برصاء، وإن كان خفيفاً لم يمنع، وإذا كانت الحضانة لرجل روعي ذلك فيمن يتولى الحضانة من نسائه في القيام، ودفع المضرة.
قوله: (ويأخذه منهم الأبعد) أي: إذا عدم من الأقرب بعض هذه الصفات أخذه الأبعد، وهو ظاهر.
وخلو المرأة من زوج دخل بها إلا جد الطفل على الأصح
لما ذكر الشروط المطلوبة ذكر أن الحاضنة يشترط فيها أن تكون خالية من الزوج، لقوله ﵊: ((أنتِ أحق به ما لم تنكحي)) وسقطت حضانتها بالزواج لاشتغالها بحقوق الزوج عن المحضون، وهذا هو المعروف. وفي المتيطية عن مالك أنه ليس للوالد أخذ الولد من الأم، وإن تزوجت ودخل بها زوجها إذا كان الابن في كفاية.
قوله: (إلا جد الطفل) أي: فإن تزوج الحاضنة به لا يسقط حضانتها لشدة حنوه على الولد.
واعلم أن تزويج الحاضنة بجد الطفل لا يمكن أن يتصور ذلك في حق الأم لاستحالة أن يتزوج أم الولد بجده، وإنما يتصور في جدة الطفل ونحوها، والأصح مذهب المدونة، ومقابله لابن وهب أنه لا يستثنى عنده أحدٌ من الأزواج، بل مطلق التزويج عند مُسقط نظراً لقوله ﵊: ((ما لم تنكحي)).
стр. 2469
وقوله: (جد الطفل) الأحسن جد المحضون، لأن الذي يتبادر إلى الذهن في العرف من الطفل أنما هو الواحد الذكر، وإن صح إطلاقه على أكثر من واحد لقوله تعالى: ﴿أَوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ﴾ [النور:٣١].
تنبيه:
قوله: (إلا جد الطفل) نحوه لابن شاس وابن بشير: إن تزوجت الأم أو من لها الحضانة، فإن لم يكن ولياً للطفل فقد سقطت حضانتها، وإن كان ولياً فقولان، المشهور ثبوت حضانتها، فأطلق في الولي. ونحوه للخمي وصاحب المقدمات ففي المقدمات: وإن زوجها ذا رحم من المحضون، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون محرماً، والثاني: ألا يكون محرماً، فإن كان محرماً عليه فسواء كان ممن له الحضانة كالعم والجد للأب، أو ممن لا حضانة له كالخال، والجد للأم لا تأثير له في إسقاط الحضانة. وأما إن كان غير محرم عليه فلا يخلو أن يكون ممن له الحضانة كابن العم أو ممن لا حضانة له كابن الخال، فإن كان ممن له الحضانة فهي أحق ما لم يكن للمحضون حاضنة أقرب إليه منه فارغة من زوج، وإن كان ممن لا حضانة له سقطت حضانتها بكل حال، كالأجنبي سواء.
وإن كانت وصية فقولان
يعني: اختلف هل يستثنى من النساء إذا تزوجن المرأة الموصاة أم لا؟ قولان، وهما لمالك، وروي عن أشهب وابن نافع: إذا أرادت النكاح له أن ينتزع الولد منها إن نكحت، لأن المرأة إذا تزوجت غلبت على جل أمرها حتى تعمل ما ليس بصواب. وقال في موضع آخر: إن أفردت لهم بيتاً مع من يخدمهم، وأحسنت النظر لم ينزعوا منها.
فائدتان:
قال غير واجد: لا يُسقط التزيجُ بالأجنبي الحضانةَ في ست مسائل هذه على أحد القولين: وإذا كان الولد رضيعاً لا يقبل غير أمه، وإذا قبل وقالت الظئر لا أرضعه إلا
стр. 2470
عندي، لأن كونه في رضاع أمه- وإن كانت متزوجة- أرفق له من أن يسلم لأجنبية- وإذا كان من بعدها ممن له الحضانة غير مأمون، وإذا كا من بعدها عاجزاً أو غائباً، وإذا لم يكن للولد قرابة من الرجال ولا من النساء، ويزاد سابعة وهي: إذا كان الأب عبداً والزوجة حرة، فلا يكون للأب أن ينتزعه منها إذا تزوجت.
ابن القاسم في الموازية: إلا أن يكون مثل العبد القيم بأمور سيده، أو التاجر الذي له الكفاية، فيكون أولى بولده إذا تزوجت الأم، وأما العبد الذي يخرج في الأسواق ويبعث في الأسفار فلا.
الفائدة الثانية: قال في المقدمات: اختلف بماذا يسقط الزوج الأجنبي حضانة زوجته، فقيل بالدخول، وقيل: بالحكم عليها، وقيل: بأخذ الولد منها. وعلى هذا يأتي اختلافهم فيمن طلق امرأته وله منها ولد، فتزوجت ولم يعلم بتزويجها حتى مات عنها أو طلقها أو علم بذلك ولم تطل المدة، هل له أن يأخذ الولد منها عبد خلوها من الزوج أم لا؟
وأما إن علم بتزويجها ولم يقم حتى طالت المدة ثم طلقها الزوج أو مات عنها فليس له أن يأخذ الولد منها، لأنه يعد بذلك تاركاً لحقه على الخلاف في السكوت، هل هو بمنزلة الإقرار أم لا؟
ولا يشترط الإسلام على المشهور، وتضم إلى ناس من المسلمين ولو كانت مجوسية أسلم زوجها ....
لا يشترط في الحاضن والحاضنة أن يكونا مسلمين على المشهور، وهو مذهب المذونة، والشاذ لابن وهب: لا حق لكافرة لأنه إذا لم يكن لمن أثنى عليه بشر حضانة، فالكافر أولى، واستحسنه [٤٢٨/ب] اللخمي.
стр. 2471
وقوله: (وتضم إلى ناس من المسلمين) ظاهره أنها تضم مطلقاً. وفي المدونة: والذمية إذا طلقت والمجوسية يسلم زوجها وتابى هي الإسلام فيفرق بينهما، ولهما من الحضانة ما للمسلمة، وتمنع أن تغذيهم بخمر أو خنزير، وإن خيف أن تفعل ذلك ضمت إلى ناس من المسلمين ولا ينتزعوا منها، فلم يقل إنها تضم، إلا إذا خيف منها.
ولا تعود بعد الطلاق أو الإسقاط على الأشهر إلا في إسقاطه لعذر
يعني: فلو تزوجت الأم أو غيرها من الحاضنات أو أسقطه هي فهل لها أن تعود في الطفل فتأخذه إذا طلقت أو مات زوجها. فالشهر وهو مذهب المدونة أنها لا تأخذه ولا تعود لها الحضانة، والشاذ لابن وهب أنها تأخذه. وزاد في المقدمات ثالثاً: أنها تسقط حضانتها في حال تزويجها، فإن طلقها الزوج أو مات عنها رجعت في ولدها. وفيه نظر، لأن هذا القول هو قول ابن وهب لأن ابن وهب لا يقول أن لها الحضانة وهي متزوجة.
وهكذا قال ابن عبد السلام: صاحب المقدمات وغيره. هذا الخلاف إنما هو على مذهب من يرى أن الحضانة حق للحاضنة، وأما على قو ابن الماجشون الذي يرى أن الحق في الحضانة للمحضون فلها أن تأخذ الولد متى خلت من الزوج.
ابن عبد السلام: واختلف في سكوت الحاضن الأقرب عن الحاضن الأبعد يأخذ الطفل أو غيره ممن كان له في الحضانة حق فتزوج مثلاً، وبقي الطفل بيده هل يكون سكوته تركاً لحقه في الحضانة؟ على قولين، إلا في إسقاطه لعذر كمرض أو لسفر حجة الفريضة ونحو ذلك، فإن لها الحضانة إذا زال عذرها.
فرعان:
أولهما: قال في الموازية: وإن تزوجت الأم فأخذتهم الجدة للأم ثم فارق الأم زوجها فللجدة أن تردهم عليها، وليس للأب في ذلك حجة. ابن محرز والمتيطي: أما لو ماتت الجدة وطلقت المرأة فهي أحق من الأب.
стр. 2472
الثاني: قال أشهب عن مالك فيمن توفي زوجها فتركت أولادها خمسة أشهر أو سبعة ثم قيل لها: أنت أحق بهم ما لم تنكحي. فقالت: والله ما علمت بهذا. قال: الثاني في هذا قريب، وهو يجهل السنة. وقد سئل عمن فارق زوجته وله منها بنت فطرحتها وألحقت بأهلها، فقامت عندهم ما شاء الله ثم تزوجت لا تتعرض لبنتها ولا تريدها حتى ماتت، فقامت أمها تطلب ابنة ابنتها، فقال: إن كان لذلك سنة فأكثر فلا شيء لها، فقد تركوها ورفضوها، فإن كان لذلك سنة إلا يسيراً فارى لها أخذها، وإن تزوجها تزويجاً فاسداً لا يُقران عليه، ودخل بها الزوج، ونزع منها الولد ثم علم بفساد النكاح ففسخ، فقال بعضهم: يرجع إليها الولد. وغيره: لا يرجع.
ابن يونس: وهو أصوب، وفسخ نكاحها كطلاق زوجها في النكاح الصحيح.
ويسقط حق الأم وغيرها من الحضانة إذا سافر ولي الطفل الحر أبا أو غيره سفر نقلة ستة برد، ولو كان رضيعاً لا سفر نزهة وتجارة إلا أن تسافر معه ...
يعني: إذا سافر ولي الطفل سواء كان الولي أباً أو غيره، ودخل في قوله: (أو غيره) الوصيُّ وغيره، والحر أولى. يصح أن يقرأ بالخفض صفة للطفل، وبالرفع صفة للولي، لأنه إذا كان الولد أو أبوه رقيقاً لم يكن السفر مسقطاً للحضانة، بل إن كان العبد هو الولد فليس لأبيه إذا سافر كلام، بل هو تحت نظر سيده في الحضن، وكذلك للسيد أن يسافر به، ولأمه اتباعه إن أحبت، وإن كان العبد هو الأب ففي المدونة ليس له حق إذا سافر والأم أحق به، كانت حرة أو أمة، لأن العبد لا قرار له ولا مسكن.
قوله: (سفر نقلة) أي سفر انتقال، وأما إن سافر سفر نزهة أو تجارة فلا حق له، وإليه أشار بقوله: (لا سفر نزهة وتجارة) أي ونحوهما.
وقوله: (ستة برد) هو بيان للسفر المسقط، يعني: وأما لو سافر سفراً قريباً فأن ذلك لا يسقط حضانتها، لإمكان نظر الولي، وهذا التحديد لمالك في الموازية.
стр. 2473
وقوله: (ولو كان رضيعاً) مبالغة، وهو المشهور، بشرط أن يقبل غير أمه. ولابن القاسم: ليس له أخذه إلا أن يكون فطيماً قد استغنى عن أمه. ولمالك في الموازية: لا يخرجوا بهم حتى يثغروا.
وقوله: (إلا أن تسافر معه) يعني: أنه تسقط حضانتها بالسفر المذكور إلا أن تتبعه فهي على حضانتها، ولا كلام للولي، وإنما سقطت الحضانة بهذا السفر، لأن نظر الولي لوصية عام، ونظر الأم إنما هو في أمور خاصة، فكان تحصيل ما ينظر فيه الولي أولى من تحصيل ما تنظر فيه الأم، ولهذا كان الوصي مقدماً على الأولياء إذا أراد سفراً بالمحضون.
بعض شيوخنا: وإن كان للولد وليان، وهما في القعد سواء، فسافر أحدهما، فليس له الرحلة بالولد، والمقيم أولى لبقاء الولد مع أمه، وكذلك إن لم تكن له أم، لأنه هو المقدم في نكاحها إن كانت أنثى.
فرعان:
الأول: قال جماعة: يشترط في إسقاط الحضانة بالسفر أن تكون الطريق مأمونة، يسلك فيها بالمال والحريم، وكذلك البلد الذي ينتقل إليه، ولا يشترط أن لا يكون بين البلد الذي سافر إليه الأب وبلد الحضانة بحر على الأصح، قاله ابن الهندي [٤٢٩/أ] وغيره لقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [يونس:٢٢].
الثاني: إذا قلنا: للولي الانتقال بالولد. فقال ابن أبي زمنين: كان بعض من أدركنا من شيوخنا المقتدى بهم في الفتوى يفتون بأن الولي لا يكون أحق حتى يثبت عند حاكم البلد الذي فيه الحاضنة أنه قد استوطن الموضع الذي رحل إليه. وقال ابن الهندي وابن الفخار وغيرهما: بل له الأخذ إذا أراد الرحيل. واحتجوا بقوله في المدونة: إذا أراد الأب أن يرتحل إلى بلد، أن للأب أن يخرج بولده معه إذا ارتحل، وكذلك الأولياء، فلم يكلفه بينة أنه قد استوطن. وعابوا الأول لأنه يؤدي إل المشقة في الراحل إلى البعيد، وقد آوى إلى إسقاط حقه.
стр. 2474
ابن الهندي: ويحلف لقد يريد استيطان ذلك البلد. بعض القرويين: وهذا يحسن في المتهم، وأما المأمون فلا يمين عليه. ووقع لسحنون في أسئلة حبيب أنه كان يكشف عن انتقاله كشفاً شافياً، فإن تبين ضرره منع، وإن كان خروجه حقيقة لا مضاراً بالأم لم يمنع، وقيل للأم: اتبعي ولدك إن شئت. واستدل بعضهم على صدقه بقرائن الأحوال، فإن باع ربعه أو نحو ذلك صدق، وعلى أنه لابد من الاستيطان بمدة غير محدودة، بل يرجع إلى اجتهاد الحاكم. عبد الخالق: ووقع في وثائق ابن الطلاع: تحرير المدة بالعام.
وقال أصبغ: بريدين
قوله: (وقال أصبغ: بريدين) يقتضى ثبوت معطوف عليه، وهو قوله: (ستة برد).
ابن عبد السلام: ولم يثبت قوله (ستة برد) في كل النسخ، ولم أر أنا نسخة إلا وفيها ذلك. وقال أصبغ في الموازية: لأن فيها عنه: ليس للأم أن تنتجع بولدها من الأسكندرية إلى الكريون.
اللخمي وغيره: وبينهما بريدان. وقريب منه ما قاله مالك: في البعيد مرحلتان.
أبو إسحاق: وقول أصبغ ظاهر المدونة، لأنه قال: القريب البريد ونحوه.
ولمالك أن مسيرة اليوم قريب للأم أن تخرج بالولد إليه. قيل: وهو الأقرب قياساً على سفر القصر. ولمالك: حد القريب أن يكون بموضع لا ينقطع خبر الولد منه، من غير أن يحده بأميال. اللخمي: وهو بين، فرب قريب لا ينقطع خبر الولد منه، واستعلام حاله لكثرة تردد أهله بين الموضعين، ورب قريب لا يعرف فيه حال الولد لقلة التصرف فيما بين الموضعين. وقال ابن مغيث: الذي مضت الفتوى به عند شيوخ المذهب ما ذكره المصنف أولاً: ستة برد. وقيل: إذا كان على رأس البريد هو بعيد.
وروى ابن وهب في الموطأ: حتى يرتحل من المدينة إلى مصر. ومثله عن أشهب.
стр. 2475
وسفره أو سفر الأم به دون ذلك، لا يسقط. وفيها: كالبريدين
يعني: وسفر الولي أو سفر الأم دون المسافة المسقطة لا يسقط حق الحاضنة، لأن ذلك لا يمنع الولي من النظر في أمر الطفل. وفي المدونة: تحرير القرب بالبريد ونحوه. وقد تقدم أن أبا إسحاق أخذ منه أن البعيد بريدان كما قاله أصبغ، وكذلك قال ابن رشد في قول أشهب: لا يرحل بهم ثلاثة برد. هذا مثل ما في المدونة لا ينتجع بهم إلا في المكان القريب، البريد ونحوه. وما ذكره من تسوية سفر الولي والحاضنة نص عليه اللخمي وغيره.
ابن راشد: وحيث قلنا تخرج بهم الأم فحقهم في النفقة باق على أبيهم في ظاهر المذهب وحكى في الطرر عن ابن جماهير الطليطلي أن الأم خرجت ببنيها إلى الصائفة سقط الفرض عن أبيهم مدة مقامهم، ولو طلبت الانتقال بهم إلى موضع مصر، فشرط الأب عليها نفقتهم وكسوتهم جار ذلك، وكذلك إذا خاف أن تخرج بهم بغير إذنه، فشرط عليها إن فعلت ذلك فنفقتهم وكسوتهم عليها، لزمها ذلك، قاله بعض الأندلسيين.
وفي استحقاق الحاضنة عنها شيئاً قولان بناء على أنه حق له أولها
قوله: (عنها) أي عن الحضانة. وما ذكر المصنف من منشأ الخلاف ذكره صاحب المقدمات وابن بشير، فقالاً: من رأي الحضانة حقاً للمحضون أوجب للحاضن الأجرة على المحضون، ومن رآها حقاً للحاضن لم ير له أجرة. وما قاله ابن عبد السلام من عكس هذا البناء ليس بظاهر. قال في المقدمات: من رأى أن ذلك من حقها لم ير لها سكنى، ومن رأي ذلك من حق المحضون رأى أن لهما كراء المسكن على الأب.
خليل: وفيه نظر، لأن المشهور أن الحق للحاضنة، والمشهور أن على الأب السكنى، وهو مذهب المدونة خلافاً لابن وهب. وعلى المشهور فقال سحنون: يكون السكنى على حسب الاجتهاد. ونحوه لابن القاسم في الدمياطية، وهو قريب لما في المدونة. وقال يحيي
стр. 2476
ابن عمر: على قدر الجماجم. وروي: لا شيء على المرأة ما دام الأب موسراً. وقيل: إنها على الموسر من الأب والحاضنة. وحكى ابن بشير قولاً بأنه لا شيء على الأم من السكنى، ورأى اللخمي أن الأب إن كان في مسكن يملكه أو بكراء ولو كان ولده معه لم يزد عليه في الكراء شيئاً، لأنه في مندوحة عن دفع الأجرة في سكناه، وإن كان يزاد عليه في الكراء، وعليها هي لأجل الولد، فعليه الأقل مما يزاد عليه أو عليها لأجله، فإن كان ما يزاد عليها أقل أخذته لأنه القدر الذي أضر بها، وإن كان ما يزاد عليه غرمه لأنه مما لم يكن له بد ولو كان عنده. وفي الطرز: لا سكنى للرضيع على أبيه مدة الرضاع، فإذا [١٥٢/ب] خرج من الرضاعة كان عليه أن يسكنه. خليل: ولا أظنهم يختلفون في الرضيع.
فائدة:
في المذهب مسائل اختلف فيها، هل هي على الرؤوس أم لا؟ منها هذه، ومنها أجرة كاتب الوثيقة، ومنها كانس المراحيض، ومنها حارس الأنذر، ومنها أجر القاسم، ومنها التقويم على المعتقين، ومنها الشفعة إذا وجبت لشركاء، ومنها العبد المشترك في زكاة الفطر، ومنها النفقة على الأبوين، ومنها إذا أرسل أحد الصائدين كلباً والآخر كلبين، ومنها إذا أوصى بمجاهيل من أنواع.
وعلى الاستحقاق فإن استغربت أزمانها فنفقة وإلا فاجرة
يعني: وعلى القول باستحقاق الحاضنة على الحضانة أجرة، فإن أشغلها ما يتعلق بالولد في جميع أزمانها وجبت لها النفقة كالزوجة، وإن لم تستغرق أزمانها وجب لها من الأجرة بحسب ما يقرره أهل العرف لها.
اللخمي: وإن كان الولد يتيماً فللأم أجرة الحضانة إن كانت فقيرة والابن موسراً، لأنها تستحق النفقة في ماله، واختلف إذا كانت موسرة، فقال مالك: لا نفقة لها. وقال مرة: لها النفقة إذا قامت عليه بعد وفاة أبيه. وقال أيضاً: تنفق بقدر حضانتها إذا كانت لو تركته لم يكن له بد من الحضانة. فجعل لها في هذا القول الأجرة دون النفقة.
стр. 2477
اللخمي: وأرى إن تأيمت لأجلهم وكانت هي الخادمة والقائمة بأمورهم أن لها النفقة، وإن كانت أكثر من الأجرة لأنها لو تركتهم وتزوجت أتى من يقف عليها- وكأن من النظر للولد كونهم في نظرها- وإن لم تكن تأيمت لأجلهم أو كانت في سن من لا يتزوج كان لها الأجرة، وإن كانت دون نفقتها، وإن كان لهم من يخدمهم واستأجرت من يقوم بخدمتهم فإنها هي ناظرة بما يصلح للولد فقط لم أر لها شيئاً.
فرعان:
الأول: إن لمن الولد في حضانتها من أم أو غيرها أن تأخذ ما يحتاج إليه الولد من نفقة أو كسوة وغطاء ووطاء. وإن قال الأب: هو يأكل عندي ثم يعود إليك لم يكن له ذلك، لأن في ذلك ضرراً على الولد وعلى الحاضنة، إذ الأطفال يأكلون في كل وقت، قاله غير واحد.
وكتب شجره إلى سحنون في الخانة الحاضنة إذا قال الأب: إنها تأكل ما أعطيه، وطلب الأب أنه يأكل عنده ويعلمه، فكتب إليه أن القول للأب، فجعل للحاضنة يأوي إليها فقط، والأول هو الأصل، ولعله ظهر صدقه في السؤال، وقد ذكر ابن يونس عن مالك هذا التفصيل نصاً في العتبية.
الثاني: اللخمي: اختلف في خدمة الولد، ففي المدونة: إن كان لابد للولد من خادم لضعفهم عن أنفسهم والأب يقوى على الإخدام أخدمهم. وقال ابن وهب في الدمياطية: ليس عليه أن يخدمهم، وبذلك قضي أبو بكر على عمر ﵄.
وتجب على الولد نفقة أبويه الفقيرين- صحيحين أو زمنين، مسلمين أو كافرين- صغيراً أو كبيراً، ذكراً أو أنثى، وإن كره زوجها ....
يعني: أنه يجب على الولد أن ينفق على أبويه سواء كان صحيحين أو زمنين مسلمين أو كافرين، صغيراً أو كبيراً، وكذلك أيضاً لو كان هو كافر وهما مسلمان، هذا هو القول
стр. 2478
المشهور، وروى ابن غانم عن مالك أنه لا نفقة للأبوين الكافرين، واشترط أن يكونا فقيرين، لأنه لا نفقة لهما إذا كان غنيين.
ابن لبابة: ويحلفه الولد على فقره استبراء للحكم. وقال غيره: لا يحلفه، لأنه من الحقوق، وبه الحكم.
ولا يسقطها تزويج الأم لفقير
أي: إذا تزوجت الأم فقيراً فوجوده كعدمه، ونفقتها مستمرة على الولد، وكذلك أيضاً لو كان الزوج ملياً وافتقر، ولو كان يقدر على بعضها تمم الابن باقي النفقة ولو كان الزوج ملياً. وقال: لا أنفق عليها إن رضيت، وإلا فارقتها، فرضيت الأم. فقال الباجي: ينفق الابن. وقال اللخمي: لا ينفق، إلا أن تكون قد أسنت والزوج على غير ذلك، أو يقوم الدليل على صحة قوله.
فإن كان أولاد موسرون وزعت، وفي توزيعها على الروؤس أو على اليسار قولان
القول بأنها على الرؤوس لابن الماجشون وأصبغ، والقول بأنها على قدر اليسار لابن المواز. وقال مطرف وابن حبيب: على قدر الميراث.
فرع:
إذا كان للأب مال فوهبه أو تصدق به ثم طلب الابن بالنفقة فللولد أن يرد فعله، وكذلك لو تصدق به على أحد ولديه كان للولد الآخر أن يرد فعله، قاله اللخمي.
وكذلك خادمه وخادمها على المشهور
هذا عائد على صدر الفصل، يعني: وكذلك يجب على الولد نفقة خادم الأب وخادم الأم على المشهور، والشاذ لابن عبد الحكم: ليس عليه أن ينفق على خادم أبيه. وفي المدونة: يلزمه أن ينفق على خادم أبيه وخادم زوجة أبيه، لأن خادم زوجة أبيه تخدمه.
стр. 2479
ويحتمل كلام المصنف من حيث اللفظة أن يكون قوله: (وكذلك خادمه) راجع إلى مسألة توزيع النفقة، وهو بعيد.
وكذلك إعفافه بزوجة
يعني: وكذلك يجب على الولد أن يعف والده بزوجة، هذا قول أشهب، واختاره ابن الهندي، قيل: وهو المشهور عن مالك وابن القاسم أنه ليس على الولد ذلك. وقاله المغيرة وابن عبد الحكم، وفي رواية [٤٣١/أ] ابن نافع وأشهب: إن كان رجلاً نكاحاً يأتي امرأة لها شأن، فما أرى ذلك عليه.
اللخمي: إن كان محتاجاً إلى النساء زوجه، وإن لم يكن محتاجاً لهن ويخدم نفسه لم يكن عليه تزويجه، وإن لم يكن قادراً على خدمة نفسه، أو كان مثله لا يتكلف ذلك، كان تزويجه حسناً. قال ابن راشد: لو تحققنا حاجة الأب إلى النكاح، لا نبغي ألا يختلف في وجوب ذلك على الابن، فالاختلاف إنما هو عائد إلى تصديق الأب فيما يدعيه من الحاجة إلى النكاح.
اللخمي: وينفق الابن على زوجة الأب، سواء كان الأب محتاجاً إليها في الإصابة أم لا، لأنه وإن أسن يحتاج إلى رفق من يقوم به، ولأن عليه مضرة ومعرة في فراق زوجته لعدم النفقة، قال في المدونة: وينفق على زوجة وإخوة لا أكثر. ولا إشكال في هذا إن كانتا أجنبيتين، وأما إن كانت إحداهما أمه، فاختلف في ذلك إذا كانت أم الولد فقيرة، فقيل يلزمه نفقتهما أما الأم فلفقرها، إذ لو فارقها الأب لكان عليه نفقتها، وأما الأخرى، فلأنها لو كانت وحدها لزمتها نفقتها. وقيل: لا يلزمه إلا نفقة أمه.
ابن يونس: وهو أشبه بظاهر الكتاب، إذ ليس عليه أن ينفق إلا على امرأة واحدة، وقال اللخمي: إنما ينفق على أمه فقط، إلا أن تكون أمه قد أسنت، والأخرى شابة. وفي الأبنية فعليه أن ينفق عليهما جميعاً، ونقل ابن عيشون عن ابن نافع أنه ينفق على أربع زوجات الأب.
стр. 2480
فرع:
ولا يلزم الولد أن ينفق على زوج أمه الفقير. وقال في الكافي: على الابن أن ينفق عليه. وفي الإرشاد أنه يجب على الابن أن ينفق على زوج الأم إن أعسر، إلا إن تزوجته فقيراً.
فإن كانت له دار لا فضل في ثمنها لم تعتبر كما يأخذ من الزكاة
تصوره ظاهر، واختلف إذا كانت للابن دار يسكنها، وليس للأب مال، فقال ابن القاسم: لا تباع دار الابن لأجل نفقة الأب. وقيل: بل تباع. وعلى هذا فيبيع دار الأب لينفق منها على نفسه أولى.
وشرط نفقة الولد والأبوين- اليسار
يعني: كما يشترط في طالب النفقة الفقر فكذلك يشترط في معطيها اليسار.
الباجي: وتلزم نفقة الأبوين المعسرين، وإن قويا على العمل. وقال اللخمي: إن كان للأب صنعة تقوم به وبزوجته أجبر على عملها، وإن كانت تكفيه لبعض حاجته تمم الابن الباقي.
فرع:
إذا طلب الأب من الابن النفقة وادعى الفقر وأنكر الابن فقر أبيه، وادعى أنه عديم، فقال ابن العطار وابن أبي زمنين: الابن محمول على الملاء حتى يثبت خلافه، وعليه أن يثبت العدم. وقال ابن الفخار: بل على الأب إثبات ملاء ابنه. قال: وإن كان للأب ولد آخر وجب على الابن المدعي العدم إثبات عدمه، لأن أخاه يطالب بالنفقة معه.
ابن العطار: وأما الوالد في نفقة الولد إن لم يثبت أنه ملك شيئاً، فالقول قوله مع يمينه، ومن ادعى أن له ملكاً فعليه البينة.
стр. 2481
وتسقط عن الموسر بمضي الزمان بخلاف الزوجة
يعني: لو كان الأب عديماًن والولد موسراً أو العكس، فتحميل الموسر في النفقة زماناً لم يكن له الرجوع بما تحيل على من تجب عليه نفقته لأنها مواساة تدفع لسد خلة المحتاج في وقتها، وإذا انسدت تلك الخلة بوجه سقط الوجوب، بخلاف نفقة الزوجة فإنها واجبة بمعنى المعارضة، ألا ترى أنها تجب لها ولو كانت غنية.
إلا أن يفرضها الحاكم أو ينفق غير متبرع
إلا أن يفرضها الحاكم فيرجع ولو مضى زمانها، وكذلك أيضاً إذا أنفق غير متبرع، فإنه يرجع بما أنفق على الابن.
ولا رجوع بنفقة الآباء والأبناء إذا أيسروا بعد
لأنهم لو أخذوا في الفقر بوصف الاستحقاق فكان ذلك بمنزلة ما لو أخذ الفقير من الزكاة، ثم طرأ غناؤه، ولأنه لو كان له الرجوع لكان المدفوع أولاً سلفاً، والفرض خلافه.
ولا تجب نفقة جد ولا جدة ولا ولد الولد
هذا هو المذهب.
فرع:
اللخمي: ولو كان للابن صنعة فيها فضل عن نفقة لزمته نفقة أبويه، فإن كان له زوجة، فللأب ما فضل عن نفقته ونفقتها، واختلف إذا كان له ولد، فقيل: يقسم الفاضل بينهما، وقال ابن خويز منداذ: يبدأ بالابن.
وتجب نفقة ملك اليمين، وإلا بيع عليه
تصوره ظاهر.
стр. 2482
فرع:
إذا تبين ضرره بعبده في توجيعه وتكلفه من العمل ما لا يطيق وتكرر ذلك منه بيع عليه. وسئل ابن حارث عن مملوكة اشتكت إضرار سيدها بها وضربها، فقال: ليس الضرب- وإن صح- بالذي يدل على الضرر، إذ للمالك أن يؤدب مملوكه، وهو مصدق إلا أن يظهر تعديه فيباع، ولا يكلف مملوكه إثبات الضرب إلا أن يكون السيد مشهوراً بالشر والتعدي ويعرف بذلك، وثبت ذلك عليه مع أثر الضرب.
ابن زرب: وروي [٤٣٠/ب] عن مالك في المملوكة تطلب أن تباع: ينظر في أمرها، فإن كان ما هي فيه ضرر بيعت، وإلا فلا، قال: وكان بعض شيوخ بلدنا يفتون بأن تكرير الشكية منها يوجب بيعها، غير أن هذا إنما يكون في المجهول الحال، وأما إن كان السيد من أهل الخير فلا يجوز بيعها إلا بثبوت الضرر.
وكذلك الدواب إن لم يكن مرعى
أي: إن لم يكن مرعى فتعلق أو تباع، كذلك أيضاً إن كان المرعى لا يكفيها، ولا يكلف الدواب أيضاً فوق طاقتها.
ولا يجوز من لبنها إلا ما لا يضر بنتاجها
تصوره ظاهر.
***
стр. 2483
البيوع
أتى بجمع الكثرة لتعدد الأنواع. وحد المازري البيع بأنه: نقل الملك بعوض. وهذا يشمل الصحيح والفاسد، بناء على أن الفاسد ينقل الملك، قال: وإن قلنا أنه لا ينقل لم يشمله، لكن العرب قد تكون التسمية عندهم صحيحة، لاعتقادهم أن الملك قد انتقل على حكمهم في الجاهلية وإن كان لم ينتقل على حكم الإسلام.
خليل: وإن أردت إخراجه بوجه صحيح لاشك فيه فتزيد بوجه جائز.
ابن راشد: ويرد عليه أسئلة.
الأول: أن البيع علة في نقل الملك، فنقول: انتقل الملك لمشتري الدار لأنه ابتاعها، والعلة مغايرة للمعلول فلا يمكن حد البيع بالنقل.
ثانيها: أن النقل حقيقة في الأجسام مجاز في المعاني، والمجاز لا يستعمل في الحدود.
ثالثها: أن الملك مجهول، لأنا إن قلنا: هو التصرف انتفض لتصرف الوصي والوكيل، لأنهما غير مالكين وهما يتصرفان. وقد يوجد الملك ولا تصرف في المحجور عليه، وقد يوجدان معاً في ملك الرشيد. وإذا كانت حقيقة الملك مجهولة، فيكون عرف البيع بما هو أخفى منه. والأقرب ما قاله ابن عبد السلام: أن حقيقة البيع معروفة لكل أحد لا تحتاج إلى حد. وهذا الباب مما ينبغي أن يهتم به، لعموم البلوى.
وقول بعض الناس: يكفي ربع العبادات ليس بشيء، إذ لا يخلو مكلف غالباً من بيع وشراء فيجب أن يعرف حكم الله في ذلك قبل التلبس به.
للبيع أركان: الأول: ما يدل على الرضا من قول أو فعل فتكفي المعاطاة. ويعني، فيقول: بعتك
اللام للاختصاص. والركن: جزء الشيء وهو داخل في الماهية، وذكر للبيع ثلاثة أركان: ما يدل على الرضا، والعاقد- والمراد به البائع والمشتري- والمعقود عليه. وسيأتي كل
стр. 2484
واحد منهما. وعلى هذا فقوله: (للبيع أركان) فيه حذف مضاف، أي: ثلاثة أركان. أو على حذف الصفة، أي: أركان ثلاثة. وإنما كان المتعاقدان من أركان البيع، لتوقف البيع عليهما.
وقوله: (الأول) أي: الركن الأول ما يدل على الرضى من قول، كقولك: بعت، وقول المشتري: قبلت. أو فعل كالمعطاة. وقول الشافعية: لا دلالة للأفعال بالوضع فلا ينعقد بها البيع ليس بظاهر، لأنه لا يلزم من نفي الدلالة الوضعية نفي مطلق الدلالة، لبقاء الدلالة العرفية على الرضا وهو المقصود، إذ المقصود من التجارة إنما هو أخذ ما في يد غيرك بدفع عوض عن طيب نفس منهما، لقوله تعالى ﴿لَا تَاكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾ [النساء:٢٩] وقدم هذا الركن، لأنه الموجود أولاً طبعاً فوجب تقديمه وضعاً، وتاليها السلعة. وقوله: (بعني) فيقول: بعتك، معطوف على المعاطاة، أي: ويكفي قول بعني من المشتري، فيقول البائع: بعتك بعد قوله بعني بقوله، لأنه دال على الرضا.
وفيها: لو وقفها للبيع، فقال: بكم؟ فقال: بمائة، فقال: أخذتها، فقال: لا أرضى، يحلف ما أراد البيع ....
ذكر هذه المسألة إثر الأولى لما بينهما من الارتباط، كما فعل ابن القاسم فيها. قال فيها: فإن قلت لرج: بعني سلعتك بعشرة، فقال: قد فعلت لا أرضى. فقال: قال مالك فيمن وقف سلة للسوم، فقال: بكم هي؟ فقال: بعشرة، فقلت قد رضيت، فقال: لا أرضى أنه يحلف ما أراد البيع، وإن لم يحلف لزمه. قال ابن القاسم: فكذلك مسألتك. وذكر صاحب البيان في هذه المسالة ثلاثة أقوال:
الأول: نفي اللزوم للمدونة إذا حلف. الثاني لمالك في العتبية: اللزوم. الثالث للأبهري: أنه إن كان ذلك قيمة السلعة وكانت تباع بمثله، لزم البيع وإلا حلف ما أراد البيع ولم يلزمه. قال: وهذا الاختلاف إنما هو في السلعة الموقوفة للبيع، وأما إن لقي رجلٌ رجلاً في غير السوق، فقال له: بكم عبدك هذا، أو ثوبك هذا لشي لم يقفه؟ فقال: بكذا. فقال:
стр. 2485
أخذته به، فقال: لا أرضى إنما كنت لاعباً وشبه ذلك، فإنه يحلف على ذلك ولا يلزمه البيع باتفاق، إلا أن يتبين صدق قوله فلا يمين عليه باتفاق. وقد ذهب بعض الناس إلى أن الخلاف في ذلك إن لم تكن السلعة موقوفة للبيع.
خليل: وعلى هذا فيتحصل في المسالة أربعة أقوال: الثلاثة الأقوال المتقدمة، والرابع: الفرق بين أن تكون موقوفة للبيع أو لا.
قال في البيان: ومثل هذا المثال في الخلاف لو قال السائم: أنا آخذه بكذا، فقال البائع: قد بعتك، فقال السائم: لا آخذه بذلك.
ابن أبي زمنين: إذا قال البائع: قد بعتك بكذا أو أعطتيك بكذا، فرضي المشتري وأبى البائع، وقال: لم أرد البيع، لم ينفعه ولزمه [٤٣١/ا] البيع. وكذلك إذا قال المشتري: قد ابتعت منك بكذا فرضي البائع، لم يكن للمشتري أن يرجع. ولو قال البائع: أنا أعطيكها بكذا أو أبيعها بكذا فرضي المشتري، وقال البائع: لم أرد البيع فذلك له ويحلف. وكذلك لو قال المشتري: أنا أشتريها منك أو آخذها، فرضي البائع ورجع المشتري كان ذلك له ويحلف. قال: فافهم هذه الوجوه، فهي كلها مذهب ابن القاسم وطريقة فتياه.
وحاصله: التفرقة بين أن تكون الصيغة بلفظ الماضي فيلزم، أو بالمضارع فيحلف. وإتيان المصنف- ﵀ بمسألة المساومة بعد، يعني: يحتمل الاستدلال ويكون المصنف رأي التساوي بينهما كما رآه ابن القاسم. ويحتمل أن يكون ذكره تنبيهاً على ضعف قياس ابن القاسم كما أشار إليه بعضهم، لأن دلالة اللفظ في الأولى على الرضا أقوى منه في الثانية، لأنه طلب بلفظ صريح في الطلب، وقد أمضى له البائع ذلك بقوله: قد فعلت، فكلامه الثاني لا أرضى يعد ندماً فلا يقبل منه. وأما الثانية: فيتحمل أنه أوقفها ليعلم ما تساوي ولا يبيعها، أو ليعلم ما تساوي ثم يبيعها لآخر طلبها منه.
стр. 2486
وقول السائل: (بكَمْ) هو يحتمل أن يريد: بكم اشتريتها أو بكم تبيعها، فإذا قال له السائل: قد رضتيها، فلابد من جواب البائع، لكن لما كان كلامه الأول محتملاً حلفه مالكٌ لرفع الاحتمال، ولعل مالكاً لو سئل عن الأولى ما قبل فيها من المشتري يميناً.
ولهذا الذي أشرنا إليه من أن اللزوم في بعني أقوى، ذكر صاحب البيان بعد أن ذكر الخلاف المتقدم في قوله: بكم، أنه اختلف إذا قال المشتري: بعني بكذا، فلما أراد البائع أن يلزمه ذلك أبى، أو قال البائع: خذها بكذا، فلما أراد المشتري أن يأخذها أبي، فقيل: إن ذلك كالمساومة، يدخل في ذلك الاختلاف المذكور، وهو الذي يأتي على ما في المدونة، لأنه ساوى بينهما. وقيل: إن قول المشتري بعني، بمنزلة قوله: اشتريت. وأشتريها بكذا، بمنزلة قوله: قد بعت، يلزم ذلك كل واحد منهما إذا أجابه صاحبه بالقبول، وإلا مضى في المجلس قبل التفرق في بابه. والله أعلم.
ابن راشد: فرع: إذا تراخى القبول عن الإيجاب، فهل يفسد البيع أم لا؟ أشار ابن العربي في قبسه إلى الخلاف في ذلك، ثم قال: والمختار جواز تأخيره ما تأخر. وفي شرح الجلاب المنسوب بإفريقية للشار مساحي ما يدل على اعتبار القرب، قال فيه: وإذا نادى السمسار على السلعة فأعطى فيها تاجر ثمناً لم يرض به البائع، ثم لم يزده أحد على ذلك، فإنها تلزمه بذلك الثمن إلا أن تطول غيبته.
وفي المقدمات: الذي يأتي على المذهب أن من أوجب البيع لصاحبه من المتبايعين إن أجابه صاحبه بالقبول في المجلس، لم يكن له أن يرجع. ومقتضى ذلك: أنه إن لم يجب في المجلس أنه لا يلزمه. والظاهر ما قاله ابن العربي، بدليل أن المحجور عليه إذا باع من ماله أن لوليه الإجازة، وإن طال الأمر ولم يحصل غير الإيجاب من المحجور مع قبول المبتاع،
стр. 2487
وإيجاب المحجور كالعدم. وكذلك بيع الفضولي، يقف القبول على ربه على المشهور، وإن طال. ويمكن أن يقال: حصل الإيجاب والقبول، ونظر الوصي والمالك أمر جرت إليه الأحكام. انتهى كلام ابن راشد.
الثاني: العاقد، وشرطه: التمييز. وقيل: إلا السكران
أي: الركن الثاني: العقاد، ويعني به: البائع والمشتري. وشرطه التمييز، أي: شرط صحة بيع العاقد وشرائه أن يكون مميزاً، فلا ينعقد بيع غير المميز ولا شراؤه لصغر، أو جنون، أو إغماء، أو سكر. ولا إشكال في الصبي، والمجنون، والمغمى عليه. وأما السكران، فهو مقتضى ما ذكره ابن شعبان وغيره، فإنه قال: ومن الغرر بيع السكران وابتياعه إذا كان سكره متيقناً، ويحلف بالله مع ذلك مع عقل حين فعل، ثم لا يجوز ذلك عليه. وظاهره أنه لا ينعقد، لأنه جعله من الغرر، والذي ذكره صاحب البيان، وصاحب الإكمال: أن مذهب مالك وعامة أصحابه: أنه لا تلزمه عقوده، حتى تأول ابن رشد قول مالك في التعبية في نكاحه: لا أراه جائزاً، على أن معناه: لا أراه لازماً لا أنه فاسد. وقال في موضع آخر: لا يقال في بيع السكران بيع فاسد، وأن مذهب مالك: أنه غير منعقد، وإنما يقال: أنه غير لازم. وإنما لم يصح بيع السكران أو يلزمه، لأنا لو فتحنا هذا الباب مع شدة حرص الناس على أخذ ما بيده وكثرة وقوع البيع، لأدى إلى أن لا يبقى له شيء، بخلاف طلاقه وقتله وغير ذلك مما يتعلق به الحق لغيره، فإنا لو لم نعتبره لتساكر الناس ليتلفوا أموال الناس وأرواحهم.
والشاذ لابن نافع: يلزم بيعه كطلاقه. قال في الجواهر: والجمهور على خلافه. وإليه أشار بقوله: (وقيل: إلا السكران) أي: وقيل يشترط التمييز، إلا أن يكون العاقد سكراناً فلا يشترط فيه التمييز.
стр. 2488
وجعل المصنف الخلاف في السكران الذي لا يميز، وكذلك ذرك ابن شعبان والقاضي عياض، وعليه فلا خلاف في لزوم البيع لغير الطافح، وطريقة ابن رشد بالعكس. وقد تقدم في الطلاق. [٤٣١/ب].
والتكليف شرط اللزوم
يعني: شرط لزوم البيع أن يصدر من مكلف، وأما لو صدر من صبي فلوليه إمضاؤه ورده، ولا يلزم كل مكلف، إذ قد يقوم به مانع كالسفه وغيره ممن حجر عليه، هذا هو الظاهر هنا.
وقال ابن راشد: عبر بالتكليف عن الرشد والطوع، لأن السفيه لا يلزمه بل لوليه أن يفسخه، وكذلك من أجبر على البيع لا يلزمه البيع، أعني: إذا أجبر جبراً حراماً.
ابن سحنون: وأجمع أصحابنا على أن بيع المكره غير لازم، واحترزنا بقولنا: جبراً حراماً عن المجبر جبراً شرعياً، كجبر القاضي المديان على البيع للغرماء، وجبر العمال على بيع أموالهم، فإنه جائز ويلزمه البيع، سواء كان السلطان يرد المال على من كان أخذه منه أو يأخذه لنفسه، كالمضغوط في دين لزمه، لأن إغرام الوالي العمال ما أخذوه من الناس حقٌ فعله الوالي وعليه أن يرده إلى أهله، فإذا حبسه فهو ظالم في حبسه، نقله ابن حبيب عن مطرف، وابن عبد الحكم، وأصبغ.
خليل: وما ذكره من أن المكره غير مكلف صحيح، لأن أهل الأصول نصوا على أن الإكراه الملجئ يمنع التكليف. وأما السفيه فلقائل أن يقول: لا نسلم أنه ليس مكلفاً بالبيع، فإن قيل: لو كان مكلفاً به لزمه البيع، قيل: يحتمل. ولو قلنا: إنه مكلف بالبيع أن لا نقول بإمضائه للحجر عليه فتأمله.
ولا إشكال في عدم لزوم البيع لمن أجبر جبراً حراماً، فقد نص ابن القاسم على أن الذي يضغط في الخراج فيبيع متاعه، أنه يرد متاعه عليه بلا ثمن إذا كان بيعه إياه على عذاب، أو ما أشبه ذلك من الشدة، قال: لأن أخذ الثمن على ذلك ليس بأخذ.
стр. 2489
ابن راشد: وسئل اللخمي عن شاب مراهق أو بالغ نسب إليه أنه جنى جناية فسجنه السلطان وهو يتيم كفله بعض أقاربه، فكفله السلطان أن يغرم مالاً ويخرجه من السجن، فلم يقدر اليتيم على الخلاص من هذا المال بوجه، فباع شيئاً من رباعه بعد خروجه من السجن ليؤدي من ثمنه ذلك المال، وكان هذا الفعل على وجه النظر له، لأنه يبقى عليه لو لم يجب إلى غرم بعض ذلك المال أن ينفيه من البلد، أو يأخذ بعض رباعه فيه، أو يأخذه كلها، أو لا يخرجه من البلد وإنما يسجنه بالضرب والعذاب. فقال: إذا كان الأمر على ما وصفت فبيع ماض، ويغلب على ظني أني رأيت للسيوري نحو ذلك، وقال: المشتري من المضغوط مأجور، لأنه يخلصه من العذاب.
ابن رشد: والمذهب على خلاف ذلك، فقد تقدم قول ابن القاسم في ذلك.
وقال مطرف: سمعت مالكاً يقول: في أهل الذمة يضغطون فيما يعتدى عليهم في جزيتهم حتى يلجئوا إلى بيع متاعهم في ذلك لا يجوز عليهم، وهم أولى بما باعوه أن يأخذوه بلا ثمن ويتبع المشتري بالثمن ذلك الظالم.
مطرف: وكذلك في بيع المسلم المضغوط، لأنه أعظم حرمة ولأنه بيع إكراه، والمكره لا يلزمه بيع ما أكره عليه.
ابن حبيب: وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، وقالا: هو قول ابن القاسم وروايته عن مالك.
مطرف: وسواء دفع المبتاع الثمن للمضغوط ودفعه المضغوط إلى الظالم الذي يضغطه وقبضه الظالم من المبتاع، فللبائع أخذ متاعه إذا ظفر به بيد مبتاعه منه، أو بيد من ابتاعه منه، ويرجع به على من ابتاعه منه ويرجع هو على الظالم. قال: ولو قبضه منه وكيل الظالم فللمبتاع أن يرجع على الوكيل إن شاء، أو على الظالم إذا ثبت أنه أدى المال إليه، أو ثبت أنه أوصى الوكيل بقبضه، وكلاهما ضامن ما خرج به، ولو وجد المضغوط متاعه قد فات،
стр. 2490
فله الرجوع بقيمته أو بثمنه الذي بيع به إن كان الثمن أكثر، إن شاء على الوكيل، وإن شاء على الموكل. وقال ابن عبد الحكم، وأصبغ مثل ذلك.
مطرف: ولا قول للوكيل إن قال: كنت مكروهاً على القبض وخفت منه على نفسي إن لم أفعل، لقوله ﵊: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)).
ولو باع متاعه في مظلمة ثم لا يدري هل وصل ذلك الثمن إلى الظالم أم لا؟ نظر، فإن كان ظلمه له وعداه عليه وقهره له معلوماً حين باع متاعه، فيحمل على أن الثمن وصل للظالم حتى يتحقق أن المضغوط صرفه في مصالحه، فلا يصل حينئذ إلى أخذ متاعه إلا بدفع الثمن، وسواء علم المبتاع بأن ما اشتراه للمضغوط أو لم يعلم.
قيل لمطرف: إنهم يخرجون عندنا بغير كبل فيطوفون لبيع متاعهم، فإذا أمسوا ردوا إلى السجن، وقد وكل بهم حراس أو أخذ عليهم حميل والمشتري لا يعلم ذلك أو يعلم، ومنهم من هو في كبل أو عذاب، ومنهم هارب قد أخذ متاعه فباع أو قد أمر بعض أهله ببيعه. قال: كل ذلك سواء وهو إكراه، لأنه أسير مغلوب فلا يبالي بعلم المبتاع أو جهله إلا أن من علم مأثوم، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ، قالوا: وسواء كان عنده عين فتركها وباع خشية أن يزاد عليه أو لم تكن.
مطرف: ومن كان عالماً بحال المضغوط فاشترى شيئاً من متاعه فهو ضامن كالغاصب، وأما من لم يعلم فيشتري في السوق فلا يضمن الدور والحيوان ويضمن ما انتفع به بأكل أو لبس والغلة له، وأما العالم فلا غلة فيه وهو لها ضامن.
قال: وكل ما أحدث [٤٣٢/أ] المبتاع فيه من عتق أو تدبير فلا يلزم المضغوط، وله أخذ رقيقه من المبتاع سواء علم بحاله أو لم يعلم، وقاله ابن عبد الحكم وأصبغ. ولو أعطى المضغوط حميلاً فتغيب فأخذ المال من الحميل لم يرجع الحميل عليه بشيء، ولو
следующие страницы →