Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.
стр. 2521
ولا يأخذ منه لحماً على الأصح
أي: لو اتفقنا على أن يعطي المشتري البائع لحما عوضاً عن المستثنى، فالأصح وهو مذهب أشهب منعه. وصححه المصنف لما ذكره ابن المواز أنه يدخله بيع اللحم بالحي، ولذلك قال: بخلاف الجلد، أي: فيجوز. والجواز ظاهر قول مالك في رواية مطرف. وفي المدونة ما يقتضيه، وهو قوله: فيمن استثنى الجلد أو الرأس، أو أبى المشتري من الذبح أن عليه شراء جلده أو قيمته، فلم يجعله من بيع اللحم بالحيوان فاعلمه.
واختلف هل للبائع أن يبيع ما استثناه بناء على أنه مبقى، أو لا بناء على أنه مشترى فيدخله بيع الطعام قبل قبضه، على قولين.
ولو استثنى جزءاً جاز، ولو كان على الذبح
كما لو باع شاة والمستثنى نصفها أو ثلثها أو غير ذلك من الأجزاء. المازري: ولا خلاف فيه. قوله: (ولو كان) مبالغة في الجواز، وهو ظاهر.
وفي جبر من أباه حينئذ قولان
قوله: (حينئذ) أي: حين باع على الذبح. ابن عبد السلام: والظاهر الجبر لدخوله على ذلك، والمؤمنون عند شروطهم.
وقال ابن يونس: الصواب عدمه، لأنهما قد صارا شريكين، فمن دعا إلى الذبح فذلك له، قال: فإن قيل قد قال ابن القاسم: يجبر على الذبح إذا استثنى أرطالاً فما الفرق؟ قيل: لأنه هنا إذا تشاحا بيعت عليهما ووقع لكل واحد منهما ثمن معلوم، بخلاف الأرطال. انتهى. واقتصر اللخمي على القول بعدم الجبر.
المازري: وهو الذي نص عليه الأشياخ.
стр. 2522
خليل: ويدل عليه قولهم: يجوز ولو كان على الذبح، إذ لو كان يجبر فإن فيه شراء اللحم المغيب. والله أعلم. وحكى بعضهم الأول ولم يعزه. وذكر ابن يونس والمارزي أن بعض الشيوخ توقف في الجبر وعدمه.
ولو استثنى الجلد والرأس، فثالثها: المشهور يجوز في السفر لا في الحصر
أي: لو باع شاة واستثنى جلدها أو رأسها، فثلاثة أقوال، الجواز في الحضر والسفر: حكاه فضل عن ابن وهب وعيسى. والمنع فيهما: حكاه الأبهري رواية عن مالك. والثالث المشهور: يجوز في السفر دون الحضر، ودليله ما رواه أبو داود في مراسله عن عروة بن الزبير: أن النبي- ﵊ حين خرج هو وأبو بكر مهاجرين إلى المدين مرَّ براعي غنم اشترى منه شاة وشرط له سلبها. ولا يقاس الحضر عليه، لأنه إنما جاز في السفر لكونه لا قيمة له هناك فخف الغرر.
تنبيه:
جعل المصنف المشهور عدم الجواز في الحضر، والذي في المدونة: أجاز مالك استثناء الرأس والجلد في السفر إذ لا ثمن له هناك، وكرهه للحاضر إذ كأنه ابتاع اللحم، فظاهره الكراهة فقط، وبذلك فسرها أبو الحسن فاحتج بقول ابن حبيب: خفف مالك ذلك في السفر وكرهه في الحضر، إذ له هناك قيمة، ولا يفسخ إن نزل.
لكن أضاف المازري إلى المذهب المنع كما فهم المصنف، فقال: وأما استثناء جلد الشاة المبيعة في الحضر فمنعه في المذهب وأجازه ابن وهب، وأما في السفر فعن مالك روايتان: الجواز وهو المشهور، والمنع ذكره الأبهري وغيره.
وقال القاضي أبو محمد: إن المحققين من أصحابنا نزَّلوا هاتين الروايتين على اختلاف حالين، فالمنع في السفر إذا كان للجلد قيمة، والجواز إذا لم تكن له قيمة.
стр. 2523
وأشار ابن حبيب إلى منع هذا التأويل وأجاز استثناء الجلد والأكارع حيث تكون لها قيمة، واعتل بأنه شيء معين. وتردد الأبهري في الإجازة في السفر إذا كانت له قيمة، فقال: يحتمل أن لا يجوز ويحتمل أن يجوز، لأن الحكم للأغلب، والأغلب ألا قيمة له هناك، والاحتمال الثاني أوضح والأول أقيس.
ابن يونس: والصواب جوازه، لأن النبي ﷺ وأصحابه أجازوه ولم يعللوا لم جاز. قال: وأما استثناء الرأس والأكارع، فلا يكره في سفر ولا حضر، كمن باع شاة مقطوعة الأطراف [٤٣٧/ب] قبل السلخ.
ولا يجبر على الذبح على الأصح
أي: حيث قلنا بإجازته، فالمشهور- قال المصنف: وهو الأصح- عدم جبره على الذبح إذا أباه ارتكاباً لأخف الضررين، إذ أمر الجلد والرأس يسير وقيمته أو مثله تقوم مقامه، وفي إجبار المشتري على الذبح إفساد مال. ومقابل الأصح ليس منصوصاً، وإنما قال المازري: إنه التحقيق، لدخوله على ذلك اللحم.
وقد حكى عياض الاتفاق على الأول، فقال: لا يختلف في أن المشتري يخير أولاً في أن يذبح ويعطي الجلد، أو يمسك فيعطي مثله أو قيمته. انتهى.
وهذا الكلام مخالف أيضاً لما صححه المصنف من تحتم القيمة على القول الذي صححه بقوله:
وعليه القيمة لا المثل على الأصح
إذ معناه: أنا إذا فرعنا على عدم الجبر، فهل يقضى عليه بقيمة الجلد والرأس، أو بمثلهما؟ قولان، والأصح القضاء بالقيمة، لأنهما من المقومات. ولم ار من صرح بهذا القول الذي حكاه المصنف.
стр. 2524
والذي حكاه ابن يونس وغيره عن ابن القاسم بعد أن حكى عنه التخيير بين القيمة والمثل، والقيمة أعدل، ابن يونس وغيره، وقاله سحنون. وكذلك أيضاً ظاهر كلامه أن مقابل الأصح القضاء بالمثل فقط، وليس كذلك، بل التخيير بينهما، وهو مذهب المدونة.
واختلف الشيوخ فيمن له هذا التخيير، فقيل: للمشتري لأنه الذي جعل له الخيار أولاً بين أن يذبح ويعطي الجلد. وقيل: للبائع لأنه صاحب الحق. وقيل: للحاكم، وهو أضعفها.
فلو مات ما استثني منه معين، فثالثها: يضمن المشتري الجلد والرأس دون اللحم ....
مراده بالمعين: خلاف الجزء الشائع، كالثلث والربع فإنه لا ضمان عليه في ذلك.
وحاصل ما ذكره: أنه اختلف في مسألة الأرطال والجلد والرأس، فقيل: يضمن في الجميع بناء على أنه يجبر، أو يضمن في مسألة الجلد والرأس بناء على عدم جبره، دون مسالة الأرطال فإنه يجبر، ثلاثة أقوال، والثالث هو مذهب المدونة.
ونسب ابن يونس وغيره القولين في ضمان الجلد لابن القاسم، فعنه في العتبية: أنه لا ضمان عليه في الجلد. وروى عنه أصبغ أنه ضامن.
خليل: والرأس في معناه. وذكر صاحب البيان عن ابن دحون: أنه حمل القول بعدم الضمان على ما إذا لم يفرط، وأما إن تواني في الذبح فيضمن، وهو معنى الرواية بالضمان، وعلى هذا فلا خلاف في المسألة.
قال ابن دحون: إنما جعل المصيبة من المشتري، لأنه إنما جاز أن يشتري بهذا الاستثناء في السفر، لأنه لا قيمة للمستثنى في السفر، فكأنه اشترى الجميع.
стр. 2525
قال في البيان: وهو كلام غير صحيح، إذ لا معنى للتفرقة بين أن يفرط أو لا، وإن كان ابن حبيب نحا إلى هذا، ورواه أبو قرة عن مالك فيمن باع بهيمة واستثنى رأسها فلم يذبحها حتى ماتت، فعليه قيمة رأسها الذي فرط فيه، لأنه ترك ما اشتراها له من الذبح. وإن حسبها بإذن البائع حتى هلكت فلا شيء عليه. وإن صحت فأبى أن يذبحها فعليه قيمة رأسها، وإن استحياها بإذن شريكه فهو شريك معه، وهو استحسان على غير قياس، إذ لا يخلو أن يكون للبائع على المشتري حق توفيه أو لا. فإن كان فلا يسقط عنه ترك التفريط، وإن لم يكن فلا يجب عليه التفريط.
وأما قوله: (وقيل: إنما جعل المصيبة من المشتري) إلخ. فهو كلام متناقض، لأن كون الجلد لا قيمة له في السفر يقتضي أن البيع لم يقع عليه وأن المشتري لا يكون ضامناً له. فالصحيح في المسألة: أن قولي ابن القاسم محمولان على الخلاف، وأن الخلاف في ذلك هل هو مبقى فلا يكون على المشتري ضمان، أو مشترى فيكون عليه الضمان فكأن البائع باع جميع الشاة بعشرة وبجلدها، فإذا كانت قيمته درهمين رجع عليه بسدس قيمة الشاة، كأنه بمنزلة من باع شاة بعشرة وعرض. انتهى.
وفي تهذيب الطالب، وابن يونس عن بعرض القرويين: إنه لم يختلف في مسألة استثناء الأرطال أنه لا ضمان على المشتري، ولا يدخل في ذلك الخلاف الذي في الجلد، لأنه لما لم يجبر في الجلد على الذبح كان الجلد في ذمته لا في معين، بخلاف مسألة الأرطال فإنه مجبور على الذبح. وهذا بخلاف ما حكاه المصنف من تعميم الخلاف في جعله الثالث تفصيلاًز
وفي اشتراء البائع مال العبد المبيع بماله، قولان لابن القاسم وأشهب
هذه المسالة مشكلة حكماً ونقلاً. أما الحكم: فظاهر كلامه أن أحد القولين جواز اشترائه، وإن كان فيه طعام ونقد ودين بما شاء من الثمن، وفي ذلك من وجوه المنع ما لا خفاء فيه، حتى قال ابن عبد السلام: إنه لا يعلم خلافاً أن البائع فيها كالأجنبي.
стр. 2526
قال شيخنا- ﵀: ويمكن لو ساعده النقل التفرقة بين البائع وغيره، فإن البائع عالم بمال عبده غالباً بخلاف غيره، قياساً على ما أجازوه للبائع أن يستثني أربع نخلات من حائطه. وأما النقل: فقد بحث ابن عبد السلام وغيره عن هذه المسالة في مظانها فلم يجدها. ثم اختلف الأشياخ، فمنهم من وهمه، ومنهم من حسن الظن به وتكلف له جواباً، ثم لهم في ذلك وجوه:
أولها: أنها على ظاهرها، والشراء محمول على الإقالة، أي: أراد البائع أن يستقيل المشتري في مال العبد بما ينوبه من الثمن، فإن عددنا الإقالة حل بيع جاز، وإن عددناها [٤٣٨/أ] ابتداء بيع كان ما يخص مال العبد من ثمنه غير معلوم، إذ لا يعلم إلا بعد تقويم رقتبه على انفرادها وماله على انفراده، ويكون هذا كالثمن المعلوم جملة دون تفصيل، ويكون المصنف غير لفظ الإقالة بلفظ الشراء تنبيهاً على سبب القول بالمنع، لأنه لو عبر بالإقالة لم يفهم السبب المقتضي للمنع، وفيه نظر، لأن المعلوم جملة المجهول تفصيلاً منعه ابن القاسم وأجازه أشهب، عكس ما نسب المصنف، إلا أن يقدر: وفي منع، وهو تأويل ابن عبد السلام.
ثانيها: أن المسألة على ظاهرها، والخلاف فيها بالأحرى على قولي ابن القاسم وأشهب في العبد إذا باعه بدون ماله، ثم أراد المشتري أن يزيد البائع شيئاً ويلحق المال بالبيع، فروي عن مالك جوازه وبه أخذ ابن القاسم، وروي عنه منعه وبه أخذ أشهب وابن وهب وابن عبد الحكم، ولابن القاسم ثالث بالجواز إذا كان بحضرة البيع.
قال في المبسوط: ومعنى القرب، أن لا يدخل المال زيادة ولا نقص، بناء على أن الملحقات بالعقود، هل تقدر واقعة في أصل العقد فيجوز، أولا تقدر واقعة فيه فيمتنع في الصورتين. ونسب المصنف القولين لهما، بناء على أن لازم القول قول، وهو تأويل ابن راشد.
стр. 2527
ثالثها: أن اشتراء، مصدر وهو مضاف إلى المشترى منه. والفاعل محذوف، وهو المشتري، أي: وفي اشتراء المشتري من البائع مال العبد المبيع بماله، أي: بمال المشتري. والخلاف فيها منصوص لابن القاسم وأشهب، كما ذكره في الوجه الثاني، وفيه تعسف.
رابعها: أن البائع بمعنى المشتري، لأن كلام منهما بائع في المعنى، واشترى بمعنى باع، وضمير (ماله) يعود على المشتري، وفيه تعسف، وإن كان البائع يطلق في اللغة على المشتري لكن الفقهاء لا تستعمله، وإنما يستعمله من يريد الألغاز.
تنبيه:
ما تقدم من تمشية ابن راشد من خلاف ابن القاسم وأشهب، إنما ذلك إذا اشترى المال على وجه لو انفرد المال لم يجز، كما لو كان المال عيناً وعرضاً واشتراه بعين، وأما لو اشتراه على وجه لو انفرد جاز فلا خلاف في الجواز.
والمتعين ولا غرض في عدده، أو قل ثمنه يجوز جزافاً
لما ذكر أن من شرط البيع أن يكون معلوماً خشي أن يتوهم منع الجزاف، فذكره ليعلم أن حكمه الجواز. وأن الحزر أقيم فيه مقام العلم. وقوله: (والمتعين) أي: المشاهد المرئي، بذلك فسره ابن راشد، وتفسير ابن عبد السلام المتعين بالمقوم بعيد جداً. وذكر علماؤنا لبيع الجزاف شروطاً:
أولها: أن يكون مرئياً، فلا يجوز بيع غائب جزافاً، إذ لا يمكن حزره.
ثانيها: ألا تكون آحاده مقصودة، كالجوز واللوز والعصافير وصغار الحيتان، فلا يجوز بيع الرقيق والحيوان والثياب جزافاً، وإليه أشار بقوله: (ولا غرض في عدده).
وفي الواضحة: جواز بيع الأترج والبطيخ جزافاً وإن اختلفت آحاده في الكبر والصغر.
стр. 2528
المازري: وهو لا يأتي على ما أصلناه من المنع فيما يراد آحاده، إلا أن يكون الثمن لا يختلف عند المتعاقدين بالصغر والكبر.
ثالثها: أن يكون مما يتأتى حزره، فإن كان من الكثرة بحيث لا يتأتى حزره لم يبع جزافاً، لكثرة الغرر، ذكره الباجي وغيره.
رابعها: جهل المتعاقدين بكميته. وسيأتي هذا الشرط من كلام المصنف.
خامسها: أن يكون عالمين بالحزر. اللخمي: فإن كان قوم لا يعتادون ذلك أو اعتاده أحدهما لم يجز، لأن الغرر يعظم.
سادسها: أن يكون في أرض مستوية، ذكره جماعة.
وقوله: (أو قل ثمنه) ظاهره ولو قصدت آحاده، وبذلك صرح ابن راشد، ومثل ذلك بالبيض والرمان والقثاء واللوز والأترج والبطيخ. وكذلك قال ابن عبد السلام، فإنه قال: الفقوس والبطيخ والرمان وشبهه من المعدود الذي تقصد آحاده ولا يتعلق الغرض بعدد عندهم يجوز بيعه جزافاً.
ابن عبد السلام: ويقع في بعض النسخ (أو قل عدده) موضع (ثمنه) وذكر الثمن هو الصواب، وأما قلة العدد فإنما تناسب المنع، لأنه لا كبير كلفة في عدده، إذ هو مما تقصد آحاده ويتعلق الغرض بعدده، فإن قل ثمنه قام ذلك مقام كونه لا تقصد آحاده. انتهى. وقد صرح ابن أبي زيد: بأن ما قل ويمكن عده بلا مشقة لا يجوز بيعه جزافاً. ومنع ابن القاسم في العتبية شراء الخشب الملقى بعضه على بعض جزافاً، لأنه تخف مؤنة عده بمنزلة الغنم. قال: ولا باس بشراء صغار الخشب جزافاً.
تنبيه:
ما قدمناه من بيع العصافير جزافاً نص عليه مالك، وأوله ابن القاسم على أن ذلك بعد الذبح، وأما قبله في الأقفاص فلا، لأن بعضها يدخل في بعض فلا يمكن حزره.
стр. 2529
وكذلك نص ابن حبيب على الجواز بعد الذبح وعلى عدمه قبله. وفي الموازية لا باس ببيع برج الحمام فيما فيه جزافاً.
وفي الطرر ذكر القاضي أبو الوليد في كتابه الكبير: أن بيع الطير في القفص جزافاً غير جائز باتفاق، وفي بيع الحمام في الأبراج قولان بالجواز والمنع، بناء على أن عدها ممكن أو لا.
وفرق بين ظرف مملوء، وملئه وهو فارغ ابتداء، أو بعد أن اشتراه جزافاً وفرغه
[٤٣٨/ب] أي: ولأجل اشتراطنا في الجزاف أن يكون مرئياً، فرق بين ظرف مملوء فيجوز بيع ما فيه جزافاً. وبين ملئه وهو فارغ ابتداء، وبين ملئه ثانياً بعد أن اشتراه أولاً جزافاً فلا يجوز فيهما لعدم الرؤية. وكذا نص عليه ابن القاسم وأصبغ ومحمد وغيرهم.
المازري: وقد يهجس في النفس أنه لا فرق بين ما أجازوه ومنعوه، إذ لا يختلف حزر الحازر لزيت في قارورة أو لمقدار ملئها زيتا. ولهذا اختار بان يونس جواز شراء ملء هذه القارورة، قال: ولو قاله قائل في الغرارة لما بعد وهو في القارورة أبين، لأن ملئها لا يختلف. ولا يقال: يرد على التفرقة التي ذكرها المصنف ما أجازه في العتبية من شراء سلة تين ثانياً بعد أن اشتراها أولاً، لقوله: بخلاف غرارة القمح، ألا تراه لا يسلم في غرارة القمح ويسلم في سلتين تينا لأنه معروف. فإنه أشار في تعليل المسالة على أن السلة في التين مكيال له كالويبة بالنسبة إلى القمح، فصار كأنه إنما اشترى شيئاً معلوماً، وأكد ذلك بقوله: بخلاف غرارة القمح.
فرع:
واختلف أصحابنا إذا وقع التبايع بمكيال مجهول. قال أشهب: لا يفسخ وجعله بمنزلة الجزاف. ورأى غيره: أنه يفسخ، لأن العدول عن المعتاد له من المكيال إلى المجهول غرر.
стр. 2530
فأما الغائب ونحو القمح في التبن قولان
أي: ولا يجوز بيع الجزاف غائباً. وعطفُ القمحِ في التبن على الغائب، إما من باب عطف الخاص على العام، وإما أنه ليس غائباً حقيقة ولكنه في حكم الغائب. ولا خلاف فيما ذكره المصنف، قاله صاحب الإكمال.
بخلاف الزرع قائماً، وكذلك المحصود على الأشهر
لا خلاف عندنا في جواز القائم، لما في الصحيح: أنه- ﵊ نهى عن بيع النخل حتى يزهو، وعن السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري. والأشهر في المحصود الجواز قياساً على القائم. وقيل بالمنع قياساً على ما كان منه حال الدرس، وهو قول التونسي.
وظاهر كلامه: أن الجواز أعم من أن يكون حُزماً أو لا. وينبغي أن يقيد بما إذا كان حُزماً، فقد قال صاحب الإكمال: لا خلاف أنه لا يجوز بيعه إذا خلط في الأندر للدارس، أو كدس بعضه على بعض قيل تصفيته. واختلف عندنا إذا كان حُزماً أو قطعاً يأخذها الحزر والتحري على قولين. ولو رأى المشتري ما في الأندر وهو قام قبل أن يحصد جاز، لأنه علم حزره وهو قائم.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون خلافاً في حال، فإن لم يختلط وبقي السنبل إلى جهة واحدة، فالنفس أميل إلى الجواز ولا يحاط به مع ذلك كما يحاط بالقائم، وإن كان على خلاف هذه الحال فلا شك في المنع.
خليل: وقد يمشي كلام المصنف على ظاهره، ويعتمد في ذلك ما نقله الباجي، فإنه قال: روى القاضي إسماعيل أنه يجوز بيعه في أندره وقبل درسه. وروى عن ابن نافع أنه لا
стр. 2531
يجوز بيعه إلا إذا كان حُزَماً يرى سنلة وينظر إليه. فعطفة قول ابن نافع على رواية القاضي دليل على أنه يجوز على وراية القاضي وإن لم يكن حُزَماً.
والمسكوك، والتعامل بالوزن يجوز جزافاً، وبالعدد لا يجوز، وقيل: فيهما قولان
احتزر بالمسكوك من التبر والمصوغ ونحوهما، فيجوز جزافاً، المازري: ولو كان الحلي محشواً، إذا عرف قدر الساتر للمحشو من الذهب والفضة بأن تعلم رقته من غلظة وأمكن حزره. وشمل قوله: (المسكوك) الفلوس، وهو صحيح نص مالك في الموازية عليه.
قوله: (والتعامل بالوزن) أي: كدراهم مصر، وهي المجموعة يجوز بيعها جزافاً. وإن كان التعامل بالعدد كدراهم المغرب فلا يجوز بيعها جزافاً.
وحكى ابن بشير، وابن شاس عن القاضي أبي الحسن الكراهة إذا كان التعامل بالعدد. واعلم أنه نص في المدونة على منع بيع الدراهم والدنانير جزافاً وأطلق، وحملها اللخمي على الإطلاق ولم يذكر في المنع خلافاً إذا كان التعامل بالعدد، وحكى عن ابن القصار الكراهة فيما إذا كان التعامل بالوزن. قال المازري: اختلف البغداديون في معنى المنع، فقال ابن القصار: إنه كرهه، وإليه أشار ابن عبد الحكم بقوله: لم أر أحداً من أصحابنا يجترئ على فسخ بيع الدراهم والدنانير جزافاً. وذهب الأبهري وعبد الوهاب على أن المنع على التحريم. فمقتضى قول ابن القصار عدم الفسخ، لأنه مكروه. ومقتضى قول الأبهري وأبي محمد الفسخ إذا لم يراعيا الخلاف.
واختلف في علة المنع، فقال ابن مسلمة: لكثرة ثمن العين فيكثر الغرر وهو منقوض، لإجازتهم بيع الحلي جزافاً، واللؤلؤ إذا لم تقصد آحاده، وإن كان القاضي أبو محمد أطلق عدم جواز بيع الجواهر جزافاً، لكن التحقيق ما قلته.
وعلل الأبهري وأبو محمد المنع: بأن الغرر هنا من وجهين، من جهة الكمية، ومن جهة الآحاد، لأنه يرغب في كثرة آحاده ليسهل شراء السلع اليسيرة الثمن، بخلاف
стр. 2532
غيره من المبيعات، فإن الغرر فيها إنما هو من جهة واحدة وهي جهة الكمية. انتهى كلام المازري.
وقول المصنف: وقيل فيهما قولان، أي: سواء كان التعامل بالوزن أو بالعدد، هذه طريقة الباجي، وبنى الخلاف في ذلك على الخلاف في الدنانير والدراهم، [٤٣٩/أ] هل تتعين بالعقد أول لا؟ فإن قلنا: إنها لا تتعين بالعقد لم يجز بيعها جزافاً، لأن العقد عليها يتناول الذمة والجزاف لا يصلح أن يثبت في الذمة. وإن قلنا: تتعين جاز بيعها كسائر الموزونات والمكيلات. وهذا فهم حسن من المصنف لكلام الباجي، وإن كان ابن بشير إنما نقل عن الباجي أنه قال: إن كان التعامل بالعدد لم يجز المجازفة باتفاق، وإن كان وزناً فقولان. فإن كلام الباجي لا يؤخذ منه الاتفاق فيما إذا كان التعامل بالعدد، وتعليله بالتعيين وعدمه ينافيه.
خليل: ولكن في كلام الباجي نظر من جهة أخرى، وذلك أنه ينبغي إن قلنا: إن الدراهم والدنانير لا تتعين، فينبغي أن يتفق هنا على تعيينها لأنها جزاف، والجزاف مجهول والذمة لا يكون فيها مجهول. والله أعلم.
وشرط الجزاف استواؤهما في الجهل بقدره
أي: وشرط جواز بيع الجزاف استواء البائع والمبتاع في الجهل بقدر المبيع، لأنهما لو اشتركا في العلم بقدره لم يكن جزافاً، وإن انفرد أحدهما لم يجز العقد عليه، ولاسيما إن أعلمه بعلمه، لأنهما تعاقدا على مخاطرة وغرر، وهذا أولى من كلام ابن عبد السلام.
فرع:
لا إشكال فيما ذكره المصنف في المكيل والموزون والمعدود الذي لا تختلف مقاديره بالكبر والصغر. وأما المختلف كالقثاء والبطيخ، فقد روى ابن وهب عن مالك في
стр. 2533
المبسوط: جواز بيعه ممن يعرف عدده جزافاً. وقال ابن المواز: إذا عرف أحد المتابعين العدد لم يجز بيعه جزافاً.
ووجه الباجي الرواية الأولى بأن الغرض في مبلغه دون عدده، فإذا انفر بمعرفة عدده فلم ينفرد بمعرفة المقدار المقصود منه، كما لو انفرد بمعرفة عدد القمح أو معرفة وزنه.
فإن علم المشتري بعلمه بعد العقد فله الخيار
فإن علم المشتري بعلم البائع بقدر المبيع جزافاً بعد العقد فللمشتري الخيار، كما لو اطلع على عيب دلس به البائع.
وحكى عبد الوهاب عن ابن القصار استشكال كون هذا عيباً، لأن العيب إذا أعلم به البائع جاز للمشتري الرضا به، ولو أعلم البائع المشتري بأنه عالم به ورضي كان فاسداًن نص على الفساد في كتاب محمد. وحكي سحنون أن البيع جائز، واستبعده ابن عبد السلام.
خليل: ويمكن أن يجاب عما أورده ابن القصار، بأنه هنا إذا أخبره بأنه عالم بكيله ثم اشترى منه بعد ذلك، فقد خل معه على المغامرة والمخاطرة، بخلاف غيره من سائر العيوب.
وأجاب القاضي أبو محمد على الإشكال بأنه: لا ملازمة بين أن يكون الشيء يفسد به العقد إذا قارنه، ولا يفسد إذا اطلع عليه بعد ذلك، لدخوله في الأول على الغرر دون الثاني، كما قال سحنون فيمن باع أمة وشرط أنها مغنية أن البيع فاسد، ولو اطلع على ذلك لم يفسد وكان له الخيار.
خليل: وعلى هذا فلا يصح بيع المغنية مع التبيين بعد العقد، وإنا يجوز بيعها بشرط عدم التمييز ثم يبين بعد العقد، وفيه نظر. وينبغي أن يقيد ما قالوه: من أنه ذكر أنها مغنية لم يجز شراؤها بما إذا كان القصد من ذلك زيادة الثمن، وأما إن كان القصد التبري فيجوز.
стр. 2534
وقوله: (فإن علم المشتري) يريد: وكذلك العكس، فقد ذكر المازري أن المعروف من المذهب مساواة البائع في ثبوت الخيار له إذا اطلع على علم المشتري كالعكس. قال: ورأيت بعض أصحابنا حكى فيه عن بعض أهل المذهب خلافاً، وأن البائع لا خيار له.
ابن رشد: فإن فات المبيع في مسالة الجزاف التي حكموا فيه بتخيير المشتري لزم فيه الأقل من الثمن أو قيمة الجزاف، وفي مسالة الجاف التي حكموا فيها بفساد البيع إن فاتت الصبرة ففيها القيمة ما بلغت. قال: وإن أراد المبتاع أن يصدق البائع في الكمية وردها له لا نبغى ألا يجوز على أصولهم في الاقتضاء من ثمن الطعام طعاماً.
فرع:
وهل يجوز أن يجمع مع الجزاف غيره في عقدة واحدة؟ اعلم أولا أن من الأشياء ما الأصل فيه أن يباع كيلاً جزافاً كالحبوب. ومنها: ما يباع جزافاً ويجوز كيلاً كالأرضين والثياب. ومنها: عروض لا يجوز بيعها كيلاً ولا وزناً كالعبيد والحيوان.
فالجزاف مما أصله أن يباع كيلاً كالحبوب لا يجوز بيعه مع المكيل منه، ولا مع المكيل مما أصله أن يباع جزافاً كالأرضين والثياب باتفاق.
والجزاف مما أصله أن يباع جزافاً لا يجوز أن يباع مع المكيل منه باتفاق أيضاً، واختلف في بيعه مع المكيل مما أصله أن يباع كيلاً على قولين، أحدهما: الجواز، وإليه ذهب ابن زرب وأقامه من إجازته في السلم الأول من المدونة أن يسلم في ثياب وطعام صفقة واحدة. ولا خلاف في جواز بيع المكيلين صفقة واحدة وكذلك الجزافان، ويجوز بيع الجزاف مع العروض صفقة واحدة إلا عند ابن حبيب، فإنه ذهب إلى أن الجزاف مما أصله أن يباع كيلاً لا يجوز بيعه مع العروض في صفقة واحدة وهو بعيد، قاله صاحب المقدمات.
وقال المازري: لا إشكال في جواز بيع الجزافين من الحبوب. واختلف في جزاف ومكيل، فمن أجاز رأى أن الغرر لم يكثر بإضافته هذا [٤٣٩/ب] المكيل إلى الجزاف، ومن
стр. 2535
منع رأى أن المكيل معلوم مبلغه والجزاف مظنون، واجتماع معلوم ومظنون في عقد واحد يصير في المظون غرراً لم يكن فيه. وكذلك اختلف إذا ضم إلى المكيل ثوب أو عرض.
خليل: وحكاية المازري الخلاف في الفرع الأول خلاف ما في المقدمات. قال في المقدمات: أما بيع الجزاف على الكيل، فلا يضاف إليه شيء في البيع بحال على الصحيح من الأقوال، وهو مذهب ابن القاسم. وأما بيع الجزافين على الكيل، فإن كانا على صفة واحدة وكيل واحد جاز باتفاق، وإن اختلف الكيل والصفة جميعاً لم يجز باتفاق، وإن اتفق أحدهما واختلف الآخر جاز عند أشهب ولم يجز عند ابن القاسم.
ورؤية بعض المثلى كالقمح والشعير، والصوان كقشر الرمان والبيض كافية
يعني: ليس من شرط البيع عندنا أن يرى جميع المبيع، بل رؤية بعض المثلي كافية في جواز العقد على الجميع لتماثل آحاده كالقمح والشعير، ولا فرق في ذلك بين ما كان حاضراً بالبلد أو غائباً، وينبغي الاحتفاظ على المعين فيكون كالشاهد عند التنازع.
وقوله: (والصوان) أي: ورؤية ما له صوان كافية عن المصون. والصوان بكسر الصاد وضمها: الوعاء الذي يصونه ويحفظه، ونقل الجوهري ثالثة وهي صيان.
وتقييد المصنف بالمثلى يدل بمفهومه أنه لا يكفي ذلك في المقوم، وهو ظاهر المذهب، وهو مفهوم المدونة في بيع الخيار. وممن نص على عدم اللزوم في المقوم الشيخ أبو محمد، وابن شلبون، وعبد الحق وغيرهم من الشيوخ. الشيخ: ولو قال قائل أنه كالمثلى يلزم باقيه إذا كان على الصفة ما بعد.
خليل: وهو مقتضى ما في سماع ابن القاسم من العتيبة، قال: ومن باع أعدالاً من كتان أو بز ونظر إلى ثوب أو ثوبين، أو رطل أو رطلين، ثم وجد الباقي لا يشبه، فأما ما هو قريب مما رأى فلا رد له، وكذلك القمح والتمر في بيت يكون أوله خيراً من داخله. وأما التغيير القريب فلا حجة له، وأما الأمر الفاسد فليرد. انتهى بمعناه.
стр. 2536
ابن رشد: وهي مسالة صحيحة مبينة لما في المدونة وغيرها.
قال في المدونة: وإن خرج آخر الحنطة مخالفاً لأولها، لم يلزم المشتري من ذلك شيء وله رد الجميع إن كان الاختلاف كثيراً، وليس للمبتاع أن يقبل ما رضي بحصته من الثمن ويرد ما خرج مخالفاً إلا أن يرضى البائع، ولا البائع أن يلزمه ذلك إذا أبى المبتاع وكان الاختلاف كثيراً، وكذلك في جميع ما يوزن أو يكال.
عبد الحق: وإنما يلزم الباقي إذا وافق، بشرط ألا يكون الأول معيباًن لأنه يقول: ظننت أن الباقي سليم فاغتفرت العيب فيما رأيت أولاً.
وقوله: (إن كان الاختلاف كثيراً). أبو الحسن: اختلف في حد الكثير، فقال أبو محمد: النصف، وقال أبو إسحاق: الثالث، وقال ابن يونس: الربع.
وقد ذكر ابن رشد أن وجود العيب بالطعام على خمسة أوجه، وقد ذكرت كلامه عند قول المصنف: وتلف بعضه أو استحقاقه كرده بعيب، فانظره.
والرؤية تتقدم بمدة لا يتغير فيها كافية
أي: يجوز العقد على سلعة غائبة برؤية متقدمة إذا مضت مدة لا تتغير فيها إلى وقت العقد.
ومفهوم كلامه: أنه لو مضت مدة تتغير فيها لا يجوز العقد، وبذلك صرح ابن شاس، فقال: وأما البيع على رؤية متقدمة فيشترط في صحته ألا تطول مدة الرؤية طولاً يتوقع فيه تغير المبيع عادة. وكذلك يفهم من كلام بعضهم.
وفي ابن يونس: وأن رأى عبداً منذ عشرين سنة ثم اشتراه على غير صفة. قال: إذا طال ذلك وتقادم ما يتغير العبد في مثله فالبيع فاسد إلا بصفة مستقبلة. وفي كتاب محمد: البيع جائز إذا علم البائع أن المشتري قد كان رآه، لأنه إنما باعه على تلك الصفة التي كان رآها. زاد أبو محمد: ولا ينقده. انتهى.
стр. 2537
وفي اللخمي: وإن بعدت الرؤية بما يمكن أن تتغير فيه لم يجز بشرط النقد، وإن لم يشترط النقد جاز، وهو الذي يأتي على ما ينقله المصنف عن المدونة أنه يجوز الشراء من غير صفة.
والقول قول البائع في بقائه خلافاً لأشهب
أي: إذا حصل العقد برؤية متقدمة، فلما رأى المشتري المبيع عند القبض زعم أنه تغير عن حالته الأولى على ما هو دون، فقال ابن القاسم: القول للبائع. وقال أشهب: القول للمشتري، بناء على أن الأصل بقاء ما كان على حاله أو براءة ذمة المشتري من الثمن. أما لو تنازعا في عين السلعة، فالقول للمشتري بالاتفاق مع يمينه، لأنه لم يرد نقض بيع في سلعة اتفقا على البيع فيها.
وقيد اللخمي الخلاف بأن يكون ما مضى من المدة يشكل الأمر، هل يتغير فيه أم لا؟ أما إن قرب ما بين الرؤيتين بحيث لا يتغير في مثله، فالقول البائع اتفاقاً، وكذلك العكس إذا بعد ما بينهما مما يقال أن المبيع يتغير فالقول للمشتري.
قال: وتسقط اليمين علن البائع حيث يقطع بكذب المشتري، كما إذا اشترى زيتاً أو قمحاً بالأمس، ويقول: اليوم قد تغير الزيت واحْمَرَّ وتسوس القمح.
ويشترط في لزوم بيع الغائب وصفه بما يختلف الثمن به، وفيها صريح في الجواز من غير صفة، وللمشتري خاصة الخيار، وأنكره بعضهم ....
قوله: (ويشترط في لزوم) ظاهره أن الجواز لا يشترط فيه ذلك ويخير في أخذه وتركه، وهو معنى ما ذكره عن المدونة، فكان ينبغي أن يقول: ويشترط في جواز، ليكون ما في المدونة خلافاً. والقول الأول نسبه في المدونة لبعض كبار أصحاب مالك. وما في المدونة مقيد بما إذا انعقد البيع على أن [٤٤٠/أ] المشتري بالخيار، وأما إن انعقد على الإلزام أو سكتا عن شرط الخيار فالبيع فاسد.
стр. 2538
وكلام المصنف لا يقتضي أن ذلك من شرط الصحة، لاحتمال أن يكون قوله: (وللمشتري خاصة الخيار) من نتائج العقد لا أنه مشترط وليس كذلك.
ابن عبد السلام: وظاهر ما في السلم من المدونة، أنه لا يشترط ذكر جنس المبيع بالكلية. وأنكر الأبهري، وابن القصار، وعبد الوهاب ما وقع في المدونة، وزعم بعضهم أن هذه المسألة إنما هي من كلام الحنفية، لأن أسد بن الفرات سألهم أولاً ثم أخذ بمذهب مالك، وأن أسد بن الفرات أبقاها في المدونة وهو باطل، لأن نسبة الوهم بغير دليل إلى أسد وسحنون لا يجوز.
المازري: وما في المدونة هو المعروف، ونقله اللخمي عن جل الأصحاب. وقال في المقدمات: وفي المدونة في كتاب الغرر دليل على أنه لابد من الوصف، وهو الصحيح الذي يحتمله القياس.
وأن لا يكون بعيداً جداً كإفريقية من خراسان
هذا شرط ثان لبيع الغائب، وهو معطوف على وصفه، أي: ويشترط في جواز بيع الغائب كونه غير بعيد جداً، لكثرة الغرر فيه.
ولا قريباً جداً تمكن رؤيته بلا مشقة على الأشهر
هذا شرط ثالث، وهو شرط في الجواز كالثاني، لأن عدولهما عن الرؤية مع إمكانها إلى الصفة ضرب من الغرر. وما ذكر أنه الأشهر هو مذهب الموازية، ومقابله مذهب العتبية، فقد أجاز فيها بيع ما في صندوق بين أيديهما على الصفة، وظاهر المدونة في خمسة مواضع.
ففي آخر السلم الثالث: وإن ابتعت من رجل رطل حديد بعينه في بيته ثم افترقتما قبل قبضه ووزنه جاز ذلك.
стр. 2539
وفي الرد بالعيب: وإن ابتعت سلعة حاضرة بسلعة في بيتك أو بموضع قريب يجوز فيه النقد ووصفتها جاز ذلك.
وفي بيع الغرر: وإن استأجرت منه داراً بثبوت في بيتك ووصفته ثم اشتريته منه وهو بيدك بعين أو بثوبين من صفته أو بسكنى دار لك فجائز.
وفي آخر الجعل: لما ذكر بيع الزرع على أن الدرس على البائع، قال: وليس ذلك كحنطة في بيتك، تلك لابد فيها من صفة أو عيان.
وفي أكربة الدور: وإن أكريته داراً بعبد بعينه على أن تقبضه فمات بيد المكتري، فهو منك والكراء يلزمك كالبيع، وإن كان بثبوت بعينه في بيت المكتري وقد وصفه كان منه وانتقض الكراء.
فهذه المواضع تدل على أن الأشهر الجواز، لكن ذكر ابن شاس: أن الأصحاب نزلوا ما في المدونة من تجويز العقد بالسوق على سلعة في البيت على ما إذا كان في رؤيتها مشقة وكلفة.
فإن كان بمشقة جاز على الأشهر
أي: فإن كان إمكان رؤية الغائب بمشقة جاز بيعه على الصفة على الأشهر، فهذا كبيع الأعدال على البرنامج وكبيع الغائب على مسافة يوم، والأشهر مذهب المدونة والموطأ، ومقابله في مختصر ابن شعبان منعهما.
وفيها: ويجوز بيع الأعدال على البرنامج، بخلاف الساج المدرج وشبهه، فرق بينهما عمل الماضين وأجازهما، وذا مسافة يوم مدة ومنعها مدة
ذكر مسألة المدونة استدلالاً على ما ادعاه من الأشهر. والبَرنامِج بفتح الباء وكسر الميم، وهي لفظة فارسية استعملتها العرب، والمراد بها الدفتر المكتوب فيه صفة ما في العدل.
стр. 2540
والساج المدرج: طيلسان مطوي. والمراد بشبه الساج، الثوب المدرج في طيه ولم يكن رفيعاً كما في الساج.
والضمير في: (أَجَازَ) عائد على مالك، والضمير في: (هُمَا) عائد على الساج المدرج والبرنامج. (وذَا) معطوف على مفعول أجاز، أي: وأجاز ذا مسافة يوم مرة، وهو قوله في الموازية، ومنع الجميع، وهو قوله في مختصر ابن شعبان.
وحاصل ما ذكره في البرنامج، والساج، وذا مسافة يوم، ثلاثة أقوال، يفرق في المشهور فيجوز في البرنامج، وما على مسافة يوم، ويمنع الساج وهو مذهب المدونة.
فرع: ولا يشترط في جواز البيع على الصفة أن يصفه غير البائع على ظاهر المذهب، وأخذه جماعة من المدونة. ابن العطار: وبه العمل. وفي الموازية والعتبية: اشترط ذلك لأن البائع لا يوثق بصفته، إذ قد يقصد الزيادة في الصفة لينفق سلعته. وذكر المتيطي أن الشيوخ اختلفوا في تأويل المدونة على القولين، وجعل اللخمي وصاحب المقدمات ذلك شرطاً في جواز النقد.
اللخمي: ويشترط في البيع على الصفة أن يكون المشتري ممن يعرف ما وصف له.
ثم إن صحت الصفة فلا خيار
أي: فإن اتفق المتبايعان، أو شهدت بينة عند اختلافهما أن المعقود عليه موافق للصفة التي وقع العقد عليها، لزم البيع ولا مقال لواحد منهما، ونبه به على خلاف أبي حنيفة، فإنه يرى الخيار للمشتري ولو وافقت الصفة.
والقول قول المشتري
أي: عند تنازعه مع البائع، هل صفة المبيع الآن هي التي وقع عليها التعاقد أم لا؟ والفرق بينه وبين ما تقدم من أنه إذا انعقد على رؤية متقدمة وتنازعا، فالقول قول البائع على الأشهر أن البيع في مسألة الرؤية معلق على بقاء صفة المبيع والأصل بقاؤها، فمن
стр. 2541
ادعى الانتقال فهو مدع وهو المشتري، بخلاف البيع على الصفة فإن الأصل عدمها وهو موافق لقول المشتري.
ويرجع في كونه عليها لأهل المعرفة
أي: إذا اتفقا على أن البيع وقع [٤٤٠/ب] على الصفة واختلفا في المبيع، هل هو عليها أم لا؟ نظر أهل المعرفة، فإن قالوا: إنه عليها لزمه، وإلا فلا. وانظر هل يكتفي بواحد أو لابد من اثنين؟ وانظر إذا اختلف أهل المعرفة.
والأعمى يصح بيعه وشراؤه بالصفة، وقيل: إلا الأصلي
ذكر الأعمى في بيع الغائب، لكونه لما كان لا يبصر وإنما يشتري على الصفة شابه شراؤه شراء الشيء الغائب، والظاهر أن الصحة في الأعمى أظهر منها في بيع الغائب على الصفة، لأن الأعمى أعذر، إذ لا يمكن في حقه إلا ذلك. فإن قيل: يمكنه التوكيل، قيل: لا يمكنه ذلك في كثير من الصور.
وحاصل ما ذكره المصنف فيه: أنه إن تقدم منه إبصار صح بيعه وشراؤه اتفاقاً. وإن لم يتقدم، فقال عبد الوهاب: يصح بيعه وشراؤه، ومنع ذلك أبو جعفر الأبهري. هكذا نقل اللخمي.
ابن عبد السلام: وفي معنى من لم يتقدم له إبصار من تقدم له إبصار في سن الصغر حتى لا يتخيل الألوان، قال: وينبغي أن يكون الخلاف في الصفات التي لا تدرك إلا بحاسة البصر، وأما ما يدرك بغير ذلك فلا مانع. والأصلي: هو الأكمة.
والنقد في الغائب بغير شرط جائز
أي: وبشرط لا يجوز، لأنه يؤدي إلى أن يكون تارة مبيعاً وتارة سلفاً، وهذه المسالة في منع النقد بشرط وجوازه بغيره. المبيعُ على عهدة الثلاث، والأمة المتواضعةُ والمبيعُ على
стр. 2542
الخيار، والأرض المبيعة على المزارعة، ومسائل الجعل. وإذا اشترط في الأجير المعين والدابة المعينة أن تقبض منفعتها بعد شهر. وإنما جاز النقد مع عدم الاشتراط، لضعف التهمة، وظاهر كلام المصنف- وهو ظاهر المدونة- على ما نص عليه عياض: أن نقد الثمن في الغائب بغير شرط جائز في كل شيء. وذهب ابن محرز إلى أنه يجوز التطوع في المثلي من المكيل والموزون، لأن الغائب إن هلك أو وجد على غير الصفة وانحلت العقدة رد مثله فلم يكن على أحد ضرر، بخلاف السلع والرباع فإنها قد تتغير فيردها ناقصة فيضر ذلك بالبائع، أو تهلك فيغرم المشتري قيمتها، فكأن البائع يدفعها على أنه إن سلمت الصفقة كانت للمشتري وإن انحلت رد القيمة. قال: ولو دفع العروض على أن البيع إن انحل رد مثلها جاز، ولو كان الثمن سكني دار لم يجز نقدها بشر ولا طوع.
وقال اللخمي: إنما يجوز النقد إذا كان الثمن مما يصح فرضه، لأن تعجيل الثمن بغير شرط فرض، فإن كان الثمن داراً أو جارية أو جزافاً فلا يصح تعجيله.
قال: وإن تطوع المشتري بالنقد في هذا لم يصح البيع ويرجع بمثل ما دفع لا بقيمته، لأنه قرض فاستوى فيه المكيل والموزون والعبيد والثياب، ولو عجل الثمن على أن يرجع بالقيمة إن لم يجد المبيع لم يجز، لأنه بيع على قيمة مجهولة. وإن لم يشترطا في حين التعجيل الرجوع بالقيمة ولا المثل وكانا يظنان أن الحكم الرجوع بالقيمة، حُمل على ذلك ويرجع بالقيمة- كالبيع الفاسد- إذا كان الثمن عبداً أو ثوباً. انتهى.
ابن راشد: وقوله: إذا تطوع المشتري بتعجيل ذلك فسد البيع، فيه نظر. وكيف يفسد البيع بشيء وقع منفكاً عنه، وإنما ينبغي أن يفسد القرض خاصة، فتأمله.
فإن شرط في العقار وشبهه جاز وإن بعد خلافاً لأشهب
يعني: وإن وقع البيع في العقار وشبهه، والمراد، بـ (وشبهه) الأشجار وعيون الماء، جاز شرط النقد ولو كان بعيد الغيبة.
стр. 2543
الباجي: وهو المشهور لغلبة الأمن فيها. ونقل الباجي عن أشهب ما نقله المصنف، من أنه منع اشتراط النقد مع البعد، وإنما يجوز اشتراط النقد على المذهب إذا لم يشترها بصفة صاحبها، كذا روى أشهب عن مالك.
ابن رشد: وهو تفسير لما في المدونة وغيرها. والعقار بفتح العين، الجوهري: الأرض والضياع والنخل، ومنه قولهم: ماله دار ولا عقار.
تنبيه: وهذا الخلاف إنما هو إذا بيع العقار جزافاً، وأما إن بيع مذارعة فلا يصح النقد فيها، قاله أشهب في العتبية. وكذلك قال مالك: من اشترى داراً غائبة مذارعة لم يجز النقد فيها، قاله أشهب في العتبية. وكذلك قال مالك: من اشترى داراً غائبة مذارعة لم يجز النقد، وكذلك الحائط على عدد النخل، قال مالك في العتبية: وضمانها من بائعها.
وفيما قرب من الحيوان قولان
أي: وفي جواز شرط النقد فيه قولان، قال في المدونة: ومن باع عروضاً، أو حيواناً، أو رقيقاً، أو ثياباً بعينها خاصة حاضرة أو قريبة الغيبة مثل يوم أو يومين جاز ذلك، وجاز النقد فيه بشرط. والقول بالمنع لابن عبد الحكم.
وفي قربه خمسة أيام، ويومان، ونصف يوم، وبريد وبريدان
أي: وفي حد القريب. وكان ينبغي أن يقول: يوم ونحوه، فإنه كذلك روي عن مالك في المدونة، والقول باليومين مذهب المدونة كما تقدم. ونصف اليوم نقله ابن شاس ولم يعزه، ولعله راجع إلى البريد. والقول بالبريدين لمالك أيضاً- والبريد اثنى عشر ميلا- ونقل اللخمي عن ابن وهب: أنه كره النقد في الطعام وإن كان على نصف يوم، قال: لأنه يسرق ويفسد بالمطر إلا أن يكون قريباً جداً.
وفيما قرب من غيرهما الجواز باتفاق
أي: غير الحيوان والعقار. واتفقا هنا على جواز اشتراط النقد دون الحيوان، لأن الأمن في العروض أقوى منه في الحيوان.
стр. 2544
ابن راشد: وما ذكره من الاتفاق لا يصح، فقد قال ابن راشد: وأما النقد في السلعة الغائبة بالشرط فلا يجوز في بعيد الغيبة، واختلف قول مالك في قريب الغيبة.
وفي ضمان الغائب بعد العقد، ثالثها: من البائع إلا أن يشترطه. ورابعها: إن كان عقاراً فمن المشتري ....
[٤٤١/أ] احترز بـ (بعد العقد) من ضمانه قبله فهو من البائع اتفاقاً، حكاه صاحب البيان والمقدمات. وظاهر كلامه أن الأول من الأربعة، الضمان من البائع ولو اشترطه على المشتري. والثاني: عكسه. والثالث: أنه من البائع إلا أن يشترطه على المشتري. والرابع: الفرق، ففي العقار من المشتري ولو اشترطه، وفي غيره من البائع ولو اشترطه على المشتري.
ابن عبد السلام: ولا وجود للأولين في المذهب أصلاً. وتردد في الرابع، قال: والذي حكاه الناس أن مالكاً قال أولاً: إن الضمان من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، ثم رجع إلى العكس أنه من البائع إلا أن يشترطه على المشتري، وهو الذي في المدونة. ثم هل القولان في الرباع، أو الرباع من المشتري اتفاقاً؟ طريقان، والثانية لابن حبيب. وألحق بالعقار أيضاً ما قرب في أن ضمانه من المشتري باتفاق. والصواب أن له قولاً في الرباع بأن ضمانها من البائع. وقد يجاب بأن الأول، وهو أن الضمان من البائع مطلقاً قد أقامه اللخمي من العتبية، فقال: واختلف على القول بأن المصيبة من البائع هل يجوز أن يشترطها من المشتري؟ فأجازه في المدونة، وقال في العتبية: لا يجوز بيع الطعام على شرط إن أدركته الصفة، مثل الزرع القائم إذا يبس واستحصد ورآه بمنزلة من اشترى ما فيه عقد إجارة، لأن الإجارة تمنع من التصرف في الحاضر كمنع التصرف للغيبة.
وأما الثاني: على ظاهره من أنه من المشتري مطلقاً، فهو متعذر الوجود، لكن يمكن أن يقدر على أنه من المشتري إلا أن يشترطه على البائع، عكس الثالث. وأما الرابع: فهو
стр. 2545
لمالك في الموازية، ففيها وقال أيضاً: الديار والعقار من المشتري وما سوى ذلك من البائع، وهذا هو الذي يؤخذ من كلام المصنف لا على ما زاده ابن عبد السلام فيه.
فرع:
واختلف إذا لم يشترط أحدهما على الآخر الضمان ثم أراد أن يشترطه على الآخر بعد العقد، فقولان: بالجواز والمنع.
واستشكل اشتراط نقل الضمان من أحدهما إلى الآخر، فإنه ضمان بجعل، لأن له حصة من الثمن. وأجيب: بأنه إنما اشترط كل واحد منهما على صاحبه ما يلزمه على قول، وحاصله: مراعاة الخلاف.
تنبيه:
وهذا الخلاف إنما هو إذا لم يكن في المبيع حق توفيه، وأما إن بيعت الدار مذارعة فالضمان من البائع بلا إشكال.
وعلى تضمين المشتري لو تنازعا، فقولان لتعارض أصلي السلامة وانتفاء الضمان
أي: إذا فرعنا على تضمين المشتري فتنازعا في أن العقد صادفها باقية، أو هالكة، أو سالمة، أو معيبة، فقال ابن حبيب: ضمانها من المشتري. وذكر اللخمي: أنه مثل قول ابن القاسم في كتاب محمد، بناء على أن الأصل السلامة إلى حين العقد. وقال ابن القاسم في المدونة: ضمانها من البائع. ولو قال المشتري: لا أعلم متى ماتت، فلا يمين على المشتري، بناء على أن الأصل انتفاء الضمان عن المشتري فلا ينتقل إلى ضمانه إلا بأمر محقق. وهكذا كان شيخنا وغيره يمشون هذا المحل، وكذلك مشاه ابن راشد، وهو أولى مما قاله ابن عبد السلام.
ولو تنازعا في الثمن فطلب البائع تعجيله وطلب المشتري التأخير، فهل يكون القول قول البائع ويجبر له المشتري وهو قول أبي بكر بن عبد الرحمن، أو لا وهو قول أبي عمران وابن محرز وابن القصار.
стр. 2546
وقد نبه ابن القصار على الخلاف في ذلك، وذكر أن الصحيح من مذهب مالك فيما اختاره أبو عمران إلا أن يشترط ذلك في العقد.
واستشكل ابن عبد السلام- ﵀ على ما فهمه منشأ الخلاف المذكور، واعترض عليه أيضاً بناء على ما فهمه بما حاصله: أن هذا الخلاف الذي بين أبي بكر بن عبد الرحمن وأبي عمران إنما هو في العقار، وأما في غيره فلا يلزم نقد الثمن باتفاق.
وقال المصنف: وعلى تضمين المشتري لأنا لو بنيا على تضمين البائع لكان الضمان منه بلا إشكال.
فرع:
ذكر اللخمي أن من اشترى غائباً فعليه أن يخرج لقبضه ولا يكون على البائع أن يأتي به.
ويحرم الفضل والنساء فيما يتحد جنسه من النقود، ومن المطعومات الربوية، فلابد من المماثلة والمناجزة ....
لما قدم الكلام على أركان البيع أتبع ذلك بشروط وموانع ليست عامة في جميع المبيعات. والفضل: الزيادة. والنساء: ممدود مهموز التأخير، نقله الجوهري وغيره.
وحاصله: أنه إن اتحد الجنس من النقود أو المطعومات الربوية دخل ربا الفضل فلا يجوز شيء منها بأكثر منه، وربا النساء فلا يجوز شيء منها ولو بمثله نسيئة.
وقوله: (فلابد من المماثلة) أي: لينتفي ربا الفضل والمناجزة، لينتفي ربا النساء.
ويحرم النساء خاصة فيما يختلف من النقود ومن المطعومات كلها
أي: ويحرم التأخير فقط فيما اختلف نوعه من النقود كالذهب والفضة، وفيما يختلف من المطعومات كلها، أي: لا يختص ربا التأخير بالربوي، بل لا يجوز طعام بطعام إلى أجل، سواء كانا ربويين أو لا. ولابد من إثبات (من) في قوله: (ومن المطعومات) كما
стр. 2547
فعله، لئلا يتوهم تحريم النساء بين النقود والمطعومات. والأصل فيه ما في مسلم عن عبادة بن الصامت، قال النبي ﷺ : ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضلة، والبر بالبر، والشعير بالشعير، والتمر بالتمر والملح بالملح، مثلاً بمثل، سواء بسواء، يداً بيد، فإذا اختلفت هذه الأصناف [٤٤١/ب] فبيعوا كيف شئتم إذا كان يداً بيد)).
النقود العلة غلبتها في الثمنية، وقيل: الثمنية وعليهما في الفلوس، ثالثها: يكره ....
نحوه في الجواهر. والمراد بالنقود: الذهب والفضة على أي صفة كانا، مسكوكين أو مصوغين أو لا. واختلف في العلة، فقيل: الثمنية. أي: مطلق الثمنية من غير تقييد بالغلبة. أي: مطلق التعامل من غير اعتبار الغلبة، وعليه فيدخل الربا في الفلوس. وقيل: الغلبة في الثمنية، أي: كونها أصول الأثمان غالباً فلا تدخل الفلوس، وإلى هذا أشار بقوله: (وعليهما في الفلوس، ثالثها: يكره) أي: للتوسط بين الدليلين، وجعل قول مالك فيها الكراهة.
وما ذكره المصنف هنا من أن العلة هل هي الثمنية، أو الغلبة فيها أولى من قول من قال: إن القول بعدم جريان الربا في الفلوس مبنى على أن الربا في الذهب والفضة غير معلل، بل معلق بما يسمى ذهبا وفضة، لأن المازري أنكره ونقل اتفاق العلماء على تعليل الحكم هنا، وإنما اختلفوا في العلة.
والمفارقة اختياراً تمنع المناجزة، وقيل: إلا القريبة
المشهور الأول. وقد قال مالك في المدونة في الذي يصرف ديناراً من صيرفي فيدخله تابوته ثم يخرج الدراهم: لا يعجبني. وإذا قال هذا في التأخير اليسير فما بالك بغيره.
وقوله: (وقيل: إلا القربية) ليس هذا القول على إطلاقه، بل مقيد بما إذا كانت المفارقة القريبة بسبب يعود بإصلاح العقد، كما لو فارقه الحانوث أو الحانوتين لتقليب ما
стр. 2548
أخذه أو وزنه، وهو مذهب الموازية والعتبية. وحمله اللخمي على الخلاف كالمصنف. وتأوله صاحب البيان على الوفاق، فقال: وقد قيل إن ما في العتبية مخالف لما في المدونة وليس هو عندي خلافاً، لأنهما في مسألة المدونة قاما بعد عقد التصارف وقبل التقابض من مجلس إلى مجلس ولا ضرورة تدعو إلى ذلك. ومسألة العتبية إنما قاما فيها بعد التقابض للضرورة.
وفي الغلبة قولان
أي: وفي الفرقة الواقعة بين المتصارفين بسبب الغلبة من أحدهما أو من غيرهما قولان، أحدهما: أنها كالاختيار فيفسد. والثاني: أنها لا تفسد.
الباجي: والظاهر من المذهب فساد البيع إذا غلب أحدهما على الفرقة. والقول بعدم الفساد لمالك في العتبية والموازية، ففيهما: إذا اشترى قوم قلادة من ذهب وفيها لؤلؤ فلم ينقدوا حتى فصلت القلادة وتقاوموا اللؤلؤ وباعوا الذهب، ثما أرادوا نقض البيع لتأخر النقد، ولم يرض بتأخيره، وإنما هو رجل مغلوب.
وتأول أبو بكر بن عبد الرحمن هذه الرواية على أن المذهب فيها يسير تابع للحجارة، وأما إن كانت الحجارة يسيرة والذهب كير فيفسخ البيع.
ابن يونس: وفيه نظر، لأنه لو كانت العلة ما ذكر لبينها مالك وابن القاسم، وإنما لم يبطله مالك، لأن البائع مغلوب- كما ذكر- واتهم المشتري على قصد البطلان فعوقب بنقيض قصده.
ابن عبد السلام: والنفس أميل إلى عدم الفساد.
وذكر اللخمي الخلاف في الغلبة، سواء غلبا معاً أو غلب أحدهما. وجعل ابن شاس ذلك خلافاً مركباً، هل يصح إذا غلبا معاً أم لا؟ وعلى البطلان فيما إذا غلبا، فهل يبطل إذا غلب أحدهما، قولان. قال: والصحيح في الصورتين ما اختار أبو بكر.
стр. 2549
ولو وكل فقولان
هذه المسألة وقعت في بعض النسخ، أي: وكل على القبض وهو ظاهر، ولا إشكال في الجواز إذا وكله على العقد والقبض، كما لو تولاهما بنفسه. أما إذا تولى في أحدهما ووكل في الآخر ولم يغب، وليس فيها إلا أن العاقد غير القابض، فذكر المصنف قولين، وظاهرهما الجواز والمنع.
وأضاف المازري إلى ابن القاسم أنه قال: لا خير فيه. قال: وأمضاه أشهب إن وقع، وقال يفسخ إذا افترقنا قبل قبض الوكيل.
وقال ابن وهب: لا بأس به. قال: وبعض الشيوخ ينسب لابن القاسم أن من شرط صحة الصرف أن يكون العاقد هو القابض، وغيره إنما يشترط في صحته حصول القبض على الفور فقط من غير اعتبار كون العاقد هو القابض.
ولو وكل في القبض وغاب، فالمشهور المنع
يعني: ولو وكل أحدا لمتصارفين بعد انعقاد الصرف على قبض ما وجب له وغاب الموكل، فالمشهور المنع.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر الروايات ونص عليه أشهب. وحمل اللخمي ما وقع في المذهب من المنع على الكراهة، وإن كان ظاهراً من جهة الدليل- لأن المناجزة المطلوبة قد حصلت ولم يقم دليل على اشتراط اتحاد العاقد والقابض- لكن ظاهر الروايات يأباه.
المازري: ولا خلاف في المذهب منصوص في النهي عن ذلك وفسخه إن وقع، لكن بعض أشياخي يحمل المنهي عن ذلك عن الكراهة، وعلى هذا فمقابل المشهور من كلام المصنف هو قول اللخمي. والله أعلم.
стр. 2550
وفي غيبة النقد، المشهور المنع
يمنكن حمله على مسألة التسلف، ويرد هذا الوجه أن هذه المسألة ستأتي. وحمله ابن عبد السلام على أن المجرور معطوف على المجرور في الكلام الأول، أي: ولو وكل في غيبة النقد، قال: ولكن ذكره للأولى مغن عن هذه، لأنه إذا امتنع الوكيل مع حضور النقد على المشهور فأحرى مع غيبته.
ابن عبد السلام: ولا يصح حملها على الوديعة، لأنه سيتكلم عليها بعد ذلك، وحمله بعضهم على أنه قاعدة لما بعدها من الفروع المشتملة على غيبة النقد.
ورد بأن الفروع التي بعده مختلفة في المشهور كما [٤٢٢/ا] سيأتي. والأقرب هنا ما قاله بعضهم من حمله هنا على ما إذا كان النقد غائباً عن موضع العقد غيبة قريبة كداره وحانوته، وفيهما قولان- كما ذكر- مشهور هما المنع.
ورد بأن مذهب المدونة في هذا الكراهية، ففيها: وأكره للصيرفي أن يدخل الدينار تابوته أو يخلطه ثم يخرج الدراهم، ولكن يدعه حتى يزن الدراهم فيأخذ ويعطي. وقد يقال: البعد في الدار والحانوت أكثر من البعد في إدخال الصيرفي الدينار التابوت فلا يكون ما في المدونة مخالفا.
وفي المواعدة مشهورها المنع
أي: في المواعدة على الصرف ثلاثة أقوال: المنع، والجواز، والكراهة.
ابن راشد: والمنع ظاهر المذهب. ابن عبد السلام: وهو المشهور، لأن فيها: ولو قال له المبتاع اذهب بنا إلى السوق بدراهمك فإن كانت جياداً أخذتها منك كذا وكذا درهماً بدينار لم يجز، ولكن يسير معه على غير مواعدة.
стр. 2551
ابن راشد: وهو عندي نص في المنع. وكذا قال ابن بشير: الكراهة محمولة على المدونة وظاهرها المنع.
ونسب اللخمي الكراهة لمالك وابن القاسم، وصرح المازري بأنها المشهور من المذهب. والجواز لابن نافع وابن عبد الحكم، والمنع لأصبغ.
أصبغ: ويفسخ إن وقع، وقاله ابن القاسم في سماع أصبغ. وقال في سماع يحيي: إن وقع لم يفسخ.
اللخمي: ورأى أصبغ أن الصرف فاسد، وقاسه على المواعدة في العدة، لأن كليهما مبايعة.
واستبعد ابن عبد السلام التحريم. واستحسن اللخمي الجواز، وفرق بين هذا والمعتدة، بأن المعتدة إنما منعت مواعدتها خيفة أن تكون حاملاً حفظاً للأنساب. وأجاز ابن شاس هنا التعريض، وهو صحيح، لأنه إذا جاز التعريض في النكاح فهو هنا أولى.
والتأخير كثيراً كالمفارقة
يعني: أن طول المجلس بعد التعاقد وقبل التقابض مثل المفارقة، يعني: اختياراً بالأبدان في إفساد الصرف، لقوله ﵊: ((إلا هاء وهاء).
يعني: وفي الخيار، المشهور: المنع
أي: المشهور منع عقد الصرف على الخيار، والشاذ الإجازة وهو لمالك في الموازية، لأن فيها: في رجل اشترى سواري ذهب بمائة درهم على أن يذهب بهما إلى أهله، فإن رضوهما رجع فاستوجبهما، قال أرجو أن يكون هذا خفيفا. محمد وغيره: هذا من قول مالك.
الباجي: وتحتمل هذه الرواية أن يكون المراد بها المواعدة وتقرير الثمن دون عقد، ولذلك قال: إن رضيهما أهله رجع فاستوجبهما، فذكر أن الإيجاب لم يقع بعد وإنما كان ذلك على سبيل تقرير الثمن إن رضيهما أهله. المازري: وهذه الرواية وإن كان فيها احتمال، لكن ما
стр. 2552
نقله ابن شعبان من اختلاف قول قول مالك بالإجازة والمنع عليه يعول في نقل الخلاف في المذهب. وصرح الباجي والمازري بالمشهورية كالمنصف، وبنى المازري الخلاف على الخلاف المعلوم في عقد الخيار هل هو منحل أو منبرم؟ وهكذا حكى ابن شاس هذا الخلاف، وقال في المقدمات: لا خلاف أن الصرف فاسد سواء كانا جميعاً بالخيار أو أحدهما، لعدم المناجزة بينهما بسبب الخيار.
والصرف في الذمة وصرف الدين الحال يصح خلافاً لأشهب
قال شيخنا- ﵀: إن جعلنا قوله: (والصرف في الذمة) ترجمة كما في بعض النسخ فلا إشكال، وإن أثبتنا الواو فصرف ما في الذمة تطارح ما في الذمتين، وهو أن يكون لواحد على الآخر دنانير وللآخر عليه دراهم فيتصارفان بما في ذمتهما، وصرف الدين الحال إذا كان من جهة واحدة فالمعروف من المذهب جوازه. قال في الجواهر: وحكى المتأخرون عن أشهب الإبطال فيه.
ومقتضى كلام المصنف: أن أشهب- ﵀ يخالف في المسألتين، وبذلك صرح ابن راشد وهو ظاهر، لأنه إذا منع أشهب فيما إذا كان الدين من أحدهما فأحرى إذا كان من جهتهما.
وقد نقل في الإكمال عن مالك وأصحابه جواز المسالتين، أعني: إذا صرف ما في ذمتهما أو في ذمة أحدهما، وهكذا مشى ابن راشد وغيره هذا الموضع، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر. وطول ابن عبد السلام ها هنا بما ليس فيه كبير فائدة للفقيه.
والمؤجل، المشهور: المنع
أي: وصرف الدين غير الحال يمتنع على المشهور، بناء على أن المعجل لما في الذمة يعد مسلفاً، وإذا حل الأجل يقتضي من نفسه فلم يحصل التناجز، وعلى الشاذ بالبراءة يجوز الصرف هنا.
стр. 2553
فإذا تسلفا أو أحدهما وطال بطل اتفاقاً، وإن لم يطل صح خلافاً لأشهب
هذه المسألة يلقبونها بالصرف على الذمة. قال في التهذيب: وإن اشتريت من رجل عشرين درهماً بدينار وأنتما في مجلس، ثم استقرضت أنت ديناراً من رجل إلى جانبك واستقرض هو الدراهم من رجل إلى جانبه، فدفعت إليه الدينار وقبضت الدراهم، فلا خير فيه. ولو كانت الدراهم معه واستقرضت أنت الدينار، فإن كان أمراً قريباً كحل الصرة ولا تبعث وراءه ولا تقوم لذلك جاز، ولم يجزه أشهب.
والحاصل منه: أنهما إن تسلفا، فاتفق ابن القاسم وأشهب على الفساد، لأن تسلفهما مظنة الطول فلا يجوز وإن لم يطل، لأن التعليل بالمظان لا يختلف الحكم فيه عند تخلف العلة كالقصر في الصلاة للمملوك.
ابن راشد: وإن تسلف أحدهما وطال فكذلك، وإن لم يطل فالخلاف. وعلى هذا ففي كلام المصنف مناقشة، لإيهامه أن خلاف أشهب جار [٤٢٢/ب] في تسلفهما معاً، إلا أن يجعل قوله: (وطال) قيد في تسلف أحدهما.
واختلف الشيوخ هل الخلاف في تسلف أحدهما مقيد بما إذا لم يعلم الذي عقد على ما عنده أن الآخر لم يعقد على ما ليس عنده، وأ/اإن علم ذلك فيتفق على البطلان أو الخلاف مطلقاً علم أو لم يعلم؟ على طريقين حكاهما المازري.
والمغضوب الغائب إن كان مصوغاً، فالمشهور: المنع
وجه المشهور: أنه متعين فيقع الصرف من غير قبض في الحال. ووجه الجواز: كونه في الذمة فأشبه الحاضر، هذا معنى كلام المصنف.
ابن عبد السلام، وقال غيره: إن علم وجود المغصوب حين التعاقد فالقولان، وهما جاريان على صرف الوديعة الغائبة عن موضع التعاقد، وإن لم يعلم وجوده حينئذ فلا تجوز
стр. 2554
المصارفة عليه، لاحتمال أن كيون قد تلف فيلزم الغاصب القيمة والمصارفة بجنسها فيؤدي إلى التفاضل.
فإذا دهب فعلى خلاف صرف الدين، لأنه يضمن قيمته أو زنته
أي: فإن ذهب هذا المصوغ وجب ضمانه على الغاصب، جازت المصارف عليه حينئذ على المشهور في جواز صرف ما في الذمة، ثم ينظر فيما يتعلق بذمة الغاصب هل قيمته أو مثله، والمشهور القيمة، بناء على أن الشيء إذا كان مثلياً ثم دخلت فيه صنعة، هل يصير من المقومات أو المثليات كالغزل؟
قال شيخنا- ﵀: وصرفه على القولين مشكل، لأنا إذا قلنا بالقيمة، فقد يكون وزنه خمسة دنانير ويساوي الآن مائة وعشرين لصنعته وصرف الدينار عشرين، فيأخذ ستة عن خمسة وهو ربا فضل ونساء.
وإن قلنا: يأخذ مثله كسوار مثلاً، فإنه يأخذ عن ذهب فضة أو بالعكس وذلك صرف مستأخر. ودليله: أنهم قالوا فيمن استهلك طعاماً فلا يأخذ عنه طعاماً من غير جنسه، إذ هو طعام بطعام إلى أجل فاعرفه.
فإن بقي على حال خيار أخذ العين أو التضمين، فعلى خلاف إحضار العين وخلاف صرف الدين ....
أي: فإن لم تذهب عينه بالكلية، ولكنه تعيب عيباً يوجب لصاحبه الخيار في أخذه أو تضمينه الغاصب، وإن اختار أخذه فإن أحضره ثم صارفه عليه جاز اتفاقاً، وإن لم يحضره فالمشهور المنع، وإن اختار أخذ القيمة فهي دين له في ذمة الغاصب، فإن أراد مصارفته عليها جاز على المشهور.
وقال في الجواهر: والمشهور جار على أن من خير بين شيئين لا يعد منتقلاً، بل يعد كأنه لم يستحق غير ما اختار، وأما إن عددناه منتقلاً فلا يجوز صرف أحدهما.
стр. 2555
فإن كان مسكوكاً، فالمشهور: الجواز
هذا قسيم قوله: (مصوغاً) أي: وإن كان المغصوب مسكوكاً، فالمشهور جواز صرفه، وفي معناه ما لا يعرفه بعينه من المكسور والتبر.
قال الباجي: بناء على أن النقود لا تتعين
أي: أن الباجي أجرى القولين في إجازة الصرف ومنعه على القولين في أن الدراهم والدنانير هل تتعين أم لا؟ فمن رأى عدم التعيين أجاز، لأنها حينئذ تتعلق بذمته وإبراؤه منها قبض. وإن قلنا: تتعين امتنع كما في المصوغ.
ورده ابن بشير بأن المشهور: تتعين، وبالاتفاق في ذوي الشبهات
أي: رد ابن بشير كلام الباجي بوجهين، أحدهما: أن الدراهم والدنانير في الصرف تتعين على المشهور فكيف ينبني المشهور على الشاذ. والثاني: أنهم اتفقوا أنها تتعين بالنسبة إلى من كان ماله حراماً أو كان في ماله شبهة، فإذا أراد من هو من أهل الخير أخذ عين دنانيره ودراهمه من الغاصب الذي ماله حرام أو فيه شبهة مكن من ذلك اتفاقاً، ويكون وجه الرد على الباجي من هذا الوجه: أنه بنى المشهور على وجه اتفق على عدمه. ونبه المصنف بالأدنى وهو ذو الشبهة، على الأعلى وهو من كان ماله حراماً. وما حكاه المصنف عن ابن بشير تبع فيه ابن شاس وليس هو فيه تنبيهه، فلعلهما اطلعا على ذلك في غيره. وانظر الاتفاق الذي حكاه المصنف مع قول ابن الجلاب: ومن غصب دراهم فوجدها ربها بعينها فأراد أخذها وأبى الغاصب أن يردها وأراد رد مثلها، فذلك للغاصب دون ربها، قاله ابن القاسم.
فائدة: الدراهم والدنانير تتعين في ذوي الشبهات على المشهور، نقله ابن عبد السلام وتتعين في باب الصرف على المشهور حرصاً على المناجزة، نقله ابن بشير. وكذلك نقل
стр. 2556
صاحب المقدمات، فقال: مذهب مالك وجمهور أصحابه في الصرف أنها إن عينت تعينت، وإن لم تعين فإنه تعين إما بالقبض أو المفارقة.
وحكى المازري الاتفاق على أنها تتعين بالمفارقة. وقال ابن القصار: الظاهر من المذهب أنها لا تتعين.
المازري: وفي كونه الأظهر نظر، لأن في المدونة ما يدل على اختلاف قول ابن القاسم في هذا، ففي السلم: أنها لا تتعين، لأن فيه: إذا أسلمت إليه في طعام أو غيره ثم أقالك قبل التفرق ودراهمك في يده فأراد أن يعطيك غيرها، فذلك له وإن كنت اشترطت استرجاعها بعينها.
وفي كتاب كراء الرواحل: من اكترى بدنانير معينة ولم يشترط النقد ولا كانت العادة النقد، فإن ذلك لا يجوز إلا بشرط الخلف.
وقال أشهب: لا يفتقر إلى هذا الشرط، والحكم يوجب الخلف. فهذا من ابن القاسم ذهاب إلى أنها تتعين، لأنه لم يلزم خلفها إذا ضاعت إلا بالاشتراط.
وبعض أشياخي يشير إلى أن المذهب على ثلاثة أقوال، التعيين، وعدمه، والثالث: يتعين في جانب [٤٣٣/أ] المشتري دون البائع. فالأوليان مبنيان على الخلاف في الوفاء باشتراط ما لايفيد، ورأى في الثالث أن المشتري إذا اشترط التعيين كان له غرض صحيح في اشتراط تعيينها، لأنه يمكن ألا يكون عنده سواها فيشترط تعيينها لئلا يكلف خلفها إن ضاعت، بخلاف البائع فإنه لا يظهر لاشتراطه فائدة. انتهى.
وعلله بأن الأصل تعلقها بالذمة ولا تعرف بعينها
لما رد ابن بشير توجيه الباجي ذكر هو توجيهاً حاصله: أنا وإن قلنا أنها تتعين، فهي مضمونة بوضع اليد عليها ولا تعرف بعينها، وإذا كانت لا تعرف شابهت الدين،
стр. 2557
والمشهور جواز صرفه. ولا يريد ابن بشير أن كل واحد منهما علة مستقلة، وإلا لزم جواز صرف المصوغ لتعلقه بالذمة بوضع اليد.
والرهن، والعارية، والمستأجر، والوديعة إن كان مصوغاً فكالمغضوب، وإن كان مسكوكاً، فالمشهور: المنع ....
قوله: (فكالمغضوب) يعني: إما أن يبقى على حاله أو يتلف، أو يبقى على حال خيار كما في المغضوب، غير أن الوديعة لا ضمان فيها وكذلك المستأجر. فمعنى (فكالمغضوب) أنه إذا كان حاضراً جاز، وإن كان غائباً فالمشهور المنع، وإن وجبت القيمة جاز على المشهور.
قوله: (وإن كان) أي: الغائب مسكوكاً، فالمشهور: المنع. والفرق بين هذه المواضع والمغضوب، أنه في هذه غير متعلق بالذمة ولم يزل في ملك ربه، والمغضوب قد تعلق بذمة الغاصب بوضع يد العداء عليه، فلذلك تعاكس المشهور. وظاهر قوله: (وإن كان مسكوكاً) يقتضي أن المسكوك تتصور فيه الإجارة والعارية. وقد قال المصنف في الإجارة: المشهور منع إجارتها، وقيل: إن لازمها ربها صح. وقال في العارية: لا تصح إعارة الدنانير والدراهم وأن إعارتها قرض. ويجاب عنه: بأن هذا من باب صرف الكلام لما يصلح له وحذف ذلك للعلم به، ولما سيأتي، وشهرته عند طلبة العلم. وكلامه في الجواهر أحسن من كلام المصنف، لأنه لا يرد عليه هذا، لأنه قال بعد ذكر مسائل: المسالة الرابعة صرف المرهون، فإن كان مصوغاً ففيه قولان، المنع حتى يحضر، والجواز نظراً إلى مكان التعلق بالذمة، وإن كان مسكوكاً فأجيز في رواية محمد ومنعه ابن القاسم. والجواز لاحدى علتين، حصول المناجزرة بالقبول، والالتفات إلى إمكان التعلق بالذمة فأشبه المغصوب، إذ هو على الضمان إن لم تقم بينة على تلفه، وقولان إن قامت، والمنع نظراً إلى الحال وهو على ملك ربه، وإنما يقبضه لنفسه عند حضوره فأشبه صرف الغائب.
стр. 2558
الخامسة: صرف الوديعة، وفي الكتاب المنع منه، وروى أشهب الجواز في المسكوك منها. واختلف في تعليله على طريقين، إحداهما: أنه مبني على أن يعقد المودع التسلف ثم يصارف، قاله الباجي. قاله الباجي: ويجب على هذا ألا يجوز في الحلي باتفاق.
والطريق الثاني: النظر إلى حصول المناجزة بكمال القول والشيء تحت يده، فعلى هذا يجري الخلاف في المصوغ، وقد ظهر تعليل بما قدمناه في المرهون.
فرعان:
أحدهما: العارية وحكمها حكم الرهن، قاله الباجي. قال بعض المتأخرين: وهو ظاهر.
الثاني: المستأجر وحكمه حكم الوديعة. انتهى كلامه في الجواهر.
والصرف على التصديق في الوزن والصفة ممتنع خلافاً لأشهب
أي: إذا تصارفا وصدق أحدهما أو كل منهما الآخر في الوزن أو الصفة، فالمشهور المنع، وعلل بمراعاة الطوارئ، إذ يحتمل أن يوجد على غير تلك الصفة فيصير العقد مترقباً حله. وما عزاه المصنف لأشهب تبع فيه اللخمي والمازري، وعزا صاحب البيان إليه المنع.
ووجه الجواز: أن النفوس مجبولة على حب المال، فلا يصدق المخبر إلا إذا كان من أهل الدين أو قامت قرينة فلا يتهم على تضييع حق الله تعالى. ومن هذا تبادل الطعامين، فابن القاسم منعه على التصديق، وحكى عنه الإجازة في بدل الطعامين دون الصرف. وعلى جواز التصديق في الصرف يجوز في تبادل الطعامين بل هو أولى، ومنعه ابن نافع في تبادل الطعامين فأحرى في الصرف.
فائدة:
قال بعضهم: لا يصدق في الوزن والكيل في مسائل، المبادلة: فلا يصدق فيها في وزن ولا عدد لئلا يوجد نقص فيدخله التفاضل والتأخير. والطعام الربوي بجنسه أيضاً. والقرض:
стр. 2559
لئلا يوجد نقص فيلتزمه المقترض عوضاً عن معروفه فيجر نفعاً. والطعام المبيع إلى أجل: لئلا يلتزم النقص لأجل تأخيره، ورأس مال السلم، والمعجل قبل أجله، والصرف.
ونقص المقدار بالحضرة إن رضي به أو بإتمامه ناجزاً صح
لما قدم الكلام على الافتراق أتبعه بما يطرأ على العقد من نقص أو استحقاق. والباء للظرفية، والمجرور في محل حال، وتقدير كلامه: إن رضي الأخذ بالنقص أو رضي الدافع بإتمامه، فحذف رضي من الثاني لدلالة الأول عليه، فهو من عطف الجمل لا من عطف المفردات.
وقوله: (ناجزاً) من تمام الثانية، ويدل على محذوف مثله في الأول.
وإن لم يرض وكان غير معين أجبر الممتنع، وفي المعين قولان
أي: وإن لم يرض الدافع بالإتمام ولا الأخذ بالنقص، فإن كان العقد وقع على دراهم أو دنانير غير معينة أجبر من امتنع منهما على إتمام ما دخلا عليه. واختلف: هل يجبر الممتنع إن دخلا على معين. ولعل سببهما الخلاف في الدراهم [٤٣٣/ب] والدنانير هل تتعين بالتعيين أو لا؟
وإن كان بعد المفارقة أو الطول، فإن قام به انتقض على المنصوص كتأخير البعض، وإن لم يقم، فثالثها: إن كان قليلاً صح ....
يعني: فإن وجد نقص المقدار بعد افتراقهما من المجلس أو بعد طوله، فإن أقام به وأخذ النقص بنقصه، فحكى الباجي والمازري: أنه لا خلاف في نقض الصرف. وأجرى ابن شاس فيه قولاً بالصحة من الشاذ في تأخير البعض بل هنا أولى، لعدم الدخول عليه. واعلم أن تأخير البعض له صور:
стр. 2560
الأولى: أن يقع بشرط، ففي المقدمات: الاتفاق على بطلان الجميع. وخرج ابن القصار قولاً بإمضاء المتناجز فيه من أحد القولين في الصفقة إذا جمعت حلالاً وحراماً، وذكره اللخمي قولاً صريحاً.
الثانية: أن يدخلا على قبض الجميع ثم يؤخرا شيئاً، ففي المقدمات: ينتقض الصرف فيما وقع فيه التأخير باتفاق، إن كان درهماً انتقض صرف دينار ما بينه وبين أن يكون الذي فيه التأخير أكثر من صرف دينار، فينتقض صرف دينار آخر ثم كذلك.
واختلف فيما وقعت فيه المناجزة، فمذهب ابن القاسم في المدونة بطلانه، وهو قول محمد، ولابن القاسم في الموازية قول بصحته.
وخص المازري، وابن شاسن وابن بشير هذا الخلاف بما إذا كان المؤخر أقل الصفقة، وأما إن كان أكثر الصفقة فينتقض بالاتفاق، إلا ما خرجه ابن القصار، وجعل ابن بشير النصف كالكثير في الاتفاق عليه.
وقال المازري: علم من المذهب قلة النصف في العروض، وأما الطعام فالنصف فيه عند ابن القاسم في حكم الكثير، وقال أشهب: الطعام كالعروض.
وظاهر ما قاله في المدونة: إن النصف في الدراهم والدنانير في حكم القليل، لقوله فيمن صرف مائة دينار بألفي درهم فلم يجد إلا خمسين: إن الصرف ينتقض، بخلاف ما لو وجد الخمسين زيوفاً، فإنه إنما ينتقض بقدرها، لكون الزيوف لا يفسد الصرف بوجودها. انتهى.
الصورة الثالثة: أن ينعقد الصرف بينهما على المناجزة فيتأر شيء مما وقع الصرف عليه بنسيان، أو غلط، أو سرقة من الصراف، أو ما أشبه ذلك مما يغلبان عليه، أو أحدهما، فيمضي الصرف فيما وقع فيه التناجز ولا ينتقض باتفاق.
следующие страницы →