← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

ولَوْ أَذِنَ لِلرَّاهِنِ فِي وَطْءٍ بَطَلَ الرَّهْنُ، وكَذَلِكَ فِي إِسْكَانٍ أِو إِجَارَةٍ مقتضاه: أن مجرد الإذن كافٍ في البطلان وهو نص المدونة في حريم البئر، ففيها: لو أذن المرتهن للراهن أن يسكن أو يكري؛ فقد خرجت الدار من الرهن وإن لم يسكن ولم يكرِ. وقال أشهب: بل حتى يكريها. وظاهر كلام غير واحد أن قول أشهب خلاف، وصرح بذلك المازري. وقال ابن حارث: معنى قول ابن القاسم أن الرهن كان على يد أمين، ومعنى قول أشهب: أن الرهن كان على يد المرتهن. وهكذا نقل ابن راشد قول ابن حارث، وذكره المازري على أنه قول ثالث في المسألة، فقال: فقد رأى ابن القاسم أن مجرد الإذن كالترجيح بإسقاط حق المرتهن، وكما أن عقد الرهن يلزم بالقول فكذلك يسقط وهو الأشبه بأصل المذهب، واستصحب أشهب الحوز. تنبيه: وقع في المدونة في الرهن فيمن ارتهن رهناً فقبضه ثم أودعه للراهن أو أجاره أو أعاره إياه أو رده إليه بأي وجه كان حتى يكون الراهن هو الحائز له؛ فقد خرج من الرهن. وجعله ابن عبد السلام مخالفاً لما في كتاب حريم البئر، وكذلك قال أبو الحسن، وظاهر هذا: أن مجرد الإذن لا يبطل، وفيه نظر؛ لأنه لا منافاة بين البابين، لأنه نص في باب الرهن على وجه متفق عليه، وبين ما في حريم البئر أن الرهن يبطل بمجرد الإذن، وقد حمل ابن يونس وغيره ما في حريم البئر على أنه تقييد لما في الرهن، ولم ينقل المازري عن ابن القاسم إلا ما في حريم البئر، والله أعلم. وَلَكِنْ يَتَوَلاَّهُ الْمُرْتَهِنُ بِإِذْنِهِ ضمير (يَتَوَلاَّهُ) عائد على ما فهم من إجارة وإسكان، يعني: ولكن إن أراد الجمع بين صحة الإجارة وتمام الرهن فليتول المرتهن الكراء بإذن الراهن له في ذلك. وظاهر

стр. 3012

كلامه: أنه لو لم يأذن له لم يكن له ذلك، وهو قول ابن القاسم وأشهب، زاد أشهب: إلا إذا اشترط أن كراءه رهن مع رقبته؛ فله أن يكريه حينئذ بغير إذنه. وقال ابن عبد الحكم: للمرتهن أن يكري الرهن دون إذن الراهن. ونقل بعضهم عن ابن الماجشون: أن المرتهن إذا ترك كراء الدار ولكرائها خطب وقدر؛ أنه ضامن يوم ارتهانها، لأنه تعمد إبطالها ما لم يكن الراهن عالماً بذلك، فحينئذٍ لا يكون على المرتهن ضمان، لأن رد بينته وسكوته رضى. وحكى بعضهم عنه أنه يستحب لمرتهن الدار أن يكري الدار بؤامرة ربها إن كان حاضراً، وإن ترك ذلك جاز ومضى إذا اجتهد، ولا منافاة بينه وبين ما حكى الأول فتأمله. وَيَدُ الْمُرْتَهِنِ بَعْدَ الْمَوْتِ أَوِ الْفَلَسِ لا يَثْبُتُ بِهَا الْحَوْزُ وَإِنِ اتَّفَقَا، إِلا بِبَيِّنَةٍ بِمُعَايَنَتِهِ أَنَّهُ حَازَهُ قَبْلُ .... يعني: إذا وجد بيد من له دين على شخص سلعة للمدين بعد موته أو فلسه وادعى أنها رهن عنده؛ لم يصدق في ذلك ولو وافقه المرتهن؛ خشية أن يتقارر الإسقاط حق الغرماء. عبد الملك: وفي الموَّازيَّة والمجموعة: ولا ينفعه ذلك حتى يعلم أنه حازها قبل الموت والفلس. محمد: صوابه لا ينفعه إلا بمعاينة الحوز، وهو الذي ذكر اللخمي أنه لا بد من معاينة البينة لقبض المرتهن، وذكر ابن يونس أول كتاب الرهن قولين؛ أعني: هي يكفي معاينة الحوز أو التحويز؟ واختار الباجي الحوز. قال: ولعله قول محمد، ولكن ظاهر لفظه خلافه. وذكر ابن عبد السلام عن بعض الأندلسيين: أن الذي جرى عليه العمل عندهم أنه إذا وجد الرهن بيد المرتهن وقد حازه كان رهناً، وإن لم يحضر الحيازة. وفي المقدمات: ولو وجد الرهن بيد المرتهن فادعى أنه قبضه قبل التفليس وجحد ذلك الغرماء؛ جرى الأمر فيه على الاختلاف في الصدقة توجد بيد المتصدق عليه بعد موت المتصدق فيدعي قبضها في صحته. وفي المدونة دليل على القولين جميعاً، ولو لم يتعلق بذلك حق الغرماء لوجب

стр. 3013

أن يصدق المرتهن. ويقبل إقراره أنه قد حاز الرهن فيكون إقراره له كشاهد على حقه إلى مبلغ قيمته. ابن عبد السلام: ولو شهد شاهدان بالحيازة وآخران بعمدهما عمل بشهادة الحيازة لزيادتها. وقول المصنف: (بِمُعَايَنَتِهِ أَنَّهُ حَازَهُ) يحتمل كلاًّ من القولين، لكن المفهوم من المعاينة أنه لا بد من الشهادة على الحوز. وَكَذَلِكَ يَدُ الأَمِينِ يعني: فلا يقبل قوله أنه حازه إلا بالبينة، وهكذا نقل الباجي عن ابن الماجشون، واقتصر عليه اللخمي ولم يعزه، وبه قال ابن عتاب، قال: شهادة الأمين في ذلك ضعيفة. وقال سحنون: تقبل شهادة العدل الموضوع على يده الرهن في الدين. وَلَوْ بَاعَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ نَفَذَ وَأَتَى بِرَهْنٍ مَكَانَهُ يعني: فلو باع الراهن الرهن قبل أن يقبضه المرتهن نفذ البيع وإن كن لا يجوز له ذلك ابتداء، ولزم الراهن أن يأتي برهن آخر مكان المبيع يوضع إلى أجله. وهذه إحدى روايتي الموَّازيَّة، ونقله محمد عن ابن القاسم وأشهب وابن عبد الحكم. والرواية الثانية: أنه لا يلزمه الإتيان برهن، ونقله أيضاً عن ابن القاسم، ونص ابن عبد السلام على أن هاتين الروايتين فيما إذا لم يفرط في الطلب، ونقل عن بعضهم أنه جعل للمرتهن نقض البيع ورد الرهن على ما وقع عليه الشرط أولاً، فإن فات بيد مشتريه كان الثمن رهناً، وظاهر المدونة كالثانية خلاف ما ذكره المصنف، ولفظها: وإن بعت من رجل سلعة على أن يرهنك عبده ميموناً ففارقته قبل قبضه؛ لم يبطل الرهن ولك أخذه منه ما لم تقم الغرماء فتكون أسوتهم، وإن باعه قبل أن يقبض منه مضى البيع، وليس لك أخذه برهن غيره؛ لأن تركك إياه حتى باعه كتسليمك إياه. فظاهر احتجاجه بقوله: "لأن

стр. 3014

تركك إياه ... إلخ" راجع إلى سقوط طلب المرتهن لرهن آخر لا إلى نقض البيع. وتأول ابن القصار وغيره المدونة على أن المرتهن فرط في قبض الرهن وتوانى، لقوله: "لأن تركك إياه .. إلخ" ولو لم يكن من المرتهن تفريط ولا توان لكان له مقال في رد البيع، فإن [٥١٥/ب] فات بيد مشتريه كان الثمن رهناً، وكذلك تأولها الشيخ أبو محمد على أنه تراخى في القبض، فإن لم يتراخَ في القبض فبادر الراهن البيع لم يبطل الرهن ومضى البيع وكان الثمن رهناً، وعلى هذا فيتلخص أن البيع يمضي إن كان المرتهن فرط، وإن لم يفرط فقولان، ونص عبد الملك في المجموعة على إمضاء البيع وإن لم يفرط. عياض: وأشار بعض شيوخنا إلى أن هذا فيما كان من الرهن شرطاً في أصل العقد فباعه الراهن بعد التراخي، وأما ما كان بيعه مبادرة لإخراجه من الرهن فينتقض فيه البيع، فإن فات في يد مشتريه بقي الثمن رهناً، وأما ما تطوع به من الرهن بعد العقد فحكمه في بيعه قبل قبضه كحكم بيع الهبة قبل قبضها. ونقله ابن عبد السلام عن غير واحد، وقيد ابن المواز وغيره ما تقدم من إمضاء بيع الرهن ولا طلب له برهن آخر بما إذا أسلم البائع السلعة، ولو بقيت بيده لم يلزمه تسليمها فرط أو لا حتى يأتي برهن. وَبَعْدَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَهُ رَدُّهُ فإِنْ أَجَازَهُ تَعَجَّلَ حَقَّهُ. وَرُوِيَ أَنَّهُ إِذَا بِيعَ بِمِثْلِ الدَّيْنِ وقَدْرِهِ فَأَكْثَرَ مَضَى وتَعَجَّلَ، وإِلا فَلَهُ أَنْ يُجِيزَ أَو يَرُدَّ .... وإن باع الراهن الرهن بعد قبض المرتهن له بغير إذنه؛ فمذهب المدونة: له إجازته ورده، فإن أجاز تعجل حقه. (وَرُوِيَ ... إلخ) هو لمالك في الموَّازيَّة. وأول صاحب البيان المدونة على وجه تتفق فيه مع الموَّازيَّة، لأنه قال: معنى المدونة أن له رد البيع إذا باعه بأقل من حقه، أو كان الدين عرضاً أنه لا يلزمه قبض العرض قبل حلوله إلا أن يكون من قرض، ونحوه للخمي، ولعل المصنف لهذا لم يصرح بمخالفة الرواية الثانية للأولى، وإلا

стр. 3015

فكان يمكنه أن يقول: فإن بيع بأقل من الدين أو بغير جنسه خير المرتهن، وإلا ففي تخييره قولان لابن القاسم ومالك ليكون أخصر. وقوله في المدونة: وإن أجاز تعجل حقه. قال فيها: شاء الراهن أو أبى، وهو مقيد بأن يحلف أنه إنما أجاز لذلك. صرح بذلك في التلقين، وقوله في الموَّازيَّة: بمثل الدين. أي: في الجنس والصفة والقدر. ابن راشد: وقوله: وإلا يدخل فيه ثلاث صور، وهي واضحة. ونص هذه الرواية عند ابن يونس: وإن باعه بعد الحوز وهو بيد المرتهن أو بيد أمين؛ فإن باعه بمثل الحق فإنه يجعل للمرتهن حقه، وإن لم يحل الأجل وينفذ البيع، ولا حاجة للمرتهن في حقه لأنه مضار إلا أن يباع بأقل من حقه فله أن يرده أو يمضيه ويتعجل الثمن ويطلبه بما بقي. ابن المواز: وكذلك إن باعه بثمن يخالف حق المرتهن فله نقض البيع. محمد: وقد كان من رواية ابن القاسم وأشهب: أنه إذا باعه بعد الحوز فلا بيع له ويرد والأولى أحب إلي وعليه أصحابه أنه ينفذ بيعه ويتعجل حقه إن بيع بمثل دينه. أشهب: وإن استهلك ثمن الرهن قبل أن يدفعه إلى المرتهن؛ فإن كان عنده وفاء وداه وتم البيع وإلا فللمرتهن رد البيع، وانظر كيف جعل قوله: (إِنْ بِيعَ بِمِثْلِ الدَّيْنِ) في الرواية، وإنما هو من قول ابن المواز، وقيد اللخمي ما ذكره في الموَّازيَّة من أن للمرتهن رد البيع إذا بيع بأقل من الدين بما إذا لم يكن ذلك الوقت وقت نفاذ بيعه. قال: وإلا فلا رد له، وإن لم يوف بالدين، لأن المنع ضرر على الراهن من غير منفعة للمرتهن. وعن أشهب: إن لم يجز المرتهن بيعه وفي ثمن الرهن وفاء وللراهن مال؛ فلا يلتفت إليه ويمضي البيع وإلا نقض، وإن أجاز بيعه بغير إذنه إلى أجله ووقف له الثمن رهناً، إلا أن يأتي الراهن برهن ثقة يشبه الذي باع. وقال سحنون: وإن لم يأت برهن يشبه الذي باع عجل له الثمن، إذ لا فائدة في إيقافه، ورواه ابن عبد الحكم عن مالك.

стр. 3016

فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ ولَمْ يُسَلِّمْهُ، وقَالً: أَذِنْتُ لأَتَعَجَّلَ؛ حَلَفَ وَأَتَى بِرَهْنٍ مَكَانَهُ، فَإِنْ أَسْلَمَهُ بَطَلَ رَهْنُهُ .... يعني: فإن كان بيع الراهن الرهن بإذن المرتهن فإن لم يسلمه للراهن وأبقاه تحت يده، وقال: إنما أذنت له في البيع لإحياء الرهن؛ بأن يكون الثمن رهناً أو يأتي برهن ثقة لا ليأخذ الراهن الثمن؛ حلف المرتهن على ذلك وأتى الراهن برهن ثقة. قال في المدونة: يشبه الرهن الذي بيع وتكون قيمته كقيمة الرهن الأول فلك أخذ الثمن، وإلا بقي الثمن رهناً إلى الأجل ولم يعجل للمرتهن حقه، ولأشهب في المجموعة إذا باعه الراهن بإذن المرتهن فلا أرى الثمن له رهناً إلا أن يكون المرتهن اشترط ذلك، وإن اشترط عند الإذن أن يقبض حقه؛ فإن ذلك لا يصح وأراه إلى أجله، لأن اشتراط تعجيل الثمن في البيع سلف جر منفعة، وأما إن أسلم المرتهن الرهن للراهن فقد بطل الرهن، لأن دفعه الرهن للراهن دليل على إسقاط المرتهن حقه منه، وهذا مذهب المدونة. وقيل: لا يبطل، بل يحلف المرتهن ويوقف الثمن. وفي الموَّازيَّة: إذا أوصل المرتهن الرهن للراهن حتى باعه فبيعه جائز، ولا يعجل الحق كما لو باعه قبل الحوز، وإن قال المرتهن: إنما أوصلت إليك لتعجل لي حقي وأنكر الراهن، فقال أشهب: يحلف المرتهن والقول قوله، ولا يضره قيام الغرماء إن كان ذلك بقرب دفعه إليه، وإن كان ليس بقرب دفعه فقام الغرماء فهم أحق بالثمن. عياض: وقوله في المدونة: وتكون قيمته كالأول. يدل على أنه إنما يريد مثل الرهن الأول وإن كان زائداً على الدين؛ لأنه قد رضي الأخذ بذلك وعليه عقد عقده، ولهذه الزيادة فائدة، إذ قد تنخفض في الأسواق في الأجل، وقيل: معناه أن يكون الرهن حيواناً أو ما لا يغاب عليه مما لا ضمان على المرتهن فيه فيأتيه بخلافه فيلزمه.

стр. 3017

خليل: وظاهر المدونة هو ظاهر من جهة المعنى أنه لا بد من المعنيين، لأن قوله فيها يشبه الرهن الذي بيع، أي: في كونه مما لا يغاب عليه. وقوله: وتكون قيمته كقيمته. ظاهر في اشتراط مساواة القيمة، والله أعلم. فَإِنْ أَعْتَقَهُ أَوْ كَاتَبَهُ [٥١٦/أ] أَوْ دَبَّرَهُ قَبْلَ الْقَبْضِ أَو بَعْدَهُ فَكَالْبَيْعِ قَبْلَهُ، وَفِيهَا: يَتَعَجَّلُ بَعْدَهُ وَلا يَلْزَمُ قَبُولُ رَهْنٍ .... أي: فإن كان الرهن عبداً فأعتقه الراهن أو كاتبه أو دبره قبل القبض، ولا يريد أنه يجوز له ذلك ابتداء، فإن ذلك لا يجوز، نص عليه في المدونة وغيرها، وإنما مراده لو فعل. وظاهر قوله: (كَالْبَيْعِ قَبْلَهُ) أنه يمضي ما فعله ويأتي برهن ثقة، ويحتمل أن يريد بقوله: (فكالبيع) أي: في لزوم فعله وتعجيل الحق، ويكون قوله بعد هذا: (وَفِيهَا: يَتَعَجَّلُ .... إلخ). بياناً لذلك، وهذا الوجه وإن كان بعيداً من لفظه إلا أنه ينبغي أن يعتمد عليه هنا، لأن النقل لا يصحح الوجه الأول، وسيظهر لك ذلك. وقوله: (أَو بَعْدَهُ) يحتمل بعد القبض وهو ظهر لفظه، ويحتمل بعد ما فعله من عتق أو كتابة أو تدبير، وهذا الثاني أقرب لما في المدونة؛ لأنه لم يذكر فيها قبضاً، ففيها: ومن رهن عبداً ثم كاتبه أو عتقه جاز ذلك إن كان ملياً وعجل الدين. زاد في رواية ابن عتاب: أن يكون في ثمن الكتابة إذا بيعت وفاء الدين فتجوز الكتابة. ثم قال فيها: وإن دبره بقي رهناً، لأن للرجل رهن مدبره. وروى ابن وهب عن مالك: التدبير مثل العتق، ويعجل له دينه، وعلى هذا ففي نقل المصنف لمذهب المدونة نظر، لأنه ترك رواية ابن القاسم. فإن قلت: لعله اختار رواية أشهب كما اختارها سحنون وغيره، لأن ما رواه ابن القاسم فيه احتمال إبطال التدبير لإعسار السيد بالثمن عند الأجل، قيل: ولو اختارها لكان ينبغي أن ينبه على رواية ابن القاسم.

стр. 3018

فإن قلت: فلم عجل الدين في العتق والكتابة؟ قيل: لأنهم عدوه بقوله راضياً بتعجيل الدين، لأن الرجوع في الرهن لا يجوز والرد في الرق لا يجوز، فلم يبق إلا تعجيل الدين. وقلنا: النقل لا يصحح الوجه الأول؛ لأن كلام المصنف يشتمل على ست مسائل، إذ كل من العتق والكتابة والتدبير صورتان؛ إحداهما قبل قبض المرتهن. والثانية بعده. وإذا حملنا كلامه على ظاهره يلزمه أن يكون الحكم في الستة أنه يمضي فعله ويأتي برهن ثقة. ولنذكر ما في ذلك قبل القبض وبعده، أما قبل القبض فلم يصرح أحد فيما رأيت بالإتيان برهن، بل نص أشهب على أنه لا يلزم الإتيان برهن، وظاهر المدونة: أنه يعجل الحق في الكتابة دون التدبير كما تقدم، إذ لم يفرق فيها بين قبل القبض ولا بعده، وصرح ابن القاسم بذلك في العتبية، خلافاً لرواية ابن وهب أنه يجعل فيها كما تقدم، ونقل اللخمي في العتق والكتابة والإيلاد والتدبير قبل الحوز قولين: أولهما لابن القاسم في العتبية: أن بيعه قبل الحوز أو عتقه أو وطئه أو هبته أو صدقته جائزة، ويؤخذ ما عليه من الدين ويقضي صاحبه، وإن لم يكن موسراً لم يجز شيء إلا أن يولد أو يبيع. والثاني: أن ذلك لا يعد رضى ولا يعجل الدين، قال: ويختلف على القول بأن ذلك ليس برضى في البيع، هل يعجل الثمن الذي بيع به، أو يأخذه الراهن ولا شيء للمرتهن فيه. انتهى. اللخمي: وقال أشهب في الموَّازيَّة: أما الكتابة والتدبير؛ فللمرتهن أن يقبض رهنه فيكون محوزاً وهو مكاتب أو مدبر وتكون الكتابة رهناً ولا تكون خدمة المدبر رهناً، وقد قال محمد: والكتابة مثل الخدمة. اللخمي: يريد ويأخذ السيد كلما حل نجم، فإن أدى كان حرًّا ولا شيء فيه للمرتهن، وإن عجز كان رهناً. ويصح كلام المصنف في العتق على ما تقدم عن ابن المواز؛ لأنه قال: تعدي الراهن في العتق كتعديه في البيع عند مالك قبل

стр. 3019

القبض أو بعده، وقد تقدم أن في إحدى الروايتين أنه لا يلزمه أن يأتي برهن آخر، وأما بعد القبض فقد تقدم ما في المدونة، ولم أر من قال بالإتيان برهن آخر إلا الأبهري، فإنه قال بذلك في العتق خاصة، وهكذا قال ابن راشد، وألزمه اللخمي أن يكون في الإيلاد كذلك، وقال أشهب مثل ما قدمناه عنه، ونص قوله في ابن يونس: وقال أشهب: هما - أي الكتابة والتدبير - مثل العتق؛ إن كان ملياً أخذ منه الحق معجلاً إن كان ذلك بعد الحيازة، وإن لم يكن ملياً بقي ذلك بيد المرتهن بحاله، فإن أدى الدين نفذ ما صنع الراهن، وإن لم يؤده بطل صنعه وبيع ذلك، وإن كان في بعض ثمنه وفاء؛ بيع في العتق بقدر الدين وعتق الباقي. أشهب: وأما في الكتابة والتدبير والولادة فيباع ذلك كله ويكون قبض ثمنه لسيده، إذ لا يكون بعض أم ولد ولا بعض مكاتب ولا مدبر. ابن يونس: وقال ابن المواز: وأما في الكتابة والتدبير فيبقى رهناً بحاله؛ لأن الكتابة مما يباع وإن تم الأجل وفيها وفاء بيعت وإن كان فيها فضل لم يبع منها إلا قدر الدين، وإن لم يكن فيها وفاء إلا ببيع الرقبة بيعت الرقبة، وكذلك المدبر إذا حل الأجل بيع كله ولا يجوز بيع شيء منه على أنه مدبر على حاله لا على أن يقاويه فيه، وأما إذا أولد الراهن الأمة فيجوز بيع بعضها ويبقى باقيها بحساب أم الولد، وكذلك يباع بعض المدبر على أنه رقيق للمبتاع ويبقى باقيه مدبراً؛ لجواز تدبير أحد الشريكين نصيبه بإذن شريكه، ولا يجوز ذلك في الكتابة. وَقَالَ أَشْهَبُ: وَلَهُ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَيَسْتَوْفِيَ مِنْ كِتَابَتِهِ، وقَالَ مُحَمَّدٌ: مِنْ ثَمَنِهِ إِنْ عَجَزَ .... ظاهره أن أشهب يخيره، فإن شاء تعجل حقه، وإن شاء تمسك بالمكاتب والمدبر ويستوفي من كتابته، يعني: بخلاف خدمة المدبر فإنها لا تكون رهناً كما تقدم. وحكى ابن يونس عن بعضهم أنه اتفق ابن القاسم وأشهب على أنه إذا كاتب العبد وهو موسر أنه يؤدي الدين وتتم الكتابة، وهو يناقض ما حكاه المصنف عن أشهب، لكن قد [٥١٦/ب]

стр. 3020

تقدم عن أشهب من كلام اللخمي مثل ما حكاه المصنف، وهو قوله: وقال أشهب في الموَّازيَّة: أما الكتابة والتدبير فللمرتهن أن يقبض رهنه فيكون محوزاً وهو مكاتب ومدبر وتكون الكتابة رهناً، لكن إنما قال أشهب هذا قبل القبض، وأما بعده فقال: يعجل الحق إن كان ملياً، وهذا لا يؤخذ من كلام المصنف. اللخمي: وقال محمد: والكتابة مثل الخدمة، يريد فيأخذ السيد كلما حل نجم، فإن أدى كان حرّاً ولا شيء فيه للمرتهن، وإن عجز كان رهناً. انتهى. وهذا الذي حكاه المصنف عن محمد بقوله: وقال محمد: من ثمنه إن عجز، أي: وقال محمد يستوفي من ثمنه إن عجز ولا شيء له من نفس الكتابة. اللخمي: وعلى قول أشهب كلما حل نجم أخذه المرتهن من دينه؛ إذ لا فائدة في وقفه، فإن وفى أو عجل الكتابة كان حراً وإن كان الدين أكثر من الكتابة، وإن عجز كان رهناً في الباقي. انتهى. وقيد ابن يونس قول محمد بما إذا لم يوف ثمن الكتابة بالدين، قال عنه ابن يونس. ابن المواز: وأما في الكتابة والتدبير فيبقى رهناً بحاله؛ لأن الكتابة مما يباع، فإن تم الأجل وفيها وفاء بيعت، وإن كان فيها فضل لم يبع منها إلا بقدر الدين، وإن لم يكن فيها وفاء إلا ببيع الرقبة بيعت الرقبة. انتهى. وَإِنْ كَانَ مُعْسِراً بَقِيَ رِهْناً، ومَتَى أَدَّى مَا عَلَيْهِ مِنْهُ أَوْ مِنَ الْعَبْدِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِيٍّ نَفَذَ أي: فإن كان الراهن معسراً. ودل كلامه هذا على أن كلامه السابق مقيد باليسير. قال في المدونة: وإن أعتق وهو عديم بقي العبد رهناً، فإن أفاد ربه قبل الأجل مالاً أخذ منه الدين ونفذ العتق. وقال بعد هذا: وإذا أعتق المديان عبده وأراد الغرماء رده رد العتق وبيع، إلا أن يقول لهم العبد: خذوا دينكم، أو يتبرع لهم بذلك أجنبي فإنه ينفذ العتق،

стр. 3021

فالضمير في (مِنْهُ) عائد على الراهن وهو ظاهر، ولا إشكال في هذا إذا أعطى العبد ذلك على ألا يرجع به على السيد، وأما إن أداه ليرجع به عليه؛ فنقل ابن يونس عن بعضهم أنه قال: ينبغي أن يكون ذلك للعبد؛ لأن الغرماء لو شاءوا أن يصبروا بدَيْنِهم ويجيزوا عتقه كان ذلك لهم، إلا أن يقال: إن عتقه في العبد لم يكن عتقاً يتم إلا بقضاء الدين، فصار كأنه أدى الدين، وهو في ملك سيده، وفي هذا نظر؛ لأن السيد لو أعتقه وللعبد على سيده دين ولم يكن استثنى ماله لوجب أن يجوز عتقه وبقي دينه في ذمة سيده، وليس له أن يرد عتق نفسه لأجل مال على سيده؛ إذ لو رده لكان للسيد أخذ ماله ولا تكون له فائدة في ذلك، كما قال: إذا زوج أمته لعبده وقبض صداقها واستهلكه ثم أعتقها قبل البناء؛ لأنه لا خيار لها، لأن ثبوت الخيار يسقطه. انتهى باختصار. ونقل بعض من تكلم على هذا الموضع قولين؛ أحدهما: أنه لا يرجع على السيد. والثاني لابن رشد، قال: والصواب أنه يرجع؛ لأنه الراهن لما تعدى فقد رضي ببقاء الدين في ذمته. فَإِذَا تَعَذَّرَ بَيْعُ بَعْضِهِ بَعْدَ الأَجَلِ بَيعَ جَمِيعُهُ، وَمَا بَقِيَ لِلرَّاهِنِ مِلْكٌ يعني: إذا أعتق وهو معسر وبقي العبد رهناً إلى الأجل؛ فإنه يباع منه عند الأجل بقدر الدين إن وجد من يشتري ذلك وأعتق ما بقي. قال أشهب: وإن لم يجد بيع كله وقضى الدين وكان لربه ما بقي يصنع به ما يشاء، لأن الحكم لما أوجب بيع جميعه صار ثمنه كله للراهن، ولو قيل بجعله في جزء حرية ما بعد، كما قالوا فيمن أعتق تطوعاً أو أهدى أو أخذ أرشاً. قال أشهب: وإنما يباع بقدر الدين في العتق، وأما في الولادة والتدبير والكتابة؛ فيباع كله ويكون فضل ثمنه لسيده، إذ لا يكون بعض أم الولد ولا بعض مكاتب ولا بعض مدبر.

стр. 3022

وَمُعِيرُ الرَّهْنِ إِذَا أَعْتَقَهُ كَذَلِكَ يعني: أن من أعار عبداً لمن يرهنه فرهنه المستعير ثم أعتقه المعير؛ فإن كان المعير ملياً نفذ العتق، وقيل له: عجل الدين لربه إذ أفسدت عليه رهنه. قال في المدونة: إلا أن تكون قيمة العبد أقل من الدين فلا يلزمه إلا قيمته ويرجع المعير على المستعير بما أدى بعد محل الدين لا قبله، وخالف أشهب في هذا ولم يره كمن أعتق عبده بعد أن رهنه ورآه مثل الذي أعتق عبده بعد أن جنى، فيحلف المعير ما أعتقه ليؤدي الدين ويبقى رهناً حتى يقضيه حقه من ثمنه إن بيع، أو يفدى فينفذ فيه العتق، فإن نكل غرم الأقل من قيمته أو الدين ونفذ عتق العبد، ورجح محمد الأول بأن الجناية أخرجت العبد من ملك ربه إلا أن يفديه بخلاف المعير، فإن العبد لم يخرج من ملكه، وإلى أن المعير لم يكن له أن يطالب المستعير بما أدى إلا بعد أجل الدين. أشار المصنف بقوله: وَإِذَا عَجَّلَ الْمُعِيرُ لِلْمُرْتَهِنِ رَجَعَ عَلَى الْمُسْتَعِيرِ بَعْدَ الأَجَلِ لأن المستعير إنما التزم أداء الدين بعد أجل الدين بعد حلول الأجل ولم يفعل شيئاً يوجب عليه التعجيل. وَيُمْنَعُ مِنَ الْوَطْءِ، فَإِنْ فَعَلَ فَحَمَلَتْ فَالْوَلَدُ يُنْسَبُ مُطْلَقاً، ثُمَّ إِنْ كَانَ غَصْباً فَكَالْعِتْقِ ... يعني: ويمنع الراهن من وطء الأمة المرهونة؛ لأن وطأه لها تصرف في الرهن مبطل للحيازة، فإن وطئ فحملت فالولد ينسب؛ أي: الابن له مطلقاً، أي: سواء كان غصباً أم لا، كانت تخرج أم لا. ثم إن كان غصباً فكالعتق؛ أي: فيلزمه تعجيل الدين أو قيمة الأمة إن كانت أقل إن كان ملياً، وإن كان معسراً بيعت الجارية بعد الوضع. ابن يونس: وحلول الأجل، ولا

стр. 3023

يباع ولدها لما تقدم أنه حر ينسب. ابن عبد السلام: ولم يقولوا إذا نقص ثمنها عن الدين أن الراهن يغرم الأقل من قيمة الولد أو بقية الدين مع أن الولد الحادث بعد الرهن داخل في حكم الرهن، ولو قيل به لما بعد. وفي مسائل الأمة المستحقة والمعارة وما يلاحظه. أشهب: وإن وجد من يبتاع منها بقدر الدين؛ فعلت وأعتقت ما بقي، [٥١٧/أ] وإن لم يوجد استُؤْنِي إلى الأجل، فإن وجد أيضاً ذلك، وإلا بيعت وقضي الدين، وكان ما بقي لربها يصنع به ما شاء، وهذا مأخوذ من قول المصنف فكالعتق. فائدة: تباع أم الولد هنا، وفي خمس مسائل: الأولى: الأمة الجانية إذا وطئها السيد بعد علمه بالجناية وهو عديم، فإنها تسلم للمجني عليه. الثانية: الابن يطأ أمة من تركة أبيه وعلى الأب دين يغترق التركة والابن عديم وهو عالم بالدين حالة الوطء. الثالثة: أمة المفلس إذا وقفت للبيع ووطئها وحملت. الرابعة: أمة الشريكين يطأها أحدهما وهو معسر. الخامسة: إذا وطئ العامل أمة القراض فحملت وكان معسراً. ويمكن أن تجعل هذه المسألة فائدة من وجه آخر، بأن يقال: توجد أمة حامل بحر في ست مسائل، فإن قلت: هل يتصور عكس هذا؛ بأن يكون العبد في بطن الحرة؟ قيل: نعم، وذلك إذا وطئ العبد جارية له وحملت وأعتقها ولم يعلم السيد بعتقه لها حتى أعتقه، فإن عتق العبد أمته ماضٍ وتكون حرة والولد الذي في بطنها عبد؛ لأنه للسيد. قال في الجلاب: فلو أعتقها بعد عتقه لم تعتق حتى تضع حملها، والله أعلم.

стр. 3024

وَإِنْ كَانَتْ مُخَلاَّةً تَذْهَبُ وتَجِيءُ؛ فَقِيلَ: يُنْتَقَضُ، وَقِيلَ: كَالْغَاصِبِ هذا قسيم قوله: (إِنْ كَانَ غَصْباً) يعني: وإن لم تكن موطوءة على وجه الغصب بل كانت مخلاة تذهب وتجيء في حوائج المرتهن فوطئها الراهن بغير إذنه؛ فالمشهور: أنه ينتقض الرهن، وجعلوا كونها مخلاة كالإذن في الوطء. وقيل: كالغصب وهو قول مالك في المدونة. فتباع دون الولد، يريد: تباع بعد الأجل والوضع، إلا أن يكون له مال، وبه قال سحنون واختاره اللخمي؛ لأن الراهن في كلا الحالتين ممنوع من الوطء. وَيُمْنَعُ الْعَبْدُ مِنْ وَطْءِ أَمَتِهِ الْمَرْهُونِ هُو مَعَهَا يعني: أن السيد إذا رهن عبداً في دين وللعبد أمة أدخلها سيد العبد في الرهن لم يكن للعبد أن يطأ أمته؛ لأن ذلك يشبه الانتزاع، لأنه عرض كل واحد من العبد والأمة للبيع وقد يباعان مجتمعين ومنفردين. وقلنا: يشبه الانتزاع؛ لأنه ليس انتزاعاً حقيقة، لأن المشهور إذا فكهما السيد من الرهن فللعبد أن يطأ بالملك السابق، ولو كان انتزاعاً حقيقة لافتقر إلى تمليك ثان، كما قاله ابن المواز، وإذا منع العبد من وطء أمته المرهون هو معها فمن باب أولى أن يمتنع إذا رهنه السيد فقط، وأما إذا رهنه فقط؛ فأجاز له في الموَّازيَّة أن يطأ أمته وأم ولده إذ لم يكن المرتهن اشترط أن يكون ما له معه رهناً، وأما إن اشترط ذلك فلا. وقال بعضهم: إذا ارتهن عبداً وشرط أن ما له معه رهن معه وللعبد جارية أن للعبد أن يطأها، بخلاف ما لو رهنه هو وجاريته. ابن يونس: وهو خلاف ما في المدونة. وقول المصنف: (الْمَرْهُونِ) يجوز أن يكون صفة للأمة، ويكون حينئذ صفة جرت على غير من هي له، ولذلك أبرز الضمير في قوله: (الْمَرْهُونِ هُو مَعَهَا) ويجوز أن يرفع صفة للعبد ولا يحتاج على هذا إلى إبراز الضمير، والله أعلم.

стр. 3025

وَإِذَا زَنَى الْمُرْتَهِنُ بِهَا حُدَّ وَلا يَنْفَعُهُ دَعْوَى الْجَهْلِ لأن المرتهن لا ملك له فيها، والمرتهن والأجنبي فيها سواء، ولا يعذر بشبهة الارتهان. قال في المدونة: لا يلحق بالمرتهن الولد ويكون مع الأم رهناً، وعليه ما نقصها العبد، بكراً كانت أو ثيباً إذا أكرهها، وكذلك إذا طاوعته وهي بكر؛ يعني: بخلاف الثيب. وقال أشهب: لا شيء عليه في المطاوعة، وإن كانت بكراً كالحرة. وفرق لابن القاسم: بأن الوطء هنا جارٍ على ملك السيد، وصوبه ابن يونس وغيره أن عليه ما نقصها في الوطء، وإن كانت ثيباً؛ لأنه إذا كان عليه ما نقصها في الإكراه مع كونها لا تعد زانية، فالطوع الذي تعد فيه زانية أولى. واحتجوا لذلك بما في كتاب المكاتب أن على الأجنبي ما نقصها على كل حال، والمرتهن أجنبي، وقد حكى ابن رشد وغيره هذه الأقوال الثلاثة، ولا خلاف أن عليه في الإكراه ما نقصها. فرع: قال في المدونة: ولو اشترى المرتهن هذه الأمة وولدها لم يعتق عليه الولد؛ لأنه لم يثبت نسبه منه. وَإِنْ كَانَ بِإذْنِهِ لَمْ يُحَدَّ وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا حَمَلَتْ أَوْ لا، دُونَ قِيمَةِ الْوَلَدِ يعني: فإذا كان وطء المرتهن للجارية بإذن الراهن لم يحد، وكان القياس أن يحد إلا أنهم راعوا خلاف عطاء بن أبي رباح، فإنه كان يجيز التحليل ابتداء. وقوله: (وَلَزِمَتْهُ قِيمَتُهَا) إنما لزمته لتتم له الشبهة، والله أعلم.

стр. 3026

وَيَخْتَصُّ الْمُرْتَهِنُ عَنِ الْغُرَمَاءِ هذه هي فائدة الرهن، ولو لم يختص المرتهن بالرهن لكان وجود الرهن كعدمه، والاختصاص مقيد بما إذا لم يكن هناك أحق منه، كما إذا اكترى أرضاً ورهن زرعها ثم انهارت بئرها وأصلحها أجنبي وأحيا الزرع؛ فإنه أحق من المرتهن كما سيأتي. وَلا يَسْتَقِلُّ الْمُرْتَهِنُ بِالْبَيْعِ إِلا بِإذْنٍ بَعْدَ الأَجَلِ يعني: أن اختصاص المرتهن بالرهن لا يوجب له التصرف فيه، ولا بيعه بعد أجل الدين إلا أن يأذن له في ذلك بعد أجل الدين. ابن راشد: ولا خلاف في ذلك، وإنما لم يكن للمرتهن البيع؛ لأن الأصل ألا يباع ملك الإنسان إلا بعد سبب يوجب بيعه. وقوله: (وَلا يَسْتَقِلُّ) أي: لا ينفرد، بل يرفع إلى الحكام ليطالب الراهن أو يكلفه البيع، فإن امتنع باع عليه. واعترض قول المصنف: (إِلا بِإذْنٍ بَعْدَ الأَجَلِ) لأنه لو أذن بعد عقد الرهن وقبل الأجل جاز له بذلك البيع كبعد الأجل، قاله صاحب البيان وابن زرقون، [٥١٧/ب] ولكن نقل المتيطي عن بعض الموثقين منعه، لأنه هدية المديان. وِلا يَضُرُّ اتِّحَادُ الْقَابِضِ والْمُقْبِضِ لما ذكر أنه يجوز أن يبيعه المرتهن بالإذن بعد الأجل، ذكر هذا كالجواب عن سؤال مقدر؛ كأن قائلاً قال: كيف يصح أن يوكل مع كونه يبقى قابضاً مقبضاً؟ فأجاب بأن ذلك لا يمنع الصحة؛ لأنه قابضٌ باعتبارٍ مقبضٌ باعتبارٍ، فكان ذلك بمنزله شخصين، لأن الراهن لما وكله على البيع كان وكيلاً على قبض الثمن ثم يقبضه لنفسه، فكونه مقبضاً عن الراهن سابق على كونه قابضاً لنفسه، إلا أن قبضه للراهن حسيٌّ وقبضه لنفسه حكمي بنية خاصة.

стр. 3027

ابن عبد السلام: وهل هذه السبقية خاصة بالزمان أو بالعلة؟ فيه نظر. وعلى الأول يجب بسقوط الثمن عن المرتهن إذا شهدت البينة بهلاكه إثر قبضه بخلاف الثاني، ولم أرها لهم. فَإِنْ أَذِنَ قَبْلَهُ فَبَاعَ رُدَّ مَا لَمْ يَفُتْ، وقِيلَ: يَمْضِي، وقِيلَ: فِي التَّافِهِ، وَقِيلَ: إِنْ عَسُرَ الْوُصُولُ إِلَى الْحَاكِمِ .... قوله: (قَبْلَهُ) يريد: قبل عقد الرهن، وأما بعده وقبل الأجل فهو ماض لبعد الأجل. وحكاية المصنف الخلاف في الإمضاء يدل على منع الوكالة ابتداء. وقد اختلف في جوازها في عقد الرهن بعد الوقوع على ثلاثة أقوال: الجواز وهو قول القاضي إسماعيل، وابن القصار، وعبد الوهاب. والمنع هو قول ابن نافع، وأشهب وغيرهما. والكراهة لابن زرقون، وهو قوله في المدونة وغيرها، ولم يصرح بالكراهة في المدونة لكن فهم من إمضاء البيع بمجرد العقد، وكذلك فهم اللخمي، ورده المازري لجواز أن يكون إنما أمضاه بالعقد مراعاة لخلاف أبي حنيفة، فإنه يجيز ذلك، وقد وقع في البيوع ما يمنع ابتداء، فإذا وقع مضى. ومنشأ الخلاف: هل يقال: إن عدم بيع الرهن إنما هو من حق الراهن، فإذا أذن في البيع جاز، أو يقال: الوكالة على البيع إذا كانت للمرتهن تشتمل على معنيين متضادين؛ لأن الراهن يحرص على الاستقصاء في بيع الرهن والمطاولة في الاجتهاد فيه والنداء عليه، والمرتهن يحرص على ضد ذلك من سرعة بيعه ليأخذ حقه، فلما اشتملت على متضادين بطلت من أصلها، ومن كره توسط بين الدليلين. تفريع: لا إشكال على الجواز في إمضاء بيعه، وأما على الكراهة والتحريم؛ فقال ابن زرقون: أما ما لا بال له أو ما يخشى فساده؛ فيمضي بيعه بالاتفاق، وكذلك حكى المازري وابن

стр. 3028

يونس الاتفاق على الإمضاء فيما لا بال له، وهو يخالف ما حكاه المصنف، لأنه عمم الخلاف؛ لأنه لما ذكر القول الثالث بالتفصيل بين التافه وغيره علم أن غيره من الأقوال مطلقاً، ولم يجعل ابن يونس الإمضاء فيما يخشى فساده متفقاً عليه، وتبع المصنف ابن شاس، فإنه حكى الأربعة الأقوال التي ذكرها المصنف، وتصورها من كلام المصنف بيِّن. وحكى جماعة فيما له بال ثلاثة أقوال: الأول: مذهب المدونة الإمضاء، وهو مذهب مالك في العتبية، وبه قال أصبغ. قال مالك في العتبية: وسواء فات أو لم يفت، لأنه بيع بإذن ربه. الثاني لمالك أيضاً في العتبية: أنه يمضي ما لم يفت، هكذا حكى ابن زرقون هذا القول، وتأوله صاحب البيان على أنه يمضي في العروض ويرد في الأصول إلا أن يفوت، واستبعد ابن زرقون هذا الفهم، قالا: والمراد بقوله: إلا أن يفوت. أي: بما يفوت به البيع الفاسد. الثالث: أنه يرد مطلقاً، وإن فات عند المشتري لزم المرتهن الأكثر من القيمة أو ما باعه به، وهو مذهب الموَّازيَّة. وحكى في البيان عن أشهب رابعاً: بالإمضاء في العروض والرد في الأصول، فات أو لم يفت. قال في البيان: وكل من قال بالإمضاء فإنما قال بذلك إذا أصاب وجه البيع، وأما إذا باع بأقل من القيمة فله أخذه من المشتري، وإن تداولته الأملاك فله أن يأخذه بأي الأثمان شاء كالشفيع. وهذا الخلاف كله مقيد بألا يفوض إليه في بيع الرهن، وأما لو فوض لمضى بيعه اتفاقاً، قاله المتيطي. وإن جعل الراهن للمرتهن بيع الرهن دون مؤامرة الحاكم، وأنه أحله في ذلك محل نفسه ومحل الوكيل المفوض، وأنه ليس له عزله؛ أن له البيع بذلك، قاله في الوثائق المجموعة بعشرة شروط: خمسة تلقى من إقرار الراهن، وهي: إقراره بالدين، وبالوكالة،

стр. 3029

والتفويض، وأنه مصدق في الثمن، وفي الاقتضاء بغير يمين. وخمسة تثبت بالبينة: ملك الراهن، واستمرار ملكه إلى حين القبض، وحوزه من يده بالقبض، والصلاح، والسداد في الثمن. وقال ابن راشد: اختلف هي عليه إثبات ملك الراهن للرهن على قولين. وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ عَسُرَ الْوُصُولُ إِلَى الْحَاكِمِ) هذا لأشهب، ونصه على ما نقله جماعة، وأما ببلد لا سلطان فيه أو فيه سلطان يعسر تناوله فبيعه جائز إذا كان بيعه صحيحاً. أشهب: وإن كان الرهن مما يسرع إليه الفساد مقتاتاً أو تمراً أو قصباً باعه من غير أمر السلطان؛ لأن حسبها فساد، وجعله المصنف خلافاً، والذي يؤخذ من كلام اللخمي والمازري وغيرهما: أنه وفاق، وأنه إذا أعسر الوصول إلى الحاكم باع بحضرة العدول. ونص المازري على أن إحضار العدول من باب الأولى، ونص في البيان على أن قول أشهب تفسير، نعم نقل عن غيره أنه خلاف، وعليه يأتي كلام المصنف ونصه: وقال أشهب: إذا كان الرهن مقتاتاً أو تمراً أو قصباً يُجْنَى شيئاً بعد شيء فيخشى عليه الفساد فبيع المرتهن له جائز دون مؤامرة سلطان ولا ملأ ولا جماعة. وقوله: (عِنْدِي) مفسر، وحمله بعضهم على أنه خلاف مذهب مالك في رواية ابن القاسم عنه في المدونة وغيرها. وَيَسْتَقِلُّ الأَمِينُ فِيهِ إِذَا أَذِنَ لَهُ قَبْلَ الأَجَلِ وَبَعْدَهُ حاصل [٥١٨/أ] كلامه: أن الأمين ليس كالمرتهن، بل له أن يبيع من غير مؤامرة الحاكم قبل الأجل وبعده. وعلى هذا فالمساواة بينهما حاصلة إذا كان الإذن بعد الأجل ويختلفان إذا كان الإذن قبله، وهكذا ذكر ابن شاس والمازري، وهذا لبعد التهمة في الأمين. فإن قلت: مقتضى كلام المازري المساواة؛ لأنه بعد أن ذكر الجواز في الأمين قال والخلاف جار في الأمين كما في المرتهن، وكذلك هو ظاهر كلام اللخمي، فالجواب: أن كلاًّ منهما محمول على ما إذا وكل المرتهن أن يبيع ما تحت يد الأمين، وذلك ظاهر من كلامهما.

стр. 3030

فرعان: الأول: إذا وكل وكيلاً على بيع الرهن، فهل يكون للراهن عزله أم لا؟ عندنا قولان، واقتصر ابن الجلاب على أنه لا يعزله إلا بإذن المرتهن. قال في البيان: وهو ظاهر المذهب. وأشار اللخمي إلى أن من يجيز الوكالة ابتداء يمنعه من العزل، وفيه نظر. ألا ترى أن القاضي إسماعيل يجيز الوكالة، وقد اختلف قوله في جواز العزل، فحكى الباجي والمتيطي وصاحب البيان عنه جواز العزل، وحكى اللخمي والمازري منعه منه، والله أعلم. الثاني: قال في المدونة: إذا أمر السلطان رجلاً ببيع الرهن ليقضي المرتهن حقه، فباعه ثم ضاع الثمن من يده؛ لم يضمنه المأمور وصدق في ضياعه، فإن اتهم حلف، وكان الثمن من الذي له الدين. قال بعض القرويين: إنما يكون ضياع الثمن من الذي له الدين على قول ابن القاسم إذا ثبت المأمور للرهن ببينة، وإن لم يثبت بيعه إلا بقوله؛ فإن الراهن لا يبرأ من الدين؛ لأن صاحب الدين لم يأتمنه على البيع، وخالفه غيره وقال: ذلك سواء، وضمان الرهن من المرتهن. ابن يونس: وهذا هو الصواب، وعليه يدل ظاهر الكتاب، ولأنه جعل السلطان أميناً لهما على بيعه فوجب سقوط ضمانه وقبول قوله، ولو ضاع الرهن قبل بيعه لكان على قول ابن القاسم من ربه، وعلى قول ابن الماجشون من الذي له الدين، وهذا كاختلافهم في مال المفلس الموقوف للغرماء. مَا لَمْ يِكُنْ فِي الْعَقْدِ شَرْطٌ لم يثبت هذا في كل النسخ، وهو راجع إلى قوله: (وَيَسْتَقِلُّ الأَمِينُ) أي: ويستقل إلا أن يكون ذلك شرطاً في العقد، ومراده بذلك ما قاله صاحب الجواهر، لكن عبارته لا تفي بذلك. قال: ولو أذن الراهن للعدل وقت الرهن في البيع عند الأجل جاز، فلو قال

стр. 3031

الراهن لمن على يده الرهن من مرتهن أو عدل: إن لم آت إلى أجل كذا فأنت مسلط على بيع الرهن؛ فلا يبيعه إلا بأمر السلطان، فإن باعه بغير أمره نفذ. انتهى. ونحوه في المدونة، ونصها: ومن ارتهن رهناً وجعلاه على يد عدل أو على يد المرتهن إلى أجل كذا واشترطا إن جاء الراهن بحقه إلى ذلك الأجل، وإلا فلمن على يده الرهن بيعه، فلا يبيعه إلا بأمر السلطان، وإن شرط ذلك فإن بيع نفذ بيعه ولم يرد، وإنما لم يجز البيع هنا للأمين إلا بإذن السلطان؛ لأنه قيد البيع بإن لم يأتِ، ومن الجائز أن يكون أتى أو حاضراً معه في البلد، فلذلك لا بد من نظر السلطان بخلاف الأولى، فإنه قد أذن فيها إذناً مطلقاً. وَإِذَا امْتَنَعَ الرَّاهِنُ بَاعَ عَلَيْهِ الْحَاكِمُ وإذا رفع المرتهن الأمر إلى الحاكم أمره بالوفاء، فإن لم يكن عنده شيء، قال صاحب البيان: إن ألدَّ أو غاب باع الحاكم عليه الرهن بعد أن يثبت المرتهن عنده الدين والرهن. قال في البيان: واختلف هل عليه أن يثبت ملك الراهن له على قولين يتخرجان على المذهب، وذلك عندي إذا أشبه أن يكون له، وأما إن لم يشبه كرهن الرجل حليَّاً أو ثوباً لا يشبه لباسه، وكرهن المرأة سلاحاً فلا يبيعه السلطان إلا بعد إثبات الملك، وإن لم يكن سلطان باعه بحضرة العدول ونفذ البيع. هذا في العروض، وأما العقار يبيعه بحضرة العدول بغير أمر السلطان؛ فله أن يأخذه من يد المشتري، وأن يبيع بالقيمة. انتهى. ونحوه في المتيطية، وظاهر ما تقدم من كلام اللخمي والمازري: أنه إذا لم يكن سلطان وعسر اطلاعه؛ أن يمضي البيع بحضرة العدول في العقار وغيره، وهكذا قال ابن راشد: أن اللخمي لم يفرق بين عقار وغيره. فرعان: الأول: قال ابن عبدوس: إذا أمر الإمام ببيع الرهن فاليسير يباع في مجلس وفي الكثير الأيام، وما كان أكثر منه ففي أكثر من ذلك، وأما الجارية الفارهة والدار والثوب الرفيع فيبقى ذلك حتى يشتهر، وربما نؤدي على السلعة الشهرين والثلاثة، وكل شيء بقدره.

стр. 3032

الثاني: إذا أمر الإمام ببيع الرهن فبيع بغير العين، فقال ابن القاسم في المدونة: لا يجوز ذلك. وقال أشهب: إن باعه بمثل ما عليه وإن لم يكن فيه فضل جاز، وإن كان فيه فضل لم يجز بيع ذلك الفضل، والمشتري بالخيار فيما بقي إن شاء رد الشركة، وإن باعه بغير ما عليه لم يجز. وَيَرْجِعُ الْمُرْتَهِنُ بِنَفَقَةِ الرَّهْنِ أَذِنَ أَوْ لَمْ يَاذَنْ تصور المسألة ظاهر، ووجهها: أنها لما كانت الغلة للراهن وجب أن تكون النفقة عليه. المازري: واختلف الأشياخ إذا كان الرهن عبداً وأبق وطلبه من عادته طلب الإباق، هل يأخذ الجعل من الراهن وهو الأصل، أو من المرتهن لأن المنفعة إنما هي عائدة عليه؟ على قولين، والأول قول سحنون. وكذلك اختلف في الجعل على البيع إذا كان الراهن غائباً؛ فروى أبو زيد وعيسى عن ابن القاسم: أنه على المرتهن لأنه طالب البيع، وقال أصبغ [٥١٨/ب] وعيسى: بل على الراهن. وخالفا ما رواه أشهب، وليس للراهن أن يمنع المرتهن أن ينفق على الرهن؛ لأنه يهلك إن كان حيواناً ويخرب إن كان رباعاً. وقوله: (أَذِنَ أَوْ لَمْ يَاذَنْ) يريد لأنه قام عنده بواجب. واعلم أن النفقة تتعلق بذمة الراهن إذا أذن باتفاق، واختلف إذا لم يأذن؛ فقال ابن القاسم: وهو كما لو أذن. وقال أشهب: إنما تتعلق بعين الرهن قياساً على من أنفق على ضالة فإن الإنفاق يكون في عينها وتباع فيه، وإن قصر ثمنها عن الإنفاق لم يتبع صاحبها بالزائد. وفرق ابن القاسم بينهما بأن الرهن لما دفعه صاحبه للمرتهن وقد علم أنه لا بد له من نفقة صار كالإذن. واختلف في قول ابن القاسم إذا كان الراهن غائباً هل يتبع بالنفقة ولو زادت على ثمن الرهن أو لا؟ لأن النظر في حق الغائب بيع الرهن، وكان الراهن إنما أذن في الإنفاق ما لم يجاوز قيمته، فللأشياخ قولان حكاهما المازري، وحكى ابن يونس

стр. 3033

الأول عن بعض القرويين، وقال: القياس عندي ألا يتبع بالزائد؛ لأنه لم يأذن في النفقة، ومن حجته أن يقول: كان ينبغي لك أذا بلغت النفقة مقدار ثمنه أن ترفعه إلى الإمام فيبيعه ولا تخلد في ذمتي ديناً لم آذن لك فيه. وَلا يَكُونُ رَهْناً بِهِ خِلافاً لأَشْهَبَ أي: ولا يكون الرهن رهناً بالنفقة خلافاً لأشهب، وأطلق المصنف في خلاف أشهب، وهو مقيد بما إذا لم يأذن، وقاسها أشهب على الضالة، فإن الضالة رهن بما أنفقه عليها، وفرق ابن القاسم في المدونة والمجموعة بينهما: بأن الضالة لا تباع على صاحبها، ولا بد من النفقة عليها، والرهن ليست نفقته على المرتهن، ولو شاء طالبه بنفقته، وإن غاب رفع ذلك إلى الإمام. ابن يونس: بناء على هذا فإن قال له الإمام: أنفق على أن نفقتك فيه؛ كان أحق به من الغرماء حتى يستوفي نفقته ودينه. واختلف الشيوخ إذا قال له الإمام: أنفق على أن نفقتك في الرهن، ويتبين لك ذلك بذكر لفظ المدونة أولاً، ولفظها: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره رجع بما أنفق على الراهن. ابن القاسم: ولا يكون ما أنفق في الرهن إذا أنفق بأمر ربه، لأن ذلك سلف إلا أن يقول له: أنفق على أن نفقتك في الرهن، فإن قال ذلك رأيتها في الرهن وله حبسه بما أنفق وبما رهنه به، إلا أن تقوم الغرماء على الراهن، ولا يكون المرتهن أحق منهم بفضلة الرهن عن دينه لأجل نفقته - أذن في ذلك أو لم يأذن - إلا أن يقول: أنفق والرهن بما أنفقت رهناً. قال ابن شبلون: الحكم على ظاهر المدونة في تقسيمه على ثلاثة أقسام. قال غيره: لا فرق بين قوله: أنفق على أن نفقتك في الرهن، وبين أن يقول: والرهن بما أنفقت رهناً، ولا يكون للمسألة عند هؤلاء إلا قسمان.

стр. 3034

المازري: وحمل هؤلاء المدونة على أن فيها تقديماً وتأخيراً، قال: وظاهر الكتاب التفرقة كما قال ابن شبلون. وبالتسوية قال ابن يونس، ونقله عن القرويين، واحتج ابن يونس بأن المسألة وقعت في المجموعة والموَّازيَّة كذلك، ولفظها في الكتابين، قال ابن القاسم: وإذا أنفق المرتهن على الرهن بأمر ربه أو بغير أمره فهو سلف، ولا يكون في الرهن إلا أن يشترط أنه رهن بالنفقة الآن فله حبسها بما أنفق وبدينه، إلا أن يكون على الراهن دين فلا يكون أولى بما يفضل عن دينه، إلا أن يشترط أن ذلك في النفقة. ابن عبد السلام: وليس في هذا دليل عن ابن شبلون، ولا يبعد تأويله، وحمله على ما في المدونة. فَإِنْ كَانَ شَجَراً وَشِبْهَهُ فَانْهَارَتِ الْبِئْرُ وَخِيفَ التَّلَفُ فَفِي إِجْبَارِهِ قَوْلانِ أي: فإن كان الرهن شجراً وشبهه؛ أي: زرعاً فانهارت البئر وخيف على الشجر أو الزرع التلف بقلة الماء؛ ففي إجبار الراهن على إصلاح البئر وعدم إجباره قولان، والقول بالجبر هو المنصوص لابن القاسم في المختصر والموَّازيَّة إن كان له مال، وإن لم يكن له مال نظر، فإن كان بيع بعض الأصل خيراً له نظر ما يصلح به البئر، وإن تطوع المرتهن بالنفقة في إصلاحها، فإن رأى أن ذلك خير لرب الرهن، قيل للمرتَهَن: أنفق وتكون أولى بالنخل حتى تأخذ ما أنفقت، ولا ينظر إلى قيمة النفقة ولا قيمة ما وضع من حجر وغيره، ولكن يحسب له ما أنفق كالسلف، والقول بعدم الجبر تأول على المدونة؛ لأن فيها: إذا أبى الراهن من إصلاحها فأصلحها المرتهن خوف هلاك النخل والزرع؛ فلا رجوع له بما أنفق على الراهن، ولكن يكون له ذلك في الزرع وفي رقاب النخل يبدأ فيه بنفقته، فما فضل كان في دينه. فقوله: "أبى من إصلاحها" يقتضي أنه لا يجبر، وقد يقال: لا نسلم أن هذا يؤخذ منه عدم الجبر؛ لجواز أن يحمل المدونة على ما إذا تعذر الرفع إلى الإمام أو نحو ذلك، على أن

стр. 3035

ابن يونس جمع بين القولين فحمل الأول على أن الرهن في عقد البيع أو القرض، وما في المدونة على أنه تطوع به. ابن عبد السلام: ولم يعدوا نفقة المرتهن هنا سلفاً جر منفعة، ولعل ذلك لشدة ما يلحقه من الضرر في تركه بهلاك الرهن إذا ترك النفقة. وَإِذَا لَمْ يِجْبَرْ فَأَنْفَقَ الْمُرْتَهِنُ فَفِي الشَّجَرِ وَشِبْهِهِ يَبْدَأُ بِنَفَقَتِهِ وَيَتْبَعُهُ بِدَيْنِهِ أَوْ بِمَا بَقِيَ .... يعني: إذا لم يجبر الراهن على النفقة فأنفق المرتهن. ولو أسقط قوله: (فَفِي الشَّجَرِ) لكان أحسن؛ لأن ذلك مفهوم مما سبق؛ لأن قوله: (فَفِي الشَّجَرِ) يفهم أن الزرع ليس كذلك، وقد قدمنا عن المدونة التسوية بينهما [٥١٩/أ]. ومعنى ما قاله أن ما أنفقه يكون في الثمرة، فإن ساوت الثمرة النفقة أخذها المرتهن، وإن لم تساو لم يتبع الراهن بفاضل النفقة. وقوله: (وَيَتْبَعُهُ بِدَيْنِهِ أَوْ بِمَا بَقِيَ) أي: ويتبع المرتهن الراهن بدينه إن لم تساو الثمرة إلا قدر النفقة أو أقل، ويتبعه بالباقي من الدين إن زاد ثمن الثمرة على مقدار النفقة بما لم يوف الدين، أما إن زاد بمقدار الدين؛ فإنه يأخذ ذلك ولا كلام له. الضَّمَانُ إِنْ كَانَ مِمَّا لا يُغَابُ عَلَيْهَ؛ كَالْحَيَوَانِ، والْعَقَارِ؛ فَمِنَ الرَّاهِنِ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ كَذِبُهُ كَدَعْوَاهُ مَوْتَ الدَّابَّةِ بِبَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أَحُدٌ .... هذه إحدى المسائل التي فرق أصحابنا فيها بين ما يغاب عليه وبين ما لا يغاب عليه، وقد تقدمت. وقوله: (كَالْحَيَوَانِ) أي: على اختلاف أنواعه، مأكولاً أو غيره، طائراً أو غيره، آدمياً أو غيره، وهذا هو المنصوص. وأخذ مما رواه أبو الفرج عن ابن القاسم فيمن ارتهن

стр. 3036

نصف عبد وقبضه كله: أنه لا يضمن إلا نفقة ضمان ما لا يغاب عليه. اللخمي: وأرى أن يضمن كل ما يستخف ذبحه وأكله. وحكى ابن بزيزة فيه ثلاثة أقوال، ثالثها: إن كان مما يسرع إليه الأكل كالغنم ضمن، وإلا فلا. وقوله: (والْعَقَارِ) أي: الأرض وما يتصل بها من بناء وشجر. وقوله: (مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ ... إلخ). هو جارٍ مجرى الاستثناء؛ أي: لا ضمان على المرتهن فيما لا يغاب عليه، إلا أن يتبين كذبه. ثم بين ما يتبين به الكذب بقوله: (كَدَعْوَاهُ مَوْتَ الدَّابَّةِ بِبَلَدٍ وَلَمْ يَعْلَمْ بِذَلِكَ أَحُدٌ) وكذلك أيضاً إذا كان في رفقة. المازري: وإذا كان بموضع عمارة أو جماعة سئلوا ببلد فإن صدقوه تأكد عليه الظن بصدقهم عدولاً أو غيرهم، وإن كذبوه وكانوا عدولاً غلب على الظن كذبه فلم يصدق، وإن كانوا غير عدول لم ينتقل الحكم عن تصديقهم إلى تكذيبه بقوم ليسوا بعدول لتطرق التهمة إليهم بأنهم كتموا ما علموه من موت الدابة لما طلبت منهم الشهادة، ويكتفي في خبر الحضور وتصديقهم بأنهم رأوا دابة ميتة، وإن لم يعلموا أنها الدابةُ الرهنُ، هكذا وقع في المجموعة، وهذا صحيح إذا كانت هذه الشهادة على صفة يغلب على الظن أن الدابة ليست هي عين الدابة التي بيد المرتهن، أو يكون الأمر مشكلاً فيستصحب الحكم في أن ما لا يغاب عليه لا يضمن. انتهى. وما ذكره من عدم ضمانه إذا كذبه جماعة وكانوا غير عدول، نص عليه أشهب فيما إذا ادعى إباق العبد بحضرة جماعة وكذبوه. الباجي: يريد لأنه لم يثبت كذبه. وما نقله المازري عن المجموعة نحوه في الباجي، وزاد أنه يحلف أنها هي، وكلام المازري صحيح في أنه يقبل في تصديقه غير العدول. وقول ابن عبد السلام: "ظاهر كلامهم، بل هو نص أنه لا يقبل إلا العدول" ليس بظاهر.

стр. 3037

تنبيه: ألحق اللخمي بما لا يغاب عليه ما دخل المرتهن والراهن على بقائه بموضعه؛ كالثمار في رؤوس النخل، والزرع القائم، وما في الجرين والأندر، وكالسفن على ساحل البحر وآلتها إذا دخل على بقائها بالساحل، وكالأعدل إذا خُلِّيَ في قاعة الفندق، وكالطعام والزيت المخزن في دار الراهن مطبوعاً عليه ومفتاحه بيد المرتهن، وإن كان مختزناً في دار غيره أو في بيت الفندق لم يضمنه، فإن علم أنه كان يتكرر له ويفتحه، وأشبه أن يكون أخذ ذلك في تكرره منه ضمنه، أما إن كان في حوز المرتهن لم يصدق في ضياعه. وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ؛ كَالْحُلِيِّ والثِّيَابِ عِنْدَ مُرْتَهِنٍ فَكَالأَوَّلِ، وبِيَدِهِ يَضْمَنُ (فَكَالأَوَّلِ) أي: فالضمان من الراهن، وبيد المرتهن يضمن، ودليلنا على هذه التفرقة في ضمان ما يغاب عليه دون غيره: العمل الذي لا اختلاف فيه، نقله مالك في الموطأ، ولأن الرهن لم يؤخذ لمنفعة ربه فقط فيكون ضمانه من ربه كالوديعة، ولم يكن لمنفعة الآخذ فقط كالقرض فيكون من الآخذ، بل أخذ شبهاً منهما فتوسط وجعل ضمان ما لا يغاب عليه من الراهن لعدم تهمة المرتهن، وضمان ما يغاب عليه من المرتهن لتهمته على ذلك. فَإِنْ أَقَامَ الْبَيِّنَةَ؛ فَفِي نَفْيِ الضَّمَانِ رِوَايَتَانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الضَّمَانَ لِلتُّهْمَةِ، أَوْ لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ .... أي: فإن أقام المرتهن البينة على هلاك ما بيده مما يغاب عليه، فروى ابن القاسم: أنه يسقط عنه الضمان، وبه قال ابن القاسم وأصبغ وعبد الملك؛ بناء على أن الضمان إنما كان للتهمة وقد زالت بقيام البينة. وروى أشهب: أنه لا يسقط عنه الضمان، وبما قال أشهب قال جماعة، لأن الضمان على هذا القول ضمان أصالة، لأن هذا القسم مقابل لما لا يغاب عليه، وحكم أحد المتقابلين ثابت بالأصالة فيكون مقابله كذلك.

стр. 3038

وقال المصنف تبعاً لابن شاس: (لِدُخُولِهِ عَلَيْهِ) والعلة الأولى أحسن؛ لأن المرتهن هنا لا يكون عنده علم بحكم المسألة، أو يذهب فيها إلى قول ابن القاسم، فلا يقال: إنه دخل على الضمان. فروع: الأول: إذا قلنا بعدم الضمان فيما لا يغاب عليه، فهل تتوجه اليمين على المرتهن أنه لم يفرط متهماً كان أو غيره، أو لا تتوجه، أو تتوجه على المتهم دون غيره؟ ثلاثة أقوال، وروى صاحب النكت: أنها تتوجه هنا، وفي العارية، والمبيع بالخيار، والمستأجر. وإن قلنا: إن الأمر عند ابن القاسم أو تتوجه في غير هذا الموضع؛ لأن المرتهن ونحوه قبض لحق نفسه. وأجاب عما قاله المتقدمون: أنه لا يمين على عامل القراض يدعي التلف، إلا أن يكون متهماً مع أنه قبض لمنفعة نفسه بأن منفعة القراض [٥١٩/ب] ليست متيقنة؛ إذ قد لا يربح فيه. قيل: ويحلف غير المتهم: ما فرطت ولا ضيعت. ويزيد المتهم: ولقد ضاع. الثاني: إذا وجب ضمان ما يغاب عليه، فقال جماعة من متقدمي الأشياخ، وهو في العتبية، وعليه حمل بعضهم المدونة، وبه أفتى إسحاق بن إبراهيم: يحلف لقد ضاع بلا دلسة دلستها فيه، ولا يعلم له موضعاً. ووجه يمينه مع ضمانه: تهمته على الرغبة في عينه. وقال العتبي: لا يمين عليه. قال: وكيف يحلف ويضمن، ونحوه لمالك في هذا الأصل. قال العتبي: إلا أن يقول الراهن: أخبرني مخبر صدق على كذبه، وأنه رأى الرهن عنده قائماً؛ فيحلف على ذلك حينئذ. وإلى هذا ذهب ابن لبابة الأكبر، واعترضه بعضهم وقال: يمين توجب يميناً. وأجيب بأن اليمين قد توجب اليمين وذلك في كتاب الله في اللعان. الثالث: إذا أتى بالثوب وقد احترق بعضه وادعى أنه احترق لم يصدق، غلا أن يُعْلَم سبب ذلك من احتراق منزله أو حانوته. زاد ابن المواز: ويشترط أن يعلم أن النار من غير سببه. واختلف هل قول محمد تفسير للمذهب أو خلاف.

стр. 3039

الباجي: وإذا ثبت الاحتراق؛ فإن ثبت أن ذلك الثوب فيما احترق صدق، أتى ببعضه محروقاً أم لا، وإن لم يثبت ذلك؛ فإن أتى ببعضه محروقاً صدق أنه كان في حانوته الذي احترق، وإن لم يأت بشيء وادعى احتراق جميعه؛ فظاهر المدونة أنه غير مصدق. وقال الباجي: وعندي أنه إن كان مما جرت العادة برفعه في الحوانيت حتى يكون متعدياً بنقله عنه، كأهل الحوانيت والتجار الذين تلك عادتهم لا يكادون ينقلون شيئاً من ذلك من حوانيتهم؛ فأرى أن يصدق فيما عرف من احتراق حانوته، وبذلك أفتيت في طرطوشة عند احتراق أسواقها وكثرت الخصومات في ذلك، وظني أن بعض الطلبة أظهر لي رواية عن ابن أيمن بمثل ذلك، وذكر المازري أنه نزل عندهم سنة ثمانين وأربعمائة لما فتح الروم رومة والمهدية ونهبوا الأموال وكثرت الخصومات مع المرتهنين والصناع وفي البلد مشايخ من أهل العلم متوافرون؛ فأفتى جميعهم بتكليف المرتهن والصانع البينة أن ما عنده قد أخذه الروم وأفتيت بتصديقهم، قال: وكان القاضي يعتمد حينئذٍ فتواي فتوقفت لكثرة من خالفني حتى شهد عنده عدلان أن شيخ الجماعة السيوري أفتى بما أفتيت به، ثم قدم علينا كتاب المنتقى للباجي فذكر فيه في الاحتراق مثل ما أفتيت به، وذكر كلام الباجي المتقدم. الرابع: ولو سقط الدين إما بهبة الدين أو إعطاء الحق؛ فالضمان مستصحب إلا أن يمكن المرتهن الراهنَ من الرهن ويتركه عنده، فحينئذ هو كالوديعة. وقد بعدنا عن كلام المؤلف فلنرجع إليه. وَعَلَيْهِمَا لَوْ شَرَطَ أَلاَّ يَضْمَنَ وَلَمْ تَقُمِ الْبَيِّنَةُ انْعَكَسَ الْقَوْلانِ أي: وعلى قول ابن القاسم وأشهب لو شرط المرتهن ألا يضمن ما يغاب عليه انعكس القولان، يعني: في الصورة الظاهرة، وإلا فكل من الإمامين باق على أصله،

стр. 3040

ومعنى العكس ثبوت الضمان عند ابن القاسم؛ لأن التهمة المقتضية للضمان حاصلة، وعند أشهب لا يضمن لأنه لم يدخل عليه. فإن قلت: ولعل المصنف وابن شاس إنما عللا قول أشهب بالدخول على الضمان لهذا الفرع؛ إذ لا يتأتى فيه ما عللوا به من الأصالة؟ قيل: وكل منهما نقض أصله، أما ابن القاسم فلأن الضمان عنده إنما هو للتهمة، فمن حق المرتهن أن يقول: لم يبطل حقي حكما شرطياً وأنت قد أسقطت حقك الذي هو الضمان. وأما أشهب فالضمان عنده ضمان أصالة، فكان ينبغي له ألا يوفي بشرطه، لأنه مبطل بحكم شرعي. وقد اختلف المذهب في البائع بثمن إلى أجل يَشترطُ في عقد البيع أنه مُصَدَّقٌ في عدمِ قبضِ الثَّمن هل يُوَفَّى له أم لا؟ أو يوفى للمتورعين عن الأيمان دون غيرهم؟ على ثلاثة أقوال، وعلى أنه يوفى له، فهل يجوز مثله في الغرر؟ قال بعضهم: لا؛ لأنه سلف جر منفعة، والصحيح الجواز؛ لأنه شرط ينشأ عن التوثق، فكان كالرهن والحميل. المازري: وقول ابن القاسم وأشهب يحسن إذا كان الرهن في عقد بيع أو سلف؛ لأن الرهن هناك يكون له حصة من الثمن في البيع وها هنا في السلف، وأما لو كان هذا الاشتراط في رهن تطوع به الراهن بعد عقد البيع أو السلف من غير شرط؛ فإنه ها هنا لا يحسن الخلاف، لأن التطوع هنا بالرهن كالهبة، فإذا أضاف إلى هذا التطوع إسقاط الضمان فهو إحسان على إحسان، فلا وجه للمنع فيه. ويؤيد هذا: أن ابن القاسم وأشهب اتفقا على أنه يوفي له بالشرط في العارية، وما ذلك إلا لأن العارية لا عوض فيها، وإنما هي هبة ومعروف. انتهى. ونحوه للخمي. فرع: وأما عكس هذا، وهو اشتراط الضمان فيما لا يغاب عليه؛ ففي المدونة والموَّازيَّة: لا يلزمه وضمانه من ربه. وقال أشهب: إن اشترط ذلك لخوف طريق ونحوه فهلكت الدابة بسبب ذلك التخوف فإنه ضامن.

стр. 3041

اللخمي: ويجري فيها قول آخر أنه ضامن؛ لأنه الحيوان مختلف في ضمانه، فيوفي له بالشرط؛ لأن المؤمنين عند شروطهم، ومراعاة لقول أبي حنيفة: إن الضمان من المرتهن مطلقاً. وعلى المشهور: فلا كراء عليه على حكم العارية، وعن أشهب: أنه كراء فاسد وعليه أجرة المثل في ركوبه، وإن عثر عليه قبل استعمالها ردَّ، نص عليه اللخمي في العارية، وحمل ابن رشد قول أشهب على التفسير الأول. فَإنْ كَانَ الرَّهْنُ نِصْفَهُ وَقَبَضَ الْجَمِيعَ لِمْ يَضْمَنْ إِلا نِصْفَهُ، كَمُعْطِيكَ دِينَاراً لِتَسْتَوْفِيَ مِنْهُ نِصْفَهُ دَيْناً، وكَذَلِكَ لو تَرَكَ [٥٢٠/أ] الْمُسْتَحِقُّ الْحِصَّةَ الْمُسْتَحَقَّةَ بِيَدِهِ .... فإن كان الرهن نصف ما يغاب عليه كثوب مثلاً رهن نصفه، فإنه إن ضاع لا يضمن إلا نصفه؛ لأن الرهن إنما هو النصف والنصف الآخر إنما هو فيه أمين، ونظره بمسألتين: الأولى: إذا أعطاه ديناراً ليستوفي نصفه؛ فإنه لا ضمان عليه في النصف الزائد، لأنه إنما قبضه على الأمانة، ولأنه لما قبضه صار شريكاً لمعطيه فهلاكه عليهما، قال في التهذيب: ولا يمين عليه إلا أن يتهم فيحلف. الثانية: إذا استحق شخص بعض الرهن الذي يغاب عليه ثم تركه بيد المرتهن وضع؛ فإنه لا يضمن الحصة المستحقة، لأنه تحت يده على الأمانة، لا يقال: لم لا يستصحب الضمان في الحصة المستحقة كما استصحب فيما إذا أعطى المرتهن دينه كما تقدم، لأنا نقول: المستحق لما يتقدم له على المرتهن ضمان فيستصحب. فَإِذَا فَاتَ بِجِنَايَةً فَأَخَذَ الْقِيمَةَ، فَإِنْ جَاءَ بِرَهْنٍ مَكَانَهُ أَخَذَهَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ تَعَجَّلَهَا، وَإِلا كَانَتْ رَهْنَاً .... يعني: إن جنى أجنبي على الرهن وأفاته وأخذت قيمته، ففي المدونة ما قاله المصنف، ولفظها: إذا غرم المتعدي القيمة فأحب ما فيه إلى أن يأتي الراهن برهن ثقة مكان ذلك،

стр. 3042

ويأخذ القيمة وإلا جعلت القيمة رهناً. ابن يونس: ويطبع عليها. وانظر قول مالك: أحب إلي: فإن ظاهره عدم الجزم بهذا الحكم، إلا أن يكون المراد أحب بما سمعت. أبو الحسن: وقوله: "برهن ثقة" معناه: تكون قيمته كهذه القيمة. وقال ابن المواز: إن كانت القيمة من جنس الدين وصفته تعجلها؛ إذ لا فائدة في وقفها ولا منفعة في ذلك للراهن، فإن لم يكن من جنسه بقيت رهناً، ومراده بجنس حقه أن يوافق في كونه دنانير أو دراهم، هكذا نص عليه محمد، ولعل المصنف سكت عنه، لأن التقويم إنما يكون بعين، والأول أظهر؛ لأن حق المرتهن في الرهن الأول قد بطل بتلفه وبقي حقه في مطلق التوثق، فإذا أتى الراهن برهن آخر لم يبق للمرتهن حجة. وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن أن يحمل قول محمد على الوفاق بأن يحمل الأول على ما إذا لم تكن القيمة من جنس الدين. وَإِذَا جَنَى الرَّهْنَ وَاعْتَرَفَ الرَّاهِنُ وَحْدَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مُعْدِماً لِمْ يُصَدَّقْ، وإِنْ كَانَ مَليَّاً فَإِنْ فَدَاهُ بَقِيَ رَهْناً وِإِلا أَسْلَمَهُ بَعْدَ الأَجَلِ وَدَفَعَ الدَّيْنَ .... يعني: فإن جنى العبد الرهن جناية على أحد أو استهلك مالاً، فإن لم تثبت الجناية ببينة ولكن اعترف الراهن بها فقط - أي: أقر بها - فإن كان معدماً لم يلتفت لقوله؛ لأنه إقرار على المرتهن، وإن كان ملياً خير الراهن بين أن يفديه أو يسلمه للجناية، فإن فداه بأن دفع أرش الجناية بقي العبد على حاله، وإن أسلمه لم يدفع للمجني عليه، ويبقى تحت يد المرتهن، لأن وثيقته متقدمة على المجني عليه، وهكذا في المدونة، وقيده ابن يونس بما إذا لم يقر أنه جنى قبل الرهن، فأما إن أقر أنه جنى قبل رهنه، فإن لم يفده ولم يرض بحمل الجناية وحلف أنه ما رضي أن يتحملها؛ فإنه يجبر على إسلامه وتعجيل الدين، كمن أعتق وأقر أنه لغيره إن كان الدين مما له تعجيله، ولو كان الدين عروضاً من بيع ولم يرض من هي له أن يتعجلها ما جاز إقراره على المرتهن، كما لو كان معسراً والدين مما له تعجيله،

стр. 3043

ويكون المجني عليه مخيراً، فإن شاء غرمه قيمته يوم رهنه لأنه متعدٍّ عليه، وإن شاء صبر عليه حتى يحل الأجل فيباع ويتبعه بثمنه. وَإِنْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنَةٍ أَو اعْتَرَافٍ وِاخْتَارَ إِسْلامَهُ؛ خُيِّرَ الْمُرْتَهِنُ أَيْضاً، فَإِنْ أَسْلَمَهُ كَانَ لِذِي الْجِنَايَةِ بِمَالِهِ وَأُتْبِعَ الرَّاهِنُ .... فإن كانت الجناية تثبت ببينة، وفي معناها: أن يعترف الراهن والمرتهن بالجناية فقد يعلق به ثلاثة حقوق؛ حق للسيد، وحق للمرتهن، وحق للمجني عليه. فيخير السيد أولاً - لأنه المالك -بين أن يفديه أويسلمه، فإن فداه بقي على حاله، ولوضوح هذا تركه المصنف. وإن أسلمه خير المرتهن أيضاً لتقدم حقه على حق المجني عليه، فإن أسلمه المرتهن أخذه المجني عليه ملكاً له. قال في المدونة: ويكون ماله للمجني عليه قل أو كثر. ابن يونس: وليس للمرتهن أن يؤدي من مال العبد الجناية، ويبقى رهناً إلا أن يشاء سيده. زاد صاحب النكت: وسواء كان مال العبد مشترطاً إدخاله في الرهن أم لا؛ لأن المال إذا قبضه أهل الجناية فقد يستحق، فيتعلق على السيد غرم مثله، لأن رضاه بدفعه إليهم كدفعه ذلك من ماله، فأما إن أراد الراهن ذلك وأبى المرتهن، فإن كان لم يشترط المرتهن إدخال المال في الرهن فلا كلام له، وإن اشترط إدخاله في الرهن فإن ادعى المرتهن أن يفديه كان ذلك له، وإن أسلم العبد كان ذلك للراهن. ولما تكلم المصنف على ما إذا أسلم إلى المرتهن الرهن شرع في الكلام على ما إذا فداه، فقال: وَإِنْ فَدَاهُ كَانَ الْفِدَاءُ فِي رَقَبَتِهِ لا فِي مَالِهِ، يُبَدَّى عَلَى الدَّيْنِ ولا يُبَاعُ إِلا بَعْدَ الأَجَلِ. وقَالَ سُحْنُونٌ: وَقَبْلَهُ. ورُوِيَ: أَنَّ الْفِدَاءَ فِي رَقَبَتِهِ وَمَالِهِ ... يعني: وإن فداه المرتهن، فالمشهور وهو مذهب المدونة، واختاره ابن القاسم وابن عبد الحكم: أن الفداء إنما يكون في رقبته دون ماله مبدى على الدين. وروي عن مالك،

стр. 3044

وهو اختيار ابن المواز، وأكثر الأصحاب: أن الفداء يكون في رقبته وماله، لأنه لو أسلمه كان العبد للمجني عليه بماله، فإذا افتكَّه المرتهن انبغى أن يكون له ما كان للمجني عليه، ورأى في المشهور أن المرتهن إنما افتكَّه ليرده إلى ما كان عليه، ولولا ذلك لما كان له تطرق إلى العبد بوجه، فحينئذٍ [٥٢٠/ ب] إنما يرجع العبد إلى ما كان عليه، وهو إنما كان مرهوناً دون ماله، ولهذا لو كان مال العبد مشترطاً في الرهن لم يختلف إذا افتكَّه أنه يكون الفداء في رقبته وماله. وعلى القولين؛ ففي المدونة: لا يباع إلا بعد الأجل. وقال سحنون: وقبله، أي قبل أجل الدين، وهو مبني على الرواية التي اختارها ابن المواز: أن المرتهن وجب له ما كان عليه. واستحسن اللخمي قول سحنون، قال: ولا مقال للراهن لأنه رضي بإسلامه. وعلى ما وجه به المشهور يندفع هذا، ثم فيما اختاره ابن المواز إشكال آخر، ويتبين لك ذلك بما نقله اللخمي وابن يونس وغيرهما عنه: أنه إذا أسلمه السيد خير المرتهن في ثلاثة أشياء؛ وهي: إسلامه، أو فداؤه بمقدار الجناية أو أكثر، فإن أسلمه أو فداه بمقدار الجناية فكما تقدم، وإن فداه بأكثر ولو بدرهم، فقال محمد: العبد للمرتهن. مالك: ويتبع المرتهن الراهن بدينه إلا بالدراهم، فإنه يسقط من جملة الدين. وقوله أنه يتبعه بدينه إلا بذلك الدرهم، لا يصح إلا على تقدير أن المرتهن اشتراه من الراهن بما أدى فيه، وإذا كان عنده مبيعاً فكيف يتبعه ماله، والقاعدة المأخوذة من الحديث الصحيح: أن العبد لا يتبعه ماله إلا أن يشترطه المشتري. وفيه إشكال من وجه آخر، وهو أن هذا الدرهم إذا لم يحل أجله مقدم ومقارن لعقده بيع، فينبغي أن يمنع لما في ذلك من البيع والسلف، إلا أن يقول: إن هذا لم يكن مقصوداً وإنما الأحكام جرت إليه. ولما أشرنا إليه في توجيه المشهور قال بعض الموثقين: إن نفقة هذا العبد إلى الأجل على سيده الذي كان ينفق عليه، لأنه رجع إلى ما كان عليه.

стр. 3045

فَإِنْ حَلَّ الأَجَلُ بِيعَ بِمَالِهِ وَبُدِئَ بِالْفِدَاءِ، فَإِنْ كَانَ مَالُهُ زَادَ نِصْفَ الثَّمَنِ مَثَلاً؛ أَخَذَ الْغُرَمَاءُ نِصْفَ مَا بَقِيَ وَدَخَلَ مَعَهُمْ بِمَا بَقِيَ مَنْ دَيْنِهِ. قَالَ التُّونُسِيُّ: وَهَذَا هُو الْقِيَاسُ .... هذا تفريغ على الرواية التي اختارها محمد، مثال ذلك: لو بيع بمائة وكان بدون ماله يساوي خمسين؛ فماله زاد نصف الثمن. وقال: (مَثَلاً) لأنه قد يزيد الثلث ونحوه، فالمائة الحاصله منها؛ خمسون للرقبة، وخمسون للمال، وعلى هذه الرواية: أن الفداء متعلق برقبته وماله فيأخذه، فإن كان الفداء خمسين أخذها وتبقى خمسون نصفها لرقبته ونصفها لماله والرهن أولاً إنما يكون في رقبته، فيأخذ في دينه ما بقى ويأخذ الغرماء الخمسة والعشرين، فإن بقى له شيء من دينه دخل معهم وأخذ بحساب ماله، وأما على مذهب المدونة: فالفداء إنما هو متعلق برقبته، فيأخذ الخمسين التي تقابل الرقبة، ويأخذ الغرماء الخمسين الباقية، ويدخل معهم بدينه، لأنه لم يبق له رهن يختص به؛ مثاله: ما قيمته خمسون وماله خمسون، فإن فداه بأربعين فبدأ المرتهن بأخذ الأربعين ثمن الفداء ودخل مع الغرماء في الخمسين؛ فيأخذ العشرة الثانية في الخمسين في دينه وهو أربعون مثلاً، فإذا أخذ العشرة بقي له ثلاثون وتقسم الخمسون الباقية للعبد وماله فيكون خمسة وعشرين، فيأخذها المرتهن أيضاً وبقي له خمسة يدخل بها مع الغرماء فيما بقي، لأنه لم يبق له رهن يختص به وَأَمَّا لَوْ فَدَاهُ بِإِذْنِ الرَّاهِنِ لَكَانَ سَلَفَاً، فَلا يَكُونُ رَهْناً بِهِ يعني: وأما إن فدى المرتهن العبد من المجني عليه بإذن الراهن؛ فالفداء سلف في ذمة السيد وإن ذاد على قيمة العبد، ولا يباع قبل الأجل اتفاقاً. محمد: ولا يكون رهناً بالفداء، وعليه اقتصر المصنف؛ لأن الفداء لما كان سلفاً اقتضى ذلك ألا يكون العبد رهناً به لعدم اشتراطه، ولهذا قال المصنف: فلا يكون رهناً به، لأن الفاء تشعر بالسبيبة. وقال مالك وابن القاسم: بل هو رهن به. واختلف فيه قول أشهب.

стр. 3046

اللخمي: وأرى أن يحلف ليكون رهناً به. ونقل ابن يونس عن أشهب أنه لا يكون رهناً، ثم عارض بين قوله وقول ابن القاسم في هذه المسألة بقولهما في مسألة اللؤلؤ من كتاب الوكالة: إذا أمر رجلاً أن يشتري لؤلؤاً، وقال له: أنقد عني. فإن ابن القاسم عده سلفاً، ولا يرى له إمساك اللؤلؤ بثمنه، وأشهب يرى له إمساكه رهناً، قال: فخالف كل منهما أصله. وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الدَّيْنِ أَوْ سَقَطَ بِطَلاقٍ أَوْ إِبْرَاءٍ بَقِيَ جَمِيعُ الرَّهْنِ فِي الْبَاقِي، وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الرَّهْنِ بَقِيَ الْبَاقِي فِي الْجَمِيعِ .... كما لو رهنه عشرة أرداب قمحاً مثلاً في مائة درهم ثم قضاه خمسين، فلا يأخذ الراهن شيئاً من الرهن إلا بعد وفاء جميع الحق؛ لأن الأسواق تحول على الباقي، لأن كل جزء من الرهن في مقابلة كل جزء من الدين، وكذلك لو رهنها في صداقها فطلقها قبل البناء فسقط عنه النصف أو أبرأته من النصف؛ لم يكن للزوج أن يأخذ شيئاً من الرهن، ولا فرق بين أن يكون الرهن متحداً كدار أو ثوب، أو متعدداً كثوبين أو نحو ذلك. قوله: (وَكَذَلِك لَوِ استُحِقَّ .... إلخ).تصوره ظاهر. فرع: وأما تعدد الراهن والمرتهن؛ ففي المدونة: وإذا أقرضاه جميعاً واشترطا أن يرهنهما رهناً في صداقها فطلقها قبل البناء، فلا بأس به. قيل له: وإن قضى أحدهما دينه فهل له أخذ حصته من الرهن؟ قال: قال مالك في رجلين رهنا داراً لهما في دين فقضى أحدهما حصته من الدين؛ فله أخذ حصته من الدار. واستشكل قياس قول ابن القاسم، لأنه في الثانية إذا قضى أحد الراهنين حصته، وقلنا: إن له أن يأخذ حصته من المرتهن؛ لا يقع خلل في حيازة نصيب الراهن الآخر من الراهن الذي لم يقض الحق، بخلاف الأول، أعني: إذا اتحد الراهن وتعدد المرتهن؛ فإنه إذا قبض الراهن حظ المرتهن الذي أوفاه عادت

стр. 3047

يد الراهن مع المرتهن الذي لم يقضه، وذلك مبطل لحيازته، ولهذا الاستشكال اختصر المختصرون المسألتين على [٥٢١/أ] السؤال والجواب إشارة إلى الإشكال. ولهذا قال ابن يونس: يؤخذ من قوله: جواز حوز المرتهن نصف الدار مثلاً والباقي للراهن، وهو خلاف المعلوم من قوله. ورده عياض: بأنه لم يقل أن بقاءه بيد الراهن لا يبطل الرهن، وإنما تكلم على خروجه من الرهن ليبيعه وينتفع بثمنه. فرع مرتب: وهو أنه إذا تعدد المرتهن واتحد الراهن؛ فإذا قضى أحدهما هل يدخل الآخر عليه فيما قضاه؟ عياض: تحقيق المسألة أن الدينين إن كانا من شركة من ثمن مبيع بينهما أو من سلف واحد واشتركا فيه وهما جنس واحد، فمتى قضى أحدهما دخل عليه الآخر إذا كتباه في كتاب واحد، وكان الرهن لهما في شيء واحد، وإن لم يكتباه في كتاب واحد؛ قال في المدونة: كقمح أو دنانير مشتركة بينهما، وأما إن كتباه في كتابين فكأنهما قد رضيا بالتفاضل، وأما إن كانا نوعين أو حقين مختلفين كبيع وسلف أو دنانير وطعام؛ فلكل واحد منها أن يقضي دون صاحبه؛ كانا بكتاب واحد أو كتابين، إذ لا شركة بينهما في ذلك كما نص عليه في المدونة. فلو كانا من جنس واحد ونوع واحد من الحقوق ولا شركة في ذلك بينهما كدينارين من سلفين مختلفتين منفردين، فإن كانا في كتابين لم يدخل أحدهما على الآخر، وكذلك إن كانا في كتاب واحد، قاله أبو العباس الإبياني وغيره، وهو ظاهر قوله في الكتاب، وإنما الذي لا يكون لأحدهما الكلام فيما اقتضى صاحبه فيما كتباه في كتاب واحد من مال أصله شركة بينهما.

стр. 3048

فَإِنْ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ بِيْعَ مَا لا يَنْقَسِمُ بِيعَ كَغَيْرِهِ وَكَانَتْ حَصَّةُ الرَّاهِنِ رَهْنَاً، وفِي رَهْنِيَّتِهَا لا تَعْجِيلِهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأشْهَبَ ..... يعني: إذا استحق بعض الرهن وطلب المستحق بيع نصيبه، فإن كان مما ينقسم قسم وتركت حصة الراهن رهناً، ولوضوح هذا لم يعترض له المصنف، وإن كان مما لا ينقسم بيع جميعه كغيره من سائر المشتركات التي لا تنقسم؛ إذا طلب أحد الشريكين البيع فإنه يجبر له الآخر، ثم إن بيع بمخالف الدين في الجنس أو الصفة بقيت حصة الراهن رهناً، وإن بيعت بجنسه وصفته، فقال ابن القاسم: تبقى أيضاً رهناً. وقال أشهب: بل تعجل للمرتهن؛ إذ لا فائدة في وقفها، وقد تضيع ولا ينتفع بها الراهن ولا المرتهن. وهذا معنى قوله: (وَفِي رَهْنِيَّتِهَا لا تَعْجِيلِهَا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ). واعلم أن التعجيل على قول أشهب مقيد بما إذا لم يأت برهن آخر، هكذا صرح به أشهب في الموَّازيَّة، وظاهر كلام المصنف: أن أشهب يقول بالتعجيل إذا بيع بمثل الدين، سواء كان الدين عيناً أو عرضاً، والذي في ابن يونس عنه: أن المرتهن يأخذ مصابه الرهن من الثمن من دينه إن بيع بمثل الدين من دنانير أو دراهم. ونقل الباجي عنه أنه قال في العتبية: إذا بيع بعرض مثل حقه أو مخالفاً له وضع له رهناً، وليس له تعجيله بغير رضا المرتههن. قال الباجي: ووجه أن المماثلة لا تكاد تحصل في العروض، وقد يجد عند الأجل ما هو أقرب إلى المماثلة. ولا يقال: لعل لأشهب قولين، وقد نقل اللخمي عنه الإطلاق كالمصنف؛ لأن تقييد كلامه بعضه ببعض أولي من حمله على الخلاف. الباجي: وقال أشهب أيضا في العتبية: إن بيع شيئ من الطعام أو الإدام أو الشراب بمثل ما له صفة وجوده فاستحسن له تعجيله، وإن أبى صاحب الحق.

стр. 3049

الباجي: وكذلك ينبغي أن يكون كل مكيل وموزون ونحوهما. وكذلك قال سحنون في المجموعة: إن بيع بمثل حقه فليعجل له. سحنون في موضع آخر: إلا أن يكون حقه طعاماً من بيع فيألى أن يتعجله فذلك له. وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِيَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ يعني: إذا قال صاحب الدين: كتابك هذا عندي رهن مثلاً. وقال المالك: بل أعرته أو أودعته لك. فالقول للراهن، وهكذا في الموَّازيَّة؛ لأن رب الدين مدع لأنه أثبت للكتاب وصفاً زائداً فعليه البينة. وكذلك أيضاً إذا كان بيده عبدان فادعى أنهما رهن، فقال ربهما: إنما رهنتك أحدهما. فالقول قوله، قاله في المدونة. وقوله: (الرَّاهِنِ) يريد: على دعوة خصمه، وإلا فالفرض أن الرهن لم يثبت، وقيد اللخمي المسألة بما إذا لم تكن العادة تصدق المرتهن، وأما إن صدقته كالبياع يبيع الخبز وشبهه فيدفع إليه الخاتم ونحوه ويدعي الرهينة؛ فإن القول قوله، ولا يقبل دعوى صاحبه أنه وديعة. خليل: وهو كلام ظاهر. قال في المدونة: فلو كان نمطاً وجبة فهلك النمط، فقال المرتهن: النمطُ أو دعتنية والجبة رهن. وقال الراهن: النمطُ هو الرهن والجبة هي الوديعة. فكل واحد مدع على صاحبه، فلا يصدق الراهن في تضمين المرتهن ما هلك، ولا يصدق المرتَهِن أن الجبة رهن، ويأخذها ربها، يعني: ويحلفان. وَالرَّهْنُ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ إِلَى مَبْلَغِ قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ يعني: إذا اتفقا على الرهنية واختلفا في مقدار الدين، فإن الرهن يكون كالشاهد إلى مبلغ قيمته فيكون القول قول من ادعى أن الدين قدر قيمة الرهن. ابن عبد البر: واتفق على ذلك. وقال الحنفي وغيره: القول قول الراهن مطلقاً. واستدل القاضي إسماعيل

стр. 3050

للمذهب بقوله تعالى: (ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة:٢٨٣] بجعل الراهن بدلاً من الشاهد، لأن المرتهن أخذه وثيقة بحقه فكان كالشاهد يخبر عن مبلغ الدين، وما جاوز قيمته فلا وثيقة فيه، فكان القول فيه قول الراهن. وقوله: (مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الراَّهِنِ) يعني: أنه يشترط في كون الرهن شاهداً أن يكون قائماً، وفي معنى القائم بأن يهلك في ضمان المرتهن، فإن قيمته تتنزل منزلته. وأما لو هلك في ضمان الراهن فلا يكون شاهداً، والذي في ضمان الراهن ما لا يغاب عليه أو ما يثبت هلاكه ببينة [٥٢١/ب] مما يغاب عليه كما تقدم، وهكذا نص في الموَّازيَّة والعتبية على أن الرهن لا يكون شاهداً إذا كان في ضمان الراهن. خليل: وينبغي إذا شهدت البينة على صفته أن يقوم، وتكون تلك القيمة أيضاً كالشاهد، وكذلك أيضاً إذا شهدت على قيمته، وإن كان في ضمان الراهن. وإلى ذلك أشار عبد الوهاب، فإنه قال: العادة جارية أن الناس يرهنون ما يساوي قدر ديونهم أو ما يقاربها. اللخمي وغيره: فعلى قوله يكون الرهن شاهداً على الذمة، وإن هلك الرهن أو استحق. فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ وَيَاخُذُهُ وَإِنْ لِمْ يَفْتَكَّهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ يعني: فيحلف المرتهن عليه وحده إن وافقت قيمة الرهن دعواه، وهذا هو المشهور. وقيل: لابد من يمين الراهن إذا طلبها المرتهن ليسقط عن نفسه كلفة بيع الرهن في الدين، ولأن المرتهن يخشى من ظهور عيب بعد بيعه. عياض: وهو الصحيح وليسقط الطلب من ذمته على القول بتعلقه بالذمة. قوله: (وَيَاخُذُهُ) أي: إذا حلف المرتهن أخذ الرهن إن لم يتفكه الراهن بما حلف عليه المرتهن، فإن نكل المرتهن حلف الراهن وغرم ما أقر به، ولا يلزم الراهن إذا حلف المرتهن أن يدفع ما حلف عليه؛ لأن الرهن إنما هو شاهد على نفسه، وهذا هو المشهور. وفي سماع
следующие страницы →