← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3081–3120 · переход к 3086.

стр. 3081

أم لا، لا أنه شك في الحكم؛ لأن الزوجة ألزم من الولد، فإذا ترك للولد فأحرى للزوجة. وقال سحنون: لا يترك لها كسوة. اللخمي: وعلى هذا لا يترك للولد، وهو أبين، وحسبهم ما كان عليهم، قال: ولا أرى أن يستأنف أيضاً لها كسوة. قال في البيان: واتفق على أنه لو كساها قبل التفليس كسوة لا فضل فيها عن كسوة مثلها وهو قائم الوجه؛ أنه لا ينزع منها، ويباع ثوب جمعته إن كانت له قيمة وإلا فلا، ويباع عليه ما كان للقنية والتجارة؛ داره، وخادمه، ودابته، وسرجه، وسلاحه. ابن القاسم: وخاتمه. ومنع أشهب بيع الخاتم، والأول أظهر، ويباع مصحفه، واختلف في بيع كتب الفقه عليه، والخلاف في ذلك جار على الخلاف في جواز بيعها من حيث الجملة، فكرهه مالك مرة ومنعه أخرى. قال في الموازية: لا تباع في الدين ولا تورث، ووارثه وغيره ممن هو أهل لقراءتها سواء، ووجَّهه الباجي بأن طريقه النظر وليس مقطوعاً بصحتها، والمشهور الذي عليه الجمهور: جواز البيع. ابن عبد الحكم: وقد بيعت كتب ابن وهب بثلاثمائة دينار وأصحابنا متوافرون حاضرون وغيرهم فما أنكروا ذلك، وكان أبي الوصي. المازري: وأما تكفين ولده فجار أيضاً على ما ذكرناه في ولده الحي، وأما الزوجة فكذلك أيضاً يجري الأمر في تكفينها إذا قلنا: إنه لازم للزوج على أحد القولين على ما قدمناه من الكلام في كسوتها وهي حية. واختلف العلماء هل تكفن بثوب أو ثلاثة؟ قال: ويتخرج عندي على الخلاف في ثوبي الجمعة؛ لأن التكفين في الثلاث مستحب كثوبي الجمعة، قال: وكان شيخنا يتردد في بيع آلة الصانع كمرزبة الكمَّاد ومطرقة الحداد، قال: ويؤخذ حكمه مما تقدم، فإن كان يسيراً ولا يصلح أن يقيم أوده إلا منه؛ لم يبع ويصير مثل نفقة الأيام.

стр. 3082

ويُتْرَكُ عَيْشُهُ وعَيْشُ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ نَحْوَ الشَّهْرِ هكذا لمالك في الموازية والواضحة، ولم يقيد ذلك في الموازية، بل في الزكاة الثاني: يترك له ما يعيش به هو وأهله الأيام، وحملها في البيان على العشرة ونحوها. قال: وليس بخلاف للقول الذي وقع في الشهر، وإنما هو على قدر الأحوال، وما جرى عليه العرف من التقوى في ذلك المكان، قال: والمراد بالأهل في المدونة أزواج المفلس ومن تلزمه نفقته من رقيقه وولده، وأمهات أولاده ومدبرته، وكذلك قال المازري: التحقيق أن يترك له نفقة اليومين والثلاثة خوفاً من كسله أو مرضه في غده وما بعده. وما ذكره المصنف هو المشهور، ولمالك في رواية ابن نافع لا يترك له شيء. ولا يَلْزَمُهُ أَنْ يَكْسِبَ أي: لقوله تعالى: (وإن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠] ورأى اللخمي أن الصانع يجبر على التكسب؛ لأنه على ذلك عومل بخلاف التاجر، قال: وعلى التاجر تكلم مالك، قال: وكذلك يجبر على العمل إذا باع منافعه؛ مثل أن ينسج لرجل ثياباً أو يخيط ثياباً مدة معلومة، قال: ويفترق الجواب إذا كان محتاجاً إلى ما ينفق، فإن الصانع يتداين ليعمل ويقضي، فإنه يبدأ بنفقته ونفقة عياله، ثم يقضي دينه من الفاضل، وإن باع منافعه مدة معلومة بدئ بالذي استأجره وإن أدى ذلك إلى أن يتكفف؛ لأن منافعه صارت ملكاً لمن اشتراها فأشبه من باع سلعة ولم يسلمها حتى افتقر؛ فإنه [٥٢٦/ب] يسلمها وإن تكفف، إلا أن يخاف عليه الموت فيخير الذي استأجره بين أن يسلفه ما يعيش به دون عياله حتى يتم عمله، أو يتركه فيعمل عند غيره بمثل ذلك؛ لأنه إن منع هلك، ولا ينتفع المستأجَر بشيء.

стр. 3083

ولا يُؤَاجِرَ مُسْتَوْلَدَتَهُ بِخِلافِ مُدَبَّرَتِهِ، ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا، ولا أَنْ يَعْتَصِرَ مَا وَهَبَه لِوَلَدِهِ .... يحتمل أن يقرأ: (ولا يُؤَاجِرَ) على البناء للمفعول؛ أي: لا يؤاجر القاضي أم ولده، لأنه لم يبق له فيها إلا الاستمتاع، بخلاف المدبر فإنه يؤاجره عليه لبقاء الخدمة له، ويحتمل أن يقرأ بجزم الراء على النهي عائدٌ على الحاكم أو على المفلس، ويحتمل أن يقرأ بالنصب عطفاً على (يتكسب) وهو أقرب إلى لفظه؛ ألا ترى أن قوله بعد: (ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا) وما بعده لا يصح فيه إلا النصب، لكن يرد على هذا أنه لا يلزم من قوله: (أن يؤاجر أم ولده) ألا يجوز له إجارتها، بل قد يفهم منه جواز الإجارة. ألا ترى إلى قوله: (ولا يَنْتزِعَ مَالَهَمُا) فإنه أشار بذلك إلى أنه يجوز له أن ينتزع، وإنما المنع أن يجبر على الانتزاع وإجارتها لا تجوز على المذهب، وفي معنى المدبرة المعتقة إلى أجل ونحوها ممن للسيد فيها الخدمة، وقد نص ابن شاس وغيره على أن المدبرة يؤجِّرها المفلس، وبه تعلم أن ما وقع في بعض النسخ (ولا مدبرة) ليس بجيد، وما ذكره أنه لا يلزمه انتزاع مال المدبر وأم الولد هو في المدونة، ورآها من معنى التكسب، وهو غير لازم؛ ولأنهم لما يعاملوه إلا على ملكه، فليس لهم الجبر على انتزاع ملك الغير. وفي سماع ابن القاسم عن مالك من حبس حبساً وشرط إن شاء المحبس عليه أن يبيع باع؛ فلغرمائه أن يبيعوه عليه. صاحب المقدمات وابن زرقون: فيتخرج من هذا قول بلزوم الانتزاع ولزوم الاعتصار. ولا يَشْفَعَ ولا يَستَسلِفَ ولَوْ بُذِلَ لَهُ ولا يلزمه أن يشفع ولا أن يستسلف ولو بذل السلف له وكذلك لا يلزمه قبول هبة أو صدقة أو وصية، وإنما لم يلزمه أن يشفع وإن كان في الأخذ بالشفعة ربح؛ لأنه تسلف

стр. 3084

وتجر وهو غير لازم؛ لأنه لا تلزمه عهدة بالشفعة، ولم يلزمه السلف؛ لأنه استدانة أخرى، نعم لو رضي أحد أن يسلف الطالب ما له على المطلوب ثم يرجع به على المطلوب لم يكن للمطلوب مقال؛ لأن المعروف إنما هو للطالب بالمطلوب إلا أن يفعل ذلك قصداً للضرر، واختلاف العلماء فيما لو باع المديان سلعة بخيار، ثم اشتراها كذلك، ثم حجر عليه فأراد الإمضاء في المسألتين أو الفسخ فيهما ومنعه الغرماء من ذلك، وأجرى ذلك المازري على الخلاف في الخيار هل هو منحل أو منعقد؟ وَلا يَعْفُوَ عَنْ دَمِ الدِّيَةِ يحتمل أن يكون منقطعاً عما قبله فيكون مجزوماً؛ أي: لا يلزمه أن يعفو عن دم وجبت في الدية؛ لتعلق حق الغرماء بها. ويحتمل أن يكون منصوباً بالعطف؛ أي: لا يلزمه أن يعفو عن دم وجب له ليأخذ الدية، بل له أن يقتص، وقد ذكر الفرعين صاحب الجواهر، وقد تقدم ما يغني عن الاحتمال الثاني بقوله: (وكذلك طلاقه وخلعه واستيفاء القصاص) وعلى الاحتمال الأول يكون دم الدية مضافاً ومضافاً إليه، وعلى الثاني يكون الدم منوناً والدية مجرورة بلام الجر. وقال المصنف على الاحتمال الأول: (دَمِ الدِّيَةِ) ولم يقل: (دم الخطأ) ليشمل المأمومة والجائفة عمداً ونحوهما مما لا يقاد منه، والله أعلم. وَلوْ وَرِثَ أَبَاهُ بِيعَ وعَتَقَ فَضْلُهُ، ولَوْ وُهِبَ لَهُ عَتَقَ. يعني: وإن ورث المديان من يعتق عليه أباً أو غيره، فقال ابن القاسم: يباع إن استغرقه الدين، وإن لم يستغرقه بيع منه بقدره وعتق الباقي، وهو معنى قوله: (وعَتَقَ فَضْلُهُ) فإن لم يمكن بيع بعضه بيع جميعه ويتملك الفاضل، ولا يبعد استحباب التصديق به، وخالف محمد، فقال: لا يباع به. قال: وهو مثل الصبي والمولى عليه، فإنه يعتق عليهما من ورثاه؛ لأنه يجب حفظ مال المفلس على غرمائه كما يجب حفظ مال الصبي والسفيه

стр. 3085

عليهما، ونص أشهب أيضاً على العتق في مسألة الإرث، وقد يقال: وهو جارٍ على المشهور؛ أعني: أن عتق القرابة يحصل بمجرد الملك ولا يتوقف على حكم. وأما على قول ابن القاسم فإنه يظهر إذا بنينا على أنه إنما يعتق بالحكم كما بينه بعضهم، إلا أن يقال: من شرط العتق بالقرابة ألا يوجد هناك مانع وهو هنا قائم وهو حق الغرماء. ولو وهب للمديان قريبه لعتق عليه. ابن القاسم: لأنه لم يوهب له ليأخذه غرماؤه وإنما قصد به العتق. صاحب المقدمات وغيره: وانظر هذا لو وهبه وهو لا يعلم ممن يعتق عليه، وجزم ابن يونس والمازري وغيرهما بأنه يباع في الدين؛ لأنه لم يقصد به العتق. وفِي انْفِكَاكِ الْحَجْرِ مِنْ غَيْرِ حَاكِمٍ قَوْلانِ يعني: إذا قسم مال المفلس وحلف على أنه لم يكتم شيئاً ووافقه الغرماء على ذلك، فهل ينفك الحجر من غير احتياج إلى حكم حاكم وهو قول اللخمي. ابن عبد السلام: وهو أكثر نصوصهم. أو لا ينفك إلا بحكم حاكم، وهو قول القاضيين ابن القصار وعبد الوهاب؟ ابن راشد: والأول جارٍ على مذهب ابن القاسم في المحجور عليه لسفه أن الحجر يزول عنه برشده في نفسه من غير ترشيد حاكم؛ لأن العلة في الحجر السفه؛ وهو خوف إتلاف المال، والعلة إذا زالت زال المعلول به، وقول القاضي عبد الوهاب جارٍ على القول المعمول به أن المحجور عليه لسفه لا يخرج من الحجر إلا بترشيد الحاكم. الثَّالِثُ: حَبْسُهُ أي: الحكم الثالث من أحكام الحجر حبس الغريم عند دعواه العجز ما لم يظهر عدمه ويثبت فقره. قال في المقدمات: ولا خلاف في هذا بين فقهاء الأمصار وقول ابن

стр. 3086

عبد السلام في جعل الحبس من أحكام المفلس نظر؛ لأن المفلس يجب إنظاره من غير حبس [٥٢٧/أ] ليس بظاهر. ويُحْبَسُ الْمُعَانِدُ والْمَجْهُولُ الْحَالِ يحتمل أن يريد بالمعاند معلوم الملاء، ويحتمل أن يريد من هو ظاهر الملاء، وللغريم ثلاثة أحوال: مليء، ومجهول الحال، ومعدم. والمليء ينقسم إلى قسمين المشار إليهما؛ أعني: معلوم الملاء، وظاهر الملاء، ولنتكلم على كل واحد. فأما معلوم الملاء: فمثلوه بأن يأخذ أموال الناس ويقعد للتجارة ثم يدعي ذهابها، ولم يظهر ما يصدقه من احتراق منزله أو سرقة أو نحوها، فيحبس حتى يؤدي أموال الناس أو يموت في السجن. سحنون: ويضرب بالدِّرَّةِ المرة بعد المرة، ولو أدى إلى إتلاف نفسه حتى يؤدي أموال الناس. ابن رشد: وليس بخلاف. قال مالك: يضرب الإمام الخصم على اللَّدَدِ، وأيُ لدَدٍ أعظم من هذا. عياض: ولا يؤخذ منه حميل، إلا أن يلتزم الحميل دفع المال، والصواب لا يؤخر ساعة إن عرف بالناض، وإن لم يعرف به، فقالوا: يؤخر مقدار ما يبيع عروضه فيحبسه على ظاهر الروايات وعند أكثر الشيوخ. وقال غيره: لا يؤخر ويباع عليه لحينه، واختلاف هل يحلف على إخفاء الناض إذا لم يكن معروفاً به، فقال ابن دحون: يحلف، وقال أبو علي: لا يحلف. قال ابن زرب: إن كان من التجار حلف وإلا فلا، وهو على الخلاف في يمين التهمة. واختلف هل يؤخذ من هذا حميل بالمال أو يسجن حتى يبيع؟ أما إن كان صاحب العرض مُلِدَّاً وسأل التأخير إلى بيع عروضه، وسأل أن يعطى حميلاً حتى يبيعها؛ ففيه خلاف

стр. 3087

أيضاً، ذهب كثير منهم إلى أنه يلزمه حميل بالمال في رواية أبي زيد عن ابن القاسم، ونحوه فيمن عرف له مال غائب ليس عليه حميل، إلا أن يخشى عليه أن يموت أو يغيب عنهم. ابن عتاب: وهي رواية ضعيفة، وذهب معظم الشيوخ إلى أنه يعطى حميلاً بالمال إلى أن يباع أو يسجن، ونحوه لسحنون في كتاب ابنه. قال أبو بكر بن عبد الرحمن: وليس للإمام أن يبيع عليه عروضه كما يبيعها على المفلس؛ لأن المفلس قد ضرب على يديه ومنع من ماله. ابن عبد السلام: وإذا علم يساره وجهل القاضي كونه من أهل الناض كلفه إثبات البينة بذلك، فإن أثبت أُجِّلَ في بيع عروضه. قالوا: ويؤجل في بيع ربعه إن لم يكن له غيره نحو الشهرين، ويعطي حميلاً بالمال عند أكثر الشيوخ. وقال ابن مالك: بل بالوجه. وقال سحنون: لا يلزمه حميل. وأما مَنْ ظاهره الملاء ولم يعلم ملاؤه ولكن يتهم على إخفاء المال، فقال سحنون وغيره: يسجن حتى يتبين أمره. سحنون: ولا يؤخذ منه حميل، وفهموه على أنه يريد حميل الوجه، وإن طلب أخذ الحميل منه ليخرج في طلب منافعه ويرجع إلى السجن؛ فإن عجز أخذ منه. واختلف في قول ابن القاسم وسحنون، فقيل: خلاف، وقيل: وفاق. فيحمل قول سحنون على أنه ملد ظاهر الملاء، وقول ابن القاسم على غيره. وأما مجهول الحال فيحبس ليُستبرَأ أمره، قاله مالك في الموازية، وقد اختلف فيما يحمل عليه حال هذا المجهول على ثلاثة أقوال. اللخمي: وهو المعروف من المذهب أن يحمل الغريم على اليسر من غير اعتبار لحاله، ولا للسبب الموجب للدين. وقال مالك في المبسوط: إنه يحمل على العدم حتى يقوم دليل بملائه؛ أنه قال: لا يحبس إلا التاجر. وقيل: إن كان الحق عن عوض فهو على الملاء، وإن كان عن غيره كنفقة الأب والابن فهو على العدم، قاله ابن القاسم وأشهب وابن كنانة وسحنون، واختلف على هذا القول هل ذلك إذا كان العوض مما يتملك أم لا؟

стр. 3088

فحمل ابن القاسم وأشهب ذلك محملاً واحداً. وقال ابن كنانة وسحنون: إن كان العوض مما يتملك ويتمول فهو محمول على الملاء، وإن كان مالاً يُتمول كالصداق الذي هو عوض ما لا يتمول، وكأرش الجراح فهو محمول على العدم، وسيأتي الكلام على المعدم. فَإِنْ سَأَلَ فِي الْيَوْمِ ونَحْوِهِ بِحَمِيلٍ آخَرَ أي: سأل مجهول الحال، وهو الظاهر، ويحتمل عوده عليه وعلى أحد قسمي المعاند؛ أعني: ظاهر الملاء، وفيه بُعْدٌ، لعود الضمير على بعض المعاند، إلا أن يقال: إنه لم يرد بالمعاند إلا ظاهر الملاء، لكن يبقى فيه بُعْدٌ لوجه آخر، وهو أنه قد يكون ترك النص على معلوم الملاء، ولا يصح أن يعود الضمير في سأل على معلوم الملاء؛ لأنه لا يؤخذ منه حميل كما تقدم. وفي كلام المصنف ما ينبِّئ عنه، ويتبين له ذلك بذكر حكم المجهول وظاهر الملاء. أما مجهول الحال؟ فظاهر المدونة يحبس قدر ما يتلوم من اختبار حاله، أو يأخذ عليه حميلاً. عياض: ولم يبين هل بالوجه أو بالمال؟ والصواب أن يكون بالوجه، هكذا نص عليه أبو عمران وأبو إسحاق وغيرهما من القرويين والأندلسيين، ولا يقتضي النظر غيره؛ لأن هذا لم يثبت أنه مليء ولا غَيَّبَ مالاً، ولكن يسجن استظهاراً لكشف حاله، فإذا أعطى حميلاً إلى مدة الانكشاف؛ توصل بذلك إلى الكشف كما يتوصل بالسجن، فإن ظهر وجه الشدة عليه أمكنا منه الحميل. وحكى اللخمي عن سحنون: أنه لا يقبل ممن يسجن ليثبت فقره حميل ليسعى في مصالحه خلاف لابن القاسم. قال: وقول ابن القاسم أحسن، إلا أن يكون معروفاً باللدد. قال: وإذا أخذ الحميل منه، فإن لم يحضر غرم المال؛ لأجل اليمين اللازمة له إذا أحضره، وإن أحضره عند الأجل ولم يظهر له مال حلفناه وسرحناه، فإن لم يأتِ بحميل إلا إلى دون ما ينكشف حاله فيه؛ فإنه يقبل

стр. 3089

منه، فإذا أخر إلى الأجل الذي ضمنه إليه ولم يكشف من أمره شيء سجن، إلا أن يأتي بحميل آخر إلى انقضاء الأجل. عياض: وهذا الحميل يقضي به على صاحب الدين أن يأخذه إذا بذله الغريم، وإذا قبل منه الحميل ليثبت عدمه فغاب الغريم وأثبت الحميل عدم [٥٢٧/ب] الغريم، فقال ابن رشد: يغرم الحميل لتعذر اليمين اللازمة للغريم. وقال اللخمي: لا يغرم؛ لأن اليمين بعد ثبوت الفقر أنه لم يكتم شيئاً استظهاراً، إلا أن يكون ممن يظن أنه يكتم. وأما ظاهر الملاء يقيم بينته بالفقر ولم تزكَّ بينته؛ ففي كتاب ابن سحنون: لا يؤخذ منه حميل ويسجن حتى تزكى بينته. قيل: وإنما لم يقبل منه الحميل؛ لأنه إذا ذهب لم يحلف الحميل، إذ لا بد من يمينه أنه لا يجد قضاء. ابن يونس: يحتمل إنما سجنه؛ لأن ظاهره الملاء، والبينة التي لم تزكَّ كالعدم، وهذا كمن تفلس، وقال: لا شيء لي. وأما إن سأل أن يؤخر ووعد بالقضاء؛ فليؤخر الإمام حسبما يرجى له الملاء، ولا يعجل عليه، قاله ابن الماجشون. وقال في كتاب ابن سحنون: وإن سأل أن يؤخر يوماً أو نحوه أُخِّر ويعطى حميلاً بالمال، فإن لم يجد حميلاً به سجن، وقال ابن الماجشون في سماك عليه سمك فسأل الصبر حتى يتصيد، قال: يصبر عليه، ولم يشترط الحميل، ولعله يريد أنه لا مال له ولا يجد قضاء إلا من تصيده. خليل: وفي كلام المصنف نظر؛ لأنه لم يقيد الحميل في المجهول باليوم كالمصنف، وإذا أراد ظاهر الملاء؛ فإنما نصوا على تأخيره اليوم إذا وعد بالقضاء، وكلام المصنف لا ينبني على ذلك، وذكر ابن راشد أن قضاة زمانه يؤخرون الغريم إذا وعد بالقضاء ثلاثاً. فَإِنْ شُهِدَ بِإِعْسَارِهِ حَلَفَ وأُنْظِرَ يعني: وإن قامت البينة على أن الغريم الذي عليه الدين معسر حلف على ذلك؛ لأن البينة إنما شهدت على العلم، ويمكن أن يكون له مال أخفاه، ولا خفاء أن هذا في حق

стр. 3090

مجهول الحال والمتهم، وأما معلوم الملاء فلا تقبل منه بينة إلا بذهاب ما بيده، نص عليه اللخمي والمازري وغيرهما بأن تقول البينة: كنا نرى تصرفه في بيعه وشرائه ونزول الأسواق ونفقته على عياله ونقص ماله. اللخمي: وكذلك لا تقبل البينة ممن عليه دين منجم أدى بعضه ثم ادعى العجز إلا ببيان ذهاب ما بيده، وكذلك أيضاً الرجل يطلب برزق ولده بعد طلاق الأم فلا تسمع منه البينة إلا بذهاب ما بيده؛ لأنه بالأمس قبل الطلاق كان ينفق فهو اليوم أقدر لزوال نفقة الزوجة عنه. وقوله: (حَلَفَ) هذه من المسائل التي يحلف فيها المدعي مع بينته، وكدعوى المرأة على زوجها الغائب بالنفقة والقضاء على الغائب. وقوله ضابطه كل بينة شهدت بظاهر يستظهر بيمين الطالب على باطن الأمر، قال في المقدمات: وصفة يمينه أن يحلف أنه ليس له مال ظاهر ولا باطن، وإن وجد مالاً ليؤدِّينَّ له حقه، وهذه الصفة ذكرها في المدونة عن الخليفتين أبي بكر وعمر ﵄، وذكرها أيضاً صاحب الوثائق المجموعة والمتيطي وغيرهما، وبها أفتى ابن العطار وابن لبابة، وذكرها ابن سهل عن جماعة كثيرة، وإن ادعى عليه بعد أن حلف أنه استفاد مالاً لم يكن للغرماء تحليفه. قال في المقدمات: وهذه فائدة زيادة قوله في اليمين: وإن وجد ليؤدين. حكى ابن الهندي عن محمد بن إسحاق بن السليم قاضي قرطبة: أن عبد الملك بن أيمن كان يزيد في اليمين الواردة عن الخليفتين وأنه يعجل الأداء؛ لأنه قد يؤدي إليه بعد زمان طويل فيبر في يمينه، وفي ذلك ضرر على أصحاب الدين، ويزيد: ولئن رزقه الله مالاً وهو في سفر ليعجلن الأوبة والأداء. ابن الهندي: وهذا كله استظهار واليمين المذكورة كافية؛ لأنها على نية المحلوف له. قوله: (وأُنْظِرَ) فيه إشارة إلى الاحتجاج بقوله تعالى: (فَنَظِرَةٌ إلَى مَيْسَرَةٍ) [البقرة: ٢٨٠] ورد على أبي حنيفة في قوله: إن صاحب الدين يلازم الغريم، ووجه الدليل أن الله تعالى أوجب إنظاره إلى اليسر.

стр. 3091

تنبيهان: الأول: قد ذكرنا أن ابن رشد والمتيطي وغيرهما نقلوا أن المذهب موافقة الخليفتين في صفة اليمين. ابن عبد السلام: ونقل عن مالك أنه لم ير زيادة قوله: وإن وجد قضاء ليقضين. ولم أر من نقل ذلك عن مالك، فإن ثبت فيحمل على أنه قول شاذ، والله أعلم. التنبيه الثاني: قد ذكرنا أولاً أنا نذكر حكم الغريم المعدم فلنذكره هنا فنقول: إن وافقه صاحب على العدم وجب إنظاره، وإن خالفه فإما أن يدعي المطلوب أنه يعلم بعدمه أم لا؟ فإن ادعاه حلف صاحب الدين أنه لم يعرفه عديماً، فإن نكل لم يسجن؛ لأن نكول الطالب عن اليمين يقتضي أنه يعلم بعلمه. قال ابن شعبان وغيره: وبه كان يفتي ابن الفخار، فإن حلف رب الدين أو لم يدع عليه الغريم العلم حبس إلا أن يثبت عدمه، وإذا حلف المطلوب، فقال أبو عمران: يحلف على البت. وقال غيره: على العلم؛ إذ قد يكون ملك مالاً من إرث أو هبة ولم يعلم به. ابن راشد: وقول أبي عمران ظاهر المجموعة. وأشار اللخمي إلى أن من ظاهره الفقر بنزارة حاله وصناعته كالبقال والخياط ونحوهما من أهل الصنائع التي من شأن أهلها العدم يقبل قوله في العدم، ولا يحبس إلا أن تكون الدعوى في يسير عومل عليه في صنعته، ولا يصدق حتى يثبت ذلك. فروع: الأول: لو سأل الطالب أن يفتش على المديان داره. فقال ابن سهل: شاهد الفتوى والحكم بطليطلة أنه يفتش عليه مسكنه فما أُلفي من متاع الرجال بيع عليه وأنصف الطالب منه، ولا يختلف فقهاؤهم فيه، وأنكر ذلك على أكثرهم فلم يرجعوا عليه. وسألت ابن عتاب وابن مالك عن ذلك فأنكراه، وقالا: أرأيت أيضاً إن كان الذي في

стр. 3092

بيته ودائع؟ فقلت له: ذلك محمول على أنه ملكه حتى يظهر خلافه، فقال: فيلزم الاستيناء به أهو للمطلوب أم لا. وأعلمت ابن القطان بعمل أهل طليطلة، فقال لي: ما يبعد. ابن رشد: وأراه [٥٢٨/أ] حسناً فيمن ظاهره اللدد والمطل. الثاني: يجب الحبس على كل من عليه حق لا مدفع له فيه، ولم يعلم عدمه إلا من قوله، ولم يكن ظاهره العدم كما تقدم، فإن كان الحق على غيره وهو السبب فيه كالقاتل خطأً، ففي سجنه قولان لسحنون وأبي عمران، نقله ابن راشد. الثالث: إذا شهد له قوم بالعدم وآخرون بالملاء، ففي أحكام ابن زياد: بينة الملاء أعمل وإن كانوا أقل عدالة، ويحبس حتى تقوم له بينة أنه عديم قبل ذلك. قال في المقدمات: وهو جيد. وقيل: إن بينة العدم أعمل وإن كانت أقل عدالة، وقيل: يعمل على شهادة أعدلهما، فإن تساويا سقطتا وبقي مسجوناً. وقيل: يعمل على أعدلهما فإن تساويا أطلق من السجن. قال في البيان: وهذا إنما هو إذا شهدت هذه بأنه عديم في ظاهر حاله وهذه أنه مليء في ظاهر حاله ولم يبيِّنوا أن له مالاً أخفاه، وأما إن شهدت بينة الملاء على إخفاء ماله؛ لما صح أن يختلف أنها تعمل. ابن عبد السلام: وتأمل قوله أنه عديم في ظاهر حاله، فلعل معناه أنهم يعلمون أنه عديم في ظاهر الحال لا مال له ظاهراً ولا باطناً. فَإِنْ طَالَ حَبْسُ الْمَجْهُولِ أُخْرِجَ، ويَخْتَلِفُ بِقَدْرِ الدِّيْنِ يعني: إذا لم يجد من يشهد له وطال حبسه أخرج؛ لأنه يغلب على الظن فقره. قال في العتبية: وليس على القاضي أن يكلف الغريم البينة بأنه لا مال له، وإنما يسأل القاضي عنه أهل الخبرة والمعرفة، فإن لم يجد له مالاً حلفه وخلى سبيله. قال في البيان: وهذا في مجهول الحال، وأما إن حبسه للتهمة أنه أخفى مالاً؛ فلا يكتفي إلا بالبينة. (ويَخْتَلِفُ) أي:

стр. 3093

الطول بقدر الدين، وذلك بحسب اجتهاد الإمام، وهذا هو تحقيق أهل المذهب، قاله بعض كبار الشيوخ. ابن الماجشون: ويحبس في الدريهمات اليسيرة الشهر ونحوه، وفي الوسط من ذلك الشهرين، وفي الكثير الأربعة. المازري وغيره: وكذلك يختلف الطول بحسب تجلد الأشخاص في الحبس. واحترز المصنف بالمجهول من المليء، فإنه يسجن أبداً إلا أن يعطي. ويُحْبَسُ لِوَالِدِهِ، وفِي حَبْسِ والِدِهِ لَهُ قَوْلانِ كَالْيَمِينِ لا إشكال في حبس الولد للأبوين، وأما حبسهما له؛ فمذهب المدونة: أنهما لا يحبسان له، قال فيها: وإن لم أحبس الأبوين له فلا أظلم الولد لهما، مطرف: ويأمرهما الإمام فيما ثبت عليهما أن يقضياه. والقول بأنهما يحبسان له لمحمد. ولو قال المصنف: وفي حبس والديه لكان أحسن، ولعله اعتمد على إن حرمة الأم كالأب أو آكد. وقوله: (كَالْيَمِينِ) تشبيه لإفادة الحكم، ومذهب المدونة أنهما لا يحلفان له، وإن أحلفهما فهو عقوق، ولابن الماجشون في الثمانية: أن تحليفهما مكروه وليس بعقوق فيقضى له بذلك. وفي الموازية عن ابن القاسم: أنه يقضي له بذلك إلا أنه عقوق وهو بعيد؛ لأن العقوق من الكبائر، فلا ينبغي أن يمكن من فعله أحد، وقيد في البيان هذا الخلاف بما عدا قلب اليمين. قال: وأما إن وجبت يمين للأب على الابن فقلبها على الأب أو تعلق بها حق الغير؛ كما لو ادعى تلف صداق ابنته، أو ادعى عليه زوجها أنه نحلها نحلة وانعقد عليها النكاح؛ فاتفق على أنه يحلف قاله ابن رشد. ابن المواز وغيره: ويحبس أيضاً إذا امتنع من الإنفاق على ولده الصغير؛ لأن ذلك ليس من قبل الصغير، وإنما القاضي هو الذي حبسه. قال في المدونة: ويحبس للولد الأجداد والأقارب.

стр. 3094

فائدة: اختلف الطرطوشي وعياض هل للجد من البر ما للأب؟ فقال الطرطوشي لا، واحتج بهذه المسألة، قال: ولم أر نصاً في ذلك للعلماء. وقال عياض: إنه كالأب، واستدل بقولهم: إنه لا يقتص منه له، وأنه لا يغزو إلا بإذن جده. واستدلال الطرطوشي أحسن؛ لأن مقصوده أن لكل من الجد والأب حقاً في البر، إلا أن الجد أقل لهذه المسألة، ولا يحسن استدلال عياض إلا أن لو كان قصد الطرطوشي نفي بر الجد مطلقاً؛ لأن غاية هذه المسائل أن تفيد أن للجد براً في الجملة، أما كونه مساوياً للأب فلا. ويُحْبَسُ النِّسَاءُ ويُؤْتَمَنُ عَلَيْهِنَّ مَامُونَةٌ أَيِّمٌ أَوْ ذَاتَ زَوْجٍ مَامُونٍ. يعني: أن النساء كالرجال في حبسهن والتضييق عليهن، وقبول الحميل منهن على ما ذكر، إلا أنهن يحبسن عند امرأة مأمونة أيماً كانت أو ذات زوج مأمون. فرع: قال في المدونة: ويحبس السيد في دين مكاتبه إن لد، قيل: يريد ويحبس المكاتب في دين سيده ولا يحبس مكاتب عجز؛ إذ ليست في ذمته. اللخمي عن سحنون: ومن سجن في دين امرأته أو غيرها فأرادت زوجته أن تدخل إليه لتبيت عنده لم تمكن من ذلك؛ لأن المراد من حبسه التضييق. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا أراد الطالب أن يفرق بين الغريم وزوجته وطلب الزوجان أن يجتمعا؛ فذلك لهما إذا كان السجن خالياً. اللخمي: وهو أحسن فيمن أشكل أمره هل هو في معنى اللدود؟ وأما من علم منه اللدد فالأول أحسن، وكذلك من ثبت فقره وعلم بأكل أموال الناس؛ فإنه يسجن ويضيق عليه أدباً له، ويمنع منه ولده ومن يعز عليه. انتهى.

стр. 3095

وقال ابن يونس إثر قول سحنون المذكور، وقال محمد: إلا أن تشاء المرأة الدخول إليه وهي التي قد حبسته؛ لأنها لو شاءت لم تحبسه. ابن عبد السلام: قال ابن المواز: لا يمنع المحبوس في الحقوق ممن يسلم عليه أو يحدثه، وإن اشتد مرضه واحتيج إلى امرأته تباشر منه ما لا يباشره غيرها وتطلع على عورته؛ فلا بأس أن تجعل معه حيث يجوز ذلك. ابن رشد: وقول [٥٢٨/ب] سحنون أظهر، ولا يفرق بين الأب والابن والإخوة في السجن. محمد بن عبد الحكم: ولا يخرج المحبوس للجمعة والعيد. اللخمي: وهذا يجري على قول بعض أهل العلم أن الجمعة فرض كفاية. المازري: وعندي أن هذا لا يتخرج؛ لأن الجمعة لها بدل وتسقط للأعذار، وقد سقطت على أحد القولين لشدة المطر، وقد أبيح الانتقال عن الماء إلى التيمم إذا غلا الماء، فكذلك لا يبعد أن يكون الخوف على تلف مال الغرماء بخروجه للجمعة عذراً في سقوط فرض الجمعة، قال: والأولى عندي ألا يمنع من ذلك إذا كان على صفة لا يلحق الغرماء ضرر. ابن يونس وغيره: ولو مرض في الحبس لم يخرج إلا أن يذهب عقله فيخرج حتى يعود إليه عقله ثم يعاد؛ لأنه إذا ذهب عقله لا فائدة في سجنه حينئذ لعدم علمه. وقال في الموازية: واستحسن إذا اشتد مرض أبويه أو ولده أو إخوته أو من يقرب إليه من قرابته وخيف عليه الموت أن يخرج بكفيل بوجهه فيسلم عليهم ثم يعود، ولا يفعل ذلك في غيرهم من القرابات. الباجي: وهو استحسان، والقياس المنع وهو الصواب عندي. ابن عبد الحكم: ولا يخرج لحجة الإسلام، ولو أحرم بحجة أو عمرة فيقام عليه بالدين حبس ويبقى على إحرامه، ولو ثبت عليه الدين يوم نزوله بمكة أو منى أو عرفة استحب أن يؤخذ منه كفيل حتى يفرغ من الحج ثم يحبس بعد النفر الأول، ولا يخرج ليغير على العدو، إلا أن يخاف عليه

стр. 3096

الأسر أو القتل بموضعه فليخرج إلى غيره، وإن قذف أخرج لإقامة الحد، ويحبس الوصي فيما على الأيتام من دين إذا كان لهم في يده مال وكذلك الأب. الرَّابِعُ: الرُّجُوعُ إِلَى عَيْنِ الْمَالِ بِشُرُوطٍ. الرابع من أحكام الحجر على المفلس رجوع الطالب إلى عين ما خرج من يده من طعام أو حيوان أو عروض، أما في الموت فهو أسوة الغرماء، ورأى الشافعي أنه أحق فيهما، ولما في الموطأ عن ابن شهاب عن أبي بكر بن عبد الرحمن أنه ﵊ قال: «أيما رجل ابتاع متاعاً فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من ثمنه شيئاً فوجده بعينه؛ فهو أحق به، فإن مات المشتري فصاحب المتاع أسوة الغرماء». وهو وإن كان مرسلاً هنا فقد وصله أبو داود من طريق إسماعيل وحديث إسماعيل عن الشاميين صحيح، فإن عورض هذا بما رواه أبو داود أيضاً عن ابن أبي ذؤيب عن أبي المعتمر عن عمر بن الحارث قال: أتينا أبا هريرة في صاحب لنا أفلس، فقال: لأقضين فيكم بقضاء رسول الله ﷺ : من أفلس أو مات فوجد رجل متاعه بعينه فهو أحق به. أبو داود: أبو المعتمر لا نعرفه، فإن قيل: قد ذكره ابن حبان في الثقات، قيل: هو مختلف فيه، فيرجح الأول لعدم الاختلاف فيه. قوله: (عَيْنِ الْمَالِ) يشمل الدنانير والدراهم، وهو قول ابن القاسم قياساً للثمن على المثمون خلافاً لأشهب؛ لأن الأحاديث إنما فيها إذا وجد سلعته أو متاعه، والنقدان لا يطلق عليهما ذلك عرفاً، ويمكن أن يقال: بناء على أن الدنانير والدراهم هل تتعين أم لا. فرع: واختلف إذا أحاله بدين على غريم باع له سلعة ففلس المشتري المحال عليه بالثمن، هل يكون المحال أحق بالسلعة المبيعة؛ لأنه كالوكيل عن صاحبها، وهو اختيار ابن المواز أم لا، وهو قول أصبغ.

стр. 3097

مَنْهَا: أَلا يُقَدِّمَهُ الْغُرَمَاءُ ولا يَدْفَعُوهُ مِنْ أَمْوَالِهِمْ. وقِيلَ: أَمَّا مَنْ أَمْوَالِهِمْ فَلا لما ذكر أن للرجوع شروطاً شرع في بيانها وذكر ثلاثة شروط: الأول: ألا يفدي الغرماء بأن يدفعوا له ثمنها من مال المفلس أو من أموالهم، فإن فعلوا ذلك فلا مقال للبائع ولا للمفلس، وهذا مذهب الموازية. ابن الماجشون: زاد في الموازية أو يضمنون الثمن وهم ثقة أو يعطونه حميلاً، والقول بأن ذلك ليس لهم من أموالهم لابن كنانة. ولأشهب ثالث: ليس لهم بالثمن حتى يزيدوا على الثمن زيادة يعطونها من دينهم وتكون السلعة لهم نماؤها وعليهم ثواؤها، ومذهب المدونة أن نماء السلعة للمفلس ومصيبتها منه. وقال ابن الماجشون: الربح والنماء له والخسارة على الغرماء. وقال ابن وهب: إن لم يرض المفلس بفدائها فنماؤها له؛ لأنها على ملكه وهلاكها منهم. وقال ابن الماجشون: لأنه تبرأ منها للبائع في دينه، وإن رضي فيكون نماؤها له ومصيبتها منه. فرع: إذا تبرع إنسان بقضاء ما على غيره أجبر الطالب على أخذه إذا كان قصد الدافع التخفيف عمن عليه الدين، ولم يقصد هبة صاحب الدين. وقال الشافعي: لا يجبر؛ لأن ذلك هبة، ولا يجبر أحد عليها، كذا اشار المازري في نقل المذهبين، فانظره. وَلَوْ قَبَضَ بَعْضَ الثَّمَنِ فَلَهُ رَدُّهَا وأَخذُهَا إلى الضَّرْبِ بِالْبَاقِي كما لو باعه داراً بألف وقبض منها خمسمائة، فإما أن يتركها أو يحاصص بالخمسمائة الباقية، وإما أن يرد الخمسمائة ويأخذ داره، فإن تعدد المبيع؛ كما لو باع عبدين بعشرين ديناراً فاقتضى من ثمنهما عشرة وباع المشتري أحدهما وبقي الآخر عنده وفلس، فأراد البائع أخذ العبد الباقي منهما، فليس له أخذه إلا أن يرد من العشرة التي اقتضاها خمسة؛

стр. 3098

لأن العشرة الأولى كانت مقبوضة عليهما، وهذا إذا كانت قيمتها متساوية، وإلا فمن العشرة المقتضاة أولاً عليهما ورد [٥٢٩/أ] حصة الباقي، وهذا هو المشهور، وتأول الباجي الموطأ عليه، وتأول أبو جعفر بن رزق الموطأ على ظاهره، وأن البائع لا يأخذ ما وجد من السلع إلا أن يرد جميع ما قبض، ونص الموطأ: وإن كان المشتري قد باع بعضه وفرقه، فصاحب المتاع أحق به من الغرماء، لا يمنعه ما فرق المبتاع منه أن يأخذ ما وجد بعينه، فإن اقتضى من ثمن المبتاع شيئاً فأحب أن يرده ويقبض ما وجد من متاعه ويكون فيما لم يجد أسوة الغرماء؛ فذلك له. ونسب الغزالي لمالك أن قبض شيء من الثمن فوت يمنع البائع من الرجوع في سلعته، وأنكره المازري، وحمله على أنه فهم ذلك من دليل الخطاب في الحديث الذي رواه مالك في موطئه حيث قال فيه: «ولم يقبض البائع من ثمنه شيئاً». فعزاه إليه، ونسب ابن عبد السلام مثل ما نسبه الغزالي للموطأ لأبي زيد. ولَوْ أَخَذَهَا فَوَجَدَ بِهَا عَيْبَاً حَادِثاً فَلَهُ رَدُّهَا ويُحَاصُّ، أَوْ حَبْسُهَا ولا شَيْءَ لَهُ يعني: ولو أخذ البائع سلعته فاطلع فيها على عيب حادث عند المفلس، فالبائع مخير إن شاء ردها وحصص بمجموع ثمنها، وإن شاء تمسك بها. وعلم أن العيب إما أن يكون سماوياً أو بسبب المشتري أو بسبب أجنبي، فالحكم في السماوي كما ذكره المصنف على المشهور، ولمالك في مختصر ابن شعبان في الأمة تتعيب: يخير البائع إن شاء أخذها بقيمتها وإلا ردها وحاصص. المازري: قال بعض أشياخي: معنى قوله: (أخذها بقيمتها) أنه يحط من الثمن ما نقص العيب، قال: ويحتمل أن يريد أنه يأخذها بقيمتها على ما هي ويحاسب بذلك من الثمن، وخرج بعض الشيوخ قولاً بالفوات إذا اشترى عبداً فهرم عنده ثم فلس، أو صغيراً فكبر

стр. 3099

من أحد القولين أن ذلك يمنع الرد بالعيب، وإن كان ذلك من فعل المشتري، كما لو أخلق الثوب، فلمالك في الواضحة ما ذكره المصنف. وقال ابن الماجشون: إلا أن يكون الثوب بلي بلاء فاحشاً فذلك فوت. وحمل اللخمي قوله على الخلاف. وقال اللخمي والمازري: والقياس فيما كان بسبب المشتري أن يكون كجناية أجنبي بحسب النقص، وذكر أن الحكم في جناية الأجنبي أن للبائع أخذ سلعته بمقدار ما بقي منها بعد الجناية من قيمة الذاهب بنسبة ذلك من الثمن، فإن كانت الجناية النصف؛ خير في أخذها بنصف الثمن، وإلا أخذ المشتري لها أرشاً، فإن عادت إلى هيئتها من غير نقص فكما ذكر المصنف، وأجراه اللخمي مجرى الغالب، وإلا حسب النقص. فَلَو حَاصَّ لِعَدَمِهَا ثُمَّ رُدَّتْ بِعَيْبٍ؛ فَلَهُ رَدُّ مُحَاصَّتِهِ وأَخْذُهَا، وقِيلَ: حُكْمٌ مَضَى يعني: فلو حاص الغرماء لأجل عدم سلعته؛ لأنه لم يحاصص إلا ظاناً أنه لا يجد سلعته فقرر لذلك، وهذا قول ابن القاسم في العتبية وهو المذهب، والقول الثاني ليس منصوصاً وإنما هو اختيار اللخمي، وأخذه هو والمازري من قول ابن حبيب: فيمن اشترى سلعة، ثم باعها، ثم اطلع على عيب فرجع بقيمته، ثم ردت السلعة عليه؛ أنه لا يردها على الأول، لأن رجوعه حكم وقع فلا يرد، وقد يجري على الخلاف في الرد بالعيب هل هو نقض للبيع من أصله فتنتقض المحاصة، أو ابتداء بيع فلا تنتقض. والله أعلم. ومِنْهَا: انْتِقَالُ الْمُعَوِّضِ يعني: شروط الرجوع في عين السلعة ألا يحدث ما ينقلها عن الغرض المقصود منها. أو في بعضها؛ أي: ومنها عدم انتقال المعوض.

стр. 3100

فَلَوْ طُحِنَتِ الْحِنْطَةُ، أَوْ خُلِطَتْ بِمُسَوِّسٍ، أَوْ عُمِلُ الزُّبْدُ سَمْناً، أَوْ فُصِّلَ الثَّوْبُ، أَوْ ذُبِحَ الْكَبْشُ؛ فَاتَ .... أي: فات الرجوع، وهذه مسائل وقعت في المذهب منصوصة كما ذكرها المصنف، وحكم فيها بالفوت؛ لأن الحنطة إذا طحنت والزبد إذا عمل سمناً يزول عنهما اسم الحنطة والزبد وسميا دقيقاً وسمناً ويزول عنهما الغرض المقصود، وكذلك أيضاً يزول المعنى المقصود إذا خلط الطيب بمسوس أو ذبح الكبش وليس دبغ الجلد فوت على المشهور، خلافاً لابن وهب في أحد قوليه، وعلى هذا المعنى الذي أشرنا من اعتبار الغرض المقصود نبه الإمام فيما رواه مطرف عنه لمَّا سئل عمن اشترى ثياباً فقطعها، فقال: لا أدري، لكن إن اشترى جلوداً فقطعها نعالاً أو خفافاً فذلك فوت. فلم يقف في قطع الجلد نعالاً لما كان الغرض في الجلد خلاف الغرض في النعال، وأشكل الأمر بالنسبة إلى تفصيل الثياب. وحكى المازري عن بعض الشيوخ: أن خلط النقي بالمغلوث، والجديد بالمسوس لا يمنع البائع من الرجوع ويقومان ويكون البائع أحق بما ليس له من القيمة، وأشار المازري إلى أنه إنبنينا على أن التفليس كنقض بيع من أصله أجزنا أخذ الشاة بعد ذبحها، والقمح بعد طحنه، والزبد بعد كونه سمناً، وإن قلنا: إنه هو ابتداء بيع، منعنا ذلك كله. وأجري على هذا الأصل ما إذا باع رطباً ثم يبس، فقال مالك: لا يجوز أخذه. وقال أشهب بجوازه. وأما إذا باع عبداً فأبق عند المشتري ثم فلس، فذهب أصبغ إلى أن بائعه ليس له طلبه، وترك المحاصة بناء على أن الأخذ من المفلس كابتداء بيع، وذهب ابن القاسم وأشهب إلى جواز طلبه، واختلف إذا لم يجده؛ فقال ابن القاسم: ليس له الرجوع إلى المحاصة لأنه تركها، وقال أشهب: له الرجوع إليها. والمسوِّس بكسر الواو المشددة.

стр. 3101

فَلَو لَمْ يَنْتَقِلْ لَكنِ انْضَمَّتْ إِلَيْهِ صَنْعَةٌ أَوْ عَيْنٌ أُخْرَى؛ كَنَسْجِ الْغَزْلِ، وبِنَاءِ الْعَرَصَةِ شِارَك بِقَدْرِ قِيمَتِهَا مِنْ قِيمَةِ [٥٢٩/ب] الْبُنْيَانِ .... يعني: فإن لم ينتقل الغرض ولكن انضمت إلى المبيع صناعة أو عين أخرى، ونسج الغزل مثال لما انضمت إليه صنعة، وبناء العرصة مثلا لما انضمت إليه عين أخرى. واكتفى المصنف بكيفية المشاركة في بناء العرصة عن كيفيته في النسج. وما ذكره من كيفية المشاركة نحوه في الموطأ، فقال: إذا كانت قيمة المجموع ألفاً وخمسمائة وقيمة البنيان ألف درهم، لصاحب البقعة الثلث ولصاحب البنيان الثلثان. مالك: وكذلك الغزل. ونحوه لابن حبيب، وقاله أصحاب مالك كلهم. ابن القاسم في المدونة: ولا يقوم البناء خاصة، وإنما يقوم المجموع يوم الحكم، وعورضت هذه المسألة ممن استحق أرضه بعد أن بناها المستحق منه، فإن مالكاً نص على أن للمستحق أن يعطي قيمة البناء وتكون الأرض والبناء له. فلِمَ لا يجعل البائع هنا كذلك. وأجاب المازري بضعف أمر المشتري في الاستحقاق؛ لأنه أخطأ في اعتقاده وبنى في أرض لا يملكها في باطن الأمر، بخلاف المشتري في التفليس فإنه بنى في أرض مملوكة ظاهراً وباطناً واستشكل ابن راشد عدم الفوات في الغزل، قال: لأنه لا يسمى بعد النسج غزلاً وإنما يسمى ثوباً أو رداء، كما أن الثوب إذا فُصِّل سمي قميصاً أو سراويل. وأجاب ابن عبد السلام بأن المصنف لم يجعل المقتضي للحكم فيما تقدم هو انتقال الاسم، وإنما جعله انتقال الغرض، وقد انتقل هناك ولم ينتقل هنا. بعض الشيوخ: ويشبه أن يكون النسج فوتاً. ابن عبد السلام: ذكر ذلك بعضهم قولاً لابن القاسم، وعلى المشهور فالشركة في مسألة النسج بين البائع والمشتري بقيمة النسج وقيمة الغزل، واختلف المذهب فيمن اشترى أرضاً فبنى فيها ثم اطلع على عيب، هل يكون بناؤه فوتاً يمنع من الرد بالعيب ويوجب أخذ قيمة العيب، أو ليس بفوت؟ فأشار بعض

стр. 3102

الشيوخ إلى ترجيح الخلاف في مسألة الفلس من مسألة العيب، وأشار غيره إلى الفرق بأن مسألة العيب وجد فيها تدليس من البائع وتفريط أوجب رجحان حق المشتري عليه، وذلك مفقود في مسألة الفلس. فَأَمَّا لَوْ خُلِطَ بِمِثْلِهِ فَلَهُ مَكِيلَتُهُ أي: في الجودة والرداءة، كما لو خلط قمحاً أو زبيباً أو عسلاً بمماثله، وشمل قوله: (خُلِطَ بِمِثْلِهِ) العين، وهو المذهب خلافاً لأشهب كما تقدم. ابن القاسم: وإن خلطه بشيء اشتراه من آخر كان أحق به ويتحاصا فيه. وياخُذُ الْوَلَدَ بِخِلافِ الثَّمَرَةِ والْغَلَّةِ يعني: وإذا أراد البائع أخذ سلعته فإنه يأخذ ولد الأمة أو غيرها من الحيوان؛ لأنه كالجزء منها، بخلاف الثمرة والغلة فليس له أخذهما لأنهما من الخراج التابع للضمان. وعطف المصنف الغلة على الثمرة من عطف العام على الخاص، ويحتمل أن يريد بالغلة ما ليس قائم العين، ومراد المصنف بالثمرة والغلة ما انفصل قبل ذلك ولم تكون الثمرة مأبورة يوم التبايع، أما إن كانت مأبورة فيستثنيه بقوله: (إلا صوفاً ...) إلخ. وأما إذا لم ينفصل؛ فالمشهور أن البائع يأخذها مع الأصول ولو يبست ما لم تجذ، بخلاف الشفعة فإنه يأخذها الشفيع ما لم تيبس؛ لأنها ما دامت معلقة بالأصول كأغصان الشجر، والشاذ وقع لابن القاسم وغيره؛ لأنه لا يأخذها إذا أبرت، واتفق في الصوف أنه يأخذه قبل الانفصال، والفرق على الشاذ بينه وبين الثمرة: أن الصوف يكون للمشتري بمجرد العقد، والثمرة المأبورة لا تكون له بمطلق العقد. وفي البيان: إن اشترى الأصول ولا تمر فيها، أو فيها تمر لم يؤبر ثم فلس فأربعة أقوال:

стр. 3103

أحدها: أن البائع أحق بالثمرة ما لم تؤبر، وذلك يتخرج على قول أصبغ بالرد بفساد البيع؛ لأنه إذا قال فيه: إن الثمرة تبقى للبائع وإن لم تطب إذا كانت قد أبرت فأحرى أن تبقى للغرماء. والثاني: أن البائع أحق بها ما لم تطلب، وهو قول ابن القاسم في العتبية. والثالث: أنه أحق بها ما لم تيبس. والرابع: أنه أحق بها ما لم تُجَذ، وهو نص ما في المدونة. إِلا صُوفاً عَلَى ظَهْرِهَا، أَوْ لَبَناً فِي ضُرُوعِهَا، أَوْ ثَمَرَةً كَانَ اشْتَرَطَهَا الْمُبْتَاعُ مَابُورَاً لما ذكر أن البائع لا يرجع في الغلة استثنى من ذلك الثمرة المأبورة إذا اشترطها المشتري والصوف التام، وهذا هو المشهور، خلافاً لأشهب في قوله: إنه لا يرجع فيهما لأنهما من الغلات، ووجه المشهور أنه إذا كان الصوف تاماً والثمرة مأبورة يصيران مقصودين فلهما حصة من الثمن فيكون بمنزلة من باع سعتين، وعليه فلو باع المشتري الصوف وأراد البائع أن يأخذ الغنم نظر كم قدر الصوف من الرقاب لا إلى ما باعه به، ويأخذ الغنم ويحاص الغرماء بما يخص الصوف، وقاله ابن القاسم في العتبية والموازية والواضحة، وما ذكرناه من اعتبار الإبار هو المشهور. وقيل: بالإزهار. وقال يحيى: إن جذه تمراً رد مليكته وإن جذه رطباً رد قيمته وله أجر سقيه وعلاجه. قال ابن حبيب: ليس له ذلك؛ لأنه إنما أنفق على ماله وضمانه منه. وتعقب ابن يونس كلام يحيى وقال: إنما يصح بالرد بالعيب، وأما التفليس فإذا فاتت الثمرة مضت بما ينوبها من الثمن وحاصص البائع بذلك الغرماء كما نص عليه ابن القاسم في الصوف. وجعل المصنف اللبن إذا كان في الضرع كالصوف التام تبعاً لابن شاس وفيه نظر؛ لأنه نص في كتاب العيوب من المدونة على عدم [٥٣٠/أ] رده في العيب، وإن كان في الضروع يوم التبايع لخفته، وهو ظاهر ما في التفليس منها؛ لأن فيها: وأما ما كان منها من

стр. 3104

غلة أو صوف جزه، أو لبن حلبه؛ فذلك للمبتاع، وكذلك النخل يجني ثمرها فهو كالغلة، إلا أن يكون على الغنم صوف قد تم يوم الشراء، أو في النخل تمر قد أبر، واشترط ذلك التمر فليس كالغلة، فحكم أولاً بأن الصوف والغلة للمبتاع ثم لم يستثن إلا الصوف التام والثمرة المأبورة، ولا يقال: إنما نص على عدم الوجوب في الرد بالعيب لا في التفليس؛ لأنه لا فرق بين البابين، ولأن تعليله بالخفة يدخل البابين، ولخفة اللبن أجاز مالك في غير المدونة لبناً معجلاً بشاة لبون إلى أجل. عبد الحق: ولا يلزم عليه جواز جزة صوف معجلة بشاة عليها جزة صوف إلى أجل؛ لأن الصوف كسلعة فيكون كصوف بصوف إلى أجل وزيادة. وقول المصنف: (أَوْ ثَمَرَةً كَانَ اشْتَرَطَهَا) لأن المأبورة لا تدخل إلا بالشرط كما تقرر في البيوع. واحترز بالمأبورة من غيرها، فإنها لا حصة لها، وللبائع أخذها إذا كانت باقية مع أصولها، وأما إن جُذَّت أو جز الصوف، فقال المازري: المشهور أن الصوف إذا جزَّ وكان قائماً بعينه يرد مع الغنم، وأما الثمرة فلا ترد مع الأصول إذا جذَّت ولو كانت قائمة، ولكن يحاصص بما ينوبها من الثمن، قال: والفرق بينهما وأقصى ما يتصور أن الثمرة لو أخذها بعد الجذَّ لكان كمن اشترى رطباً وأخذ عنه تمراً يابساً، لا سيما إذا قلنا: إن ردها في الفلس كابتداء بيع. فَإِنْ يَبُسَت الثَّمَرَةُ فِي يَدِ الْمُشْتريِ؛ فَفِي رُجُوعِهِ قَوْلانِ، بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ نَقْضٌ أَوْ بَيْعٌ ثَانٍ .... يحتمل بأن يبيع الثمرة وحدها بعد ما أزهى وحل بيعه، فإن فلس المشتري قبل يبسه كان للبائع أخذه، وإن فلس بعد ما يبس فقولان؛ الأول في العتبية وبه أخذ أشهب: أنه

стр. 3105

أحق به؛ لأنه مجيز سلعته. والثاني لمالك، وبه أخذ أصبغ: أنه يحاصص ولا يكون أحق بها؛ لئلا يؤدي إلى بيع الرطب بالتمر. وقوله: (بِنَاءً ...) إلخ. فإن قلنا: إنه نقض للبيع من أصله كان أحق، وإن قلنا هو ابتداء بيع لم يجز؛ لما ذكرنا من بيع الرطب بالتمر. ومشى ابن راشد وابن عبد السلام كلام المصنف على هذا الوجه، وهو الذي يؤخذ من الجواهر، ويتخرج على هذا الخلاف إذا باعه زبداً فصار سمناً، أو قمحاً فطحنه، وذكر ذلك المازري. وقد تقدم ذلك من كلام المصنف أنه يفوت بذلك. ويحتمل أن (أل) في (الثَّمَرَةُ) للعهد؛ أي: فإن يبست الثمرة التي اشترطها المبتاع مأبورة، وقد ذكر الباجي القولين، فقال: إن فلس المبتاع قبل أن تجذ فهو أحق بالأصل والثمرة ما لم تجذ قاله مالك، وقال أيضاً: ما لم تيبس. ابن القاسم: والأول هو القياس، والثاني استحسان وهو أحب إليَّ. وكذلك ذكر في البيان هذين القولين وزاد ثالثاً أنه أحق بها مطلقاً: أي: وإن وجدت قبل. ويحتمل أن تكون (أل) في (الثَّمَرَةُ) للجنس فتشمل الصورتين؛ أي: المشتراة مفردة أو مع أصولها. وفي بعض النسخ عوض (فَإِنْ يَبُسَت الثَّمَرَةُ) (فإن لم تيبس). ابن عبد السلام: وفيها قلق، إلا أن يقال: إنه أراد مسألة ما لو اشترى النخل ولا تمر فيها أو فيها تمر لم تؤبر ففلس المشتري وقد طاب الثمر، فقال ابن القاسم: هو للغرماء. وقال مالك: ذلك للبائع ما دام في رءوس النخل، لكن تنزيل هذه الصورة على كلام المصنف بعيد، ولا سيما الأصل الذي بنى عليه القولين. انتهى. ولأن مقتضاه أن الثمرة إذا يبست لا يكون أحق بها بالاتفاق، ولأن القول بأنه لا يكون أحق بها قبل اليبس لم أره.

стр. 3106

وياخُذُ بَعْضَ الْمَبِيعِ ويُحَاصُّ بِمَا يَخُصُّ الْفَائِت مِنَ الثَّمَنِ يعني: إذا باع سلعتين أو أكثر ثم فلس المشتري بعد ذهاب بعض السلع، فإن البائع يحاص بما يخص الفائت، وله أن يرجع فيما وجد. محمد وأصبغ: إلا أن يدفع له الغرماء ثمن الباقي من السلعتين من مال المفلس أو أموالهم، واختلف هل يكون أولى بثمنها حتى يستوفي من ثمنها ما فدوها به أو يدخل معهم فيها بثمن الفائت لأنهم كأنهم أسلفوا للمفلس ثمنها سلفاً. التونسي: وهذا القول الأخير كقول ابن القاسم. ابن يونس: وهو ظاهر قول مالك. التونسي: والأول اختيار محمد، وذلك لأنهم حلوا محل أصحابهم في الاختصاص بها، فلا يكون له أن يحاصصهم إلا بما فضل عما فدوها به. وفي بقية مال المفلس، ابن عبد السلام: وما ذكره المصنف بيَّن إن قلنا: إن رد السلعة في الفلس كابتداء بيع، وأما على القول بأنه نقض للبيع؛ فينبغي أن يفصل في السلعة الفائتة بين أن تكون وجه الصفقة أو لا، ويسلك في ذلك مسلك استحقاق بعض المبيع. وَرَوى ابْنُ الْقَاسِمِ: ولَوْ ولَدَتِ الأَمَةُ ثُمَّ مَاتَ أَحَدُهُمَا، أَوْ بِيعَ الْوَلَدُ لَمْ تَكُنْ لَهُ حِصَّةٌ. وقِيلَ: كَسِلْعَتَيْنِ، ولَوْ بِيعَتِ الأُمُّ فَكَسِلْعَتَيْنِ. قَالَ سَحْنُونٌ: مَا أَدْرِي مَا هَذَا .... حاصله: إن مات الولد أو الأمة فليس للبائع إلا أخذ الباقي بجميع حقه أو تركه والمحاصة، وأما إن باع أحدهما، فإن باع الولد؛ فالمشهور: أن ذلك كموته. وإن باع الأم فكسلعتين، فله أن يأخذ الولد وحاصص بما ينوب الأم، وأنكر سحنون هذا بقوله: (مَا أَدْرِي). اللخمي: يريد أن القياس أن يكون في البيع سواء.

стр. 3107

وقوله: (وقِيلَ: كَسِلْعَتَيْنِ) راجع إلى بيع الولد لا إلى موت أحدهما؛ إذ لا خلاف في الموت، قاله في البيان. ومعنى (كَسِلْعَتَيْنِ) أي: كبيع سلعتين، ثم وجد إحداهما فيكون له أخذ الأم والاتباع بما يخص الولد من الثمن يوم البيع، وهذا منقول عن مالك وابن القاسم. قال المازري: وهو أصل المذهب. انتهى. يريد: لأن الولد إذا لم يكن غلة يجب رد عينه، وإن كانت قائماً فيجب أن يحاسب بثمنه، ولهذا أخذ بعض محققي الأشياخ من الأول أن الولد غلة، وزاد في البيان قولاً ثالثاً: أنه لا يأخذ الأم ويحاص الغرماء بما وصل إليه من [٥٣٠/ب] ثمن الولد، وليس بجار على أصل. وقوله فيها: (ولَوْ بِيعَتِ الأُمُّ فَكَسِلْعَتَيْنِ) هو المشهور، فيكون للبائع أن يأخذ الولد بما ينوبه من الثمن ويحاص بما ينوب الأم، ووقع لابن القاسم ومالك في سماع عيسى في بعض روايات العتبية: أنه يأخذ الولد ويحاص بقيمة الأم، أو يترك الولد ويحاص بجميع الثمن. قال ابن رشد: ولم يجروا في هذه المسألة على قياس. ولَوْ رُهِنَ الْعَبْدُ فَلَهُ أَنْ يَفْدِيَهُ ويَاخُذَهُ، ويُحَاصَّ بِفِدَائِهِ ولا يُحَاصَّ بِفِدَاءِ الْجَانِي؛ إِذْ لَيْسَتْ فِي ذِمَّةِ الْمُفْلِسِ .... يعني: لو رهن المشتري العبد ثم فلس فللبائع أن يفديه ويأخذه ويضرب بالفداء مع الغرماء، بخلاف ما لو جنى العبد ثم فلس المشتري فإن البائع أيضاً له أن يفديه، لكن لا يحاص بفدائه، والفرق بينهما ما أشار إليه المصنف أن الفداء لم يكن متعلقاً بذمة المفلس؛ لأنه كان له أن يسلم العبد في الجناية، بخلاف الدين في مسألة الرهن فإنه كان في ذمته. ابن عبد السلام: مراد المصنف بقوله: (ولا يُحَاصَّ بِفِدَاءِ الْجَانِي) أنه لا يرجع بالجناية وإن كان نفي المحاصة أخص من نفي رجوع البائع، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم، لكن مراده ما ذكرناه.

стр. 3108

ومِنْهَا: أَنْ يَكُونَ بِمُعَاَوضَةٍ مَحْضَةٍ هذا هو الشرط الثالث، واحترز به مما ذكر بقوله: فَلا يَثْبُتُ فِي النِّكَاحِ والْخُلْعِ والصُّلْحِ لِتَعَذُّرِ اسْتِيفَاءِ الْعِوَضِ بِخِلافِ الإِجَارَةِ يعني: ولاشتراطنا المعاوضة المحضة لم يثبت الرجوع في النكاح وما عطف عليه. ووقع في بعض النسخ (ولا يثبت) بالواو، والأولى أحسن؛ لأن الفاء تشعر بالسببية. قوله: (فِي النِّكَاحِ) يريد: لأن النكاح لا يفسخ لتعذر استيفاء العوض؛ وهو الصداق إذا أعسر الزوج، كما لا يفسخ البيع إذا تعذر استيفاء الثمن. فإن قلت: أطلق المصنف في النكاح - وفي نظر - لأن النكاح يفسخ إذا أعسر الزوج بالصداق قبل البناء؛ قيل: هذا لا يرد، لأن المشتري هنا للبضع - وهو الزوج - لم يُقْبِضْهُ، والكلام إنما هو في الرجوع بعد قبض المشتري. قوله: (والْخُلْعِ) أي: إذا خالعته على عشرة مثلاً ثم فلست، فإنه لا رجوع له في العصمة وإنما يحاصص. خليل: الظاهر أن المقتضي لعدم الرجوع ليس هو ما ذكره المصنف من أنه ليس بمعاوضة محضة، بل لتعذر الرجوع؛ وذلك لأن العصمة في الخلع لا يمكن ردها، وكذلك البضع في النكاح، وكذلك إذا صالح عن دم العمد بشيء ثم فلس الجاني لم يمكن العود في القصاص. وعلى هذا، فلو قال: ومنها إمكان استيفاء العوض، فلا رجوع في النكاح والخلع والصلح؛ لكان أحسن. وينبغي أن يلحق الصلح على الإنكار ثم يفلس المنكر، فإن المدعي يحاصص بما صالح به ولا يرجع في الدعوى، كما قالوا: إذا صالح المنكر على عرض ثم استحق العرض؛ فإنه يرجع بقيمته. وقيل: يرجع إلى الخصومة. وأما الصلح على الإقرار كما لو صالح على دار أو عرض أقر به لغريمه ثم أفلس؛ فإن يرجع المصالح

стр. 3109

في الدار والعرض كالبيع، والظاهر أن الصلح على الإقرار خارج من كلام المصنف؛ لأن الصلح على الإقرار معاوضة محضة، وفاعل (يَثْبُتُ) عائد على الرجوع. وفي بعض النسخ (فلا يثبت الفسخ) ومعناهما متحد. وقوله: (بِخِلافِ الإِجَارَةِ) فإنه يرجع في منفعته التي أجرها لعدم استيفاء العوض. فرع: واختلف هل تحاص الزوجة الغرماء بصداقها؟ فالمشهور أنها تحاص به في الموت والفلس. وقيل: لا تحاص فيهما. وفي الجلاب: تحاص به في الفلس دون الموت، وكذلك اختلف في نفقتها، فقال ابن القاسم في النكاح الثاني: تضرب بها مطلقاً. قال سحنون: أما إذا كان الدين مستحدثاً فتاحص، ولا تحاص إذا كان الدين قبل الإنفاق. وفي الموازية: تضرب في الفلس فقط. وقيل: لا تضرب فيهما. قال ابن القاسم: ولا يضرب بنفقة الولد أو الأبوين في فلس ولا موت. وقال أشهب: يضرب للولد مع الغرماء. وقال أصبغ في نفقة الأبوين: إلا أن تكون أخذت بحكم وتسلف وهو مليء فيضرب بها في الفلس والموت. اللخمي: ويختلف على هذا هل يحاص بالجنايات؛ ففي المدونة: يحاص بها، وعلى القول الآخر لا يحاص بها. ويَرْجِعُ الْمُكْرِي إِلَى عَيْنِ دَابَّتِهِ ودَارِهِ وأَرْضِهِ، وهُوَ أَحَقُّ بِزَرْعِهَا فِي الْمَوْتِ والْفَلَسِ - وقِيلِ: دُونَ الْمَوْتِ - مَعَ الأَجِيرِ السَّاقِي. وقِيلَ: ثُمَّ الأَجِيرُ السَّاقِي قوله: (ويَرْجِعُ الْمُكْرِي إِلَى عَيْنِ دَابَّتِهِ ودَارِهِ وأَرْضِهِ ...) إلخ. ظاهر التصور، وهو كالبيان لقوله: (بخلاف الإجارة) وهو: أي: مكري الأرض أحق بما زرع في أرضه في موت المكتري وفلسه. وقيل: إنما يكون أحق في الفلس فقط، وهذا الثاني هو مذهب المدونة، نص عليه في آخر كتاب كراء الدور. قال المازري: وهو مذهب مالك وأصحابه، فكان ينبغي للمصنف تقديمه، والأول لابن القاسم في الموازية.

стр. 3110

أصبغ: ووجهه أن الزرع إنما نشأ عن الأرض فكانت كالحيازة له وحوزها كحوز صاحبها، فكان بمنزلة من باع سلعة وفلس مشتريها أو مات وهي في يد بائعها، ورأى في المشهور أن الزرع لما نشأ عن الأرض فغايته أن يكون كأنه باع الطعام فيكون أحق به في المفلس فقط. وقوله: (مَعَ الأَجِيرِ السَّاقِي ...) إلخ. يحتمل أن يتعلق بـ (أَحَقُّ) فيكون القولان في الأجير مفرعين على كل من القولين السابقين، ويحتمل أن يتعلق بـ (بأحق) المتقدم في كلامه ثانياً؛ أي: وقيل هو أحق في الفلس دون الموت مع الأجير الساقي، فيكون القولان مفرعين على القول الثاني. ويعضد هذا لاحتمال الثاني ما نقله ابن يونس: أن ابن القاسم وأشهب رويا أن مكري الدابة أحق من سائر الغرماء في الفلس دون الموت، ثم اختلفا في مكري الأرض والأجير؛ ففي الموازية من رواية أشهب والواضحة من رواية مطرف: أنهما يتحاصان. وروى ابن القاسم: أن صاحب الأرض مقدم على الأجير، ثم الأجير مقدم على الغرماء، ويعضد الأول قول أصبغ: اختلف أصحابنا. وأحب ما فيه إليَّ أن أجير الزرع ومكري الأرض يتحاصان، وأنهما يبدآن على الغرماء في الموت والفلس، وقاله ابن الماجشون. خليل: وهذا الاحتمال أقرب؛ لأنه تفريع على القول الذي قدمه. نعم يعترض عليه لتقديمه غير مذهب المدونة. ومنشأ الخلاف بين القولين في تقديم مكري الأرض على الأجير، [٥٣١/أ] هل الزرع متكون عن الأرض فيكون صاحبها أحق به، أو إنما نشأ عن الأرض وفعل الأجير فيكونان متساويين، والله أعلم. وزاد في البيان قولاً بأن الأجير مقدم على صاحب الأرض، وقولاً آخر بأنه لا تقدمة لصاحب الأرض ولا للأجير على الغرماء، بل هما أسوة الغرماء، وعزاه اللخمي للمخزومي.

стр. 3111

ولو عمل في الزرع أجراء واحداً بعد واحد، فالأخير أحق من الأول. وقيل: يقدم أكثرهما عملاً. وقيل: يتحاصان. ويُقَدَّمَانِ عَلَى مُرْتَهِنِ الزَّرْعِ أي: ويقدم مكري الأرض والأجير الساقي على مرتهن الزرع ولو حازه ملك، ثم يقدم المرتهن على سائر الغرماء، وإنما قدما عليه لأن الزرع إنما يكون عن مال هذا وعمل هذا، فكان أخص في الحوز، وصاحب الحوز الأخص مقدم على صاحب الحوز الأعم، كما لو سقطت سمكة في حجر إنسان فإنه أولى بها من صاحب المركب، وعلى المشهور أنهما يكونان أحق من الغرماء في الفلس دون الموت، ويكون المرتهن أحق منهما في الموت؛ لأنهما على هذا القول كسائر الغرماء. بِخِلافِ الأَجِيرِ عَلَى رِعَايَةِ الإِبِلِ أَوْ عَلْفِهَا وشِبْهِهِ أي: فلا يكون أحق في الفلس والموت، هكذا نص عليه في المدونة وغيرها. ابن عبد السلام: ولا أعلم فيه خلافاً. قوله: (وشِبْهِهِ) أي: كالحارس وأجير يخدمك في بيتك أو يبيع لك في حانوتك، ولم يكن هؤلاء أحق؛ لأنه منافعهم ليس لها أعيان قائمة بخلاف الزرع. قال في المدونة: ولو استأجره يدرس له ببقر الأجير ففلس صاحب الأندر؛ فصاحب البقر أحق بالأندر. قال ابن المواز: لأن الأندر لا ينقلب به صاحبه ولا يحتوي عليه، بخلاف صانع استصنعته في حانوتك، فإن كان الليل انصرف، فهذا لا يكون أحق به في موت ولا فلس.

стр. 3112

والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ شَرِيكٌ بِقِيمَةِ ذَلِكَ، فَلَوْ أَقْبَضَهُ فِيمَا زَادَ، ويُحَاصُّ بِمَا بَقِيَ، وقِيلَ: بِقِيمَتِهِ، وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ لِلصَّنْعَةِ .... تبع المصنف هنا ابن شاس معنىً وترتيباً، وحمل ابن عبد السلام قوله: (والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ) على الأجير؛ يعني: أن المستأجَر على صبغ ثوب، أو بناء بقعة، أو نسج غزل إذا فلس آجره قبل قبض الأجير الأجرة ولم يكن أسلم السلعة لربها؛ فإنه يكون مشاركاً لربه بقدر قيمة الصنعة، ثم استشكله بأن ظاهر كلامه أن الأجير لا تكون له أجرة الصنعة، ولا يحاصص بها الغرماء وهو بعيد من الأصول؛ لأن الصانع لم تخرج الصنعة من يده ولم يرضَ بفسخ الإجارة فكيف يبطل حقه فيها، وجعل ابن عبد السلام قوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) قسيماً لهذا؛ أي: وإن أسلم الصانع المصنوع إلى ربه فقولان، وتصورهما من كلام المصنف ظاهر، وقال بعض من تكلم على هذا الموضع. وقوله: (والصَّبَّاغُ ...) إلخ. محمول على ما إذا لم يسلم إليه الشيء للصنعة، كما لو اشترى ثوباً فصبغه أو نسجه، أو عرصة فبناها ثم فلس. فقال ابن القاسم في الموازية، ما ذكره المصنف: يكون شريكاً بقيمة الصنعة. وكذلك لو استحق من يده بعد وضع صنعته فيه فأخذه المستحق فإنه يدفع إليه قيمة الصنعة. قال: وإن أسلم إليه للصنعة؛ فإما أن يقبضوه لربه ثم يفلس قبل دفع الأجرة، أو يبقى بأيديهم حتى يفلس، فإن أقبضوه، فقال ابن القاسم في الموازية: يكون شريكاً في الثوب بما زاد الصبغ فيه ويحاص بما بقي. وقال في العتبية: يكون شريكاً بقيمة الصبغ، وهذه الصورة الثانية التي ذكرها بقوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ فِيمَا زَادَ) أي: يكون شريكاً بما زاد ويحاص بما بقي. وقوله: (وقِيلَ: بِقِيمَتِهِ) أي شريكاً بقيمة الصبغ ونحوه، واستشكل ما في الموازية بأن شريكه الصانع لربها بما زاد والمحاصة بما بقي لا تصح على أصل المذهب؛ لأن من

стр. 3113

اختار أخذ سلعته ناقصة لا يكون له غيرها، وأما إن لم يقبضوه لربه فهم أحق به حتى يستوفوا جميع الأجرة. خليل: المازري: في الفلس والموت. ابن رشد: واتفق على ذلك، قال هذا القائل: وهذا الذي أشار إليه بقوله: (وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ بِمَا أُسْلِمَ إِلَيْهِمْ لِلصَّنْعَةِ) وعلى هذا فلا يكون قوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) قسيماً لقوله: (والصَّبَّاغُ والْبَنَّاءُ والنَّسَّاجُ) بل قسيماً لما بعده، ورد ابن عبد السلام هذا الوجه بأن المصنف قدمه بقوله: (فلو لم ينتقل ولكن انضمت إليه صناعة أو عين أخرى كنسج الثوب أو بناء العرصة شارك ...) إلخ. فلو حمل قوله: (الصَّبَّاغُ) على المشتري للزم التكرار، وأجاب عنه هذا القائل بأنا لم نخص قوله: (والصَّبَّاغُ) بالمشتري؛ بل على من وضع صنعته من غير أن يسلم إليه المصنوع للصنعة، وهو أعم من المشتري والمستحق من يده وغيرها. وتمشية ابن عبد السلام أقرب من جهة اللفظ؛ لأن صيغة فعال للحرفة غالباً، لكن لا تصح من جهة النقل؛ لأنه يلزم أن يكون الصانع إذا لم يسلم المصنوع إنما يكون له ما زادت الصنعة، وهو خلاف الاتفاق الذي في البيان. واعلم أن القولين في مسألة الإقباض مطلقان، سواء أضاف الصانع إلى صنعته شيئاً كالصبغ، أم لا كالخياطة، نقل ذلك اللخمي. وفي البيان: المشهور أن الصانع إذا أسلم الصنعة ولم يكن للصانع فيها غير عمل يده أنه أسوة الغرماء. وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أنه أحق بعمله، فإن شاء أخذه بأجرة وكان شريكاً للغرماء في المتاع المعمول بقيمة عمله فيه، وإن شاء ترك وكان أسوة الغرماء. وأما إن كان للصانع غير عمل يده كالصباغ يصبغ الثوب، والفراء يفري الفرو برقاع من عنده؛ فيتفق على أنه أحق بما خرج

стр. 3114

من يده لأنه قائم بعينه، وأما عمل يده المستهلكة فلا يكون أحق به على المشهور، ونحوه للمازري، قال: وعلى المشهور إذا كانت عينة قائمة كالرقع وصقل للسيف - وهو ظاهر الروايات - أنه شريك بقيمة ماله؛ لأنه هو المبيع وكأنه سلعة أضيفت إلى سلعة على وجه يتعذر فيها الانفصال، فيكونان شريكين في ذلك، وقال ابن حبيب: بل يكون شريكاً بما زاد الصانع، وعلى أنه شريك بقيمة ماله فالمعتبر في ذلك التقويم يوم الحكم. فإن قيل: هذا يقتضي أن نسج الثوب لا يكون الصانع به شريكاً؛ لأنه لم يخرج من يده شيئاً، والمصنف قد جعل النساج كالصباغ؛ قيل: النساج وشبهه مستثنى عند ابن القاسم من مسألة الصانع الذي لم يخرج شيئاً ويلحق [٥٣١/ب] بما إذا أضاف للصنعة شيئاً، وكأنه لاحظ في النسج قوة التأثير، ولأصبغ قول رابع، إلا أنه لا يعلم صور المسألة، فقال: إن كان فيه رقاع وخياطة فتوق؛ فالأقل تابع للأكثر إذا كانت الرقاع أيسر ذلك وأكثره الخياطة فهو أسوة الغرماء في الموت والفلس، وإذا كانت الرقاع أكثر ذلك، وهي من عنده كان أحق بها على ما تقدم، فإن تناصف ذلك قوم كل على حدثه، ثم يكون أسوة الغرماء في المرسوم، ويكون بما ينوب الرقاع شريكاً، وهذا كله على المشهور أن الصبغ ليس بفوت، ونقل المازري عن ابن وهب في أحد قوليه: أن الرجوع يفوت بالصبغ والدباغ. وضابطه: أن يحدث المشتري حدثاً يتميز بالنظر ولا يتميز بالفعل. تنبيه: قد تقرر على التمشية الثانية أن قوله: (وجَمِيعُ الصُّنَّاعِ أَحَقُّ) قسيم لقوله: (فَلَوْ أَقْبَضَهُ) وأما ابن عبد السلام، فقال: يعني أنهم أحق في الموت والفلس، نص على ذلك في المدونة. قال: ولا يظهر لإتيان المصنف بهذه المسألة هنا كبير فائدة فإن ما قدمه مغنٍ عنها، ولا سيما وهو لم يتمها كما في المدونة. قال ابن القاسم: من دفع إلى صانع سواراً يعمله له، ثم دفع إليه بعد ذلك سواراً آخر ليعملها، أو دفعهما معاً فعمل أحدهما ودفعه إلى ربه ولم يأخذ إجارته حتى أفلس

стр. 3115

ربهما؛ فلا يكون الصانع أحق بالباقي عنده حتى يأخذ إجارته في الذي دفع، وهو في الذي دفع أسوة الغرماء، وهو أولى بالباقي حتى يأخذ أجرته فيه. ابن رشد: وهذا صحيح إن كان استعماله في صفقتين، وأما إن كان في صفقة؛ فمن حق الصانع أن يمسك السوار الذي بيده بجميع إجارة السوارين كالرهن، قال: وهذا مما لا إشكال فيه ولا اختلاف. قال: وقوله: (أو دفعهما معاً) غير صحيح، وقع على غير تحصيل، واحتج على ذلك بأشياء وقعت في مسألةأخرى متصلة بهذه المسألة تركنا ذكرها اختصاراً. أما إن فلس ربها قبل العمل؛ فإن الصانع يخير بين أن يعمل ويحاصص، وبين أن يفسخ الإجارة عن نفسه. ومُكْرِي الدَّابَّةِ أَحَقُّ بِمَا حَمَلَتْ، وإِن لَمْ يَكُنْ مَعَهَا يعني: إذا اكترى دابة ليحمل عليها شيئاً ثم فلس المكتري، فرب الدابة أحق بما حملت دابته حتى يقبض كراءه في الموت والفلس، زاد في المدونة: وسواء أسلم دوابه إلى المكتري أو كان معها، كان رب المتاع معه أو لا، وهو كالرهن، ولأن على دوابه وصل إلى البلد. ابن يونس: كأنها قابضة للمتاع كقابض الرهن. قال في البيان: ولا خلاف أن الجمَّال أحق إذا كان المتاع في يده؛ لأنه كالرهن بيده، وإن اسلم الجمَّال إبله إلى المكتري ففلس قبل الوصول أو عنده قبل أن يحوز متاعه ويرد الإبل، فالمشهور وهو الذي في المدونة: أن الجمَّال أولى بالمتاع في الفلس والموت. ويتخرج في ذلك قولان؛ أحدهما: أنه لا يكون أحق به في الفلس والموت. والثاني: أنه أحق به في الفلس فقط. قال ابن القاسم في العتبية: والسفن كالدواب، وأخذ ذلك جماعة من تعليله في المدونة مسألة الدواب، فإن العلة فيهما واحدة. قال في المدونة:

стр. 3116

وأرباب الدور والحوانيت أسوة الغرماء في الفلس والموت، وليسوا أحق بما فيها. فجعل الدواب بخلاف الدور؛ لأن ظهور الدواب حائزة لما عليها، ولأن في حملها من بلد إلى بلد تنمية المال بخلاف الدور، وجعل عبد الملك الدار والحانوت كالدواب فيكون ربها أحق بما فيها. تنبيه: أخذ أحمد بن خالد من قوله: (ولأن على دوابه وصل) أن المكري أحق بالمتاع وإن قبضه ربه. وقال ابن رشد: هو بعيد في المعنى، وإنما يكون أحق به إذا كان على ظهر دابته أو سفينته وهو بين في العتبية، وكذلك نقل ابن يونس عن الواضحة: أنه إنما يكون أحق ما دام المتاع بيده، فإن أسلمه لم يكن أحق به كالصانع إذا أسلم المتاع. خليل: ولعل أحمد بن خالد فهم من قوله في المدونة: (كالرهن، ولأن على دوابه وصل) على أنهما علتان على البدل، وفهم غيره أنهما علة واحدة، والله أعلم. والْمُكْتَرِي أَحَقُّ بِالدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ وبِغَيْرِ الْمُعَيَّنَةِ إِنْ قَبَضَهَا يعني: أن من اكترى دابة، فإن كانت معينة ثم فلس مكريه أو مات فالمكتري أحق بها، سوءا قبضها أو لا. قال في المدونة: كعبد اشتراه ولم يقبضه حتى فلس بائعه؛ فالمشتري أحق به، وإن كانت غير معينة فإن لم يقبضها المكتري فهو أسوة الغرماء في الفلس والموت، وإن قبضها فهو أحق بها؛ سواء كان المكتري يدير تحته الدواب أم لا. وهذا مذهب المدونة، ولعله هو المشهور واختيار ابن حبيب. وقال أصبغ: إنما يكون أحق بها بالقبض إذا كان لا يدير الدواب تحته، وإن كان يديرها فليس هو أحق، وقيل: إن المكتري لا يكون أحق في الكراء المضمون مطلقاً، وعارض التونسي قول مالك في هذه المسألة: (أن المكتري أحق وإن كان الجمال يدير الدواب تحته) بقوله: إن الراعي ونحوه ليس هو أحق بالغنم، ورآه اختلاف قول، وفرق ابن يونس بأن الراعي ونحوه لم يتعلق له بعين

стр. 3117

الدواب حق، فوجب لذلك أن يكون حقه في ذمة المكتري بخلاف الدواب، فإن بقبضهم الدواب تعلق حقهم بها؛ لأن ركوبهم عليها كالمعينة، فكان كتعلق حق الصانع بعين المتاع، وإذا جعلناه أحق في الكراء المضمون، فقال ابن القاسم في المدونة: لبقية الغرماء أن يضمنوا له حملانه ويكروا له من أملياء ويأخذوا الإبل، وقال غير ابن القاسم فب بعض الروايات المدونة: لا يجوز أن يضمنوا حملانه. وفِي كَوْنِ الْمُشْتَرِي أَحَقُّ بِالسِّلْعَةِ تُفْسَخُ لِفَسَادِ الْبَيْعِ، ثَالِثُهَا: فِي النَّقْدِ دُونَ الدَّيْنِ .... أي: إذا اشترى سلعة شراء فاسداً وقد كان نقد ثمنها أو كان أخذها عن دين له في ذمة البائع، ثم أفلس البائع والسلعة لم تفت وهي بيد المشتري فإن البيع يفسخ، واختلف هل يكون المشتري أحق بها فيما نقد من الثمن وفيما له من الدين على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه أحق بها، وهو قول سحنون. الثاني: لا يكون أحق بها، وهو قول ابن المواز. الثالث: إن كان ابتاعها بدين فهو أسوة [٥٣٢] الغرماء بخلاف النقد، وهو قول ابن الماجشون. قال في المقدمات: ولا اختلاف بينهم أنه إن وجد الثمن الذي دفعه بعينه أنه أحق به في الموت والفلس جميعاً، وحكى اللخمي الاتفاق على أنه لا يكون أحق بها في الدين، وعلى هذا ففي المسألة طريقان. والرَّادُّ لِلسِّلْعَةِ بِعَيْبٍ لا يَكُونُ أَحَقَّ بِهَا فِي الثَّمَنِ يعني: أن من اشترى سلعة ثم اطلع فيها على عيب فأراد ردها فوجد البائع قد فلس فإن له ردها ولا يكون أحق بها، ولم يجر في هذه من الخلاف ما في التي قبلها؛ لأن المشتري هنا مختار للرد بخلاف الأول؛ لأنه مجبر عليه. قال في المقدمات: وهذا على أن الرد بالعيب نقض، وأما على أنه ابتدائ بيع فيكون أحق بها.

стр. 3118

فرع: واختلف إذا أقرضه ثم أفلس المقترض؛ ففي المذهب طريقانك الأولى للمازري: المشهور أن المقرض لا يكون أحق؛ لأن الحديث إنما ورد في البيع، وسواء قبض السلف أو لم يقبضه، قال: وقد يسبق إلى النفس اعترض قوله: (أو لم يقبضه) لأن من في يده سلعة فهو أحق بها في الفلس والموت، وأجاب بأن القرض لما كان يتأجل بمقتضى العادة كان للمتسلف أن يطالب المسلف بالتسليم، فلا يكون له حبس ما أسلف، وإذا لم يكن له حبسه لم يكن أحق به، ولو قيل: له الرجوع في ذلك وإن لم ينتفع المستسلف، كما قيل في عارية الأرض للبناء والغرس لم يبعد. وحكى عن أبي محمد الأصيلي إلحاق القرض بالبيع. والطريقة الثانية لابن رشد: أن مذهب مالك وأصحابه التسوية بين القرض والبيع، وأن التفرقة بينهما لابن المواز خلافاً لهم. * * *

стр. 3119

[٥٣٣/أ] الحجر: أِسْبَابُهُ: الصِّبَا، والْجُنُونُ، والتَّبْذِيرُ، والرِّقُّ، والْفَلَسُ، والْمَرَضُ، والنِّكَاحُ فِي الزَّوْجَةِ .... هذا مصدر حجر يحجر بضم الجيم وكسرها، وحقيقته لغةً: المنع، وشرعاً: منع المالك التصرف في ماله لمصلحة نفسه أو غيره، وذكر المصنف له سبعة أسباب. ومفهوم العدد يقتضي الحصر فيها، وينتقض عليه بالحجر على الراهن لحق المرتهن، وبالحجر على المرتد. وَيَنْقَطِعُ الصِّبَا بِالْبُلُوغِ والرُّشْدِ بَعْدَ الاخْتِبَارِ وينقطع حجر الصبا على حذف مضاف بمجموع البلوغ والرشد؛ لقوله تعالى: (وابْتَلُوا اليَتَامَى حَتَّى إذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإنْْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) [النساء: ٥]. ابن العربي: الابتلاء هو الاختبار والتحصيل لمعرفة ما غاب من علم العاقبة، والرشد لا يعرف إلا بالاختبار. ابن رشد والمازري: ويكون الاختبار بعد البلوغ على المشهور، وقال أبو جعفر الأبهري وغيره من البغداديين: يكتفى به قبله. وقوله: (بَعْدَ الاخْتِبَارِ) في محل حال، فإن جعل حالاً من البلوغ لزم أن يكون كلام المصنف موافقاً لقول أبي جعفر، وإن جعل من الرشد أو منهما احتمل المشهور والشاذ. ولا خلاف أنه لا يخرج من الحجر قبل البلوغ وإن ظهر رشده، فإذا بلغ فإما أن يكون أبوه قد حجر عليه وأشهد بذلك أم لا، فإن حجر عليه فحكمه كمن لزمته الولاية فإن لم يحجر عليه، فإما أن يعلم رشده أو سفهه، فإن علم أحدهما عمل عليه، وإن جهل فالمشهور أنه محمول على السفه، وروى زياد وابن غانم عن مالك أنه محمول على الرشد، وأخذ من قوله في نكاح المدونة: إذا احتلم الغلام فله أن يذهب حيث شاء، لكن تأوله الشيخ أبو محمد على أن المراد بنفسه لا بماله.

стр. 3120

وقال ابن العطار: هو على السفه إلى عام، فعلى هذا الحجر عليه ما لم يتم العام، وقال في المقدمات: وروي عن ابن العطار أيضاً أنه يجوز للرجل تسفيه ولده بعد البلوغ إلا أن يكون معروفاً بالرشد، ولم يفرق بين القرب والبعد. وحكى غيره من الموثقين أن تسفيهه جائز، وإن لم يعلم سفهه، إذا كان بحداثة بلوغه قبل انقضاء عامين. تنبيه: ما ذكره المصنف من انقطاع حجر الصبي بالبلوغ والرشد إنما هو في حق ذي الأب، وأما ذو الوصي أو مقدم القاضي فلا ينفك الحجر عنه إلا بإطلاقه من الحجر، ثم الوصي الذي من قبل الأب له الإطلاق ويصدق فيما يذكر من حاله، وإن لم يُعرف ذلك إلا من قوله، وقال ابن القاسم في العتبية: لا يجوز إطلاقه إلا أن يتبين حاله ويعرف رشده، وأما المقدم من جهة القاضي فالمشهور على ما قاله المازري وغيره أن كوصي الأب؛ لأن القاضي جبر به الخلل الكائن بترك الأب تقديم وصي لهذا الابن. وقال ابن زرب: هو كوكيل عن القاضي، فلا يكون له الإطلاق إلا بإذن من القاضي، إلا أن يكون معروفاً بالرشد، وحكى ابن رشد وغيره قولين - إذا قلنا إنه يطلقه دون إذن القاضي-:هل يشترط أن يعرف رشده أو لا [يشترط] ذلك؟ فإن قلت: لم جعلتم الوصي على المشهور أقوى من الأب وهو فرعه؟ قيل: لأن الأب لما أدخله في ولاية الوصي كان بمنزلة ما لو حجر عليه، وهو لو [حجر] عليه لم يخرجه إلا الإطلاق. ويعرف الرشد بوجهين: أحدهما: أن يتأمل أحوال يتيمه ويحصل له العلم بنجابته. الثاني: أن يدفع إليه شيئاً من ماله يجربه به في التجارة، فإن نماه وحسن القيام به سلم إليه جميع ماله وإلا استمر عليه الحجر، قاله ان العربي.
следующие страницы →