Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3046–3085 · переход к 3051.
стр. 3046
اللخمي: وأرى أن يحلف ليكون رهناً به. ونقل ابن يونس عن أشهب أنه لا يكون رهناً، ثم عارض بين قوله وقول ابن القاسم في هذه المسألة بقولهما في مسألة اللؤلؤ من كتاب الوكالة: إذا أمر رجلاً أن يشتري لؤلؤاً، وقال له: أنقد عني. فإن ابن القاسم عده سلفاً، ولا يرى له إمساك اللؤلؤ بثمنه، وأشهب يرى له إمساكه رهناً، قال: فخالف كل منهما أصله.
وَإِذَا قَضَى بَعْضَ الدَّيْنِ أَوْ سَقَطَ بِطَلاقٍ أَوْ إِبْرَاءٍ بَقِيَ جَمِيعُ الرَّهْنِ فِي الْبَاقِي، وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتُحِقَّ بَعْضُ الرَّهْنِ بَقِيَ الْبَاقِي فِي الْجَمِيعِ ....
كما لو رهنه عشرة أرداب قمحاً مثلاً في مائة درهم ثم قضاه خمسين، فلا يأخذ الراهن شيئاً من الرهن إلا بعد وفاء جميع الحق؛ لأن الأسواق تحول على الباقي، لأن كل جزء من الرهن في مقابلة كل جزء من الدين، وكذلك لو رهنها في صداقها فطلقها قبل البناء فسقط عنه النصف أو أبرأته من النصف؛ لم يكن للزوج أن يأخذ شيئاً من الرهن، ولا فرق بين أن يكون الرهن متحداً كدار أو ثوب، أو متعدداً كثوبين أو نحو ذلك.
قوله: (وَكَذَلِك لَوِ استُحِقَّ .... إلخ).تصوره ظاهر.
فرع:
وأما تعدد الراهن والمرتهن؛ ففي المدونة: وإذا أقرضاه جميعاً واشترطا أن يرهنهما رهناً في صداقها فطلقها قبل البناء، فلا بأس به. قيل له: وإن قضى أحدهما دينه فهل له أخذ حصته من الرهن؟ قال: قال مالك في رجلين رهنا داراً لهما في دين فقضى أحدهما حصته من الدين؛ فله أخذ حصته من الدار. واستشكل قياس قول ابن القاسم، لأنه في الثانية إذا قضى أحد الراهنين حصته، وقلنا: إن له أن يأخذ حصته من المرتهن؛ لا يقع خلل في حيازة نصيب الراهن الآخر من الراهن الذي لم يقض الحق، بخلاف الأول، أعني: إذا اتحد الراهن وتعدد المرتهن؛ فإنه إذا قبض الراهن حظ المرتهن الذي أوفاه عادت
стр. 3047
يد الراهن مع المرتهن الذي لم يقضه، وذلك مبطل لحيازته، ولهذا الاستشكال اختصر المختصرون المسألتين على [٥٢١/أ] السؤال والجواب إشارة إلى الإشكال.
ولهذا قال ابن يونس: يؤخذ من قوله: جواز حوز المرتهن نصف الدار مثلاً والباقي للراهن، وهو خلاف المعلوم من قوله. ورده عياض: بأنه لم يقل أن بقاءه بيد الراهن لا يبطل الرهن، وإنما تكلم على خروجه من الرهن ليبيعه وينتفع بثمنه.
فرع مرتب:
وهو أنه إذا تعدد المرتهن واتحد الراهن؛ فإذا قضى أحدهما هل يدخل الآخر عليه فيما قضاه؟ عياض: تحقيق المسألة أن الدينين إن كانا من شركة من ثمن مبيع بينهما أو من سلف واحد واشتركا فيه وهما جنس واحد، فمتى قضى أحدهما دخل عليه الآخر إذا كتباه في كتاب واحد، وكان الرهن لهما في شيء واحد، وإن لم يكتباه في كتاب واحد؛ قال في المدونة: كقمح أو دنانير مشتركة بينهما، وأما إن كتباه في كتابين فكأنهما قد رضيا بالتفاضل، وأما إن كانا نوعين أو حقين مختلفين كبيع وسلف أو دنانير وطعام؛ فلكل واحد منها أن يقضي دون صاحبه؛ كانا بكتاب واحد أو كتابين، إذ لا شركة بينهما في ذلك كما نص عليه في المدونة. فلو كانا من جنس واحد ونوع واحد من الحقوق ولا شركة في ذلك بينهما كدينارين من سلفين مختلفتين منفردين، فإن كانا في كتابين لم يدخل أحدهما على الآخر، وكذلك إن كانا في كتاب واحد، قاله أبو العباس الإبياني وغيره، وهو ظاهر قوله في الكتاب، وإنما الذي لا يكون لأحدهما الكلام فيما اقتضى صاحبه فيما كتباه في كتاب واحد من مال أصله شركة بينهما.
стр. 3048
فَإِنْ طَلَبَ الْمُسْتَحِقُّ بِيْعَ مَا لا يَنْقَسِمُ بِيعَ كَغَيْرِهِ وَكَانَتْ حَصَّةُ الرَّاهِنِ رَهْنَاً، وفِي رَهْنِيَّتِهَا لا تَعْجِيلِهَا إِنْ كَانَتْ مِنْ جِنْسِ الدَّيْنِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأشْهَبَ .....
يعني: إذا استحق بعض الرهن وطلب المستحق بيع نصيبه، فإن كان مما ينقسم قسم وتركت حصة الراهن رهناً، ولوضوح هذا لم يعترض له المصنف، وإن كان مما لا ينقسم بيع جميعه كغيره من سائر المشتركات التي لا تنقسم؛ إذا طلب أحد الشريكين البيع فإنه يجبر له الآخر، ثم إن بيع بمخالف الدين في الجنس أو الصفة بقيت حصة الراهن رهناً، وإن بيعت بجنسه وصفته، فقال ابن القاسم: تبقى أيضاً رهناً. وقال أشهب: بل تعجل للمرتهن؛ إذ لا فائدة في وقفها، وقد تضيع ولا ينتفع بها الراهن ولا المرتهن. وهذا معنى قوله: (وَفِي رَهْنِيَّتِهَا لا تَعْجِيلِهَا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ).
واعلم أن التعجيل على قول أشهب مقيد بما إذا لم يأت برهن آخر، هكذا صرح به أشهب في الموَّازيَّة، وظاهر كلام المصنف: أن أشهب يقول بالتعجيل إذا بيع بمثل الدين، سواء كان الدين عيناً أو عرضاً، والذي في ابن يونس عنه: أن المرتهن يأخذ مصابه الرهن من الثمن من دينه إن بيع بمثل الدين من دنانير أو دراهم. ونقل الباجي عنه أنه قال في العتبية: إذا بيع بعرض مثل حقه أو مخالفاً له وضع له رهناً، وليس له تعجيله بغير رضا المرتههن. قال الباجي: ووجه أن المماثلة لا تكاد تحصل في العروض، وقد يجد عند الأجل ما هو أقرب إلى المماثلة. ولا يقال: لعل لأشهب قولين، وقد نقل اللخمي عنه الإطلاق كالمصنف؛ لأن تقييد كلامه بعضه ببعض أولي من حمله على الخلاف.
الباجي: وقال أشهب أيضا في العتبية: إن بيع شيئ من الطعام أو الإدام أو الشراب بمثل ما له صفة وجوده فاستحسن له تعجيله، وإن أبى صاحب الحق.
стр. 3049
الباجي: وكذلك ينبغي أن يكون كل مكيل وموزون ونحوهما. وكذلك قال سحنون في المجموعة: إن بيع بمثل حقه فليعجل له. سحنون في موضع آخر: إلا أن يكون حقه طعاماً من بيع فيألى أن يتعجله فذلك له.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي الرَّهْنِيَّةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الرَّاهِنِ
يعني: إذا قال صاحب الدين: كتابك هذا عندي رهن مثلاً. وقال المالك: بل أعرته أو أودعته لك. فالقول للراهن، وهكذا في الموَّازيَّة؛ لأن رب الدين مدع لأنه أثبت للكتاب وصفاً زائداً فعليه البينة. وكذلك أيضاً إذا كان بيده عبدان فادعى أنهما رهن، فقال ربهما: إنما رهنتك أحدهما. فالقول قوله، قاله في المدونة.
وقوله: (الرَّاهِنِ) يريد: على دعوة خصمه، وإلا فالفرض أن الرهن لم يثبت، وقيد اللخمي المسألة بما إذا لم تكن العادة تصدق المرتهن، وأما إن صدقته كالبياع يبيع الخبز وشبهه فيدفع إليه الخاتم ونحوه ويدعي الرهينة؛ فإن القول قوله، ولا يقبل دعوى صاحبه أنه وديعة.
خليل: وهو كلام ظاهر. قال في المدونة: فلو كان نمطاً وجبة فهلك النمط، فقال المرتهن: النمطُ أو دعتنية والجبة رهن. وقال الراهن: النمطُ هو الرهن والجبة هي الوديعة. فكل واحد مدع على صاحبه، فلا يصدق الراهن في تضمين المرتهن ما هلك، ولا يصدق المرتَهِن أن الجبة رهن، ويأخذها ربها، يعني: ويحلفان.
وَالرَّهْنُ كَالشَّاهِدِ فِي قَدْرِ الدَّيْنِ إِلَى مَبْلَغِ قِيمَتِهِ مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الرَّاهِنِ
يعني: إذا اتفقا على الرهنية واختلفا في مقدار الدين، فإن الرهن يكون كالشاهد إلى مبلغ قيمته فيكون القول قول من ادعى أن الدين قدر قيمة الرهن. ابن عبد البر: واتفق على ذلك. وقال الحنفي وغيره: القول قول الراهن مطلقاً. واستدل القاضي إسماعيل
стр. 3050
للمذهب بقوله تعالى: (ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ ولَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَّقْبُوضَةٌ) [البقرة:٢٨٣] بجعل الراهن بدلاً من الشاهد، لأن المرتهن أخذه وثيقة بحقه فكان كالشاهد يخبر عن مبلغ الدين، وما جاوز قيمته فلا وثيقة فيه، فكان القول فيه قول الراهن.
وقوله: (مَا لَمْ يَفُتْ فِي ضَمَانِ الراَّهِنِ) يعني: أنه يشترط في كون الرهن شاهداً أن يكون قائماً، وفي معنى القائم بأن يهلك في ضمان المرتهن، فإن قيمته تتنزل منزلته. وأما لو هلك في ضمان الراهن فلا يكون شاهداً، والذي في ضمان الراهن ما لا يغاب عليه أو ما يثبت هلاكه ببينة [٥٢١/ب] مما يغاب عليه كما تقدم، وهكذا نص في الموَّازيَّة والعتبية على أن الرهن لا يكون شاهداً إذا كان في ضمان الراهن.
خليل: وينبغي إذا شهدت البينة على صفته أن يقوم، وتكون تلك القيمة أيضاً كالشاهد، وكذلك أيضاً إذا شهدت على قيمته، وإن كان في ضمان الراهن. وإلى ذلك أشار عبد الوهاب، فإنه قال: العادة جارية أن الناس يرهنون ما يساوي قدر ديونهم أو ما يقاربها. اللخمي وغيره: فعلى قوله يكون الرهن شاهداً على الذمة، وإن هلك الرهن أو استحق.
فَيَحْلِفُ الْمُرْتَهِنُ وَيَاخُذُهُ وَإِنْ لِمْ يَفْتَكَّهُ بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ
يعني: فيحلف المرتهن عليه وحده إن وافقت قيمة الرهن دعواه، وهذا هو المشهور.
وقيل: لابد من يمين الراهن إذا طلبها المرتهن ليسقط عن نفسه كلفة بيع الرهن في الدين، ولأن المرتهن يخشى من ظهور عيب بعد بيعه. عياض: وهو الصحيح وليسقط الطلب من ذمته على القول بتعلقه بالذمة.
قوله: (وَيَاخُذُهُ) أي: إذا حلف المرتهن أخذ الرهن إن لم يتفكه الراهن بما حلف عليه المرتهن، فإن نكل المرتهن حلف الراهن وغرم ما أقر به، ولا يلزم الراهن إذا حلف المرتهن أن يدفع ما حلف عليه؛ لأن الرهن إنما هو شاهد على نفسه، وهذا هو المشهور. وفي سماع
стр. 3051
ابن القاسم عن مالك أنه شاهد على الذمة، ويجبر الراهن على دفع ما ادعاه المرتهن ما بينه وبين قيمة الرهن. ولهذا قال المصنف أولاً: والرهن كالشاهد، ولم يقل: والرهن شاهد؛ لأنه ليس بشاهد على الذمة وإنما هو شاهد على نفسه.
فَإِنْ زَادَ حَلَفَ الرَّاهِنُ مَا لِمْ يَنْقُصْ عَنْهَا، فَإِنْ نَقَصَ حَلَفَا وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكَّهُ بِقِيمَتِهِ. وقِيلَ: بِمَا حَلَفَ عَلَيْهِ ....
مثال ذلك: إذا قال الراهن بعشرة، وقال المرتهن: بعشرين: فثلاث صور:
الأولى: أن يوافق المرتهن بأن تكون قيمته عشرين.
والثانية: أن يوافق الراهن بأن تكون قيمته عشرة.
والثالثة: ألا يوافق واحد منهما بأن تكون قيمته خمسة عشر.
فأشار إلى الأولى بقوله: فيحلف المرتهن ويأخذه إن لم يفتكه. وأشار إلى الثانية بقوله: فإن زاد. أي: المرتهن على قيمته. أي: في دعوى المرتهن بأن يساوي عشرة حلف الراهن وحده، فإن نكل حلف المرتهن وأخذ المرتهن ما ادعاه.
وقوله: (ماَ لَمْ يَنْقُصْ عَنْهَا) أي: ما لم تنقص دعوى الراهن عن قيمة الرهن. قوله: (فَإِنْ نَقَصَ) أي: الراهن عن القيمة، يريد: مع كون الراهن قد زاد. (حَلَفاَ) أي: الراهن والمرتهن كل على دعواه.
عياض: ولا خلاف في حلفهما في هذه الصورة. مالك في الموطأ، وابن المواز: ويبدأ المرتهن باليمين؛ لأن الرهن كشاهد له على قيمته، فإن حلف فليحلف الآخر، فإن نكل لزمخ كل ما ادعاه المرتهن، وكذلك أيضاً لو نكل المرتهن وحلف الراهن لم يلزم الراهن إلا ما حلف عليه، وإن نكلا أو حلفا فعلى الراهن قيمته إن أحب. وقيل: لا يكون له أخذه إلا بما حلف عليه المرتهن.
стр. 3052
وإلى هذين القولين أشار بقوله: (وَأَخَذَهُ إِنْ لَمْ يَفْتَكّهُ بِقِيمَتِهِ) وقيل: بما حلف عليه. القول الأول لمالك في الموطأ، وهو قول ابن نافع وابن المواز. ثم يقال للراهن: إما أن تعطيه الذي حلف عليه وتأخذ رهنك، وإما أن تحلف على الذي قلت أنك رهنته ويبطل عنك ما زاد المرتهن على قيمة الرهن. فإن حلف بطل ذلك عنه، وإن لم يحلف لزمه غرم ما حلف عليه المرتهن. والقول الثاني لابن القاسم في العتبية. قال في الموطأ: ويحلف المرتهن على جميع ما ادعاه، وهو العشرون. وقال ابن المواز: المرتهن مخير أن يحلف على دعواه أو على قيمة الرهن.
وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه: أنه لا يحلف إلا على خمسة عشر، كما لو ادعي عشرين فشهد له شاهد بخمسة عشر، فإنه يحلف على شهادة الشاهد.
وفرق الباجي وغيره بين الرهن والشاهد بأن الرهن متعلق بجميع الدين، والشاهد لا تعلق له بما لم يشهد، ألا ترى أن الراهن لو أقر بالعشرين لكان الرهن رهناً بجميعها، ولو أقر بتصديق الشاهد لم يكن لشهادته تعلق بغير الخمسة عشر.
واعلم أن القول بتحليفه على العشرين أخص؛ لأنه إذا نكل الراهن لا يحتاج المرتهن إلى يمين أخري، بخلاف من يقول: إنه يحلف على قيمة الرهن؛ لأنه يحتاج إذا نكل الراهن إلى يمين أخرى يثبت بها ما زاد على القيمة.
تنبيه:
ما تقدم من أن الضمير في قوله: (فَإِنْ زَادَ) عائد على (الْمُرْتَهِنُ) هو الظاهر، بل المتعين هنا، وهو الذي قال ابن راشد. وقال ابن عبد السلام: يعني فإن زاد الذي أقر به الراهن على قيمة الرهن؛ كما لو كانت قيمته ثمانية وأقر الراهن أن الدين عشرة، فيحلف الراهن وحده، كما يحلف لو لم يكن رهن ليرد دعوى المرتهن، وفيه نظر، فإن حمل الكلام
стр. 3053
على هذا لا يفيد، فإنه إذا كان القول قول الراهن إذا ادعى قيمة الرهن فمن باب الأولى إذا ادعى أزيد من ذلك. ثم المسألة في كلام مالك وغيره إنما هي على الوجه الذي ذكرناه.
وَفِي شَهَادَةِ مَا بِيَدِ أَمِينٍ قَوْلانِ
القول بقبول شهادة ما بيد أمين لابن المواز، والآخر لأصبغ.
أبو محمد: وقول ابن المواز أصوب، لأنه إنما أخذه توثقة بحقه، ولا فرق بين أن يكون تحت يد المرتهن أو يد الأمين.
فَإِنْ تَلِفَ الْمَضْمُونُ واخْتَلَفَا فِي الْقِيمَةِ؛ تَوَاصَفَاهُ ثُمَّ قُوِّمَ، فَإِنِ اخْتَلَفَا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ ....
يعني: إذا تلف المضمون وألزم المرتهن قيمته، فإن اختلفا في قيمته؛ فإنهما يتواصفاه ثم تقوم تلك الصفة، وإن اختلفا فيها فالقول قول المرتهن مع يمينه، وهكذا في المدونة. وقيد المصنف المسألة بالمضمون؛ لأن غير المضمون لا قيمة فيه على المرتهن حتى يغرمها، وليس هو أيضاً شاهداً [٥٢٢/أ] على مقدار الدين كما تقدم.
وقوله: (فَإِنِ اخْتَلَفاَ) أي: في الصفة، فالقول قول المرتهن لأنه غارم، وهذا هو مذهب المدونة.
ابن المواز: ويقبل قول المرتهن في الصفة، وإن كانت قيمة ذلك يسيرة إلا في قول أشهب، فإنه قال: إلا أن يتبين كذبه لقلة ما ذكره جدًّا، واختلف أيضاً لو لم يدع المرتهن هلاك الرهن، لكن أتى برهن يساوي عشر الدين مثلاً، هل يكون الدين شاهداً للراهن إذا أنكر أن يكون هذا رهنه كما كان الرهن شاهداً للدين؟
والمشهور: أن لا يكون الدين هنا شاهداً.
ابن عبد السلام: والأقرب أنه لا فرق بين الصورتين.
стр. 3054
فرع:
أما إن جهل الراهن والمرتهن قيمته وصفته؛ فالرهن بما فيه، وليس لأحدهما قبل الآخر شيء، وعلى ذلك حمل أصبغ الحديث:"الرهن بما فيه" قيل: ولا خلاف عندنا في ذلك.
وَالْمُعْتَبَرُ فِي الْقِيمَةِ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ يَوْمُ الْحُكْمِ إِنْ كَانَ بَاقِياً، وَيَوْمُ قَبْضِهِ إِنْ كَانَ تَالِفاً، وَعَنْهُ أَنَّ الرَّهْنَ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الضَّيَاعِ، وَعَنْهُ: يَوْمَ الرَّهْنِ، قَالَ الْبَاجِيُّ: فَيَنْبَغِي أَنْ تُعْتَبَرَ تِلْكَ الْقِيمَةُ فِي مَبْلَغِ الدَّيْنِ ....
حاصل ما ذكره: أنه إن كان الرهن باقياً اعتبرت قيمته يوم الحكم، وإن تلف؛ فثلاثة أقوال لابن القاسم، أعني: هل تعتبر يوم الضياع، أو يوم القبض، أو يوم الرهن؟ على أنه قد اختلف في الروايتين الأخيرتين هل هما وفاق أو خلاف؟
وقوله: (قَالَ الْبَاجِيُّ: فَيَنْبَغِي) إنما قال الباجي ذلك بلفظ يجب. قال: وعلى اعتبار قيمة الضياع يجب أن تعتبر تلك القيمة إلى مبلغ الدين، والأقرب اعتبار القيمة يوم الرهن؛ لأن الناس إنما يرهنون ما يساوي ديونهم غالباً. ابن عبد السلام: وما حكاه المصنف عن الباجي هو نص في الموطأ ومعناه في المدونة.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي مَقْبُوضٍ، فَقَالَ الرَّاهِنُ: عَنْ دَيْنِ الرَّهْنِ، وقَالَ الْمُرْتَهِنُ: عَنْ غَيْرِهِ. وُزِّعَ بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا عَلَى الْجِهَتَيْنِ، وَقِيلَ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ
نحوه في المدونه، ونظيرها إذا كان له عليه دين بحميل ودين بغيره، واختلفا في المقبوض هل عما هو بحميل أم لا؟ ابن رشد: والكلام فيهما واحد، ومذهب المدونة أنهما يتحالفان ويقسم المقبوض بينهما، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر فالقول قول الحالف، وحكى في المدونة في مسألة الحمالة عن غير ابن القاسم: أن القول قول المقبض مع يمينه، قال: لأنه مؤتمن مدعى عليه.
стр. 3055
وإلى هذا أشار بقوله: (وَقِيلَ: القَوْلُ قَوْلُ الْمُرْتَهِنِ) ابن رشد: وما حكاه من أن القول قول المرتهن لا يوجد على إطلاقه. وحكاه في الجواهر عن أشهب مقيداً، فقال بعد أن ذكر أنهما يتحالفان ويقسم الثمن بينهما: وقال أشهب: وهذا إذا تقاررا بالإبهام، وأما لو تداعيا البيان؛ فالقول قول المرتهن، وكلام ابن يونس قريب منه.
ابن عبد السلام: وهذا القول أقرب؛ لأن الدافع يطلب إخراج الرهن بمحض دعواه فعليه البيان. وقال ابن كنانة في مسألة الحمالة: القول قول من عليه الدين. وكذلك حكى ابن رشد قولاً في مسألة الرهن أن القول قول الراهن.
اللخمي: وهو القياس؛ لأنه متطوع، ولأن القول قوله فيما يقر به. وقيد اللخمي ما في المدونة بما إذا حل الدينان أو لم يحلا وكان أجلهما سواء أو متقاربان، فإن حل أحدهما؛ فالقول قول من ادعى الحال، وكذلك إذا تباين الأجلان فالقول قول من ادعى أقربهما أجلاً مع يمينه.
بعض القروبين: وإنما تصح القسمة إذا كانت المائتان حالتين، وأما إن كانتا مؤجلتين؛ فالقول قول الدافع، لأنه يقول: إنما قصدت تعجيل المائة لآخذ الرهن، فيكون القول قوله.
وَإِذَا ادَّعَى الْمُرْتَهِنُ رَدَّهُ لَمْ يُقْبَلْ
ظاهر.
وَإِذَا اخْتَلَفَ الأَمِينُ والْمُرْتَهِنُ، فَقَالَ: بِعْتُهَا بِمِائَةٍ وَأَسْلَمْتُهَا لَكَ، وَأَنْكَرَ الْمُرْتَهِنُ؛ غَرِمَ الأَمِينُ لَهُ مَا أَنْكَرَهُ ...
قال في المدونة: وإن قال المأمور بعت الرهن بمائة وقبضتها للمرتهن، وقال المرتهن: ما أخذت منه شيئاً؛ صدق المرتهن. وكذلك يصدق المرتهن إذا قال: إنما أعطاني خمسين، وقال المأمور: بل مائة. ولأجل تصديق المرتهن قال المصنف: غرم الأمين ما أنكره، أي: ما
стр. 3056
أنكر المرتهن، يعني: للمرتهن بعد يمينه. وهو مقيد بما إذا كان المأمور مأموراً من الراهن.
ابن يونس: ولو كان المرتهن هو الذي أمر ببيعه؛ لصدق المأمور مع يمينه في دفعه إلى المرتهن، لأن الوكيل على البيع مصدق في دفع الثمن إلى الآمر.
* * *
стр. 3057
التَّفْلِيس: وَإِذَا الْتَمَسَ الْغُرَمَاءُ أَوْ بَعْضُهُمُ الْحَجْرَ عَلَى مَنْ يَنْقُصُ مَالُهُ عَنْ دَيُنِهِ الْحَالِّ حُجِرَ عَلَيْهِ .....
التفليس مصدر فلس. عياض: وأصله من الفلوس؛ أي: صار صاحب فلوس بعد أن كان ذا ذهب وفضة. وفي الجوهري: يقال: أفلس الرجل؛ أي: صار مفلساً كأنما صارت دراهمه فلوساً، كما يقال: أخبث إذا صارت أصحابه خبثاً، وأقطف إذا صارت دابته قطوفاً، ويجوز أن يراد أنه صار إلى حال ليس معه فلس، كأُقْهِرَ الرجل إذا صار إلى حال يقهر عليه.
وقوله: (الْتَمَسَ ...) إلخ. يعني للقاضي الحجر على المِدْيَان بثلاثة شروط، أو شرط مركب من ثلاثة أجزاء:
الأول: أن يطلب الغرماء أو واحد منهم ذلك، وهو معني قوله: (الْتَمَسَ الْغُرَماَءُ أَوْ بَعْضُهُمُ) وفهم من كلامه أن لبعض الغرماء إذا قام تفليسه وإن كره غيره، وهو صحيح. محمد: إلا أن يقدمه الغرماء في المال الموجود أو يدفعوا له دينه من أموالهم.
الثاني: أن يكون مال المِدْيَان ناقصاً عن دينه الحال.
الثالث: أن يكون الدين حالاً، وأما إن كان مؤجلاً فلا حجر بمؤجل، نعم يحل بالحجر كما سيأتي، والمؤجل الحال كالحال، وذكروا هنا صوراً:
الأولى: أن يكون له وفاء دينه الحال والمؤجل؛ فهذا لا يفلس.
الثانية: أن يكون ما بيده ناقصاً [٥٢٢/ب] عن الحال؛ فلا إشكال أنه يفلس.
الثالثة: أن يكون بيده مقدار الحال فقط، فللقرويين في تفليسه قولان.
الرابعة: أن يكون في يده مقدار دينه الحال ويفضل عن ذلك فضله إلا أنها لا تفي بالمؤجل الذي عليه، فذكر اللخمي أن المعروف أنه يفلس. وفي الموازية: أنه لا يفلس.
стр. 3058
قال: وليس بحسن. وقيد اللخمي ما في المدونة بأن تبقى في يده فضله يعامله الناس عليها ويتاجرة الناس بسببها، ويرجى من تنميته لها ما يقضي به الديون المؤجلة، وإن كان المعروف في هذه المسألة أن يفلس؛ إذا لم يكن بيده إلا مقدار الحال أولى، وهو خلاف مفهوم كلام المصنف؛ إذ مفهوم كلامه: أنه لو بقى بيده مقدار الحال فقط لم يفلس.
اللخمي: وإذا كان ما في يده كفاف دينه وله مؤجل مثل المؤجل الذي عليه في العدد والأجل على موسر، أو كان محل دينه قبل محل الذي عليه، أو كان محل دينه أبعد أجلاً وهو أكثر عدداً- وإن بيع الآن- أو عند حلول ما عليه وفاء بالدين، لم يفلس، وكذلك إذا كان أجل دينه قبل وهو أقل ويرجى بعد قبضه وتجره به أن يوفي ما عليه.
تنبيه:
أخذ من قول المصنف: (الْتَمَسَ الْغُرَمَاءُ) أنه لا يكون للقاضي ذلك إلا بطلبهم، وأنه لو أراد الغريم تفليس نفسه لم يكن له ذلك، وقد اختلف الشافعية هل له ذلك أم لا؟ والصل في هذا الباب ما رواه أبو داود: أنه ﵇ حجز على معاذ بن جبل- ﵁ وقسم ماله بين غرمائه. وفعل ذلك عمر بن الخطاب- ﵁ برجل كان يشتري الرواحل ويسبق الحاج. وقال:" من كان له عنده شيء فليأتنا بالغداة نقسم ماله وإياكم والدين، فإن أوله هم وآخره حرب".
وَلا حَجْرَ فِي الدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، وَلَكِنْ يَحِلُّ بِالْحَجْرِ
يعني: شرط الدين الذي يحجر به أن يكون حالاً، وإن كان دينه مؤجلاً كله أو حل بعضه ولكن ما بيده أكثر مما حل عليه؛ لم يحجر عليه.
اللخمي: وسواء كان يوجد عنده عند حلول الأجل شيء أم لا، إلا أن تتغير حالته ويظهر منه إتلاف ويخشى ألا يوجد عند حلول الأجل شيء؛ فيحجر عليه ويحل دينه، إلا أن يضمن أو يوجد ثقة يتجر له.
стр. 3059
قوله (وَلَكِنْ يَحِلُّ بالْحَجْرِ) يعني: إذا حجر عليه بسبب الدين الحال فإن المؤجل يحل كما يحل بالموت؛ لخراب الذمة في المسألتين.
فرع:
لو قال بعض الغرماء: لا أريد حلول عروضي، وقال المفلس: بل حكم الشرع بحلول ما على ولا أوخره؛ فالقول للمفلس ويجبر المستحق على أخذها، قاله في الموازية والعتبية. واعترضه اللخمي بأن الحلول إنما لِحَقِ رب السلعة، فينبغي ان يكون القول له في التأخير، وإلى حلول الدين بالموت أشار بقوله:
وَالْمَوْتُ كَالْفَلَسِ
وهذا هو المشهور. وذهب السيوري إلى أن المؤجل لا يحل بالموت، فأحرى على قوله الفلس، ووجه المشهور: أنه لو لم يحل بالموت لزم إما تمكين الورثة من قسمة التركة، وإما عدم تمكينهم، والأول باطل بقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ وصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) [النساء:١١]. والثاني كذلك؛ لما يلحق الجميع بسبب وقف التركة من غير فائدة. ولو قال الورثة: نحن نأتي بالحميل مليء ونؤديه عند الأجل ومكنونا من قسمة التركة كلها؛ لم يكن لهم ذلك، قاله ابن نافع في المبسوط.
فرع:
ويدخل في قوله: (ويحل بالفلس) دين الأكرية، وهو الذي أخذ من المدونة من قوله: إذا ألفلس المكتري فصاحب الدابة أولى بالمتاع من الغرماء. فإنه يقتضى تعجيل حقه، ولا يصح أن يباع للغرماء منافع دابة بالنقد يأخذونه ويبقى هو مطالباً بالكراء. ومن قوله فيها أيضاً، إذا اكترى أرضاً فزرعها ثم فلس؛ أنه يحاص الغرماء منافع دابته بالنقد بالكراء.
المازري: وذكر لي بعض أشياخي أن عبد الوهاب نص عليه في شرح الرسالة، وكذلك ذكر لي عن المبسوط، ولم أقف على النقل في هذين الكتابين، ولكن عندي أن المسألة
стр. 3060
كالمنصوص فيها على قولين؛ لأنه اختلف فيمن أكرى داره خمس سنين وقبض كراءها ومر عليه حول ففلس، هل يكري الجميع أو العام الأول فقط؟
وفي المقدمات: وإن اكترى الرجل داراً بالنقد أو كان العرف فيه النقد ففلس المكتري قبل أن يقبض الدار أو بعد أن قبض المكتري بعض السكني؛ فأوجب ابن القاسم في المدونة للمكتري المحاصة بكراء ما بقى من السكني إذا شاء أن يسلمه، وله مقل ذلك في العتبية. وعلى قياس هذا إن فلس قبل أن يقبض الدار فللمكتري أن يسلمها ويحاص بجميع كرائه، وهذا إنما يصح على قول أشهب الذي يرى قبض أوائل الكراء قبضاً لجميع الكراء. وأما ابن القاسم: فالقياس في أصله أن يحاص الغرماء بما مضى ويأخذ داره ولا يكون له أن يسلمها، ويحاص الغرماء بجميع الكراء. ولو لم يشترط في الكراء النقد ولا كان العرف فيه النقد؛ لوجب على المذهب المتقدم إذا حاص أن يوقف ما وجب له في المحاصة، فكلما سكن شيئاً أخذ بقدره من ذلك.
وَالْبَعِيدُ الْغَيْبَةِ لا يُعْرَفُ تَقَدُّمُ مِلائِهِ يُفَلَّسُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: وَلَوْ كَانَ عُرِفٌ
يعني: أن الغريم إذا كان بعيد الغيبة ولم يعرف له تقدم ملاء فإنه يفلس، وإن عرف له ذلك؛ فالمشهور لا يفلس خلافاً لأشهب، وقد نقل ابن يونس وغيره قول أشهب كما نقله المصنف. وقول ابن عبد السلام: إن في نقل المصنف له نقصاً؛ لأنه لا يؤخذ منه أنه يحكم بفلسه ولو عرف ملاؤه، وليس بظاهر. وقال أصبغ بالمشهور استحساناً، والقياس عنده قول أشهب.
أصبغ: ويكتب بتفليسه حيث هو ليستتم عليه ذلك بالموضع الذي هو فيه.
ابن يونس: وفي قول أصبغ نظر؛ لأن أشهب إنما فلسه وإن كان ملياً في غيبته؛ لإمكان [٥٢٣/أ] تلف المال، فإذا وصل إليه فكيف يحل المؤجل عليه وهو مليء. انتهى.
وأجيب بأن أصبغ رآه حكماً مضى فلا يرتفع.
стр. 3061
فرع مرتب على المشهور:
فإن فلس ثم قدم ملياً فلا شك في أخذ من قد حل دينه، وأما من لم يحل دينه؛ فاختلف هل يأخذ أيضاً حقه لأنه حكم مضى وهو ظاهر قول أصبغ، أو لا يأخذه إلا بعد أجله لأن الغيب قد كشف خلاف ما مضى به فصار كما لو تبين خطأه وهو اختيار بعض المحققين؟ وقال ابن عبد السلام: الأول أقرب؛ لأن الحاكم حين قضى بإفلاسه كان محوزاً لما قد ظهر الآن، وأيضاًفهو حكم واحد، وقد وقع الاتفاق على أن من قبض شيئاً من دينه المؤجل لا يرد ذلك، فكذلك ما بقى، وأما لو حضر الغريم وغاب المال فإن ذلك يوجب تفليس الغريم إذا كانت غيبة المال بعيدة. انتهى.
وفهم من قول المصنف: (وَالْبَعيدُ) أنه لو كان قريبا لم يفلس بل يكشف عن حاله، وهكذا في العتبية والواضحة لابن القاسم، وحد القرب فيهما بالأيام اليسيرة.
قال في البيان: ولا خلاف في ذلك. قال: وخلاف ابن القاسم وأشهب إنما هو عندي فيما كان على مسيرة عشرة أيام ونحوها، وأما إن كان على مسيرة الشهر ونحوه فلا خلاف في وجوب تفليسه وإن علم ملاءه؛ أي: غناه من فقره.
فرع: وهل يستأنى ببيع عروض الغائب خشية أن يكون عليه دين آخر؟ أما البعيد الغيبة: فلا خلاف في الاستيناء في حقه. وأما القريب: فلمالك في رواية ابن وهب في بعض روايات المدونة، ولا يستأنى به لأن له ذمة. وقال ابن القاسم: يستأنى به كالميت.
وَلَوْ مَكَّنَهُمُ الْغَرِيمُ مِنْ مَالِهِ فَبَاعُوهُ وَاقْتَسَمُوهُ ثُمَّ تَدَايَن؛ فَلَيْسَ للأَوَّلِينَ دُخُولٌ فِيهِ، إِلا أَنْ يَكُونَ فِيْهِ فَضْلُ رِبْحٍ كَتَفْلِيسِ السُّلْطَانِ
يعني: إذا اتفق الغريم وأرباب الديون على أخذ ما في يد الغريم والتحاصص فيه وفعلوا ذلك من غير رفع إلى الحاكم، ثم تداين هذا الغريم من قوم آخرين؛ فليس للأولين الدخول في دين ما أخذه من الآخرين، إلا أن يفضل عن دين الآخرين فضل.
стр. 3062
وقوله: (كَتَفْلِيسِ السُلْطَانِ) تشبية لإفادة الحكم؛ لأنه لم يتقدم له هذا الحكم في تفليس السلطان؛ أي: وليس لهم أن يدخلوا كحكم الحاكم.
وَلِلْحَجْرِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ؛ مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجُودِ
(أل) في (لِلْحَجْرِ) للعهد؛ أي: لحجر المفلس أربعة أحكام؛ الأول: (مَنْعُ التَّصَرُّفِ فِي الْمَالِ الْمَوْجْودِ) احترازاً مما إذا لم يوجد؛ فإنه لا يمنع كالتزامه عطية شيء إن ملكه، اللهم إلا أن يملكه ودينهم باق فلهم حينئذ المنع. ومراد المصنف بالمنع من التصرف: هو التصرف الخاص وهو التبرع؛ لقوله بعد هذا: (مُعَامَلَتِهِ) ولكن إن أراد هذا دخل عليه النكاح، فإنه ممنوع من التزويج في المال الذي فلس فيه، قاله في المدونة، قال: وله أن يتزوج فيما أفاده بعده. وظاهرها وظاهر العتبية: أن له أن يتزوج قبل التفليس.
ابن رشد: هذا إذا تزوج من يشبه حاله وأصدقها مثل صداقها، ولو كان أكثر لكان غرماؤه أولي، وترجع هي عليه به، واختلف هل يُقَامُ المفلس من السوق لئلا يُغَشُ الناس بالبيع هنا؟ قال مالك في الموازية فيمن تَعَمَدَ إتلاف أموال الناس: يقام من السوق، كما قال في السفيه إذا حجر عليه. وقال مطرف وابن الماجشون في الواضحة: والمفلس لا يقام للناس.
اللخمي: وهذا أحسن فيمن لم يتعمد تلف ذلك.
فرعان:
الأول: اختلف في الكتابة؛ فقيل من ناحية العتق فترد، وقيل: من ناحية البيع فتمضي.
اللخمي: وأرى أن ينظر في قيمته مكاتباً؛ فإن كانت كقيمته رقيقاً مضت مطلقاً إلا أن يتعذر بيع المكاتب، وكذلك إن كانت قيمته مكاتباً أبخس إلا أنها تفي بالدين، وإن كانت لا تفي؛ ردت إن كانت بعد الحجر أو قبل وكان البخس لتخفيف في الكتابة؛ لما يرجى من الولاء، إلا إن كانت قبله في حسن النظر لكثرة النجوم، كمن باع سلعة بثمن إلى أجل
стр. 3063
وكان بيع ذلك الدين لا يفي بالثمن لو بيعت على النقد فإنه لا يرد. انتهى. وهذا إنما يأتي إذا أجرينا الكتابة مجرى البيع.
الثاني، قال في المدونة: ورهن من أحاط الدين بماله وبيعه وقضاؤه جائز ما لم يفلس، وقد كان مالك يقول: إذا تبين فلسه فليس له ذلك ويدخل الغرماء معه فيه، وليس بشيء، وعلى الأول جماعة الناس.
وحكى في المقدمات قولاً ثالثاً بجواز قضائه لبعض غرمائه دون رهنه، أما لو قضى جميع ما بيده لأحد غرمائه، فأشار السيوري إلى أن ذلك لا يختلف في رده وأفتى بذلك، وإنما اختلف إذا قضى البعض، وقال بعض القرويين: إنه يتفق على رده إذا عجله لبعضهم قبل أجله.
وَفِي مُعَامَلَتِهِ، ثَالِثُهَا: بِالنَّقْدِ لا بِالنَّسِيئَةِ، وَرَابِعُهَا: بِمَا يَبْقَى لا بِمَا يَذْهَبُ
أي: وفي صحة معاملة المفلس وعدم صحتها، والذي اقتصر عليه اللخمي والمازري وابن شاس: أن بيعه وشراءه لا يمضي. وفي الجلاب: أن بيع المفلس وابتياعه جائز ما لم يحاب. ولم أقف على غير هذين القولين، على أن بعض من تكلم على الجلاب أوله بأن مراده مَنْ ظهر عليه الفلس قبل أن يحجر الحاكم عليه، قال: وأما إن حجر عليه فلا يجوز له تصرف البتة. ولا خلاف في جواز بيعه إذا لم يحجر عليه بشرط ألا يحابي، قاله في المقدمات.
وقوله: (بِمَا يَبْقَى لا بِمَا يَذْهَبُ) أي: لا يسرع إليه التلف كالعقار.
ابن عبد السلام: ولستُ على وثوقٍ من نسبة هذه الأقوال للمذهب، بل ورأيت من الحفاظ من ينكرها، والأول منها هو المعروف في المذهب، ولو صح بيعه وشراؤه لما كان للحجر عليه كبير فائدة، وإنما حكيت هذه الأقوال في مستغرق الذمة بالحرام والمغصوب، على القول بأن حكمه حكم من أحاط الدين بماله لا حكم المفلس وهو الأظهر، ومنهم من
стр. 3064
رأى حكمه حكم المفلس فمنع من معاملته مطلقاً، هكذا [٥٢٣/ب] حرره بعض المحررين من الشيوخ.
وَيَمْضِي عِتْقُ أُمِّ وَلَدِهِ، وَرَدَّهُ الْمُغِيرَةُ
أمضاه ابن القاسم في الكتاب ورده المغيرة، وقال: ليس هو كطلاقه لزوجته، بل هي كرقيقه؛ لاتفاقه بها. ومنشأ الخلاف: هل هي كالزوجة لأنه ليس له فيها إلا الاستمتاع، أو كالأمة لأن فيها شائبة الرق، ولأن أرش جنايتها للسيد؟
وفهم من قوله: (وَيَمْضِي عِتْقُ أُمِّ وَلَدِهِ) أنه لا ينبغي للمفلس أن يقدم على ذلك ابتداءً، وهذا مقيد بأم الولد التي أولدها قبل الحجر، وأما لو أولدها بعده؛ فيرد عتقها لأنها تباع إذا وضعت دون ولدها.
وَفِي إِتْبَاعِهَا مَالَهَا إِذَا لَمْ يَكُنْ يَسِيراً قَوْلانِ
إذا فرعنا على المشهور من إمضاء العتق، فإن لم يستثن السيد مالها، فقال مالك في العتبية: يتبعها لأن السيد باعتبارها غير مفلس. وقال ابن القاسم: لا يتبعها إلا أن يكون يسيراً، لأن الغرماء إنما لم يكن لهم ردها لأنهم لا منفعة لهم فيها بخلاف مالها.
وَتَصَرُّفُهُ شَارِطاً أَنْ يَقْضِيَ مِنْ غَيْرِ مَا حُجِرَ عَلَيْهِ فِيهِ صَحِيحٌ
إذا اشترى شيئاً على أن يقضي ثمنه من غير ما حجر عليه فيه بل مما يطرأ جاز؛ إذ ليس فيه إتلاف على الغرماء.
خليل: وانظر هذا فإن فيه البيع لأجل مجهول وقابله بما قالوه فيمن تزوجها إلى ميسرته أنه لا يجوز، وقد تقدم أن شيخنا ﵀ أخذ من هذا أنه يجوز أن يشتري سلعة بشرط أن يدفع ثمنها إذا فتح الله عليه وانظر ذلك.
стр. 3065
وَكَذَلِكَ طَلاقُهُ وِخُلْعُهُ وِاسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ وعَفْوُهُ
يعني: وكذلك تصح تصرفاته غير المالية كطلاقه، فأحرى خلعه لأخذه فيه مالاً، وذلك أنفع للغرماء، وله أن يستوفي القصاص الذي وجب له؛ إما بسبب جناية عليه أو على وليه، وله أن يعفو عن الجاني، ولا إشكال في هذا على قول ابن القاسم الذي يرى أن موجب العمد قود كله، وأما على قول أشهب الذي يرى أن الواجب الخيار للولي بين القصاص والدية فقد غمزه بعضهم، والأظهر أنه لا إشكال فيه على قاعدة المذهب؛ لقولهم أنه لا يجبر على انتزاع مال أم ولده ومدبره.
ووقع في بعض النسخ (وغيره) عوض قوله: (وعَفْوُهُ) فيعني به كاستلحاق النسب أو اللعان، والله أعلم.
وَيُقْبَلُ إِقْرَارُهُ فِي الْمَجْلِسِ أِوْ عَنْ قُرْبً
يعني: أن إقرار الغريم إما بدين في ذمته أو بمعين، وبدأ بالدين وذكر أنه يقبل إقراره في مجلس التفليس وبالقرب منه، ولا يقبل مع البعد للتهمة، وقيد بالمجلس وقربه؛ لأن الغالب في حق من يعامل الناس أنه لا يستحضر جميع ما عليه إلا بتفكر.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه أنه يقبل في المجلس وبالقرب منه، سواء كان الدين الذي فلس به ثبت ببينة أو بإقرار، وهو اختيار بعض الشيوخ. والظاهر عندي: أن الغالب عدم استحضاره لجميع الدين في وقت واحد، لكن الذي نص عليه محمد وحملوا عليه المدونة أن هذا خاص بما إذا ثبت الدين بإقراره، وإن كان ببينة فإنه لا يقبل وإن كان في المجلس.
ولمالك في الموازية قول ثالث: أن من أقر له المفلس إن كان يعلم منه إليه تقاض ومداينة وخلطة؛ حلف المقر له ودخل في الحصاص مع من له بينة.
стр. 3066
وزاد بعضهم رابعاً: أنه يقبل ما لم يحز عنه المال؛ لأنه حينئذ كالرهن للغرماء. وفهم من كلام المصنف أنه إذا أقر قبل التفليس أنه يقبل؛ لأنه قبل في مجلس التفليس فأحرى قبله.
قال في المقدمات: ولا خلاف في ذلك إن كان المقر له لا يتهم عليه، وفي المتهم عليه خلاف. وكذلك حكى اللخمي وقال: عدم الجواز أحسن.
ابن راشد: ونزلت عندنا بقفصة وكتب فيها قاضي الجماعة بما اختاره اللخمي من البطلان.
خليل: وفي الاتفاق الذي حكاه في المقدمات نظر، فقد حكى المازري وغيره أنه وقع لابن نافع في المبسوط أنه لا يجوز أقرار من تبين فلسه وإنما لم يضرب على يديه.
ابن راشد: وحد التفليس الذي يمنع قبول إقراره أن يقوم عليه غرماؤه فيسجنوه أو يقوموا فيستتر عنهم فلا يجدوه، وذكر غيره أنه اختلاف بماذا يكون مفلساً؟ فقيل: بالمشاورة فيه.
وقيل: إذا رفعوه للقاضي. وقيل: بجعله في السجن.
ثُمَّ لا يُقْبَلُ إِلا بِبَيِّنَةٍ وَيَكُونُ فِي ذِمَّتِهِ
أتى بـ (ثُمَّ) المقتضية للتراخي؛ يعني: فإن لم يقر في المجلس ولا بقربه بل بعد ذلك لم يقبل أقراره، إلا أن تشهد البينة لصحته، وإذا لم يقبل بقي ما أقر به في ذمته، فإذا أفاد مالاً بعد ذلك دخل فيه هذا المقر له؛ لأن التهمة إنما كانت في المال الأول.
قال في المقدمات: وأما لو داين قوماً آخرين ثم فلس؛ فلا دخول للمقر له أولاً معهم، لأن حقه على قوله فيما كان أخذه الأولون، فإن فضل عن الآخرين فضلة دخل معهم الأولون.
واختلف إذا كان إقراره أولاً صحيحاً ولم يرض المقر له بتفليسه ولا دخل في المحاصة؛ فقال محمد: له أن يدخل مع الآخرين. وقال مطرف في الواضحة: لا يدخل معهم.
стр. 3067
اللخمي: وإن كان غائباً حين فلسه ثم قدم؛ كان له أن يدخل مع الأولين فيحاصصهم، ويختلف إن أحب أن يدخل مع الآخرين؛ فعلى قول محمد له ذلك.
وقال ابن القاسم في كتاب السرقة: لا يدخل معهم وهو موافق لقول مطرف، وهو أحسن؛ لأن هذه الأموال للآخرين لا شركة للأولين فيها.
واختلف إذا بقي أحد الأولين في يده نصيبه من المحاصة؛ فعلى قول ابن القاسم: يضرب مع الآخرين بقدر ما أبقى كمداينة حادثة [٥٢٤/أ]. وفي الواضحة: يضرب بأصل دينه.
فَإِنْ قَالَ قِرَاضٌ أَوْ وَدِيعَةٌ وَعَلَى أَصْلِهِ بَيِّنَةٌ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْبَلُ. وَقَالَ أَشْهَبُ بِالتَّعْيينِ. وَقَالَ أَصْبَغُ: وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ إِذَا عَيَّنَهُ وَكَانَ لِمَنْ لا يُتَّهَمُ
يعني: وإن أقر بشيء معين في يده في المجلس أو أقر به وقال: هو قراض لفلان أو وديعة، فقال ابن القاسم: يقبل ذلك منه إذا شهدت بينة على أصل القراض والوديعة. واشترط أشهب إذا شهدت على تعيين ذلك أنه له، هكذا نقل غير واحد قول أشهب. واكتفى أصبغ بتعيين المقر وإن لم تكن بينة إذا كان إقراره لمن لا يتهم عليه، وحكى في البيان فيما إذا قال: هو قراض فلان أو وديعة فلان ثلاثة أقوال:
الأول لمالك في سماع عيسى: أنه جائز مع يمين المقر له.
والثاني لابن القاسم في العتبية وآخر الوصايا الثاني من المدونة: أن إقراره لا يجوز.
والثالث: الفرق إن كان على أصله بينة صُدِّقَ أن هذا هو ذلك المال، وإن لم تكن على أصله بينة لم يصدق، ورواه أبو زيد عن ابن القاسم، قال، وقيل: إن رواية أبي زيد مفسرة للقولين.
ابن عبد السلام: وما حكاه عن كتاب الوصايا الثاني ليس نصاً في تعيين المقر به، بل ظاهره عدم التعيين، وهو نص التهذيب.
стр. 3068
وإن أقر الولد أن أباه أوصى لرجل بثلث ماله وعلى الولد دين يستغرق مورثه وأنكر غرماؤه الوصية؛ فإن كان إقراره قبل القيام عليه بالدين جاز، ولا يجوز أقراره بعد القيام عليه، وكذلك إقراره بدين على أبيه أو وديعة عند أبيه فإقراره بعد قيام غرماء المقر عليه لا يقبل إلا ببينة، وإقراره قبل أن يقام عليه جائز، لكن في آخر كتاب القراض وكتاب الوديعة ذكر التعيين في إقرار المريض بالقراض والوديعة. أ. هـ.
وحكى المازري وغيره الثلاثة الأقوال التي حكاها ابن رشد في الوديعة في الصانع أيضاً إذا عين شيئاً لأحد.
وفي اللخمي: إذا ثبت البيع والإيداع، ثم قال بعد الفلس: هذا الثوب الذي اشتريت أو الوديعة التي قبضت، فقيل: لا يقبل إقراره، وقيل: يقبل، وقيل: لا يقبل في البيع ويقبل في الوديعة، والإبضاع والقراض والقبول في الجميع أحسن؛ لأن الأصل وجود هذه الأشياء عنده حتى يُعْلَمَ أنه تصرف فيها.
ابن يونس: ولم يختلف في المريض يقول: هذا قراض فلان أو وديعته أنه يقبل إقراره إن كان لم يتهم عليه وإن لم تكن على أصل ذلك بينة؛ لأن الحجر على المريض أضعف من الحجر على المفلس؛ لأن المريض يشتري ما يحتاجه بخلاف المفلس.
وَالْمَالُ الْمُتَجَدِّدُ يَحْتَاجُ إِلَى حَجْرٍ ثَانٍ
يعني: أن ما استفاده بعد الحجر عليه أو نشأ عن معاملة قوم آخرين، فإن له التصرف فيه حتى يحجر عليه حجراً آخر.
وَأُجْرَةُ الْحَمَّالِ وَالْكَيَّالِ وَنَحْوِهِ مِنْ مَصْلَحَةِ الْحَجْرِ تُقَدَّمُ
نحوه في الجواهر؛ يعني: أن أجرة من يحمل سلع المفلس إلى السوق مثلاً أو أجرة من يكيل الطعام أو يزنه تقدم على الديون؛ لأنه لولا ذلك ما أمكن الغرماء الوصول إلى الأثمان.
стр. 3069
وقوله: (الْحَمَّالِ) بالحاء المهملة، وفي بعض النسخ بالجيم، والأولى أولى، فإنها أعم.
وَيَحْلِفُ الْمُفْلِسُ مَعَ شَاهِدِهِ، فَإِنْ نَكَلَ فَلِلْغُرَمَاءِ أَنْ يَحْلِفُوا
أي: إذا قام للمفلس شاهد واحد بدين؛ فإن حلف استحقه وقسم بين غرمائه، وإن نكل فللغرماء أن يحلوا محله في اليمين.
ابن حبيب: بعد التفليس، وأما قبله فلا، وهذا يؤخذ من كلام المصنف؛ لأن التفليس حقيقة إنما يطلق بعد الحجر. وكان القياس ألا يمكنوا من التحليف؛ لأن حقه إنما ثبت في ماله إذا ثبت أنه ماله، لكنهم اتهموا الغريم أن يكون قصد بنكوله إخراج المال عن الغرماء، ولا سيما وقد اختلف إذا أخذ الحق بشاهد ويمين، هل هو منسوب إلى الشاهد فقط واليمين كالاستظهار، أو اليمين كشاهد ثان؟ ويظهر أثر الخلاف إذا رجع الشاهد، هل يغرم الحق كله، أو نصفه؟ وإذا تعارضت البينات فأقام أحدهما شاهدين والآخر شاهداً ويميناً وشاهده أعدل من الشاهدين، هل تكون شهادته مقدمة أم لا؟
مطرف وابن الماجشون: ويحلف كل واحد من الغرماء على جميع الحق المشهود به لا على نصيبه؛ لأن كلاً منهما قام مقام المفلس، فإن حلفوا جميعاً استحقوا وتحاصوا، فإن نكلوا لم يستحقوا شيئاً، وإن حلف بعضهم ونكل بعضهم استحق من حلف.
ابن القاسم في رواية عيسى وابن الماجشون: قدر نصيبه فقط، كما لو حلف الجميع. وقال ابن عبد الحكم: جميع حقه. لكن إنما نقل عنه هذا في مسألة الوارث يقوم للميت شاهد أن عليه دين، والباب واحد.
بعض القرويين: وينبغي إذا نكل بعض الغرماء ولا فضل في الدين أن يحلف الغريم ويسقط عنه حق من نكل، وليس لأصحابه أن يأخذوا ما نكل عنه وهذا كالورثة، ولو رجع بعض الغرماء بعد نكوله فأراد أن يحلف، فقال مطرف: لا يقبل كما لو نكل عن حق
стр. 3070
نفسه، وقال ابن الماجشون: يقبل؛ لأنه قد يستريب أولاً ثم يظهر له ما يرفع الاسترابة بخلاف حق نفسه، لأنه يعلم أولاً صحته وبطلانه.
وَلا يُمْنَعُ مِنَ السَّفَرِ بِالدَّيْنِ الْمُؤَجَّلِ، إِلا أَنْ يَحِلَّ فِي غَيْبَتِهِ فَيُوَكِّلَ مِنْ يُوَفِّيهِ
الباء الداخلة على (الدَّيْنِ) للسببية. وقوله: (وَلا يُمْنَعُ) زاد في الجواهر: (ولا يطلبه بكفيل أو بإشهاد). وفي السلم [٥٢٤/ب] الثالث من المدونة: ولك منع غريمك من بعيد السفر الذي يحل دينك قبل قدومه، ولا يمنع من القريب الذي يقدم فيه قبل محل أجل دينه.
ابن القاسم في رواية عيسى: وعليه أن يحلف أنه لم يرد الفرار من الحق الذي عليه، وأنه ينوي الرجوع عند الأجل ليقضي ما عليه.
ابن يونس: وقال بعض أصحابنا: إنما تكون اليمين على المتهم.
وقوله: (فَيُوَكِّلَ مِنْ يُوَفِّيهِ) هو تقييد للمدونة في السفر البعيد، وهو ظاهر في المعنى، وإذا وكل فهل له عزل الوكيل؟
ابن عبد السلام: فيه تردد، واختار بعض المحققين أن له عزله إلى بدل لا مطلقاً، وأصل المذهب أنه إذا تعلق لأحد الغريمين حق بالوكالة أن لا يكون لمن وكله عزله.
خليل: وينبغي أن يقيد هذا بما إذا كان الموضع الذي يسافر إليه مأموناً، وكذلك ينبغي إذا كان سفره سبباً لئلا يوجد له ما يوفي الدين عند الأجل، كما إذا عومل شخص لأجل صنعته ثم أراد السفر وصنعته تتعذر عليه في السفر؛ لأنا لو أجزنا له السفر والحالة هذه أدى إلى أنه عند الأجل لا يوجد عنده ما يوفي الدين، والله أعلم.
стр. 3071
الثَّانِي: بَيْعُ مَالِهِ، فَيُبَاعُ الْحَيَوَانُ عَاجِلاً، ويُقْسَمُ ولا يُكَلَّفُ الْغُرَمَاءُ أَلا غَرِيمَ سِوَاهُمْ، فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفاً بِالدَّيْنِ اسْتُؤْنِيَ بِهِ فِي الْمَوْتِ. وقِيلَ: وفِي الْفَلَسِ، وقَالَ أَصْبَغُ: يُنَادَى عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فِي مَوْتِهِ وفَلَسِهِ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ ﵁، وتُبَاعُ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ طَلَباً لِلزِّيَادَةِ، ويُسْتَانَى فِي بَيْعِ رَبْعِهِ الشَّهْرَ والشَّهْرَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ ....
أي: الحكم الثاني من أحكام الحجر، واعلم أنه إذا قام الغرماء على المفلس فعلى القاضي أن يكلفهم إثبات ديونهم، ثم يعذر فيما ثبت عنده على المفلس لكل واحد من دين صاحبه، فإذا وقع التفليس أو العجز عن الدفع؛ أمر كل واحد أن يحلف أنه لم يقبض من دينه شيئاً ولا أسقطه، وأنه باق عليه إلى الآن على ما عرف في مثل هذا اليمين، وعلى القاضي أن يسمي الشهود الذين ثبت بهم حقوق الغرماء، وإن لم يسمهم نفذ الحكم إن كانوا عدولاً وإلا فلا، حكاه في الطرر، فإن كان في الغرماء محجوراً عليه فهل يحلف المحجور عليه أو وصيه، أو لا يمين على واحد منهما ويؤخر إلى رشده؟ في المذهب ثلاثة أقوال للأندلسيين، وحكاها في المتيطية في المرأة المولى عليها تقوم بصداقها، قال: والمشهور إنها هي التي تحلف. وأفتى ابن عتاب بأن يمين القضاء توقف عليها حتى تخرج عن الولاية، فإن نكلت حينئذ عنها ردت، ولو كان في عقد أحدهم أن يصدق في الاقتضاء دون يمين، فهل تسقط عنه اليمين إن كان مأموناً لأجل الشرط أو لا تسقط؛ لأن الحق للغرماء قولاً لابن العطار وابن الفخار؟ قيل: يكلفهم إثبات ملكه لما يباع.
ابن عبد السلام: وإنما يتم هذا إذا قيل إن القاضي لا يمكن الغرماء من أخذ ما وجد في حانوته أو داره من العروض التي تصلح للرجال والنساء، وظاهر المذهب انه يقضي من ذلك، بل قال أهل طليطلة: إنه يهجم عليه ويؤخذ له ما يعرف أنه للرجال، وإذا استوفى الحاكم هذا باع ماله.
стр. 3072
والترتيب في بيعه: أن يبدأ بما يخشى فساده؛ كالفواكه التي لا تبقى، ثم بالحيوان لسرعة تغيره ولأنه يحتاج إلى الإنفاق عليه فكان من حسن النظر بيعه، وليس المراد بقوله: (عَاجِلاً) أنه يباع في مجلس واحد، بل عدم الإطالة. ثم بالعروض، ثم بالعقار. وذكر في البيان خلافاً في العروض، هل يستأني بها الشهر والشهرين كالعقار، أو الأيام اليسيرة كالحيوان؟
وقوله: (ويُقْسَمُ) أي: ثمن المبيع مع ما له من ناض، وطريق القسمة أن تعلم نسبة مال المفلس إلى مجموع الدين، فمثل تلك النسبة يأخذ كل واحد منهم.
قوله: (ولا يُكَلَّفُ الْغُرَمَاءُ أَلا غَرِيمَ سِوَاهُمْ) نبه بهذا على مخالفة هذا للورثة، فإنهم حكوا الاتفاق على أن الورثة يلزمون بذلك، والفرق أن عدد الورثة معلوم للجيران والأصدقاء وأهل البلد وغيرهم، بخلاف الدين فإنه يعسر الاطلاع عليه، وكثيراً ما يقصد الناس التخفي به.
واحترز بقوله: (فَإِنْ كَانَ مَعْرُوفاً بِالدَّيْنِ) من غير المعروف به فإنه لا يستأني، أي: ينتظر بقسم ماله في الفلس والموت بالاتفاق، وهكذا صرح به بعض من تكلم على هذا المحل، والمعروف بالدين يستأني بقسم ماله في الموت اتفاقاً؛ لاحتمال طروء غريم آخر. واختلف في الفلس؛ ففي المدونة من رواية ابن وهب: لا يستأني به، وروي غيره الاستيناء كالموت.
اللخمي: وهو أحسن، والفرق للأول أن ذمة المفلس باقية، فلو طرأ غريم لتعلق حقه بذمته، بخلاف الميت لزوال ذمته، ولأن المفلس لو كان له غريم آخر لعلم به.
(وقَالَ أَصْبَغُ ...) إلخ. أي: إذا فلس الغريم أو مات ينادى على باب المسجد في مجتمع الناس أن فلان بن فلان قد مات أو فلس فمن كان له عليه دين أو له عنده قراض أو وديعة أو بضاعة فليرفع ذلك إلى القاضي.
стр. 3073
أصبغ: وكذلك فعل عمر ﵁ في الأسيفيع. وقوله يحتمل أن يكون عاماً، سواء قلنا بالاستيناء أو لا، وهو الظاهر، ويحتمل أن يريد أن هذه المناداة تقوم مقام الاستيناء.
واعلم أن قصة الأسيفيع إنما كانت في الفلس، لكن يؤخذ منه الحكم في الموت بطريق الأولى، لكن لم يذكر في الأثر: (يُنَادَى عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ) وإنما فيه أن عمر ﵁ قال: أما بعد؛ أيها الناس، فإن الأسيفيع أسيفيع جهينة رضي من دينه وأمانته بأن يقال: سبق الحاج، إلا وإنه قد أدان معرضاً فأصبح [٥٢٥/أ] قد رين به، فمن كان له عليه دين فلياتنا بالغداة نقسم ماله بينهم.
وقوله: (ويُبَاعُ بِحَضْرَةِ الْمُفْلِسِ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةَ) هكذا رواه مطرف عن مالك، وقاله ابن القاسم وسحنون لتوقع الزيادة، وليس هو خاصاً بالفلس، بل في كل ما يبيعه الحاكم مما يوجبه حكمه؛ كبيع مال اليتيم والغائب، ولهذا جعل مدة الخيار ثلاثاً، وإلا فيجوز في العقار الشهر ونحوه، وفي الرقيق الجمعة ونحوها.
ابن عبد السلام: ولعل إحضار المفلس ليس بشرط في إنفاذ البيع، وإنما هو من باب الكمال وأبلغ في قطع حجة المفلس، وإلا فالحجر عليه مانع من بيعه، ولو أراد الامتناع من البيع لم يكن له ذلك.
خليل: ونص في الذخيرة على أنه مستحب، ولا يبعد أن يكون ذلك على الوجوب للعلة التي ذكرنا.
وقوله: (ويُسْتَانَى فِي بَيْعِ رَبْعِهِ الشَّهْرَ والشَّهْرَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: وينتظر، ولم أقف على الشاذ، وتكلم المصنف على ما يباع عاجلاً وهو الحيوان، وما يطال فيه وهو الربع وترك ما بينهما، وهو إشارة إلى أنه ينبغي أن يوسط بينهما بحسب النظر، وإنما قال ما قال في الربع ونحوه؛ لأنه يتنافس في أثمانه أكثر من غيرها.
стр. 3074
وَإِذَا اخْتَلَفَتِ الدُّيُونُ قُوِّمَ مُخَالِفُ النَّقْدِ حِينَ الْفَلَسِ واشْتَرَى بِمَا صَارَ لَهُ مِنْ سِلْعَتِهِ
مثاله: أن يكون للواحد عرض وللآخر طعام وللآخر نقد، فيقال: كم يساوي عرض هذا وطعام هذا؟ فإذا قيل: كل واحد منهما يساوي مائة، وكان النقد مائة؛ كان المال بينهم أثلاثاً، واشترى لصاحب العرض بما نابه من جنس عرضه، هذا معنى قوله: (بِمَا صَارَ لَهُ) من الصيرورة. وفي بعض النسخ (بما طار) من الطيران، والمعنى متقارب.
والمعتبر في هذه القيمة يوم التحاصص على المشهور، وهو مراده بقوله: (حِينَ الْفَلَسِ) لكن تسامح في العبارة. وقال سحنون: يقوم المؤجل منهما يوم الفلس على أن يقبض إلى أجله، وألزم أن يقوم العين المؤجل كذلك ولا قائل به.
الباجي وصاحب المقدمات: فإن تأخر الشراء حتى غلا السعر أو رخص فلا، وإنما يكون التحاسب بينه وبين الغريم. وقال المازري: لو تغير السعر حتى صار يشتري به أكثر مما كان يشتري له يوم قسم المال؛ فالزائد بين الغرماء ويدخل معهم فيه ويصير كمال طرأ للمفلس. وذهب ابن الماجشون إلى هذا الفضل الذي حدث بمقتضى اختلاف السعر، يستبد به هذا الغريم الموقوف له المال ويشتري له بما بقي له في ذمة المفلس، بناء على ما أصله أن نصيبه ما وقف من ذلك ممن له الدين.
الباجي: فإذا اشترى له مما عليه من السلم اعتبر في ذلك الصفات التي وصفها، فإن وصفه بأنه جيد، فقال ابن عبد الحكم: يشتري له أدنى تلك الصفة. وقيل: أوسطها.
وَلا يُدْفَعُ فِي طَعَامٍ مُسْلَمٍ فِيهِ وَلا عَرْضٍ ثَمَنٌ، إِلا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ عَرْضاً فِي عَرْضٍ ....
يعني: أن ما ذكره من الشراء بما صار له من سلعته إنما هو عند التشاح، وأما إن رضي الغرماء بأن يأخذوا ما نابهم من الثمن؛ فذلك جائز، إلا أن يمنع منه مانع، كما لو أسلم في
стр. 3075
طعام أو عرض. مثاله: لو أسلم عشرين درهماً في إردبين قمحاً، أو في ثوبين ونابه في الحصاص عشر مثلاً؛ فلا يجوز أن يأخذها، لأنه يدخله بيع الطعام قبل أن يستوفي، ويدخله أيضاً البيع والسلف إلا أن يكون رأس المال عرضاً آخر، كما لو أسلم عبداً في ثوبين فصح له قيمة الثوب وبقي ثوب؛ فيجوز له أخذ تلك القيمة، لأن حاصل أمره أنه دفع عبداً في عبد وثوب. وإلى هذا أشار بقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ قَدْ أَسْلَمَ عَرْضاً فِي عَرْضٍ) وكذلك يمتنع في الصورة التي ذكرها المصنف إذا كان رأس المال ذهباً وأراد أن يأخذ عنه فضة أو بالعكس؛ لأنه صرف مؤخر.
وبالجملة فَأجْرِ هذا الفصل على حكم الاقتضاءات، فإن القاضي كأنه نائب عن المفلس، فلا يجوز أن يدفع للغرماء إلا ما يجوز للمفلس دفعه إليهم، ولم يجعلوا دخول القاضي رافعاً للتهمة. وقيل: إنه رافع لها؛ فتجوز كل مسألة منعت للتهمة.
وإِذَا هَلَكَ نَصِيبُ الْغَائِبِ بَعْدَ عَزْلِهِ فَمِنَه
يعني: إن كان بعض الغرماء غائباً فعزل القاضي له نصيبه ثم هلك؛ فمصيبته منه، لأن القاضي كوكيله، وحكى التونسي وابن يونس الاتفاق على ذلك.
وقوله: (فَمِنَه) أي فمن الغائب.
فَإِنْ ظَهَرَ غَرِيمٌ رَجَعَ عَلَى كُلِّ واحِدٍ بِمَا يَخُصُّهُ
يعني: إذا قسم الغرماء مال المفلس أو الميت ثم ظهر غريم آخر لم يعلم به؛ فإنه يرجع على كل واحد بما ينوبه في الحصاص لو كان حاضراً، ولا يأخذ ملياً عن معدم، ولا متاع حي عن ميت.
واحترز بقوله: (ظَهَرَ) مما لو كان حاضراً وسكت، فإنه لا رجوع له على من قبض من الغرماء اتفاقاً، ومثال ما ذكره المصنف مسألة المدونة: إذا كان لكل واحد من ثلاثة
стр. 3076
رجال مائة غاب أحدهم ولم يعلم به وبيد المفلس مائة واقتسمها الحاضران، فإن القادم يتبع كل واحد بسبعة عشر إلا ثلثاً.
ابن القاسم: ولو وقف نصيب غائب فضاع؛ لضمن الغائبُ للطارئ حصته، لأنه لما وقف له صار بذلك كأنه أخذه في يده فوجب أن يرجع عليه الطارئ بحصته منه.
ابن يونس: وإذا غرم للطارئ حصته من الموقوف رجع بمثل ذلك في ذمة المفلس والميت؛ لأنه قد استحق ذلك مما وقف.
واعترض التونسي ما قاله محمد هنا بالوارث يطرأ على الوارث، فإنه لا يضمن له ما هلك بيده إذا هلك، والمشتري يهلك ما بيده ثم يستحق؛ فإنه لا يضمن للمستحق شيئاً، ويرجع المستَحِق بثمن المستَحَق على من قبضه، أو بقيمته على من غصبه، فيلزم في الغريم الموقوف له ألا يضمن للطارئ شيئاً، وفرق [٥٢٥/ب] ابن يونس بين الوارث والغريم بأن الغريم دينه من معاوضة، فما هلك بيده فهو منه، لأنه ضمن بما دفع فيه، والوارث لم يضمن في ذلك ثمناً وداه، فوجب أن يكون هلاك ما قبض إذا هلك بأمر الله من الميت.
وَكَذَلِكَ لَوِ اسْتُحِقَّ مَبِيعٌ
يعني: وكذلك لو بيع بعض مال المفلس فخرج مستحقاً، فإن المشتري يرجع على كل واحد بما ينوبه. ونص ابن عبد السلام على أن ما استحق مما باعه المفلس قبل تفليسه كذلك.
وَلَوْ كَانَ مَشْهُوراً بِالدِّيْنِ، أَوْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ وَأَقْبَضُوا بَعْضَ الْغُرَمَاءِ؛ رَجَعَ مَنْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ، ثُمَّ رَجَعُوا هُمْ عَلَى الْغُرَمَاءِ ....
يعني: أن ما قدمه من رجوع القادم على الغريم القابض إنما هو إذا لم يكن الورثة عالمين بالدَّين الباقي، أو كان غير مشهور بالدين؛ فإن القادم يرجع على الورثة، أما مع علمهم فظاهر لتعديهم، وأما مع شهرته بالدين فلاستعجالهم، فلذلك يرجع عليهم أو
стр. 3077
على الوصي، ثم يرجع الورثة أو الوصي بذلك على الغرماء الذين اقتضوا أولاً، وهكذا في المدونة في باب المديان، وقال في باب بعد هذا: إذا قضى الورثة لمن حضر وهم يعلمون بدين القادم، فإنه إن وَجد الغرماء معدمين رجع على الورثة بما ينوبه من ذلك ثم رجع الورثة بما أدوا من ذلك على الغرماء الأولين.
ومقتضى قوله: (فإن وجد الغرماء معدمين رجع على الورثة) أنه يبدأ بالغرماء بخلاف الأول، وحمل اللخمي وغيره ذلك على الخلاف.
ابن عبد السلام: وهو الظاهر. اللخمي: والقول بالبداية بالغريم أحسن، إلا أن يكون تناول من الوصي أو الولي الأقرب بالأمر البين؛ لأن معه ناضاً أو كان الغرماء غير مليين أو غائبين؛ فيبدأ بالوارث أو الوصي بالاتفاق. انتهى.
وقال ابن يونس: بل الثاني والأول سواء، وإنما أراد أنهم يخيرون بين أن يرجعوا على الورثة أو الوصي، وبين أن يرجعوا على الغرماء، وخرج بعضهم على رواية أشهب أن الورثة إذا عَزلوا للدين أضعافه وباعوا ليرثوا؛ أن البيع باطل ويفسخ ويكون لجميع الغرماء إذا لم يحضروا أخذ السلعة من أيدي المشترين، إلا أن يشاء المشترون أن يدفعوا قيمة ما بأيديهم أو ثمنه أو بعضه إن كان قائماً.
ابن عبد السلام: وفي التخريج نظر؛ لأن مذهب أشهب في من اشتراه سلعة شراء فاسداً وقبضها ودفع ثمنها أن له أن يمسكها على سبيل الرهن حتى يأخذ الثمن الذي دفعه. انتهى.
المازري: ولا يختلف أن الورثة منهيون عن البيع قبل الدين، فإن فعلوا فللغرماء فسخ ذلك إن لم يقدروا على أداء الدين إلا بالفسخ، وأما إن قضاه الورثة من أموالهم وأسقط الغرماء حقوقهم؛ فالأشهر من المذهب أن البيع لا ينفسخ، لأن النهي عن البيع لحق المخلوقين وقد سقط، ومقابل الأشهر رواه أشهب فذكر ما تقدم.
стр. 3078
تنبيه: وقد تبين لك موافقة كلام المصنف للمدونة، وعلى هذا فقوله: (وَلَوْ كَانَ) أي: الميت؛ لأن قوله: (كَانَ مَشْهُوراً بِالدِّيْنِ) قسيم لقوله: (أَوْ عَلِمَ الْوَرَثَةُ) وعلم الورثة إنما هو مع الموت فكذلك قسيمه، ولأن قوله: (رَجَعَ مَنْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ) أي: على الوارث، والوارث إنما يكون في الموت، وليوافق مذهب المدونة، وقول ابن عبد السلام: أن المصنف هنا جمع بين الفلس والموت وهو خلاف المدونة ليس بظاهر.
وإِذَا رَجَعَ عَلَى الْوَرَثَةِ فَليَاخُذُ مِنَ الْمَلِيِّ عَنِ الْمُعْدَمِ مَا لَمْ يُجَاوِزْ مَا قَبَضَ الْوَارِثُ بِخِلافِ الْغُرَمَاءِ ....
يعني: إذا توجه الغرم على الورثة؛ فإما أن يجدهم أملياء، أو عدماء، أو بعضهم أملياء، فالأملياء يرجع على كل واحد بما ينوبه، والعدماء لا رجوع له على واحد منهم، وإن وجد بعضهم معدماً؛ فإنه يأخذ من الملي الأقل من دينه أو ما قبض، لأنه إن كان دين القائم أقل وقبضه سقط ما نابه، وإن كان ما قبض أقل لم تلزمه الزيادة، لأنه لو لم يقبض شيئاً لم يلزمه غرم البتَّة.
وقوله: (بِخِلافِ الْغُرَمَاءِ) أي: فإنه إنما يأخذ كل واحد بما ينوبه، والفرق تساوي الغريم الطارئ مع الغرماء بخلاف الورثة؛ إذ لا يستحق واحد منهم ميراثاً إلا بعد قضاء الدين.
ابن عبد السلام: وينبغي إذا علم الغرماء بالغريم الطارئ أنه يكون كالوارث، ويأخذ الملي عن المعدم، وكذلك ينبغي في الورثة إذا علموا أن يرجع على كل بمبلغ التركة كلها إلا بما قبضه، والله أعلم.
فرع: واختلف في طريان وارث على وارث وموصى له على موصى لهم، فقال ابن القاسم، ورواه عن مالك: هو كطريان غريم على غرماء، فلا يأخذ ملياً عن معدم. وقال أشهب وابن عبد الحكم: كطريان غريم على ورثة، فيقاسم الملي منهم في جميع ما صار له، كأن الميت لم يترك غيرهما، ثم يرجعان على سائر الورثة، وكذلك الموصى لهم حتى يعتدلوا.
стр. 3079
وإِذَا تَلِفَ مَالُ الْمُفْلِسِ، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ عَرْضاً فَمِنْهُ، وإِنُ كَانَ عَيْنَاً فَمِنْهُمْ. ورَابِعُهَا: إِنْ كَانَ مُفْلِساً فَمِنْهُ، وإِنْ كَانَ مَيِّتاً فَمِنْهُمْ
وقوله: (الْمُفْلِسِ) يريد أو الميت، ودل على حذف هذا المعطوف تفصيله في القول الرابع بين الفلس والموت، فإن تفصيله في هذا القول يدل على أن الثلاثة المتقدمة علمت، ويحتمل أن يكون أطلق المفلس على الحي والميت، وذكر المصنف أربعة أقوال:
الأول: أن ضمانه من المفلس حتى يصل إلى الغرماء عيناً كان أو عرضاً، رواه أشهب عن مالك، وقاله ابن عبد الحكم، واختاره اللخمي وابن عبد السلام؛ لأن ذلك المال ماله فيبقى ضمانه منه حتى يتحقق الناقل، ولا ناقل سوى ما تعلق به من حق الغرماء وتعلق حقهم بتلك العين أو العرض تعلق عام، وحق المديان متعلق بأعيانها، ومثل هذا من التعارض يوجب رجحان الإضافة للمديان، ولأن من [٥٢٦/أ] حق الغرماء التوفية في الكيل والوزن، وكل ما كان قبل ذلك فهو في ضمانه حتى يوفى لهم.
الثاني: أن ضمان ذلك من الغرماء من حضر أو غاب، ومن علم منهم ومن لم يعلم، كان دينه عرضاً أو غيره، ورواه ابن الماجشون عن مالك، وقال به هو وابن المواز.
الثالث: إن كان مال المفلس عرضاً فضمانه منه، وإن كان عيناً فضمانه من الغرماء، قاله ابن القاسم ورواه عن مالك، وقيده بعض القرويين وصاحب المقدمات بما إذا كان العرض مخالفاً لدينهم؛ بأن تكون ديونهم عيناً أو عرضاً مخالفاً، وأما إن كانت مماثلة فمصيبتها منهم؛ لأنهم يتحاصون فيها ولا يحتاجون إلى بيعها، وأبقاه المازري وغيره على إطلاقه، ورأوا أن الديون وإن كانت عروضاً فإنما يستحق الغرماء العروض بقيمتها من العين، وعورض ابن القاسم في قوله: إن ضمان العين من الغرماء. بأن المفلس لو اشترى منها سلعة بعد الإيقاف كان كماله، ولما عورض بهذا سكت. وأجاب المازري بأنه متعد
стр. 3080
في التصرف، ومن تعدى على دنانير أو دراهم فتجر فيها فربحها له، قال: ولعله سكت استثقالاً للمعارضة التي هي كالمناقضة.
والقول الرابع من كلام المصنف لأصبغ. وزاد المازري والمتيطي خامساً: أن مصيبة الدنانير ممن له الدنانير، ومصيبة الدراهم ممن له الدراهم، وعزي للمغيرة.
ابن عبد السلام: وقول ابن القاسم على نقله في المقدمات قريب منه؛ لقوله بعد ذكر قول ابن القاسم: فتحصيل مذهبه أن ما يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغريم؛ لأنه إنما يباع على ملكه، وما لا يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغرماء.
ومنشأ الخلاف: هل الحاكم كوكيل عنه؛ لأن الأصل استصحاب ملكه، وما لا يحتاج إلى بيعه فضمانه من الغرماء، ولأنه لو حصل ربح لكان له وهو وكيل عنهم والمال محاز عنه وقد منع من التصرف فيه، ولا يخفى وجه من قال بالفرق، وهذه الأقوال إذا كان الوقف على يد حاكم، ولو تولى ذك الغرماء أو الورثة لكان ذلك من المديان، والله تعالى أعلم.
وُيتْرَكُ عَلَى الْمُفْلِسِ كِسْوَتُهُ الْمُعْتَادَةُ لِمِثْلِهِ، وقِيلَ: مَا يُوَارِيهِ
احترز بالمعتادة من التي للزينة فإنها تباع، والشاذ لابن كنانة، وروى ابن نافع عن مالك: أنه لا يترك له شيء، وظاهره ولا ما يواريه، ولكن رده ابن رشد بقول ابن كنانة، وقول ابن كنانة هو القياس، ورأى في المشهور أن العرف جرى باستثناء الثياب المعتادة.
ابن القاسم: وإن كان له ثياب فيها فضل عن لباس مثله بيعت.
اللخمي: يريد ويشترى دونها، ويترك له أيضاً على المشهور - إذا اختلفت الكسوة لولده - الكسوة لولده الصغار، وشك مالك في كسوة زوجته، هكذا أضاف صاحبُ البيان وأكثرُهم الشكَّ لمالك، وأضافه اللخمي لابن القاسم؛ أي: شك هل سمعها من مالك
стр. 3081
أم لا، لا أنه شك في الحكم؛ لأن الزوجة ألزم من الولد، فإذا ترك للولد فأحرى للزوجة. وقال سحنون: لا يترك لها كسوة.
اللخمي: وعلى هذا لا يترك للولد، وهو أبين، وحسبهم ما كان عليهم، قال: ولا أرى أن يستأنف أيضاً لها كسوة. قال في البيان: واتفق على أنه لو كساها قبل التفليس كسوة لا فضل فيها عن كسوة مثلها وهو قائم الوجه؛ أنه لا ينزع منها، ويباع ثوب جمعته إن كانت له قيمة وإلا فلا، ويباع عليه ما كان للقنية والتجارة؛ داره، وخادمه، ودابته، وسرجه، وسلاحه.
ابن القاسم: وخاتمه. ومنع أشهب بيع الخاتم، والأول أظهر، ويباع مصحفه، واختلف في بيع كتب الفقه عليه، والخلاف في ذلك جار على الخلاف في جواز بيعها من حيث الجملة، فكرهه مالك مرة ومنعه أخرى.
قال في الموازية: لا تباع في الدين ولا تورث، ووارثه وغيره ممن هو أهل لقراءتها سواء، ووجَّهه الباجي بأن طريقه النظر وليس مقطوعاً بصحتها، والمشهور الذي عليه الجمهور: جواز البيع.
ابن عبد الحكم: وقد بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابنا متوافرون حاضرون وغيرهم فما أنكروا ذلك، وكان أبي الوصي.
المازري: وأما تكفين ولده فجار أيضاً على ما ذكرناه في ولده الحي، وأما الزوجة فكذلك أيضاً يجري الأمر في تكفينها إذا قلنا: إنه لازم للزوج على أحد القولين على ما قدمناه من الكلام في كسوتها وهي حية. واختلف العلماء هل تكفن بثوب أو ثلاثة؟ قال: ويتخرج عندي على الخلاف في ثوبي الجمعة؛ لأن التكفين في الثلاث مستحب كثوبي الجمعة، قال: وكان شيخنا يتردد في بيع آلة الصانع كمرزبة الكمَّاد ومطرقة الحداد، قال: ويؤخذ حكمه مما تقدم، فإن كان يسيراً ولا يصلح أن يقيم أوده إلا منه؛ لم يبع ويصير مثل نفقة الأيام.
стр. 3082
ويُتْرَكُ عَيْشُهُ وعَيْشُ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ نَحْوَ الشَّهْرِ
هكذا لمالك في الموازية والواضحة، ولم يقيد ذلك في الموازية، بل في الزكاة الثاني: يترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام، وحملها في البيان على العشرة ونحوها. قال: وليس بخلاف للقول الذي وقع في الشهر، وإنما هو على قدر الأحوال، وما جرى عليه العرف من التقوى في ذلك المكان، قال: والمراد بالأهل في المدونة أزواج المفلس ومن تلزمه نفقته من رقيقه وولده، وأمهات أولاده ومدبرته، وكذلك قال المازري: التحقيق أن يترك له نفقة اليومين والثلاثة خوفاً من كسله أو مرضه في غده وما بعده. وما ذكره المصنف هو المشهور، ولمالك في رواية ابن نافع لا يترك له شيء.
ولا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْسِبَ
أي: لقوله تعالى: (وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠] ورأى اللخمي أن الصانع يجبر على التكسب؛ لأنه على ذلك عومل بخلاف التاجر، قال: وعلى التاجر تكلم مالك، قال: وكذلك يجبر على العمل إذا باع منافعه؛ مثل أن ينسج لرجل ثياباً أو يخيط ثياباً مدة معلومة، قال: ويفترق الجواب إذا كان محتاجاً إلى ما ينفق، فإن الصانع يتداين ليعمل ويقضي، فإنه يبدأ بنفقته ونفقة عياله، ثم يقضي دينه من الفاضل، وإن باع منافعه مدة معلومة بدئ بالذي استأجره وإن أدى ذلك إلى أن يتكفف؛ لأن منافعه صارت ملكاً لمن اشتراها فأشبه من باع سلعة ولم يسلمها حتى افتقر؛ فإنه [٥٢٦/ب] يسلمها وإن تكفف، إلا أن يخاف عليه الموت فيخير الذي استأجره بين أن يسلفه ما يعيش به دون عياله حتى يتم عمله، أو يتركه فيعمل عند غيره بمثل ذلك؛ لأنه إن منع هلك، ولا ينتفع المستأجَر بشيء.
стр. 3083
ولا يُؤَاجِرَ مُسْتَوْلَدَتَهُ بِخِلافِ مُدَبَّرَتِهِ، ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا، ولا أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَه لِوَلَدِهِ ....
يحتمل أن يقرأ: (ولا يُؤَاجِرَ) على البناء للمفعول؛ أي: لا يؤاجر القاضي أم ولده، لأنه لم يبق له فيها إلا الاستمتاع، بخلاف المدبر فإنه يؤاجره عليه لبقاء الخدمة له، ويحتمل أن يقرأ بجزم الراء على النهي عائدٌ على الحاكم أو على المفلس، ويحتمل أن يقرأ بالنصب عطفاً على (يتكسب) وهو أقرب إلى لفظه؛ ألا ترى أن قوله بعد: (ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا) وما بعده لا يصح فيه إلا النصب، لكن يرد على هذا أنه لا يلزم من قوله: (أن يؤاجر أم ولده) ألا يجوز له إجارتها، بل قد يفهم منه جواز الإجارة.
ألا ترى إلى قوله: (ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا) فإنه أشار بذلك إلى أنه يجوز له أن ينتزع، وإنما المنع أن يجبر على الانتزاع وإجارتها لا تجوز على المذهب، وفي معنى المدبرة المعتقة إلى أجل ونحوها ممن للسيد فيها الخدمة، وقد نص ابن شاس وغيره على أن المدبرة يؤجِّرها المفلس، وبه تعلم أن ما وقع في بعض النسخ (ولا مدبرة) ليس بجيد، وما ذكره أنه لا يلزمه انتزاع مال المدبر وأم الولد هو في المدونة، ورآها من معنى التكسب، وهو غير لازم؛ ولأنهم لما يعاملوه إلا على ملكه، فليس لهم الجبر على انتزاع ملك الغير.
وفي سماع ابن القاسم عن مالك من حبس حبساً وشرط إن شاء المحبس عليه أن يبيع باع؛ فلغرمائه أن يبيعوه عليه. صاحب المقدمات وابن زرقون: فيتخرج من هذا قول بلزوم الانتزاع ولزوم الاعتصار.
ولا يَشْفَعَ ولا يَستَسلِفَ ولَوْ بُذِلَ لَهُ
ولا يلزمه أن يشفع ولا أن يستسلف ولو بذل السلف له وكذلك لا يلزمه قبول هبة أو صدقة أو وصية، وإنما لم يلزمه أن يشفع وإن كان في الأخذ بالشفعة ربح؛ لأنه تسلف
стр. 3084
وتجر وهو غير لازم؛ لأنه لا تلزمه عهدة بالشفعة، ولم يلزمه السلف؛ لأنه استدانة أخرى، نعم لو رضي أحد أن يسلف الطالب ما له على المطلوب ثم يرجع به على المطلوب لم يكن للمطلوب مقال؛ لأن المعروف إنما هو للطالب بالمطلوب إلا أن يفعل ذلك قصداً للضرر، واختلاف العلماء فيما لو باع المديان سلعة بخيار، ثم اشتراها كذلك، ثم حجر عليه فأراد الإمضاء في المسألتين أو الفسخ فيهما ومنعه الغرماء من ذلك، وأجرى ذلك المازري على الخلاف في الخيار هل هو منحل أو منعقد؟
وَلا يَعْفُوَ عَنْ دَمِ الدِّيَةِ
يحتمل أن يكون منقطعاً عما قبله فيكون مجزوماً؛ أي: لا يلزمه أن يعفو عن دم وجبت في الدية؛ لتعلق حق الغرماء بها. ويحتمل أن يكون منصوباً بالعطف؛ أي: لا يلزمه أن يعفو عن دم وجب له ليأخذ الدية، بل له أن يقتص، وقد ذكر الفرعين صاحب الجواهر، وقد تقدم ما يغني عن الاحتمال الثاني بقوله: (وكذلك طلاقه وخلعه واستيفاء القصاص) وعلى الاحتمال الأول يكون دم الدية مضافاً ومضافاً إليه، وعلى الثاني يكون الدم منوناً والدية مجرورة بلام الجر. وقال المصنف على الاحتمال الأول: (دَمِ الدِّيَةِ) ولم يقل: (دم الخطأ) ليشمل المأمومة والجائفة عمداً ونحوهما مما لا يقاد منه، والله أعلم.
وَلوْ وَرِثَ أَبَاهُ بِيعَ وعَتَقَ فَضْلُهُ، ولَوْ وُهِبَ لَهُ عَتَقَ.
يعني: وإن ورث المديان من يعتق عليه أباً أو غيره، فقال ابن القاسم: يباع إن استغرقه الدين، وإن لم يستغرقه بيع منه بقدره وعتق الباقي، وهو معنى قوله: (وعَتَقَ فَضْلُهُ) فإن لم يمكن بيع بعضه بيع جميعه ويتملك الفاضل، ولا يبعد استحباب التصديق به، وخالف محمد، فقال: لا يباع به. قال: وهو مثل الصبي والمولى عليه، فإنه يعتق عليهما من ورثاه؛ لأنه يجب حفظ مال المفلس على غرمائه كما يجب حفظ مال الصبي والسفيه
стр. 3085
عليهما، ونص أشهب أيضاً على العتق في مسألة الإرث، وقد يقال: وهو جارٍ على المشهور؛ أعني: أن عتق القرابة يحصل بمجرد الملك ولا يتوقف على حكم. وأما على قول ابن القاسم فإنه يظهر إذا بنينا على أنه إنما يعتق بالحكم كما بينه بعضهم، إلا أن يقال: من شرط العتق بالقرابة ألا يوجد هناك مانع وهو هنا قائم وهو حق الغرماء.
ولو وهب للمديان قريبه لعتق عليه. ابن القاسم: لأنه لم يوهب له ليأخذه غرماؤه وإنما قصد به العتق.
صاحب المقدمات وغيره: وانظر هذا لو وهبه وهو لا يعلم ممن يعتق عليه، وجزم ابن يونس والمازري وغيرهما بأنه يباع في الدين؛ لأنه لم يقصد به العتق.
وفِي انْفِكَاكِ الْحَجْرِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ قَوْلانِ
يعني: إذا قسم مال المفلس وحلف على أنه لم يكتم شيئاً ووافقه الغرماء على ذلك، فهل ينفك الحجر من غير احتياج إلى حكم حاكم وهو قول اللخمي. ابن عبد السلام: وهو أكثر نصوصهم. أو لا ينفك إلا بحكم حاكم، وهو قول القاضيين ابن القصار وعبد الوهاب؟
ابن راشد: والأول جارٍ على مذهب ابن القاسم في المحجور عليه لسفه أن الحجر يزول عنه برشده في نفسه من غير ترشيد حاكم؛ لأن العلة في الحجر السفه؛ وهو خوف إتلاف المال، والعلة إذا زالت زال المعلول به، وقول القاضي عبد الوهاب جارٍ على القول المعمول به أن المحجور عليه لسفه لا يخرج من الحجر إلا بترشيد الحاكم.
الثَّالِثُ: حَبْسُهُ
أي: الحكم الثالث من أحكام الحجر حبس الغريم عند دعواه العجز ما لم يظهر عدمه ويثبت فقره. قال في المقدمات: ولا خلاف في هذا بين فقهاء الأمصار وقول ابن
следующие страницы →