Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2556–2595 · переход к 2561.
стр. 2556
صاحب المقدمات، فقال: مذهب مالك وجمهور أصحابه في الصرف أنها إن عينت تعينت، وإن لم تعين فإنه تعين إما بالقبض أو المفارقة.
وحكى المازري الاتفاق على أنها تتعين بالمفارقة. وقال ابن القصار: الظاهر من المذهب أنها لا تتعين.
المازري: وفي كونه الأظهر نظر، لأن في المدونة ما يدل على اختلاف قول ابن القاسم في هذا، ففي السلم: أنها لا تتعين، لأن فيه: إذا أسلمت إليه في طعام أو غيره ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك في يده فأراد أن يعطيك غيرها، فذلك له وإن كنت اشترطت استرجاعها بعينها.
وفي كتاب كراء الرواحل: من اكترى بدنانير معينة ولم يشترط النقد ولا كانت العادة النقد، فإن ذلك لا يجوز إلا بشرط الخلف.
وقال أشهب: لا يفتقر إلى هذا الشرط، والحكم يوجب الخلف. فهذا من ابن القاسم ذهاب إلى أنها تتعين، لأنه لم يلزم خلفها إذا ضاعت إلا بالاشتراط.
وبعض أشياخي يشير إلى أن المذهب على ثلاثة أقوال، التعيين، وعدمه، والثالث: يتعين في جانب [٤٣٣/أ] المشتري دون البائع. فالأوليان مبنيان على الخلاف في الوفاء باشتراط ما لايفيد، ورأى في الثالث أن المشتري إذا اشترط التعيين كان له غرض صحيح في اشتراط تعيينها، لأنه يمكن ألا يكون عنده سواها فيشترط تعيينها لئلا يكلف خلفها إن ضاعت، بخلاف البائع فإنه لا يظهر لاشتراطه فائدة. انتهى.
وعلله بأن الأصل تعلقها بالذمة ولا تعرف بعينها
لما رد ابن بشير توجيه الباجي ذكر هو توجيهاً حاصله: أنا وإن قلنا أنها تتعين، فهي مضمونة بوضع اليد عليها ولا تعرف بعينها، وإذا كانت لا تعرف شابهت الدين،
стр. 2557
والمشهور جواز صرفه. ولا يريد ابن بشير أن كل واحد منهما علة مستقلة، وإلا لزم جواز صرف المصوغ لتعلقه بالذمة بوضع اليد.
والرهن، والعارية، والمستأجر، والوديعة إن كان مصوغاً فكالمغضوب، وإن كان مسكوكاً، فالمشهور: المنع ....
قوله: (فكالمغضوب) يعني: إما أن يبقى على حاله أو يتلف، أو يبقى على حال خيار كما في المغضوب، غير أن الوديعة لا ضمان فيها وكذلك المستأجر. فمعنى (فكالمغضوب) أنه إذا كان حاضراً جاز، وإن كان غائباً فالمشهور المنع، وإن وجبت القيمة جاز على المشهور.
قوله: (وإن كان) أي: الغائب مسكوكاً، فالمشهور: المنع. والفرق بين هذه المواضع والمغضوب، أنه في هذه غير متعلق بالذمة ولم يزل في ملك ربه، والمغضوب قد تعلق بذمة الغاصب بوضع يد العداء عليه، فلذلك تعاكس المشهور. وظاهر قوله: (وإن كان مسكوكاً) يقتضي أن المسكوك تتصور فيه الإجارة والعارية. وقد قال المصنف في الإجارة: المشهور منع إجارتها، وقيل: إن لازمها ربها صح. وقال في العارية: لا تصح إعارة الدنانير والدراهم وأن إعارتها قرض. ويجاب عنه: بأن هذا من باب صرف الكلام لما يصلح له وحذف ذلك للعلم به، ولما سيأتي، وشهرته عند طلبة العلم. وكلامه في الجواهر أحسن من كلام المصنف، لأنه لا يرد عليه هذا، لأنه قال بعد ذكر مسائل: المسالة الرابعة صرف المرهون، فإن كان مصوغاً ففيه قولان، المنع حتى يحضر، والجواز نظراً إلى مكان التعلق بالذمة، وإن كان مسكوكاً فأجيز في رواية محمد ومنعه ابن القاسم. والجواز لاحدى علتين، حصول المناجزرة بالقبول، والالتفات إلى إمكان التعلق بالذمة فأشبه المغصوب، إذ هو على الضمان إن لم تقم بينة على تلفه، وقولان إن قامت، والمنع نظراً إلى الحال وهو على ملك ربه، وإنما يقبضه لنفسه عند حضوره فأشبه صرف الغائب.
стр. 2558
الخامسة: صرف الوديعة، وفي الكتاب المنع منه، وروى أشهب الجواز في المسكوك منها. واختلف في تعليله على طريقين، إحداهما: أنه مبني على أن يعقد المودع التسلف ثم يصارف، قاله الباجي. قاله الباجي: ويجب على هذا ألا يجوز في الحلي باتفاق.
والطريق الثاني: النظر إلى حصول المناجزة بكمال القول والشيء تحت يده، فعلى هذا يجري الخلاف في المصوغ، وقد ظهر تعليل بما قدمناه في المرهون.
فرعان:
أحدهما: العارية وحكمها حكم الرهن، قاله الباجي. قال بعض المتأخرين: وهو ظاهر.
الثاني: المستأجر وحكمه حكم الوديعة. انتهى كلامه في الجواهر.
والصرف على التصديق في الوزن والصفة ممتنع خلافاً لأشهب
أي: إذا تصارفا وصدق أحدهما أو كل منهما الآخر في الوزن أو الصفة، فالمشهور المنع، وعلل بمراعاة الطوارئ، إذ يحتمل أن يوجد على غير تلك الصفة فيصير العقد مترقباً حله. وما عزاه المصنف لأشهب تبع فيه اللخمي والمازري، وعزا صاحب البيان إليه المنع.
ووجه الجواز: أن النفوس مجبولة على حب المال، فلا يصدق المخبر إلا إذا كان من أهل الدين أو قامت قرينة فلا يتهم على تضييع حق الله تعالى. ومن هذا تبادل الطعامين، فابن القاسم منعه على التصديق، وحكى عنه الإجازة في بدل الطعامين دون الصرف. وعلى جواز التصديق في الصرف يجوز في تبادل الطعامين بل هو أولى، ومنعه ابن نافع في تبادل الطعامين فأحرى في الصرف.
فائدة:
قال بعضهم: لا يصدق في الوزن والكيل في مسائل، المبادلة: فلا يصدق فيها في وزن ولا عدد لئلا يوجد نقص فيدخله التفاضل والتأخير. والطعام الربوي بجنسه أيضاً. والقرض:
стр. 2559
لئلا يوجد نقص فيلتزمه المقترض عوضاً عن معروفه فيجر نفعاً. والطعام المبيع إلى أجل: لئلا يلتزم النقص لأجل تأخيره، ورأس مال السلم، والمعجل قبل أجله، والصرف.
ونقص المقدار بالحضرة إن رضي به أو بإتمامه ناجزاً صح
لما قدم الكلام على الافتراق أتبعه بما يطرأ على العقد من نقص أو استحقاق. والباء للظرفية، والمجرور في محل حال، وتقدير كلامه: إن رضي الأخذ بالنقص أو رضي الدافع بإتمامه، فحذف رضي من الثاني لدلالة الأول عليه، فهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات.
وقوله: (ناجزاً) من تمام الثانية، ويدل على محذوف مثله في الأول.
وإن لم يرض وكان غير معين أجبر الممتنع، وفي المعين قولان
أي: وإن لم يرض الدافع بالإتمام ولا الأخذ بالنقص، فإن كان العقد وقع على دراهم أو دنانير غير معينة أجبر من امتنع منهما على إتمام ما دخلا عليه. واختلف: هل يجبر الممتنع إن دخلا على معين. ولعل سببهما الخلاف في الدراهم [٤٣٣/ب] والدنانير هل تتعين بالتعيين أو لا؟
وإن كان بعد المفارقة أو الطول، فإن قام به انتقض على المنصوص كتأخير البعض، وإن لم يقم، فثالثها: إن كان قليلاً صح ....
يعني: فإن وجد نقص المقدار بعد افتراقهما من المجلس أو بعد طوله، فإن أقام به وأخذ النقص بنقصه، فحكى الباجي والمازري: أنه لا خلاف في نقض الصرف. وأجرى ابن شاس فيه قولاً بالصحة من الشاذ في تأخير البعض بل هنا أولى، لعدم الدخول عليه. واعلم أن تأخير البعض له صور:
стр. 2560
الأولى: أن يقع بشرط، ففي المقدمات: الاتفاق على بطلان الجميع. وخرج ابن القصار قولاً بإمضاء المتناجز فيه من أحد القولين في الصفقة إذا جمعت حلالاً وحراماً، وذكره اللخمي قولاً صريحاً.
الثانية: أن يدخلا على قبض الجميع ثم يؤخرا شيئاً، ففي المقدمات: ينتقض الصرف فيما وقع فيه التأخير باتفاق، إن كان درهماً انتقض صرف دينار ما بينه وبين أن يكون الذي فيه التأخير أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينار آخر ثم كذلك.
واختلف فيما وقعت فيه المناجزة، فمذهب ابن القاسم في المدونة بطلانه، وهو قول محمد، ولابن القاسم في الموازية قول بصحته.
وخص المازري، وابن شاسن وابن بشير هذا الخلاف بما إذا كان المؤخر أقل الصفقة، وأما إن كان أكثر الصفقة فينتقض بالاتفاق، إلا ما خرجه ابن القصار، وجعل ابن بشير النصف كالكثير في الاتفاق عليه.
وقال المازري: علم من المذهب قلة النصف في العروض، وأما الطعام فالنصف فيه عند ابن القاسم في حكم الكثير، وقال أشهب: الطعام كالعروض.
وظاهر ما قاله في المدونة: إن النصف في الدراهم والدنانير في حكم القليل، لقوله فيمن صرف مائة دينار بألفي درهم فلم يجد إلا خمسين: إن الصرف ينتقض، بخلاف ما لو وجد الخمسين زيوفاً، فإنه إنما ينتقض بقدرها، لكون الزيوف لا يفسد الصرف بوجودها. انتهى.
الصورة الثالثة: أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة فيتأر شيء مما وقع الصرف عليه بنسيان، أو غلط، أو سرقة من الصراف، أو ما أشبه ذلك مما يغلبان عليه، أو أحدهما، فيمضي الصرف فيما وقع فيه التناجز ولا ينتقض باتفاق.
стр. 2561
ابن رشد: واختلف هل ينتقض فيما لم يحصل فيه التناجز إن تجاوز النقصان، مثل أن يصرف منه ديناراً بدراهم فيجد في الدراهم درهماً ناقصاً، فيقول: أنا أتجاوزه، أو لا ينتقض من الصرف شيء، على قولين، أحدهما: أن ذلك لا يجوز وينتقض من الصرف صرف دينار، إلا أن يزيد النقص عليه فينتقض ديناران. والثاني: أن الصرف يجوز ولا ينتقض منه شيء إن تجاوز النقصان كالزائف إذا رضي به.
قوله: (وإن لم يقم) أي: فإن رضي الأخذ بالنقص ولم يقم به، فحكى المصنف تبعاً للمازري وابن شاس ثلاثة أقوال. المازري: وهو روايات:
الأولى: يفسخ جميع الصرف، لكون الفساد قد دخل بعضه فسرى إلى كله.
والرواية الثانية: أنه يمكن من ذلك ولا يفسخ ما تناجزا فيها، كما يمكن من الرضى بالزيوف.
والثالثة: تمكينه من ذلك إن كان النقص يسيراً، والمنع منه إن كان كثيراً.
ابن عبد السلام: وأكثرهم على أنه لا يفسخ.
خليل: والأقرب هو الثالث، لأنه الذي تسمح به النفوس، والمشهور: جواز الرضى مطلقاً، لكن بشرط أن يكون النقص في الوزن، وأما إن كان النقص في العدد فإنه لا يجوز الرضى على المشهور.
والقليل: ما تختلف به الموازين. وقيل: دانق في دينار، ودرهم في مائة
هذا فرع على القول الثالث، وجعل صاحب المقدمات اختلاف الموازين توفيقاً بين قولي ابن القاسم، فإنه روى اغتفار الدانق والدانقين مرة وعدم اغتفارهما مرة، وأنه رأى في الأولى: أن ذلك القدر مما تختلف به الموازين. وفي الثانية: أنه مما لا تختلف به، وأنه لا خلاف في اغتفار ما تختلف به الموازين.
стр. 2562
قال شيخنا- رحمه الله تعالى-: وليس المراد بالدانق في القول الثاني ما سيأتي وهو السدس، بل الدانق في اصطلاح الْحُسَّابِ: أن الدينار أربعة وعشرون قيراطاً وكل قيراط أربعة دوانق، فيكون الدانق جزءاً من ستة وتسعين جزءاً ليكون مناسباً للدرهم في مائة.
قيل: وتبع في قوله: (ودرهم في مائة) ابن شاس، والمنقول إنما هو الدرهم في الألف. وروى أصبغ عن ابن القاسم في الموازية: إن نقصت الألف درهم مثل الدرهم فهو خفيف. والدانق بفتح النون وكسرها، الجوهري: وربما قالوا داناق.
ونقص الصفة إن كان كرصاص، فكالمقدار على الأظهر
لما كان النقص قسمين، نقص مقار، ونقص صفة. وتكلم على نقص المقدار اتبعه بالكلام على نقص الصفة. وإدخاله ما كان كالرصاص في نقص الصفة فيه تجوز والعلاقة المشابهة، فإنه شابه الزائف في وجوده حساً، والقولان للمتأخرين، قاله ابن بشير.
وقوله: (كالمقدار) أي: إن رضي به أو بإتمامه ... إلخ. التفصيل: ووجه الأظهر أن وجوده كعدمه. ورأى مقابله أن هذا هنا مقبوض، وكونه لا قيمة له لا يضر كما في المشغوش.
وإن كان مغشوشاً فإن رضي به صح
كالمعاير بمصر، وتسميه المغاربة النحاس، وفي المدونة الستوق. الباجي، والمازري: ولا خلاف فيه، لأن القبض في المقدار المعقود عليه حصل، وإنما وقع النقص في صفته فله الرضى به كسائر العيوب.
وإن لم يرض وكان غير معين، فقولان: النقص، وجواز البدل. وفي المعين طريقان: جواز البدل، والقولان ...
[٤٤٤/أ] أي: وإن لم يرض قابض المغشوش به، فإن كان الصرف بينهما على دراهم ودنانير غير معينة، كما لو قال: بعني عشرة دنانير بمائتي درهم، فقولان، أحدهما: النقض.
стр. 2563
المازري: وهو المشهور. والثاني: جواز البدل لابن وهب. وحكى اللخمي هذين القولين فيما إذا وقع التعيين من جهة دون أخرى، ولم يحك في البطلان إذا لم يحصل التعيين خلافاً. وبنى المازري وغيره الخلاف على أن الرد بالعيب نقض للبيع من أصله فلا يجوز لعدم المناجزة، أو نقض له الآن وابتداء مبايعة فيجوز.
وإن كان الصرف بينهما على شيء معين، كما لو قال: بعني هذا الدينار بهذه العشرين درهماً، فحكى المصنف طريقين، إحداهما للخمي، وأصلها لأبي بكر بن عبد الرحمن: أن المذهب كله على إجازة البدل، لأنهما لم يفترقا وفي ذمة أحدهما شيء، فلم يزل مقبوضاً إلى وقت البدل لأنهما لم يفترقا، بخلاف غير المعين فإنهما تفرقا وذمة أحدهما مشغولة.
والثانية، قال في الجواهر: هي لجل المتأخرين، وأصلها لابن الكاتب أن القولين في هذه كالتي قبلها، ولا فرق بين التعيين وعدمه، ولذلك أدخل المؤلف الألف واللام التي للعهد على القولين، وهذه الطريقة أشد، لتقدم الخلاف في الدنانير والدراهم، هل تتعين بالتعيين أم لا؟
ابن عبد السلام: ولم يتعرض المصنف في هذا الفصل للنقض، هل هو في القليل أو الكثير كما تعرض لذلك في الذي قبله، ومسائلهم تدل على تخصيص القليل.
وإذا قيل بالنقض للنقص مطلقاًن فخمسة: فقيل ينقض الجميع مطلقاً، وقيل: إن لم يسم لكل دينار. وقيل: دينار. وقيل: أو كسر إن كان النقص مقابله أو أقل. وقيل: ما قابل النقص ...
أي: وإذا انتقض الصرف لأجل النقص مطلقاًن أي: في المقدار، والصفة، والتعيين وعدمه، فخمسة أقوال- ولذلك أتى بالتاء-:
الأول: ينتقض الجميع، وعزاه اللخمي لابن القاسم في العتبية، لأن الصفقة إذا بطل بعضها بطل كلها.
стр. 2564
والثاني: ينتقض الجميع إن لم يسم لكل دينار شيئاً، كما إذا قال: هذه العشرة دنانير بمائتي درهم. وأما إن سمي، كقوله: كل دينار بعشرة، فإنما ينتقض في دينار إن لم يقابل الزائف أكثر منه، وهو للقاضي إسماعيل، وابن الجلاب، وعبد الوهاب.
وزعم الباجي: أن الخلاف يرتفع إذا سمى لكل دينار وأنه لا ينتقض إلا دينار، وإنما الخلاف إذا لم يسم. ورد عليه المازري: بأن الروايات وقعت مطلقة وإنما فصل هذا التفصيل من تقدم ذكرهم.
والقول الثالث: إنما ينتقض دينار واحد سمي أو لا، المازري، وابن راشد، وابن عبد السلام وغيرهم، وهو المشهور.
والقول الرابع: أنه ينتقض صرف أصغر الدنانير. والفرق بينه وبين الثالث، أنه على الثالث ينتقض صرف دينار كامل ولا ينتقض على الرابع إلا صرف أصغر الدنانير، وتبع في هذا ابن شاس، وابن بشير. وفي نقلهم نظر، لأن المازري وغيره إنما ذكروا أربعة أقوال وجعلوا القول بنقض الدينار أو أقل منه قولاً واحداً، ونحوه لابن يونس.
المازري: وإذا تقرر أن المذهب المشهور اختصاص الفسخ بدينار، فإنه يقتصر في ذلك على أقل ما يوجد في الدنانير. ونقله الباجي أيضاً عن ابن القاسم فقال، قال ابن القاسم: يرد منها أصغر قرض.
الخامس: على نقل المصنف ينتقض ما قابل النقص. اللخمي، والمازري: وهذا بناء على القول بجواز أن يصرف بعض دينار. وسبب الخلاف، هل المجموعة في مقابلة الأجزاء، أو الأجزاء في مقابلة الأجزاء، أو يفصل بين أن يسميا شيئاً أو لا، لأنهما إذا سميا لكل دينار شيئاً صارت كأنها عقود متفرقة.
стр. 2565
تنبيه:
جعل اللخيم محل هذا الخلاف إذا وقع الصرف على غير معين، وأما إن وقع على معين، فإن قابل الزائف دينار واحد أو وجد العيب بدينار واحد، ينتقض صرف دينار واحد بالاتفاق.
فرع:
ولو كان في الصرف سكك مختلفة، فقال أصبغ: يختص الفسخ بالدينار الأعلى والأطيب. وقال سحون بفسخ الجميع.
وشرط البدل: الجنسية، والتعجيل خلافاً لأشهب فيهما
قرره ابن راشد على ظاهره. وقال بعض من تكلم على هذا الموضع: هذا الخلاف الذي ذكره لا يعرف في البدل، وكيف يكون في البدل ومذهب ابن القاسم وأشهب منعه، وإنما هو في الصلح عن القيام بالعيب، ولذلك قال ابن عبد السلام: إنما يعرف هذا الخلاف لابن القاسم وأشهب في مسألة الطوق المذكورة أول الصلح. وقد ذكرها المصنف في الصلح، وسيأتي الكلام عليها.
خليل: ولعل المصنف بنى على أن لازم القول قول، فنسب لابن القاسم وأشهب ما ذكره. وقد خرج اللخمي قولي ابن القاسم وأشهب من مسألة الطوق في هذه المسألة ونصه: وإن لم يرد، أي: الزائف، وصالح على الزائف بعين أو عرض، فأجاز ذلك محمد ومنعه ابن شعبان، قال: إلا أن يتفاسخا ثم يعملا على ما يجوز، واستشهد بمسالة كتاب الصلح في الطوق، واختلف فيه على ثلاثة أقوال، فأجاز ابن القاسم أن يرضيه على شيء يدفعه إليه نقداً ولا يرده إلى أجل. وأجازه أشهب نقداً وإلى أجل. ومنعه سحنون إذا افترقا فيهما.
стр. 2566
وعلى هذا يجري الجواب في الدينار، فيجوز على قول ابن القاسم إذا نقد ذلك، وعلى قول أشهب يجوز وإن كان إلى أجل، ولا يجوز على قول سحنون إذا افترقا لا نقداً ولا إلى أجل، والجواز أحسن.
وفي ابن يونس: إذا باع طوق ذهب بألف درهم، ثم وجد بالطوق عيباً فصالحه بائع الطوق على دنانير أو دراهم، فقال ابن القاسم: يجوز ذلك إن كانت الدراهم من نوع الدراهم [٤٤٤/ب] التي قبض منه، وإن كانت من غير سكة ما قبض منه لم يجز، وكذلك لو صالحة على نقرة، وقال أشهب: لا باس بذلك كله.
والمزيد بعد الصرف كجزئه، وقيل: كالهبة
أي: من صارف رجلاً ديناراً مثلاً بدراهم، ثم زاد أحدهما صاحبه زيادة لأجل الصرف، فإنه إذا فسخ الصرف لفساد في العقد، فإنه يرد جميع ما أخذ مع المزيد، وهذا معنى قوله: (كجزئه) وقيل: كالهبة، فلا يرد إلا المدفوع أولاً ولا يرد المزيد، ويحتمل أن يريد بقوله: (كجزئه) أنه اطلع على عيب في المزيد أن له القيام ونقض الجميع. (وقيل: كالهبة) فلا قيام له إن اطلع فيه على عيب.
ورأينا أن نأتي بالمسألة من المدونة ثم نذكر ما يتعلق بها ونبين ما هو الأليق بكلامه، قال فيها: وإن صرفت من رجل ديناراً ثم لقيته بعد أيام، فقلت له: قد استرخصت مني الدينار فزدني فزادك دراهم نقداً أو إلى أجل، فجائز ولا ينتقض الصرف، وليس لك رد الزيادة لعيب فيها، وإن كان الدينار رديئاً فرددته أخذ منك الذي زادك مع دراهمه، لأنه للصرف زادك فترده برده. وكذلك الهبة بعد البيع للبائع إن رد السلعة بعيب أخذها.
ولأشهب عن مالك في الموازية: أنه يبدل المزيد الزائف. فحمله بعض الأشياخ على الخلاف، وبعضهم على الوفاق، ولهم في التأويل وجهان، أحدهما لابن القاسم وغيره: أن
стр. 2567
ما في الموازية محمول على إيجاب الزيادة، لأنه قال فيها: لقيته، فقال: نقصتني من صرف الناس فزدني فزاده، أنه يفهم إذا زاده فقد ألحقه بصرف الناس وقد أوجب الزيادة.
والتأويل الثاني ذكره صاحب النكت عن بعض شيوخه: أن الخلاف مبني على تحقيق فرض المسألة، فإن قال له: أزيدك هذا الدرهم فوجده زائفاً فلا يرده، لأنه إنما رضي أن يهبه ذلك الدرهم على ما هو به فلا يلزم بغيره. وإن قال: أزيدك درهماً فعليه البدل، لأنه قد أوجب على نفسه درهماً فعليه البدل، لأنه قد أوجب على نفسه درهما جيداً، وإليه ذهب اللخمي.
ورد المازري هذا التفصيل، لأن في المدونة ما يمنعه، لأنه قال فيها: فزاده درهماً نقداً أو إلى أجل، والذي إلى أجل هو في الذمة. وقد نص على أنه ليس عليه بدله. وفي كلام عبد الحق إشارة إلى الجواب، لأنه تأول قوله: إلى أجل. على أنه قال له: أنا أزيدك، أو قال: تأتني عند أجل كذا وكذا، ثم عند الأجل أتاه فأعطاه درهماً فوجده زائفاً فليس عليه بدله، لأنه رضي بما دفعه غليه ولم يلزم غيره، بخلاف قوله: أزيدك درهماً. فإنه يحمل على الجليد.
وقال القاضي إسماعيل: الزيادة كالجزء يبطل الصرف بتأخرها كما لو تأخر جزء من الصرف، ونص كلامه في المبسوط: إن كان الذي زاده بعد المصارفة إنما هو لإصلاح ما مضى ولمخالفة أن ينتقض ما بينهما، أو لمعنى من المعاني، فإن الزيادة تبطل الصرف. واستدل بقول عبد الملك في رجلين اشتريا شاة من رجل، ثم إن البائع وضع لأحدهما شيئاً من الثمن، فإن كان ذلك شيئاً يشبه إصلاح ذلك البيع فهو بينه الشريكين، وإن كان لا يشبه إصلاح ما مضى، مثل أن يحط عنه أقله أو أكثره فإنما هي هبة وليست من البيع. فإذا تقرر هذا فادعى بعض من تكلم على هذا المحل أن الحق هنا حمل كلام المصنف على الوجه الثاني، أي: هل ينتقض الصرف بتأخيرها؟ قال: وهو مذهب القاضي إسماعيل. أو لا ينتقض؟ قال: وهو مذهب المدونة.
стр. 2568
خليل: وفيه نظر، لأنه يلزم أن يكون المصنف قدم غير المشهور. وقال ابن عبد السلام: إن قوله في المدونة يوافق القول الأول على الاحتمال الأول، أي: إذا رد، رد الزيادة. قال: ويكون القول الثاني على الاحتمال الثاني من تمامه.
ولو استحق المسكوك بعد المفارقة أو الطول أو التعيين انتقض على المشهور، وإلا فالعكس ....
أي: إذا اصطرفا بمسكوك من الجانبين أو من جانب فاستحق المسكوك بعد المفارقة، أو بعد أن طال المجلس ولم يفترقا، أو كان المسكوك المعقود عليه معيناً وإن لم يحصل طول ولا مفارقة، فإن الصرف ينتقض على المشهور، إذ لا يلزمه غير ما عين، وإن لم يعين فقد تعينت بالقبض أو المفارقة على ما نقله ابن رشد كما تقدم. ورأى في الشاذ أنها لا تتعين، فيجبر على البذل في الثلاثة.
وقوله: (وإلا فالعكس) أي: فإن لم تكن مفارقة ولا طول ولا تعيين لم ينتقض. قال بعض من تكلم على هذا الموضع: والمراد بالعكس عدم النقض فقط، لا باعتبار دخول الخلاف وانعكاس المشهور، لأنه إذا لم يكن طول ولا افتراق ولا تعيين أجبر على البدل إذا كان عنده غيرها اتفاقاً.
وكلام المصنف قريب من كلام صاحب الجواهر، وذكر أن المشهور مذهب المدونة، وعزا الشاذ لأشهب، وجعل هذا الخلاف إذا حصلت المفارقة أو الطول.
وقال ابن الكاتب: إنما اختلاف ابن القاسم وأشهب إذا حصل استحقاق بالحضرة، فعند ابن القاسم لا يلزمه الإتيان بمثلها سواء وقع الصرف على معين أم لا، وعند أشهب لا يلزمه ذلك إذا كانت الدراهم معينة، وأما إذا كانت غير معينة فينتقض.
стр. 2569
وذكر ابن عبد السلام أن القرويين اختلفوا في محل القولين اللذين في المدونة، هل هو عند الاقتران أو الطول، أو عند عدم كل واحد منهما. ولنذكر لفظه في المدونة ليتبين لك الفهمان، قال فيها: ومن اشترى إبريق فضة بدنانير أو دراهم، فاستحقت الدنانير أو الدراهم انتقض البيع لأنه صرف، ومن صرف دنانير بدراهم فاستحقت الدراهم [٤٤٥/أ] انتفض الصرف. وقال أشهب: لا ينتقض إلا أن تكون دراهم معينة يريه إياها، وإنا باعه بدراهم عنده أو من كيسه أو تابوته فعليه مثلها مكانه ما لم يفترقا.
ابن القاسم: ولو أنه إذا استحقت ساعة صارفه، قال: خذ مثلها مكانه قبل التفرق جاز، ولو طال أو تفرقا لم يجز.
فقوله في قول أشهب: مكانه ما لم يتفرقا. دليل على أنه إنما يخالف إذا كان بالحضرة. وقوله في المدونة في أول المسألة: ينتقض الصرف. يحمل على ما إذا لم يكن بالحضرة.
تنبيهان:
الأول: قيد ابن يونس قوله في المدونة: إنها إذا استحقت وقال له ساعة صارفه: خذ مثلها جاز بما إذا تراضيا، وكذلك قال ابن المواز. وغمز أبو بكر بن عبد الرحمن ما قاله ابن المواز من اشتراط التراضي، قال: لأنه لو كان مراده أن الخلف إنما يجوز بالتراضي لم يكن لتقييد هذا الجواب بقوله: ما لم يفترقا معنى، لأنهما إذا افترقا وتراضيا على خلف الدراهم المستحقة صار ذلك مستأنفاً لا يمنع منه ما تقدم من عقد بطل باستحقاق الدراهم.
المازري: وهذا قد يعتذر عنه بأنه قيد بقوله: ما لم يفترقا، لأنهما إذا افترقا وتراضيا ببدل الدراهم المستحقة صار ذلك تتميماً للعقد المتقدم الذي كشف العيب أنهما لم يتناجزا فيه، وقد تتطرق التهمة لكون العاقدين أو أحدهما قصد إلى ذلك في أصل العقد.
التنبيه الثاني: ما تقدم في متن كلام المصنف والتعيين ثابت في كل النسخ التي رأيتها، وكذلك ثبت ذلك في نسخة ابن رشد وسقط من نسخة ابن عبد السلام. والإثبات
стр. 2570
موافق لكلام المازري وابن شاس، فإنهما أشارا إلى أنه إن حصل التعيين انتقض الصرف ولو مع الحضرة على المشهور، لأنهما نص على أن هذه المسألة تجري على الخلاف في تعيين الدراهم بالتعيين، وقد صرح اللخمي بذلك، أعني: بالنقض إذا كانت الدراهم معينة، سواء استحق بالحضرة أم لا، لكنه مخالف لما تقدم من أن ابن القاسم يجيز البدل في الدراهم مطلقاً، سواء كانت معينة أو لا، وإنما يأتي الإثبات على قول أشهب فتأمله.
ولو استحق المصوغ انتقض مطلقاً
يعني: لو وقع العقد على مصوغ من الجهتين أو أحدهما فاستحق، انتقض الصرف سواء كان بحضرة العقد، أو الافتراق، أو الطول، وإليه أشار بقوله: مطلقاً، لأن المصوغ يراد لعينه.
ثم إن كان لم يخير المصطرف، فللمستحق إجازته على المشهور فيهما، بناء على أن الخيار الحكمي ليس كالشرطي ...
أتى بـ (ثم) للتراخي: أي: إذا عقد الصرف بمصوغ ثم انتقض بسبب الاستحقاق، فإن أراد المستحق إجازة العقد فلا يخلو المصطرف- وهو المشتري لهذا-: إما أن المستحق مخبر بأن المصوغ ليس ملكاً للدافع أو لا، فإن لم يخبره فللمستحق إجازته على المشهور فيهما، أي: في المصوغ والمسكوك، قاله بعضهم وهو الظاهر.
وقال ابن عبد السلام: وهو عائد على الصورتين المفهومتين من السياق، وهما: كون الاستحقاق بحضرة الصرف أو بعد ذلك. قال: ويحتمل أن يعود الضمير على صورتين منطوق بهما، وهما: كون الاستحقاق بعد الطول وقبل المفارقة، والثانية بعد المفارقة، ورجح هذا على الأول بأن عود الضمير على منطوق به أولى.
стр. 2571
وقوله: (على المشهور). أي: لأن خيار المستحق أدى إليه الحكم. والشاذ لأشهب: يمنع كخيار الشرط. ونظيرها ما إذا قال لوكيله: أبدل لي فولاً بقمح فأبدله بشعير، وكذلك فيما يطلب فيه التناجز.
وأطلق المصنف في المشهور، وهو مقيد بحضور المصوغ، نص عليه في التهذيب.
وناقض سحنون قول ابن القاسم هذا بحضور اشتراط الخلخالين، بقوله فيمن استودع قمحاً فباعه بطعام مخالف: إن للمستحق إجازة البيع، ولم يشترط حضور القمح. والفرق أن المودع ضمن القمح بتعديه بالبيع فوجب في ذمته مثله فأخذ عنه تمراً، ذلك جائز، إذ لا معنى لاشتراط حضور ما بقي في الذمة، بخلاف الذي تولى الصرف في مسألة الخلخالين فإنه غير متعد فلم تتعلق بذمته، فأشبه صرفها صرف الوديعة، فلذلك اشترط الحضور.
وناقض اللخمي والمازري قول أشهب هنا بقوله: في العبد يتزوج حرة بغير إذن سيده ويدخل بها، ثم توجد هي تزني، أن رجمها موقوف على إجازة السيد النكاح، فإن أجازه كانت محصنة ورجمت، وإن لم يجزه لم ترجم وحدت حد البكر، وهو اعتراض ظاهر.
فلو أخبره، فهو كصرف الخيار
أي: فلو أخبره دافع المصوغ أنه ليس له وأنه تولى الصرف فيه بغير إذن ربه، فهو كصرف الخيار الشرطي، وقد تقدم أن المشهور منعه.
والصرف والبيع ممتنع، خلافاً لأشهب إلا في اليسير
أي: أنه لا يجوز أن يجتمع في العقد بيع وصرف إلا في اليسير، وجوزه أشهب في اليسير والكثير. والاستثناء يحتمل أن يرجع إلى قوله: (ممتنع) ويحتمل أن يرجع إلى (خِلاف) أي: إلا في اليسير، فإن أشهب لا يخالف في ذلك. ووجه المشهور بوجوه:
стр. 2572
أحدهما: أن اجتماع البيع معه يؤدي إلى ترقب حله بوجود عيب في السلعة.
ثانيها: لأن الصفقة قد جمعت بين عقدين مختلفي الأحكام، لأن الصرف لا يجوز فيه التأخير والخيار بخلاف البيع.
ثالثها: لئلا يؤدي إلى صرف بنسيئة، من حيث أن السلعة قد تستحق فلا يعلم ما يصيب الصرف من الثمن إلا في ثاني حال. سند: وليس هذا من باب النسيئة، [٤٤٥/ب] وإنما هو من باب الجهالة. ورأى أشهب أن العقد قد اشتمل على جائزتين فلا منع. فإن وقع على المشهور، فقيل: هو كالعقود الفاسدة يفسخ ولو مع الفوات، وقيل: هو من البياعات المكروهة فيفسخ مع القيام لا مع الفوات. ابن رشد: وهو المذهب.
فائدة: قال القذافي: لا يجتمع مع البيع يجمعها قولك: (جص مشنق) فالجيم: للجعالة. والصاد: للصرف، والميم: للمساقاة. والشين: للشركة. والنون: للنكاح والقاف: للقراض، لتضاد أحكامها.
ونظمها بعضهم فقال:
عقود منعناها مع البيع ستة ... ويجمعها في اللفظ جص مشنق
فجعل وصرف المساقاة شركة ... نكاح قراض منع هذا محقق
فإن كان الجميع ديناراً فيسير، وقيل: مع كون أحدهما ثلثا فأدنى، وقيل: مع كونه كالدرهم يعجز ....
الأول: هو مذهب المدونة، ولا يشترط فيه أن يكون الصرف أو البيع تابعاً، بل كيفما كان فهو جائز، لأن الضرورة داعية إلى الوقوف في مثل هذا كثيراً.
والقول الثاني: عدم الجواز إلا بشرط التبعية، إما بأن يكون البيع تابعاً للصرف أو العكس، والتابع هو الثلث فأقل.
стр. 2573
والقول الثالث: لا يجوز الصرف والبيع في دينار إلا أن يكون البيع يسيراً، مثل أن يصرف ديناراً بعشرة دراهم فيعجز الدرهم أو النصف فيدفع إليه عرضاً بقدره لتحقق الضرورة، وهو قول عبد الوهاب.
ولابن القاسم في الموازية رابع: جواز كون الصرف في الدينار الواحد تابعاً الثلث فأقل، ومنع عكسه وهو كون البيع تابعاًز
فإن كان الصرف في أكثر من دينار، فاليسير أن يكون البيع بأقل من دينار، وقيل: أن يكون ثلثا فأدنى ....
أي: فإن كان الصرف في أكثر من دينار، فلابد أن يكون البيع في أقل من دينار، أي: لابد من اشتراك البيع والصرف في دينار، كما لو صارفه عشرة دنانير بمائة وتسعين ونصف إردب قمحاً والصرف بعشرين، وكلامه ظاهر التصور.
ونسب في الجواهر القول الذي صدر به المصنف لابن مناس، وذكر أن القول الثاني نقله ابن محرز عن بعض الأشياخ.
وأما إذا كان البيع أكثر لم يجز اتفاقاً، إلا في صرف أقل من دينار
يعني: أن الخلاف المتقدم إنما هو إذا كان الصرف أكثر، وأما إذا كان البيع الأكثر، فالاتفاق على أنه لا يجوز إلا إذا كان الصرف في أقل من دينار كالقول الأول.
والمراد بالاتفاق: اتفاق القائلين بمنع اجتماع الصرف والبيع. وأما على قول أشهب الذي يجيزهما مطلقاً، فلا. ولا يقال ينتقض الاتفاق الذي حكاه المصنف بما حكاه بعضهم عن ابن حبيب من جواز دينار فأقل، لأن ابن يونس والمازري أنكراه.
والفرق بين هذه المسألة والتي قبلها، أن الصرف أضيق من البيع، فإذا كان البيع تابعاً انسحب عليه حكم الصرف فكان أحوط، بخلاف العكس، واستشكل لأنهم يغلبون
стр. 2574
حكم الصرف وإن كان قليلاً في وجوب تقديم السلعة على المعروف، خلافاً للسيوري في إبقاء كل من البيع والصرف على حكمهما على الانفراد، فأوجب تعجيل الصرف وأجاز تأخير السلعة.
وأما المستثنى اليسير، فروي أنه الدرهم، وروي الثلاثة، وروي قدر ثلث دينار، كسلعة بدينار إلا درهماً ...
إن قلت: لم جوزا في مسألة الاستثناء ما لم يجوزوه في مسألة اجتماع البيع والصرف مع أنها راجعة إليها، إذ حاصل قوله: هذه السلعة بدينار إلا درهماً. بعتك السلعة والدرهم بدينار، وهو بيع وصرف.
وإنما قلنا: إنهم أجازوا هنا ما لم يجيزوه هناك، لأنهم أجازوه هنا مع تأخير النقدين وتقدم السلعة.
فالجواب: أنه سؤال حسن، ولعلهم راعوا أن الاستثناء اصله أن يكون يسيراًن والضرورة تدعو إلى اليسير، والمتبايعان إنما بنيا كلامهما أولاً على البيع، فكان الصرف غير مقصود، بخلاف البيع والصرف، فإنهما لما أتيا أولاً بالصرف والبيع علم أنهما مقصودان.
وقوله: (فروي أنه الدرهم) مقتضاه: أنه لا يجوز في الدرهمين. والذي في المدونة وغيرها: أن الدرهمين في حكم الدرهم. ولم أر من اقتصر على الدرهم كما فعل المصنف، بل صرح المازري بالاتفاق على يسارة الدرهمين، والرواية بالثلاثة لابن عبد الحكم، والقول بأجازة الثلث للأبهري، هكذا نقله الباجي وابن شاس، ولم أر أحداً صرح بأنه رواية ابن راشد.
وهذا الخلاف إنما هو إذا وقع البيع وفيه التأجيل على ما سيأتي إن شاء الله، وأما مع الانتقاد فيجوز أكثر من ذلك.
стр. 2575
فإن كان نقداً فجائز، وفي تأجيل الجميع ممتنع
أي: إذا كان الجميع السلعة والدينار والدرهم نقداً فجائز.
ابن راشد: بلا خلاف. وإن تأجل الجميع فهو ممتنع، لأنه صرف مستأخر، ودين بدين إن كانت السلعة غير معينة، وبيع معين يتأخر قبضه إن كانت معينة.
وفي تأخير النقدين يجوز للتبعية
يعني: فإن تقدمت السلعة وتأخر النقدان جازت المسألة، وعلل ذلك بالتبعية، أي: أن السلعة لما قدمت وتأخر الدينار علم أنهما غير مقصودين فلا يكون صرفاً مستأخراً. وذكر ابن المواز الاتفاق فيه، لكن ذكر المازري وابن شاس أن ابن عبد الحكم خالفه، فمنع لكونه ديناً بدين وصرفاً مستأخراً. قال في الجواهر، قال بعض المتأخرين: وقول ابن عبد الكم هو القياس، لاسيما إذا راعينا الاتباع في أنفسنا.
وفيها: ويقضي بما سميا، وقيل: بدراهم ويتقاصان
[٤٤٦/أ] يعني: إذا وقعت هذه المسألة على الوجه الجائز فاختلف فيما يقع فيه القضاء، فحكي عن المدونة أن البائع يعطي الدرهم والدرهمين أو يأخذ الدينار أو الدينارين، وليس ما نسبه للمدونة صريحاً فيها، بل هو ظاهرها عند الأكثرين. وصرح المازري بمشهوريته. ومنهم من فهمها على القول الثاني، وهو أن البائع إذا حل الأجل إنما يأخذ صرف دينار ينقص درهماً أو درهمين.
وتأجيل السلعة أو أحد النقدين ممتنع على المشهور
يعني: لو تقدم النقدان وتأخرت السلعة، أو تقدمت السلعة وأحد النقدين وتأخر النقد من أحدهما، المشهور فيها المنع، وهو مذهب المدونة. وقيل: المشهور فيما إذا تأجلت
стр. 2576
السلعة مقيد في الموازية بما عدا التأخير اليسير، قال فيها: إلا أن يتأخر بمثل خياطته، أو حتى يبعث في أخذه وهو بعينه فلا بأس به. والشاذ: الجواز فيهما.
ونقل في المدونة الشاذ في مسألة تأجيل السلعة عن مالك من رواية أشهب.
ونقل صاحب الجواهر وغيره الشاذ في مسألة التأخير في أحد النقدين عن مالك من رواية ابن عبد الحكم. وقد يظهر ما رواه ابن عبد الحكيم ببادئ الرأي، لأنه إذا جاز تأخير النقدين معاً فلأن يجوز تأخير أحدهما أحرى.
والفرق للمشهور أن الاعتناء بالتقديم يدل على أنه المقصود عند المتباعين، فإذا تقدمت السلعة وتأخر النقدان دل تقديمها على أن البيع هو المقصود، بخلاف ما إذا تقدم أحدهما، فإنه يدل على أن الصرف مقصود ولم يحصل شرطه وهو المناجزة.
فإن استثنى دراهم من دنانير، فثالثها: يجوز في النقد.
مثال ذلك: لو باع مائة ثوب بمائة دينار ينقص كل دينار درهماً، فمن أجاز رأى أن نسبة درهم إلى مائة دينار كنسبة الدرهم إلى الدينار، ويحتمل أن يكون مبنياً على جواز الصرف والبيع مطلقاً. ومن منع نظر إلى كثرة، ولا خفى عليك توجيه الثالث. وتبع المصنف في حكاية هذه الأقوال ابن بشاس، وإطلاق الأقوال هكذا مشكل، ولاسيما الجواز مطلقاً والمنع مطلقاً.
والمقصود في الموازية: فيمن ابتاع مائة جلد كل جلد بدينار إلا ثلاثة دراهم، وذلك كله نقله ابن عبد السلام أن هذا جائز، ثم تحاسبا بعد البيع فصارت أربعة عشر ديناراً، فلا خير في هذا البيع. محمد: تحاسبا أو لم يتحاسبا لكثرة الدراهم في المؤخل. مالك: ولو قطعوا صرف الدراهم قبل العقد ووعت الصفقة بدنانير معلومة جاز ذلك
стр. 2577
نقداً ومؤجلاً، مثل أن يقول: إن وقع بيننا بيع بدراهم فبيعها كذا وكذا بدينار فهذا الجائز، وإلا لم يجز نقداً ولا إلى أجل، لأنه صرف وبيع إلا في دراهم يسيرة.
وقال مالك في التعبية: إذا كان ذلك قبل البيع. وقد حققها في البيان تحقيقاً شافياً، فقال: إن وقع البيع بينهما على أن يتقاصا من الدنانير ما اجتمع من الدراهم المستثناة بسوم سمياه ولم يفضل من الدراهم شيء بعد المقاصة، مثل أن يبيع ستة عشر ثوباً كل ثوب بدينار إلا درهماً على أن يحسبا ستة عشر درهماً بدينار، جاز البيع نقداً أو إلى أجل، لأن البيع انعقد بخمسة عشر.
وكذلك أن فضل بعد المقاصة درهم أو درهمان، لأنه يجوز أن يبيع الرجل السلعة بدينار إلا درهماً وإلا درهمين على أن يتعجل السعلة ويتأخر النقدان، فإن فضل بعد المحاسبة دراهم كثيرة فيجوز البيع إن كان نقداً ولا يجوز إلى أجل. وإن لم يقع بينهما على شرط المحاسبة، فيجوز إن كانت الدراهم المستثناة الدراهم والدرهمين نقداً أو إلى أجل، ويجوز إن كانت كثيرة دون صرف دينار إن كان نقداً، ولا يجوز إلى أجل. وإن كانت أكثر من صرف دينار، فلا يجوز نقداً ولا إلى أجل غير مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك. ولا تنفع المحاسبة بعد البيع إذا لم يقع البيع بينهما على ذلك.
فإن استثنى جزءاً جاز مطلقاً، وقيل: كالدراهم، بناء على أن جزء الدينار ذهب إلى القضاء أو ورق ....
كما لو باع بدينار إلا سدساً أو خمساً ونحو ذلك، فالمشهور: أنه يجوز مطلقاً بالنقد والأجل، بناء على أن جزء الدينار ذهب فيقاصه.
والقول الثاني: لا يجوز في هذه الصورة إلا ما جاز في مسألة الدراهم، بناءً على أن جزء الدينار ورق، إذ لا يقضي القاضي عليه عند المناجزة إلا بالورق.
стр. 2578
المماثلة، ولطلب تحققها منع بيع دينار ودرهم أو غيره بدينار ودرهم أو غيره
لما فرغ من المناجزة أتبعها بالمماثلة، ولا شك في طلبها، ولأجل أنه لابد منها منع ما يوجب شكاً فيها، فلا يجوز أن يضاف إلى أحد النقدين جنس آخر كما مثل، خشية أن تكون الرغبة في أحد الدرهمين أكثر فيقابله من الجهة الأخرى أكثر من درهم، فيؤدي إلى التفاضل.
وقوله: (أو غيره) أي: ثوب أو غيره من الطعام ونحوه. [٤٤٦/ب].
فأما درهم بنصف فما دونه أو فلوس أو طعام، فجائز للضرورة، وبأكثر من نصف ممتنع. وقيل: لا يجوز إلا في أقل من نصف. وقيل: لا يجوز إلا في غير الفلوس. وقيل: لا يجوز بحال وإن قل ..
هذا مستثنى من القاعدة المذكورة، وعلل الجواز فيه بالضرورة. ومعنى المسألة: أن يعطي الإنسان درهماً فيأخذ بنصفه فلوساً أو طعاماً ويرد عليه النصف الآخر فضة. وذكر الشوشاي، وأبو الحسن وغيرهما لهذه المسالة ستة شروط:
أولهما: أن يكون في الدرهم الواحد، لأن الضرورة غالباً إنما تدعو إليه، فلا يجوز في أكثر ولا في دينار، لقول مالك في كتاب محمد: فيمن اشترى بثلث دينار قمحاً فدفع ديناراً وأخذ قطعة ذهب منقوشة أكره ذلك، وعلله اللخمي باختلاف بيع الدينار وكسره، بخلاف الدرهم وكسره.
الثاني: أن يكون في بيع وما في معناه كالإجارة، احترز به من القرض، لأنه لا ضرورة تدعوهم في القرض.
الثالث: أن يكونا مسكوكين.
الرابع: أن يكونا المردود النصف فما دون، وأجاز أشهب ثلاثة أرباع.
الخامس: أن ينقد الجميع، وإن تأخر أحد العينين جرى على الخلاف في مسألة الدرهم والدرهمين إذا تأخر أحد العينين.
стр. 2579
السادس: أن تكون السكة واحدة.
وزاد أبو الحسن سابعاً: وهو أن يكونا معروفي الوزن.
وثامناً: أن يكون في بلد لا فلوس فيها ولا خراريب ولا أرباع. وقد حكى المصنف في هذا الأخير الخلاف.
قوله: (وبأكثر من نصف ممتنع) هكذا عبر المازري بالمنع، والذي في المدونة إنما هو الكراهة في رد الثلثين فضة، لكن كثيراً ما يعبر مالك عن الممنوع بالمكروه.
وقوله: (وقيل: لا يجوز إلا في أقل من نصف) لتحقق التبعية. وهذا القول في الموازية لابن القاسم وأشهب. وقيل: لا يجوز إلا في غير الفلوس، أي: إلا في غير بلد الفلوس، وأما في بلدها فلا يجوز أن يأخذ بنصف طعاماً وبنصف فضة، لأن الضرورة زالت لوجود الفلوس، ونسبه اللخمي لأشهب.
وهكذا مشى هذا القول الثالث الشارحون، ويمكن أن يمشى على أنه لا يجوز أن يأخذ مع النصف الفضة فلوساً، وإنما يأخذ طعاماً وما أشبهه، لأن الفلوس لما كانت تشبه النقد صاراً نقدين في مقابلة نقد، وهذا القول لمالك في التعبية، لكن إنما قال في العتبية: لا أحب أن يأخذ بنصفه فلوساً ونصفه فضة، ولا بأس أن يأخذ بنصفه فضة ونصفه طعاماً، فعبر: بلا أحب، وكذلك عبر صاحب البيان بالكراهة. لكن كثر تعبيرهم عن الممنوع هنا بالكراهة، وقد نقله عياض بلفظ المنع عن الموازية، ولفظه: وأجاز في الموازية أن يأخذ بكسر الدرهم سلعة ويأخذ بباقية درهماً صغيراً، ومنع ذلك في نصفه فلوساً ونصفه فضة، ورواه يحيي عن مالك، ووافقه عليه ابن القاسم في الموازية.
وأشار عياض وغيره إلى أن ما منعه أشهب- أعني: إذا كان في البلد فلوساً- وما أجازه إذا كان في البلد دراهم صغار متناقض، قال: وهو خلاف من قوله، ولا فرق بينهما.
стр. 2580
وقيد ابن يونس المذهب بما إذا لم تكن الأنصاف والخراريب غالبة، وأما إن كانت غالبة فلا يجوز الرد بوجه.
قوله: (وقيل: لا يجوز بحال) هو لمالك في الموازية، واختاره ابن عبد السلام قال: لأن الضرورة لم يثبت أن الشرع اعتبرها.
وفي التبر يعطيه المسافر دار الضرب وأجرته ويأخذ وزونه قولان
هذا أيضاً مستثنى مما تقدم، يعني: أنه اختلف في المسافر يأتي دار الضرب بفضة أو ذهب يدفعها إليهم ويدفع أجرتها ويأخذ وزن ما دفع مسكوكاً، والقولان لمالك.
أجازه في سماع ابن القاسم، وابن وهب، وقال ابن القاسم: أراه جائزاً للمضطر وذا الحاجة.
مالك: وقد عملت به الناس زمان بني أميه ويفعله أهل الورع. وبالمنع قال الأكثرون، وذكر ابن حبيب أنه سأل عن ذلك من لقي من المدنيين والمصريين فلم يرخصوا فيه بحال، ولهذا قال في البيان: والصواب عدم الجواز إلا مع الخوف على النفس الذي يبيح أكل الميتة. ابن حبيب: وأما الصائغ فلا يجوز معه ذلك قولاً واحداً.
واختلف قول مالك أيضاً في خلط ذهب الناس في الضرب بعد تصفيتها ومعرفة وزنها، فإذا خرجت أخذ بحسب ذهبه.
وكذلك الزيتون بالزيت
أي: وكذلك اختلف في الزيتون يعطيه لأهل المعصرة ويأخذ قدر ما يخرج، والمنع هنا أقوى لوجهين: أحدهما: أن الضرورة هنا أضعف من الضرورة في التبر لكثرة المعاصر. والثاني: أن خروج الزيت مما يختلف.
стр. 2581
وإذا بيع محلى مباح من أحد النقدين بصنفه، فإن كان الحلي تبعاً جاز معجلاً على المشهور، وفي المؤجل قولان ....
هو أيضاً مستثنى لأجل الضرورة الداعية إليه مع كونه جائز الاتخاذ، أي: إذا بيع شيء محلى بذهب أو فضة، وهو معنى قوله: (من أحد النقدين) كمصحف أو سيف بصنفه، أي: كان محلى بفضة وبيع بفضة، أو بذهب وبيع بذهب فيجوز على المشهور، خلافاً لابن عبد الحكم بثلاثة شروط:
الأول: أن تكون الحلية تبعاً للمحلى، وإليه أشار بقوله: (تبعاً).
الثاني: أن تكون الحلية مباحة.
الثالث: أن تكون مسمرة على المحلى في نزعها ضرر، وإن لم يكن في نزعها ضرر فلا.
قال الباجي: كالفصوص [٤٧٧/أ] المصوغ عليها، أو حلية المصحف المسمرة عليه، وحلية السيف المسمرة في حمائله وجفنه. وأما القلائد التي لا تفسد عند نظمها، فظاهر المذهب أنه لا تأثيرها لها في الإباحة، وبه قال ابن حبيب. وهذا الشرط أيضاً يؤخذ من كلام المصنف، لأنه لا يقال: محلى مع الانفصال.
وذكر ابن رشد عن المتأخرين قولين، بالجواز، والمنع إذا كان يغرم ثمناً في رد الحلية بعد فصلها.
وقال اللخمي: لم يختلفوا إذا كانت الحلية منقوشة وهي تبع له أنه لا يجوز أن يباع نصل السيف وحليته بجنسها نقداً ولا إلى أجل. قال: وأرى إذا كانت قائمة بنفسها صيغت ثم ركبت وسمرت أن يكون لها حكم المنقوض، لأنه ليس في ذلك أكثر من أنها سمرت بمسامير.
стр. 2582
قوله: (وفي المؤجل قولان) المازري: المشهور المنع خلافاً لسحون وأشهب. وهذان القولان مفرعان على المشهور، وإلا فابن عبد الحكم الذي يمنع في النقد بمنع المؤجل أولى، وفي مسألة التأخير قول ثالث لمحمد بالكراهة. إن قيل: لم أجازوا هنا ما لم يجيزوه في البيع والصرف؟ قيل: للضرورة إلى استعماله وللمضرة الحاصلة في نزعه. والله أعلم.
المتيطي: فإن بيع بصفة إلى أجل فسخ ورد، إلا أن يفوت بتفصيل حليته فيمضي ولا يرد، هذا مذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، وقال أشهب: يكره ابتداءً، فإن وقع مضى ولا يرد.
وإن لم يكن تبعاً لم يجز
يعني: وإن لم تكن الحلية تبعاً لم يجز بيعه بصنف حليته نقداً ولا إلى أجل، لعدم تحقق التماثل.
فإن بيع بغير صنفه، فإن كان تبعاً جاز معجلاً، وفي المؤجل قولان
كما لو كان محلاً بفضة وبيع بذهب، ولا خفاء في الجواز مع النقد إذا كان تبعاً، لأن الصرف غير مقصود، والمشهور من القولين في المؤجل: المنع خلافاً لسحنون.
فإن لم يكن تبعاً جاز معجلاً فقط
أي: وإن بيع بغير صنفه والحلية ليست تبعاً جاز معجلاً. وظاهر كلامه: أنه لم يختلف فيه كما في البيع والصرف، ولعله لعدم انفكاك أحدهما عن الآخر. وظاهر كلام اللخمي: أنه يجري فيه ما جرى في البيع والصرف.
والتبع: الثالث. وقيل: دونه. وقيل: النصف
الأول: هو المذهب. والثاني: خرجه ابن بشير مما قيل في المذهب أن الثلث كثير. والقول بتبعية النصف مشكل، لأن النصف لا يكون تبعاً لنصف آخر، لكن استدل له
стр. 2583
بقوله : ﴿قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (٢) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا﴾ [المزمل:٢ - ٣] وهذا القول حكاه الباجي عن بعض العراقيين، وخرجه الباجي أيضاً من إجارتهم الشراء بنصف درهم ورد نصف درهم.
ويعتبر بالقيمة. وقيل: بالوزن مع قيمة المحلى
سببهما، هل تعتبر الصياغة أم لا؟ ومعنى كلامه: أنا إذا بنينا على المشهور من أن التبع الثلث، أو على غيره من الأقوال، فهل يعتبر التبع بالقيمة أو بالوزن فقط؟ فإن كان وزن الحلية عشرين، ولصياغتها تساوي ثلاثين، وقيمة النصل أربعين، جاز على الثاني دون الأول. والقول باعتبار القيمة هو ظاهر الموطأ والموازية، قاله ابن يونس. والثاني: ذكر الباجي أنه ظاهر المذهب قياساً على النصاب في السرقة والزكاة.
ورد ابن بشير: بأن من أصلنا التحريم بالأقل، وأما السرقة والزكاة فإنا رتب النصاب فيهما على الوزن. وما قلنا: من أنه تنسب قيمة الحلية مصوغة أو وزنها غير مصوغة إلى مجموع المبيع، فإن كانت ثلثه جاز، هو المذهب الذي قاله الناس كما في بياض المساقاة. ونسبها ابن بشير إلى قيمة المحلى، فإن كانت ثلث ذلك جاز وإلا امتنع، وليس كذلك، لأنه إذا نسبت إلى النصل والجفن مثلاً فكانت ثلثهما كانت ربع الجميع.
والثوب الذي لو بك خرج منه عين كالمحلي، وإن لم يخرج فقولان
يعني: والثوب الذي نسج فيه أو طرز بالذهب أو الفضة إن كان يخرج منه لو سبك عين فَأَجْرِهِ على ما تقدم في المحلى، وإن لم يخرج كالورقة فللأشياخ قولان بناءً على استهلاكه أو قيام صورته.
стр. 2584
والحلي من النقدين وحده، أو مع سلعة ممتنع بعين أحدهما اتفاقاً
أي: إذا كان المحلى مصوغاً من الذهب والفضة، سواء بيع وحده أو مع سلعة وليس أحدهما تبعاً. وحذف المصنف ذلك اكتفاء بذكر التبعية في قسيمه، فلا يجوز بيعه بواحدة من الصنفين اتفاقاً، لأنه إذا امتنع بيع سلعة وذهب بذهب فأحرى بيع فضة وذهب بذهب.
فإن كان أحدهما تبعاً لم يجز بصنف الأكثر، وفي صنف التبع قولان
أي: فإن كان الذهب تابعاً للفضة أو العكس لم يجز بيع ذلك بصنف المتبوع. واختلف في بيعه بصنف التابع، ومذهب المدونة: أنه لا يباع به. وفي الموازية: وما حلي بذهب وفضة، قال ابن القاسم عن مالك: فليبع بأقلهما إن كان الثالث فدون يداً بيد، وإن تقاربا بيع بالعروض أو الفلوس. ثم رجع مالك، فقال: لا يباع بورق ولا بذهب على حال، وبهذا أخذ ابن القاسم. وبالجواز أخذ ابن زياد، وأشهب، وابن عبد الحكم.
وأورد ابن عبد السلام على المصنف: أنه ذكر إذا لم يكن أحدهما تابعاً للآخر الاتفاق على أنه لا يجوز بيعه بأحدهما. قال: وليس كذلك، لأن ابن حبيب أجاز بيعه بكل واحد من النقدين إذا كان مجموعهما تبعاً للسلعة، سواء كان أحدهما تبعاً للآخر أو لا إذا كان نقداً، قاله في الواضحة. بل قال اللخمي: ولم يختلف في المحلى يكون فيه ذهب وفضة، ولؤلؤ وجوهر، والذهب والفضة الثلث فأقل، واللؤلؤ والجوهر الثلثان فأكثر، أنه يباع بأقل من ذلك كالسيف. وقال صاحب الإكمال: [٤٤٧/ب] فإن كان فيهما عرض وهما الأقل بيع بأقلهما قولاً واحداً.
والتبعية بالقيمة، وقيل بالوزن
القولان كالقولين المتقدمين.
стр. 2585
والمغشوش: مقتضى الروايات جواز بيعه بصنفه الخالص وزناً، لأنه كالعدم، وقيل: لا يجوز ....
والمغشوش: خلط جسم بجسم حتى لا يمكن التمييز بينهما. والظاهر أنه لا يريد بالروايات هنا أقوال مالك، وإن كان ذلك الاصطلاح، وإنما أراد منصوصات المذهب. ومعنى كلامه: أنه يؤخذ من روايات المذهب جواز إبدال المغشوش بالخالص وزنا. والجواز حكاه ابن شعبان. وحكى في البيان القولين صريحين، قال: والصحيح عدم الجواز لعدم التماثل. ولم يقم دليل على تقديرهم الغش في القول الأول كالعدم، لكن الأول هو الذي يؤخذ من كلام ابن القاسم في المدونة وكلام غيره، وذلك هو الذي أشار إليه المصنفات بالروايات، ولقول ابن القاسم: ولا يعجبني بيع الدرهم الرديء- وهو الذي عليه النحاس- بدرهم فضة وزناً بوزن ولا عرض، لأن ذلك داعية إلى إدخال الغش في أسواق المسلمين، لكن يقطعه ويجوز حينئذ بيعه إذا لم يكن يغر به ولم يكن يجري بينهم. فقول ابن القاسم: يقطعه وحينئذ يجوز بيعه. يقتضي جواز بيعه بصنفه الخالص، لأنه إنما منعه أولاً للغش وقد انتفى الغش. قال في المدونة، وقال أشهب: إن رد لغش فيه لم أر أن يباع بعرض ولا فضة حتى يكسر.
وإذا تقرر هذا علمت أنهم إنما تكلموا في المغشوش الذي لا يجرى بين الناس، ويؤخذ من كلامهم جواز بيع المغشوش بصنفه الخالص إذا كان يجري بين الناس كما بمصر عندنا، والأقرب حمل كلام المصنف على هذه الصورة لا على الأولى، وهو ما أراده المصنف بالروايات، ويجوز بدله على وجه الصرف بدراهم جياد وزناً بوزن، وهو يشبه البدل.
وقال صاحب النكت، وابن يونس: وقول أشهب وفاق لقول ابن القاسم، ومراد أشهب بعد كسره، وظاهر قول أشهب جواز بدل المغشوش بالخالص ولو كثر مراطلة. وأبقاه ابن محرز وغيره على هذا الظاهر، وتأوله ابن الكاتب واللخمي على أنه إنما يجوز
стр. 2586
عنده في القليل، الدرهمين والثلاثة، لقوله: كالبدل. ورد بأن قوله: وزناً بوزن. ينافي ذلك، لأن المبادلة لا يراعى فيها القدر بالوزن وإنما الاعتبار بالعدد. وتردد أبو عمران في قول أشهب هل هو وفاق لقول ابن القاسم أم لا؟
وكذلك المغشوش بالمغشوش على الأصح
أي: وكذلك تجوز مراطلة المغشوش بمغشوش مثله. ابن عبد السلام: ولعل هذا مع تساوي الغش، وأما مع اختلافه فلا. انتهى.
وذكر صاحب البيان عن شيخه ابن رزق: أنه لا يجوز بدل المغشوش بالمغشوش، لأنه فضة أو ذهب ونحاس بذهب ونحاس. قال: ولا أقول به، بل أرى ذلك جائزاً، لأن الفضة التي مع هذه كالتي مع هذه والنحاس كالنحاس، فلا يتقى في هذا ما يتقى في ذهب وفضة منفصلين بذهب وفضة منفصلين.
ويكسر الزائف إن أفاد وإلا سبك
أي: إن أمن مع قطعة أن يغش به، وإن لم يؤمن فلابد من سبكه. قال في البيان: ولا يحل أن يغش بها أحداً ولا أن يبيعها ممن يغش بها، ويكره أن يبيعها ممن لا يأمن أن يغش بها كالصيارفة. واختلف في بيعها ممن لا يدري ما يصنع بها، فأجازه ابن وهب وجماعة من السلف، وكرهه ابن القاسم ورواه عن مالك. ويجوز أن تباع ممن يكسرها أو ممن يعلم أنه لا يغش بها باتفاق. فإن باعها ممن يخشى أن يغش بها فليس عليه إلا الاستغفار. وإن باعها ممن يعلم أنه يغش بها وجب عليه أن يستردها، فإن لم يقدر فثلاثة أقوال:
أحداهما: أنه يجب عليه أن يتصدق بجميع الثمن.
والثاني: أنه لا يجب عليه أن يتصدق إلا بالزائد على قيمتها لو باعها ممن لا يغش بها.
والثالث: لا يجب عليه أن يتصدق بشيء منها ولكنه مستحب.
стр. 2587
ويعتبر الربا بين السيد وعبده على المشهور
أي: لا يجوز بين السيد وعبده ربا الفضل ولا ربا النساء. والشاذ لابن وهب، إما لأن العبد لا يملك، أو لأن السيد قادر على الانتزاع. وينبغي أن يقيد هذا بمن له انتزاع ماله ليخرج المكاتب ونحوه، ولهذا قالوا: إن كان على العبد دين لم تجز مراباته اتفاقاً. بعض المتأخرين: إلا أن يلتزم السيد الدين فالخلاف، وليس هذا خاصاً بالربا، بل يجري في فسخ الدين، وضع وتعجل، وحط الضمان وأزيدك، وما أشهبه.
و المراطلة: لقب في بيع العين بمثله وزنا
اعلم أن العين إن بيع بعين مخالف سمي صرفاً، وإن بيع بمماثل سمي مماثلة، فإن كان وزناً سمي مراطلة، وإن كان عدداً سمي مبادلة. والمراطلة: مفاعلة، ومعناها: موازنة ذهب بذهب حتى كأن أحدهما رطل وزن به الآخر.
والظرفية بـ (في) مجاز، أي: مستقرة في بيع العين بمثله وزناً، ويحتمل أن يكون (في) بمعنى (على). واعترضه ابن عبد السلام بأن هذا الحد غير مانع لدخول ما ليس بمراطلة في اصطلاح الفقهاء فيه، وهو بيع الفضة بالذهب مثلاًز قال: ولا يصح أن يريد بالمثلية النوع، لأن (وزناً) تمييز لتلك المثلية.
وقد يجاب عنه: بأن (وزناً) حال، و (بمثله) صفة لمحذوف يدل عليه ما تقدم، أي: بعين مثله حال كونه موازنة. والمراطلة جائزة في غير المسكوك بلا إشكال، وكذلك المسكوك على الصحيح، وهو قول أبي عمران، وأبي بكر بن عبد الرحمن وغيرهما، وعليه حمل عياض المدونة، [٤٤٨/أ] ومنع ذلك القابسي إلا بعد معرفة وزنه، لئلا يؤدي إلى بيع المسكوك جزافاً، وإليه يرجع كلام الباجي.
ابن يونس: والأول هو الصواب، إذ لا غرر فيه، لأنه إنما يأخذ مثل ذهبه أو دراهمه.
стр. 2588
عياض: وعلى قول القابسي إذا كانت عدداً فلابد من معرفة عدد الدراهم من الجهتين أو الدنانير بخلاف الوزن، لأن معرفة وزن أحدهما معرفة لوزن الآخر، بخلاف معرفة العددي إلا في مثل القائمة وشبهها، المعروف اتفاق وزنها وعددها، فمعرفة ما في الكِفَّةِ الواحدة منها معرفة لما في الأخرى من وزن أو عدد.
فإن كانا سواء، أو أحدهما أجود جاز اتفاقاً، وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه أدنى، امتنع وفاقاً ....
أي: فإن كان الذهبان أو الفضتان متساويين في الجودة أو كان أحدهما أجود جاز اتفاقاً، لانحصار الفضل في جهة.
وقاعدة هذا ونحوه: أنه مهما تمحض الفضل من جانب جاز، لانتفاء قصد المكايسة، وإن دار الفضل من الجانبين امتنع اتفاقاً لقصد المكايسة كما قال.
وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه أدنى امتنع اتفاقاً، مثاله: لو كان لأحدهما درهم أسكندري ودرهم مغرب وللآخر درهمان مصريان، لأن صاحب المصريين إنما ترك جودة مصرية الواحد بالنسبة إلى الأسكندري لجودة درهم الآخر المغربي على جود المصري فيحصل التفاضل متقابلاً.
ابن المواز: وقد خفف مالك في القطعة من الذهب تجعل مع الجيد من المالين ليعتدل الميزان فيها ثمن أو سدس أو ثلث إذا لم يغتن بها فضل عيون التي معها.
وظاهره أنه قيد المنع بما إذا كان الرديء الذي مع الجيد كثيراً، لكن قال محمد بإثراء هذا الكلام: ما لم تكن القطعة رديئة.
مالك: وإن كان فيها قدر الدينار لم يجز، إلا أن يكون مثل المفردة فأجود.
стр. 2589
فرع:
ابن يونس وغيره: ولا يجوز إذا رجح ذهب أحدهما أن يترك ذلك ولا أن يأخذ عنه شيئاً.
وإن كان أحدهما بعضه أجود وبعضه مساو، جاز خلافاً لسحنون
مثاله: درهمان مغربيان في مقابلة درهم مغربي ودرهم مصري، فالمذهب الجواز لتمحض الفضل. ورأى سحنون أن الدنئ قد يقصد لشيء فيه، فيبقى قصد المكايسة. وثبت هنا في بعض النسخ ما نصه:
قاسها على مدي شعير بمد قمح ومد شعير، للذريعة
أي: أن سحنوناً قاس المنع في هذه الصورة على ما منعه مالك وابن القاسم في صورة الطعام، وإن كان ابن حبيب أجاز مدي قمح بمد قمح مد شعير. والجامع بينهما عند سحنون ما ذكره من الذريعة إلى التوسل للتفاضل، لأنهما لم يتبايعا على هذا الوجه إلا لغرض لهما في المكايسة، إذ لو كان الغرض المكارمة بالأجود لباعه بالأدنى ولم يخلط المساوي، فخلطهما دليل على قصد المبايعة. وفرق اللخمي بأن الذهب يساوي ما كان منه من سكة واحدة قطعاً، بخلاف الطعام فإن الأعراض تختلف فيه.
ابن عبد السلام: وبقي عليه إذا كان بعضه أردأ وبعضه مساوٍ، فأجازها أيضاً ابن القاسم ومنعها سحنون.
خليل: وفيه نظر، لأنه إذا كان بعضه أجود وبعضه مساو لزم ببديهة العقل أنه من الجانب الآخر، أحدهما أدنى والآخر مساو- وهو واضح- فليس هما صورتين بل صورة واحدة، والله أعلم. و (بعضه) يحتمل أن يكون مرفوعاً على الابتداء، و (أجود) خبره، ويحتمل أن يكون بدلاً من أحدهما فينصب أجود خبراً لكان.
стр. 2590
والوزن بصنجة جائز، وقيل: في كفتين
الصنجة- بفتح الصاد-: لفظ عربي، قاله الجوهري. ابن السكيت: ولا يقال سنجة. الجوهري: وكل ما استدار سمي كِفة- بكسر الكاف- ككفة الميزان وكفة الصائد وهي حبالته. ويقال أيضاً: كَفة بالفتح.
وظاهر كلام المصنف: أن الخلاف في الجواز، وليس كذلك بل لا خلاف في جوازها، وإنما الخلاف في الأرجح. فقيل: الأول أرجح، وهو أن يزن أحدهما ثم يزن الآخر بالصنجة التي وزن بها الأول ليتحقق التماثل، سواء كان في الميزان عيب أو لا، وإليه ذهب صاحب البيان.
وقيل: الثاني أرجح، وهو أن يضع هذا ذهبه من ناحية والآخر ذهبه من الناحية الأخرى لسرعة التناجز.
وفي اعتبار زيادة السكة والصياغة كالجودة طريقان: الأولى ثالثها الصياغة خاصة ....
قد تقدم أن الجودة يدور بها الفضل من الجانبين ولا خلاف في ذلك. واختلف هل تعتبر السكة والصياغة كالجودة على طريقين.
الأولى: فيها ثلاثة أقوال، الأول: يعتبران، لأن الغرض يتعلق بهما كالجودة، كالعرضين مع التعيين، وهو الظاهر.
الثاني: لا يعتبران، لأن الشرع إنما طلب المساواة في القدر خاصة، وهو منقوص بالجودة، وهو قول القابسي، واختاره ابن يونس.
ابن عبد السلام: وفهم الأكثرون المدونة عليه، ومنهم من تأولها على الأول.
стр. 2591
الثالث: اعتبار الصياغة دون السكة، لأن الصياغة مقصودة لنفسها دون السكة، فإن المقصود فيها إنما هو العلامة.
الثانية: تقييد الأقوال باتحاد العوضين واعتبارهما إذا اختلف العوض
يعني: أن أصحاب الطريقة الثانية يرون أن الخلاف المذكور إنما هو إذا اتحد العوضان، وأما إن اختلفا حتى يقوى اختلاف الأغراض فيهما فيتفق على اعتبارهما إلحاقاً بالجودة. وهكذا نقله ابن شاس وعليه مشاه ابن راشد وغيره، وعكس ابن عبد السلام هذا التقييد [٤٤٨/ب] ولعله سهو.
المبادلة لقب في المسكوكين عدداً
أي: لقب في بيع المسكوكين عدداً بشرط اتحاد النوع.
وهي جائزة في العددي دون الوزني
يعني: فلا تجوز إلا في الدنانير والدراهم إذا كان التعامل بها عدداً، وهو مراده بالعددي. أما لو كان التعامل بها وزناً لم يجز إلا بالوزن فتعود مراطلة، وكان الأصل منعها، إلا أنهم رأوا أنه لما كان التعامل بالعدد أن النقص يجري مجرى الرداءة والكمال يجري مجرى الجودة، ولأنه لما كان النقص حينئذ لا ينتفع به صار إبداله معروفاً، والمعروف يوسع فيه ما لم يوسع في غيره، وبخلاف التبر وشبهه. ولا يقال هذا تكرار مع الأول، لأن الأول أفاد أن المبادلة بيع مسكوك بمسكوك عدداً، وهو أعم من أن يكون التعامل في ذلك المسكوك وزناً وعدداً، والثاني أفاد اشتراط أن يكون التعامل بينهم فيه بالعدد لا بالوزن.
واللخمي: ويشترط في الجواز أن تكون السكة واحدة.
стр. 2592
ويجوز إبدال القليل بأوزن منه يسيراً للمعروف والتعامل بالعدد
أي: إذا كان التعامل بينهم بالعدد جاز بدل الناقص بالوازن، بشرط أن يكون ذلك في القليل وأن يكون دافع الأكثر قصد المعروف في حال كون التعامل بالعدد. ورأوا أن قصد المعروف يخصص العمومات كما في القرض، ألا ترى أن بيع الذهب بالذهب نسيئة ممتنع، فإذا كان على وجه القرض جاز.
واحترز بالقليل من الكثير فلا يعتبر ذلك، وبالوزن من الزيادة في العدد فلا يجوز، وباليسير مما لو كان أوزن منه كثيراً، لأن اليسير هو الذي يسمح به في العادة غالباً، فلذلك قصروا الجواز على الرجحان اليسير في العدد اليسير.
والثلاثة قليل، والسبعة كثير، وفيما بينهما قولان
أي: فلا يجوز بدل سبعة بأوزن منها، لزيادته على ضعف أقل الجمع، ويجوز ذلك في الثلاثة اتفاقاً لأنها أقل الجمع. ومذهب المدونة فيما بينهما على ما في الأمهات الجواز، فإنه أجاز له أن يبدله ستة تنقص سدساً بستة وازنة على المعروف، والقول الآخر في الموازية. وأصلح سحنون المدونة عليه، وجعل موضع الستة الثلاث.
ومن شرط المبادلة أن تكون بلفظ المبادلة وأن تكون بغير مراطلة، وأن تكون واحداً بواحد احترازاً من واحد باثنين.
واليسير: سدس في الدينار، وقيل: دانقان
الدانقان: الثلث. وفي الجواهر: الدانق: السدس.
والأنقص أجود ممتنع باتفاق
أي: لا يجوز أن يبدل الناقص الأجود بالأكمل الأردأ اتفاقاً، لدوران الفضل من الجهتين.
стр. 2593
وإلا فجائز باتفاق
أي: وإن لم يكن الأنقص أجود بل كان متساويا جاز، لتمحض الفضل من جهة واحدة.
وأورد ابن عبد السلام إذا كان الأوزن أجود فإن كلامه يدل على أنه متفق عليه، ونص الباجي على أنه مختلف فيه.
وأجيب بأنه لما لم يكن بين الأزيد والأجود سكة وبين الأزيد والأجود جوهراً فرق اكتفى بذلك الخلاف.
والأزيد أجود سكة جائز عند ابن القاسم، ممتنع عند مالك وهو مشكل، وعلل بأن السكك يختلف نفاقها فيمتنع كما منع القمح عن الشعير قبل الأجل في القرض ....
يعني: أن ابن القاسم أجاز بدل الأوزن الأجود سكة كضرب ملك الوقت لتمحض الفضل من جهة، ومنعه مالك وربيعة، واستشكل لانحصار الفضل من جهة.
وعلل أبو الطيب ابن خلدون قول الإمام بأن السكك تختلف فيها أغراض الناس بحسب البلدان والأزمان، فربما كان الأدنى في بلد أو في زمان أنفق فلا يتمحض الفضل.
وقاس المصنف ذلك على منع اقتضاء القمح عن الشعير قبل الأجل في القرض وإن كان القمح أفضل، لأن الشعير قد يرغب فيه في وقت أو بلد. وعللها القابسي بأن الأصل منع التفاضل بين الذهبين. فخض الإجماع ببدل الناقص بالوازن من سكة واحدة وبقاء ما سواه على الأصل.
والقضاء بالمساوي، والأفضل صفة جائز
القضاء: أداء الدين، ثم لا يخلو أن يكون عن قرض أو عن ثمن مبيع. والكلام الآن على الأول، وأما الثاني فسيأتي، ولا شك في جواز التساوي.
стр. 2594
وأما الأفضل صفة، فالأصل في جوازه ما في الصحيح: أنه ﵊ استسلف بكراً فقدمت عليه إبل من الصدقة، فأمر أبا رافع أن يقضي الرجل بكراً، فرجع إليه وقال: لم أجد فيها إلا خياراً رباعياً، فقال: أعطه إياه إن خير الناس أحسنهم قضاء. ولهذا أجاز أصحابنا إذا كان التعامل بالعدد لمن استسلف عشرة دراهم ناقصة أو أنصافاً يقضيه عشرة دراهم كاملة بغير خلاف. فإن قيل: لا دلالة فيه لأنه ﵊ اقترضه للمساكين، وإلا فلو اقترضه لنفسه لما أعطاه من الصدقة لكونها لا تحل له، وعلم ﷺ أن المقرض مسكين فأعطاه الزيادة لفقره.
قيل: التعليل ينافيه، لكن قد يقال: ظاهر التعليل يقتضي جواز الزيادة في الوزن والعدد. فإن قلت: زيادته ﷺ رخصة والأصل عدمها، ولا يصح القياس على الرخص على الصحيح. قيل: لم نتمسك بالقياس وإنما تمسكنا بعموم النص. والله أعلم.
وبالأفضل مقداراً، لا يجوز إلا في اليسير جداً، وقال أشهب: مطلقاً
أي: فإن قضاه أجود قدراً فلا يجوز إلا أن تكون الزيادة يسيرة جداً، كما قال ابن المواز، مثل رجحان الموازين. [٤٤٩/أ] وقال أشهب: تجوز الزيادة اليسيرة، أي: مطلقاً، سواء كانت الزيادة اليسيرة مقيدة بحد أو لا.
وكذا نقل اللخمي: والمازري، وابن يونس، وابن شاس وغيرهم عن أشهب، وإنما نقلوا في الزيادة مطلقاً كثيرة كانت أو قليلة الجواز عن عيسى بن دينار وابن حبيب، وفسر أشهب في الموازية الزيادة اليسيرة بزيادة إردب أو إردبين في المائة، أو درهم أو درهمين فيها. وهذا تقييد زيادة في القول الأول كما ذكرناه.
стр. 2595
وقوله: (وبالأفضل مقداراً) يريد في الوزن، وأما الأفضل عداً فلا، وإن كان ظاهر لفظه يتناوله، لأن المشهور لا تجوز الزيادة في العدد. قال في الرسالة: ومن رد في القرض أكثر عدداً في مجلس القضاء، فقد اختلف في ذلك إذا لم يكن فيه شرط ولا وأي ولا عادة إلى أن قال: فأجازه أشهب وكرهه ابن القاسم ولم يجزه. وظاهره أنه يجوز عند أشهب مطلقاً، وقد يتمسك بهذا في أن أشهب يجيز زيادة القدر مطلقاً، لأنه إذا جاز في العدد فأحرى في الوزن. لكن نقل ابن زرقون قول أشهب وبين فيه أن أشهب إنما يجيز الزيادة اليسيرة في العدد.
وبالأقل صفة ومقداراً جائز بعد الأجل ممتنع قبله
جاز بعد الأجل لأنه حسن اقتضاء، ومنع قبله لأنه ضع وتعجل.
فإن كل الفضل في الطرفين منع وفاقاً كالمراطلة
مثاله: لو اقتضى تسعة محمدية عن عشرة يزيدية، فإنه يمنع سواء كان بعد الأجل أو قبله، لأنه ترك فضل العدد لفضل المحمدية وهو ظاهر.
وثمن المبيع من النقود كالقرض
يعني: أن من باع سلعة بدنانير أو بدراهم أو بعين غير مسكوكة، فإنه يعتبر في قضاء ثمن تلك السلعة مما يجوز ويمتنع ما اعتبر في قضاء القرض إلا ما خصصه من جوازه بأكثر. واعترضه ابن عبد السلام بأن إطلاقه القضاء في القرض وتخصيصه في القرض وتخصيصه ثمن المبيع بالنقود لا يصح، لإيهامه عموم حكم القرض بالنسبة إلى العين والطعام وخصوص الثمن بالنقود، وليس كذلك، بل هما متساويان. ورد بأن تخصيص المصنف صواب، لأن قضاء الأفضل قبل الأجل في البيع ممتنع، سواء كان عرضاً أو طعاماً، لما فيه من حط الضمان وأزيدك قولاً واحداً، بخلاف القرض فإنه جائز إلا أن يكون الفضل في
следующие страницы →