← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 2871–2910 · переход к 2876.

стр. 2871

والضمير في ينسب عائد على الجنس لا على المصاب منه، قال في البيان: أما لو اشترى حوائط في صفقة واحد فحكمها في الجائحة حكم الحائط الواحد إن بلغ المجاح ثلث ثمرة الجميع وضع عن المبتاع ثلث الثمن، كان الذي أجيح بعض حائط أو من كل حائط، هذا إن كان الثمر من صنف واحد متساوياً في الطيب أو قريباً بعضه من بعض، واختلف إذا كان بعضه أفضل أو أطيب على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه لا قيمة في ذلك، وإنما يعتبر ثلث الثمر، وهو قول ابن القاسم. والثاني: إن بلغ المجاح ثلث الثمر أو أكثر وضع عن المشتري ما ينوب ذلك من الثمن، وإن أجيح أقل من الثلث لم يوضع عنه شيء وإن كان ذلك من الثمن أكثر من الثلث، وهو قول أصبغ. والثالث: إن أجيح ما قيمته من ذلك الثلث فصاعداً وضع، وإن كان عشر الثمرة، وإن كان قيمة الذي أجيح أقل من الثلث لم يوضع، وإن كان تسعة أعشار الثمرة، وهو قول أشهب. ويلزم المشتري ما بقي وإن قل بخلاف ما استحق من الطعام لدخوله عليها يعني: إذا بقي بعد الجائحة شيء يلزم المشتري بما ينوبه من الثمن ولو قل، بخلاف ما إذا استحق بعض المبيع على ما تقدم. وفرق المصنف بينهما بأن الجوائح متكررة، والمشتري قد دخل عليها فيلزم ما بقي لدخوله عليها، بخلاف الاستحقاق فإنه لندوره مما لم يدخل عليه. ومن اشترى عريته ففيها الجائحة، خلافاً لأشهب هذه أحسن مما في بعض النسخ- عرية بغير إضافة- فإن الخلاف إنما هو إذا اشتراها المعري أو من يتنزل منزلته، فوجه المشهور أنه مشترٍ، ووجه قول أشهب أنه معروف، وأطلق الخلاف وهو مقيد بوجهين:

стр. 2872

أولهما: أن يكون اشتراها بخرصها، إذ لو اشتراها بغيره لكانت كسائر البيوعات. ثانيهما: أن يكون على ثمر نخلة معينة، ذكره الباجي، إذ لو كانت أوسقاً من حائط فلم يبقَ إلا مقدار تلك المكيلة لزم المبتاع أداؤها، بمنزلة من أوصى بثمرة حائطه يعطي إنساناً، ولآخر منه بخمسة أوسق فتلفت الثمرة إلا خمسة أوسق فإن جميعها له دون من أوصى له بسائر الثمرة. قاله في المبسوط. ومن استثنى من الثمرة مكيلاً معلوماً فأجيحت بما يعتبر وضع من المستثنى بقدره، وروي: لا يوضع شيء .... قوله: (مكيلاً معلوماً) أي: الثلث فأدنى- كما تقدم- مثاله: لو استثنى عشرة أرادب من ثلاثين فأجيح ثلث الثمرة، فلا خلاف أنه يحط عن المشتري مقابل المجاح من الثمن. واختلف: هل يحط ثلث العشرة؟ في ذلك روايتان. الأولى: أنه يحط. قال في البيان: وهي رواية ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم عن مالك، وبها أخذ ابن القاسم وأصبغ، وهذا على القول بأن المستثنى بمنزلة المشتري، لأنه إذا باع حائطاً واستثنى منه عشرة أرادب، فكأنه في التمثيل على هذا القول قد باع جميع الثمرة، وفيها ثلاثون إردباً بعشرة دنانير، وبعشرة أرادب التي استثنى، فإن أجيح من ثمر الحائط نصفه سقط عن المشتري نصف الثمن، وهو نصف العشرة دنانير، ونصف العشرة أرادب المستثناة، لأنها من ثمرة الحائط، وكذلك على هذا القياس. والثانية: رواية ابن وهب: لا يوضع من العشرة أرادب شيء. وقال في البيان: لأن المستثنى مبقى، لأنه على هذا القول إنما باع من حائطه ما بقي بعد ما استثنى، لأن الذي استثناه أبقاه على ملكه لنفسه ولم يبعه. وقوله: (فأجيحت بما يعتبر) احترز به مما دون الثلث، إذ لا يوضع حينئذٍ من المستثنى بقدره، ويأخذ البائع جميع ما استثنى.

стр. 2873

فإن اشترى الثمرة مع الأصل فلا جائحة هذا ظاهر، وهو مفهوم مما تقدم من قوله: (ويشترط أن يكون مفرداً عن أصله)، ولعله أعاده ليرتب عليه ما بعده. ولو اشترى الثمرة بعد صلاحها ثم الأصل ففيها الجائحة أي: لوجوبها بشراء الأصل، ويمكن أن يجرى فيها قول بسقوطها من أحد القولين في أن اللاحقات للعقود تقدر واقعة فيها. أما لو اشتراها أولاً قبل بدو الصلاح على القطع ثم اشترى الأصل فله إبقاؤها ولا جائحة. ابن يونس: وتحصيل المسألة أنه إن اشترى الأصل والثمرة وهي مزهية فاشتراها بعد الأصل قولان، أو غير مزهية تبعاً أو غير تبع فلا جائحة في الثمرة. وإن اشتراها بعضها بعد بعض وهي غير مزهية فكذلك لا جائحة فيها، وإن كانت مزهية فاشتراها بعد الأصل فقولان. فإن اشترى الأصل ثم الثمرة بعد صلاحها فقولان هذه عكس التي قبلها، وهي أن يشتري الأصل أولاً ثم الثمرة، فإن اشتراها قبل بدو صلاحها فاختلف في جواز شرائها على قولين، فإذا فرعنا على الجواز فلا جائحة فيها. انتهى. وعن هذه الصورة احترز المصنف بقوله: (بعد بدو صلاحها). وهذه المسألة يتصور إذا استثنى البائع الثمرة قبل زهوها. خليل: وهي تأتي على المشهور أن المستثنى مبقى، وأما على القول بأنه مشترى فلا يجوز للبائع الاستثناء. والقولان اللذان حكاهما المصنف إذا اشتراها بعد بدو صلاحها لابن القاسم، ومذهب المدونة سقوط الجائحة كما لو اشتراها مع الأصل بعد بدو الصلاح. والقول بثبوتها لابن القاسم في الأَسْدِيَّة والموَّازيَّة. ابن يونس: كأنه يقول: السقي على البائع فحق التوفية باقٍ عليه.

стр. 2874

وإذا اختلف المتبايعان في جنس الثمن تحالفا وتفاسخا اتفاقاً يدخل تحت لفظ [٤٩٤/أ] المتبايعين كل متبايعين نقداً أو نسيئة، سلماً أو غيره، والأصل فيه ما رواه مالك أنه بلغه أن عبد الله بن مسعود كان يحدث أن رسول الله ﷺ قال: ((أيُّما بَيِّعين تبايعاً فالقول ما قال البائع أو يترادان)). وذكر أبو عمر أنه مشهور عند العلماء تلقوه بالقبول، وبنوا عليه كثيراً من الفروع، فقد اشتهر عندهم بالحجاز والعراق شهرة يستغنى بها عن الإسناد، كما اشتهر حديث: ((لا وصية لوارث)). وليس في الحديث ذكر التحالف، إلا أن أهل العلم تأولوه على ذلك. وحكى المصنف وغيره الاتفاق على التحالف والتفاسخ، يعني أنه ليس قول أحدهما أولى من قول الآخر، ولم يقر البائع بإخراج سلعته بما قال المشتري جملة ولا تفصيلاً. وحكى ابن حبيب وغيره عن ابن القاسم في الكراء أن القول قول الساكن إن خرج، فُيخرَّج عليه قول في البيع أن يكون القول قول المشتري إن فات المبيع. وخرج عبد الحميد قولاً بأن يكون القول للبائع مما في المدونة فيمن صبغ الثوب أسود فادعى ربه أنه عقد معه على أن يصبغه أحمر أن القول قول الصباغ مع اختلافهما في الجنس، لأن الصباغ يدعي أنه باعه سواداً، ورب الثوب يدعي أنه اشترى معصفراً. وفرق المازري بأن صاحب الثوب لما دفع ثوبه إليه فكأنه ائتمنه عليه، وبأن صاحب الثوب يدعي على الصباغ تعدياً يوجب عليه تعمير ذمته بقيمة الثوب، والأصل عدمه. وفي نوعه كذلك، وقيل: كمقدار الثمن أي: وإذا اختلفا في نوع الثمن فقال البائع: بعتك بقمح، ويقول الآخر: بشعير، فالمشهور أنهما يتحالفان ويتفاسخان. قال في الجواهر: قيل: يجري الاختلاف في قدر الثمن. وهذا هو القول الثاني في كلام المصنف.

стр. 2875

اللخمي: وذهب ابن الماجشون إلى أنهما لا يتحالفان، قال: لأنهما اتفقا على جنس واحد، واختلفا في جودته. ابن عبد السلام: ويحتمل أن يريد المصنف ما لو ادعى أحدهما سمراء والآخر محمولة، فقال ابن حبيب: هو كما لو ادعى أحدهما جيداً والآخر رديئاً، وكما لو اختلفا في القدر. وذهب فضل بن مسلمة أن التحالف والتفاسخ، فحمله بعضهم على أنهما عنده كالجنسين، وبعضهم على أنهما كالجنس الواحد. إلا أنه على القول بالتحالف والتفاسخ مطلقاً. ولو كان السلم والبيع بالنقد بالخيار، فقال أحدهما: إنا عقدنا على ذكران. وقال الآخر: على إناث. فرده المازري للاختلاف في الجنس لتباين الأغراض، فإن الإناث تراد للنسل. قال: بخلاف ما لو كان الاختلاف في ذكران البغال أو إناثها، فإن ذلك راجع إلى الاختلاف في الصفة، لأن إناث البغال لا تراد للنسل. وإذا اختلفا في مقدار الثمن فأربع: ابن وهب: يتحالفان ويتفاسخان ما لم يقبض المشتري السلعة فيصدق مع يمينه لليد. ابن وهب أيضاً: ما لم يبن بها للبينونة. المدونة: ما لم تفت في يد المشتري للفوات. أشهب: مطلقاً، وإن فاتت فالقيمة. واختاره المازري .... أي: فأربع روايات، ولذلك أسقط التاء. وتصور الأولى واضح، و (اليد) يريد بها الحوز. وتبع المصنف في نسبتها لمالك ابن شاس. ابن عبد السلام: وقد حكى ذلك غير واحد، وهو خلاف ما ذكره ابن أبي والباجي وسند عن ابن المواز أن مالكاً لم يختلف قوله قبل التفرق أنهما يتحالفان ويترادان. وقوله: (فيصدق مع يمينه)، قال في الموازية: إلا أن يدعي ما لا يشبه. وكذلك تصور الثانية ظاهر.

стр. 2876

وارتفع ابن وهب إما بفعل مضمر، أي: وروى ابن وهب، أو على حذف مضاف على أنه خبر لمبتدأ محذوف، أي: الثانية رواية ابن وهب. وما في المدونة هو المشهور، وسيأتي تفسير الفوات. زاد في المدونة: إذا أتى المشتري بما يشبه من الثمن، قال: وفي تضمين الصناع منها: وثبت مالك على هذا. زاد في الواضحة: وما عملت أن أحداً اختلف قوله فيها من أصحابه المدنيين. ابن عبد السلام: الرواية الرابعة للمازري: وبها كان يفتي شيخنا، وأنا أفتي، وهو معنى قوله: (واختاره المازري) لعموم الحديث في قوله: (يتحالفان ويتفاسخان). ابن بشير: وحكى بعضهم عن كتاب ابن حبيب قولاً خامساً أن القول قول المشتري ولم يوجد فيه، وتقييده في المدونة الفوات بيد المشتري، مفهومه أنه لو فاتت في يد البائع لم يكن القول قوله. ووقع لابن القصار ما يقتضي أن القول قول المشتري ولم يوجد فيه، فإنه سوى بين فواتها بيد المشتري أو بيد البائع في أن ضمانها منه. وللقاضي إسماعيل ما يقتضي أنهما يتحالفان. المازري: وخرج الأصحاب ما إذا فاتت بيد البائع على اختلاف قول مالك في المحبوسة في الثمن، فإن قلنا ضمانها من البائع لا يكون القول قول المشتري، إذ لا غرامة عليه. وإن قلنا ضمانها من المشتري ترجح قوله كما لو كانت في يده. قال: ويعرض هنا بحث آخر، وهو أن المشتري الذي صار راهناً لا في مبلغ الدين إذا ادعى أقل من قيمة الرهن، والمرتهن لا يعمر ذمة الراهن بما لم يقر أنه رهن به، وإنما له حبس السلعة، والرهن شاهد على نفسه لا على الذمة على مشهور المذهب، فإن كان المبيع جارية وحدث بها في أيام احتباسها عور- وهو ربع قيمتها- صار هذا الربع قد فات بيد المشتري، فيصدق في [٤٩٤/ب] مقدار ثمنها كما يصدق في ثمن السلعة جميعها في يده، ويتحالفان في ثلاثة أرباع الجارية التي بقيت منها، ويقع فيها التفاسخ، فيحلف المشتري لينفي عن ذمته ما يطلب البائع منه، ويحلف البائع لئلا يؤخذ

стр. 2877

من يده الرهن بما لم يقر به مما هو مصدق في كون الرهن ليس برهن فيما هو أقل منه. وإلى تصديق المشتري في ثمن ما فات والتحالف في ما لم يفت ذهب ابن عبدوس. ويدل على اعتباره ما رواه ابن ماجه من حديث ابن مسعود ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إذا اختلف المتبايعان وليس بينهما بينة والمبيع قائم بعينه، فالقول ما قال البائع أو يترادان البيع)). ومفهومه: إن لم تكن قائمة لم يترادَّا فينبغي التحالف. ويعتبر الأشبه عند الفوات اتفاقاً، ولا يعتبر وهي قائمة وهي قائمة على المشهور. وفي الفوات بحوالة الأسواق قولان .... إذا ادعى أحدهما ما يقرب من الصدق وادعى الآخر ما لا يشبه فإن كانت السلعة فاتت فالقول قول من ادعى الأشبه اتفاقاً، لأنه أتى بشاهد العرف على بطلان دعوى صاحبه، فيحلف معه، كما لو قام له شاهد واحد، فإن كانت قائمة فهل يترجح مدعي الأشبه كالفوات؟ وهو قول مطرف وابن الماجشون، وصوبه الأشياخ أولاً لقيام السلعة، وهو المشهور، والقولان لمالك. ابن بشير: وهذا ينبغي أن يكون خلافاً في حال، فإن ادعى أحدهما الأشبه، فينبغي ألا يُختلف أن القول قول من ادعى الأشبه، وإن ادعى الآخر ما هو ممكن ويتغابن الناس بمثله، فلا يلتفت إلى الأشبه. وحيث قلنا: إن القول قول مدعي الأشبه عند الفوات فالفوات يكون بذهاب العين أو بتغيُّر الذات. وهل يكون بحوالة الأسواق وهو مذهب المدونة حتى في المكيل والموزون، أو لا وهو قول أشهب وعبد الملك؟ والأقرب مذهب المدونة، لأن سكوت البائع عن طلب الثمن وعن بيان مقداره حتى تتغير سوقها دليل على الكذب.

стр. 2878

وفي البداية ثالثها بالقرعة، والمشهور تقدمة البائع تصور كلامه ظاهر، فوجه المشهور وهو قوله في المدونة: قوله ﵊: ((القول ما قال البائع))، لأن الأصل استصحاب ملكه، والمشتري يدعي أخراجه بغير ما رضي به. والثاني: رواه يحيي عن ابن القاسم في العتبية، ووجه مقابله أن البائع مقر بالبيع ونَقْل الملك للمشتري، ومدعٍ لزيادة والأصل عدمها. والثالث: ابن عبد السلام: للأشياخ ولبعضهم أن الحاكم مخير في تعيين المبدأ منهما. فإن قلت: فهل قوله في المدونة في تضمين الصناع إذا جهل ورثة البائع والمشتري الثمن فيبدأ بورثة المشتري مخالف للمشهور؟ فالجواب: لا، لأن الجهل عندهم يتنزل منزلة الفوات. قال في البيان: ولو اتفق المتبايعان على مقدار الثمن واختلفا في مقدار المثمون لبدِئ بالمشتري، لأنه بائع للثمن. ومثله في العتبية، وحكى عن شيوخه خلاف ذلك. وفي كونه أولى أو واجباً قولان أي: في كون تقدمة البائع على جهة الأولوية أو الوجوب قولان، والأقرب الوجوب، لأن الحاكم يحكم بتقدمة البائع ولا يحكم بالمندوبات. وهذا القولان ذكرهما ابن بشير وابن شاس ولم أقف عليهما، ولعلهما أخذا القولين من الخلاف المذكور في تناكلهما. ولو تناكلا فقال ابن القاسم: يفسخ كما إذا تحالفا. وقال ابن حبيب: بما قال البائع بناء على أن تقديمه أولى أو واجب .... أي: إذا نكل كل واحد منهما عن اليمين فقال ابن القاسم في المدونة: ينتقض البيع كما ينتقض إذا تحالفا لاستوائهما، وذكره في المدونة عن شريح قاضي علي بن أبي طال ﵄. وقال ابن حبيب: يمضي البيع بما ادَّعاه البائع.

стр. 2879

ابن يونس: ووجهه أن البائع أقوى، لأنه المبدأ باليمين، والأصل في كل من كان القول قوله فنكل عن اليمين أن يحلف الآخر، ويكون الأمر على ما قال، فإن نكل كان الأمر على ما قاله الأول. انتهى. وفرق بأن يمين المدعى عليه تُسقط دعوى المدعي، ونكوله عنها يوجب يمين المدعي. وإذا نكل المدعي ترجح قول المدعى عليه، ولا يحتاج إلى يمين، لأنه قد نكل عنها أولاً، بخلاف يمين البائع فإنها تُسقط دعوى المشتري، بل يبقى مطلوباً باليمن مثلما كان البائع مطلوباً، فلا يلزم من نكوله بعد نكول البائع أن تترجح دعوى البائع عليه. وذكر عبد الوهاب قولاً آخر أن القول إذا تناكلا قول المشتري بناء على أنه مقدم باليمن. وبنى المصنف تبعاً لابن بشير وابن شاس قول ابن القاسم على أن تقديم البائع أولى، وقول ابن حبيب على أنه واجب، وفيه نظر، فإن نمنع استلزم الوجوب لقبول قول البائع، ونمنع استلزام الأولوية للفسخ. وفي تحليفه على دعواه قولان هذا تفريع على قول ابن حبيب، أي: إذا قلنا: البيع يمضي بما قاله البائع. فقال أكثر الشيوخ: يقضى للبائع بغير يمين. وهو مقتضى إلحاقه بسائر الدعاوى كما تقدم. وقال الباجي: لابد من اليمين الأولى لا يستحق بها ما ادعاه، لأن للمبتاع إسقاطها بيمينه، فلما نكل عنها ثم نكل المشتري لم يكن بد من يمين آخرى. قال في البيان: وهو الصواب. وإذا حلفا افتقر على الفسخ خلافاً لسحنون [٤٩٥/أ] قال في المدونة: وإذا تحالفا ولم يحكم بالفسخ فللمشتري قبولها. وقال سحنون: بل بنفس التحالف ينفسخ العقد كاللعان. وذكر بعضهم ثالثاً: وهو بقاء العقد بينهما إلا أن يفسخاه بتراضيهما

стр. 2880

ابن عبد السلام: ولا ينبغي أن يعد ثالثاً، ولا ينبغي أن يختلف فيه، وإذا تراضيا فهو كحكم الحاكم أو أشد، وهو ظاهر من كتاب الإجارات. وقيل: إن كان تحالفهما بأمر الحاكم لم يفسخ حتى يفسخه الحاكم، وإن كان بتراضيهما وقع الفسخ بمجرد أيمانهما. وقيل بعكس هذه التفرقة. ورفع عبد الحميد الخلاف بين الأولين، فحمل الأول على أن يمينهما كانت لنفي الريبة عن أنفسهما وصدقهما في دعواهما، والثاني على أن يمينهما كانت لينفسخ البيع بينهما. وثمرته أن يرضى أحدهما بقول الآخر أي: وثمرة الخلاف. وتصوره ظاهر. وذكر الباجي ثالثاً أن للمبتاع أن يلزم البائع بما قال دون العكس، وحمل المدونة عليه لقوله فيها: إلا أن يشاء المبتاع. وينفسخ ظاهراً وباطناً على الأصح أي: إذا قلنا بالفسخ بالحكم أو بالتحالف فاختلف: هل ينفسخ العقد في الظاهر والباطن ويأثم الظالم منهما، أو في الظاهر خاصة؟ وهو في نفس الأمر منعقد على ما ادعاه المحق. وما صححه المصنف ذكر سند أنه ظاهر المذهب، ورجح الثاني بأن أصل المذهب أن حكم الحاكم لا يحل حراماً، وسيأتي بيان ذلك في الأقضية. وأجيب بأن مسألة البيع قد أوجب النبي ﷺ فيها رد البيع، ورد المبيع يوجب انتقاضه، وفيه نظر، لأن النبي ﷺ إنما ردها في الظاهر. فرع: إذا بنينا على أنه إنما يفسخ في الظاهر فمن حجة البائع أن يبيع السلعة، لأنه يقول: لي في ذمة المشتري دين منعني منه، وقد عثرت على سلعة له، ولا يمكن أخذها من ديني إلا بعد بيعها، فإن ساوت مثل الثمن فلا كلام، وإن ساوت أقل بقي باقي الثمن ديناً لي عليه،

стр. 2881

وإن ساوت أكثر رد الفضلة. وبين أصحاب الشافعي اختلاف: هل يبيع ذلك لنفسه لأجل تعذر الرفع إلى الحاكم في مثل هذا أو يتولى الحاكم البيع؟ والأشبه بظاهر مذهبنا رفعه إلى الحاكم ليتولى البيع عليه، قاله المازري. ابن عبد السلام: والذي أفهم أنا من قواعد مذهبنا أنه لا يلزمه ذلك، بل له أن يتولى البيع بنفسه. وثمرته حل الوطء وغيره أي: فعلى الأصح يحل للبائع الانتفاع بالمبيع وطأً وغيره، ولا يحل ذلك على القول الآخر، لأنه على ملك المشتري، إما بما ادعاه هو أو بما ادعاه البائع، وإنما بقي له دين في ذمة المشتري. ويحلف على نفي دعوى خصمه، وقيل: مع تحقيق دعواه، فإن نكل فلابد من الثاني، ولهذا قال اللخمي: له أن يجمعهما .... مثاله: لو ادعى البائع أنه باع بعشرة وادعى المشتري أنه اشتراها بثمانية، فيحلف على نفي دعوى خصمه، فيقول البائع: والله ما بعته بثمانية. إذا المقصود نفي دعوى الخصم، وهذا القول حكاه اللخمي، واقتصر عليه صاحب البيان، وأنكره المازري، والمشهور هو القول الثاني، وهو أن كل واحد منهما يحلف في يمين واحدة على نفي دعوى خصمه وإثبات دعواه، فيحلف البائع ما بعته بثمانية ولقد بعته بعشرة. نص عليه فيها في تضمين الصناع، وعلى هذا ففي تقديم المصنف للأول نظر. وقوله: (فإن نكل الثاني) وهو المشتري على المشهور (فلا بد من الثاني) أي: أن يحلف البائع على إثبات دعواه، إذ لا يلزم من نفي البيع بثمانية أن يكون حصل بعشرة لجواز أن يكون وقع بتسعة. وكذلك إذا بنينا على تبدية المشتري، فإذا حلف المشتري ما اشتريت بعشرة، ونكل البائع أن يكون باعها بثمانية، فلا بد للمشتري بعد ذلك أن يقول:

стр. 2882

ولقد اشتريتها بثمانية. ولما كان في كل من القولين راجحية من وجه ومرجوحية من آخر، فأما راجحية الأول فلأنه لم يلزم الحالف إلا بالقدر المضطر إليه، وأما مرجوحيته فلكونه ألزمه اليمين مرتين. وأما راجحية الثاني فلكونه ألزمه اليمين مرة واحدة، وأما مرجوحيته فلأنه ألزمه أولاً بنفي ما لم يلزمه. قال اللخمي: الخيرة في ذلك للحالف، فإن شاء قلل الأيمان على نفسه فجيمعها أولاً، وإن شاء التزم تكرار اليمين فيحلف أولاً على النفي ويؤخر يمين الإثبات حتى ينكل صاحبه. والاختلاف في الرهن والحميل كذلك أي: كالمقدار. فتجئ الأربعة الأقوال وما يتعلق بذلك من الفروع، لأن الثمن يزيد بعدمهما ويقل بوجودهما، وهذا هو الظاهر. وإن كان وقع في المذهب ما يدل على أن الرهن لا حصة له من الثمن، كما سيأتي في باب الرهن. وإذا اختلفا في تعجيله وتأجيله حكم بالعرف، فإن لم يكن فكذلك، وقيل: القول قول البائع. وقيل في البعيد والقريب كذلك .... أي: قال البائع بعته بنقد، وقال المشتري: بل بنسيئة، فالقول قول من ادعى العرف مع يمينه إن كان عرف، وإن لم يكن عرف فكذلك، أي: يتحالفان ويتفاسخان ما لم تفت، هكذا نقل ابن بشير هذا القول، وقال: إنه الأصل. وعلى هذا فكلامه يشتمل على ثلاثة أقوال. ويحتمل [٤٩٥/ب] أن يريد بقوله: وإن لم يكن عرف فكذلك، أي: كالاختلاف في الثمن فتأتي الأربعة الأقوال. وعلى هذا الوجه اقتصر ابن عبد السلام، ويكون قوله: (وقيل) قولاً خامساً. ويترجح هذا بأن الغالب من كلام المصنف إذا قال كذلك أنه يريد الاختلاف في قدر الثمن، ويرجح الأول موافقة ابن بشير، وأيضاً فلأن قوله في القول الآخر، وقيل: في

стр. 2883

البعيد والقريب كذلك، إنما يمكن فهمه على أن المراد يتحالفان ويتفاسخان، ولا يمكن أن يريد فتأتي الأربعة الأقوال، لأنه يقال: إن في قوله تفصيلاً مشتملاً على أربعة أقوال. وقوله: (وقيل: القول قول البائع). ابن عبد السلام: ظاهره سواء كانت السلعة قائمة أو فائتة، وسواء كان فيها عرف أو لم يكن، وهذا يشبه قول ابن القاسم في كتاب الرهن. انتهى. وهو منصوص لمالك في الواضحة من رواية مطرف أن البائع مصدق مع يمينه فاتت السلعة أو لم يفت. قوله: (وقيل في البعيد) أي: وقيل: إن القول قول البائع في الأجل البعيد، وأما القريب فكذلك، أي: فيتحالفان ويتفاسخان ما لم تفت كالاختلاف في قدر الثمن، هكذا نقل ابن بشير وصاحب الجواهر هذا القول. تنبيه: مقتضى كلام ابن بشير وابن شاس أن القول الثاني ليس خلافاً للأول، لأنهما لما قالا: وقيل: القول قول البائع. وهو بناء على أن العادة التعجيل. واعلم أن مسائل الأجل ثلاثة: الأولى: أن يختلفا في أصل الأجل، وهي هذه المسألة. الثانية: أن يتفقا عليه ويختلفا في انقضائه، وهي الآتية، أعني قوله: (وإذا اختلفا في انتهائه). والثالثة: أن يختلفا في مقداره، كما لو قال: بعتك إلى شهر. وقال المشتري: بل إلى شهرين. المازري: فيجري فيه الخلاف الذي في مقدار الثمن. قال: ولم يختلف المذهب في هذا، وحصل في البيان المسألة على غير هذه الطريقة، وجمع في المسائل الثلاث ثمانية أقوال:

стр. 2884

أحدها: رواية ابن وهب أنهما يتحالفان ويتفاسخان ما كانت السلعة بيد البائع، فإن دفعها إلى المبتاع كان القول قوله سواء أقر بأجل أو لم يقر به، وهو اختيار سحنون. الثاني: يتحالفان ويتفاسخان ما كانت السلعة بيد البائع، فإن دفعها إلى المبتاع كان القول قول البائع إن لم يقر بأجل، والقول قول المبتاع إن أقر به. الثالث: يتحالفان ويتفاسخان، وإن قبض المبتاع السلعة ما لم تفت، فإن فاتت كان القول قول البائع إن لم يقر بأجل، وقول المبتاع إن تقاررا على الأجل أو اختلفا فيه، وهذا أحد قولي مالك وابن القاسم، وهو المشهور عنه. الرابع: يتحالفان ويتفاسخان، وإن قبض المبتاع السلعة ما لم تفت، فإن فاتت فالقول قول المشتري وإن لم يقر المبتاع بالأجل، وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ. الخامس: أن القول قول المشتري إذا ادعى من الأجل ما يشبه- كانت السلعة قائمة أو فائتة- وروى هذا عن ابن القاسم. السادس: أن البائع إن لم يقر بأجل كان القول قوله ما لم يدفع السلعة، فإن دفعها كان القول قول المشتري. السابع: أن البائع إذا لم يقر بأجل فالقول قوله، وإن دفع السلعة ما كانت قائمة فإن فاتت كان القول قول المشتري، وروى أيضاً هذا القول عن ابن القاسم، وهو قول العراقيين. الثامن: أن القول قول البائع إن لم يقر بأجل كانت السلعة قائمة أو فائتة، وإن أقر بأجل كان القول قول المشتري كانت السلعة أيضاً قائمة أو فائتة فلا يتحالفان ولا يتفاسخان في شيء، وهو قول مالك في رواية مطرف عنه.

стр. 2885

وإذا اختلفا في انتهائه فقط فالقول قول منكر التقضي أي: إذا اتفقا على الأجل واختلفا هل انقضى أم لا؟ كما لو اتفقا أن البيع وقع إلى شهر واختلفا هل انقضى أم لا؟ وذلك مستلزم لاختلافهما في أوله، وكان القول قول منكر التقضي، لأن الأصل ألا معاملة بينهما إلا بعد الثبوت. وفي تضمين الصناع: وإن تصادقا على أن الأجل شهران وادعى البائع حلوله وأنكر المبتاع حلف المبتاع وصدق. زاد في الواضحة عن ابن القاسم: وكذلك إن اختلفا في مقداره. واعلم أن قول المصنف: (منكر التقضي) أعم فائدة من قول غيره "قول المبتاع"، لأن المبتاع كما ينكر التقضي كذلك أيضاً قد ينكر المسلم التقضي، فيكون القول قوله، وكذلك يتصور فيما فيه ضمان. وإذا اختلفا في قبض الثمن أو السلعة فالأصل بقاؤهما، ويحكم بالعرف في بعضها كاللحم والبقل إذا بان به، وكغيرها إذا طال الزمان طولاً يقضي العرف بخلافه، ويرجع إلى العوائد .... يعني: إذا اختلف المتبايعان في قبض الثمن بأن يقول البائع: ما قبضته، ويقول المشتري: بل أقبضتكه، أو السلعة بأن يقول المشتري: لم أقبض السلعة، ويقول البائع: أقبضتها لك- فالأصل بقاؤهما، أي: بقاء الثمن في ذمة المشتري وبقاء السلعة في يد البائع، لأن الأصل عدم خروج الثمن من ذمة المشتري إلا ببينة أو إقرار، وكذلك المثمون الأصل بقاؤه بيد البائع، ثم ذكر أن العرف أن العرف يقدم على الأصل في مثل اللحم والبقل، وشبه هذه الأشياء في المدونة بالعرف، إذ العرف في مثل هذه الأشياء إعطاء الثمن قبل التفرق. وحكى المازري الاتفاق على اعتبار العادة هنا، وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في هذه الأشياء [٤٩٦/أ] بين أن تكثر أو تقل، وهو قول ابن أبي زمنين، ونقله عن ابن القاسم، وأنكر ذلك يحيي بن عمر فيما كثر، وجعله كسائر السلع القول فيه قول البائع.

стр. 2886

وقيد المصنف كون القول قول المشتري بالبينونة كالمدونة لاتفاق المذهب على رجحان قول المشتري حينئذٍ، ومفهومه أنه لا يقيد قبلها، وفيه تفصيل إذا قال: دفعته إليه بعد قبض الرطب، فالقول قول الرطَّاب باتفاق، وإن قال: دفعته قبل قبض الرطب فثلاثة أقوال: أحدها: أن القول قول البائع، وهو ظاهر قول مالك في العتبية. والثاني: أن القول قول المبتاع، رواه ابن القاسم في الموَّازيَّة. الثالث: أن القول قول المشتري في كل ما الشأن فيه قبض ثمنه قبل قبض المثمون، وهو قول ابن القاسم في الموَّازيَّة، حكاه ابن رشد. وحكى غيره في المسألتين قولين سواء قال: دفعته قبل قبض الرطب أو بعده، أما إن لم يقبض المشتري المثمَّن وادعى أنه دفع الثمن فلا خلاف أنه لا يعتبر قوله: وقوله: (وكغيرهما) أي: وكذلك القول قول المشتري في غير البقل واللحم كالدور والعروض مما لم يجر العرف فيه بالقبض، بشرط الطول لشهادة العرف حينئذٍ، لأن البائع لا يصبر إلى مثل هذا الزمان، وهذا هو الأصل أنه يرجع إلى العرف، ووقع في الرواية التحديد بالزمان، فمن ذلك ما قاله ابن حبيب: أما الرقيق والدور والدواب والرباع وشبه ذلك مما لا يباع على الدين ولا على التقاضي، فالقول قول البائع في عدم القبض ما لم يمض لذلك السنة والسنتان، فالقول قول المبتاع ويحلف. وأما التجارات مما يباع على التقاضي والأجل فالقول قول البائع، ما لم يمض لذلك عشر سنين أو أقل من ذلك مما لا يباع ذلك إليه، فيصدق المبتاع ويحلف. وروى ذلك مطرف وقال به. وساوى ابن القاسم بين البز والربع وغيره مما عدا الحنطة والزيت، وجعل القول قول البائع في ذلك كله وإن بعد عشرين سنة حتى يجاوز الوقت الذي يجوز البيع إليه.

стр. 2887

ابن محرز وابن يونس وغيرهما: والأصل في هذا أن يحمل على العرف في تلك السلعة ويقضي به، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (ويرجع إلى العوائد). وكذلك قال ابن بشير: إن حظ الفقيه أن يحيل على العوائد. والمثمون كذلك يحتمل أن يريد: وإن اختلفا في قبض المثمون فكذلك، أي: الأصل بقاؤه. لكنه تكرار لقوله في صدر المسألة: (أو السلعة). والظاهر أنه يريد: والاختلاف في قدر المثمون كذلك، أي: ففيه الأربعة الأقوال، وهكذا نص عليه المازري. ويؤيده أن الإشارة في كلامه بـ (ذلك) غالباً إنما هي في الخلاف. ويؤيده أيضاً قوله بعد هذا: والاختلاف في قدر المسلم فيه كالاختلاف في قدر الثمن في النقد أو قدر المبيع. فشبه بقدر المبيع، ولم يتقدم له ذكر إلا في هذا الموضوع على هذا الحمل. ولا يقال: التشبيه في كلامه لإفادة الحكم، لأنه قد يفعل ذلك لأنا نقول: التشبيه على ما تقدم هو الأغلب فهو أولى، والله أعلم. وإشهاد المشتري بالثمن مقتض لقبض المثمون عرفاً على المشهور أي: إذا أشهد المشتري على نفسه بتقرر الثمن في ذمته فذلك موجب لقبض السلعة لشهادة العرف بذلك، فإذا ادعى بعد ذلك أنه لم يقبض السلعة فالقول قول البائع على المشهور، وهل يحلف؟ قال أشهب في العتبية: يحلف إن كان بحضرة البيع والإشهاد. قال: وأما إن كف حتى حل الأجل، فقال: لم أكن قبضت السلعة، فلا قول له ولا يمين، والشاذ لابن عبد الحكم أن القول قول المبتاع في عدم القبض. فرع: يشبه هذا في ترجيح الفرق إذا أشهد البائع على نفسه بقبض الثمن. ثم قام يطلبه وقال: إنما أشهدت على نفسي ثقة مني بالمشتري. فهل يحلف المشتري له؟ فقال ابن المواز:

стр. 2888

يحلف، وأطلق. وروى ابن حبيب عن مالك وأصحابه أنه لا يحلف. وقال ابن حبيب: إلا أن يأتي بسبب يدل على ما ادعاه أو يتهم فيحلف. والأكثرون على أن البائع إن قام على المشتري بقرب البيع حلف، وإلا فلا، إلا أن يكون بين المتبايعين قرابة أو صداقة تشبه معها دعوى البائع، فيحلف له المشتري، وإلا لم يحلف. خليل: وانظر هل يتخرج قول ابن عبد الحكم هنا، أو تتخرج الأقوال التي هنا في اليمين في المسألة السابقة أم لا؟ وإذا اختلفا في الخيار فثلاثة: البت المشهور، والخيار، وكالثمن أي: إذا ادعى أحدهما أنه وقع على البت والآخر على الخيار فثلاثة أقوال: المشهور: أن القول قول من ادعى البت، لأنه الغالب من بيوع الناس. الثاني لأشهب: أن القول قول مدعي الخيار، لأن الأصل عدم انتقال الملك. ابن بشير: وبه كان يفتي من حقق النظر من أشياخي. والثالث لبعض الشيوخ: أن ذلك كاختلاف المتبايعين في مقدار الثمن، لأن الثمن يختلف بالكثرة والقلة لاختلاف أحوال البيع من بت وخيار. وإذا اختلفا في الصحة، ففيها: القول قول مدعيها، وقيل: إن غلب الفساد فالقول قول مدعيه، وكذلك قال سحنون في المغارسة: القول قول مدعي الفساد .... إذا اختلفا في الصحة والفساد فالمشهور وهو مذهب المدونة أن القول قول مدعي الصحة مطلقاً، وقيده ابن أبي زيد وغيره بأن يكون اختلافهما في ذلك لا يؤدي إلى الاختلاف في مقدار الثمن، كقول أحدهم: البيع وقع [٤٩٦/ب] يوم الجمعة، والآخر ينكره، وأما إذا أدى إلى الاختلاف فيه فيجري على حكم الاختلاف في الثمن.

стр. 2889

وفي ابن بشير: إن لم يؤد إلى الاختلاف في مقدار الثمن فالقول قول مدعي الصحة. وإن عده بالاختلاف في مقدار الثمن فطريقان: إحداهما: أنه يعطى حكم الاختلاف في الثمن. والثانية: حكم الاختلاف في الصحة والفساد. وإذا قلنا أنه كالاختلاف في الثمن فهل يتحالفان أو يحلف أحدهما؟ قولان: ظاهر ما في الموَّازيَّة أنهما يتحالفان كالاختلاف في قدر الثمن. وقال المتأخرون: بل تقال الأيمان. وإذا قلنا بهذا فهل يبدأ بيمين مدعي الصحة رجاء أن ينكل فيفسخ البيع، أو يبدأ بيمين مدعي الفساد فإن نكل تم البيع من غير يمين؟ لهم في ذلك طريقان. وغرض الجميع تقليل الأيمان. انتهى. وكان القول لمدعي الصحة، لأنها الغالبة في التعامل بين المسلمين، أو لأن البيع الصحيح هو الحقيقة. وعلى الأول فينبغي أن يكون القول الثاني تقييداً للأول ليس بخلاف، وهو قول عبد الحميد. واحتج بقول سحنون في المغارسة: القول قول مدعي الفساد فيها، لأن الغالب فسادها في زمانه. وبقول ابن القاسم في المدونة في الزوجة إذا أرخى الستر وادعت أنه وطئها فالقول قولها، ولو كان ذلك في نهار رمضان الذي لا يحل الوطء فيه، لأن الغالب مبادرة الزوج حينئذٍ إلى الوطء. ولأن ابن القاسم وافق على مسألة المغارسة في رواية حسين وأبي زيد، ولم ينقله في الجواهر على أنه خلاف كما فعل المصنف، والله أعلم. تنبيه: اعلم أن في اختلاف المتبايعين طريقين: الأولى: للمتأخرين، وهي ما حكاه المصنف.

стр. 2890

والثانية: لابن القصار سوى فيها بين اختلافها في مقدار الثمن والمثمون وبين الاختلاف في الأجل والرهن والكفيل والبت، وذكر في الجميع ثلاث روايات، وأسقط من الأربعة المتقدمة رواية ابن وهب الثانية اعتبار البينونة مع القبض، ورواها الطرطوشي. والاختلاف في السلم كذلك إلا أن المسلم إليه في قبض رأس المال إن كان عرضاً كالمشتري في النقد في قبض السلعة وفي فواتها .... يحتمل أن يشير بذلك إلى اختلافهما في الصحة والفساد، أو اختلافهما في مقدار الثمن، أو إلى جميع ما تقدم، وعلى هذا فيحلف إذا اختلفا في القدر ويتحالفان ويتفاسخان إذا اختلفا في الجنس، وقد صرح في المدونة بذلك، وعلى هذا فلا بد من تخصيص كلامه بما عدا الاختلاف في مقدار المسلم فيه، فإن المصنف سيذكره، وهذا هو الظاهر. ولما كان التشبيه يقتضي أن المسلم هو المشتري وأن المسلم إليه هو البائع، بين أن الأمر هنا على العكس، فبين أن المسلم إليه هنا كالمشتري والمسلم كالبائع. وإنما قلنا: إنه جعل المسلم إليه هنا كالمشتري، لأنه ذكر أنه يترجح قوله بالقبض، ثم شرط في قبض رأس المال المرجح لقول المسلم إليه أن يكون عرضاً، ثم بين ما يلحق فيه، فقال: (في قبض السلعة وفواتها). وفي اقتصاره على هذين القولين نظر، بل ينبغي أن يقول: فتأتي الأربعة الأقوال، وفيه أيضاً نظر آخر، لأن تقييده بالعرض يوهم أن العين ليس كذلك، فعلى هذا لو قبض المسلم إليه رأس المال وهو عين لاتفق على أنه لا يكون القول قوله وليس كذلك، بل القول قوله على رواية ابن وهب في الترجيح بالقبض، وتأتي بقية الأقوال وقد نص على ذلك المازري وسند، ولا خلاف بين العرض وغيره إلا فيما يقع به الفوات، ففي العرض بحوالة الأسواق فأعلى، وفي العين خلاف نبه عليه بقوله:

стр. 2891

وإن كان عيناً ففي وقت فواته ثلاثة: طول الزمان الكثير، أو طول ما أو غيبته عليه .... الأول من الثلاثة هو المشهور، والثاني ذكره ابن رشد، والثالث للتونسي، قال: والأشبه أنه لا فرق في الدنانير والدراهم بين كثير الطول وغيره، لأن الغيبة عليها تُفِيت عينها. والاختلاف في قدر المسلم فيه كالاختلاف في قدر الثمن في النقد أو قدر المبيع .... أي: إذا اختلف المسلم والمسلم إليه في قدر المسلم فيه مع اتفاقهما في جنسه وصفته فذلك جار على الاختلاف في قدر الثمن في النقد أو قدر المبيع، فإن كان قبل قبض رأس المال تحالفا وتفاسخا، وإن كان بعد قبضه فالأربعة الأقوال، وفي المدونة: القول قول المسلم إليه عند حلول الأجل إذا ادعى ما يشبه، وإلا فللمشتري إن ادعى ما يشبه، فإن ادعيا ما لا يشبه فقال ابن القاسم في المَّوازيَّة: يحملان على الوسط من سلم الناس يوم تعاقدا. المازري: وهو المشهور. وقال في الأَسْدِيَّة مرة بهذا مرة بهذا وأخرى بأنهما يتحالفان ويتفاسخان. تنبيه: وقوله في المدونة القول قول المسلم إليه عند حلول الأجل، قال ابن المواز: وأما إن اختلفا بقرب مبايعتهما فيتحالفان ويتفاسخان. وقال ابن حبيب: إذا اختلفا قبل الأجل في كيل الطعام صدق البائع إلا أن يأتي بما لا يشبه فيصدق المبتاع وإلا حمل على الوسط. ابن يونس: ظاهر هذا خلاف قول محمد، إذ قد يكون اختلافهما بقرب مبايعتهما وقد لا يكون، وابن حبيب لم يفصل وابن أبي زيد حمله على الوفاق.

стр. 2892

وإذا اختلفا في الموضوع صدق مدعي موضع العقد، وإلا فالبائع لأنه كالأجل، فإن تباعدا ولم يشبه واحد منها تحالفا .... [٤٩٧/أ] أي: فإن اختلفا في الموضع الذي يقبض فيه السلم، فإن ادعى أحدهما موضع العقد فالقول مع يمينه مطلقاً على المشهور، وهو مذهب المدونة، وقال سحنون: القول للبائع، ولو ادعى خلافه لأنه غارم. وقال أبو الفرج: يتحالفان ويتفاسخان إذا ادعيا ما يشبه، ولو ادعى أحدهما موضع التعاقد. وهذا إنما إذا كان اختلافهما بعد فوات رأس المال، وإلا تخافا وتفاسخا، نص على ذلك المازري وغيره وقد أهمله المصنف. وما هو الفوات؟ فسره المازري بطول الزمان، فقال: فإن وقع الفوت بطول الزمان وفسره سند بالقبض، وهو ظاهر المدونة في هذه المسألة، ونصها: قلت أرأيت إن اختلف المسلم إليه ورب السلم في الموضع الذي يقبض الطعام فيه فقال المسلم إليه: إنما قبضت منك دراهمك على أن أعطيك الطعام في الفسطاط، وقال الذي له السلم: إنما دفعت إليه على أن أقبض منك في الإسكندرية، فالقول قول البائع، لأن الموضع كالآجال. وظاهره اعتبار القبض. قوله: (وإلا) أي: وإن لم يدَّع منهما واحد موضع العقد فالقول للبائع، هو المسلم إليه، لأنه غارم كما أن القول قوله إذا اختلفا في الأجل، لأن اختلاف البلدان كاختلاف الآجال خلافاً لأبي الفرج، وإنما يكون القول قول البائع إذا أشبه قوله فقط أو أشبه ما قال كل واحد منهما، وأما إن لم يشبه إلا قول المشتري وحده فيعمل على قوله، وأما إن ادعيا معاً ما لا يشبه فقد نبه عليه بقوله: (فإن تباعدا) ولم يشبه قول واحد منهما، أي: وإن تباعدا في دعواهما فإن ادعى كل واحد منهما موضعاً بعيداً تحالفاً وتفاسخا. قاله في المدونة والموَّازيَّة والواضحة، لأنه وإن كان الأصل أن يعمل على قول المسلم إليه إلا أن العرف كذبه.

стр. 2893

تنبيه: ما ذكره من قوله: (وإلا فالبائع) لأنه كالأجل صحيح، وقد نص عليه في المدونة كما ذكرنا، لكن يبقى في كلام المصنف نظر، لأنه لم يقدم في الأجل أن القول قول البائع إلا على القول الشاذ فلا تصح الإحالة عليه. ... انتهى المجلد الخامس من كتاب التوضيح للشيخ خليل بن إسحاق الجندي ويليه المجلد السادس وأوله كتاب السلم

стр. 2894

التوضيح في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب تأليف خليل بن إسحاق الجندي المالكي (المتوفى سنة٧٧٦هـ) ضبطه وصححه الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب أستاذ الحديث النبوي وعلومه في كلية الدراسات الإسلايمة بسراييفو والأكاديمية الإسلامية بزينيتسا ومدرس العلوم الشرعية في معهد قطر الديني سابقاً المجلد السادس

стр. 2895

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 2896

السَّلَمُ لَهُ شُرُوطٌ: الأَوَّلُ: تَسْلِيمُ جَمِيعِ الثَّمَنِ خَوْفَ الدَّيْنِ بِالدَّيْنِ في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم أو وزن معلوم إلى أجل معلوم». واحترز بقوله: (جَمِيعِ الثَّمَنِ) مما لو نقد البعض فإنه لا يجوز، ونص على ذلك في المدونة، وبه قال محمد وغيره. ابن راشد: وهو المعروف، وذكر ابن القصار قولاً بإمضاء ما تناجزا فيه، وهو مبني على أحد القولين في الصفقة إذا جمعت حلالاً وحراماً، ولأشهب قول ثالث: يجوز أن يتأخر اليسير لا النصف؛ لأن اليسير تبع فيعطى حكم متبوعه، وأشار سند إلى تخريج قول بإجازة تأخير الثلث مما أجازه مالك في الموَّازيَّة في الكراء المضمون إذا نقد الثلثين وتأخر الثلث. وفرق غيره بأن مالكاً إنما أجاز ذلك في الكراء المضمون للضرورة؛ إذ الأكرياء يقتطعون أموال الناس، ولا ضرورة في السلم وأجرى اللخمي قولاً بالفرق بين أن يسمى لكل قفيز - مثلاً - ثمناً فيصح ما يقابل المقبوض، أولا فيبطل الجميع مما تقدم في الصرف من التفصيل لذلك، وفي تغليل المصنف بخوف الدين بالدين نظر من وجهين: أحدهما: أن الخوف إنما يستعمل في المتوقع لا في الواقع، وإن اشترط التأخير فالمحذور واقع، ولا يقال: قوله: (خَوْفَ الدَّيْنِ) تعليل لتسليم جميع الثمن؛ لأن الخوف مع التسليم منتفٍ. الثاني: أن العلة غير منعكسة؛ لأن الدين قد ينتفي، والمنع باق فيما إذا كان رأس المال سلعة معينة، وأخرت بشرط لعلة أخرى؛ لأنه بيع معين يتأخر قبضه.

стр. 2897

وَجُوِّزَ الْيَوْمَ والْيَوْمَيْنِ بِالشَّرْطِ، وَفِيهَا: وثَلاثَةٌ، وقِيلَ: لا يَجُوزُ يجوز في (جُوِّزَ) أن يُبنى للفاعل ويكون مالك ﵁، وأن يبنى لما لم يسم فاعله، وعليه تكلم ابن عبد السلام وقال: إنما أتى به مبنياً لما يم يُسَم فاعله؛ لأنه لم يستحسن ذلك لدخوله تحت الدين بالدين. وما نسبه للمدونة من الثلاثة هو في كتاب الخيار منها، والقول بأنه لا يجوز تأخيره بشَرْطٍ يوماً ولا يومين لابن سحنون، واختاره ابن الكاتب وعبد الحق وصاحب الكافي؛ لأنه ظاهر النهي عن الكالئ بالكالئ. الباجي: وإنما يجوز التأخير إلى اليومين والثلاثة على المشهور، وأما من يجوز السلم إلى هذه المدة فلا يجوز التأخير عنده إلى هذه المدة؛ لأنه عين الكالئ بالكالئ، ويجب أن يقبض عند هذا القائل في المجلس أو بالقرب منه. فَإِنْ أَخَّرَ أَكْثَرَ بِغَيْرِ شَرْطٍ فَقَوْلانِ أي: أكثر من ثلاثة أيام؛ يريد: والثمن من النقدين لما سيذكره، والقولان لمالك، وبالفساد قال ابن وهب، قيل: وهو الصواب، وهو ظاهر المدونة في السلم. الثاني: إذا ادعى أحدهما الفساد [٤٩٧/ب] فقال: تأخر شهراً، وفي السلم الثالث ما ظاهره مخالفة هذا، فقال: إن تأخر رأس المال أكثر من ثلاثة أيام من غير شرط فيجوز ما لم يَحِل الأجل فلا يجوز، والجواز قول أشهب ورجع إليه ابن القاسم في الموَّازَّية، ولابن وهب قول ثالث: إن تعمد أحدهما تأخيره لم يفسد، وإلا فسد، ولابن الماجشون وابن حبيب رابع: إذا مطل المبتاع للبائع رأس المال أو بعضه حتى حل الأجل، فالبائع مخير إن شاء أخذ منه رأس المال أو أعطاه طعامه أو يعطيه حصة ما نقده خاصة، وإن كان التأخير بسبب البائع لزمه الطعام كله.

стр. 2898

ابن عبد السلام: والأقرب الفساد؛ لأنه دين بدين، وفي معنى تأخيره تأخير النصف فأكثر، وقيل: يحلف في اليسير بناء على إعطاء اليسير حكم نفسه أو حكم الكثير، فإن حصل قبض رأس المال حساً ولم يحصى معنىً، كما لو اطلع المسلم إليه على أن بعض الدراهم ناقص أو زائف ففي مختصر ابن شعبان: أنه إذا جاء بدرهم ناقص فاعترف الآخر أنه ينتقص من السلم بقدره، ولا شك أن هذه الباب أخف من الصرف، فكل ما جاز في الصرف يجوز هنا من باب أولى. والمشهور وهو مذهب المدونة: جواز البدل وتأخيره اليومين والثلاثة. قال أشهب: إلا أن يكونا دخلاً على ذلك ليجيزا بينهما الكالئ بالكالئ، وهو تقييد بعض الموثقين، وهذا عندي لا يعرف إلا ببينة تشهد على أصل تعاقدهما في الشراء أو بإقرارهما معاً. المتيطي: وفسر سحنون ما في المدونة بأن الدراهم مكروهة أو زيوفاً، ولو كانت نحاساً أو رصاصاً ما حل أخذها، ولا التبايع بها. أبو عمران: وهو ظاهر المدونة. وقال في مختصر ابن شعبان: إذا جاء بدرهم ناقص واعترف الآخر به ينتقص من السلم بقدره، ولا شك أن هذا الباب أوسع من الصرف، قيل: ويجوز التأخير اليوم واليومين على قول ابن سحنون المتقدم أيضاً. أشهب: يجوز تأخير البدل أكثر من ثلاثة أيام بشرط أن يبقى من الأجل اليوم واليومين، فإن أخره بشرط أمد بعيد، فإن عثر على ذلك بعد يوم أو يومين أبطل تراخيهما وأمر بالتناجز والبدل، وإن لم يعثر على ذلك إلا بعد أيام كثيرة فالعقد فاسد.

стр. 2899

أبو بكر بن عبد الرحمن: العقدة كلها فاسدة؛ خوفاً من دخولهما على ذلك ابتداءً، ولم يفسد أبو عمران إلا قدر ما تأخر ويصح ما عده، ورأى غيرهما الصحة في الجميع، لصحة العقد أولاً. ويَجُوزُ الْخِيَارُ إِلَى مَا يِجُوزُ التَّاخِيرُ إِلَيْهِ بِالشَّرْطِ مِنْ غَيْرِ نَقْدٍ، فلو نَقَدَ - ولَو تَطَوُّعَاً - فَسَدَ؛ لأَنَّهُ إِنْ تَمَّ فَسْخُ دَيْنٍ فِي دَيْنٍ .... لما بين لزوم حكم العقد في السلم ذكر حكم الخيار فيه، وذكر أنه يجوز الخيار في السلم بشرطين: أولهما: أن يكون إلى ثلاثة أيام فأقل؛ إذ هو الذي يجوز تأخير النقد إليه. الثاني: لا ينقد ولو تطوعاً، ولو نقد فسد؛ لأن المسلم إذا نقد وتم العقد كان المسلم إليه قد أعطى سلعة موصوفة إلى أجل عن ثمن تقرر في ذمته، وذلك فسخ دين في دين، وعلى هذا فيجوز التطوع بما يعرف بعينه؛ لأنه لتعيينه ليس ديناً بدين. فائدة: تشارك هذه المسألة في عدم النقد ولو تطوعاً مسائل: إذا بيعت الأمة على خيار وفيها مواضعة لهذه العلة؛ لأن الثمن دين على البائع فإذا تم البيع بانقضاء مدة الخيار صار المشتري قد اقتضى من ذلك الذي دفعه جارية فيها مواضعة، وبيع الشيء الغائب بخيار والكراء على خيار والأرض غير المأمونة قبل الري. وأَمَّا غَيْرُ النَّقْدِ فَيَجُوزُ تَاخِيرُهُ لِتَعَيُّنِهِ، وَلَيْسَ دَيْناً بِدَيْنٍ لَكِنَّهُ كُرِهَ فِيِمَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالطَّعَامِ والثَّوْبِ، وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يُكَلِ الطَّعَامُ ولَمْ يُحْضَرِ الثوْبُ فِي مَجْلِسِ الْعَقْدِ؛ إِذْ لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَقُّ تَوفِيَةً .... هذا مستثنى من قوله: (جَمِيعِ الثَّمَنِ) أي: إنما يجب تسليم الجميع إذا كان نقداً، وأما غير النقد فيجوز تأخيره؛ لأنه لتعينه لا يكون ديناً، ثم ذكر أن مالكاً في المدونة كره

стр. 2900

تأخير الثوب والطعام؛ يريد: إذا كان التأخير بغير شرط، وأما إن كان بشرط فإنه يفسد. نص عليه في المدونة، وحمل ابن محرز وغيره الكراهة على إطلاقها، ومنهم من قيدها بما إذا لم يكل الطعام الذي هو رأس المال ولم يحضر الثوب محل العقد، أما إذا كيل الطعام وأحضر الثوب فقد انتقل ضمانهما إلى المسلم إليه وصار كالحيوان، فلا معنى للكراهة. وإليه الإشارة بقوله: (وَقِيلَ: إِذَا لَمْ يُكَلِ ... إلخ) ولم يذكر المصنف الحيوان، ولعله رآه كالعرض كما قال بعضهم، وقد ذهب فضل بن سلمة وبعض القرويين إلى أنه لا فرق بين العرض والطعام إذا أخره، ولم يذكر المعين بغير شرط حل الأجل أم لا، وأنه جائز ماض، وأنه إنما أطلق الجواز في المدونة في مسألة الحيوان؛ لأنه سئل عن أمر وقع وكرهه في الأخرى ابتداءً، كما يكرهه في الأولى، وإليه نحا أبو عمران أيضاً، وذهب ابن أبي زمنين وجماعة من الشارحين إلى أن مذهب الكتاب أن تأخير رأس مال السلم بغير شرط المدة الكثيرة على ثلاثة أقسام؛ ففي العين يفسخ، وفي العرض والطعام يكره فيهما ذلك ولا يفسخ، وفي الحيوان لا يكره ذلك فيه ولا يفسخ، لأن الحيوان مما لا يغاب عليه، وقال أبو محمد اللؤلؤي: الطعام أشد؛ إذ لا يعرف بعينه، وفرق [٤٩٨/أ] بين العروض والحيوان لأنهما مما يغاب عليهما، وهذا على القول بأن مصيبة الحيوان من مشتريه، وأما على القول بأن مصيبته من البائع فلا فرق بينه وبين العرض. خليل: وينبغي أن تحمل كراهة الإمام في الطعام على التحريم؛ لأنه إذا لم يكل لم يكن بينه وبين العين فرق، وينبغي إذا أحضر الثوب أن يجوز؛ لأنه بحضوره يتعين، فلا يكون ديناً بدين، والله أعلم. ويَجُزُ بِمَنْفَعَةِ مُعَيَّنٍ اتِّفَاقاً أي: ويجوز أن يكون رأس المال منفعة معين كدار معينة ونحو ذلك.

стр. 2901

واحترز بالمنفعة المعينة من المنافع المضمونة فلا يجوز أن تكون رأس المال؛ لأنه الكالئ بالكالئ، وحكى المصنف الاتفاق تبعاً لابن بشير، لكن ذكر المازري أن الشيخ أبو الحسن أشار إلى أن في الموَّازيَّة ما يدل على منع شراء المنافع بدين. فإن قيل: لِمْ أجازوا هنا أن يكون رأس المال منافع معين ومنع ابن القاسم أخذها عن دين؟ قيل: لأن اللازم في محل المنع فسخ دين في دين، وهو أشد من ابتداء الدين بالدين. والْمُجَازَفَةُ فِي الثَّمَنِ فِي غَيْرِ الْعَيْنِ جَائِزَةٌ كَالْبَيْعِ اتِّفَاقاً يجوز في الثمن؛ أي: رأس المال أن يكون جزافاً في غير المعين. ابن عبد السلام: وظاهر كلام القاضي أبي محمد منع كون رأس المال جزافاً لما يتوقع من طرو ما يبطل الثمن فيفضي إلى التنازع. ابن بشير في نوازله: والمذهب كله على خلافه. وقوله: (كَالْبَيْعِ) يحتمل وجهين: أحدهما: أن يكون قصد الاستدلال على من منع في السلم أن يكون رأس المال جزافاً؛ إذ هو بيع كسائر البيوع. والثاني: أن يكون قصد الإحالة على ما تقدم من شروط الجزاف، وما فيه من الخلاف. والثَّانِي: أَلاَّ يَكُونَا طَعَامَيْنِ ولا نَقْدَيْنِ؛ لِلنَّسَاءِ والتَّفَاضُلِ، وَلا شَيْءَ فِي أَكْثَرَ مِنْهُ؛ لأَنَّهُ سَلَفٌ بِزِيَادَةٍ، وَلا فِي أَقَلَّ مِنْهُ، لأَنَّهُ ضَمَانٌ بِجُعْلٍ .... الضمير في (يَكُونَا) عائد على العوضين، وتصور كلامه ظاهر، واختلف في سلم النخيل في الطعام؛ فمنعه ابن القاسم، وأجازه سحنون، وقال ابن سلمة: إن هو أزهى مُنِعَ، وإلا جاز.

стр. 2902

قوله: (لِلنَّسَاءِ والتَّفَاضُلِ) النساء يدخل في الجنس والجنسين، والتفاضل خاص بالجنس الواحد. قوله: (وَلا شَيْءَ فِي أَكُثَرَ مِنْهُ) أي: ولو كان من غير الطعام والنقدين. ومفهوم قوله: (فِي أَكْثَرَ مِنْهُ ... وَلا فِي أَقَلََّ) جواز سلم الشيء فيما يساويه، وفيه قولان: قول بالمنع مطلقاً وهو في الموَّازيَّية، وعزي أيضاً لأبي بكر الوقار، ومذهب المدونة الجواز بقيد ألا يقصد المسلم منفعة لنفسه، ففيها: فإن ابتغيت به نفع نفسك لم يجز؛ يريد: وكذلك إذا ابتغى به نفعهما جميعاً. وكَذَلِكَ فِي أَجْوَدَ وأَرْدَأَ عَلَى الأَصَحِّ أي: وكذلك يمتنع سلم الشيء في أجود منه وأردأ على الأصح تنزيلاً للجودة منزلة الكثرة، والرداءة منزلة القلة، ورأى مقابل الأصح أن اختلاف الصفة يصير الجنس كالجنسين. إِلا أَنْ تَخْتَلِفَ مَنَافِعُهُمَا كَجَذَعٍ طَوِيلٍ أَو غَلِيظٍ فِي جَذَعٍ يُخَالِفُهُ هذا استثناء من قوله: (الأَصَحِّ) الذي يمتنع في سلم الأجود في الأردأ أو بالعكس، فقال: إلا أن تكون منفعة الأجود والأردأ مختلفة فيجوز حينئذٍ سلم أحدهما في الآخر، وما ذكره المصنف قريب مما قاله في المدونة من أن الخشب لا يسلم فيها جذع في جذعين حتى يتبين اختلافهما كجذع نخل غليظ كبير غلظه وطوله، كذلك في جذوع قصار لا تقاربه فيجوز، ومنعه ابن حبيب، وصوبه فضل؛ لأن الكبير يصنع منه صغار، فيؤدي إلى سلم الشيء فيما يخرج منه، وأجيب بأوجه: أولها: حمل ما في المدونة على أن الكبير لا يصلح أن يجعل فيما يجعل فيه الصغار أو أنه لا يخرج منه الصغار إلا بفساد لا يقصده الناس.

стр. 2903

ثانيها: أن الكبير من نوع الصغيرز ثالثها: لعياض: المراد بالجذع الصغير المخلوق لا المنجور؛ لأن المنجور يسمى جائزة لا جذعاً. وعلى هذا فالكبير لا يخرج مه جذوع بل جوائز، فلا يلزم عليه سلم الشيء فيما يخرج منه، لكن قول المصنف: (كَجَذَعٍ طَوِيلٍ أَو غَلِيظٍ) يقتضي أنه يجوز إذا كان طويلاً فقط، وهو لا يتأتى فيه الجواب الثالث. تنبيه: الجواب الثاني: إنما يصح إذا بنينا على أن الخشب أصناف، وهو ظاهر كلام ابن أبي زمنين، فإنه قال: قوله في المدونة: "يمتنع سلم جذع في نصف جذع" لو كان الجذع من نوع واحد مثل الصنوبر، ويكون نصف الجذع من نخل أو نوع آخر غير الصنوبر لم يكن به بأس على أصل ابن القاسم. وفي الواضحة: الخشب صنف وإن اختلفت أصوله، إلا أن تختلف المنافع والمصارف مثل الألواح والجوائز وشبهها. وتردد بعضهم في كلام ابن حبيب هذا هل هو موافق لما قاله ابن أبي زمنين أو مخالف؟ لأن ظاهر كلام ابن أبي زمنين الاكتفاء في المخالفة باختلاف الجنسين، وابن حبيب لم يعتبر إلا المنافع، لكن لا يبعد أن يريد ابن أبي زمنين أن مطلق اختلاف الجنس لا بد معه من قيد اختلاف المنفعة فيتفق قولان: وَكَالحِمَارِ الْفَارِهِ فِي الأَعْرَابيِّ هذا معطوف على الجائز فهو جائز، والفراهة عبارة عن سرعة السير، وضابط هذا أن اختلاف المنفعة تصير الجنس الواحد جنسين، ولابن القاسم في الموازية قولان آخران: أحدهما: أن حُمُرَ مصر كلها صنف رفيعها ووضيعها، وإن كان بعضها أَسْيَرُ مِنْ بَعْضٍ وأحمل.

стр. 2904

عياض: وهو مذهب المدونة، وقال، وتأول فضل على [٤٩٨/ب] المدونة خلافه. خليل: والظاهر ما تأوله فضل فإن بين الحمر عندنا بمصر اختلافاً كثيراً قل أن يوجد ذلك ببلد. الثاني: أن الحُمُرَ كلها صنف، والمشهور أن البغال والحمير جنس، وهو مذهب المدونة، خلافاً لابن حبيب أنهما جنسان إلا أن يقرب ما بينهما، هكذا حكى القولين جماعة. ورأى فضل أن ذلك ليس بخلاف، وأن كل واحد تكلم على عادة بلده وأن بينهما بالأندلس اختلافاً بَيِّنَاً، وفي مصر الأمر بخلافه. وليس بظاهر؛ فإن الاختلاف فيها بمصر أظهر، وعورض مذهب المدونة هنا بمنعه في القسمة جمع البغال والحمير في قسم القرعة، ولولا أنهما عنده جنسان لأجاز الجمع بينهما وأجاب ابن يونس وغيره بأنه احتياط في البابين. ابن عبد السلام: وهو جواب ضعيف؛ لأنه جمع في القسم بين الثياب التي لا شك في أن أجناسها مختلفة وأن منافعها متباينة كثياب الحرير والقطن والصوف والكتان، فأي احتياط هنا؟! فإنه يجوز سلم الحرير في الصوف. واختلف في سرعة السير، فلم ير محمد ذلك شيئاً. وقال عبد الملك: إذا اختلفا في سيرهما كاختلاف الخيل جاز سلم أحدهما في الآخر، قال: لأن فضل السير هو الذي يراد في البغال والحمير. اللخمي: وهو أحسن؛ لإنه زيادة فضل يزاد في الثمن لأجله. وكَالْجَوَادِ فِي حَوَاشِي الْخَيْلِ الجواد هو السابق، قال في الموَّازيَّة: وليس الفرس الجميل السمين العربي صنفاً حتى حتى يكون جواداً سابقاً.

стр. 2905

وقال ابن حبيب: ليس السمن في الخيل يوجب الاختلاف؛ لأن المبتغى منه السبق والجودة، إلا البراذين العراض التي لا جري لها ولا سبق، بل تراد لما يراد لها البغال من الحمل والسير، فلا بأس أن يسلم الواحد منها في اثنين من خلافه، وجعل اللخمي الجمال مما تختلف به الخيل بشرط أن يقابله العدد، فيجوز سلم حميل في اثنين دونه؛ لأنه بمعنى المبايعة، وأما حميل في دونه فلا، وهو الأظهر. وَكَذَلِكَ الإِبلُ أي: يسلم النجيب في غيره. ابن عبد السلام: المعتبر عندهم الحمل خاصة، وليس السبق بمعتبر. خليل: فسر التونسي النجابة بالجري فقال: النجيبة منها صنف، وهو ما بان بالجري، والجمال صنف، والدنيء صنف، وينبغي اعتبار كل من الحمل والسبق والسير، وهو الذي قاله اللخمي. والْبَقَرُ وَالْمَعَزُ قال المازري: تعتبر النجابة في ذكور البقر بالقوة على الحرث، وأما إناثها فمذهب ابن القاسم أنها كالذكور إنما تختلف بقوة العمل، وذهب ابن حبيب إلى أن الإناث إنما يعتبر فيها اللبن. عياض: وما في الأسدية يرد عليه، وهو المعروف من مذهب ابن القاسم أن الحرث يراعى فيها: تنبيه: الجواز على مذهب ابن القاسم إنما هو إذا كان في معنى المبايعة، بأن تسلم البقرة القوية في البقرتين أو أكثر، أما سلم بقرة قوية في بقرة ليست كذلك فنص بعضهم على

стр. 2906

المنع، وهو ظاهر؛ لأنه ضمان بجعل، وعكسه سلف بزيادة، لكن نص في الموازية على خلافه، فإنه أجاز فيها سلم الفرسين السابقين في فرسين ليسا كذلك. قوله: (وَالْمَعَزُ) أي: فيعتبر فيه الاختلاف بغزارة اللبن، حكى المازري على ذلك الاتفاق. خليل: وانظر كيف اعتبروا غزارة اللبن في المعز ولم يعتبرها ابن القاسم في البقر، ولعل ذلك لأن المعز لا يمكن فيه غير ذلك. وفيه نظر. بخِلافِ الضَّانِ عَلَى الأَصَحِّ فلا يعتبر الاختلاف باللبن في الضأن على الأصح، وحكاه ابن حبيب عن مالك وأصحابه وقال به، قال: ولا يُعْرَفُ مِنْ غَزَرِ اللبنِ في الضأن ما يوجب ذلك، وغير الأصح اعتبار غزارة اللبن في الضأن كالمعز، وعزاه اللخمي لابن الماجشون. ابن يونس: وهو ظاهر المدونة، ولا سيما وقد جعل في المدونة الضأن والمعز كالجنس الواحد، قال فيها: ولا تسلم صغار الغنم في كبارها ولا معزاها في ضأنها، ولا ضأنها في معزاها؛ لأنها كلها منفعتها اللحم لا الحمولة، إلا شاة غزيرة اللبن موصوفة بالكرم، فلا بأس أن تسلم في حواشي الغنم فأطلق. وقال عبد العزيز بن أبي سلمة: الضأن والمعز صنفان. وكَذَلِكَ كَبِيرٌ فِي صَغِيرٍ، وصَغِيرٌ فِي كَبِيرٍ عَلَى الأَصَحِّ بِشَرْطِ أَلا تَكُونَ الْمُدَّةُ تُفْضِي إِلَى مَعْنَى الْمُزَابَنَةِ فِيهِ، بِخِلافِ صَغِيرِ الآدَمِيِّ عَلَى الأَصَحِّ .... لما ذكر أن الجنس يختلف بالمنفعة شرع فيما يقع به الاختلاف من الصغير والكبير؛ أي: وكالاختلاف بالمنافع الاختلاف بالكبر والصغر.

стр. 2907

قوله: (كَبِيرٌ فِي صَغِيرٍ) يحتمل أن يريد الجنس فيصدق على كبير في صغير وعكسه، وعلى كبيرين في صغيرين، وعلى كبير في صغيرين وعكسه، وعلى صغير في كبيرين وعكسه. ويحتمل أن يريد الواحد، ويكون التعدد مأخوذاً منه من باب الأولى؛ لأن كل من أجاز مع الواحدة أجاز مع التعدد، والأصح ظاهر المدونة؛ لأن فيها: وتسلم كبار الخيل في صغارها، وكذلك الإبل والبقر، وعليه حملها ابن لبابة وأبو محمد وغيرهما واختاره الباجي، وغير الأصح: لا يجوز سلم أحدهما في الآخر مطلقاً، سواء اتحد أو تعدد. وفهم بعضهم المدونة عليه، وهو في الموازية، ففيها: لا خير في قارح في حولين، ولا حولي في قارح، ولا صغير في كبيرين، وهذا من الزيادة في السلف. سند: فجعلهما جنساً واحداً حتى تختلف المقاصد فيكون العدد من أحد الجنسين، والكبير من الجهة الأخرى ككبير في صغير. قال جماعة: ولا خلاف في جواز هاتين الصورتين. وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر؛ [٤٩٩/أ] لأنه لم يستثنهما، وهذا إنما يأتي على الاحتمال الأول، وهو إرادة الجنس، أما على إرادة الواحد فيصير مفهومه الجواز مع التعدد، وهو مذهب العتبية، فإن عياضاً وغيره نقلوا عنها منع سلم صغير في كبير، وعلله بأنه زيادة في السلف، وجواز سلم صغيرين في كبيرين وعكسه، وجعل اختلاف العدد مقصوداً، واستشكله ابن يونس فقال: جعل صغيرين في كبيرين بمعنى البيع وصغير في كبير بمعنى السلف، ووهم المازري في حمل المدونة على هذا، قال: وسبب الوهم أنه ذكر أولاً منع صغير في كبير وعكسه، ثم قال: والذي يشبه التبايع سلم كبير في صغيرين وعكسه، قال: وكذلك صغيرين في كبيرين وعكسه، وفهم عنه أن يفرق بين الواحد والاثنين، وهو السابق إلى فهم قارئه، ويمكن أن يوجد بينهما فرق، قال: وقد يحتمل ما قاله في الاثنين أنه عطف على أول كلامه بالمنع، وظاهر كلام المصنف جواز سلم صغير

стр. 2908

الغنم في كبيرها لتعميمه، وهو مذهب ابن وهب في مختصر ما ليس في المختصر، ولذلك جاز سلم كبش في خروفين، ومذهب المدونة خلافه، ففيها: لا تسلم صغارها في كبارها. وسئل ابن القسم: لِمَ كره مالك ذلك؟ فقال: ليس بين الصغير والكبير تفاوت إلا اللحم ولا أرى ذلك شيئاً. سند: وهذا هو المعروف في المذهب فكان ينبغي للمصنف أن يذكره مع صغير الآدمي؛ لاتحاد المشهور فيهما، ولهذا قال ابن القاسم: الصغار والكبار من سائر الحيوان مختلفان إلا في جنسين خفيفين: الغنم وبني آدم. قال في الموازية: والحولي صغير، والقارح والربع كبير، وقال ابن حبيب: صغار الحمر ما لم تبلغ الحمل والركوب، وقال في الإبل: الصغار فيها التي لا حمل لها. وقال الباجي في البقر: حد الكبير في الذكور أن يبلغ حد الحرث، ومثله في الإناث على قول ابن القاسم، وعلى قول ابن حبيب أن تبلغ سن الوضع واللبن. وقوله: (بِشَرْطِ ... إلخ) إذا قلت: بجواز سلم الكبير في الصغير وعكسه فهو مشروط بأن لا يكون بينهما من المدة ما يؤدي إلى معنى المزابنة، فلا يسلم كبير في صغير إلى أجل ينتج فيه الكبير صغيراً، ولا يسلم الصغير في الكبير إلى أجل يصير فيه الصغير كبيراً، ومعنى المزابنة فيهما الخطر والقمار؛ لأنه إذا أعطاه الصغير في الكبير إلى أجل يكبر فيه فكأنه قال: اضمن لي هذا إلى أجل كذا فإن مات ففي ذمتك، وإن سلم عاد إلي وكانت منفعته لك، وإذا أعطاه الكبير في الصغير فكأنه أخذ هذا الكبير على صغير يخرج منه؛ أي: تلده الكبيرة فصار كمن أسلم شيئاً فيما يخرج منه والمزابنة في تقديم الصغير في الكبير؛ لأنه أعطاه الصغيرة في الكبيرة إلى أجل يبكر فيه الصغير. ابن بشير: لأنه كمن أخذ صغيراً مشفع ويضمنه حتى يكبر، والبغال لا تنتج فسلمت من هذا التقدير.

стр. 2909

قوله: (بِخِلافِ صَغِيرِ الآدَمِيِّ) أي: إن صغير الآدمي صنف واحد مع كبيره؛ فلا يسلم كبير في صغير وعكسه، وسواء اتحد العدد أو اختلف، والأصح حكى المازري الاتفاق عليه، ومقابله اختيار اللخمي، قال: القياس عندي أن يكون صغير الرقيق جنساً مخالفاً لكبيره، واحتج بخلاف المنافع. ابن عبد السلام: واختياره هو الصواب عندي. وبخِلافِ طَيْرِ الأَكْلِ باتِّفَاقٍ يعني: أن طير الأكل لا يجوز سلم صغيرها في كبيرها ولا كبيرها في صغيرها باتفاق، ولكنه مقيد بالصنف الواحد. ففي الواضحة الديكة والدجاج صنف واحد صغارها وكبارها، والإوز صنف، والحمام صنف لا يفترق في ذلك ذكر ولا أنثى، ولا صغار ولا كبار، وأخرج بطير الأكل طير التعليم، فإنه يختلف بسببه، وهل يختلف بالبيض؟ قال ابن القاسم: لا، وقال أصبغ: يختلف؛ فيجوز على قوله: أن تُسْلَمَ الدجاجة البَيُوَضُ في اثنين أو أكثر غير بيوض. والذُّكُورِةُ والأُنُوثَةُ فِي الآدَمِيِّ مُلْغَاةٌ عَلَى الأَشْهَرِ كَغَيْرِهِ بِاتِّفَاقٍ يعني: أن الذكورة والأنوثة لا يختلف بها غير الآدمي من الحيوان باتفاق، وهل يختلف فيها الآدمي؟ الأشهر أنه لا يختلف كغيره، قاله مالك في المدونة والعتبية. وأكثر المتأخرين على مقابله، لاختلاف المنفعة، فإن منفعة الذكور المنفعة الظاهرة ومنفعة الأناث المنفعة الباطنة. وحكى المازري أن بعضهم خَرَّجَهُ مِنَ الاختلاف فيمن أسلم دجاجة بيوضة في ديكين. وفيه نظر؛ لأن الحيوان إنما قيل به للبيض لا للذكورة والأنوثة فقط، وأن اللخمي خرجه من الاختلاف فيمن حلف بحرية من يملك من الذكور أو الإناث هل تلزمه هذه

стр. 2910

اليمين أم لا؟ فمن ألزمه بنى على أنها جنس فيكون كمن حلف بعتق بعض الجنس، ومن لم يلزمه بنى على أنهما جنسان، فلما حلف بعتق الذكور كان كمن لم يعم الجنس، وهذا مذهب المدونة في العتق الأول، وهو خلاف ما نص عليه في السلم أنهما جنس واحد. وفيه نظر؛ لأن غاية ما يستفاد من مسألة الحالف اختلاف الجنسية، واختلاف الجنسية أعم من اختلاف المنفعة أو اتحادها، والحاصل مما تقدم من قوله: (الْجَوَادِ) إلى هنا أن الجيد لا يسلم في الرديء لما تقدم أن الجودة والرداءة لا ينقل جنسها على الأصح عن أصله إلا إذا كان معها معاراً آخر، ولذلك يسلم البعير المعروف بالنجابة في حواشيها كالخيل والبقر القوية على الحرث والعمل في حواشيها، والشاة الغزيرة اللبن في حواشي الغنم، والصغير والكبير مختلفان في سائر الحيوان إلا الغنم وبني آدم؛ لأن المراد من الغنم الغالب في اللحم، ومن بني آدم الخدمة في الحال والمآل، وأما غيرهما فمنافعها شتى كالقوة على الحمل، والنجابة في الجري. أبو الظاهر: الحيوان ناطق، وغيره؛ فالناطق نصوص المتقدمين: لا يختلف [٤٩٩/ب] بالكبر والصغر. وغير الناطق مأكول وغيره؛ وغير المأكول اختلف فيها المذهب كالخيل والبغال والحمير، وهو خلاف في شهادة. والمأكول ثلاثة: صنف فيه القوة على الحمل والعمل كالإبل والبقر فلا خلاف أن الصغير بخلاف الكبير، وصنف ليس فيه منفعة مقصودة ولا قوة على الحمل والعمل كالطير الذي للأكل لا للولادة لا خلاف في تسوية الكبير والصغير؛ لأن المقصود منهما معاً مجرد اللحم، وصنف لا قوة فيه على الحمل والعمل وفيه منفعة مقصودة وهي الذرية والنسل كالغنم ففيه قولان وهما خلاف في شهادة. والصَّنَائِعُ النَّادِرَةُ فِي الآدَمِيِّ كَالتَّجْرِ والْحِسَابِ وَشِبْهِهِ مُعْتَبَرَةٌ بِاتِّفَاقٍ كلامه ظاهر التصور، ولا يريد بـ (النَّادِرَةُ) أن تكون الصنعة قليلة الوجود جداً على ما يتبادر إلى الذهن من هذا اللفظ، وإنما مراده ما يوجد في بعض الأشخاص دون بعض.
следующие страницы →