Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2836–2875 · переход к 2841.
стр. 2836
الأول: أن يشتريها بذهب وينقد عنه فضة أو بالعكس، فإذا باع مرابحة على ما عقد وجب عليه بيان ما نقد. قاله اللخمي وغيره، ونص عليه في الواضحة.
المازري: وحكى ابن المواز عن أشهب جواز ذلك إذا لم يزده على صرف الناس. وإن باع مرابحة على ما نقد ففي ذكر الثمن الذي عقد عليه قولان، والقول بوجوب التبيين في الواضحة، وهو ظاهر المدونة.
المازري: وهو ظاهر المذهب. والقول بعدم الوجوب لمالك في الموازية.
والقولان خلاف في حال هل هو مما تكرهه النفوس أم لا؟
القسم الثاني: أن ينقد عن العين التي اشتراها عرضاً مقَّوماً. اللخمي: ولا يبيع على ما نقد حتى يبيِّن، وإن باع على ما عقد فمذهب المدونة أنه يبيِّن ما نقده من العرض، لأن ما عقد عليه لم يستقر ثمناً.
ابن عبد السلام: وهو ظاهر المذهب. وقال ابن المواز: يجوز وإن لم يبيِّن.
القسم الثالث: أن ينقد عن العين طعاماً- يريد: أو مثلياً- وخصصه بالذكر [٤٨٨/أ] إما على طريق التمثيل، وإما لأنه الواقع في المدونة. اللخمي وعياض وغيرهما: وظاهر المدونة وجوب التبيين.
وفي الموازية: يجوز له أن يبيع على ما نقد وإن لم يبيِّن في الدنانير والدراهم والمكيل والموزون وسائر العروض، وتأوَّل فضل المدونة عليه. وعلى هذا فقوله: كالأول وكالثاني تفسير للقولين، والقول بأنه كالأول هو مذهب المدونة كما تقدم.
وقوله: (وكالثاني) هو مذهب الموازية. ولا يمكن أن يريد بقوله: (كالأول) أنه يجب ذكر الطعام، ويختلف في ذكر العين. وبقوله: (وكالثاني) بيان للعين عليه. ويختلف في بيان العرض، وإن كان ابن عبد السلام قال ذلك، لأن الحمل على ذلك يستلزم الطرق لا الأقوال، على أن النقل لا يساعده.
стр. 2837
فإن كان الثمن عرضاً غير مثلي ففي جواز البيع مرابحة قولان، بخلاف المثلي
أي: فلو اشترى سلعة بعرض غير مثلي فهل يجوز بيعها مرابحة؟ أجازه ابن القاسم ومنعه أشهب وسحنون، لأنه بيع ما ليس عندك، أي: لأن المشتري دخل على الحلول وكان كالسلم الحالِّ. وحمل اللخمي قول ابن القاسم على ظاهره، وتأول النهي عن بيع ما ليس عندك على بيع معين في ملك غيره.
وإلى هذا أشار ابن يونس، لأنه قال: ليس هذا من باب بيع ما ليس عندك، لأنه لم يقصد ذلك، بدليل اتفاقهم في الشِّقص المبيع بشيء مما يكال أو يوزن أن للشفيع أن يأخذه بمثل ذلك وإن لم يكن عنده، والأخذ بالشفعة كبيع ثانٍ. انتهى. ورده عياض بأن الشفعة لا يقدر فيها إلا على ذلك، بخلاف هنا فإنهما قادران على البيع مساومة.
واستقرأ بعضهم من قول ابن القاسم في هذه المسألة جواز السلم الحال، وحمل القاضي قول ابن القاسم على أن العرض حاضر عند المشتري، فيتفق القولان على جواز بيعه مرابحة، لأن ذوات الأمثال توجد غالباً. ونحوه لابن بشير، وهو وهم، لأن أشهب نص في المدونة على المنع في الجميع، بل لو لم ينص عليه لكان لازماً له، لأن السلم الحال ممتنع فيهما. وقاله ابن راشد وابن عبد السلام.
ولو أتم بعض المبيع بالشراء من شريكه فالرواية كالأجنبي، وفيه نظر
يعني: إذا اشترى جزءاً من سلعة ثم أتم بقتيها من شريكه الشراء فإن له بيع الجميع مرابحة من غير بيان. كما أن للأجنبي إذا اشترى الجزء الباقي أن يبيع هو والمشتري الأول جميع السلعة من غير بيان. وأشار بالنظر إلى الفرق بينهما، لأن من اشترى بقيتها قد يزيد فيه ليكمل له الملك والمشتري يكرهه. فينبغي أن يقال بوجوب التبيين، بخلاف الأجنبي فإنه قد دخل ابتداء على الشركة، وذلك مما ينقص الثمن، وهذا لا يكرهه المشتري في بيع المرابحة.
стр. 2838
وقد أشار ابن بشير إلى هذا النظر، وقيد اللخمي الجواز بأن الزيادة لصلاحية السلعة كذلك، أو بغلاء السوق، وأما إن كانت لدفع ضرر الشركة فيجب البيان.
ولو كان متعدداً مختلف الصفات فقومه وجب بيانه
كما لو اشترى ثياباً أو غيرهما في صفقة واحدة، ثم جعل لكل سلعة من الثمن قسطاً، فلا يجوز أن يبيع إحداهما على ذلك إلا بعد التبيين، لأنه قد يخطئ في التوصيف وقد لا يخطئ، ولكن زاد لرغبته في الجملة أو في سلعة منها.
وإن كان متفق الصفات كثوبين مثلاً فثالثها: إن كانا عن سلم جاز
أي: وإن اشترى متعدداً متفق الصفات كثوبين متفقين. وحذف الصفة للعلم بها. وقوله: (مثلاً) حشو، لأن الكاف يفيده. والجواز لابن نافع، لأن اتفاق الصفات يبعد معه الخطأ في التقويم. والمنع لسحنون، لأنه قد يرغب في الجملة والتفصيل، وهو مذهب المدونة.
(إن كانا عن سلم جاز) وإن كانا معينين لم يجز، لأنه قد يقصد أحدهما بخلاف السلم، لأنه إنما انعقد على الصفة، والفرق أنها مستوية، وقيد فيها الجواز في السلم بألا يكون تجاوز عنه في الصفة، أي: أخذ أدنى مما في الذمة.
وقيده اللخمي أيضاً بألا يكون أحدهما أجود مما وصف، فإن كان أجود وصف الزائد عليه وعلى ثوب المرابحة، لأن الزيادة كهبة لأجل البيع فيجب توصيفها. واختلف إذا وجب عليه البيان ولم يبين: هل هي مسألة غش أو مسألة كذب؟
وأما في المثلي فجائز
أي: وأما لو باع ما اشتراه من المثلي مرابحة فله ألا يبيِّن. وهكذا نص عليه في المدونة.
وتعقبه المتأخرون بأن شراء الجملة يرغب فيه، فيكون ثمن بعضه منفرداً أقل منه بانضمامه إلى الجملة، ولاسيما على ما تقدم أن استحقاق الثلث مقتض لرد جميعه.
стр. 2839
ولو أقال مشتريه منه وجب بيانه.
أي: ولو أقال المشتري من البيع فلا يجوز له أن يبيعه حتى يبيِّن، لأن ذلك مما تكرهه النفوس.
وقوله: (أقال) أي: على مثل الثمن الأول، لقوله بعد هذا: (فإن كل بزيادة .... إلخ). والظاهر أن وجوب التبيين عام على قول من يرى أن الإقامة حل بيع أو ابتداء بيع، لما ذكرناه من كراهة النفوس.
فائدة:
الإقالة عندنا بيع من البيوع إلا في ثلاث مسائل: الإقالة في المرابحة، والإقالة في الطعام، والإقالة في الشفعة.
فلو كانت بزيادة أو نقص فالمشهور الجواز
[٤٨٨/ب] أي: وإن كان التقايل على زيادة أو نقص فالمشهور- وهو مذهب المدونة- جواز بيعه على الثمن الذي تقايلاه من غير بيان، لأن الخلاف في الإقالة: هل هي حل بيع أو ابتداء بيع؟ إنما هو إذا كانت على مثل الأول، وأما إن كانت بأزيد أو بأنقص فهو بيع حقيقة.
والشاذ لابن حبيب بالمنع ولو استقال بنقص. واستشكل قوله: مع النقص، لأنه خير للمشتري.
وتأول اللخمي قوله بما يمنع هذا الإشكال، فقال: إنه إنما يمنع إذا استقال بنقص بشرط أن يكون الثمن الذي استردها به أكثر مما اشتراها به أو المثل، مثل أن يكون اشتراها أولاً بعشرة، ثم باعها بخمسة عشر، ثم أقال على اثني عشر، فيتهم على أن البيع صورة، ليتوصل إلى بيعها باثني عشر.
стр. 2840
والأكثر على أن قول ابن حبيب خلاف. وذهب فضل إلى أن المذهب قول ابن حبيب، وتأول مذهب المدونة على أنه اشتراها من غير من باعها منه.
فلو كان شراء ثانياً منه ففي جعله كالإقالة قولان
المحققون من الشيوخ يرون أن لا فرق بين هذه والتي قبلها في المعنى، لأن شراءه ثانياً إن كان بمثل الثمن فهو إقالة، وإن كان بأقل أو بأكثر فالمشهور الجواز.
وإنما افترقنا في اللفظ فقط، ففي الأولى رجعت بلفظ الإقالة، والثانية بلفظ الشراء، والمعول عليه المعنى دون اللفظ.
ولو باعا مرابحة- والثمن مختلف- ففي قسم الثمن والربح قولان، أحدهما: كالانفراد والثاني: كالمساومة ....
أي: ولو اشترى رجلان سلعة في عقدين بثمنين مختلفين، كما لو اشترى أحدهما نصفها بمائة والآخر نصفها بخمسين، ثم باعاها معاً صفقة واحدة بربح مائة، فاختلف المذهب في كيفية قسمهما الثمن والربح.
فقال ابن القاسم وهو المشهور: يقسمان ذلك أثلاثاً بينهما. وإليه أشار بقوله: (كالانفراد) أي: كما لو باع كل واحد منهما نصفه منفرداً.
وقال أشهب: يقسم الثمن والربح نصفين. كما لو باعا مساومة بمائتين وخمسين، لأن المشتري دخل على ذلك.
ابن عبد السلام: وكذلك يرجع عليهما في العيب والاستحقاق. ومنشأ الخلاف: هل ينظر إلى الأثمان أو الحصص؟
стр. 2841
ولو باعا بوضيعة فالمشهور كالانفراد
ومنشأ الخلاف المشهور كالمشهور، والشاذ أجراه الأشياخ على قول أشهب.
ولا يجب بيان غلة الربع والحيوان
خص الرَّبع والحيوان، لأنهما لا يتغيران بالاستعمال، بخلاف الثياب وشبهها.
والرَّبع يشمل الأرض وما اتصل بها من بناء وشجر، وهو مقيد بألا تكون ثمرة الشجرة مأبورة يوم العقد فيجب عليه بيانه. وكذلك الصوف، قال في المدونة: لأنه إن كان يوم البيع تامّاً فقد صار له حصة من الثمن، وإن لم يكن تامّاً فلم يثبت إلا بعد مدة يتغير فيها. وأما الأولاد ليست غلة فلا تندرج في كلامه، قال في المدونة: وإن توالدت الغنم لم تبع مرابحة حتى يبيَّن وإن باعها بأولادها.
إذا كذب في الثمن- والسلعة قائمة- فله ردها إلا أن يحط الكذب وربحه، وقيل: ولو حط لخبث مكسبه ....
كما لو اشتراها بعشرة وقال: باثني عشر، وسواء كذب عمداً أو خطأً، قاله ابن حبيب وهو صريح الكذب. وألحق به سحنون تقدير الكذب وهو ما له تأثير في زيادة الثمن، مثل: أن يشتري بثمن مؤجل فيبيع نقداً، أو يشتري ثوبين صفقة فيبيع أحدهما بما ينوبه. وهو خلاف مذهب ابن القاسم، قاله ابن رشد.
قوله: (فله ردها) لا شك أن له أن يتمسك بها وله أن يردها، إلا أن يسقط البائع الكذب وربحه فلا مقال للمشتري حينئذٍ، لأن الخيار كان له بسبب الزيادة وقد سقطت. هذا هو المشهور.
وقال عبد الملك: للمشتري الخيار ولو أسقط البائع، لأن البائع قد تبين خبث مكسبه.
стр. 2842
وأشار المازري واللخمي إلى أنه وفاق، وحملا قول مالك على أن المشتري قام بالكذب وحده، ولو قام بخبث المكسب لكان ذلك له، كقول عبد الملك.
ابن عبد السلام: وفيه نظر، لأنه لو كان هذا يدل على خبث المكسب للزم أن يكون الخيار لمن اشترى منه غيرها مساومة.
ونقل ابن بشير عن المتأخرين أنه إن ظهر على كذب البائع من غير أن ينفصل منه فللمشتري الخيار لخبث المكسب، أي: لحرام المكسب، وإن أتى البائع منفصلاً من كذبه نادماً على ما صدر منه فكالمشهور.
فإن فاتت فالبائع مخير بين أخذ الصحيح وربحه أو قيمتها ما لم تزد على الكذب وربحه، وقيل: يتعين الصحيح وربحه ....
أي: فإن فاتت السلعة المكذوب في ثمنها فالمشهور يخير البائع بين أن يأخذ الصحيح وربحه، وبين أن يرجع إلى القيمة بشرط ألا تزيد على الكذب وربحه، لأنه قد رضي بالكذب وربحه فلا يزاد عليه، يريد: ما لم ينقص عن الثمن الصحيح وربحه.
المازري: وهذا على المشهور، وأما على قول عبد الملك فإن الواجب فيها مع الفوات تفصيل منه: وينظر إلى من يستحق قيمة هذه السلعة أو ثمنها، أو يمكن البائع من المطالبة بما باعه من مال حرام في يديه أم لا. والقول بتعيين الصحيح وربحه لمالك في الموازية ورجع عنه.
وفي المسألة قول ثالث: إن على المبتاع قيمتها يوم قبضها، إلا أن يكون ذلك أكثر من الثمن بالكذب وربحه فلا يزاد عليه، أو يكون [٤٨٩/أ] أقل من الثمن الصحيح وما قابله من الربح فلا ينقص منه.
وفي الفوات بحوالة الأسواق قولان
لما كان الحكم يختلف بقيامها وفواتها احتاج إلى بيان العيب، وذكر المختلف فيه وهو حوالة الأسواق، وسكت عما فوقه لاتفاقهم عليه.
стр. 2843
ابن رشد: ورواية ابن القاسم أنها مفيتة. وروى ابن زياد عن مالك في المدونة أن السلعة إذا فاتت بنماء أو نقص وجبت فيها القيمة.
الشيخ أبو محمد وغيره: هذه الرواية مخالفة لرواية ابن القاسم في أن حوالة الأسواق لا تفيت على هذه. وقال جماعة: يحتمل أن يكون مراده في هذه المسألة حكم هذا البيع مع الفوت، لا بيان حكم ما يفيت هذا البيع. وتكون الروايتان متفقتين، وعلى طريقة ابن أبي زيد مشى المصنف.
وكذلك اختلف في فهم رواية ابن القاسم أن القيمة في هذه السلعة المكذوب في ثمنها يوم القبض، ورواية ابن زياد أنها يوم البيع: هل ذلك خلاف على ظاهر الكلام، أو هما راجعان إلى شيء واحد؟ والمعنى يوم البيع، ومعنى رواية ابن القاسم أن القبض كان يوم البيع.
واختلف في هذه المسألة المكذوب في ثمنها إذا هلكت بيد البائع: هل يكون ضمانها من البائع، وإليه ذهب أبو بكر بن عبد الرحمن، أو من المشتري وهو مذهب أبي عمران؟
وما يكال أو يوزن كالقائم يرد مثله في موضع القيمة
يعني أن ما تقدم من التفرقة بين القيام والفوات خاص بالمقوَّم، وأما المثلي فإن فوات عينه كلا فوات، لقيام المثل فيه مقام العين.
وقوله: (يرد مثله في موضع القيمة) أي: في الموضع الذي كانت تجب فيه القيمة في المقوم.
ولو نقص غالطاً، وصدقه في الثمن، أو قامت بينة فعليه ما صدقه وربحه، أو يردها ....
أي: لو غلط على نفسه فباعها بأقل مما اشتراها به، كما لو اشتراها بمائة وأخبر أنه اشتراها بتسعين فلا يصدق بمجرد دعواه، بل حتى يصدقه المشتري أو تقوم له بينة. قال
стр. 2844
في كتاب القسم من المدونة: أو يأتي من رقم الثوب بما يستدل به على الغلط، فيحلف البائع ويصدق. وزاد الباجي: أو يرى من حال الثوب ما يدل على صدقه.
وقوله: (فعليه .... إلخ) أي: أن المشتري مخير بين أن يدفع الثمن الذي شهدت به البينة وربحه، وبين أن يرد السلعة.
فإن فاتت فالمشتري مخير بين إعطاء الصحيح وربحه، أو قيمتها ما لم تنقص عن الغلط وربحه ....
أي: فإن فاتت بنماء أو نقصان. ولم يجعل في المدونة تغير السوق مفيتاً كما في الزيادة، لأنه غلط على نفسه. وحاصله أن له القيمة ما لم ينقص عن الثمن المغلوط به وربحه، ما لم يزد على الثمن الذي تبين وربحه. وعارض ابن الكاتب هذه المسألة بمسألة تضمين الصناع إذا باع ثوباً فغلط فدفع غيره فقطعه المبتاع، فإنه قال: يرده ولا شيء عليه في القطع. ولم يجعل القطع فوتاً كما جعل ابن القاسم في بيع المرابحة هنا.
وفرَّق هو بأن ثوب الكذب في المرابحة لو هلك بعد القبض ببينة لكان هلاكه من المشتري، وثوب الغلط لو هلك ببينة لكان هلاكه من البائع.
وهو يرجع في المعنى لما فرق به غيره: أن المسألة تضمين الصناع لم يجز فيها بيع، والبائع سلط المبتاع فلم يكن عليه شيء، بخلاف القطع في بيع المرابحة فإنه وقع في بعض ما وقع العقد عليه، وانتقل الملك فيه إلى المشتري.
وتقويمها يوم قبضها، وقيل: يوم البيع
الضمير في: (وتقويمها) يحتمل أن يعود على السلعة المغلوط فيها. والقول بتقويمها يوم القبض مذهب الموطأ، وتقويمها يوم البيع مذهب المدونة، لأنه صحيح على ما تقدم ويحتمل أن يعود على التي زاد فيها أو نقص فيعم الصورتين.
стр. 2845
ابن عبد السلام: وأشار غير المصنف إلى أن الخلاف في مسألة الغلط مخرج من مسألة الكذب، لأنه منصوص.
ولفظ الأرض يشمل الأشجار والديار ونحوها ولفظها يشملهما
يعني: أنه إذا باع شخص أرضاً بكذا ولم يزد فإنه يتناول ما اتصل بها من بناء وشجر، وكذلك لو باع البناء والشجر اندرجت في العقد للعرف، ونحو الديار الآبار والعيون والمطامير.
ولا يندرج المأبور والمنعقد إلا بشرط
يقال: أبرت النخل بفتح الباء مخففة، آبر بضم الباء أبراً وإباراً مخفف فهي مأبورة. وأبَّرتها مشدد الباء أؤبرها تأبيراً مشددة فهي مؤبرة، وتأبرت النخل وائتبرت. واختلف في معناه: ففي الإكمال: هو تعليق طلع الذكر في الأنثى، لئلا يسقط ثمرها وهو اللقاح. ونحوه في الجواهر، قال: يقال: أبر فلان نخله، أي: لقحه وأصلحه. ثم قال: وتأبير النخل تلقيحه. وقال ابن حبيب: الإبار: شق الطلع عن الأنثى.
وقوله: (ولا يندرج المأبور) يريد: إذا اشترى النخل، وكذلك لو اشترى الأرض والنخل فإنه لا يندرج في ذلك الثمرة المأبورة والمنعقدة، وقاله ابن الجلاب.
وأفتى ابن الفخار وابن عتاب باندراج الثمرة وإن أبرت وطابت، قالا: لأن الشجر أنفسها تندرج وإن لم تشترط، وإذا أدخلت الأصول فالفروع أولى. وما قالاه هو القياس، لكن المنصوص لمالك خلافه، ودليله ما في الصحيح من حديث ابن عمر ﵄: ((من ابتاع نخلاً قد أبرت فثمرها للذي باعها إلا أن يشترطه المبتاع)).
والتأبير خاص بالنخل، [٤٨٩/ب] وما له زهر ثم ينعقد بانعقاده كإبار النخل، ولذلك عطف المصنف المنعقد على المأبور. وما لا زهر له يعتبر فيه أن تبرز جميع الثمرة عن موضعها وتتميز عن أصلها، فهو بمنزلة التأبير فيها.
стр. 2846
وفهم من كلامه أن الثمرة غير المأبورة تابعة، واختلف إذا اشترطها البائع لنفسه قبل الإبار، فقيل: لا يجوز ذلك. وقيل: يجوز.
اللخمي: وهو الصحيح من المذهب بناء على أنه مبقى على ملكه.
فإن تأبر الشطر فله حكمه
أي: ما أَبَّر للبائع وما لم يؤبر فللمبتاع. وألحق في الواضحة والموازية ما قارب الشطر به.
وقال محمد بن دينار: ما أبر تبع لما لم يؤبر، فالكل للمبتاع. وقال ابن القاسم: يقال للبائع: إما أن تسلم جميع الثمرة، وإلا فسخ البيع ولو رضي المبتاع بالنصف. هكذا حكى الباجي هذه الأقوال.
قال: وهذا إذا كانت الثمرة المأبورة متميزة، بعضها أبر وبعضها لم يؤبر، وأما إن كانت الثمرة حين تأبيرها وكان في سائر الثمار قد ظهر بعض الثمرة وبعضها لم يظهر، فرأى ابن حبيب أن ذلك للبائع، ورأى ظهور بعضها كظهور جميعه أصله الإزهاء.
وروى ابن المواز أن ذلك لا يجوز، إلا أن يشترط المبتاع الثمرة، ورأى أنه لما لم تؤبر لا يجوز أن يشترط البائع ما لم يؤبر، فلم يبق إلا أن يشترط المبتاع نصيب البائع.
وحملها ابن رشد على خلاف هذا فقال: الأقل تباع للأكثر شائعاً أو غير شائع، فإن لم يكن أحدهما تبعاً وكانا متناصفين أو متقاربين، فإن كان ما أُبِّر على حدة وما لم يؤبَّر على حدة فللبائع ما أُبِّر وللمبتاع ما لم يؤبَّر، على ما قاله المخزومي، وإن كان ذلك شائعاً في كل نخله فأربعة أقوال:
أحدها: أن الخيار للبائع، إما أن يسلم الحائط بثمرته للمبتاع، وإلا انفسخ البيع. وهو قول ابن القاسم.
الثاني: أن البيع يفسخ على كل حال، إلا أن يكون وقع بشرط أن تكون الثمرة للمبتاع. وهو قول ابن القاسم وسحنون فيما حكى الفضل.
стр. 2847
الثالث: أنه كله للمشتري. وهو قول ابن دينار.
والرابع: أنه كله للبائع. وهو قول ابن حبيب في الواضحة.
وذكرها ابن زرقون على نحو ما ذكره ابن رشد، وذكر أن الباجي لم يحسن تحصيل هذه المسألة. وذكر ابن القطان أن الذي به القضاء أن البيع لا يجوز إلا برضا البائع بتسليمه الجميع للمبتاع.
ابن العطار: أو يرضى المبتاع بتسليمه للبائع.
وإن تأبر الأكثر حكم بحكمه للجميع
هذا قول مالك الذي عليه أكثر أهل المذهب، وروي عنه أنه مثل ما لو تَأَبَّر الشطر.
ولكليهما السقي ما لم يضر بالآخر
قال ابن راشد وشيخنا وغيرهما: يعني البائع والمشتري، أي: حيث يحكم بالثمرة للبائع بانعقادها أو بإبارها فله السقي ما لم يضر بالمشتري، ولمشتري الأصول سقيها ما لم يضر بثمرة البائع.
وقال ابن عبد السلام: كل واحد من صاحبي المأبور والمنعقد السقي ما لم يضر ذلك بالمشتري. ومعناه: إلى الوقت الذي جرت العادة أن تجد الثمرة فيه. وانظر لو تقابل الضرران فإني لم أر لأصحابنا فيها شيئاً، وللشافعية فيها ثلاثة أقوال: هل يقدم البائع أو المشتري، لأن البائع قد التزم سلامة الأشجار له، أو يتساويان فيفسخ العقد لتعذر التسليم إن لم يصطلحا.
نعم تكلم علماؤنا فيمن يلزمه السقي، فقال مالك في الموازية: هو على البائع حتى يسلم الأصل لمشتريه، وقال المخزومي في بائع النخل دون الثمرة أن السقي على مشتري الأصول.
стр. 2848
فرع:
فإن اشترط المبتاع بعض ما أبر أو بعض ما خرج من الزرع لم يجز على المشهور، لأنه قصد بيع الثمار قبل بدو صلاحها، بخلاف اشتراط بعض ما أزهى وبعض ما يبس من الزرع. وقال أشهب: يجوز اشتراط بعض ذلك كاشتراط الجميع. ولو كان المبيع فدانين واشترط زرع أحدهما لم يجز عند ابن القاسم، وقيل بالجواز على مذهبه، لأنه لو أفرد كل فدان بالبيع واشترط زرعه جاز، حكاه في الطرر.
ولا تشمل الأرض الزرع الظاهر. وفي الباطن روايتان
اختلف في إبان الزرع، فروى أشهب أنه ظهوره من الأرض، ورواه ابن القاسم، وروى عنه ابن القاسم أيضاً هو أن يفرك، وروي عن مالك في الأسدية أنه خروجه من يد باذره.
ولا الحجارة المدفونة على الأصح
يعني: أنه إذا باع أرضاً فوجد حجراً أو رخاماً أو أعمدة، فالمعلوم من مذهب ابن القاسم أنه لا حق في ذلك للمبتاع وهو البائع.
وذهب سحنون وابن حبيب وابن دينار إلى أنها للمبتاع، وهو ظاهر قول ابن القاسم في العتبية. وقيد صاحب البيان هذا الخلاف بالمجهول الذي لا يعلم صاحبه، وأما إن ثبت أن ما وجد في الأرض مغيباً من متاع البائع، أو من متاع من ورثه عنه، فلا خلاف أنه له.
وكذلك إن علم أن ما وجده أحد الورثة في حصته أنه لموروثهم، فهو بينهم بلا خلاف. وكذلك إذا ثبت أن البيت أو الجب الموجود تحت الأرض كان البائع عمله ونسيه فلا خلاف أن للبائع أن ينقض البيع، ولمن لم يوجد ذلك في حظه أن ينقض القسمة.
стр. 2849
والدار تشمل الثوابت كالأبواب، والرفوف، والسلم المسمر
أي: إذا باع داراً فإنها تشمل الأشياء الثوابت، فالثوابت جمع ثابت كالأبواب والرفوف وهو ما تعلق عليه الأثواب، [٤٩٠/أ] وكذلك الطاقات.
واشتراطه في السُّلَّم أن يكون مسمراً يقتضي أنه لو كان غير مسمر لكان للبائع، إلا أن يشترطه المبتاع، وهو قول ابن عتاب. وألحقه ابن العطار وابن زرب بالمسمر، واحتج له ابن سهل بقول ابن القاسم فيمن اكترى من رجل منازل سنة وفيها علو وليس لها سلم، فقال المكتري لصاحب المنزل: اجعل لي سلماً، فتوانى حتى انقضت السنة، فقال: ينظر إلى ما يصيب ذلك العلو من الكراء فيطرح.
ورده صاحب البيان بأن الكراء يتضمن التمكين من الانتفاع، ولا يتوصل إليه إلا بسلم، فإذا لم يجعل له سلماً لم يحصل التمكين، وأما الشراء فيتضمن التمكين من ذات المبيع وقد حصل. وليس شرط التمكين من الذات دفع السلم، وإلا وجب على البائع أن يأتي بسلم إن لم يكن. وهذا لم يقله ابن العطار.
واحترز المصنف بالثوابت مما ينتقل كالحبل والدلو فإن ذلك خارج. ابن عتاب: وتندرج المطحنة المبينة. وقال ابن العطار: السفلية فقط.
فرع:
ولو كان في الدار جرار ونحوها فأراد البائع إخراجها ولم يسعها الباب، أو كان فيها بعير صغير فكبر ولم يخرج من الباب، فقال ابن عبد الحكم: ليس على المبتاع قلع الباب، ويذبح هذا بعيره ويكسر جراره. ونزلت بإشبيلية وكتب بها إلى القيروان، فقال أبو عمران: الاستحسان أن يهدم الباب ويبينه البائع إن لم يبق بعد البناء عيب، وإن بقي بعده عيب ينقص الدار قيل للمبتاع: ادفع قيمة الجرار، فإن أبى قيل للبائع: أنزله وأعطِ قيمة العيب، فإن أبى تُرِكا حتى يصطلحا.
стр. 2850
وقال أبو بكر بن عبد الرحمن: إن علم المبتاع بها ووقع الشراء على أنه للبائع لزمه إخراجها، وإن لم يعلم وكان الذي يهدم لها يسيراً هدمه وأصلحه.
والعبد يشمل ثياب المهنة التي عليه دون ماله إلا باشتراطه
يعني: أن إطلاق لفظ العبد يشمل الثياب التي يمتهنها في خدمته بحكم العرف، وكذلك الأمة، بخلاف الرفيعة.
فرع:
واختلف إذا اشترط البائع ثياب المهنة: هل يوفى له بالشرط، وهو رواية عيسى عن ابن القاسم، وصححه ابن رشد وذكر أن به مضت الفتوى، أو يبطل شرطه، وهو رواية أشهب عن مالك؟ ابن مغيث في وثائقه: وبه مضت الفتوى عند الشيوخ.
فائدة:
ذكر المتيطي وغيره ست مسائل قال مالك فيها بصحة البيع وبطلان الشرط:
الأولى: هذه على ما ذكر ابن مغيث.
الثانية: من اكترى أرضاً بزرع أخضر على أن الزكاة على البائع.
الثالثة: البيع على ألا مواضعة على البائع.
الرابعة: ألا عهدة عليه.
الخامسة: على أن المبتاع إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا، وإلا فلا بيع بيننا.
السادسة: إذا اشترى الثمرة على ألا قيام له بجائحة، خلافاً لما في السليمانية أنه يوفى بالشرط. هكذا نقل ابن عبد السلام. ونقل اللخمي عن السليمانية أن البيع فاسد قال: وقال ابن شهاب: البيع جائز والشرط جائز.
خليل: ويزاد على هذا إذا اشترط المشتري ما لا غرض فيه ولا مالية فإنه يلغى كما تقدم. وذكر ابن لبابة عن مالك في: "إن لم يأت بالثمن إلى أجل كذا" ثلاثة أقوال:
стр. 2851
أحدها: ما تقدم.
والثاني: صحة البيع والشرط.
والثالث: فسخ البيع.
وفرق في الدمياطية بين: إن جئتني، وبين: إن لم تأتني. وإن قال: "أبيعك على إن جئتني بالثمن فالبيع بيني وبينك" فالثمن حال كأنه رآه بيعاً ثانياً، وإنما يريد فسخه بتأخير النقد. وإن قال: "إن لم تأتني بالثمن" فكأنه لم ينعقد بينهما بيع، إلا أن يأتيه فلا يجبر على النقد إلا إلى الأجل.
وقوله: (دون ماله إلا باشتراطه) لما صح عنه ﵊ من حديث ابن عمر ﵁: ((من باع عبداً فماله للبائع إلا أن يشترطه المبتاع)).
وبيع الثمار ونحوها قبل بدو صلاحها على القطع يصح
قوله: (ونحوها) أي: من الزرع، والمقاتي، والمباطيخ، النوار كالورد.
وقوله: (على القطع) أي: في الحال أو قريباً منه، ولا يؤخرها إلى زمان تزيد فيه. وقيده اللخمي بثلاثة شروط:
الأول: أن ينتفع به، لنهيه ﵊ عن إضاعة المال.
ثانيها: أن تدعو إلى ذلك حاجة، وإلا كان من الفساد.
وثالثها: ألا يتمالأ أهل البلد على ذلك، لئلا يعظم الفساد.
وعلى التبقية يبطل
وبيعها على شرط التبقية باطل، لما في الموطأ: أن رسول الله ﷺ نهى عن بيع الثمار حتى تزهي، قيل له: يا رسول الله وما تزهي؟ فقال: ((حتى تحمر أو تصفر)).
стр. 2852
وفي الصحيح: أنه ﵊ نهى عن بيع النخل حتى تزهي، وعن بيع السنبل حتى يبيض ويأمن العاهة، نهى البائع والمشتري.
فإن أطلق فظاهر المدونة يصح، وقال العراقيون: يبطل
أي: لم يشترط القطع ولا التبقية، فظاهر المدونة: يصح، لقوله في البيوع الفاسدة: ومن اشترى ثمراً فجذه قبل إزهائه فا فالبيع جائز إذا لم يشترط تركه إلى إزهائه.
ووقف مع هذا الظاهر ابن محرز وعبد الحميد واللخمي وغيرهم من المتأخرين، ورجحوه بأن مقتضى العقد المناجزة في الثمن والمثمون، والتأخير فيهما أو في أحدهما لا يكون إلا بشرط أو عادة. ومذهب العراقيين البطلان، [٤٩٠/ب] وهو المذهب عندهم.
الباجي والمتيطي: وهو المشهور عن مالك، وتأول ابن أبي زيد المدونة على ذلك، لأنه تأولها على أنه اشترط الجذ. واختار اللخمي أن يستدل على الجذاذ والتبقية بقلة الثمن وذكرته، إذ ثمن ما على القطع أقل.
فرع:
إذا وقع العقد على التبقية فسخ، والثمرة من ضمان البائع ما دامت في رؤوس النخل، فإن جذها المبتاع رطباً رد قيمتها، وإن جذها ثمراً رده بعينه، وإلا رد مثلها. وكذلك يفسخ إذا بيع على الإطلاق، وقلنا أن ذلك يقتضي التبقية.
وبيعها لمشتري الشجر يصح على الأصح
يعني: أنه اختلف فيمن اشترى نخلاً مأبورة، وقلنا: إن الثمرة للبائع، هل يجوز للمشتري أن يشتري الثمرة؟ الأصح وهو المشهور: الجواز، كبيع الخلفة بعد شراء الأصل، وكاشتراء الأرض فيها زرع لم يبد صلاحه مجردة من الزرع، ثم اشتراه، وكبيع مال العبد في عقد ثان بناء على أن اللاحق للعقد واقع فيه أم لا. وحكى بعضهم في مسألة المصنف وفي مال
стр. 2853
العبد أربعة أقوال: هذين القولين، والثالث: الجواز في الثمرة دون مال العبد. ورواه أشهب أيضاً وقال به. والرابع: يجوز ذلك بحدثان العقد، رواه أصبغ عن ابن القاسم.
يحيي: وحد العبد في ذلك عشرون يوماً. قال بعض الشيوخ: ولو جذ الأصل ثم اشترى الخلفة فلا يجوز اتفاقاً، لأنه يشتريها غير مستندة إلى شيء، وهذا يأتي في العبد إذا اشتراه فمات أو أعتقه أو باعه، ثم أراد بعد ذلك أن يشتري ماله، فلا يجوز باتفاق، وكذلك النخل والأرض إذا باعها على الإطلاق، ثم أراد أن يشتري زرع الأرض أو ثمرة النخل. فاعلمه.
وبعد بدو الصلاح يصح ما لم يستتر نحو البزر من الكتان
أي: ويجوز بيع الثمار بعد بدو الصلاح منضمة إلى الأصل ومفردة على القطع أو التبقية، لكن بشرط ألا تستتر في أكمامها كبزر الكتان مجرداً عن أصله، وكالحنطة مجردة عن سنبلها، والجوز واللوز مجرداً عن قشرة على الجزاف.
الباجي: ولا خلاف فيه وهو ظاهر، لأنه بيع مغيب. وفي بعض النسخ: (ما لم يستثن) أي: ما كان من الحبوب مستتراً، وعليه تكلم ابن عبد السلام فقال: قوله: (ما لم يستثن) يظهر منعه على القول بأن المستثني مشترى لانتفائه عن ملك البائع، ويجوز على القول بأن المستثنى مبقى. والنسخة الأولى أصوب، وهي التي تكلم عليها ابن راشد وغيره. ويلزم من الثانية مخالفة المشهور فقد قال المتيطي: ويجوز لبائع الثمرة أن يستثني جزءاً شائعاً منها قليلاً كان أو كثيراً، لأن البيع لم يتناول الجزء المستثني، هذا هو المشهور من المذهب. وقال عبد الملك: لا يجوز استثناء الأكثر، ويجوز في النصف فأقل.
وبدو الصلاح في بعض حائط كاف وفي المجاورة في الجنس الواحد إذا كان طيبه متلاحقاً، وقيل: في حوائط البلد
أي: لا يشترط عموم بدو الصلاح في كله، بل يكتفي أن يكون في بعضه، أو في بعض حائط مجاور له، ولو كانت شجرة واحدة بشرط ألا تكون باكورة.
стр. 2854
ولذلك قال: (إذا كان طيبه متلاحقاً). واحترز بقوله: (في الجنس الواحد) من الجنسين فلا يباع جنس بطيب آخر. فإن كان الجنس الذي لم يطب تبعاً لما طاب، فقيل: يجوز. ومنعه سحنون، لعدم الضرر في تأخيره.
والقول بأنه يجوز بيع جميع حوائط البلد ببدو الصلاح في حائط منها لابن القصار، وإن لم تكن مجاورة. وزاد ابن رشد قولاً آخر: أنه لا يجوز بيع الحائط حتى يعمه الزهو. قال: وما استعجل زهوه من الثمار لعارض وسبب من مرض في الثمرة وما أشبه ذلك، فلا اختلاف أنه لا يبيح له بيع ذلك الحائط.
وصلاحها: زهوها وظهور الحلاوة فيها
لما في الصحيح: أنه ﵊ سئل عن الزهو فقال: ((أن تحمر أو تصفر)). فإن قلت: الزهو يغني عن الحلاوة، لأنها لازمة له، قيل: إن الواو في كلامه للتنويع، أي: الزهو خاص بالثمرة، وظهور الحلاوة عام به وبغيره. وفي كلام المصنف نظر، لأن قوله: (وظهور الحلاوة) لا يعم، لأن بعضها قد لا تظهر فيه الحلاوة كالموز فإنه يباع في شجره.
قال ابن المواز: لا يباع حتى ينزع.
الباجي: يريد إذا بلغ مبلغاً إذا نزع عن أصله تهيأ للنضج. قال: وبدو صلاح التين أن يطيب وتوجد فيه الحلاوة، ويظهر السواد في أسوده والبياض في أبيضه. وكذلك بدو الصلاح في العنب الأسود أن ينحو إلى السواد، وفي الأبيض أن ينجو إلى البياض مع النضج. والهاء في (صلاحها) للثمرة.
وفي البقول وشبهها بإطعامها
أي: وبدو الصلاح في البقول بإطعامها، أن ينتفع بها في الحال.
стр. 2855
الباجي: وأما الجزر واللفت والثوم والبصل فبدو صلاحه إذا استرق ورقه وتم وانتفع بها، ولم يكن في قلعه فساد. وقصب السكر إذا طاب سكره. والبر والفول والجلبان والحمص إذا يبس ذلك. قال: وعلى هذا عندي حكم اللوز والجوز والفستق.
وأما الورد والياسمين فبأن تنفتح أكمامه ويظهر نوره. والقصيل والقضب والقرط إذا بلغ أن يرعى دون فساد. وفي الزيتون أن ينحو إلى السواد. وفي القِثَّاء والفقوس أن ينعقد ويوجد له طعم. واختلف في البطيخ، فقال ابن حبيب: صلاحه إذا نحا ناحية الاصفرار، لأنه الغرض المقصود منه. وقال أشهب: أن يكون فقوساً، وأما الاصفرار فلا. أصبغ: فقوساً [٤٩١/أ] قد تهيأ للتبطخ، وأما الصغير فلا.
فرع:
فإن بيع الفول والحنطة أو العدس أو الحمص بعد أن أفرك وقبل يبسه، ولم يُشترط قطعه ولا إبقاؤه، فقال ابن عبد الحكم: يفسخ كبيع الثمرة قبل بدو صلاحها. وقال ابن القاسم: يفوت باليبس ويمضي. وفي المدونة: أكرهه، فإذا وقع فات فالأولى أن يفسخ. الشيح أبو محمد: معناه يفوت بالقبض. وفي الموازية: إن نزل لم أفسخه. وظاهره أنه يمضي بمجرد العقد.
وما يخلف كالياسمين فللمشتري
لا إشكال أن ما لا يخلف إذا بيع يتناول جميعه، ولهذا لم يتعرض المصنف له.
وأما ما يخلف فإن تميزت بطونه فلا تدخل الخلفة إلا بشرط.
ابن حبيب: ولا يجوز اشتراطها إلا في الأرض المأمونة، أرض النيل وشبهه، وأما المطر فلا يجوز اشتراط خلفتها، إذ قد لا تمطر فلا يكون له خلفة. وإن لم يتميز بطونها كالياسمين والخس والبطيخ والمقاتي، وله آخر، فأجاز مالك بيعه للمشتري في جميع تلك الغلة إلى آخرها.
стр. 2856
قال في المدونة: ولا يجوز اشتراء ما تطعم المقاتي شهراً، لاختلاف الحمل فيه في قلة الحر وكثرته.
فإن استمر كالموز فلابد من الأجل
أي: إن كان ما يخلف ليس له إبان ينتهي إليه- كالموز- فلا يجوز بيعه إلا بضرب الأجل، وهو غاية ما يمكن. قال مالك: ويجوز اشتراط خلفته السنتين، وقال ابن نافع: لا يجوز إلا السنة ونحوها.
تنبيه:
وقع في نسخة ابن راشد هنا زيادة مسألة نصها: ولو كانت الأشجار تطعم بطنين ففي بيع البطن الثاني ببدو صلاح الأول قولان، مشهورهما المنع بناء على أن البطن الثاني تبع للأول فيجوز بيعه بصلاح الأول، أو مستقل فلا يجوز. وكذلك قال الباجي: المنع ظاهر المذهب.
стр. 2857
العرايا: وبيع العرايا مستثنى من الربا، والمزابنة، وبيع الطعام نسيئة
(العرايا) جمع عرية كعطية وعطايا، وسميت بذلك، لأن نخيلها معراة عن المساومة عند البيع، وفعله رباعي أشار غليه صاحب العين، وقيل: لأن الثمرة معراة عن السوم عند البيع، وقيل: هي اسم للثمرة المطلوبة من عروت الرجل أعروه، أي: طلبته، فهي فعيلة بمعنى مفعولة، وإنما دخلت فيها الهاء لأنها أفردت فصارت في عداد الأسماء مثل النطيحة والأكيلة، وقيل: سميت بذلك لأن الذي عريها يختلف إليها ويحل بأهلها لاجتناء ثمرتها، وهو قريب مما قبله، وقيل: سميت بذلك لتخلي مالكها عنها من بين ماله كأنها عرية من جملة النخل، فهي على هذا بمعنى فاعلة، وقيل: هي عرية من تحريم المزابنة، وخلت من ذلك، ويرد على هذا تسميتها قبل ورود الشرع المحلل والمحرم، وفي الصحيح أنه ﵊ نهى عن يع التمر بالتمر، وقال: ((ذلك الربا والمزابنة))، إلا أنه أرخص في بيع العرية النخلة والنخلتين يأخذهما أهل البيت بخرصهما تمراً ليأكلوها رطباً.
وذكر المصنف أنها مستثناة من الربا- أي: ربا التفاضل وربا النساء- ومن المزابنة، لأنه بيع معلوم بمجهول من جنسه، وهي أيضاً مستثناة من رجوع الإنسان في هبته.
وهي ثمرة نخل أو شجر مما ييبس ويدخر كالتين والزيتون واللوز يهبه من حائطه ....
هذا تعريف العرية المرخص في جواز بيعها بخرصها، وإلا فالعرية حيث هي جائزة في كل شيء.
стр. 2858
فيجوز شراء المعري أو من يتنزل منزلته ببيع أو ميراث أو هبة من المعري أو من يتنزل منزلته بعد صلاحها بخرصها من نوعها يدفعه عند الجذاذ لا قبله في ذمته لا في معين، فقيل: لدفع الضرر، وقيل: بقصد المعروف، وعلل مالك وابن القاسم بهما، فعلى الأول لا يشتري بعضها ولا جميعها إن كانت كل الحائط، ولا من شريط حصته. وشرطه: خمسة أوسق فأدنى، وقيل: أدنى
اعلم أنه لا يجوز شراء العرية بخرصها إلا بشروط:
الأول: وهو متفق عليه، أن يكون مشتريها هو معريها أو من يتنزل منزلته، إما ببيع أو هبة أو ميراث من المعرى، أو من يتنزل منزلته.
الثاني: وهو متفق عليه أيضاً، أن يبدو صلاحها للنهي عن بيع الثمرة قبل ذلك قصراً للرخصة على محلها.
الثالث: عياض: وهو متفق عليه أيضاً، أن يشتريها بخرصها بكسر الخاء، أي: بكيلها، وأما بفتحها فهو اسم للفعل، لما في الصحيح: أنه ﵊ أرخص في بيع العرايا بخرصها فيما دون خمسة أوسق. فشك الراوي في ذلك، وفيه نظر، فإنه روي عن مالك جواز شرائها بغير حرصها.
الرابع: وهو متفق عليه أن يشتريها بنوعها، إن صيحانيّاً فصيحاني وإن عجوة فعجوة، وأجاز القابسي أن يتراضيا عند الأجل على ثمر من غير صنفها، وشبهه بالقرض بجامع المعروف، وألزم على شبهه أن يجوز بيعه قبل القبض كما في المشبه به، وأجيب بأن جواز البدل بغير الصنف لا يلزم منه جواز بيعه قبل قبضه كالسلم، ورد بأن الإلزام للتشبيه بالقرض لا على وجه البدل، وأجراها ابن يونس في البدل مجرى السلم، وبالجملة فقد اختلف الأشياخ في إجراء العرية مجرى البيع أو القرض.
стр. 2859
الخامس: يشترط أن يكون العوض مؤخراً إلى الجذاذ، ولا يجوز بشرط التعجيل، وحكى عياض الاتفاق عليه، وحكى ابن يونس عن مالك أنه لا يجوز شراء العرية بخرصها وإن [٤٩١/ب] جذها مكانه.
أصبغ: ويفسخ إن نزل حتى يبقى فيها ما يحل بيعه، فإن فاتت رطباً رد مثلها إن وجد وإلا قيمتها، قال أصبغ: وإن اشترى ما أعرى من رطب الفواكه التي لا تيبس، وقد أزهت بخرصها يدفعه من غيرها نقداً أو إلى تناهيها لم يصح ذلك، فإن لم يفت ذلك رد وإن فات أنفذ ولم يرد، وكذلك في كل عرية ما كانت يدخلها رخصة العرية ورفقها. قال: ولو أجيزت للرب من غير كراهة هي لم تكن لأجنبي، ولو أجيز هذا ابتداء لم يكن خطأ، لأن النقد أبلغ في المعروف.
وفي بعض النسخ: (يوفيه في يده). ولا حاجة إلى هذه الزيادة، قال في الواضحة: وإن تطوع له بتعجيل قبل الجذاذ من غير شرط جاز له، وهل يجبر الموهوب على جذها؟ أشار ابن يونس إلى أنه يتخرج على القولين في أنها هل هي كالقرض أو كالبيع؟
السادس: أن يكون العوض في ذمة المعري لا في حائط معين إتباعاً للرخصة، فإن وقع التعيين، فقال المازري: الأظهر على المذهب الفسخ لكونه بيعاً فاسداً. وفي المبسوط يبطل شرط التعيين ويكون في الذمة.
السابع: أن يشتري جملة العرية لا بعضها، ولما أراد المصنف الكلام على هذا الشرط قدم قبل ذلك ما هو مرتب عليه، فقال: (فقيل: لدفع الضرر .... إلخ) يعني أنه اختلف في علة الجواز بالشروط المتقدمة على ثلاثة أقوال:
أحدها لابن الماجشون: أنها دفع الضرر عن المعري بسبب دخول المعري عليه في حائطه واطلاعه على أهله وشبه ذلك.
стр. 2860
الثاني: أنها قصد المعروف.
الثالث: لمالك وابن القاسم التعليل بهما، أي: على طريق البدل لا على الجمع، ثم فرع على هذه فقال: (فعلى الأول ... إلخ) وتصوره واضح.
ومعنى قوله: (ولا من شريك حصته) أنه لو أعرى جماعة رجلاً بعض حائطهم فلا يجوز لأحدهم على التعليل بالضرر شراء حصته لبقاء الضرر بسبب دخول المعرى لما بقي له.
الثامن: أن يكون خمسة أوسق فأقل، وهو المشهور، وروى أبو الفرج عن مالك: لا تجوز في أقل من خمسة أوسق وهو أظهر، لأنه المحقق والخامس مشكوك فيه، ولما في أبي داود قال: وحديث جابر إلى أربعة أوسق.
التاسع: أن يكون مما ييبس، وهو مأخوذ من كلام المصنف أولاً، وليس ذلك خاصاً بالتمر والعنب على المشهور، وكلام المصنف يدل عليه تشبيهه باللوز، ولمالك في الموَّازيَّة: لا يشتري بخرصه إلا التمر والعنب، ثم رجع إلى ما في المدونة.
العاشر: أن يكون بلفظ العرية على المشهور، ولو أعطاه بلفظ الهبة والمنحة لم يجز له الشراء اتباعاً للفظ الحديث، خلافاً لابن حبيب وغيره، وهذا لا يؤخذ من كلام المصنف، إلا أن يقال: قوله: (المعري) يدل على أن هذا لا يجوز إلا للمعري.
ولو أعراه عرايا من حوائط ففي شراء أكثر من عريته ثالثها: إن كانت بلفظ واحد منع ....
يعني: فإن اتحد المعري والمعرى لكنه أعراه عرايا في حوائط متعددة في مرة أو أكثر في كل خمسة أوسق فأقل، ثم أراد شراء عشرة أوسق من حائطين فقال ابن القاسم يجوز في الوجهين، أعني: سواء كان في مرة أو مرات: وقال يحيي بن عمر وابن أبي زيد
стр. 2861
وغيرهما: لا يجوز فيهما بناء على أن العقد هل يتعدد بتعدد المعقول عليه أم لا؟ وتأول المدونة على نحو قوله، وفرق ابن الكاتب فمنع في الأول وأجاز في الثاني، ورجحه ابن يونس لقول مالك فيمن اشترى حوائط فأصابتها جائحة أنها إن كانت في صفقة واحدة اعتبر ثلث الجميع، وإن كانت في صفقات اعتبر ثلث كل واحد.
وبيعها على مقتضى الشرع للمعري وغيره قليلة أو كثيرة جائز
أي: أن ما تقدم من الشروط إنما هو في بيعها بخرصها، وأما بيعها بغير خرصها فهو جائز على مقتضى البيوع لرب الحائط وغيره، فيجوز شراؤها بالدنانير والدراهم وبطعام يخالفها إذا حصلت المناجزة في الطعام، وهكذا قال في المدونة وغيرها، وفي الإكمال: المشهور من قول مالك قصر جواز بيعها من ربها بخرصها تمراً إلى الجذاذ، وذلك بعد صلاح العرية، وروي عنه لا يجوز بحرصها ويجوز بغيره، وعنه أنه يجوز بخرصها وبغيره وبالعروض وبالطعام، ويريد على الجذاذ، وروي عنه أنه لا يجوز شراؤها إلا بخرصها ولا يجوز بغير ذلك من دنانير أو دراهم أو غير ذلك، لأنه من باب العود في الهبة وبالخرص رخصة لا تتعدى، قال: واختلاف قوله في ذلك على اختلاف أهل الأصول في تقديم خبر الواحد على القياس، أو تقديمه عليه، وعلى أن الرخص لا تتعدى بها مواضعها، ثم قال: وأما مشهور فإنه لا يجوز إلا بخرصها عند الجذاذ، فلم ير تعدي الرخصة عن وجهها، وهو أظهر. انتهى. فانظره مع ما في المدونة.
وتبطل العرية بموت المعري قبل حوزها
لأنها عطية كسائر العطايا، ولا خلاف فيه في المذهب.
стр. 2862
وحوزها أن تكون فيها ثمرة وأن يقبضها، وقال أشهب: بالإبار أو تسليم الرقبة، والزكاة على المعري كالسقي بخلاف الواهب، وقال أشهب: على المعري كالهبة إلا أن يعريه بعد الزهو، وعلى الأول: إذا كانت العرية كل الحائط أخرج منه، وعلى الثاني من غيره، ولو كانت دون خمسة أوسق كملت ....
لما كان الحوز شرطاً في تمامها فسره وذكر فيه قولين.
الأول: لابن حبيب قال: وحيازة العرية بوجهين: قبض الأصول [٤٩٢/أ] وأن يطلع فيه ثمر قبل موت المعري، وإن قبضها ولم يطلع فيها ثمر حتى مات المعري بطلت، وإن طلع الثمر ولم يقبض الشجر حتى مات المعري بطلت، قال مالك، وهو مذهب المدونة عند ابن العطار، وفضلٌ، وجماعة، ثم اختلف هؤلاء في وجه موافقتها لقول ابن حبيب، فقال ابن العطار: العرية والهبة والصدقة سواءٌ لا يتم حوزها إلا بأمرين، وقال ابن زرقون: إنما يوافقه في العرية لا في الصدقة والهبة، وذهب بعضهم إلى أن مذهب المدونة والاكتفاء بحوز الأصل وحده، وإليه ذهب أبو عمران وابن مالك.
والقول الثاني لأشهب الاكتفاء بأحد الأمرين إما ظهور الثمرة بالإبار، وإما بحصول رقاب الثمرة بيد المعْرَى دون رب الحائط، وهذا القول هو الصواب عند ابن يونس، وإن كان لم يصرح بتأويل على أحد التأويلين المتقدمين.
واستدل لهما في كتاب الهبات لابن القاسم إذا وهب ما تلد أمته أو ثمرة نخله عشرين سنة جاز ذلك إذا حاز الأصل والأمة أو حاز له أجنبي، فهذا يدل على خلاف ما قاله ابن حبيب، لأن ثمرة عشرين سنة لم تأت بعد.
(والزكاة على المعري كالسقي بخلاف الواهب، وقال أشهب: على المعرى كالهبة إلا أن يعريه بعد الزهو .... إلخ) يعني أن العرية والهبة إما أن يكونا بعد الزهو أو
стр. 2863
قبله، فإن كانتا بعد الزهو فعلى المعري والواهب، وإليه اشار بقوله: (إلا أن يعريه بعد الزهو)، وإن كان قبل الزهو ففي المسألة أربعة أقوال.
ووقع في نسخة ابن راشد ما نصه: (وفي كون الزكاة على المعطي أو المعطى ثالثها لابن القاسم: في العرية على المعري وفي الهبة على الموهوب له، ورابعها لسحنون: على من كانت الأصول بيده) ومنشأ الخلاف: هل العرية والهبة يقتضيان عرفاً التزام الزكاة أم لا؟ ولفظ العرية يشعر بذلك بخلاف الهبة، وذكر ابن المواز أنهم لم يختلفوا في السقي أنه على رب الحائط، وعلى الأول، أي أنها على المعري لو كانت جميع الحائط للزم رب الحائط أن يخرج من غيرها ويأخذها كلها المعرى، وإن كان دون خمسة أوسق كلمت، أي: ضمها رب الحائط إلى ما بيده، انظر لو أعسر المعري فهل تؤخذ من المعرى ولها نظائر.
الجوائح: والثمار من ضمان البائع في الجوائح
لما في مسلم من حديث جابر: أن رسول الله ﷺ أمر بوضع الجوائح. وفيه أيضاً قال: ((لو بعت من أخيك ثمراً فأصابته جائحة فلا يحل لك أن تأخذ منه شيئاً بم تأخذ مال أخيك بغير حق)). والحديثان وإن كان ظاهرهما إسقاط الجائحة مطلقاً، لكن من المعلوم أن المشتري دخل على أنه لابد أن يرمي الهواء بعضه وتأكل الطير منه ونحو ذلك، فقد دخل على اليسير، واليسير المحقق ما دون الثلث، والثلث وإن كان في كثير من أبواب الفقه فقد جعل هنا كثيراً، ولأنه روي من حديث أبي طلحة عن أبيه أن رسول الله ﷺ قال: (إذا أصيب ثلث الثمرة فقد وجب على البائع الوضيعة)).
وعن ربيعة عنه ﷺ : (أنه أمر بوضع الجوائح إذا بلغت ثلث الثمرة فصاعداً) لكن فيهما ضعف. والجوائح جمع جائحة، وهي المصيبة المهلكة.
стр. 2864
وقال ابن القاسم: إذا كان بقاؤها لينتهي طيبها، فلو انتهت كالعنب يطيب والبقول والقصيل فلا جائحة كالثمر على النخل، وقال سحنون: فيه الجائحة ....
قسم المصنف على ثلاثة أقسام:
أحدها: أن تكون الثمرة محتاجة إلى إبقائها في أصولها ليكمل طيبها، ولا خلاف في ثبوت الجائحة فيه، قاله ابن شاس، ونسبة الجائحة لابن القاسم وحده ليست بجيدة.
الثاني: أن ينتهي طيبها، ولكن يحتاج إلى التأخير لبقاء رطوبة كالعنب المشترى بعد بدو صلاحه. وحكى لمصنف فيه قولين.
الباجي: ومقتضى رواية أصبغ عن ابن القاسم أنه لا يراعى البقاء لحفظ النضارة، وإنما يراعى كمال الصلاح، قال: ويجب أن يُجرى هذا المجرى كل من كان هذا حكمه كالقصيل والقصب والبقول والقَرَظ، فلا توضع جائحة في شيء من ذلك، قال: ومقتضى رواية سحنون أن توضع الجائحة من جميعه.
الثالث: ما لا يحتاج إلى بقائه في أصله لتمام صلاحه ولنضارته كالثمر اليابس والزرع، فلا جائحة فيه.
وإليه أشار بقوله: كالتمر على النخل، إذ الكاف هنا للقياس والاستدلال. وأما الأولى فهي في كلامه للتمثيل، وما حكاه عن سحنون حكاه غيره، وحكى ابن يونس عن سحنون: إذا تناهى العنب المشتري وحان قطافه حتى لا يكون تأخيره إلا لسوق يرجوها أو لشغل يعرض له فلا جائحة فيه.
ابن عبد السلام: وهذا مخالف لما حكاه المؤلف وغيره عنه، وأشار بعض الأندلسيين إلى إجراء هذين القولين فيما بيع قبل بدو صلاحه أو بعده على أن يجده مشتريه، وهو ظاهر. انتهى.
стр. 2865
وفي حمل كلام سحنون على الخلاف بحيث لا يخفي، ونص في المدونة على أنه لو اشترى ثمرة على الجذاذ فيها الجائحة إذا بلغت الثلث، كالثمار لا كالبقول، وسأل ابن عبد الحكم سحنوناً فقال: لم جعل فيها الجائحة ولا سقي على البائع؟ فقال: لأن معناه أن المشتري يأخذ ذلك شيئاً بعد شيء على قدر الجائحة، ولو دعاه البائع أن يأخذه في يومه لم يكن له ذلك، بل يمهل في ذلك، وهو وجه الشأن.
ويشترط أن يكون مفرداً عن أصله في بيع محض بخلاف المهر، وقال ابن الماجشون: فيه الجائحة ....
[٤٩٢/ب] أي: يشترط في وضع الجائحة شرطان:
الأول: أن يكون البيع على الثمرة بانفرادها، وأما إن اشتراها على أصولها فلا جائحة فيها، اشتريت قبل بدون الصلاح أو بعده، أما المشتراة قبل فبالاتفاق، وأما المشتراة بعد فهو المشهور، وقال أصبغ: أما ما عظم خطره من الثمرة ففيه الجائحة، ويقبض الثمن على الثمرة وعلى الأصل، لأن المشتري زاد لها في الثمن، واحتج في المدونة للأول بأنه وإن أوجبه الاشتراط فكان كمن ابتاع عبداً ثم استثنى ماله فهلك ماله ثم رد العبد بعيب أو استحق فإنه يرجع بجميع الثمن، ولا يحط بمال العبد منه شيء. وظاهر كلامه أنه لو اشترى الثمرة مفردة عن أصلها أن فيها الجائحة، وإن اشتراها مع غيرها ولو كانت تبعاً كمكتري دار فيها ثمر دون الثلث فقد نص في المدونة على أنها لا جائحة فيها لكونها تبعاً للكراء، واختلف إذا كانت قد أزهت، فقيل: فيها الجائحة، لقوله في المدونة "ولم يطب"، وعلى هذا اختصر ابن يونس المدونة، وقيل: لا جائحة فيها، لأنه قال: ومن اكترى أرضاً فيها سواد قدر الثلث فأدنى فاشترطه جاز ذلك ولا جائحة في ثمره فأطلق، وكلام اللخمي يأتي على الأول، لأنه قال: وإن اكترى داراً فيها ثمرة فاشترطها فإن كانت لم تطب وهي الثلث فأقل فلا جائحة فيها إن سقطت، وإن طابت فأكلها ثم انهدمت الدار
стр. 2866
غرم ما ينوبها، وإن كانت الثمرة قد طابت فاستثناها وهي الثلث فأكثر كانت فيها الجائحة، وإن أصيب ثلثها رجع بما ينوبه، واختلف إذا كان جميع الثمرة أقل من الثلث فأصيب جميعها أو الثلث فأكثر، فقيل: فيها الجائحة كالأولى، وقيل: لا جائحة فيها، لأنها تبع، والأول أحسن، لأنها مشتراة وليست ملغاة.
ابن يونس: جعل في الدار التبع دون الثلث وهو لمالك، وجعل في الأرض التبع الثلث، وهو لابن القاسم، وهو أصل اختلف فيه قول مالك في كراء الأرض، قال بعد ذلك: وأخذ ابن القاسم بالقول أنه الثلث فأدنى، وأخذ ابن حبيب وابن المواز بما دون الثلث.
الشرط الثاني: أن تكون الثمرة المفردة في بيع محض فلا ترجع الزوجة على زوجها إذا أصدقها ثمرة وأجيحت، لأنه مبني على المكارمة، واختار ابن يونس وغيره قول ابن الماجشون لأنا نمنع بيع المهر إذا كان طعاماً قبل قبضه أو رد بعيب إلى غير ذلك من أحكام البيوع. ويؤيده قول ابن القاسم بإيجاب الجائحة في العرية مع أنها ليست بيعاً محضاً.
قال ابن القاسم: الجائحة: ما لا يستطاع دفعه لو علم به، فالسرقة ليست بجائحة، وفيها: لو أن سارقاً سرقها فجائحة. ابن الماجشون: الجائحة: الآفة السماوية دون صنع الآدمي. وفيها: الجيش جائحة ....
ما لا يستطاع دفعه عادة ليدخل فيه الجيش، إذ لا يستطاع دفعه بخلاف السارق، لأنه لو علم به لدفع، فإنه إنما يأخذه على وجه الخفية، فالعلم مانع له من السرقة.
وتبع المصنف الباجي في نسبة هذا القول لابن القاسم، قال: هو في الموَّازيَّة. ونقل ابن أبي زيد أن السارق جائحة، واستشكل بأن السابق لو كان جائحة لكان حفظ الثمرة على بائعها كما يكون عليه سقيها. وعلى القول الأول في كلام المصنف الأكثر، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه المشهور. وعلى أن السارق جائحة فالجيش أولى، ولذلك كان الأحسن
стр. 2867
بطريقة المصنف في الاختصار أن يقول: وفيها الجيش جائحة. وعلى قول ابن الماجشون لا يكون جائحة. قال الشيخان وغير واحد: وإنما يكون السارق عند ابن القاسم جائحة إذا لم يعرف، وأما إن عرف فيتبعه المشتري مليّاً أو معدماً.
فرع:
فلو لم تهلك الثمرة بل تعيبت كالغبار يعيبها والريح يسقطها قبل أن يتناهى طيبها فينقص قيمتها، ففي البيان: المشهور أن ذلك جائحة ينظر إلى ما نقص هل الثلث أم لا؟
وقال ابن شعبان: وهو أحد قولي ابن الماجشون. والقول الثاني: ليس ذلك جائحة، وإنما هو عيب، والمبتاع بالخيار بين أن يتماسك أو يرد.
فإن كانت من العطش وضعت كلها
هذا لأن السقي على البائع، فأشهب ما فيه حق توفية، وكذلك لو كانت بعلا، قال في المدونة: لأنه باعها على حياتها من الماء.
وظاهر قوله: (وضعت كلها) ولو كان ما نقص لا خطب له، وهو ظاهر المدونة في كتاب الحوائج، لأنه قال: يوضع عنه قليل ما هلك بسببه وكثيره، ولكن لابن القاسم في كتاب الشفعة ما يوهم خلاف ذلك، لأنه قال: ولا بأس بشراء شرب يوم أو يومين أو شهر أو شهرين يسقي به زرعه في أرضه دون شراء أصل العين.
مالك: فإن غار أصل الماء فنفد أو نقص بقدر ثلث الشرب الذي ابتاع وضعه عنه كجوائح الثمار.
ابن القاسم: وأنا أرى أنه مثل ما أصاب الثمرة من قبل السماء فوضع عنه إن نقص شربه ما عليه فيه ضرر بيِّن، وإن كان أقل من الثلث إلا ما قل مما لا خطب له فلا يوضع لذلك شيء.
فانظر قوله: "إلا ما قل مما لا خطب له" هل مقصور على المشبه وحده أو عليه وعلى المشبه به؟ انتهى كلام ابن عبد السلام.
стр. 2868
وجعل ابن راشد هذا فرعاً آخر، وذلك أنه لما ذكر جائحة العطش وأنه توضع مطلقاً قال: تنبيه: ومن اشترى شِرْباً معلوماً، ففي المدونة: لا بأس، ثم ذكر الكلام السابق.
ومن غيره وضع الثلث فما فوقه
أي: من غير العطش، وتصوره واضح، ثم إن وافقه المشتري على أن التالف الثلث فلا إشكال، وإلا فلابد من [٤٩٣/أ] إثبات ذلك بأن يحضر عدلان في وقت الشراء بحضرة المتبايعين، ثم ينظران بعد الجائحة، ويشهدان أن ما تلف الثلث فأكثر.
وفي البقول ثالثها كالثمار
هي روايات، والمشهور أنها توضع جائحة البقول وإن قلت، لأن إتلافها من العطش. وروى علي بن زياد وابن أشرس عن مالك أن جائحتها لا توضع حتى تبلغ الثلث، وفي الجلاب: لا جائحة فيها قلت أو كثرت.
واختلف في الأصول المغيبة، مثل الجزر واللفت والبصل والإسفنارية، هل هي كالبقول أم لا؟ ومذهب المدونة أنها كالبقول، وألحق ابن القاسم وابن المواز وابن حبيب الموزَ والمقاتي بالثمار، وألحق أشهب المقاتي بالبقول، فيوضع القليل والكثير.
اللخمي: ولا خلاف أن الجوائح توضع في المقاتي.
ابن رشد: وروي عن مالك أن جائحة الموز توضع مطلقاً، وألحقوا الزعفران والريحان والقَرَط والقضب بالبقول، وفي قصب السكر ثلاثة أقوال كالبقول، ومذهب المدونة فيه عدم القيام بالجائحة، وعلله فيها بأنه إنما يباع بعد أن يطيب، واختلف في ورق التوت، فقال ابن حبيب: هو كالثمار. وقال ابن القاسم في العتبية: هو كالبقول. وهذا إذا كانت الآفة فيه، وأما إذا كانت الآفة من غيره كما لو مات دود الحرير، فقال ابن القاسم: الأشبه أنه جائحة. وشبهه بمن اكترى حَّماماً أو فندقاً فجلا ذلك البلد ولم يجد من يسكنه، فقال المتقدمون: له أن ينحل عن الكراء.
стр. 2869
ابن يونس: وكذلك عندي من اشترى ثمرة في بلد ثم انجلى أهله لفتنة أو نحوها، فإن مصيبة ذلك من البائع، لأن المشتري إنما اشتراه لمن يبيعه منه.
ويعتبر ثلث المكيلة لا ثلث القيمة مطلقاً عند ابن القاسم، فيحط من الثمن قدر قيمته من قيمة باقيه كانت أقل من الثلث أو أكثر. وقال أشهب: المعتبر ثلث القيمة، فإن كان مما يحبس أوله على آخره كالعنب والرطب فالمكيلة باتفاق ....
لما كانت الجائحة إنما توضع بشرط أن تبلغ الثلث بيَّنه وقسمه قسمين: قسم لا يحبس أوله على آخره، وقسم يحبس أوله على آخره. وذكر في الأول قولين: الأول لابن القاسم: المعتبر ثلث المكيلة لا ثلث القيمة، لأن الجائحة في الثمرة إنما هي في نقص الثمرة لا في نقص ثمنها، لأن الثمرة لو مرضت من غير جائحة لم يكن للمشتري قيام، فلو كان ثلث المكيلة يساوي عشر الثمن وضع، ولو كان دون ثلث المكيلة- وهو يساوي تسعة أعشار الثمن- لم يوضع، كما قال في المدونة فيمن اشترى مقتاتا بمائة درهم فأجيج منها بطن ثم جنى بطنين فانتقصت، فإن كان المجاح قدر ثلث النبات في زمانه، فإن قيل: قيمته ثلاثون لغلاء أوله، والبطن الثاني عشرون، والثالث عشرة لرخص آخره رجع بنصف الثمن.
إلا أنهم اختلفوا في قوت تقويمه على قول ابن القاسم، فقال سحنون وابن أبي زمنين: يقوم يوم البيع بقدر قيمة كل بطن في زمانه لا يوم نزول الجائحة. وقال آخرون: يقوم التالف يوم الجائحة. ثم اختلف هؤلاء: هل يتعجل التقويم فيما بقي من البطون الآن على ما جرى من عرف عادتها، أم يُستأنى حتى يجني جميع بطونها، فتقوم على يقين لا على تخمين، واختاره صاحب النكات؟
وقوله: (مطلقاً) يحتمل كان يطعم بطناً أو بطوناً كالمقاتي والورد والياسمين، ويحتمل بلغ ثلث القيمة أم لا، والقول الثاني لأشهب: أن المعتبر ثلث القيمة، وإن كان
стр. 2870
عشر المكيلة. ثم ذكر القسم الثاني أن المعتبر فيه المكيلة، لأنه إذا يحبس أول الثمرة على آخرها فأجزاؤها متشابهة، فلا وجه لاعتبار القيمة.
وحكى جماعة أيضاً هذا الاتفاق، لكنه مقيد بأن يكون صنفاً واحداً، ولو كان أصنافاً كالبرني والصيحاني لجرى على الخلاف.
فإن كانت أجناساً في عقد واحد، فقيل: يعتبر كل جنس على حدة، وقيل: يعتبر ثلث الجميع. وقال ابن القاسم: يعتبر نصاب الجنس بالمكيلة وينسب إلى الجميع بالقيمة فإن فقد أحدهما فلا جائحة ....
يعني: فإن اشتملت الصفقة على أصناف كتمر وتين وعنب وأجيح جنس منها، فقال مالك في رواية ابن حبيب: يعتبر كل جنس منها على حدته بما ينوبه من الثمن بناء على أن العقد يتعدد بتعدد المعقود عليه، فكأن عقد على كل جنس عقداً مفرداً.
والقول الثاني أن المعتبر ثلث الجميع، فإن بلغ ما أجيح ثلث الثمرة وُضع من غير اعتبار بقدر الجائحة من الثمن. هكذا ذكر صاحب البيان هذا القول وعزاه لأشهب، وهو مبني على أن العقد لا يتعدد بتعدد المعقول عليه. وقال ابن القاسم: إن المجاح من الجنس إنما يوضع بشرطين:
أحدهما: أن تكون قيمة ذلك الجنس الثلث بالنسبة إلى قيمة جميع الأجناس.
الثاني: أن يكون أجيح منه ثلث مكيلته، فإن فقد أحدهما فلا يوضع، ونسبه المصنف لابن القاسم كالباجي، ونسبه ابن يونس لابن المواز قال: وهو كقول ابن القاسم أكترى داراً وفيها ثمر طابت فاشتراها المكتري، وهي أكثر من الثلث فذلك جائز، فإن أصيب منها أقل من ثلث الثمرة في عين المسألة، وقد [٤٩٣/ب] ذكر ابن يونس أنه طالع الأمهات في هذه المسألة وعول عليها.
стр. 2871
والضمير في ينسب عائد على الجنس لا على المصاب منه، قال في البيان: أما لو اشترى حوائط في صفقة واحد فحكمها في الجائحة حكم الحائط الواحد إن بلغ المجاح ثلث ثمرة الجميع وضع عن المبتاع ثلث الثمن، كان الذي أجيح بعض حائط أو من كل حائط، هذا إن كان الثمر من صنف واحد متساوياً في الطيب أو قريباً بعضه من بعض، واختلف إذا كان بعضه أفضل أو أطيب على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا قيمة في ذلك، وإنما يعتبر ثلث الثمر، وهو قول ابن القاسم.
والثاني: إن بلغ المجاح ثلث الثمر أو أكثر وضع عن المشتري ما ينوب ذلك من الثمن، وإن أجيح أقل من الثلث لم يوضع عنه شيء وإن كان ذلك من الثمن أكثر من الثلث، وهو قول أصبغ.
والثالث: إن أجيح ما قيمته من ذلك الثلث فصاعداً وضع، وإن كان عشر الثمرة، وإن كان قيمة الذي أجيح أقل من الثلث لم يوضع، وإن كان تسعة أعشار الثمرة، وهو قول أشهب.
ويلزم المشتري ما بقي وإن قل بخلاف ما استحق من الطعام لدخوله عليها
يعني: إذا بقي بعد الجائحة شيء يلزم المشتري بما ينوبه من الثمن ولو قل، بخلاف ما إذا استحق بعض المبيع على ما تقدم. وفرق المصنف بينهما بأن الجوائح متكررة، والمشتري قد دخل عليها فيلزم ما بقي لدخوله عليها، بخلاف الاستحقاق فإنه لندوره مما لم يدخل عليه.
ومن اشترى عريته ففيها الجائحة، خلافاً لأشهب
هذه أحسن مما في بعض النسخ- عرية بغير إضافة- فإن الخلاف إنما هو إذا اشتراها المعري أو من يتنزل منزلته، فوجه المشهور أنه مشترٍ، ووجه قول أشهب أنه معروف، وأطلق الخلاف وهو مقيد بوجهين:
стр. 2872
أولهما: أن يكون اشتراها بخرصها، إذ لو اشتراها بغيره لكانت كسائر البيوعات.
ثانيهما: أن يكون على ثمر نخلة معينة، ذكره الباجي، إذ لو كانت أوسقاً من حائط فلم يبقَ إلا مقدار تلك المكيلة لزم المبتاع أداؤها، بمنزلة من أوصى بثمرة حائطه يعطي إنساناً، ولآخر منه بخمسة أوسق فتلفت الثمرة إلا خمسة أوسق فإن جميعها له دون من أوصى له بسائر الثمرة. قاله في المبسوط.
ومن استثنى من الثمرة مكيلاً معلوماً فأجيحت بما يعتبر وضع من المستثنى بقدره، وروي: لا يوضع شيء ....
قوله: (مكيلاً معلوماً) أي: الثلث فأدنى- كما تقدم- مثاله: لو استثنى عشرة أرادب من ثلاثين فأجيح ثلث الثمرة، فلا خلاف أنه يحط عن المشتري مقابل المجاح من الثمن. واختلف: هل يحط ثلث العشرة؟ في ذلك روايتان.
الأولى: أنه يحط. قال في البيان: وهي رواية ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك، وبها أخذ ابن القاسم وأصبغ، وهذا على القول بأن المستثنى بمنزلة المشتري، لأنه إذا باع حائطاً واستثنى منه عشرة أرادب، فكأنه في التمثيل على هذا القول قد باع جميع الثمرة، وفيها ثلاثون إردباً بعشرة دنانير، وبعشرة أرادب التي استثنى، فإن أجيح من ثمر الحائط نصفه سقط عن المشتري نصف الثمن، وهو نصف العشرة دنانير، ونصف العشرة أرادب المستثناة، لأنها من ثمرة الحائط، وكذلك على هذا القياس.
والثانية: رواية ابن وهب: لا يوضع من العشرة أرادب شيء. وقال في البيان: لأن المستثنى مبقى، لأنه على هذا القول إنما باع من حائطه ما بقي بعد ما استثنى، لأن الذي استثناه أبقاه على ملكه لنفسه ولم يبعه.
وقوله: (فأجيحت بما يعتبر) احترز به مما دون الثلث، إذ لا يوضع حينئذٍ من المستثنى بقدره، ويأخذ البائع جميع ما استثنى.
стр. 2873
فإن اشترى الثمرة مع الأصل فلا جائحة
هذا ظاهر، وهو مفهوم مما تقدم من قوله: (ويشترط أن يكون مفرداً عن أصله)، ولعله أعاده ليرتب عليه ما بعده.
ولو اشترى الثمرة بعد صلاحها ثم الأصل ففيها الجائحة
أي: لوجوبها بشراء الأصل، ويمكن أن يجرى فيها قول بسقوطها من أحد القولين في أن اللاحقات للعقود تقدر واقعة فيها. أما لو اشتراها أولاً قبل بدو الصلاح على القطع ثم اشترى الأصل فله إبقاؤها ولا جائحة.
ابن يونس: وتحصيل المسألة أنه إن اشترى الأصل والثمرة وهي مزهية فاشتراها بعد الأصل قولان، أو غير مزهية تبعاً أو غير تبع فلا جائحة في الثمرة. وإن اشتراها بعضها بعد بعض وهي غير مزهية فكذلك لا جائحة فيها، وإن كانت مزهية فاشتراها بعد الأصل فقولان.
فإن اشترى الأصل ثم الثمرة بعد صلاحها فقولان
هذه عكس التي قبلها، وهي أن يشتري الأصل أولاً ثم الثمرة، فإن اشتراها قبل بدو صلاحها فاختلف في جواز شرائها على قولين، فإذا فرعنا على الجواز فلا جائحة فيها. انتهى.
وعن هذه الصورة احترز المصنف بقوله: (بعد بدو صلاحها). وهذه المسألة يتصور إذا استثنى البائع الثمرة قبل زهوها. خليل: وهي تأتي على المشهور أن المستثنى مبقى، وأما على القول بأنه مشترى فلا يجوز للبائع الاستثناء. والقولان اللذان حكاهما المصنف إذا اشتراها بعد بدو صلاحها لابن القاسم، ومذهب المدونة سقوط الجائحة كما لو اشتراها مع الأصل بعد بدو الصلاح. والقول بثبوتها لابن القاسم في الأَسْدِيَّة والموَّازيَّة.
ابن يونس: كأنه يقول: السقي على البائع فحق التوفية باقٍ عليه.
стр. 2874
وإذا اختلف المتبايعان في جنس الثمن تحالفا وتفاسخا اتفاقاً
يدخل تحت لفظ [٤٩٤/أ] المتبايعين كل متبايعين نقداً أو نسيئة، سلماً أو غيره، والأصل فيه ما رواه مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: ((أيُّما بَيِّعين تبايعاً فالقول ما قال البائع أو يترادان)).
وذكر أبو عمر أنه مشهور عند العلماء تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيراً من الفروع، فقد اشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يستغنى بها عن الإسناد، كما اشتهر حديث: ((لا وصية لوارث)). وليس في الحديث ذكر التحالف، إلا أن أهل العلم تأولوه على ذلك.
وحكى المصنف وغيره الاتفاق على التحالف والتفاسخ، يعني أنه ليس قول أحدهما أولى من قول الآخر، ولم يقر البائع بإخراج سلعته بما قال المشتري جملة ولا تفصيلاً.
وحكى ابن حبيب وغيره عن ابن القاسم في الكراء أن القول قول الساكن إن خرج، فُيخرَّج عليه قول في البيع أن يكون القول قول المشتري إن فات المبيع. وخرج عبد الحميد قولاً بأن يكون القول للبائع مما في المدونة فيمن صبغ الثوب أسود فادعى ربه أنه عقد معه على أن يصبغه أحمر أن القول قول الصباغ مع اختلافهما في الجنس، لأن الصباغ يدعي أنه باعه سواداً، ورب الثوب يدعي أنه اشترى معصفراً. وفرق المازري بأن صاحب الثوب لما دفع ثوبه إليه فكأنه ائتمنه عليه، وبأن صاحب الثوب يدعي على الصباغ تعدياً يوجب عليه تعمير ذمته بقيمة الثوب، والأصل عدمه.
وفي نوعه كذلك، وقيل: كمقدار الثمن
أي: وإذا اختلفا في نوع الثمن فقال البائع: بعتك بقمح، ويقول الآخر: بشعير، فالمشهور أنهما يتحالفان ويتفاسخان. قال في الجواهر: قيل: يجري الاختلاف في قدر الثمن. وهذا هو القول الثاني في كلام المصنف.
стр. 2875
اللخمي: وذهب ابن الماجشون إلى أنهما لا يتحالفان، قال: لأنهما اتفقا على جنس واحد، واختلفا في جودته.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد المصنف ما لو ادعى أحدهما سمراء والآخر محمولة، فقال ابن حبيب: هو كما لو ادعى أحدهما جيداً والآخر رديئاً، وكما لو اختلفا في القدر. وذهب فضل بن مسلمة أن التحالف والتفاسخ، فحمله بعضهم على أنهما عنده كالجنسين، وبعضهم على أنهما كالجنس الواحد. إلا أنه على القول بالتحالف والتفاسخ مطلقاً. ولو كان السلم والبيع بالنقد بالخيار، فقال أحدهما: إنا عقدنا على ذكران. وقال الآخر: على إناث. فرده المازري للاختلاف في الجنس لتباين الأغراض، فإن الإناث تراد للنسل. قال: بخلاف ما لو كان الاختلاف في ذكران البغال أو إناثها، فإن ذلك راجع إلى الاختلاف في الصفة، لأن إناث البغال لا تراد للنسل.
وإذا اختلفا في مقدار الثمن فأربع: ابن وهب: يتحالفان ويتفاسخان ما لم يقبض المشتري السلعة فيصدق مع يمينه لليد. ابن وهب أيضاً: ما لم يبن بها للبينونة. المدونة: ما لم تفت في يد المشتري للفوات. أشهب: مطلقاً، وإن فاتت فالقيمة. واختاره المازري ....
أي: فأربع روايات، ولذلك أسقط التاء. وتصور الأولى واضح، و (اليد) يريد بها الحوز. وتبع المصنف في نسبتها لمالك ابن شاس. ابن عبد السلام: وقد حكى ذلك غير واحد، وهو خلاف ما ذكره ابن أبي والباجي وسند عن ابن المواز أن مالكاً لم يختلف قوله قبل التفرق أنهما يتحالفان ويترادان.
وقوله: (فيصدق مع يمينه)، قال في الموازية: إلا أن يدعي ما لا يشبه. وكذلك تصور الثانية ظاهر.
следующие страницы →