← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

وحكى عنه ابن محرز أنه إذا أقيم شيء كان كالمصلي في جوفها. فعلى هذا ما ألزمه ابن بشير هو قائل به، وعلى هذا تكون الصلاة عنده حينئذٍ جائزة؛ لأنه يجيز الصلاة فيها. قوله: وقال أشهب .... إلخ، كذا حكاه عنه المازري. الْمُستَقْبَلُ يصح بكسر الباء على أنه اسم فاعل، وهو الذي يؤخذ من الجواهر، ويصح بالفتح اسم مفعول؛ لأنه ذكر ف يهذا الفصل حكم من يستقبل وحكم ما يستقبل. والْقُدْرَةُ عَلَى الْيَقِينِ تَمْنَعُ مِنَ الاجْتِهَادِ، وعَلَى الاجْتِهَادِ تَمْنَعُ مِنَ التَّقْلِيدِ منع الاجتهاد مع القدرة على اليقين؛ لكون الاجتهاد معرضاً للخطأ، ومنع التقليد إذا قدر على الاجتهاد؛ لكون الاجتهاد أصلاً التقليد فرع عنه، والاجتهاد مطلوب في الصحاري. قال ابن القصار في تعليقه: والبلد الخراب الذي لا أحد فيها لا يقلد المجتهد محاربه، فإن خفيت عليه الأدلة، أو ولم يكن من أهل الاجتهاد قلدها، والبلد العامر الذي تتكرر فيه الصلاة، ويعلم أن إمام المسلمين نصب محرابه، أو اجتمع أهل البلد على نصبه، فإن العالم بالأدلة يجتهد ولا يقلد، فإن خفيت عليه الأدلة قلد محاربها، وأما العامي فيصلي في سائر المساجد. وهَلْ مَطْلُوبُهُ فِي الاجْتِهادِ: الْجِهَةُ أَوِ السَّمْتُ؟ قَوْلانِ القول بطلب الجهة للأبهري، والقول بطلب سمت عينها لابن القصار، قال المازري: وأشار إلى أنه لا يمتنع في كثرة المسامتين مع البعد، كما لا يمتنع ذلك في مسامته

стр. 317

النجوم. وهذا الذي قاله يفتقر إلى التحقيق؛ وذلك أن المتكلمين اختلفوا في الدائرة، هل يحاذي مركزها جميع أجزاء المحيط، أو إنما يحاذي من أجزائه مقدار ما ينطبق عليه ويماسه؟ فذهب النَّظَّامُ من المعتزلة إلى أن المركز يحاذي جميع [٥٠/ب] أجزاء المحيط، واحتج في ذلك بأنك لو قصدت إلى أي جزء من أجزاء المحيط أخرجت منه خطاً يوصل إلى المركز. ورد عليه ذلك أئمتنا المتكلمون، بأن الخطوط إذا خرجت من المركز إلى المحيط فإنها تضيق عند ابتدائها، وتنفرج عند انقطاعها، وما ذاك إلا أن ما يسامت المركز يفتقر فيه إلى تعويج الخط؛ ليمكن الاتصال. قالوا: لا يحاذي نقطة المركز من أجزاء المحيط إلا ما لو قدر منطبقاً عليها لماسها، فهذه المسألة يجب أن يعتبر فيها ما قاله ابن القصار، فيقال: إن أدرت بمسامتته الكثير مع البعد، أنهم وإن كثروا فكلهم يحاذي بناء الكعبة، فليس كما تذهب، وقد أخبرناك إنكار أئمتنا على النظام، وإن أردت أن الكعبة تقدر بمرائهم ولو كانت بحيث ترى وأن المرائي يتوهم المقابلة والمحاذاة وإن لم يكن كذلك في الحقيقة فهذا نسلمه ونسلم تمثيله لك برؤية الكواكب، وتبقى المسامتة على هذا بالبصر لا بالجسم. وذكر المازري عن أحد أشياخ شيخه أبي الطيب عبد المنعم اختيار المسامتة لا الجهات. انتهى. والظاهر أن ابن القصار إنما أراد المسامتة بالمعنى الثاني، وبه يندفع ما أورد على القول بالمسامتة من أنه يلزم عليه ألا تصح صلاة الصف الطويل؛ فإن الكعبة طولها خمسة وعشرون ذراعاً، وعرضها عشرون ذراعاً، والإجماع على خلافه. وكان ابن عبد السلام شيخ ابن دقيق العيد يستشكل هذا الخلاف؛ لأن محل الخلاف إنما هو فيمن بعد عن الكعبة، وأما القريب ففرضه السمت اتفاقاً، والذي بعد لا يقول أحد أن الله تعالى أوجب عليه استقبال عين القبلة ومقابلتها ومعاينتها؛ فإن ذلك تكليف ما لا يطاق؛ ولأنه كان يلزم عدم صحة صلاة الصف الطويل، بل الواجب عليه أن يبذل

стр. 318

جهده في تعيين جهة يغلب على ظنه أن الكعبة وراءها، وإذا غلب على ظنه بعد بذل الجهد بالأدلة الدالة على الكعبة أنها وراء الجهة التي عينها وجب استقبالها، فصارت الجهة مجمعاً عليها، والسمت الذي هو العين مجمع على عدم التكليف به، فأين محل الخلاف على هذا؟ وكان يجيب عنه فيقول: الشيء قد يجب إيجاب الوسائل وقد يجب إيجاب المقاصد، والأول كالنظر في المياه، فإنه يتوصل به إلى معرفة الطهورية، وكالسعي إلى الجمعة، والضوء للصلاة، والثاني كالأولين والصلوات الخمس، وصوم رمضان، والحج، والعمرة. وإذا تقررت هذه القاعدة فاختلف الناس في الجهة، هل هي واجبة وجوب الوسائل؟ وأن النظر فيها إنما هو لتحصيل عين الكعبة، وهو مذهب الشافعي، فإذا أخطأ في الجهة وجبت الإعادة؛ لأن القاعدة أيضاً أن الوسيلة إذا لم يحصل مقصدها، يسقط اعتبارها، أو النظر في الجهة واجب وجوب المقاصد، وأن الكعبة لما بعدت عن الأبصار، جعل الشرع الاجتهاد في الجهة هو الواجب، وهو المقصود دون عين الكعبة، فإذا اجتهد ثم أخطأ لا يجب عليه إعادة، وهو مذهب مالك، وعلى هذا فقول العلماء هو الواجب الجهة أو السمت؟ يتضمن قيداً لطيفاً، أي: هل الواجب وجوب المقاصد السمت أو الجهة؟ قولان، وإنما أطلت في هذا المحل؛ لأنه يشكل على كثير من الناس. أَمَّا لَوْ خَرَجَ عَنِ السَّمْتِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لَمْ تَصِحَّ ولَوْ كَانَ فِي الصَّفِّ، وكَذَلِكَ مَنْ بمَكْةَ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ اسْتَدَلَّ فَإِنْ قَدَرَ بِمِشَقَّةٍ ففِي الاجْتِهَادِ تَرَدُّدٌ قوله: (أَمَّا لَوْ خَرَجَ عَنِ السَّمْتِ) فواضح؛ لكونه خالف ما أمر به. وقوله: (وكَذَلِكَ مَنْ بمَكْةَ) أي: فتجب عليه المسامتة لقدرته على ذلك، بأن يطلع على سطح أو غيره، ويعرف سمت الكعبة في المحل الذي هو فيه.

стр. 319

وقوله: (فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ اسْتَدَلَّ) أي كما لو كان بليل مظلم، واستدلاله بالمطالع والمغارب. وقوله: (فَإِنْ قَدَرَ بِمِشَقَّةٍ)؛ أي: قدر على المسامتة بمشقة كما لو كان يحتاج إلى صعود السطح وهو شيخ كبير أو مريض. والتردد حكاه ابن شاس عن بعض المتأخرين. ووجهه: إن نظرت إلى الحرج، وهو منفي عن الدين كما قال الله تعالى، أجزت الاجتهاد، وإذا نظرت إلى أنه قادر على اليقين لم يجز له الاجتهاد. ومَنْ بِالْمَدِينَةِ يَسْتَدِلُّ بِمِحْرَابِه ﷺ ، لأَنَّهُ قَطْعِيٌّ قوله: (قَطْعِيٌّ)، يريد لأنه ثبت بالتواتر أن هذا محرابه الذي كان يصلي إليه، وإذا ثبت ذلك ثبت قطعاً أنه مسامتٌ؛ لأنه ﷺ إما أن يكون أقامه على اجتهاد على القول به أو بوحي، وأياً ما كان فهو مؤد إلى القطع، أما الوحي فظاهر، وأما الاجتهاد فلأنه ﷺ لا يقر على خطأ، وقد روى ابن القاسم أن جبريل ﵇ أقام للنبي ﷺ قبلة مسجده. والأَعْمَى الْعَاجِزُ يُقَلِّدُ مُسْلِماً مُكَلَّفاً عَارِفاً، فَإِنْ كَانَ عَارِفاً قَلَّدَ فِي الأَدِلَّةِ واجْتَهَدَ العاجز، أي؛ عن التوصل لليقين والاجتهاد. وقوله: (مُسْلِماً مُكَلَّفاً عَارِفاً) احترازٌ من الكافر والصبي والجاهل لعدم الوثوق بخبرهم، وينبغي أن يريد عدلاً؛ لأن الفاسق غير مقبول إجماعاً. وقوله: (َإِنْ كَانَ عَارِفاً) أي: الأعمى عارفاً بالاجتهاد قلد في [٥١/ أ] أدلتها، كسؤاله عن كوكب كذا. ابن عبد السلام: ولا يحتاج هنا أن يسأل مسلماً مكلفاً. وفيه نظر.

стр. 320

والْبَصِيرُ الْجَاهِلُ مِثلُهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يُصَلِّي حَيْثُ شَاءَ، وَلَوَ صَلَّى أَرْبَعاً لَكَانَ مَذْهَباً ... أي: مثل الأعمى. وفاعل (لَمْ يَجِدْ) ضمير عائد على أحد المتقدمين لا بعينه، وهما الأعمى والبصير الجاهل. وقوله (وَلَوَ صَلَّى أَرْبَعاً لَكَانَ مَذْهَباً) هو من تمام قول ابن عبد الحكم، ومعنى (لكان مذهباً) أي: مذهباً حسناً. فإن قيل: لم لا يتعين هذا كالشاك في صلاة من الخمس؟ فجوابه: خفة الطلب في القبلة؛ إذ قد اكتفى فيها بالظن، وشدة أمر الصلاة، وأيضاً فقد لا يتوصل إلى القطع في القبلة إذ قد لا يصادفها. ولَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ، فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَفِي تَخْبِيِرهِ أَوْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ أَوْ تَقْلِيدِهِ ثَلاثَةُ أَقْوالٍ ..... يستغني عن قوله: (ولَيْسَ لِلْمُجْتَهِدِ تَقْلِيدُ غَيْرِهِ) بما قدمه بأن القدرة على الاجتهاد تمنع من التقليد، لكن ذكره ليرتب عليه ما بعده، وأظهر الأقوال الثالث؛ لأن المجتهد هنا كالعاجز. ومَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ أَعَادَ فِي الْوَقْتِ. وَالْوَقْتُ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إِلَى الاصْفِرَارِ، بِخِلافِ ذَوِي الأَعْذَارِ فَإِنَّهُ مَا لَمْ تَغْرُبْ. ابْنُ مَسْلَمَةَ: إِلا أَنْ يَسْتَدْبرَ. ابْنُ سَحْنُونٍ: يُعيد أبداً عَلَى أَنَّ الْوِاجِبَ الاجْتِهَادُ أَوِ الإِصَابَةُ ..... قوله: (فَأَخْطَأَ)؛ أي: ولم يتيقن له الخطأ إلا بعد الفراغ من الصلاة. وقوله: (أَعَادَ فِي الْوَقْتِ) هو كذلك في المدونة. قال الباجي: وهو قول محمد؛ وذلك أن المصلي إلى غير القبلة لا يخلو أن يفعل ذلك مع عدم أدلة القبلة، أو مع وجودها، ولم أر لأصحابنا في ذلك فرقاً بيناً، غير أن ابن

стр. 321

القصار ذكر عن مالك: أنه إن فعل ذلك مجتهداً أعاد في الوقت استحباباً. وحكى القاضي أبو محمد في إشرافه فيمن عميت عليه دلائل القبلة فصلى إلى ما غلب على ظنه أنه جهتها، ثم بان له الخطأ، لم تكن عليه إعادة، ثم ذكر قول ابن مسلمة وحمله على ما إذا ما كانت علامات القبلة ظاهرة، قال: وأما مع خفائها فإن مذهب مالك ألا إعادة عليه وإن استدبر القبلة. قال: فعلى هذا الانحراف عن القبلة يكون على ثلاثة أوجه: أحدها: أن يتعمد ذلك، فهذا يُعيد أبداً وإن صلى إلى جهتها. الثاني: أن يتحرى استقبالها مع ظهور علاماتها، فهذا حكمه على ما قدمنا ذكره عن محمد بن مسلمة. الثالث: أن يتحرى استقبالها مع عدم علاماتها، فهذا لا إعادة عليه. وما ذكره من أن وقت الإعادة إلى الاصفرار منصوص عليه في المدونة. قال ابن عات: ويتخرج فيها قول آخر، يُعيد إلى الغروب من المصلى بثوب نجس. وقوله: (بِخِلافِ ذَوِي الأَعْذَارِ فَإِنَّهُ مَا لَمْ تَغْرُبْ) فرق الأصحاب بينما بأن إعادة المصلي لغير القبلة وبثوب نجس مستحبة، فأشبهت النافلة، فلا تصلى عند الاصفرار، وصلاة أهل الأعذار فرض، فتصلى في كل وقت. قوله: (ابْنُ مَسْلَمَةَ: إِلا أَنْ يَسْتَدْبرَ) يعني: أن ابن مسلمة قال بالإعادة في الوقت، كالمذهب إلا أن يستدبر فيُعيد أبداً. وفي نقل المصنف لهذا القول نقص، ونص ما نقله الباجي: وقال ابن مسلمة: من استدبر القبلة قاصداً للقبلة متحرياً أعاد أبداً؛ لأنه لم يستقبل القبلة بشيء من وجهه، فإن كانت قبلته إلى اليمن فصلى إلى شرق أو غرب أعاد في الوقت؛ لأن بعضه مستقبل القبلة، فأما من كان انحرافه بين المشرق والمغرب؛ فلا يُعيد في الوقت ولا غيره. وقال ابن سحنون: يُعيد أبداً سواء استدبر أو لا، وهو قول المغيرة.

стр. 322

وقوله: (عَلَى أَنَّ الْوِاجِبَ الاجْتِهَادُ أَوِ الإِصَابَةُ) أي: فإن قلنا: الواجب الاجتهاد، فلا إعادة؛ لكونه أتى بالواجب، وإن قلنا: الواجب الإصابة فقد أخطأها، فيُعيد أبداً. فإن قيل: لم لا حكمتم بالبطلان في الخطأ لفقد الشرط. فجوابه من وجهين: الأول: أن الخطأ لا يتبين في هذا الباب قطعاً، وإنما يتبين ظناً، فلذلك لم نجزم ببطلانها. الثاني: لما كان هذا الشرط مطلوباً مع القدرة، وساقطاً مع العجز، أشبه طهارة الخبث. ورد بأنه لو كان كذلك لم يعد الناسي أبداً، وهو خلاف ما سيأتي. وإِنْ تَبَيَّنَ الْخَطَأُ فِي الصَّلاةِ قَطَع إِلا فِي الْيَسِيرِ فَيَنْحَرِفُ ويُغْتَفَرُ قال في المدونة: ومن علم في الصلاة أنه استدبر القبلة، أو شرق، أو غرب، قطع وابتدأ، وإن علم في الصلاة أنه انحرف يسيراً فلينحرف إلى القبلة ويبني. وقال أشهب: يدور إلى القبلة ولا يقطع؛ لحديث أهل قباء أنهمن كانوا مستقبلين بيت المقدس فأتاهم آت فأخبرهم أن القبلة قد حولت، فاستداروا، وأقرهم ﵊ على ذلك. وفرق بينهما بأن الماضي من صلاة الصحابة صحيح، والطارئ نسخ، فبنوا الصحيح على الصحيح، بخلاف الخطأ، ولأن أهل قباء لم يكن منهم تقصير بخلاف غيرهم. ويَسْتَانِفُ الاجْتِهَادَ لِكُلِّ صَلاةٍ كذا ذكر ابن شاس، وهذا لعله تغير اجتهاده. وفي الطراز: إن كان الوقتان تختلف فيهما الأدلة اجتهد ثانياً، وإلا فلا. وهو أظهر مما قاله ابن شاس والمصنف.

стр. 323

ابن هارون بعد أن ذكر كلام المصنف: ولعله محمول على ما إذا نسي الاجتهاد الأول، وأما [٥١/ ب] إذا كان ذاكراً له فلا يجب عليه تكرار الاجتهاد، وكما هو الصحيح في المجتهد يفتي في نازلة، ثم يُسأل عنها، فإن كان ذاكراً للاجتهاد الأول أفتى به، وإن نسيه استأنف الاجتهاد. حكاه صاحب الإحكام، وحكى قولاً بوجوب الاجتهاد مطلقاً، وقولاً بعدمه مطلقاً. وإِذَا اخْتَلَفَاَ لَمْ يَاثْمَا أي: إذا اختلف شخصان في القبلة فلا يأثم أحدهما بالآخر، وهو ظاهر. ولَوْ قَلَّدَ الأَعْمَى ثُمَّ أُخْبرَ بِالْخَطَأِ فَصَدَّقَهُ انْحَرَفَ، ومَا مَضَى مُجْزِئٌّ. وَقَالَ ابْنُ سَحْنُونٍ: إِلا أَنْ يُخْبَرهُ عَنْ يَقِينٍ فَيَقْطَعَ .... جعل الأعمى أعذر من المجتهد، وهو كذلك؛ لتعذر الأسباب في حقه، وقول ابن سحنون فيه إشارة إلى ذلك. ويُعيد النَّاسِي فِي الْوَقْتِ، والْجَاهِلُ أبداً عَلَى الْمَشْهُورِ قال ابن يونس: الرواية في الناسي أنه يُعيد أبداً. وعليه فيُعيد الجاهل أبداً من باب أولى. وقال ابن الماجشون: يُعيد في الوقت. وقال ابن حبيب: يُعيد الجاهل أبداً، بخلاف الناسي. ابن راشد: والأول أصح؛ لأن الشروط من باب خطاب الوضع، فلا يشترط فيها علم المكلف. وكلام صاحب البيان بخلاف هذا، ولفظه: وقد اختلف فيمن صلى إلى غ ير القبلة مستدبراً لها، أو مشرقاً أو مغرباً عنها، ناسياً أو مجتهداً، فلم يعلم حتى فرغ من الصلاة، فالْمَشْهُورِ من المذهب أنه يُعيد في الوقت، من أجل أنه يرجع إلى اجتهاد من غير يقين، وقيل: يُعيد في الوقت وبعده، وهو قول المغيرة وقال سحنون: كالذي يجتهد فيصلي قبل

стр. 324

الوقت. وذكر عن أبي الحسن القابسي: أن الناسي يُعيد أبداً بخلاف المجتهد، وأما من صلى إلى غير القبلة متعمداً أو جاهلاً بوجوب استقبال القبلة، فلا اختلاف في وجوب الإعادة عليه أبداً. انتهى. وعلى هذا فالأحسن ما وقع في يبعض النسخ: ويُعيد الناسي في الوقت والجاهل أبداً، على الْمَشْهُورِ. والظاهر أن المراد بالجاهل الجاهل بالأدلة، ولا يصح أن يريد الجاهل بوجوب استقبال القبلة؛ لأن هذا لم يختلف فيه، على ما قاله ابن رشد. الْخَامِسُ: تَرْكُ الْكَلامِ. السَّادِسُ: تَرْكُ الأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ، وَسَيَأَتِيَانِ لا ينبغي عد هذين في الشروط؛ لأن ما طولب تركه إنما يعد في الموانع، وهذا محقق في علم الأصول، لكن المؤلف تابع لأهل المذهب هنا؛ فإن جماعة منهم عدوهما من الفرائض. فإن قيل: في هذا الاعتراض الذي ذكرته نظر؛ لأن عدم المانع شرط؛ إذ الحكم لا يوجد إلا إذا عدم المانع، ولا يلزم من عدم المانع حصول الحكم، وهذا هو حقيقة الشرط. قيل: الفرق بينهما أن الشك في الشرط أو في السبب يمنع من وجوب الحكم، بخلاف الشك في المانع، كالشك في الطلاق، والله أعلم. وذكر الأبهري في شرحه أن ترك الكلام سنة، قال: لقولهم فيمن تكلم ساهياً في صلاته تجزئه صلاته، وسجد لسهوه، بخلاف من سها عن فريضة من فرائضها. قال في المقدمات: والأظهر أنه فرض؛ لقوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ﴾ [البقرة: ٢٣٨].

стр. 325

الْفَرَائِضُ: التَّكْبِيرُ لِلإِحْرَامِ، وَالْفَاتِحَةُ، وَالْقِيَامُ لَهُمَا، وَالرُّكُوعُ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ، وَالسُّجُودُ، وَالرَّفْعُ مِنْهُ، وَالاعْتِدَالُ، وَالطُّمَانِينَةُ، عَلَى الأَصَحِّ، وَالْجُلُوسُ لِلتَّسْلِيمِ، وَالتَّسْلِيمُ ..... لما فرغ من الكلام على الشروط شرع في الكلام على الفرائض، ولا شك أن النية فرض، ولعله إنما أسقطها لكونها شرطاً في صحة الإحرام، ولا يقال إنه ترك ذكرها لأنها من الشروط، كما فعل ابن شاس؛ لأنه لم يذكرها في الشروط. قال المازري بعد أن ذكر عن الشافعي أنها جزء، وعن أبي حنيفة أنها شرط: والذي حكاه أصحابنا البغداديون أنها جزء. وقوله: (وَالْقِيَامُ لَهُمَا) أي: للإحرام والفاتحة. أما فريضة القيام لتكبيرة الإحرام في غير المسبوق فظاهرة، وأما بالنسبة إلى المسبوق فظاهر المدونة- على ما قاله الباجي وابن بشير- أنه لا يجب؛ لكونه قال فيها: إذا كبر للركوع ونوى بها العقد أجزأته. والتكبير إنما يكون للركوع في حال الانحطاط. وقال ابن المواز: وهو شرط، وأنه من أحرم راكعاً لا تصح له تلك الركعة. وتؤولت المدونة عليه أيضاً، وصرح في التنبيهات أيضاً بمشهوريته. فائدة: قال في التقييد والتقسيم: أقوال الصلاة كلها ليست بفرض إلا ثلاثة: تكبيرة الإحرام، والفاتحة، والسلام. وأفعال الصلاة كلها فرائض إلا ثلاثة: رفع اليدين عند تكبيرة الإحرام، والجلسة الوسطى، والتيامن عند السلام. زاد في المقدمات: والاعتدال؛ فإنه مختلف فيه.

стр. 326

واختلف في القيام للفاتحة، هل هو فرض لأجلها أو فرض مستقل؟ وتظهر فائدة الخلاف إذا عجز عن الفاتحة وقَدَر عليه. وأيضاً فلا يجب القيام على المأموم للفاتحة إلا من جهة مخالفة الإمام عند من يقول بأنه واجب لها. وقوله: (وَالاعْتِدَالُ) يؤخذ من قول ابن القاسم الذي يأتي أنه سنة. ومقابل الأصح في الطمأنينة- أنها فضيلةٌ، والفرق بين الاعتدال والطمأنينة أن الاعتدال في القيام هنا انتصابُ القامة، والطمأنينة استقرار الأعضاء في محلها، وقد يكون قبل ذلك، وقد يحصل الاعتدال من غير طمأنينة. ولم يذكر المصنف من جملة الفرائض ترتيبَ الأداء- وهو أن يأتي بالصلاة على [٥٢/أ] نظمِها، كما فعل عبد الوهاب- استغناء بذكر الأركان عن الترتيب. السُّنَنُ: سُورَةٌ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي الأُولَيَيْنِ، وَالْقِيَامُ لَهُمَا، وَالْجَهْرُ، وَالإِسْرَارُ، وَالتَّكْبِيرُ، وَسَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، وَالْجُلُوسُ الأَوَّلُ، وَتَشَهُّدُهُ، وَالزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ الاعْتِدَالِ وَالتَّسْلِيمِ مِنَ الثَّاني، وَتَشَهُّدُهُ، وَالصَّلاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ عَلَى الأَصَحِّ. وَالْفَضَائِلُ: مَا سِوَاهُمَا .... قوله: (سُورَةٌ مَعَ الْفَاتِحَةِ) الظاهر أن كمال السورة فضيلة، والسنة قراءة شيء مع الفاتحة بدليل أن السجود إنما هو دائرٌ مع ما زاد على الفاتحة، لا على السورة، وكذا صرح به صاحب الإرشاد، وقد يقال: إن قراءة السورة سنة. وهو ظاهر كلامهم، وإنما لم يسجد إذا قرأ بعضها؛ لأن كمالها سنة خفيفة. وذكر المازري والباجي في الاقتصار على بعض السورة قولين لمالك، قال في المختصر: لا يفعل ذلك، وإن فعل أجزأه. وروى الواقدي عن مالك: لا بأس أن يقرأ بأم القرآن وآيةٍ مثل آية الدين.

стр. 327

واختلف في التكبير- ما عدا تكبيرة الإحرام- هل كل تكبيرة سنة أو الجميع سنة؟ قولان. وقوله: (وَالزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ الاعْتِدَالِ) أحسنُ منه أن يقول: والزائد على قدر الطمأنينة. ولو قال أيضاً: على الأصح لكان أعم فائدة؛ ليدخل في كلامه قولُ من رأى أن ما زاد على الطمأنينة ينسحب عليه حكم الوجوب، ورُدَّ بأن الزائد لا يذم تاركه. واحتج الآخر بأن من أدرك الزائد على الطمأنينة من الركوع مع الإمام فقد أدرك تلك الركعة، فلو لم يكن الزائد واجباً لزم فوات الركوع في حق المأموم، وفيه نظر؛ لأن المسبوق يُغتفر في حقه للضرورة، بدليل أن من أوجب على المأموم الفاتحة اغتفرها لإدراك الركوع. وقوله: (وَالتَّسْلِيمِ) مخفوضٌ معطوف على (الزَّائِدُ عَلَى قَدْرِ الاعْتِدَالِ) يعني أن الزائد من الجلوس الثاني على قدر التسليم سنة. وما ذكره المصنف من أن التشهد الأخير سنة هو الْمَشْهُورِ، وروى أبو مصعب وجوبه، وعليه فيكون الجلوس واجباً؛ لأن القاعدة أن الظرف حكمُه ما يُفعل فيه. وحكى ابن بزيزة في التشهدين ثلاثة أقوال، والْمَشْهُورِ أنهما سنتان، وقيل: فضيلتان. وقيل: الأول سنة، والثاني: فريضة. وفي الصلاة على النبي ﷺ عندنا ثلاثة أقوال: الفريضة، والسنة، والفضيلة. وصحح المصنف القول بالسنية، قال ابن شاس: وهو الْمَشْهُورِ. وقال ابن عطاء الله: الْمَشْهُورِ الفضيلة. وهو الذي يؤخذ من كلام ابن أبي زيد في الرسالة لقوله: ومِمَّا تزيدُهُ إنْ شِئتَ، ولا يقال ذلك ف يالسنة، وزاد صاحب المقدمات في السننِ رفعَ اليدين عند الإحرام، قال: وقيل: إنه مستحب. ورَدُّ السلام على الإمام، وتأمين المأموم إذا قال الإمام ﴿وَلاَ الضَّالِّين﴾ [الفاتحة: ٧] وقوله: ربنا ولك الحمد، والقناع للمرأة، والتسبيح في الركوع، والدعاء في السجود. وإنما يُسجد للمؤكدة منها، وهي ثمان: قراءة ما سوى أم القرآن، والجهر، والإسرار، والتكبير سوى

стр. 328

تكبيرة الإحرام، والتحميد، والتشهد الأول، والجلوس له، والتشهد الآخِر، وأما ما سواها فلا حكم لتركها، ولا فرق بينها وبين الاستحباب إلا في تأكيد فضائلها، انتهى بمعناه. وَيُشْتَرَطُ فِي تَكْبِيرَةِ الإِحْرَامِ اقْتِرَانُهَا بِنِيَّةِ الصَّلاةِ الْمُعَيَّنَةِ بِقَلْبِهِ أَوْ تَقْدِيمُهَا وَتُسْتَصْحَبُ، وَفِي نِيَّةِ عَدَدِ الرَّكَعَاتِ قَوْلانِ ....... النية إن اقترنت فلا إشكال في الإجزاء، وإن تأخرت عن تكبيرة الإحرام فلا خلاف في عدم الإجزاء، وإن تقدمت بكثير لم يجزئ اتفاقاً، وبيسير قولان: مذهب عبد الوهاب وابن الجلاب وابن أبي زيد- وهو الذي اقتصر عليه المصنف- عدمُ الإجزاء. واختار ابنُ رشد وابن عبد البر والمتيوي في شرح الرسالة الإجزاءَ، قال ابن عات: وهو ظاهر المذهب. خليل: وهذا هو الظاهر، ومن تأمل عمل السلف، ومقتضى إطلاقات متقدمي أصحابنا يرى هذا القول هو الظاهر؛ إذ لم ينقل لنا عنهم أنه لابد من المقارنة، فدل على أنهم سامحوا في التقديم اليسير. قال في المقدمات: وليس عن مالك ولا عن أصحابه المتقدمين نص في ذلك، ولو كان عندهم فرضاً لما أغفلوه ولتكملوا عليه. ولأن اشتراط المقارنة طريق إلى التوسوس المذموم شرعاً وطبعاً. ثم الذي يظهر لي أن قول الآخرين بشرطِ المقارنة معناه أنه لا يجوز الفصل بين النية وتكبيرة الإحرام؛ لأنه يشترط أن تكون مصاحبة للتكبيرة، وإلى ذلك أشار المازري، بل يؤخذ منه أنه حمل المقارنة على ما إذا لم يحصل فصل كثير، ولفظه: الْمَشْهُورِ عندنا ما ذكره القاضي من قصر الوجوب على حالة الإحرام، وبه قال الشافعي. وقال أبو حنيفة: يجوز تقديمها على الإحرام بالزمان اليسير. قال: وبعض أشياخي يشير إلى تخريجٍ في هذا من الطهارة، فإنه اختلف في تقديم النية فيها بالزمان اليسير. وقد ينفصل عنه بأن النية في الصلاة آكد للإجماع على وجوبها. انتهى. وقوله: (أَوْ تَقْدِيمُهَا وَتُسْتَصْحَبُ) ظاهرٌ إذ استصحابها بنيةٍ.

стр. 329

وقوله: (الْمُعَيَّنَةِ) أي: أنه لا يكفيه فرض مطلقاً، بل لابد من تعيينه ظهراً أو عصراً. وقوله: (بِقَلْبِهِ) أي: لا يتلفظ على الأَوْلَى، ويجب على المأموم أن ينوي الاقتداء بالإمام. قالوا: وإن لم ينوه بطلت صلاته. وأما الإمام فلا تلزمه [٥٢/ب] نية الإمامة إلا في مسائل سيأتي التنبيه عليها في باب الإمامة إن شاء الله. والأصح عدم اشتراط نية عدد الركعات؛ لأن كونها مغرباً يستلزم كونها ثلاثاً، وكذلك في سائرها، وإنما يحتاج إلى ذلك لو اختلفت عدد الركعات في الظهر أو المغرب أو غيرهما من الصلوات. ولا يجب أن يستحضر في نيته الإيمان وأداء الصلاة والتقرب بها ووجوبها، نعم الأكملُ استحضارُ ذلك، نص عليه في المقدمات، ولا يلزم عند الإحرام أن يذكر حدوث العالم وأدلته، وإثباتَ الأعراض واستحالة عِرْوِ الجواهر عنها، وأدلةَ إثبات الصانع والصفات وما يجب له تعالى، ويستحيل عليه، ويجوز، وأدلة المعجزة، وتصحيح الرسالة، ثم الطرق التي بها وصل التكليف إليه خلافاً للقاضي أبي بكر. وحُكي عن المازري أنه قال: أردت العمل على قول القاضي أبي بكر فرأيت في منامي كأني أخوض في بحر من الظلام، فقلت: والله، هذه الظلمة التي قالها القاضي. وَفِيمَنْ نَوَى الْقَصْرَ فَأَتَمَّ وَعَكْسِهِ قَوْلانِ وفي المسافر ينوي القصر فيتم. (وَعَكْسِهِ) أي: وفي المسافر ينوي الإتمام فيَقْصُرُ. والخلاف فيهما مبنيٌّ على اعتبار عدد الركعات، وستأتي هذه المسألة في باب القصر. وَفِيمَنْ ظَنَّ الظُّهْرَ جُمُعَةً وَعَكْسِهَا، مَشْهُورُهَا تُجْزِئُ فِي الأُولَى أي: في المسالتين ثلاثة أقوال: الأول الإجزاء فيهما، وعدمه فيهما، مبنيان على ما تقدم. ووجه المشهور أن شروط الجمعة أخص من شروط الظهر، ونية الأخص تستلزم نية الأعم، بخلاف العكس. وحكى في البيان قولاً رابعاً بعكس المشهور.

стр. 330

وَعُزُوبُهَا بَعْدَهُ مُغْتَفَرٌ بِخِلافِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ أي: والذهول عن النية- بعد الاقتران- مغتفر للمشقة. وكان سحنون يُعيدها، ولعله على الورع. وعن ابن العربي: إن عزب بأمر خطر في الصلاة، أو بسبب عارض في الصلاة لم يضر، وإن كان بأسباب متقدمة دنيوية قَوِيَ تركُ الاعتداد. خليل: وقوله: (بِخِلافِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ) أي: الرَّفْضِ، فإنها تبطل على الْمَشْهُورِ كالصوم، بخلاف الحج والوضوء، فإن الْمَشْهُورِ فيهما عدم الرفض، وقد تقدم هذا. فإن قيل: فما الفرق على الْمَشْهُورِ؟ قلتُ: لأنه لما كان الوضوء معقول المعنى- بدليل أن الحنفية لم توجب فيه النية- والحج محتوٍ على أعمال مالية وبدنية لم يتأكد طلب النية فيهما، فرفضُ النية فيهما رفضٌ لما هو غير متأكد، وذلك مناسب لعدم اعتبار الرفض، ولأن الحج لما كان عبادة شاقة، ويُتمادى في فاسدِه- ناسَبَ أن يال بعدمِ الرفضِ رفعاً للمشقة الحاصلة على تقدير رفضه، والله تعالى أعلم. وما ذكرناه هو الذي كان شيخنا ﵀ يُمَشِّيه عليه، وهو الذي يؤخذ من الجواهر، وهو أحسن ممن حمل كلامه على عدم اغتفار عزوب النية عند الخروج من الصلاة، وأنه لابد من استصحابها عند الخروج بالسلام، لأن هذه المسألة سيذكرها المصنف، ويذكر فيها قولين. فَلَوْ أَتَمَّهَا بِنِيَّةِ النَّافِلَةِ سَهْواً أَوْ عَمْداً فقَوْلانِ في هذه المسألة ثلاثة أقوال، يُفرق في الثالث بين العامد فتبطل، وبين الساهي فلا تبطل. ثم هذه المسألة لها صور: إن سلم من اثنتين، ثم قام وأتى بركعتين بنية النافلة فالمعروف عدم الإجزاء، وإن لم يسلم فصورتان: الأولى: إن ظن أنه قد سلم من فريضته فقام إلى نافلة، فإن ذكر بالقُرب رجع إلى فريضته وسجد بعد السلام، وإن لم يذكر إلا بعد ركوعه في نافلته أو طول قراءته فالْمَشْهُورِ بطلان فريضته.

стр. 331

الصورة الثانية: أن يظن أنه في نافلة من غير أن يعتقد السلام، فالْمَشْهُورِ هنا الإجزاء، وقيل: لا يجزئ. وصححه ابن الجلاب. والفرق على الْمَشْهُورِ: أنه في الأولى لما ظن أنه سلم من الفريضة قَصد أنه في نافلة، وفي هذه لم يقصد أنه خرج من الفرض البتة، ولم يوجد منه قصد ذلك. وَلَفْظُهُ: اللهُ أَكْبَرُ مُعَيَّناً وَإِنْ كَانَ أَعْجَمِيّاً، ولا يُجْزِئُ الأَكْبَرُ وَلا غَيْرُهُ، وَالْعَاجِزُ تَكْفِيهِ النِّيَّةُ، وَقِيلَ يَدْخُلُ لِلصَّلاةِ بِلِسَانِهِ ..... لقوله ﷺ : "صلوا كما رأيتموني أصلي"، ولم يرو أنه دخل الصلاة بغير هذه اللفظة، والمحل محل تعبد. ولا يجزئ أكبار بإشباع فتحة الباء لتغيير المعنى، نص عليه سند. قال في الذخيرة: وأما قول العامة: الله وكبر فله مدخل في الجواز، لأن الهمزة إذا وليتْ ضمةً جاز أن تقلب واواً. (وَالْعَاجِزُ) أي: لجهلِه باللغة، فقال الأبهري: تكفيه النية. المازري: وهو صحيح على أصلنا؛ لأن لفظ التكبير متعين عندنا. واستعمال القياس فيه بالأبداًل لا يصح، ولم يأت الشرع ببدل منه عند العجز، كما أتى بالبدل في غيره من العبادات، والأصل براءة الذمة فلا يجب شيء إلا بدليل. انتهى. وقال أبو الفرج: يدخل بالحرف الذي دخل به الإسلام. وذكر عبد الوهاب عن بعض شيوخه: أنه يدخل الصلاة بمرادف التكبير في لغته، ولا خلاف أنه لا يعوض القراءة في لغته؛ لأن الإعجاز في النظم العربي، والعاجز الجاهل باللغة هو محل الخلاف، وأما العاجز عن الكلام جملة فتكفيه النية اتفاقاً. وَيَنْتَظِرُ الإِمَامُ بِهِ قَدْرَ مَا تَسْتَوِي الصُّفُوفُ قوله: (وَيَنْتَظِرُ) روى ابن حبيب عن مالك أن ذلك لازمٌ، يريد على طريق الاستحباب، والضمير المجرور عائد على الإحرام، لأنه [٥٣/أ] إن كبر بإثْرِ الإقامة؛

стр. 332

فالمأمومون إن تشاغلوا بتسوية الصفوف فاتهم جزء من الصلاة، ومن فاتته الفاتحة فقد فاته خير كثير، وإن لم يسووا صفوفهم فاتتهم فضيلة تسوية الصفوف، ولما في أبي داود عنه ﵊، أنه كان يسوي الصفوف فإذا استوت كبر. ولما في الموطأ: أن عمر وعثمان– ﵄– كانا يوكلان رجلين بتسوية الصفوف، فلا يكبران حتى يخبراهما أن قد استوت. وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الْيَدَيْنِ إِلَى الْمَنْكِبَيْنِ. وَقِيلَ: إِلَى الصَّدْرِ. فَقِيلَ: قَائِمَتَيْنِ. وَقِيلَ: بُطُونُهُمَا إِلَى الأَرْضِ. وَقِيلَ: يُحَاذِي برُؤُوسِهِمَا الأُذُنَيْنِ .... قوله: (وَيُسْتَحَبُّ) ظاهره أنه فضيلة، وكذلك نص ابن يونس. وقال ابن أبي زيد وابن رشد: هو سنة. ووقت الرفع عند الأخذ في التكبير، نص عليه ابن شاس. وفي الرفع خمسة أقوال: المشهور أنه يرفع في تكبيرة الإحرام فقط، وقال في مختصر ما ليس في المختصر: لا يرفع في شيء. وروى ابن عبد الحكم: يرفع عند الإحرام والرفع من الركوع. وروى ابن وهب: وعند الركوع. وقال ابن وهب: وفي القيام من اثنتين. ورفعهما إلى المنكبين هو المشهور، وإلى الصدر رواه أشهب، وإليه مال سحنون، والقول بأن بطونهما إلى الأرض لسحنون. ومنشأ الخلاف: اختلاف الآثار والأحاديث. والظاهر رفعهما قائمتين لعدم التكليف، وأنه يرفع عند الإحرام، والركوع، والرفع منه، والقيام من اثنتين لورود الأحاديث الصحيحة بذلك، والله أعلم.

стр. 333

وَفِي سَدْلِ يَدَيْهِ أَوْ قَبْضِ الْيُمْنَى عَلَى الْكُوعِ تَحْتَ صَدْرِهِ ثَالِثُهَا، فِيهَا: لا بَاسَ فِي النَّافِلَةِ. وَكَرِهَهُ فِي الْفَرِيضَةِ. وَرَابعُهَا: تَاوِيلُهُ بالاعْتِمَادِ. وَخَامِسُهَا: رَوَى أَشْهَبُ إِبَاحَتَهُمَا الجواز فيهما في العتبية. ابن راشد: والمنع فيهما رواه العراقيون، والتفصيل هو مذهب المدونة، قال فيها: ولا يضع يمناه على يسراه في فريضة، وذلك جائز في النوافل لطول القيام. قال صاحب البيان: ظاهره أن الكراهة في الفرض والنفل، إلا إن أطال في النافلة فيجوز حينئذ. وذهب غيره إلى أن مذهبه الجواز في النافلة مطلقاً؛ لجواز الاعتماد فيها من غير ضرورة. وقوله: (وَرَابعُهَا: تَاوِيلُهُ بالاعْتِمَادِ) أي: تأويل الثالث، وهو تأويل عبد الوهاب. وقال بعضهم: إنما كرهه مخافة أن يعتقد وجوبه، وإلا فهو مستحب. وقال عياض: مخافة أن يُظهر من الخشوع ما لا يكون في الباطن. وتفرقته في المدونة بين الفريضة والنافلة يرده ويرد الذي قبله. وقوله: (وَخَامِسُهَا) إلى آخره؛ أي: روى أشهب إباحة السدل والقبض في الفرض والنفل، والتحقيق أنه لا يعد خلافًا إلا ما كان راجعًا إلى التصديق، أما ما كان راجعًا إلى التصور – كالقول الرابع – فلا. وفي المذهب قول آخر باستحبابه في الفرض والنفل، قاله مالك في الواضحة، وهو اختيار اللخمي وابن رشد. الْفَاتِحَةُ إِثْرُ التَّكْبيرِ، وَلا يَتَرَبَّصُ، وَيُكْرَهُ الدُّعَاءُ وَغَيْرُهُ بَيْنَهُمَا عَلَى الْمَشْهُورِ وَلا يَتَعَوَّذُ وَلا يُبَسْمِلُ، وَلَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُ وَيُبَسْمِلُ فِي النَّافِلةِ، وَلَمْ يَزَلِ الْقُرَّاءُ يَتَعَوَّذُونَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ .... (الْفَاتِحَةُ) خبر ابتداء مضمر، أي: الفرض الثاني – الفاتحة، و (إِثْرُ التَّكْبيرِ) خبر أيضاً، أي: محلها إثر التكبير. وكونها فرضًا في الجملة هو المنصوص، ولابن زياد فيمن صلى ولم يقرأ: لا إعادة عليه. رواه الواقدي عن مالك، وكذلك نقل المازري

стр. 334

عن ابن شبلون أنه قال بسقوط فريضة الفاتحة مطلقاً؛ قال: لحمل الإمام لها، والإمام لا يحمل فرضًا. (وَلا يَتَرَبَّصُ) أي: بعد التكبير وقبل القراءة، لأنه إذا كره الدعاء– على المشهور– فلا معنى للتربص مع السكوت، ومقابل الْمَشْهُورِ إجازة قول: ((سبحانك اللهم وبحمدك، تبارك اسمك وتعالى جدك، ولا إله غيرك، وجهت وجهي ... إلى آخره))، ((اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرف، ونقني من الخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الدنس، واغسلني من خطاياي بالماء والثلج والبرد)). روي ذلك عن مالك، وروي عنه أيضاً استحسان ذلك. وقال ابن حبيب: يقوله بعد الإقامة وقبل الإحرام. قال في البيان: وذلك حسن. وقوله: (وَلا يَتَعَوَّذُ) هو الصحيح، أي: في الصلاة لعد إثباته، ولا يقال إن عموم قوله تعالى: ﴿فَإِذَا قَرَاتَ الْقُرْآَنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ﴾ [النحل: ٩٨] متناول له؛ لأنه نقل فعله ﵇، ولم ينقل فيه استعاذة، فيكون ذلك مخصصًا للآية. ابن هارون: وفي البسملة في الفريضة أربعة أقوال: الكراهة للمدونة، والإباحة لمالك في المبسوط، والندب لابن مسلمة، والوجوب لابن نافع. انتهى. وقوله: (وَلَهُ أَنْ يَتَعَوَّذُ) أي: ولو جهرًا، وكره مالك في العتبية الجهر في الاستعاذة. وقوله: (وَيُبَسْمِلُ) حكى في البيان في قراءتها في النافلة قبل الفاتحة روايتين، وثلاثة أقوال في قرءاتها في أول كل سورة: فالأول: أنه يقرأها في أول كل سورة، والثاني: لا يقرأ في شيء منها إلا أن يكون رجلاً يقرأ القرآن عرضًا، يريد بذلك، عرضه في صلاته، وهي رواية أشهب. الثالث: أنه مخير، إن شاء قرأ وإن شاء ترك، وهو قوله في المدونة.

стр. 335

فَيَجِبُ تَعَلُّمِهَا فَإِنْ لَمْ يَسَعِ الْوَقْتُ ائْتَمَّ عَلَى الأَصَحَّ أي: فبسبب وجوبها وجب تعليمها، وهذا إذا كان في الوقت سعة، وكان قابلاً للتعليم، فإن لم يسع الوقت للتعليم، وجب عليه الائتمام بمن [٥٣/ ب] يحسنها على الأصح، ومقابل الأصح أن صلاته تصح من غير ائتمام، وصحح المصنف الأول؛ لأن القرءاة واجبة، ولا يتوصل إلى الواجب حينئذ إلا به. فَإِنْ لَمْ يَجِدْ، فَقِيلَ: تَسْقُطُ. وَقِيلَ: فَرْضُهُ ذِكْرٌ أي: فإن لم يجد من يأتم به – وفي معناه لا يجد من يعلمه – فقيل: تسقط. ويُختلف: هل يجب القيام بقدرها أو لا؟ قال المازري: أوجبه بعض أهل العلم. وفي المبسوط: ينبغي له أن يقف قدر قرءاة أم القرآن وسورة، ويذكر الله تعالى. قال المازري: وإليه ذهب القاضي أبو محمد. لكن القاضي لم يعتبر قدر القراءة كما في المبسوط، وإنما استحب الفصل بين الإحرام والركوع بوقوف ما يكون فاصلاً بين الركعتين. وقال سحنون: فرضه ذكر. دليله ما رواه الدارقطني: ((أن رجلا سأل النبي ﷺ فقال: إني لا أحسن القراءة، فقال له: قل: سبحان الله، والحمد لله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم)). فرع: قال أشهب في المجموعة: من قرأ في صلاته شيئًا من التوراه والإنجيل والزبور، وهو يحسن القراءة، أو لا يحسنها، فقد أفسد صلاته، وهو كالكلام، وكذلك لو قرأ شعرًا فيه تسبيح أو تحميد لم يُجزِئه، وأعاد. وَلا تَجِبُ عَلَى الْمَامُومِ وَتُسْتَحَبُّ فِي السِّرِّيَّةِ لا الْجَهْرِيَّةِ. وَقِيلَ: وَلا السِّرِّيَّةِ أي: لا تجب الفاتحة على المأموم، وإذا لم تجب الفاتحة فأولى غيرها.

стр. 336

وقوله: (وَتُسْتَحَبُّ فِي السِّرِّيَّةِ) ظاهره أن هذا خاص بالفاتحة؛ لأنه إنما يتكلم فيها، ولو قال: وتستحب القراءة ليعم الفاتحة وغيرها كان أولى؛ لأن الخلاف في الجميع، ولعل المصنف اقتصر على الفاتحة؛ لأن ذكره الخلاف فيها يقتضي الخلاف في غيرها، والقراءة مع الإمام فيما يجهر فيه مكروهة، وهذا إذا كان يصل الإمام قراءته بالتكبير، فإن كان الإمام ممن يسكت بعد التكبير سكته ففي المجموعة من رواية ابن نافع عن مالك: يقرأ من خلفه في سكتته أم القرآن، وإن كان قبل قراءته. قال الباجي: ووجه ذلك أن اشتغاله بالقراءة أولى من تفرغه للوسواس وحديث النفس إذا لم يقرأ الإمام قراءة ينصت لها، ويتدبر معناها. انتهى. خليل: وعلى هذا فإن كان الإمام ممن يسكت بعد الفاتحة كما تفعل الشافعية فيقرأها المأموم، والله أعلم. واختار ابن العربي وجوب قراءة الفاتحة على المأموم إلا في الجهر إذا كان يسمع قراءة الإمام. وَالصَّحِيحُ وُجُوبُهَا فِي كُلِّ رَكْعَةٍ، وَقِيلَ: فِي الأَكْثَرِ. وَإِلَيْهِ رَجَعَ. وقِيلَ: فِي رَكْعَةٍ. وَقَالَ: تُجْزِئُ سَجْدَتَا السَّهْوِ، وَما هُوَ بِالبَيِّنِ. وَلَمْ يَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَقَالَ: تُلْغَى الرَّكْعَةُ. وَفيهَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ ثَانِيَةُ الْجُمُعَةِ فَقَامَ يَقْضِي فَنَسِيَهَا يَسْجُدُ قَبْلَ السَّلامِ وَيُعيد ظُهْراً .... اختلف في الفاتحة هل تججب في كل ركعة أو إنما تجب في الأكثر؟ والقولان لمالك في المدونة. أو إنما تجب في ركعة؟ وإليه ذهب المغيرة، وما صححه المؤلف. قال ابن شاس: هي الرواية الْمَشْهُورِة. ومنشأ الخلاف ما خرجه مسلم والنسائي من قوله ﷺ : ((من صلى صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج)) ثلاثًا، أي: غير تمام. هل المراد ظاهر اللفظ فيكتفي بها في ركعة أو المراد بالصلاة كل ركعة؟ لأن ذلك يظهر من السياق؛ لأن محل أم

стр. 337

القرآن من الصلاة كل قيام، كما لو قيل: كل صلاة لم يركع فيها ولم يسجد. وكذلك لم خرجه البخاري ومسلم وأبو داود الترمذي والنسائي أن رسول الله ﷺ قال: ((لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بفاتحة الكتاب))، ومنهم من زاد فيه: ((فصاعدًا))، وروى هذه الزيادة ابن حبان في صحيحه، وهي تقتضي وجوب قراءة ما زاد على الفاتحة. وأما القول بوجوبها في الأكثر فضعيف؛ لأنه لم يأخذ هذين المحملين، ووجهه – على ضعفه – أن الحكم للأكثر في الغالب. قال المازري: واختلف في الأقل على هذا المذهب، ما هو؟ فقيل: هو الأقل على الإطلاق. وقيل: هو الأقل بالإضافة. ومعنى الأقل مطلقاً العفو عنها في ركعة واحدة، وإن كانت صبحًا أو جمعة أو ظهرًا لمسافر. ومعنى الأقل بالإضافة: أن تكون الركعة من صلاة رباعية أو ثلاثية، والله أعلم. وأما حديث جابر: ((كل ركعة لا يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج))، فالصحيح وقفه على جابر، قاله الدارقطني. قال ابن عبد البر: ورفعه غلط خطأ. تفريع: إن بنينا على قول المغيرة، فقرأها في ركعة من أي صلاة صحت صلاته. قال بعض الشيوخ: وظاهر قول المغيرة أنها سنة فيما عدا الواحدة، وإن بنينا على قول غيره فإما أن يترك القراءة في نصف صلاته أو في أقلها، فإن تركها في نصفها كركعة من الثنائية أو ركعتين من الرباعية فقولان، قال ابن عطاء الله: أشهرها أنه يتمادى، ويسجد قبل السلام، ويُعيد، وهو مذهب المدونة. والثاني قول أصبغ وابن عبد الحكم: يغلي ما ترك فيه القراءة، ويأتي بمثله، ويسجد بعد السلام. وإن تركها في الأقل، فقال ابن راشد: فإن تركها في ركعة من الرباعية، فإما أن يذكر ذلك بعد فراغه من الصلاة أو في الصلاة، فإن ذكر بعد فراغه فلا يخلو إما أن يذكر

стр. 338

بالقرب أو لا، فإن ذكر بالقرب من سلامه ولم يحدث ما يمنعه من البناء [٥٤/ أ] ففي المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يسجد وتجزئه صلاته، وهذا على قوله: أرجو أن تجزئه سجدتا السهو قبل السلام. وثانيها: أنه يسجد ويُعيد الصلاة. وثالثها: أنه يلغي تلك الركعة ويأتي بركعة ويسجد بعد السلام، وإن ذكر بعد أن طال أعاد على القولين الأخيرين. وعلى القول الأول: يسجد وتجزئه سجدتا السهو. وأما إن ذكر وهو في الصلاة، فإما أن يذكر ذلك في الركعة الأولى أو غيرها، فإن ذكر ذلك في الركعة الأولى فلا يخلو: إما أن يذكر ذلك قبل الركوع، أو وهو راكع، أو بعد تمام الركعة، فإن ذكر قبل الركوع فلا خلاف أنه يقرأها. والمشهور: أنه يُعيد السورة وفاقاً لأشهب وسحنون، ولمالك في المجموعة: أنه لا يُعيدها. واتفقوا في المستنكح على عدم الإعادة. وهل يسجد لإعادة السورة بعد السلام؟ وإليه ذهب سحنون، أو لا يسجد؟ وإليه ذهب ابن حبيب، قولان، وقول ابن حبيب أصح؛ لأن زيادة القراءة لا يسجد لها، بدليل لو قرأ سورتين. تنبيه: قال مالك فيمن ترك تكبير صلاة العيدين فلم يذكر حتى قرأ: إنه يكبر ثم يُعيد القراءة ويسجد بعد السلام. قال عبد الحق: فعلى هذا يسجد من قدم السورة على الفاتحة، والفرق أن قراءة السورة سنة، وإلغاؤها كإلغاء تكبيرة وشبه ذلك فلا سجود عليه. والذي كبر بعدما قرأ الفاتحة إذا ألغى القراءة فقد ألغى ركنًا، فكان له تأثير كما لو انخرم عليه ركوع أو سجود فألغاه، وإن ذكر وهو راكع ففي المذهب أربعة أقوال: روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة: أنه يرجع إلى القيام فيقرأ ثم يركع ويسجد بعد السلام. وقال سحنون: يرجع إلى القراءة ويُعيد الصلاة احتياطًا. وقال ابن القاسم في الموازية: يقطع بسلام ثم يبتدئ؛ لأنها ركعة لم تنعقد، فالقطع فيها أخف من تماديه عليها؛ لأنه إن

стр. 339

بنى عليها فقد لا تجزئه، وإن ألغاها صارت صلاته خمسًا لما في ذلك من الاختلاف، فكان إتيانه بصلاةٍ متفق عليها أولى. وقال ابن القاسم وأصبغ وغيرهما: يتمادى ويجزئه سجود السهو قبل السلام. وإن ذكر بعد الرفع أو بعد أن سجد فقال ابن القاسم في الموازية: يقطع ويبتدئ. وتجري فيها الأقوال الثلاثة التي قبلها. وإن ذكر بعد أن أتمها بسجدتيها ففيها أيضاً أربعة أقوال: يتمادى ويسجد قبل السلام وتجزئه، ويتمادى ويسجد ويُعيدها، والقول الثالث ويلغي تلك الركعة، ويجعل الثانية أولى صلاته ثم يسجد بعد السلام، والرباع: أن يضيف إليها ركعة ويسجد قبل السلام ثم يسلم ويبتدئ، قاله ابن القاسم في الموازية. وأما إن ذكر ذلك في غير الأولى، مثل أن يذكر وهو في الركعة الثانية أنه نسى الفاتحة منها، فإن ذكر وهو قائم أعاد قراءة الفاتحة، واختلف في إعادة السورة، وفي السجود كما تقدم. وإن ذكر وهو راكع فقال ابن القاسم هنا: لا يقطع. وتقدم قوله في الموازية أنه يقطع إذا ذكر ذلك في ركوع الأولى، لأنه في الأولى لم يبق له إلا تكبيرة الإحرام، وقد يتصل بها ذلك، فكان القطع أولى. وهاهنا وقعت له ركعة على الصحة فاستحب له أن يشفعها ويجعلها نافلة. وكذلك يقول إذا ذكر وهو في سجودها أو بعد قيامه إلى الثالثة، فإنه يرجع إلى الجلوس ويجعلها نافلة، وإن لم يذكر حتى ركع الثالثة– وقلنا بإلغاء الركعة– فهل تكون هذه ثالثة، أو يفرق فيقرأ فيها بأم القرآن خاصة، أو ثانية يضيف إليها سورة؟ خلاف. تنبيه: ما تقدم من الخلاف في تركها من الأولى جارٍ هنا، وإن ذكر ذلك وهو راكع في الثالثة ولم يعلم الركعة التي نسيها منها، هل هي الأولى أو الثانية ففي المذهب خمسة أقوال: أحدها: أنه يلغي الأولى ويتم سجود التي هو فيها ثم يجلس لأنها ثانية، ثم يسجد قبل السلام لأنه ترك من ثانيته السورة. وثانيها: أنه يتمادى ويجزئه سجود السهو قبل

стр. 340

السلام. وثالثها: أنه يفعل ذلك ويُعيد. ورابعها: أنه يتمادى ويجعل هذه ثالثة ثم يقوم إلى الرابعة ثم يقضي الركعة بأم القرآن وسورة، ثم يسجد بعد السلام. وخامسها: أنه يرجع إلى الجلوس ثم يسجد ويسلم ويجعلها نافلة. قاله ابن القاسم في الموازية. ولو ذكر ذلك بعد فراغه من الثالثة فقال ابن القاسم: يتم صلاته ويسجد قبل السلام، وأحب إلى أن يُعيد، فيكون في هذه أربعة أقوال أيضاً. وكذلك إذا ذكر في الرابعة أو في التشهد أنه ترك أم القرآن من الأولى أو الثانية – ففيه أربعة أقوال أيضاً: أحدها: أنه يسجد قبل السلام وتجزئه. وثانيها: أنه يسجد ثم يُعيد، وهو ظاهر المذهب عند أصحابنا. قال ابن المواز: وهو الذي استحب ابن القاسم. وثالثها: أنه يأتي بركعة بأم القرآن فقط، ويسجد قبل السلام ورابعها: أنه يأتي بركعة بأم القرآن وسورة ويسجد بعد السلام. انتهى كلام ابن راشد. تنبيه: قوله: (وَقِيلَ: فِي الأَكْثَرِ. وَإِلَيْهِ رَجَعَ) ليس هذا الرجوع كسائر الرجوعات في الجزم بما رجع إليه؛ لأن مالكًا هنا قال: وما هوبالبين. فقول الإمام وما هو بالبين فيه إيماء إلى ترجيح القول بالوجوب في الجميع، والله أعلم. فرع: قال عبد الحق: لو أسقط الإمام آية من الفاتحة لانبغي أن يلقن، وإن لم يقف لقول من قال أنه كتارك جملة أم القرآن وذلك يبطل صلاته. وحكى الشيخ أبو عمران عن القاضي إسماعيل [٥٤/ ب] أنه قال: يجب على المذهب أن يسجد قبل السلام. وفيها قول آخر: أنه لا يسجد، والله أعلم. وَلَيْسَتِ الْبَسْمَلَةُ مِنْهَا، فَلا تَجِبُ لِلأَحَادِيثِ وَالْعَمَلِ أي: عمل المدينة، والأحاديث: حديث: ((قسمت الصلاة بيني وبين عبدي ...)) رواه مالك، وحديث أبي بن كعب: ((كيف تفتتح الصلاة)) رواه مالك، وحديث أنس:

стр. 341

((صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر وعمر، فكلهم كانوا لا يقرؤون – بسم الله الرحمن الرحيم-)) خرجه مالك والبخاري ومسلم. وأيضاً فإنا نقطع أن القرآن ينقل متواترًا، فما لم تنقل متواترًا يحصل لنا القطع بأنه ليس قرآنًا. وَلا تُجْزِئُ بِالشَّاذِّ وَيُعيد أبداً أي: بالقراءة الشاذة، وعن مالك إجازة القراءة بالشاذ ابتداء، ذكره ابن عبد البر في تمهيده. والإمام إنما نص على الإعادة أبداً في شاذ خاص، وهو قراءة ابن مسعود، ولعل ذلك إنما هو لما يقال أنه كان يفسر فيخلط القراءة بالتفسير، بخلاف غيرها من الشاذ. ولقائل أن يقول: هذا إنما هو في الفاتحة، وأما غيرها فالقارئ وإن خرج عن التلاوة فإنما خرج إلى ذكر، وهو مشروع في الصلاة فلا يبطل، وفيه نظر؛ لأن الشاذ لما لم يكن قرآنًا، ونقله قرانًا خطأ على ما نقله أهل الأصول صار كالمتكلم في صلاته عامدًا، والله أعلم. وَيُسْتَحَبُّ التَّامِينُ قَصْراً أَوْ مَدّاً (التَّامِينُ) قول آمين عند الفراغ من الفاتحة. وقوله: (قَصْراً أَوْ مَدّاً) أي: فيه لغتان: بمد الهمزة وهي الأفصح، وقصرها وهي ثانية. وروي تشديد الميم مع المد، وأنكرت. ومعناها اللهم استجب، وقيل: اسم من أسماء الله، فكأنه قال: يا الله اغفر لي. وَيُؤَمِّنُ الإِمَامُ إِذَا أَسَرَّ اتِّفَاقاً، فَإِذَاَ جَهَر فَرَوَى الْمِصْرِيُّونَ: لا يُؤَمِّنُ. وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ: يُؤَمِّنُ ..... الْمَشْهُورِ رواية المصريين، ودليلنا ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والنسائي عنه ﷺ أنه قال: "إذا قال الإمام: ﴿وَلاَ الضَّالِّينَ﴾ [الفاتحة: ٧] فقولوا: آمين، فإنه من وافق تأمينه تأمين الملائكة غُفر له ما تقدم من ذنبه".

стр. 342

ووجه رواية المدنيين ما رواه مالك والبخاري ومسلم عنه ﵊ أنه قال: ((إذا أمن الإمام فأمنوا)) وهو أظهر؛ لأن حمله على بلوغ الإمام محل التأمين مجاز، والأصل عدمه. وفي المسألة قول ثالث لابن بكير بالخيار بين التأمين والترك. وَيُسِرُّ كَالْمَامُومِ وَالْمُنْفَرِدِ. وَقِيلَ: يَجْهَرُ فِي الْجَهْرِ هذا من الاختصار الحسن لإعطائه الحكم في الثلاثة. وقوله: (وَقِيلَ: يَجْهَرُ) أي: الإمام في الجهرية، لما تقدم من قوله ﵊: ((إذا أمن الإمام فأمنوا)). فرع: وهل يؤمن المأموم على قراءة إمامه في صلاة الجهر إذا لم يسمع قراءة الإمام؟ روى ابن نافع عن مالك في العتبية: ليس عليه ذلك. قال في البيان: قوله ليس عليه ذلك يدل على أن له أن يقول بأن يتحرى الوقت كما يتحرى المريض الوقت الذي يرمي فيه الجمار عنه فيكبر. وذهب ابن عبدوس إلى أن ذلك عليه، وذهب يحيى بن عمر إلى أنه لا ينبغي له أن يفعل ذلك. فهي ثلاثة أقوال، أظهرها قول يحيى؛ لأن المصلي ممنوع من الكلام، والتأمين كلام أبيح له أن يقول في موضعه، وإذا تحرى فقد يضعه في غير موضعه. انتهى. وقد يصادف آية عذاب، والله أعلم. وَالسُّورَةُ بَعْدَهَا فِي الأُولَيَيْنِ سُنَّةٌ، وَكَذَلِكَ الصُّبْحُ وَالْجُمُعَةُ وَفِي كُلِّ تَطَوُّعٍ، وَفِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَوْلانِ ..... فَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ فَمَا زَادَ مَا لَمْ يُخْشَى الإِسْفَارُ، وَالظُّهْرُ تَلِيهَا، وَالْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ تُخَفِّفَانِ، وَالْعِشَاءُ مُتَوَسِّطَةٌ، وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ .... تقدم في كون السورة سنة بحث. وقوله: (فِي الأُولَيَيْنِ) يدل على أن الصلاة أكثر من ركعتين، ولذلك ذكر بعد هذا الكلام الصبح والجمعة، يريد: وصلاة السفر. وقوله: (فِي الأُولَيَيْنِ) يدل على أنه لا يقرأ في غيرهما بسورة، وهو المذهب. وقال محمد بن عبد الحكم: من قرأها في الأخريين فقد أحسن. وأخذ اللخمي وجوب السورة من قول

стр. 343

عيسى: من ترك السورة عامدًا أو جاهلاً أعاد أبدً. وأخذ استحبابها من قول مالك وأشهب: إذا ترك السورة فلا سجود عليه. ورد المازري الأول بأن الجاهل كالعامد، فلعل الإعادة أبداً مبنية على قول من رآها في ترك السنن. وقوله: (وَفِي كُلِّ تَطَوُّعٍ) أي: السورة سنة في كل تطوع، فإن أراد أنها مشروعة فظاهر، وإن أراد أنه يسجد لها كما في الفرائض فلا؛ لأن المنصوص أنه إذا ترك السورة في النافلة أو الوتر لا شيء عليه. وقد صرح في البيان: بأن قراءة ما زاد على الفاتحة في الوتر مستحب لا سنة. فائدة: هذه المسألة إحدى خمس مسائل مستثناة من قولهم: السهو في النافلة كالسهو في الفريضة. الثانية: الجهر فيما يجهر فيه. الثالثة: السر فيما يسر فيه. الرابعة: إذا عقد ثالثة في النفل أتمها رابعة بخلاف الفريضة. الخامسة: إذا نسي ركنًا من النافلة وطال فلا شيء عليه، بخلاف الفريضة فإنه يُعيدها. وقوله: (وَفِي رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَوْلانِ) أي: وفي الاقتصار على الفاتحة في ركعتي الفجر قولان، الْمَشْهُورِ الاقتصار، وسيأتي. فرع: تجوز قراءة سورتين مع الفاتحة فأكثر، والأفضل واحدة، قاله المازري. وأما المأموم يقرأ مع الإمام فيما يسر فيه، فيفرغ من السورة قبل أن يركع الإمام فقال ابن القاسم في العتبية: يقرأ غيرها ولا يقيم ساكتًا. قال في البيان: بعد ذلك هو بالخيار، إن شاء قرأ، وإن شاء سكت. انتهى. وهو خلاف ظاهر قول ابن القاسم، والله أعلم. وكره مالك في العتبية تكرير ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: ١] [٥٥/ أ] في ركعة واحدة، وقال: هذا من محدثات الأمور. ومقتضى كلامه في البيان أن هذه الكراهة خاصة بحفظ القرآن، وأما

стр. 344

غيره فلا؛ لأنه قال: كره مالك للذي يحفظ القرآن أن يكرر (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في ركعة واحدة؛ لئلا يعتقد أن أجر من قرأ القرآن كله هو أجر من قرأ (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) ثلاث مرات، لما روي عنه ﷺ : أنها تعدل ثلث القرآن، وليس ذلك معنى الحديث عند العلماء، ولو كان ذلك معناه عندهم لاقتصرنا على (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ) في الصلاة بدلاً من السور الطوال، ثم ذكر معنى الحديث، فانظره فيه. فَفِي الصُّبْحِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ فَمَا زَادَ مَا لَمْ يُخْشَى الإِسْفَارُ، وَالظُّهْرُ تَلِيهَا، واَلْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ تُخَفَّفَانِ، وَالْعِشَاءُ مُتَوَسِّطَة، وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ .... واختلف في المفصل، فقيل: من الشورى. وقيل: من الجاثية. وقيل: من الحجرات. وقيل: من قاف. وقيل: من النجم. وقيل: من الرحمن. وقوله: (وَالظُّهْرُ تَلِيهَا) ظاهره أنها أقصر، وهو قول مالك ويحيى بن عمر، وقال أشهب: هي كالصبح. وقوله: (وَالثَّانِيَةُ أَقْصَرُ) أي: والركعة الثانية أقصر، ونص بعضه معلى كراهة كون الثانية أطول: هي كالصبح. وقوله: (واَلْعَصْرُ وَالْمَغْرِبُ تُخَفَّفَانِ) قال في البيان: اختلف في العصر فقيل: إنها والمغرب سيان في قدر القراءة، وإليه ذهب ابن حبيب. وقيل: إنها والعشاء الآخرة سيان. وهذا مع الاختيار، وأما مع الضرورة – كالسفر – فله التخفيف بحسب الإمكان. وقد أجاز مالك القراءة في الصبح في السفر بسبح والضحى. وَيُسْتَحَبُّ الْقُنُوتُ سِرّاً فِي ثَانِيَةِ الصُّبْحِ قَبْلَ الرُّكُوعِ كَفِعْلِ مَالِكٍ، أَوْ بَعْدَهُ، وَلا يُكَبِّرُ لَهُ، وَفِيهَا: اخِتَيارُ اللَّهُمَّ إِنَّا نَسْتَعِينُك إِلى آخِرِهِ، وَيَجُوزُ بِغَيْرِهِ، أَوْ يَدْعُو بِمَا شَاءْ، وَفِيهَا: عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: الْقُنُوتُ فِي الْفَجْرِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ .... والْمَشْهُورِ: أن القنوات في الفجر فضيلة، وقيل: يُسجد له فهو سنة. وقال يحيى بن يحيى: إنه غير مشروع. ومسجده بقرطبة – إلى حين أخذها الكفار – على الترك. وقال

стр. 345

علي بن زياد: من تركه متعمدًا فسدت صلاته. وهذا يحتمل أن يكون على أحد القولين في تارك السنن متعمدًا، ويحتمل أن يكون على الوجوب. فإن قيل: تخصيصه بالعامد لا يقتضي الوجوب. قلت: راعى الخلاف في الناسي. وقال أشهب: من سجد له أفسد على نفسه. وقوله: سرًا هذا هو الْمَشْهُورِ، كما سيأتي. والأفضل فيه قبل الركوع؛ رفقًا بالمسبوق، ولما فيه من عدم الفصل بين الركوع والسجود. واختار ابن حبيب والشافعي: بعده. وقاله أبو بكر وعمر ﵄. وقوله: (نَسْتَعِينُك) إلخ، أي: نستعينك، ونستغفرك، ونؤمن بك، ونتوكل عليك، ونخنع لك، ونخلع ونترك من يكفرك، اللهم إياك نعبد ولك نصلي ونسجد، وإليك نسعى ونحفد، نرجو رحمتك ونخاف عذابك الجد، إن عذابك بالكافرين ملحق. ومعناه: نستعينك على طاعتك، ونستغفرك من التقصير عن خدمتك. ونؤمن بك، ونصدق بما ظهر من آياتك، ونتذلل لعظمتك. ونخلع الأديان كلها لوحدانيتك. ونترك من يكفرك؛ أي: من يجحد نعمتك. اللهم إياك نعبد؛ أي: لا نعبد إلا إياك. ولا نسجد إلا لك، ونبه على السجود؛ لأنه أشرف أحوال الصلاة، إذ أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد. وقال غيره: نرجو رحمتك؛ لأن أعمالنا لا تفي بشكر نعمتك، فما لنا ملجأ إلا رجاء رحمتك، ونخاف عذابك. الجد؛ أي: الثابت، وهو بكسر الجيم، هو ضد الهزل. وملحق روى بكسر الحاء، أي: لاحق، وبالفتح: اسم مفعول، والفاعل هو الله والملائكة. و (يَدْعُو بِمَا شَاءْ) أي: من أمر دينه ودنياه في القنوت. وَيَجْهَرُ فِي أُولَيَيْنِ غَيْرَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ، يُسْمِعُ نَفْسَهُ وَما فَوْقَ ذَلِكَ قَلِيلاً، وَالْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَقَطْ كَالتَّلْبِيَةِ ....... في كلامه قصور؛ لأنه إنما يتناول ما زاد على الركعتين دون الصبح والجمعة وصلاة السفر.

стр. 346

وقوله: (وَما فَوْقَ ذَلِكَ) أي: ومن يليه، هو أدنى مراتب الجهر. وجهر المرأة كسرها، فتسمع نفسها فقط. وَلا يُجْزِئُ الإِسْرَارُ مِنْ غَيْر تَحْرِيكِ لِسَانٍ، وَيَجُوزُ الإِسْرَارُ فِي النَّوَافِلِ ليْلاً، وَفِي الْجَهْرِ فِيهَا نَهَاراً قَوْلانِ ..... لأنه إذا لم يحرك لسانه لم يقرأ، وإنما فكر. وانظر: هل يجوز للجنب ذلك حينئذ؟ قال ابن القاسم: ويجزئ إذا حرك لسانه، وأن يسمع نفسه أحب إلى. (وَيَجُوزُ الإِسْرَارُ فِي النَّوَافِلِ ليْلاً) أي: والأفضل الجهر. (وَفِي الْجَهْرِ فِيهَا نَهَاراً قَوْلانِ). ووقع في بعض النسخ: (وفي كراهة الجهر فيها نهارًا قولان). وظاهر المذهب أن الجهر خلاف الأولى؛ لقوله ﷺ : ((صلاة النهار عجماء)). الْقِيَامُ إِنْ كَانَ يَثْبُتُ بَزَوَالِ الْعِمَادِ كُرِهَ أي: الفرض الثالث القيام. واعلم أن مراتب الصلاة سبع: أربع على الوجوب، وثلاث على الاستحباب. فالأربع: أن يقوم مستقلاً، ثم مستندًا، ثم يجلس مستقلاً، ثم مستندًا، فمتى قدر على واحدة وانتقل إلى التي تليها بطلت صلاته. والثلاث: أن يستلقي على جنبه الأيمن، ثم على ظهره مستلقيًا، ثم على الأيسر. وفي بعض النسخ بعد قوله: إن كان يثبت بزوال العماد كره، وإن كان يسقط بطلت؛ لأنه إذا سقط [٥٥/ ب] بزوال العماد صار في معنى المضطجع، وهذا صحيح على أصل المذهب، وصرح بذلك ابن شاس.

стр. 347

فَإِنْ عَجَزَ قَبْلَهَا أَوْ فِيهَا تَوَكَّأ ثُمَّ جَلَسَ ظاهرٌ مما تقدم. وَلا بَاسَ بهِ فِي النَّافِلَةِ لِلْقَادِرِ أي: بالجلوس في النافلة مع القدرة على القيام. ثُمَّ اسْتَنَدَ إِلَى غَيْرِ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ، فإن استند إلى أحدهما أعاد في الوقت هذه المرتبة الرابعة. وقوله: (إِلَى غَيْرِ جُنُبٍ أَوْ حَائِضٍ) المازري: على سبيل الأولى. اللخمي والمازري: ويتخرج جواز ذلك على قول ابن مسلمة بجواز الاستناد إلى الحائض والجنب، ونقل عن بعض القرويين أنه لم يحمل قول أشهب على الخلاف، بل حمله على ما إذا تيقنت طهارة ثيابهما، وقول ابن القاسم على ما إذا لم تتحقق الطهارة، قال: والقول بحمل قوليهما على الخلاف أظهر. انتهى. قال ابن القاسم في العتبية: فإن استند إلى جنب أو حائض أعاد في الوقت. قال في التنبيهات: ذهب أكثر شيوخنا إلى أن علة الإعادة كون المصلي باشر نجاسة في أثوابهما، فكان كالمصلي عليها. وقال بعضهم: بل حكم المستند إليه حكم المصلي؛ لأنه كالمعاون له بإمساكه، فيجب أن يكون على أكمل الحالات، ورد بأنه لو كان كذلك لوجب أن يكون الممسك متوضئًا، وهذا لا يقوله أحد. انتهى بالمعنى. وما ذكره الباجي عن بعض القرويين من أن قول ابن القاسم ليس مخالفًا لقول أشهب نحوه لابن أبي زيد، فإنه رأى أن العلة في كراهة ابن القاسم الاستناد إليهما كون ثيابهما لا تخلو من النجاسة غالبًا، ونقل ابن يونس عنه إذا تحققت الطهارة الجواز. قال ابن بشير: إنما العلة في ذلك بعدهما عن الصلاة بخلاف غيرهما.

стр. 348

وَيُومِئُ بِالسُّجُودِ إِنْ لَمْ يَقْدِرْ، وَيُكْرَهُ رَفْعُ شَيْءٍ يَسْجُدُ عَلَيْهِ اشتراط عدم القدرة في الفرض متفق عليه، واشترطه ابن القاسم في النافلة أيضاً، ولم يشترطه ابن حبيب، وأجاز له إذا صلى جالسًا أن يؤمئ بالسجود من غير علة. وإذا أومأ بالسجود إلى الأرض وهو جالس، فهل يضع يديه على الأرض؟ وهو قول اللخمي، أو لا؟ وهو قول أبي عمران، لأن اليدين إنما يسجدان مع الوجه. واعلم أنه لا يسقط عندنا ركن للعجز عن آخر، فالعاجز عن السجود إن قدر على القيام والركوع قام وركع وأومأ للسجدة الأولى، ثم يجلس ويؤمئ للسجدة الثانية، فإن عجز عن السجود والجلوس وقدر على الركوع ركع وأومأ للسجدتين من قيام، والله أعلم. وقوله: (وَيُكْرَهُ رَفْعُ شَيْءٍ) حكى اللخمي في ذلك الاتفاق. قال: واختلف إن فعل، ففي المدونة وإن فعل أو جهل ذلك لم يعد. وقال أشهب: لا يجزئه، ويُعيد أبداً إلا أن يومئ برأسه. انتهى. قيل: وقول أشهب تفسير لقول مالك. ثُمَّ عَلَى الأَيْمَنِ كَالْمُلْحَدِ، ثُمْ مُسْتَلْقِياً وَرِجْلاهُ إِلَى الْقِبْلَة، أَوْ عَلَى الأَيْسَرِ. وَثَالِثُهَا: هُمَا سَوَاءٌ. وَقِيلَ: الاسْتِلْقَاءُ قَبْلَ الأَيْمَنِ، وَيُومِئُ فِيهِمَا القول بتقديم الاستلقاء لابن القاسم، والقول بتقديم الأيسر لابن المواز وابن الماجشون ومطرف وأصبغ، والتسوية ظاهر المدونة لقوله: يصلي على جنبه أو هره لكن تؤول على أنه أراد تقدمة الأيسر، بل صرح اللخمي بأنه في متن المدونة، ولم أر من صرح بهذا القول، غير أنه مقتضى كلام التونسي، ولفظه: ومن لم يقدر على الجلوس صلى على جنبه أو ظهره ثم ذكر قول ابن المواز.

стр. 349

وقوله: (وَيُومِئُ فِيهِمَا) أي: في حالتي الجنب يمينًا وشمالاً، والاستلقاء. وقال ابن راشد: في حالتي الركوع والسجود. والقول بأن الاستلقاء قبل الأيمن لابن القاسم في الواضحة. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ سِوَى نِيَّتِهِ فَلا نَصَّ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ إِيجَابُ الْقَصْدِ، وعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ سُقُوطُهَا ....... أي: فإن عجز عن جميع أفعال الصلاة، ولم يقدر على شيء إلا النية فلا نص في مذهبنا. وعن الشافعي إيجاب القصد، لقوله ﷺ : ((إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم)). وعن أبي حنيفة: سقوطها؛ لأن النية وسيلة لتمييز غيرها، وقد تعذر الفعل المميز، فلا يخاطب بالنية، كما في حق العاجز عن الصيام وغير ذلك. ويمكن أن يكون سبب الخلاف بين الحنفي والشافعي: هل النية شرط فلا تجب، كسقوط الوضوء عند سقوط الصلاة، أو ركن فتجب؟ وقوله: (فَلا نَصَّ) أي: صريحًا. وأما الظواهمر فلا؛ لأن في الجلاب والكافي: ولا تسقط الصلاة عنه، ومعه شيء من عقله. وفي الرسالة نحوه. وللمصنف أن يمنع أن تكون هذه صلاة. ابن بشير: وقد طال بحثي عن مقتضى المذهب في هذه المسألة، والذي ترجح مذهب الشافعي. وقال المازري: إذا لم يستطع المريض أن يؤمئ برأسه للركوع والسجود، فهل يؤمئ بطرفيه وحاجبيه ويكون مصليًا بهذا مع النية؟ مقتضى المذهب – فيما يظهر لي – أمره بذلك، ويكون مصليًا بذلك، وبه قال الشافعية. وقال أبو حنيفة: لا يصلي في هذه الحالة وتسقط الصلاة. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا لم يقدر على القراءة والتكبير لم يجزئه أن ينوي ذلك بغير حركة اللسان بقدر ما يطيق. وهذا وإن كان فيه إشارة إلى أن النية لا تنفع، فإن المراد أن يأتي بحركة اللسان إذا لم يعجز عنها. انتهى. وفيه نظر؛ لأن ظاهر قول ابن القاسم أنه عاجز عن حركة اللسان، [٥٦/ أ] وعلى كلام المازري،

стр. 350

فقول المصنف: (عَجَزَ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ سِوَى نِيَّتِهِ) ليس بجيد؛ لأنه يقتضي أنه لو قدر على تحريك عينيه للزمته الصلاة بلا إشكال، وهو محل عدم النص على ما قاله المازري. وَعَجْزُهُ لِمَشَقَّةٍ أَوْ خَوْفِ عِلَّةٍ أَوْ لا يَمْلِكُ خُرُوجَ الْحَدَثِ إِذَا قَامَ لم يذكر في هذا الباب خلافًا كالتيمم، والظاهر أنه لا فرق بينهما، ونص ابن عبد الحكم على أن من لا يملك الريح إذا قام على سقوط القيام عنه، واستشكله سند بأن هذا سلس فلا يترك الركن له، ولو خاف من القيام انقطاع العروق ودوام العلة صلى إيماءً، قاله مطرف وعبد الملك. فَإِنْ عَجَزَ عَنْ غَيْر الْقِيَامِ قَامَ وَأَوْمَأ، وَفِي إِيمَائِهِ وُسْعَهُ قَوْلانِ قوله: (فَإِنْ عَجَزَ عَنْ غَيْر الْقِيَامِ) أي: لا يقدر على الركوع والسجود فإنه يصلي قائما إيماءً، والأقرب في الإيماء أن يكون إلى الوسع؛ لأنه أقرب إلى الأصل، وهو ظاهر مختصر ابن شعبان. وأخذ اللخمي والمازري من قوله في المدونة في المصلي قائمًا: يكون إيماؤه للسجود أخفض من إيمائه من الركوع أنه ليس عليه نهاية طاقته. ورده ابن بشير بأنه قال ذلك للفرق، لا لأنه لا يومئ وسعه. ومنشأ الخلاف هل الحركة إلى الركن مقصودة أم لا؟ فرع: قال المازري: فإن زاد على ما أمر به، مثل من بجبهته قروح تمنعه من السجود عليها فإنه مأمور بأن يومئ ولا يسجد على أنفه. قال ابن القاسم في المدونة، فإن لم يفعل وسجد على أنفه فقال أشهب: يجزئه؛ لأنه زاد على الإيماء. واختلف المتأخرون في مقتضى قول ابن القاسم هل الإجزاء– كما قال أشهب– أم لا؟ فقال بعضهم– وحكاه عن ابن القصار– هو خلاف قول أشهب؛ لأن فرض هذا المصلي الإيماء، فإذا سجد على أنفه فقد ترك فرضه، فصار كمن سجد لركعته فلا يعتد بذلك، وإن كان زاد على مبلغ الركعة. وقال

стр. 351

غيره من الأشياخ: بل هو موافق للمذهب؛ لأن الإيماء لا يحصر بحدَّ ينتهي إليه، ولو قارب المومُئ الأرضَ أجزاه باتفاقٍ، فزيادةُ مساس الأرض بالأنف لا تؤثر، مع أن الإيماء رخصة وتخفيف، ومن ترك الرخصة وارتكب المشقة فإنه يعتد بما فعل، كمتيممٍ أبيح له التيمم لعذرٍ، فتحمل المشقة واغتسل بالماء فإنه يجزئه. انتهى. فإن قيل: قد تقدم في حق من كان فرضه التيمم واغتسل الإجزاء، وكذلك من كان فرضه الفطر وصام، ولم يذكروا خلافًا، فهل يمكن أن يخرج فيه الخلاف من هذه المسألة؟ قيل: لا؛ لأن هذا لما سجد على أنفه، فقد يقال: إنه لم يأت بالأصل، وهو السجود، ولا ببدله، وهو الإيماء، وإنما نظير المسألتين المذكورتين– أن لو سجد على جبهته، والله أعلم. فَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْجَمِيعِ لَكِنْ إِنْ سَجَدَ لا يَنْهَضُ قَائِماً فَقِيلَ: يُصَلِّي الأُولَى قَائِماً وَيُتِمُّ قَاعِداً. وَقِيلَ: يُصَلِّي قَائِماً إِيمَاءً، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فِي الأَخِيرَةِ. أي: أن هذا المريض يستطيع القيام والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس، لكن إذا جلس لا يستطيع النهوض إلى القيام، فقيل: يصلي الأولى قائمًا بكمالها ويتم بقية الصلاة جالسًا، وإليه مال التونسي واللخمي وابن يونس. وقال بعض المتأخرين: يصلي الثلاث الأول إيماءً؛ أي: يؤمئ بركوعها وسجودها وهو قائم، ثم يركع ويسجد في الرابعة، ويلزم على الأول الإخلال بالركوع من ثلاث ركعات، وعلى الثاني الإخلال بالسجود ثلاث ركعات، ورجح الأول بأن المكلف مطلوب أولاً بفعل ما قدر عليه حتى يتحقق عجزه، وتركه شيئًا مع القدرة عليه لما يأتي به بعد من باب تقديم المظنون على المقطوع. وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْفَاتِحَةِ قَائِماً فَالْمَشْهُورِ الْجُلُوسُ أي: إذا عجز عن جميعها حال القيام، ولم يعجز عنها حال الجلوس لدوخةٍ أو غيرها فالمشهور الجلوس؛ لأن القيام إنما وجب لها، فإذا لم يقدر أن يقف لها سقط. وقوله

стр. 352

(فَالْمَشْهُورِ) يقتضي أنه نصٌّ. وفي ابن بشير: وإن عجز عن القيام لكمال الفاتحة فهاهنا مقتضى الروايات أنه ينتقل إلى الجلوس، وهذا ظاهر على القول بوجوب الفاتحة في كل ركعة، وأما على القول بأنها فرض في ركعةٍ فينبغي أن يقوم مقدار ما يمكنه إلا في ركعة واحدة، فيجلس ويأتي بأم القرآن. انتهى. خليل: وينبغي أن يقيد هذا بما إذا قام ولم يقدر بعد ذلك على الجلوس، وأما لو قدر على الجلوس فينبغي أن يقوم قدر ما يطيق، فإذا عجز جلس وكمل الفاتحة من غير خلاف. وَيُسْتَحَبُّ التَّرَبُّعُ، وَقِيلَ: كَالتَّشَهُّدِ أي: حيث قلنا يصلي جالسًا فالمستحب مِن الهيئةِ – على المشهور– التربُّعُ؛ لأنه بدلٌ مِن القيام وقيل: كجلوسِ الشتهد. واختاره المتأخرون. قال اللخمي: وهي التي اختارها اللهُ لعبادهِ، وهي جِلسة الأدنى بين يَدي الأعلى، والتربعُ جِلسة الأَكْفاء. وَيُكْرَهُ الإِقْعَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ. أَبُو عُبَيْدَةَ: عَلَى اَلْيَتَيْهِ نَاصِباً قَدَمَيْهِ. وَقِيلَ: نَاصِباً فَخِذَيْهِ .... كُره لقولِ مالك: ما أدركت أحدًا من أهل العلم إلا وهو ينهى عنه. وما صدر به نَسبه الجوهريُّ في صحاحه إلى الفقهاء، ولفظه: والإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين. وهذا [٥٦/ ب] تفسير الفقهاء، وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض ويتسانَدَ إلى ظهره. انتهى. قال بعضهم: مثل إقعاء الكلب والأسد. زاد ابن يونس عن أبي عبيدة: ويضع يديه بالأرض. وقوله: (وَقِيلَ: نَاصِباً فَخِذَيْهِ) لم أر هذا القول ولم أتحقق معناه.

стр. 353

وَلا حَدَّ فِي تَفْرِيِقِ الأَصَابِعِ وَضَمِّهَا فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، وَجُلُوسُ التَّشَهُّدِ كَغَيْرِهِ، وَيُكَبِّرُ لِلدُّخُولِ فِي الثَّالِثَةِ ....... أي: لا حد في تفرقة الأصابع، بل يفعل ما تيسر عليه. ونص مالك على أن الفعل الخاص من البدع. واستحب ابن شعبان ضمها في السجود؛ لاستقبال القبلة بسائر أصابع اليد بخلاف تفرقتها. وقوله: (وَجُلُوسُ التَّشَهُّدِ) أي في حق الجالس كغيره من الجلوس بين السجدتين. والضمير في (وَيُكَبِّرُ لِلدُّخُولِ فِي الثَّالِثَةِ) عائد على المصلي جالسًا، فيكَبِّرُ إذا تَمَّ تشهدُه، ويتربع على المشهور. وَالرَّمِدُ يَتَضَرَّرُ بِالْقِيَامِ، وَغَيْرُهُ كَغَيْرِهِ (وَغَيْرُهُ) أي: من الركوع والسجود. (كَغَيْرِهِ) أي: من ذوي العذر. وَفِيهَا فِي قَادِحِ الْمَاءِ: يُعيد أبداً، وَعُلَّلَ بِتَرَدُّدِ النُّجحِ فِيهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: مَعْذُورٌ. وَهُوَ الصَّحِيحُ ....... لما ذكر أن الرَّمِدَ كغيرِه خشي أن ينقض عليه بهذه المسألة؛ فذكرها ليبين أنه اختار خلاف مذهب المدونة، وقد اعترض الشيوخ مذهب المدونة بأن التداوي مباح؛ فينبغي أن لا يُعيد، وعلل مذهب المدونة بتردد النجح كما ذكر المصنف، وأجيب بأن الظن عند الأطباء حاصل بالنجح، ولم يكلفوا اليقين. وقوله: (يُعيد أبداً) زاد في سماع موسى: يقوم ويصلي وإن ذهبت عيناه. وقول أشهب رواية أيضاً عن مالك، رواها ابن وهب، واختارها التونسي وابن محرز، وأجازه مالك في كتاب ابن حبيب في اليوم ونحوه، وكرهه فيما كثر من الأيام. والخلاف مقيد بما إذا أدى ذلك إلى الاضطجاع، وأما إن أدى إلى ترك القيام للجلوس فإنه يصلي جالسًا، ويجوز له ذلك، قاله المازري، ولم يَحْكِ فيه خلافًا.

стр. 354

ثُمَّ حَيْثُ خَفَّ الْمَعْذُورُ انْتَقَلَ إِلَى الأَعْلَى (خَفَّ) أي: وجد في نفسه القوة انتقل إلى الأعلى، فإن كان جالسًا قام، وإن كان يومئ ركع وسجد كذلك، وهو ظاهر. وَلا يَتَنَفَّلُ قَادِرٌ عَلَى الْقُعُودِ مُضْطَجِعاً عَلَى الأَصَحِّ قوله: (قَادِرٌ عَلَى الْقُعُودِ) ظاهره سواءٌ كان مريضًا أو صحيحًا، وحكى اللخمي في المسألة ثلاثة أقوال: أجاز ذلك ابن الجلاب للمريض خاصة، وهو ظاهر المدونة، وفي النوادر المنع وإن كان مريضًا، وأجازه الأبهري للصحيح، ومنشأ الخلاف القياسُ على الرُّخَصِ. فَلَوِ افْتَتَحَهَا قَائِماً ثُمَّ شَاءَ الْجُلُوسَ فَقَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، بِخِلافِ الْعَكْسِ تصور هذا الكلام ظاهرٌ بناءً على أن التخيير في الجملة يقتضي التخيير في الأبعاضِ أم لا؟ كخصال الكفارة، وقسم اللخمي المسألة على ثلاثة أقسام: إن التزم القيام لم يجلس، وإن نوى الجلوس جلس، فإن نوى القيام ولم يلتزمه فقولان. الرُّكُوعُ: وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَقْرُبُ رَاحَتَاهُ مِنْ رُكْبَتَيْهِ أي: الفرض الرابع: الركوعُ، وأقله أن ينحني بحيث تقرب راحتاه من ركبتيه، والراحتان الكفان، ثم بين أكملَه، فقال: وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ وَلا يُنَكِّسَ رَاسَهُ إِلى الأَرْضِ ...... (يَنْصِبَ) أي: يقيم ركبتيه معتدلتين، والأفعال منصوبة عطفًا على (يَنْصِبَ)، فهي على الاستحباب. (وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ) أي: تجنيحًا وَسَطًا، وهو خاصٌّ بالرَّجُلِ، وأما المرأةُ فيطلب في حقها الانضمامُ، ولا ينكس رأسه بل يكون ظهره مستويًا، وقد ورد النهي عن الإفراط في الركوع.

стр. 355

الْخَامِسُ: الرَّفْعُ: فإِنْ أَخَلَّ بِهِ وَجَبَتِ الإِعَادَةُ عَلَى الأَشْهَرِ، فَلَوْ لَمْ يَعْتَدِلْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَجْزَأَهُ وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لا يُجْزِئُهُ. وَقِيلَ: إِنْ قَارَبَ أَجْزَأَهُ، وَعَلَى وُجُوبِ الاعْتِدَالِ، ففِي وُجُوبِ الطُّمَأنِينَةِ فيهِ وَفِي غَيْرِه قَوْلانِ، وَفِيهَا: وَلا أَعْرِفُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي رَفْعٍ وَلا خَفْضٍ، وَرَوَى أَشْهَبُ: يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا أي: الفرض الخامس: الرفعُ من الركوع. وقوله: (فإِنْ أَخَلَّ بِهِ) أي تَرَكَه جملةً، والأشهر هو الصحيحُ، لقول النبي ﷺ للأعرابي: "صَلِّ فإنك لم تُصَلِّ" فقال: علمني يا رسول الله. فأمره بالتكبير والقراءة ثم قال له: "اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها" أخرجه البخاري ومسلم. ومقابل الأشهرِ رواية عن مالك يَرى أن الرفعَ سُنة، ووجهُه التمسكُ بظاهر القرآن في الأمر بالركوع والسجود، ولم يَذكر الرفع، وهو بعيد. ولو قال المصنف: على الْمَشْهُورِ لكان أولى، لأن مقابل الأشهر لا حظ له هنا في الشُّهرة. وقوله: (فَلَوْ لَمْ يَعْتَدِلْ .... إلخ) أي: إذا فرَّعنا على وجوب الرفع فاختلف، هل يجب الاعتدال؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سنة، ونقل عن ابن القاسم، الثاني: أنه واجب، وهو قول أشهب وابن القصار وابن الجلاب وابن عبد البر، الثالث: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب، حكاه ابن القصار أيضاً. وظاهر المذهب وجوبُ الطمأنينة، [٥٧/ أ] والواجب منها أدنى لبثٍ، واختلف في الزائد هل ينسحب عليه حكم الوجوب أو هو فضيلة؟ قولان، لكن قول المصنف: (وَعَلَى وُجُوبِ الاعْتِدَالِ، ففِي وُجُوبِ الطُّمَأنِينَةِ فيهِ) يقتضي أن الخلاف في الطمأنينة مرتب على القول بالوجوب فقط، وليس بجيد، بل الخلاف في الطمأنينة مطلقاً، ولو اكتفى بالخلاف الذي قدمه في الطمأنينة لكان أحسن، وقد تقدم ما يتعلق برفع اليدين.
следующие страницы →