Полный текст (4 728 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.
стр. 351
غيره من الأشياخ: بل هو موافق للمذهب؛ لأن الإيماء لا يحصر بحدَّ ينتهي إليه، ولو قارب المومُئ الأرضَ أجزاه باتفاقٍ، فزيادةُ مساس الأرض بالأنف لا تؤثر، مع أن الإيماء رخصة وتخفيف، ومن ترك الرخصة وارتكب المشقة فإنه يعتد بما فعل، كمتيممٍ أبيح له التيمم لعذرٍ، فتحمل المشقة واغتسل بالماء فإنه يجزئه. انتهى.
فإن قيل: قد تقدم في حق من كان فرضه التيمم واغتسل الإجزاء، وكذلك من كان فرضه الفطر وصام، ولم يذكروا خلافًا، فهل يمكن أن يخرج فيه الخلاف من هذه المسألة؟
قيل: لا؛ لأن هذا لما سجد على أنفه، فقد يقال: إنه لم يأت بالأصل، وهو السجود، ولا ببدله، وهو الإيماء، وإنما نظير المسألتين المذكورتين– أن لو سجد على جبهته، والله أعلم.
فَلَوْ قَدَرَ عَلَى الْجَمِيعِ لَكِنْ إِنْ سَجَدَ لا يَنْهَضُ قَائِماً فَقِيلَ: يُصَلِّي الأُولَى قَائِماً وَيُتِمُّ قَاعِداً. وَقِيلَ: يُصَلِّي قَائِماً إِيمَاءً، ثُمَّ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ فِي الأَخِيرَةِ.
أي: أن هذا المريض يستطيع القيام والركوع، والرفع منه، والسجود، والجلوس، لكن إذا جلس لا يستطيع النهوض إلى القيام، فقيل: يصلي الأولى قائمًا بكمالها ويتم بقية الصلاة جالسًا، وإليه مال التونسي واللخمي وابن يونس. وقال بعض المتأخرين: يصلي الثلاث الأول إيماءً؛ أي: يؤمئ بركوعها وسجودها وهو قائم، ثم يركع ويسجد في الرابعة، ويلزم على الأول الإخلال بالركوع من ثلاث ركعات، وعلى الثاني الإخلال بالسجود ثلاث ركعات، ورجح الأول بأن المكلف مطلوب أولاً بفعل ما قدر عليه حتى يتحقق عجزه، وتركه شيئًا مع القدرة عليه لما يأتي به بعد من باب تقديم المظنون على المقطوع.
وَلَوْ عَجَزَ عَنِ الْفَاتِحَةِ قَائِماً فَالْمَشْهُورِ الْجُلُوسُ
أي: إذا عجز عن جميعها حال القيام، ولم يعجز عنها حال الجلوس لدوخةٍ أو غيرها فالمشهور الجلوس؛ لأن القيام إنما وجب لها، فإذا لم يقدر أن يقف لها سقط. وقوله
стр. 352
(فَالْمَشْهُورِ) يقتضي أنه نصٌّ. وفي ابن بشير: وإن عجز عن القيام لكمال الفاتحة فهاهنا مقتضى الروايات أنه ينتقل إلى الجلوس، وهذا ظاهر على القول بوجوب الفاتحة في كل ركعة، وأما على القول بأنها فرض في ركعةٍ فينبغي أن يقوم مقدار ما يمكنه إلا في ركعة واحدة، فيجلس ويأتي بأم القرآن. انتهى.
خليل: وينبغي أن يقيد هذا بما إذا قام ولم يقدر بعد ذلك على الجلوس، وأما لو قدر على الجلوس فينبغي أن يقوم قدر ما يطيق، فإذا عجز جلس وكمل الفاتحة من غير خلاف.
وَيُسْتَحَبُّ التَّرَبُّعُ، وَقِيلَ: كَالتَّشَهُّدِ
أي: حيث قلنا يصلي جالسًا فالمستحب مِن الهيئةِ – على المشهور– التربُّعُ؛ لأنه بدلٌ مِن القيام وقيل: كجلوسِ الشتهد. واختاره المتأخرون. قال اللخمي: وهي التي اختارها اللهُ لعبادهِ، وهي جِلسة الأدنى بين يَدي الأعلى، والتربعُ جِلسة الأَكْفاء.
وَيُكْرَهُ الإِقْعَاءُ، وَهُوَ أَنْ يَجْلِسَ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ. أَبُو عُبَيْدَةَ: عَلَى اَلْيَتَيْهِ نَاصِباً قَدَمَيْهِ. وَقِيلَ: نَاصِباً فَخِذَيْهِ ....
كُره لقولِ مالك: ما أدركت أحدًا من أهل العلم إلا وهو ينهى عنه. وما صدر به نَسبه الجوهريُّ في صحاحه إلى الفقهاء، ولفظه: والإقعاء أن يضع أليتيه على عقبيه بين السجدتين. وهذا [٥٦/ ب] تفسير الفقهاء، وأما أهل اللغة فالإقعاء عندهم: أن يلصق الرجل أليتيه بالأرض ويتسانَدَ إلى ظهره. انتهى. قال بعضهم: مثل إقعاء الكلب والأسد.
زاد ابن يونس عن أبي عبيدة: ويضع يديه بالأرض.
وقوله: (وَقِيلَ: نَاصِباً فَخِذَيْهِ) لم أر هذا القول ولم أتحقق معناه.
стр. 353
وَلا حَدَّ فِي تَفْرِيِقِ الأَصَابِعِ وَضَمِّهَا فِي رُكُوعٍ أَوْ سُجُودٍ، وَجُلُوسُ التَّشَهُّدِ كَغَيْرِهِ، وَيُكَبِّرُ لِلدُّخُولِ فِي الثَّالِثَةِ .......
أي: لا حد في تفرقة الأصابع، بل يفعل ما تيسر عليه. ونص مالك على أن الفعل الخاص من البدع. واستحب ابن شعبان ضمها في السجود؛ لاستقبال القبلة بسائر أصابع اليد بخلاف تفرقتها.
وقوله: (وَجُلُوسُ التَّشَهُّدِ) أي في حق الجالس كغيره من الجلوس بين السجدتين. والضمير في (وَيُكَبِّرُ لِلدُّخُولِ فِي الثَّالِثَةِ) عائد على المصلي جالسًا، فيكَبِّرُ إذا تَمَّ تشهدُه، ويتربع على المشهور.
وَالرَّمِدُ يَتَضَرَّرُ بِالْقِيَامِ، وَغَيْرُهُ كَغَيْرِهِ
(وَغَيْرُهُ) أي: من الركوع والسجود. (كَغَيْرِهِ) أي: من ذوي العذر.
وَفِيهَا فِي قَادِحِ الْمَاءِ: يُعيد أبداً، وَعُلَّلَ بِتَرَدُّدِ النُّجحِ فِيهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: مَعْذُورٌ. وَهُوَ الصَّحِيحُ .......
لما ذكر أن الرَّمِدَ كغيرِه خشي أن ينقض عليه بهذه المسألة؛ فذكرها ليبين أنه اختار خلاف مذهب المدونة، وقد اعترض الشيوخ مذهب المدونة بأن التداوي مباح؛ فينبغي أن لا يُعيد، وعلل مذهب المدونة بتردد النجح كما ذكر المصنف، وأجيب بأن الظن عند الأطباء حاصل بالنجح، ولم يكلفوا اليقين.
وقوله: (يُعيد أبداً) زاد في سماع موسى: يقوم ويصلي وإن ذهبت عيناه. وقول أشهب رواية أيضاً عن مالك، رواها ابن وهب، واختارها التونسي وابن محرز، وأجازه مالك في كتاب ابن حبيب في اليوم ونحوه، وكرهه فيما كثر من الأيام. والخلاف مقيد بما إذا أدى ذلك إلى الاضطجاع، وأما إن أدى إلى ترك القيام للجلوس فإنه يصلي جالسًا، ويجوز له ذلك، قاله المازري، ولم يَحْكِ فيه خلافًا.
стр. 354
ثُمَّ حَيْثُ خَفَّ الْمَعْذُورُ انْتَقَلَ إِلَى الأَعْلَى
(خَفَّ) أي: وجد في نفسه القوة انتقل إلى الأعلى، فإن كان جالسًا قام، وإن كان يومئ ركع وسجد كذلك، وهو ظاهر.
وَلا يَتَنَفَّلُ قَادِرٌ عَلَى الْقُعُودِ مُضْطَجِعاً عَلَى الأَصَحِّ
قوله: (قَادِرٌ عَلَى الْقُعُودِ) ظاهره سواءٌ كان مريضًا أو صحيحًا، وحكى اللخمي في المسألة ثلاثة أقوال: أجاز ذلك ابن الجلاب للمريض خاصة، وهو ظاهر المدونة، وفي النوادر المنع وإن كان مريضًا، وأجازه الأبهري للصحيح، ومنشأ الخلاف القياسُ على الرُّخَصِ.
فَلَوِ افْتَتَحَهَا قَائِماً ثُمَّ شَاءَ الْجُلُوسَ فَقَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، بِخِلافِ الْعَكْسِ
تصور هذا الكلام ظاهرٌ بناءً على أن التخيير في الجملة يقتضي التخيير في الأبعاضِ أم لا؟ كخصال الكفارة، وقسم اللخمي المسألة على ثلاثة أقسام: إن التزم القيام لم يجلس، وإن نوى الجلوس جلس، فإن نوى القيام ولم يلتزمه فقولان.
الرُّكُوعُ: وَأَقَلُّهُ أَنْ يَنْحَنِيَ بِحَيْثُ تَقْرُبُ رَاحَتَاهُ مِنْ رُكْبَتَيْهِ
أي: الفرض الرابع: الركوعُ، وأقله أن ينحني بحيث تقرب راحتاه من ركبتيه، والراحتان الكفان، ثم بين أكملَه، فقال:
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَنْصِبَ رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعَ كَفَّيْهِ عَلَيْهِمَا وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ وَلا يُنَكِّسَ رَاسَهُ إِلى الأَرْضِ ......
(يَنْصِبَ) أي: يقيم ركبتيه معتدلتين، والأفعال منصوبة عطفًا على (يَنْصِبَ)، فهي على الاستحباب. (وَيُجَافِيَ مِرْفَقَيْهِ) أي: تجنيحًا وَسَطًا، وهو خاصٌّ بالرَّجُلِ، وأما المرأةُ فيطلب في حقها الانضمامُ، ولا ينكس رأسه بل يكون ظهره مستويًا، وقد ورد النهي عن الإفراط في الركوع.
стр. 355
الْخَامِسُ: الرَّفْعُ: فإِنْ أَخَلَّ بِهِ وَجَبَتِ الإِعَادَةُ عَلَى الأَشْهَرِ، فَلَوْ لَمْ يَعْتَدِلْ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: أَجْزَأَهُ وَيَسْتَغْفِرُ اللهَ. وَقَالَ أَشْهَبُ: لا يُجْزِئُهُ. وَقِيلَ: إِنْ قَارَبَ أَجْزَأَهُ، وَعَلَى وُجُوبِ الاعْتِدَالِ، ففِي وُجُوبِ الطُّمَأنِينَةِ فيهِ وَفِي غَيْرِه قَوْلانِ، وَفِيهَا: وَلا أَعْرِفُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ فِي رَفْعٍ وَلا خَفْضٍ، وَرَوَى أَشْهَبُ: يُسْتَحَبُّ فِيهِمَا
أي: الفرض الخامس: الرفعُ من الركوع. وقوله: (فإِنْ أَخَلَّ بِهِ) أي تَرَكَه جملةً، والأشهر هو الصحيحُ، لقول النبي ﷺ للأعرابي: "صَلِّ فإنك لم تُصَلِّ" فقال: علمني يا رسول الله. فأمره بالتكبير والقراءة ثم قال له: "اركع حتى تطمئن راكعًا ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا ثم ارفع حتى تطمئن جالسًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها" أخرجه البخاري ومسلم.
ومقابل الأشهرِ رواية عن مالك يَرى أن الرفعَ سُنة، ووجهُه التمسكُ بظاهر القرآن في الأمر بالركوع والسجود، ولم يَذكر الرفع، وهو بعيد.
ولو قال المصنف: على الْمَشْهُورِ لكان أولى، لأن مقابل الأشهر لا حظ له هنا في الشُّهرة.
وقوله: (فَلَوْ لَمْ يَعْتَدِلْ .... إلخ) أي: إذا فرَّعنا على وجوب الرفع فاختلف، هل يجب الاعتدال؟ على ثلاثة أقوال: أحدها: أنه سنة، ونقل عن ابن القاسم، الثاني: أنه واجب، وهو قول أشهب وابن القصار وابن الجلاب وابن عبد البر، الثالث: إن كان إلى القيام أقرب أجزأه، قاله عبد الوهاب، حكاه ابن القصار أيضاً.
وظاهر المذهب وجوبُ الطمأنينة، [٥٧/ أ] والواجب منها أدنى لبثٍ، واختلف في الزائد هل ينسحب عليه حكم الوجوب أو هو فضيلة؟ قولان، لكن قول المصنف: (وَعَلَى وُجُوبِ الاعْتِدَالِ، ففِي وُجُوبِ الطُّمَأنِينَةِ فيهِ) يقتضي أن الخلاف في الطمأنينة مرتب على القول بالوجوب فقط، وليس بجيد، بل الخلاف في الطمأنينة مطلقاً، ولو اكتفى بالخلاف الذي قدمه في الطمأنينة لكان أحسن، وقد تقدم ما يتعلق برفع اليدين.
стр. 356
وَيُسْتَحَبُّ لِلْمُنْفَرِدِ فِي الرَّفْعِ: سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ، اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَكَ الْحَمْدُ، وَلِلإِمَامِ الأَوَّلُ. وَقِيلَ: مِثلُهُ وَلِلْمَامُومِ الثَّانِي، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: ولَك. وَابْنُ وَهْبٍ: لك ......
قد تقدم أن قوله: (سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ) سنة، فالاستحباب إنما هو راجع إلى الجميع، والْمَشْهُورِ: أن الإمام يقول: سمع الله لمن حمده فقط؛ لقوله ﷺ في الصحيح: "وإذا قال الإمام: سمع الله لمن حمده، فقولوا: ربنا ولك الحمد". (وَقِيلَ: مِثلُهُ) أي: مثل المنفرد في الجمع، وهو قول عيسى بن دينار وابن نافع، وقاله مالك أيضاً، واختاره عياض وغيره، لما ثبت أن النبي ﷺ كان يقوله.
والأظهر إثبات الواو لأن الكلام –عليه– جملتان، تقديره: يا ربنا استجب لنا ولك الحمد، بخلاف ما إذا أسقطه، فإن الكلام يبقى جملة واحدة، والإطناب في الدعاء مطلوبٌ، وقد صحت الروايتان عنه ﷺ .
السُّجُودُ: وَهُوَ تَمْكِينُ الْجَبْهَةِ وَالأَنْفِ مِنَ الأَرْضِ، وَفِي أَحَدِهمَا ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورِ إِنْ كَانَتِ الْجَبْهَةُ أَجْزَأَ ....
أي: الفرض السادس السجود. والقول بالإجزاء – مع الاقتصار على أحدهما – حكاه أبو الفرح في الحاوي عن ابن القاسم، وقال: يُعيد في الوقت. والقول بنفي الإجزاء متى لم يسجد عليهما لابن حبيب، واختاره ابن العربي؛ لأنه صفة سجوده ﷺ ، فيكون مُبَيِّنًا لإطلاق الآية. والثالث: المشهور، ووَجْهُه أن معظم السجود على الجبهة، فإذا سجد عليها حصل المطلوب. قال عبد الوهاب: ويُعيد في الوقت لترك الأنف.
وَتَقْدِيمُ يَدَيْهِ قَبْلَ رُكْبَتَيْهِ أَحْسَنُ، وَتَاخِيرُهُمَا عِنْدَ الْقِيَامِ
أي: الأحسن تقديم اليدين قبل الركبتين في الهُوِيِّ إلى السجود، وفي أبي داود والنسائي عنه ﷺ : "إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه قبل
стр. 357
ركبتيه"، وفي رواية قال: "يعمد أحدكم فيبرك في صلاته كما يبرك الجمل"، لكن في أبي داود: "نهى رسول الله ﷺ أن يعتمد الرجل على يديه إذا نهض من الصلاة" وفي أبي داود والترمذي والنسائي قال: "كان رسول الله ﷺ إذا سجد وضع ركبتيه ققبل يديه، وإذا نهض رفع يديه قبل ركبتيه". وروى ابن عبد الحكم عن مالك – التخيير.
وقوله: (وَتَاخِيرُهُمَا عِنْدَ الْقِيَامِ) حكى فيه في البيان ثلاث روايات: الأولى: إجازة ترك الاعتماد وفعله، ورأى ذلك سواء، وهو مذهبه في المدونة، ومرة استحب الاعتماد وضعف تركه، ومرة استحب تركه، قال: وهو أولى الأقوال باصواب؛ لأنه قد روي عنه ﷺ أنه قال: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير، ولكن يضع يديه قبل ركبتيه)) فإذا أَمَرَه بوضعِ اليدين أوَّلاً في سجوده –حتى لا يشبه البعير في بروكه– وجب أن يضع يديه في القيام حتى لا يشبه البعير في قيامه. انتهى.
وَأَمَّا الْيَدَانِ فَقَالَ سَحْنُونٌ: إِنْ لَمْ يَرْفَعْ يَدَيْهِ بَيْنَهُمَا فَقَوْلانِ
أي: يتخرج في وجوب السجود على اليدين قولان من القولين اللذين ذكرهما سحنون في بطلان صلاة من لم يرفعهما من الأرض، فعلى البطلان يكون السجو عليهما واجبًا، وإلا فلا.
وَأَمَّا الرُّكْبَتَانِ وَأَطْرَافُ الْقَدَمَيْنِ فَسُنُّةٌ فِيمَا يَظْهَرُ، وَقِيلَ: وَاجِبٌ
كون السجود عليهما سنة ليس بالصريح في المذهب، قال ابن القصار: الذي يقوى في نفسي أنه سنة في المذهب. وإليه أشار بقوله: (فِيمَا يَظْهَرُ) أي من المذهب، لأنه اختيارٌ منه مخالف للمنقول. ووجه القول بالوجوب قوله ﷺ : ((أمرت أن أسجد على سبعة أعضاء)). وقوله: (وَأَطْرَافُ الْقَدَمَيْنِ) احترازًا من أن يسجد على ظهور قدميه.
стр. 358
وَلَوْ سَجَدَ عَلَى كَوْرِ عِمَامَتِهِ كَالطَّاقَتَيْنِ أَوْ طَرَفِ كُمِّهِ صَحَّ
كَور العمامة –بفتح الكاف– مجمع طاقتها. وأطلق مالكٌ الإجزاء في الكَوْرِ، وقيده ابن حبيب بما ذكره المصنف، وحمله المصنف وغيره على الوفاق، وحملَه بعضُهم على الخلاف.
المازري بعد كلام مالك وابن حبيب: وهذا فيما شُدَّ على الجبهة، لا فيما بَرَزَ عنها حتى منع لصوقها بالأرض. أي: فإن ذلك لا يجزئ اتفاقًا، وكذلك قال ابن عات: ولا شك في صحة صلاة من صلى على طرف ثوبه أو كمه على المذهب، وأما حكمه ابتداء فالكراهة إلا لضرورةٍ كاتقاءِ حرِّ الأرض أو بردها.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُفَرِّقَ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ، وَبَيْنَ مِرْفَقَيْهِ وَجَنْبَيْهِ، وَبيْنَ بَطْنِهِ وَفَخِذَيْهِ- بخِلافِ الْمَرْأَةِ- وَلَهُ تَرْكُهُ فِي النَّافِلَةِ إِذَا طَوَّلَ
هذا ظاهر، وفي المرأة قولٌ أنها كالرجل.
وَتُسْتَحَبُّ مُبَاشَرَةُ الأَرْضِ بِالْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ، وَفِي غَيْرِهِمَا مُخَيَّرٌ، فَإِنْ عَسُرَ لِحَرَّ أَوْ بَرْدٍ وَنَحْوِهِ سَجَدَ عَلَى [٥٧/ب] مَا لا تَرَفُّهَ فِيهِ كالخُمْرَةِ وَالْحَصِيرِ وَمَا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ، بِخِلافِ ثِيَابِ الصُّوفِ وَالْكَتَّانِ وَالْقُطْنِ، وَالأَوْلَى وَضْعُ يَدَيْهِ عَلَى مَا يَضَعُ عَلَيْهِ جَبْهَتَهُ
استُحِبَّت المباشرة؛ لأنَّ ذلك مِن التواضع، ولذلك لم يتخذ في مسجدي الحرمين حصير. وحكى أبو طالب في القوت: أن تحصير المساجد من البدعِ المحدّثة.
والْمَشْهُورِ كراهة ثياب القطن والكتان، وأباح ذلك ابن مسلمة. والخُمْرُة: فرضٌ صغيرٌ. قال ابن بشير: قال المحققون، إذا كان الأصلُ الرفاهيةَ، فكل ما فيه رفاهيةٌ– ولو كان مما تنبته الأرض كالحصر السامان – فإنه يكره، وكلُّ ما لا تَرَفُّهَ فيه فإنه لا يكره، ولو كان مما لا تنبته الأرض كالصوف الذي لا يقصد به الترفه. وهذا إنما يكره في الوجه والكفين، وأما غيرهما من الأعضاء فيجوز أن توضع على كلِّ طاهرٍ، والفرقُ: تعلقُ
стр. 359
الخضوعِ بهما؛ ووجهُ استحباب وضع اليدين على ما يضع عليه الوجه أنهما يُرفعان مع الوجه ويُوضعان مع الوجه، فوجب أن يكون حكمُهما في ذلك حكمَه.
وفي قول المصنف: (فَإِنْ عَسُرَ) نظرٌ؛ لأنه يقتضي أنه إنما يجوز ما تنبته الأرض مع العسر، والمذهبُ جوازُ ذلك اختيارًا.
الرَّفْعُ مِنْهُ: وَالاعْتِدَالُ فِيهِ وَالطُّمَانِينَةُ كَالرُّكُوعِ
اعتُرِض على المصنف بأنه شبَّه الرفعَ من السجود– وهو متفق على وجوبه– بالرفع من الركوع، وهو مختلفٌ فيه.
وأُجيب بأن التشبيه في الطلبِ فقط، لا في الخلاف. وقاعدةُ المصنف أنه إنما يشبه بالخلاف إذا ذكر المشبه به بإثر المشبه، كما قال: والدمُ المسفوحُ نجسٌ، وغيرُه طاهرٌ، وقيل: قولان، كأكله. وأما مع البُعْدِ فإنما يُشبه في القول الراجح فقط.
واتُفق على وجوب الرفع من السجود، بخلاف الرفع من الركوع؛ لاختلاف شكل الركوع والسجود؛ لأن الركوع انحناء الظهر، والسجود إلصاق الوجه بالأرض، والفرق بينهما حاصل إذا ركع ولم يرفعْ رأسَه، والسجدةُ الواحدة– وإن طالت– لا تُتصور سجدتين، فلا بد من الفصل بين السجدتين حتى يكونا اثنتين لا واحدة، قاله المازري. نعم، اختُلف في الاعتدال في الرفع منه كالركوع.
وَلا بَاسَ بِالدُّعَاءِ فِي السُّجُودِ، وَالرَّفْعِ مِنْهُ، بِخِلافِ الرُّكُوعِ، وَلَكِنْ يُسَبِّحُ، وَأَنْكَرَ التَّحْدِيدَ فِي الْجَمِيعِ بِشَيْءٍ مَخْصُوصٍ .....
مقضتى كلمه أن الدعاء في السجود ليس مستحبًا، وكذلك قال ابن أبي زيد؛ لأنه قال: وتدعو في السجود إن شئت. وينبغي أن يكون مستحبًا للآثار في ذلك، وأنكرَ مالكٌ التحديدَ في عدد التسبيحات أو في تعيين لفظها؛ لاختلاف الآثارِ في ذلك.
стр. 360
فائدة:
يكره الدعاء في خمسة مواضع باتفاق:
أولها: في أثناء الفاتحة، ذَكره صاحب البيان والتقريب؛ لأنها رُكنٌ فلا يُقطع لغيرِه، ولأنها ثناءٌ ودعاء فدعاؤها أَوْلَى.
وثانيها: بَعْدَ الفاتحة وقَبْلَ السورةِ، ذكره بعضُهم؛ لأن السورةَ سُنَّةٌ فلا يُشتغل عنها بما ليس بسنة.
وثالثها: في أثناء السورة، ذكره ابنُ عطاء. قال: لأنها سنةٌ، والدعاءُ ليس بسنةٍ. قال عنه ابن نافع في المجموعة: وإن كان في نافلة فيَمُرُّ بآيةِ استغفارِ فليستغفِرِ اللهَ، ويقول ما شاء الله، فلا بأسَ. وعلل ذلك بأن السورةَ في النافلةِ ليست مؤكدةً كما في الفريضة.
ورابعها: بَعْدَ الجلوسِ، وقَبْلَ التشهدِ، ذكرَه عبدُ الحق في نكته، وابنُ يونس، وصاحبُ البيان.
وخامسها: بَعْدَ سلام الإمام وقَبْلَ سلام المأموم، ذكره ابن الطلاع.
واختلف في أربعة مواضع:
بعد تكبيرة الإحرام وقبل القراءة، والْمَشْهُورِ– كما تقدم– الكراهةُ.
وفي الركوع، والمعروف من المذهب الكراهة، قال المازري: ووقفت لأبي مصعب على جواز الدعاء في الركوع. انتهى. ودليل الأول: قوله ﷺ : ((أما الركوع فعظموا فيه الرب))، فإن قيل: الدعاء لا ينافي التعظيم. قيل: فَهِمَ العلماءُ منه الأمرَ بقولِ: سبحان ربي العظيم وبحمده فقط.
وفي التشهد الأول، وذكر الباجي فيه قولين، والظاهرُ الكراهةُ؛ لأن السنةَ فيه التقصيرُ، والدعاءُ يُطوِّله.
стр. 361
والرابع: بين السجدتين، والصحيح الجواز، وهو الذي اقتصر عليه المؤلفُ وابنُ الجلاب وجماعةٌ.
وما عدا هذه المواضع فيجوز الدعاء فيه اتفاقًا كالسجود، وبعد القراءة، وقبل الركوع، والرفع من الركوع، والتشهد الأخير، والله أعلم.
وَلا يَقْرَأ فِي شَيْءٍ مِنْهَا
أي: في الركوع والسجود والرفع، وجاء في الصحيح النهيُ عن قراءة القرآن في الركوع والسجود، وأما الرفعُ فلا أعلم فيه حديثًا.
ثُمَّ يَقُومُ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ وَيَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ لِلْقِيَامِ أَوْ يَتْرُكُ
نبه بقوله: (يَقُومُ مِنْ غَيْرِ جُلُوسٍ) على خلاف الشافعية في استحبابهم جلسة الاستراحة.
فرع:
وإن جلس عامدًا فلا شيء عليه، وإن كان ساهيًا ففي العتبية عن مالك: يسجد للسهو. قال في البيان: ولم يراع في ذلك قول من رأى ذلك سُنةً؛ لضَعْفِ الخلاف عنده. انتهى. وروى ابن وهب وابن أبي أويس: لا سجود عليه إلا أن يجلس قدر ما يتشهد. وأشار مالك في العتبية إلى أن السجود إنما يجب على مَن جلس مُجْمِعًا على الجلوس، لا على الشاكِّ الذي يريد أن ينظر [٥٨/ أ] ما يصنع الناس. وكذلك نص بعضهم على أن الشاكَّ لا شيءَ عليه.
وقوله: (وَيَعْتَمِدُ عَلَى يَدَيْهِ لِلْقِيَامِ أَوْ يَتْرُكُ) ظاهرهُ التسويةُ، وقد تقدم من كلام صاحب البيان في هذه المسألة ثلاثة أقوال.
стр. 362
وَالثَّانِيَةُ مِثْلُهَا
أي: والركعةُ الثانيةُ مِثلُ الأولى، إلا أنَّ الثانية أقصرُ كما تقدَّم.
فرع:
وهل الأفضل في الثانيةِ أن يقرأ سورةً بعدَ السورةِ التي قرأ بها في الأُولَى، أو لا فرق بين ذلك والتي قبلها؟
عن مالك في ذلك روايتان، والذي اختاره ابن حبيب وابن عبد الحكم وابن رشد، واقتصر عليه في الجلاب أن ذلك أفضل، والله أعلم.
وَالسُّنَّةُ التَّكْبِيرُ حِينَ الشُّرُوعِ إِلا فِي قِيَامِ الْجُلُوسِ، فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ يَسْتَقِلَّ قَائِماً لِلْعَمَلِ إِذْ لَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ رُكْنٍ ....
يعني: أن التكبير يكون للأركان في حال الحركة إليها إلا في قيام الجلوس من الثانية، فإنه بعد أن يستقل في الثالثة لوجهين:
الأول: العمل، وكَفَى به. ورُوي أن عمر بن عبد العزيز كَتب إلى عُمَّاله فأمَرهم بذلك، فلم يُنكر ذلك عليه أحدٌ.
الثاني: أن التكبير على قسمين: إمَّا مفتَتَحٌ به رُكْنٌ، كتكبيرة الإحرام. وإمَّا في حالِ الحركة إذا انتقل عن ركنٍ، كالتكبير للركوعِ وغيرهِ، والجلوسُ الأول ليس بركنٍ، فأخر التكبير ليُفتتح به ركنٌ وهو القيام، كتكبيرة الإحرام. وقيل: إنها مشبهة بابتداء صلاة، لما جاء أن الصلاة فرضت ركعتين فأُقِرَّت صلاة السفر، وزيد في صلاة الحضر.
تنبيه:
ما ذكرناه من أن المشروع أنه لا يكبر في الثالثة إلا بعد الاستقلال هو المشهور. وقيل: إن التكبير في القيام إلى الثالثة كالتكبير في القيام إلى الثانية، وعلى المشهور فذلك مطلوب في حق المصلي مطلقاً إمامًا كان أو مأمومًا أو مفردًا، لكن المأموم يزيدُ بأنه لا يَقوم حتى
стр. 363
ينتصبَ إمامُه ويكبِّر، فإذا انتصب وكبَّر قام حينئذ، ولم يكبر إلا بعد استقلاله. نص على ذلك في الرسالة.
جُلُوسُ التَّسْلِيمِ، وَيُسْتَحَبُّ فِي جَمِيعِ الْجُلُوسِ جَعْلُ الْوَرِكِ الأَيْسَرِ عَلَى الأَرْضِ وَرِجْلاهُ مِنَ الأَيْمَنِ نَاصِباً قَدَمَهُ الْيُمْنَى وَبَاطِنُ إِبْهَامِهَا إِلَى الأَرْضِ وَكَفَّاهُ مَفْرُوجَتَانِ عَلَى فَخِذَيْهِ ....
في صفة الجلوس ثلاثة مذاهب:
أحدها لأبي حنيفة: ينصب اليمنى ويقعد على اليسرى.
والثاني للشافعي: الجلوسُ الأول كأبي حنيفة، والثاني كمالك.
والثالث لمالك: وهو ما ذكره المصنف.
وقوله: (وَبَاطِنُ إِبْهَامِهَا إِلَى الأَرْضِ) قال ابن أبي زيد بعد ذلك: وإن شئت أحنيت اليُمنى في انتِصابِها، فجعلتَ جَنْبَ بَهْمِها إلى الأرض فواسعٌ.
وَيَعْقِدُ فِي التَّشَهُّدَيْنِ بالْيُمْنَى شِبْهَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ، وَجَانِبُ السَّبَّابَةِ يَلِي وَجْهَهُ، وَيُشِيرُ بِهَا عِنْدَ التَّوْحِيدِ، وَقِيلَ: دَائِماً. وَقِيلَ: لا يُحَرِّكُهَا ......
أي: يقبض الخنصر، والبنصر، والوسطى، ويُقيم السبابة ويَضم الإبهام إليها، قاله ابن شاس.
ابن عبد السلام: فما فعله في السبابة والإبهام هو العشرون، وما فعله في الثلاثة الأخر هو التسعة، وما ذكره مخالف لما ذكره غيره، فإن ابن بشير قال: شبه ثلاث وثلاثين. وقال الباجي: شبه ثلاث وخمسين. وهذا يعرف عند أهله.
وحاصل ما ذكره المصنف في التحريك ثلاثة أقوال، وتصورها واضح، غير أن كلامه يقتضي أن الْمَشْهُورِ التحريك عند الشهادة فقط، وهذا القول إنما نقله الباجي.
стр. 364
والمازري عن يحيى بن عمر، ونقلاً عن مالك: أنه كان يحركها من تحت البُرْنُس، فلما قال المازري: وعندي أن ابن عمر إنما حركها عند الشهادة؛ لأنها حركة تستعمل في تقرير الأمر وثبوته. ألا ترى أن الإنسان إذا حدَّث صاحبه حَرَّك أصبعه كالمقرر بها مُلِحًّا بها، فلما افتتح المصلي الشهادتين رأى ابن عمر أن ذلك مما يحتاج إلى التقرير، فكأنه قرر على نفسه وحقق عندها صحة ما أخذ فيه. انتهى.
واختلف في معنى ذلك، فقيل: إن ذلك مقمعة للشيطان. وقيل: إشارة للتوحيد. وقيل: يشتغل به عن السهو.
قال ابن رشد: وحكم هذه الإشارة السُّنَّيَّةُ، وقال غيرُه: الاستحباب.
وَفِيهَا: اخْتِيَارُ التَّحِياتُ لِلّهِ الزَّاكِيَاتُ لِلَّهِ، الطَّيِّبَاتُ الصَّلَوَاتُ لِلَّهِ، السَّلامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ، أَشْهَدُ أَنْ لا إِلَهَ إِلا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ. وَيُسْتَحَبُّ الدُّعَاءُ بَعْدَهُ دُونَ الأَوَّلِ .....
اختار مالك هذا؛ لأنه هو الذي كان عمر يعلمه للناس على المنبر. ولم ينكره عليه من حضرة من الصحابة، ومعناه مشهور. ولم يذكر المصنف الصلاة على النبي ﷺ فيه وكأنه سكت عنه اكتفاء بما قدمه؛ إذ محلها الجلوس الثاني.
التَّسْلِيمُ: وَيَتَعَيَّنُ السَّلامُ عَلَيْكُمْ، فَلَوْ نَكِّرَ فَالْمَشْهُورِ كَغَيْرِهِ. وَفِي اشْتِرَاطِ نِيَّةِ الْخُرُوجِ بِهِ قَوْلانِ .....
أي: الفرضُ التاسعُ التسليمُ.
(فَلَوْ نَكِّرَ) أي: قال: سلام عليكم، فالْمَشْهُورِ كغيرِ السلام عليكم فلا يجزئ.
стр. 365
ومقابل المشهور لابن شبلون. قال ابن الفاكهاني: والمشهور عدمُ اشتراطِ نيةِ الخروجِ بالسلامِ. وقال سند: ظاهر المذهب افتقارُه إلى نية. وكذلك قال الشيخ [٥٨/ ب] عبد الحميد في استلحاقه، واقتصر صاحب الإشراف على الاشتراط، وحكَى في الجواهر القولين عن المتأخرين. وما ذكره المصنف– من اشتراط السلام– هو المعروف. وحكى الباجي عن ابن القاسم أنه قال: من سبقه الحدث وهو في آخر صلاته أجزأته. وأُنكر معنىً ونقلاً.
أما معنىً: فإن الأمة على قولين: مذهبُ الجمهور اشتراطُ السلام. والثاني– وهو مذهب أبي حنيفة– أن كل مُنافٍ يَقوم مقاهه بشرطِ نيةِ الخروجِ.
وأمَّا نقلاً: فلأنَّ الموجود لابن القاسم إنما هو في قوم صلوا خلف إمامٍ، فأَحْدَثَ في آخر صلاته وسلموا، فقال: لا إعادة عليهم. فقوله: لا إعادة عليهم. يريد المأمومين دون الإمام.
وَيَتَيَامَنُ الإِمَامُ وَالْمُنْفَرِدُ قَلِيلاً مَرَّةٌ وَاحِدَةً، وَرُوِيَ مَرَّتَيْنِ
(يَتَيَامَنُ) كما قال ابن أبي زيد: يسلم واحدة قبالةَ وجهِه، ويتيامنُ برأسه قليلاً.
ابن عبد السلام: يريد– والله أعلم– بقدر ما يرى صفحة وجهه.
قال في التنبيهات: ظاهر المدونة أن سلام الإمام والفذ في الهيئة سواء، وسلام المأموم بخلاف ذلك، لأنه قال في الإمام: قبالة وجهه ويتيامن. وقال في المنفرد: يسلم واحدة ويتيامن قليلاً. ولم يقل قباله وجهه، وهو ظاهر. وقال في المأموم: يسلم عن يمينه، ثم يَرُدُّ على الإمام. وكذلك وصف سلام مالك خلف الإمام في العتبية، والمجموعة. واختلف الشيوخ في هذا، فذهب بعضهم إلى هذا الظاهر. وحكى ابن أبي زيد مثلَه، وإن كان الذي له في رسالته خلاف هذا، فإنه قال: ويسلم تسليمة واحدة يتيامن برأسه قليلاً، هكذا يفعل الإمام والرجل وحده. وأما المأموم فيسلم واحدة يتيامن بها قليلاً. فهو وإن لم يذكر
стр. 366
قبالة وجهه– كما ذكر في الفذ والإمام– فضمنه أنه قُبالة وجهه؛ لأنه لا يتيامن إلا مِنَ استقبالٍ. وإلى استواءِ سلام الثلاثة ذهب ابن سعدون. وإلى افتراق المأموم أشار عبد الحق والباجي وغيرهما، وهو ظاهر الكتاب. انتهى.
وقوله: (وَرُوِيَ مَرَّتَيْنِ) هي رواية ابن وهب، وسببُ الخلافِ اختلافُ الأحاديث، هل كان النبي ﷺ يسلم واحدة أو اثنتين؟ وقد روى الترمذي: ((أنه ﷺ كان يسلم واحدة)). قال الباجي وغيرُه: وأحاديث التسليمة الواحدة غيرُ ثابتة، وأحاديثُ التسليمتين لم يُخَرِّج منها البخاري شيئًا، وخرَّجَ مسلمٌ في ذلك حديثين: عن سعد بن أبي وقاص وعبد الله بن مسعود: ((أن رسول الله ﷺ كان يسلم تسليمتين)). وقال سعد: ((يسلم عن يمينه ويساره حتى يرى بياض خديه)). الباجي: وهي أخبار تحتمل التأويل، والقياس يقتضي إفراد السلام الذي يُتحلل به من الصلاة، وما زاد على ذلك فإنما هو للرد، وليس ذلك في الإمام والفذ. انتهى بمعناه. وذكر مالك أن على التسليمة الواحدة العملَ، ولفظُه على نَقْلِ ابنِ يونس: وقد سلم النبي ﷺ واحدة، وكذلك أبو بكر الصديق، وعمر، وعثمان، وغيرهم. قال مالك في غير المدونة: فكما يدخل في الصلاة بتكبيرة واحدة فكذلك يخرج منها بتسليمة واحدة. وعلى ذلك كان الأمر في الأئمة وغيرهم، وإنما حدثت التسليمتان منذ كان بنو هاشم.
وَالْمَامُومُ عَنْ يَمِينِهِ وَيُضِيفُ اثْنَتَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ، أَمَامَهُ ثُمَّ يَسَارَهُ إِنْ كَانَ فِيهِ أَحَدٌ، وَقِيلَ: يَسَارَهُ ثُمَّ أَمَامَهُ ....
مقابل الْمَشْهُورِ يسلم اثنتين فقط، الأولى عن يمينه، والثانية على الإمام، نقله ابن شاس وغيره، يريد هذا القائل، ويقصد بالثانية أيضاً الرد على المأموم. وعلى المشهورِ فالمشهورُ أنه يبدأ بالأمامِ قبل اليسار، وروى أشهب عن مالكٍ العكسَ.
стр. 367
وحكى عبد الوهاب ثالثاً بأنه مُخَيَّرٌ.
والردُّ على اليسارِ مشروطٌ بأن يكون على اليسار أحد.
مالك: ويجهر الإمام بتسليمة التحليل جهرًا، يُسمع نفسه ومَن يليه، ويُخفِي تسليمةَ الرد على مَن كان على يسارِه. المازري: قيل: لئلا يُقتدى به في ذلك، وقال بعضهم: التسليمة الأولى تستدعي الرد، واستدعاؤه يفتقر إلى الجهر، وتسليمةُ الرد لا يَستدعي بها ردًا؛ فلم تفتقر إلى الجهر.
فرع:
ولو قدم المأمومُ السلام على يساره، وتكلم قبل أن يسلم على يمينه فقال ابن القُرْطِيُّ: تبطل صلاته. وقال مطرف: صلاته تامة، عامدًا كان أو ناسيًا، فذَّاً كان أو إمامًا.
ابن أبي زيد: ولا وجه لفسادها؛ لأنه إنما ترك التيامن. وفَصَّلَ اللخميُّ فقال: إِن تَعمد الخروج بها لم تبطل صلاته، وإن سلم للفَضْلِ، ثم يَعودُ ويُسلم ويَخرج مِن الصلاة، ثم نسي وانصرف– وطال الأمر– أبطل صلاته. وجعل ابن بشير قول اللخمي جمعًا بين القولين، لا خلافًا.
وَفِي الْمَسْبُوقِ رِوَايَتَانِ
أي: هل يرد على الإمام أو على من يساره إذا فَرغ، كغير المسبوق، أو لا يَرُدُّ لفواتِ المحلِّ؟ روايتان. واختار ابن القاسم أنه يَرُدُّ على مَن سلم عليه، انصرف أم لا.
المازري: وعلل بعض المتأخرين ثبوته بأنَّ حكمَ الإمامِ باقٍ عليه في قضائه، فكأنَّ الإمام لم يفرغ بَعْدُ مِن [٥٩/ أ] صلاتِه. وعلَّل نفيَه بأنَّ مِن سُنة الردِّ الاتصالُ بسلامِ الابتداء، فإذا عدم الاتصال لم يَثبت الرد. وهذا التعليل يقتضي تصور الخلاف في الرد، وإن كان من يرد عليه حاضرًا لم يذهب. وأشار بعض أشياخي إلى أن الخلاف لا يتصور مع حضور من يرد عليه وإنما يتصور مع غيبته. انتهى.
стр. 368
وَكُرِهَ الدُّعَاءُ بِالْعَجَمِيَّةِ وَالْيَمِينُ بِهَا. وَنَهَى عُمَرُ عَنْ رِطَانَةِ الأَعَاجِمِ، وَقَالَ: إِنهَا خِبٌّ
أي: في الصلاة. وقال في موضع آخر في المدونة: ولا بأس أن يدعو بها في غير الصلاة. وقال في الذي يحلف بالعجمية: وما يدريه أن الذي قال هو كما قال. اللخمي: فعلى هذا إن علم أن ذلك اسم الله جاز أن يحلف بها ويدعو بها. ثم إن النهي المذكور إنما هو في حق القادر على النطق بالعربية؛ ففي سماع ابن القاسم: سئل مالك عن العجمي يدعو في صلاته بلسانه، وهو لا يُفصح بالعربية، فقال –﵁: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: ٢٨٦]، وكأنه خَفَّفَه. واختُلف في سبب الكراهةِ، فقيل: لأنه لا يعلم أنه اسم الله تعالى فيدعو به، وعلى هذا فيُكره في غيرِ الصلاة ويجوز فيها إذا علم ذلك. وهو قريب مما تقدم. اللخمي: وقيل: لكونه لم يَرِدْ عن السلف.
والرطانة: بفتح الراء وكسرها. والخِبُّ: بكسر الخاء، المكر والخديعة. وقيل: إنما نهى عمر عن ذلك إذا كان بحضرةِ مَن لا يَفهمه مِن بابِ كراهةِ تَناجي اثنين دونَ واحدٍ. نقله ابن يونس.
وعلى طرد هذا لو كان عربيان في جماعة عظيمة من الأعاجم لا يحسنون العربية، والعربيان يحسنان لسانها – لكان الأولى في حق العربيين التكلم بالعجمية. وقيل: إنما الكراهة في المساجد مطلقاً؛ لأن مالكًا كره أن يتكلم في المساجد بألسنة العجم، وإليه ذهب ابن يونس.
وَالتَّرْتِيبُ فِي قَضَاءِ يَسِيرِ الْفَوَائِتِ- وَهِيَ الْخَمْسُ فَمَا دُونَهَا أصْلاً أَوْ بَقَاءً، وَقِيلَ: الأَرْبَعُ- وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ ....
(وَالتَّرْتِيبُ) مبتدأ، وخبره (وَاجِبٌ مَعَ الذِّكْرِ). وقوله: (أصْلاً) أي: هي جميع ما فات. وقوله: (أَوْ بَقَاءً) أي: بقيت فوائت. وشهر المازري أن اليسير خمسٌ. ومقتضى
стр. 369
الرسالة أن الخمسَ في حيِّزِ الكثيرِ، واليسيرَ أربعةٌ، لقوله: وإن كانت يسيرة أقل من صلاة يوم بدأ بهن. وتؤول القولان على المدونة. قال في البيان: وقيل: الكثيرُ أربعُ صلواتٍ على ظاهرِ المدونةِ. وقال ابن يونس: إن ذكر صلوات إن بدأ بهن فات وقت الحاضرة، فإن كانت أربع صلوات فأقل فلا خلافَ بين أصحابنا أنه يَبدأ بهن وإِنْ فاتَ وقتُ الحاضرة. فإن كانت ستَّ صلواتٍ فأكثر بدأ بالحاضرة، واختلف إِنْ كانت خمس صلوات، فقيل: يبدأُ بهن. وقيل: يبدأ بالحاضرة. قال ابن حبيب: وإن كان الوقت متسعًا. انتهى.
وَيُقّدَّمُ ذَلِكَ عَلَى الْوَقْتِيَّةِ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي سُقُوطِ قَضَاءِ الْوَقْتِيَّةِ حِينَئِذٍ عَنْ نَاسِيهَا مِنْ أَصْحَابِ الأَعْذَارِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ. وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: إِنْ ضَاقَ فَالْوَقْتِيَّةُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: مُخَيَّرٌ
أي: ويقدم يسير من الفوائت على الحاضرة الوقتية– وإن ضاق الوقت عن إدراك الحاضرة – على الْمَشْهُورِ. ومقابلُه قولُ ابنِ وهب وأشهبَ. وقولُ ابن وهب ظاهرٌ؛ لأنه إذا قدم الفوائت– مع الضيق– تصير جميع الصلوات قضاء. والترتيب بين الفوائت والحاضرة واجبٌ على الْمَشْهُورِ، وقيل: مندوبٌ. وكلام المصنف يحتمل وجهين:
أولهما: أن يكون إنما تكلم على ترتيب الفوائت مع الحاضرة، وعلى ذلك حمله ابن راشد.
والثاني: وهو ظاهر لفظه، أنه إنما تكلم أوَّلاً على ترتيبِ الفوائتِ في أنفسِها، ثم على ترتيبها مع الحاضرة. لكن اعترضه ابن عبد السلام بأن هذا شيء لا يعلم لغيره، بل الذي ذكره غيره أن الترتيب فيما بين الفوائت أنفسها لا يتحقق فيه في المذهب نص للمتقدمين، واختار بعض الشيوخ سقوطه فيما بين المتماثلات كظهرين، بخلاف ظهر مع عصرٍ. قال: لكن مسائلهم تقتضي عندي أنه مطلوب وجوباً مع الذِّكر وغيرِه، في يسيرِ الفوائتِ وغيرِها. قال: وأما ما ذكره المصنف في قوة كلامه أنه واجب في اليسير دون الكثير فلا أعلمه لغيرِه.
стр. 370
خليل: أمَّا ما ذكره من أن مقتضى كلامهم وجوب الترتيب بين الفوائت في أنفسها وإن كثرت فهو كذلك، وأما ما قاله من وجبوه مطلقاً، فالذي ذكره المازري وجوبه مع الذكر. ونقل ابن يونس عن ابن القصار سقوطَ وجوبِه في المتماثلين دونَ غيرِهما. قال ابن القصار: وليس عن مالك في هذا نصٌّ. ابن هارون: وقول ابن القصار عندي مبنيٌّ على عدم مراعاة الأيام. وذكر ابنُ هارون في ترتيب الفوائت في أنفسها– إذا كانت مختلفة – ثلاثة أقوال:
الوجوب والسُّنِّية، والوجوب مع الذكر، والسقوط مع النسيان، وهذا هو الذي يؤخذ من التهذيب، لقوله: وإن نسي صُبحًا وظهرًا مِن غيرِ يومِه، فذكر الظهر وحدها فلما صلى بعضها تفكر في الصبحَ فسدتْ الظهر وصلى الصبحَ ثم الظهرَ، وإن ذكرها بعد أن فرغ أعاد الصبح فقط. انتهى. يريد: لأن إعادة المفعولات مستحبٌّ في الوقت، والفائتةُ لا وقت لها. وقال مالك في المجموعة: إن علم– وهو بمكانِه– أعادها، وإن طال فلا شيء عليه، وجعل القُرْبَ كالوقتِ. ونَقَلَ في المقدمات فيما إذ قدم بعضَ الفوائت على بعض، متعمدًا أو جاهلاً، كما إذا نسي الصبح والظهر، فذكر ثم صلى الظهر ذاكرًا للصبح ثلاثة أقوال: الأول: [٥٩/ ب] ليس عليه إعادة الصلاة التي صلاها؛ لأنها مفعولة قد خرج وقتها، وهو يأتي على ما في سماع سحنون عن ابن القاسم. والثاني: أن عليه إعادتها. والثالث: الفرق بين أن يتعمد الصلاة الثانية قبلَ الأولى، أو يدخل في الثانية ثم يذكر الأولى ويتمادى عليها، وهو يأتي على قول ابن القاسم في المدونة، انتهى.
وقوله: (وَفِي سُقُوطِ .... إلخ) لو أسقط المصنف هذا الفرع واكتفى بما تقدم– كما فعل ابن شاس– لكان أولى، وكلام ابن شاس أولى من وجهٍ آخر؛ وذلك لأنه إنما ذكر اليسير في ترتيب الفوائت مع الحاضرة، ثم قال: وترتب الفوائت كما تُرتب الحاضرة معها، وأطلق.
стр. 371
فرع:
حكى في المقدمات الاتفاق على وجوب ترتيب الحاضرتين، وأنه إن خالف أعاد الثانية أبداً بلا خلاف. خليل: كما لو طَهُرت الحائضُ قبل الغروب وصلَّت العصرَ ذاكرةً للظهر.
فَلَوْ بَدَأَ بِالْحَاضِرَةِ سَهْواً صَلْى الْمَنْسِيَّةَ وَأَعَادَ فِي الْوَقْتِ. وَفِي تَعْيِينِ وَقْتِ الاخْتِيَارِ أَوِ الاضْطِرَارِ قَوْلانِ ....
مثاله لو نسي الظهر، ثم صلى العصر والمغرب ثم ذكر، فإنه يصلي الظهر ويُعيد المغرب لبقاء وقتها، فلو لم يذكر إلا بعد العشاء صَلَّى الظهر وأعاد العشاء لبقاء وقتها. وهل يُعيد المغرب؟ إن أُريد الوقت الاختياري؟ لم يُعد؛ لخروج الوقت الاختياري، وإن أريد الضروري أعادها مع العشاء، والْمَشْهُورِ أنه يُعيد في الوقت الضروري، والقائل بوقت الاختيار هو ابن حبيب.
وقد تقدم سؤال ابن دقيق العيد لمن فرق في الْمَشْهُورِ بين هذه المسألة وبين من صلى بثوب نجس– فإن الْمَشْهُورِ فيها الإعادة في وقت الاختيار– والجوابُ عنه.
وَفِيهَا: رَجَعَ إِلَى أَنَّهُ لا إِعَادَةَ عَلَى مَامُومِيهِ
أي: إذا أعاد إمامهم في الوقت للترتيب، فالذي رجع إليه مالك أنه لا إعادة على مأموميه، وكان أَوَّلاً يقول: يُعيدون معه. وهو أقيس. قال ابن بزيزة: وهو الْمَشْهُورِ بناءً على الارتباط، ويُختلف على هذا في إعادتِّهم لإعادتِه لو صلَّى بنجاسة ناسيًا.
وَعَمْداً فَكَذَلِكَ، وَرَوَى ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُعيد أبداً بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ أَوْ لا
يعني: إذا بنينا على أن الترتيبَ واجبٌ، فهل هو شرط أَوْ لا؟ الْمَشْهُورِ نفي الشرطية، وروى ابن الماجشون عن مالٍك الشرطية، وتظهر ثمرة الخلاف لو ذَكَرَ صلاةً في صلاةٍ ولم يَقطع، فعلى المشهورِ تَصِحُّ؛ لأنه إنما خالف واجبًا ليس بشرطٍ، وعلى الشرطية لا
стр. 372
تصح. فقوله: (وَعَمْداً) أي: فلو قدم الحاضرة عمدًا فإنه يُعيدها في الوقت، كما لو قدمها ناسيًا، ويُختلف في إعادة المأمومين إن كان إمامًا، وهذا معنى قوله: (فَكَذَلِكَ)، وعلى رواية ابن الماجشون تفسد صلاة المأموم. وأخذ بعض الشيوخِ من المدونة مثل رواية ابن الماجشون مِن المسألة التي تقدَّم ذِكرها في ترتيب الفوائتِ بعضِها مع بعضٍ، وخالف المصنف هاهنا الغالب من عادته؛ لأن الفسادَ مرتَّبٌ على الشرطيةِ، والإعادةُ في الوقت مُرتبةٌ على عَدَمِها، والله أعلم.
فَإِنْ ذَكَرَ فَائِتَةً فِي وَقْتِيَّةٍ، فَفِي وُجُوبِ الْقَطْعِ وَاسْتِحْبَابِهِ قَوْلانِ
هو ظاهر مما تقدم، لكن استحباب القطع مشكل؛ لأنه إن وجب الترتيب وجب القطع، وإن لم يجب فلا يبطل العمل المتلبس به لتحصيل المستحب.
وَفِي إِتْمَامِ رَكْعَتَيْنِ إِنْ لَمْ يَعْقِدْ رَكْعَةً قَوْلانِ
لذكر المنسية ثلاثة أقسام.
قسم قبل الدخول في الصلاة، وقسم بعدها –وقد تقدما-، وقسم وهو فيها، والكلام الآن فيه، والقولان لمالك، وظاهر المذهب وجوبُ القطع، وهما في حق المنفرد. وأما المأموم والإمام فسيأتي الكلام عليهما. ومقتضى كلامه: أنه إن عقدها أضاف إليها أخرى وسلم عن نافلةٍ. وحصَّل في البيان في هذه المسألة سبعة أقوال:
الأول: لمالك في العتبية أنه يتم ركعتين ركع أو لم يركع، كان في فريضة أو نافلة.
الثاني: أنه يقطع ما لم يركع، وهو قوله في المدونة، وسواء –على مذهبه فيها– ذَكَرَ وهو في العصر صلاةَ الظهر من يومه، أو صلاةً قد خرج وقتها.
الثالث: أنه يقطع أيضاً في المسألتين، رَكَعَ أو لم يركع، وهو أحدُ قولي مالك في المدونة، ولا فَرْقَ على هذا بين الفريضة والنافلة.
стр. 373
الرابع: الفرقُ بين النفل والفرض، فيقطع في النافلة، رَكع أو لم يركع، ولا يَقطع في الفريضة إذا ركع، ولابن القاسم أيضاً –في كتاب الصلاة الثاني من المدونة– أنه لا يقطع في النافلة، ركع أو لم يركع.
خليل: يريد قوله في ذاكر سجود السهو وهو في الصلاة، أنه إن أطال القراءة أو ركع بطلت الأولى، وإن كانت هذه نافلة أتمها، ولا شك أن الأولى إذا بطلت صارت منسية ذكرها في نافلة، وسيأتي ذلك في سجود السهو.
الخامس: إن كان معه ركعة أتم ركعتين، وإن لم يركع شيئًا أو ركع ثلاث ركعات قطع، وهو اختيار ابن القاسم في المدونة.
السادس: لابن حبيب: الفرقُ بين أن يذكر الظهر في العصر، أو المغرب في العشاء، فيقطع ركع أو لم يركع، كان مع إمام أو وحده، وإن ذكر صلاة قد خرج وقتها وهو في صلاة تمادى إن كان مع الإمام، وإن كان وحده أتم ركعتين، ركع أو لم يركع.
السابع: إن كان في خناق من الوقت قَطَعَ ما لم يركع، وإن لم يكن في خناق منه تمادى وإن لم يركع.
قال: [٦٠/ أ] وهذا كله اختلافُ اختيارٍ، إذ لا يتعلق بمن فعل شيئًا من ذلك حكمٌ عند من يرى خلافه إلا نقص الفضيلة. انتهى.
فرع:
إن ذكر بعد أن صلى ركعتين فإنه يسلم ويجعلها نافلة إن كانت غير ثنائية، وإن كانت فهو كمن ذكر المنسية بعد أن صلى أربعًا، فإنه يُسَلم ويكون كمَن ذَكر بعد أَنْ سلم، وإن ذكر في الثالثة قبل عَقْدِها رجع إلى الجلوس وسلم، وبعد عقدها قال مالك: يصلي الرابعة، ثم يصلي المنسية ويُعيد هذه. وقال ابن القاسم: يقطع بعد ثلاثٍ أحب إلى. وإن كانت مغربًا فقد تَمَّتْ، وصار كالذاكرِ بعد سلامه، قاله المازري.
стр. 374
فَإِنْ كَانَ إِمَاماً قَطَع أيضاً، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: يَسْرِي فَلا يَسْتَخْلِفُ وَرَجَعَ إِلَيْهِ. وَقِيلَ: رَجَعَ عَنْهُ. وَرَوَى أَشْهَبُ: لا يَسْرِي فَيَسْتَخْلِفَ، وَإِنْ كانَ مَامُوماً تَمَادَى. وَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةِ قَوْلانِ .....
أي: أن حكم الإمام إذا ذكرَ صلاة القطعُ، فالْمَشْهُورِ سريانُ الفساد إلى صلاة المأمومين؛ فلا يستخلف. وروى أشهب: لا يسري. والضمير في: (رَجَعَ) راجعٌ إلى مالك.
فائدة:
قاعدة المذهب –في القول الْمَشْهُورِ– كلما بطلتْ صلاة الإمام بطلت صلاة المأموم، إلا في مسألتي نسيانِ الحَدَثِ وسَبْقِه. وقوله: (وَإِنْ كانَ مَامُوماً تَمَادَى) أي: مُطْلَقاً لحَِقِّ الإمام.
ابن عبد السلام: والتمادي مشكلٌ– على رأي مَن يُوجب الإعادةَ– إذْ فيه مراعاةُ حقِّ الإمامِ بالتمادي على صلاة فاسدة يجب على المأموم إعادتها، ولا حق للإمام في ذلك. وبالجملةِ فأكثرُ مسائل هذا الفصل قال بعض الشيوخ: إنها جَارِيّةٌ على الاستحسان. انتهى.
فَإِنْ كَانَ فِي الْجُمُعَةِ فَالْمَذْهَبُ: يُعيد ظُهْراً. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ خَافَ فَوَاتَهَا تَمَادَى وَلا إِعَادَةَ لِفَوَاتِهَا، وَإِلا قَطَعَ وَقَضَى وَلَحِقَ ....
أي: فإن كان المأمومُ الذاكرُ للصلاةِ في صلاةِ جمعةٍ فإنه يتمادى مع الإمام ويُعيد ظهرًا، وهذا يَدل على أنها بدل من الظهر. وقال أشهب: إنما يَتمادى إذا خاف فواتها، ولا يُعيدها ظُهرًا؛ لأن الظهر صلاةٌ أخرى. وإليه أشار بقوله: (وَلا إِعَادَةَ لِفَوَاتِهَا) أي: لأن الجمعةَ فرضُ يومِها وقد فَرغت، وإنْ لم يَخَفِ الفواتَ قَطَعَ، وصلى الفائتةَ، ودخل مع الإمام، وفي نَقلِه لقولِ أشهبَ نقصٌ؛ لأنَّ ظاهرَه نفيُ الإعادة جملةً. وقال أشهب: إنْ أعاد ظُهرا فحسنٌ، نقله ابن يونس.
стр. 375
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ حَتَّى فَرَغَ مِنَ الْجُمُعَةِ فَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ: يُعيد فِي الْوَقْتِ. وَرَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَيْهِ ......
قولُ ابن القاسم المرجوعُ عنه شبيهٌ بقولِ أشهبَ في الفرعِ السابق، ومنشأُ الخلاف: هل الجمعةُ بدلٌ مِن الظهرِ أو فرضُ يومِها؟
وَفِي وُجُوبِ تَرْتِيبِ كَثِيرِ الْفَوَائِتِ قَوْلانِ. وَلا تُقَدَّمُ إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ اتِّفَاقاً، وَتُقْضَى
أي: اختُلف في وجوبِ ترتيبِ كثيرِ الفوائتِ مع الحاضرة على قولين، والْمَشْهُورِ سقوطُ الوجوب. وقوله: (وَلا تُقَدَّمُ إِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ اتِّفَاقاً) أي: لا يقدم الكثير من الفوائت على الحاضرة إذا ضاق وقتُ الحاضرة. وحاصلُه أن الشاذ إنما يقول بوجوب ترتيبِ كثيرِ الفوائت مع سعةِ الوقتِ، وفي كلامِه نظرٌ لمَا نقلَه اللخميُّ، ولفظه: وقال محمد بن مسلمة: يَبدأ بالمنسيات– وإنْ كثرتْ– إذا كان يأتي بجميعِها مرةً واحدةً. قال: ولو أنَّ رَجلاً صلى جُنبًا شهرين– ولم يعلم– فإنه يَبتدئ بها – قَبْلَ صلاةِ يومِه وإن خرجَ وقتُها– إذا كان لا يُفارقها حتى يصلي جميعها. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا كانت صلوات كثيرة– فإن صلاها كلها فاته وقت الحاضرة– فإنه يصلي بعض تلك الصلوات، فإذا خاف فواتها صلاها ثم صلى ما بقي. انتهى. فقول ابن مسلمة ينقض الاتفاق الذي ذكره المصنف، وقد ذكر ذلك المازري، والله أعلم. قال اللخمي: واختلف إذا ذكر صلوات كثيرة، وهو في أول وقت التي هو فيها، في أول وقت الظهر أو العصر، فقال ابن القاسم: إذا كان يقدر على أن يصلي ما نسي والظهر والعصر قَبْلَ الغروبِ بَدَأَ بما نَسِيَ، وإِلا بَدَأَ بالحاضرةِ. واختلف النقلُ عن مالك، فرُوي عنه كذلك، ورُوي عنه أنَّ المُرَاعَى الاصفرارُ. وقال أشهب وابن حبيب: المراعى في ذلك الوقت المختار، انتهى.
قوله: (وَتُقْضَى) نَبَّه فيه على خلافِ أهلِ الظاهرِ في قولهم: أنه يسقط القضاء عن العامد. وهو لازمٌ؛ لقولِ ابنِ حبيبٍ القائلِ بتكفيرِ تاركِ الصلاةِ، على أنَّ بعضَهم نَسَبَ السقوطَ مع العمدِ لمالكٍ، لكنْ أنكر عياضٌ نسبتَه إليه.
стр. 376
وَيُعْتَبَرُ فِي الْفَوَائِتِ يَقِينُ بَرَاءَةِ الذِّمَّةِ، فَإِنْ شَكَّ أَوْقَعَ أَعْدَاداً تُحِيطُ بِجِهَاتِ الشُّكُوكِ
مقتضى كلامه أنه لا يُكتفى فيه بالظن، وهو الأصلُ؛ لأن الصلاةَ في الذمةِ بيقينٍ، فلا تَبرأ الذمةُ منها إلا بيقينٍ.
وقوله: (فَإِنْ شَكَّ) أي: في الإتيان، أو في الأعيان، أو في الترتيب.
فَلَوْ نَسِيَ صَلاةً- لا بِعَيْنِهَا- صَلَّى خَمْساً
لأن الشكَّ لا يَزول إلا بالخَمْسِ.
فَإِنْ عَلِمَ عَيْنَهَا دُونَ يَوْمِهَا صَلاهَا، وَلا يُعْتَبَرُ عَيْنُ الأَيَّامِ اتِّفَاقاً
أي: عَلم عينَ الصلاةِ بأنها ظهر أو عصر– مَثَلاً – صَلاها، ولم يُعْتَبَرْ عينُ الأيام اتفاقًا؛ أي: لا يطلب من المكلف تكرار الصلاة بحسب عدد أيام الأسبوع بالاتفاق؛ لأنه– وإن كرر تلك الصلاة– فلا يحيل في نيته إِلا على يومٍ مجهولٍ، وإن كان لا بُدَّ مِن الإحالةِ على جهالةٍ فلا فائدةَ في التَّكرار.
وَكَذَلِكَ لَوْ عَلِمَ أَعْيَانَ بَعْضِهَا، وَنَسِيَ التَّرْتِيبَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَخُرِّجَ [٦٠/ب] اعْتِبَارُهُ مِنَ الشَّاذِّ فِيمَنْ نَسِيَ ظُهْراً وَعَصْراً مِنْ يَوْمَيْنِ مُعَيَّنَيْنِ لا يَدْرِي مَا السَّابقَةُ مِنْهُمَا يُصَلِّي ظُهْراً وَعَصْراً ثُمَّ عَصْراً وَظُهْراً، وَالصَّحِيحُ: يُصَلِّيهِمَا وَيُعيد الْمُبْتَدَأَةَ فَيَسْتَوْعِبُ التَّقْدِيرَيْنِ كَمَا لَوْ لَمْ يَتَعَيَّنِ الْيَوْمَانِ اتِّفَاقاً ....
الضمير في (بَعْضِهَا) عائد على الأيام؛ أي: إذا علم الصلاة وشَكَّ، هل هي من الخميس أو من الجمعة لزمه الخمسُ أيضاً، كما لو لم يعلم ذلك، ولا يمكن عوده على الصلوات؛ إذ لا معنى له هنا؛ لأنه إذا علم أن عليه صلاة الظهر مثلاً وصلاةً أخرى غيرَ معيَّنة فلا إشكال أنه يصلي الظهرَ وصلاةً يومٍ كامل.
стр. 377
قوله: (وَخُرِّجَ اعْتِبَارُهُ مِنَ الشَّاذِّ) أي اعتبار تعيين الأيام، أي يُطلب من المكلف الصلاةُ مُضافةً إلى يومها. ومُقابلُ الْمَشْهُورِ هو التخريج المذكور، وتصورُ القولين اللذين ذكرهما المصنف فيمن نسي ظهرًا وعصرًا ظاهرٌ. ووقع في بعض النسخ بعد: لا يدري لفظة ما، وهي تحتمل أن تكون زائدة، أو مصدرية، أو استفهامية، وفي بعضها بإسقاطها.
وفي المذهب قول ثالث فيمن نسي ظهرًا وعصرًا من يومين معينين لا يدري ما السابقة منهما، فيكتفي بصلاة ظهر وعصر فقط، وهو أظهر؛ لأن ترتيب المفعولات إنما يطلب في الوقت، فإذا خرج الوقتُ سقط، والفرضُ أن الظهر والعصر فائتتان، فإذا صلاهما فلا وجه للإعادة. وطلبُ الصلاة مع تعيين يومها مشكلٌ؛ لأنه لو طُلب ذلك مع تعيين الأيام لطلب مع عدمه، فلا يطلب ذلك بالاتفاق كما حكاه المصنف، وإنما قلنا: لو طُلب مع التعيين لطلب مع عدمه؛ لأن نية إيقاع الصلاة في يومها المعين إما أن يكون معتبرًا شرعًا أم لا؟ فإن كان معتبرًا شرعًا لزم ذلك في المعلوم والمجهول، وإن لم يكن معتبرًا سقط فيهما. وقد يفرق بأنه لو طلب ذلك مع عدم التعيين للزم الحرجُ؛ لأنه كان يلزم تكرار صلاة جميع الأيام الماضية من عمره إلى الأيام التي يتيقن أنه أتى بجميع صلواتها.
وَضَابِطُهُ أَنْ تَضْرِبَهَا فِي أَقَلَّ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ، ثُمَّ تَزِيدُ وَاحِدةً؛ فَفِي الثَّلاثِ يُصَلِّي سَبْعاً، وَفِي الأَرْبَعِ ثَلاثَ عَشْرَةَ، وَفِي الْخَمْسِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ...
أي: وضابط هذا الترتيب أن يضرب الصلوات المنسيات في أقل منها بواحدة، ثم تزيد صلاة واحدة، فإذا نسي ثلاث صلوات من ثلاثة أيام لا يدري ما السابقة منهن يصلي سبعًا؛ لأنه يضرب ثلاثة في اثنين، فيكون الحاصل سِتًا، ثم يزيد واحدة، ويبدأ بالظهر اختيارًا. وقيل: بالصبح.
стр. 378
فَإِنِ انْضَمَّ شَكَّ فِي الْقَصْرِ فَالصَّحِيحُ- وَرَجَعَ إِلَيْهِ ابْنُ الْقَاسِمِ-: يُعيد كُلَّ حَضَرِيَّةٍ عَقِيبَهَا سَفَرِيَّةً عَلَى مَا ذُكِرَ فَتَتَضَاعَفُ الْحَضَرِيَّاتُ، وَالصَّحِيحُ الاسْتِحْبَابُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَصْرِ .....
أي: فإن انضم إلى ما تقدم الشكُّ في القصر، أي شك في الظهر والعصر مثلاً من يومين معينين لا يدري السابقة منها، وشك هل الظهر سفرية أم العصر؟ فإنه يصلي ست صلوات، لكن اختلف في صورة ترتيبها، والصحيح– على ما ذكر المصنف– أن يصلي ظهرًا حضرية، ثم ظهرًا سفرية، ثم عصرًا حضرية، ثم هي سفرية، ثم ظهرًا حضرية، ثم هي سفرية، وإن بدأ بالعصر فعلى ذلك.
ومقابل الصحيح: يحتمل أن يصلي ظهرًا حضرية، ثم عصرًا سفرية، ثم عصرًا حضرية، ثم ظهرًا سفرية، ثم ظهرًا حضرية، ثم عصرًا سفرية، فيقع له صلاة حضر بين صلاتي سفر، وبالعكس. وهذا القول حكاه أبو محمد عن بعض الأصحاب، ويحتمل أن يريد أن يصلي ظهرًا وعصرًا تامتين، ثم مقصورتين، ثم تامتين، وهو الذي ذكره المازري عن ابن القاسم في العتبية.
المازري: وذكر ابن حارث قول ابن القاسم هذا فيما إذا شك هل الظهر والعصر سفريتان أم حضريتان؟ وليس كما نقل، بل ذكر في المستخرجة أنه يعلم أن إحداهما سفرية والأخرى حضرية، ولا يدري ما السفرية منهما، وقد أطال المازريُّ النفسَ في هذه المسألة، فانظره.
وقوله: (عَلَى مَا ذُكِرَ) أي: على القانون المتقدم. وفي هذه الأقوال إشكال؛ لأن إعادة من أتم في السفرية مستحبةٌ في الوقت، ولا وقت هنا، فالذي يأتي على أصل المذهب أن يصلي الحضريات ليس إلا.
وفي قوله: (فَتَتَضَاعَفُ الْحَضَرِيَّاتُ) إشكال؛ لأنه إذا صلى ثلاثًا صلاة سفر، وثلاثًا صلاة حضر لم تحصل مضاعفة البتة.
стр. 379
وأجيب بأنه لمَّا كان من الصلوات ما لا يُقصر كالمغرب والصبح كثرت الحضرياتُ حينئذ، ويكن مراده بالتضعيف مطلق الكثرة. وقيل: المراد تتضاعف الحضريات، وفيهما بُعْدٌ.
وقوله: (وَالصَّحِيحُ الاسْتِحْبَابُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي الْقَصْرِ) أي: إعادة الحضرية سفرية ليس بواجب، وإنما هو مستحب على ما يأتي في بابه إن شاء الله.
وقوله: (عَلَى الْقَوْلَيْنِ) أي: على الْمَشْهُورِ من أن القصر سنة، وعلى القول بأنه مستحب، وعلى هذا ففيه نظر؛ لأن قياس المشهور أن تكون الإعادة سنة، إِلا أن يكون تجَوَّزَ بإطلاق المستحب على السنةِ، وإنما اختص الاستحباب بهذين القولين؛ لأنه على القول بالتخيير يصلي صلاتي حضر، وعلى القول بالوجوب تكون الإعادةُ واجبةً– والله أعلم– وإلى هذا أشار ابن بشير.
ولَوْ نَسِيَ صَلاةً وَثَانِيَتَهَا وَلَمْ يَدْرِ مَا هُمَا صَلَّى سِتَّاً مُرَتَّبَةً
الذي تقدم له في الضابط إذا علم أعيان الصلاة وجهل الترتيب فيها، وهذا بالعكس، عَلمَ الترتيبَ وجهل أعيانَها. ويُصلي ستًا؛ يعني: ويختم بأي صلاة بدأ بها، ويبدأ بالظهر اختيارًا؛ لأنهما إن كانتا ظهرًا وعصرًا، أو عصرًا ومغربًا، أو مغربًا وعشاء، أو عشاء وصبحًا، أو صبحًا [٦١/ أ] وظهرًا، فقد أتى بهما.
ولَوْ نَسِيَ صَلاةً وَثَالِثَتَهَا صَلَّى سِتّاً يُثَنِّي بِثَالِثَتِهَا، وَفِي رَابعَتِهَا برَابِعَتِهَا، وَفِي خَامِسَتِهَا بِخَامِسَتِهَا، فَلَوْ نَسِيَ صَلاةً وَسَادِسَتَهَا فَهُمَا مُتَمَاثِلَتَانِ مِنْ يَوْمَيْنِ فَيُصَلِّي الْخَمْسَ مَرَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ حَادِيَةَ عَشْرَتِهَا وَسَادِسَةَ عَشْرَتِهَا
تصورها ظاهر لمن تأمله.
стр. 380
وَللسَّهْوِ سَجْدَتَانِ، وَفِي وُجُوبِهِمَا قَوْلانِ
أطلق- ﵀ الخلافَ في وجوبهما، والخلافُ إنما هو في اللتين قبل السلام. وأما اللتان بعد السلام فلا خلاف في عدم وجوبهما. قال في الإشراف: ومقتضى مذهبنا وجوب القبلي. قال: وكان الأبهري يمتنع من إطلاق الوجوب. وقال المازري: ذكر القاضي أبو محمد أنه يتنوع لواجب وسنة، ومعناه: أن البَعدي سنة، والقبلي واجب، على قولنا: إنه إن أخّر ما قبل السلام بعد السلام تأخيرًا طويلاً فسدت الصلاة.
ابن عبد السلام: والتحقيق عدم وجوبه؛ لأن سببه غير واجب.
خليل: وقد يُعترض عليه بوجوب الهدي في الحج عما ليس بواجب.
فَفِي الزِّيَادَةِ بَعْدَ السَّلامِ، وَفِي النُّقْصَانِ وَحْدَهُ- أَوْ مَعَهَا- قَبْلَهُ، وَرُوِيَ التَّخْييرُ
دليل الزيادة: ما رواه البخاري ومسلم من حديث ذي اليدين: أن النبي ﷺ سلم من اثنتين في إحدى صلاتي العَشِيِّ ثم قام إلى خشبة معروضة في المسجد، فاتكأ عليها كأنه غضبان، ووضع يده اليمنى على اليسرى، وشبك بين أصابعه، وخرجت السَّرَعانُ من أبواب المسجد فقالوا: قُصِرَت الصلاة. وفي القوم أبو بكر، وعمر فهابا أن يكلماه، وفي القوم رجل في يديه طول، يقال له: ذو اليدين، فقال: يا رسول الله أقصرت الصلاة أم نسيت؟ فقال: لم أنس، ولم تقصر. فقال: أكما يقول ذو اليدين؟ فقالوا: نعم. فتقدم ﵊ فصلى ما ترك، ثم سلم، ثم سجد سجدتين بعد السلام)).
ودليل النقصان: حديث ابن بُحينة، قال: ((قام رسول الله ﷺ من اثنتين ولم يجلس، فلما قضى صلاته سجد سجدتين قبل السلام))، قال ابن أبي حازم، وعبد العزيز بن أبي مسلمة: يسجد لهما سجدتين قبل وبعد.
стр. 381
وقوله: (وَرُوِيَ التَّخْييرُ) يعني: إن شاء سجد قبل أو بعد، كان السبب زيادة أو نقصانًا أو هما معًا، وهذا القول حكاه اللخمي.
وَسُجُودُ الْمُتِمِّ للِشَّكَّ بَعْدَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: الذي يشك هل صلى ثلاثًا أو أربعًا فإنه يبنى على ثلاث، ويصلي أخرى، ويسجد بعد السلام؛ لانحصار أمره في الزيادة وعدم النقص. فقال ابن لبابة: يسجد للزيادة بعد السلام إلا في هذه الصورة فإنه يسجد قبل، لحديث أبي سعيد الخدري، وهو الصحيح.
وَفِي سُجُودِ الْمُوَسْوِسِ: قَوْلانِ، ثُمَّ فِي مَحِلِّهِ: قَوْلانِ
القولان في السجود لمالك، و (الْمُوَسْوِسِ) هو الذي تكثر عليه الشكوك، والقول بأن محله بعد السلام رواه ابن القاسم، والقول بأن محله قَبْلَ السلام لابن حبيب.
وَفِي تَشَهُّدِ الْقَبْلِيَّةِ رِوَايَتَانِ
الْمَشْهُورِ إعادة التشهد وهو اختيار ابن القاسم، وهو الذي يؤخذ من الرسالة، والعمل عليه الآن ببلاد المغرب، ووجهه أن من سنة السلام أن يكون عقب تشهد.
والقول بعد إعادته لمالك أيضاً، وذكر في الجلاب أنها رواية ابن القاسم عنه، واختارها عبد الملك، ووجهه أن سنة الجلوس الواحد ألا يتكرر التشهد فيه مرتين.
وَفِي سِرِّ سَلامِ الْبَعْدِيِّةِ قَوْلانِ
القولان لمالك، وروى ابن القاسم وابن زياد عنه أن السلام منهما كالسلام من الفريضة. وروى غيرهما أنه يسره كالسلام من الجنازة.
ابن عبد السلام: وهذا– والله أعلم– لغير الإمام، وأما الإمام فيجهر به ليقتدي به.
стр. 382
وفي ذِكر المصنف الخلافَ في صفة السلام إشعارٌ بأن ثبوت السلام متفق عليه، وهو كذلك. وأُخِذَ مِن قوله في المدونة إذا انتقض وضوؤه قبل السلام منهما أنه إِن لم يُعِدْهُما فلا شيء عليه عدمُ اشتراط السلام للبعدي، وفيه نظر.
وَفِي الإِحْرَامِ لِلْبَعْدِيَّة، ثَالِثُهَا: يُحْرِمُ إِنْ سَهَا وَطَالَ
قال ابن عطاء الله: الْمَشْهُورِ افتقاره إلى الإحرام. وأطلق، قال: لاستقلاله بنفسه.
ونفيُ الإحرام مطلقاً لمالك في الموازية.
والثالث: لابن القاسم في المجموعة.
وما حكاه المصنف مِن الخلاف مطلقاً موافقٌ لِلَّخمي، مخالفٌ لابن يونس والمازري، فإنهما لم يحكيا الخلاف إلا مع الطول.
ابن راشد: ويصحح نقل المصنف ما قاله محمد: كل من رجع إلى إصلاح صلاته فيما قرب يرجع بإحرام، قال: فإذا قلنا يحرم فيكتفي بتكبيرة الإحرام عن تكبيرة الهُوِيِّ، لما في الموطأ من حديث ذي اليدين: فصلى ركعتين أخريين، ثم كبر فسجد بعد. وذلك يقتضي أنه كبر تكبيرة واحدة. وفيه من طريق هشام بن حسان أنه كبر ثم كبر، قال الناس: وذلك وهم، انتهى.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي الْمَحِلِّ، وَالْوُجُوبِ لَوْ قَدَّمَ أَجْزَأَهُ. وَقِيلَ: يُعيدهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: يَبْطُلُ عَمْدُهُ ......
(الْوُجُوبِ) معطوف على (الْمَشْهُورِ) لا على (الْمَحِلِّ)؛ لأنه لم يتقدم له مشهور في الوجوب، وقد تقدم أنه إنما اختلف في وجوب القبلي، وعلى هذا يشكل قوله: (لَوْ قَدَّمَ أَجْزَأَهُ)؛ لأن المسألة مفروضة في السجود البعدي وليس فيها قول بالوجوب. والقول بأنه يُعيده بعد السلام لابن القاسم في العتبية، يريد إذا فعله سهوًا، كذا قيده في العتبية. [٦١/ب] قال في البيان: ويلزم عليه إعادة العامد والجاهل. وكذا نص أشهب أنه يُعيد
стр. 383
الصلاة إذا قدمه جاهلاً أو عامدًا. وفي الموازية: لا إعادة عليه للسجود بعد السلام إذا سجد قبله ناسيًا أو متعمدًا؛ مراعاة للخلاف. واختلف الشيوخ في تأويل المدونة مجملها في البيان على نفي الإعادة مطلقاً. وجعل ابن لبابة رواية عيسى بالفرق بين الناسي والعامد تفسيرًا للمدونة، قال في البيان: وإنما هو خلاف.
فَلَوْ أَخَّرَهُ فَأَوْلَى بالصِّحَّةِ
أي: فإن أخر السجود القبلي إلى بعد السلام فالصحةُ فيه أولى من الصحة في الفرع الذي قبله. ووجه الأولوية أن المنافاة في الأولى أظهرُ لإدخال ما ليس من صلب الصلاة فيها، وكذلك قال أشهب بالإبطال عمدًا، ولا كذلك هنا.
وبهذا يندفع قول ابن عبد السلام: في هذه الأولوية نظر. ثم قال: وانتظر معنى المسألة فيمن أخّر عمدًا أو سهوًا، أو عمدًا فقط. وقد نص ابن المواز على مَن سلم ساهيًا قبل السجود القبلي أنه يرجع بنية وتكبيرة كما يرجع للسجود الذي هو صلب الصلاة، والمدونة عندي محتملة لذلك. انتهى.
فَإِنْ سَهَا عَنِ الْبَعْدِيَّةِ سَجَدَ مَتَى مَا ذَكَرَ، وَلَوْ بَعْدَ شَهْرٍ
قوله: (مَتَى مَا ذَكَرَ) نحوه في المدونة. وحكى عبد الحق عن بعض شيوخه أن السهو إن كان من فريضة سجد في كل وقت، وإن كان من نافلة فلا يسجد في وقتٍ تكره فيه النافلة. واختلف هل هو تفسير للمدونة أو خلاف؟ قال ابن القاسم في العتبية: وإن ذكر وهو قائم فلا يهوي ساجداً بل يقعد ويتشهد.
فإن قلت: لِمَ أمر به ولو بعد شهر وليس هو بفرض، والقاعدة أن النافلة لا تقضى؟ فالجواب أنه لما كان جابرًا للفرض أمر به لتبعيته لا لنفسه.
стр. 384
ابن هارون: ولا أدري لم أنث القبلية والبعدية، ولا يصح أن يريد الجلسة من السجود كما ذهب إليه بعضهم؛ لأنه لم يَسْهُ عنه بانفراده، وإنما سها عن السجود جملة.
فَإِنْ كَانَ فِي صَلاةٍ فَبَعْدَهَا
أي: فإن ذكر البعدي وهو في صلاة. وكلامه ظاهر.
فَإِنْ سَهَا عَنِ الْقَبْلِيِّ سَجَدَ مَا لَمْ يَطُلْ أَوْ يُحْدِثْ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا فَثَالِثُهَا: تَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَنِ نَقْصِ فِعْلِ لا قَوْلٍ. وَرَابِعُهَا: تَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَنِ الْجُلُوسِ أَوِ الْفَاتِحَةِ. وَخَامِسُهَا: تَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَنْ غَيْرِ تَكْبِيرَتَيْنِ، أَوْ سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مَرَّتَيْنِ ....
يعترض عل المصنف بذكر الحدث من وجهين:
أحدهما: أن قوله: (مَا لَمْ يَطُلْ) يُجزئ عنه؛ لأنه إذا أحدث افتقر إلى الوضوء فيطول الأمرُ بفعله.
الثاني: تخصيصه الحدث بهذا الحكم – من بين سائر الموانع – لا معنى له؛ لأنه لو تكلم أو لمس نجاسة أو استدبر القبلة عامدًا كان حكمُ ذلك حكمَ الطول، والطولُ معتبرٌ عند ابن القاسم بالعرف. وقال أشهب: بالخروج مِن المسجد. قيل له: فلو كان في صحراء؟ قال: يسجد ما لم يجاوز من الصفوف قدر ما لا ينبغي أن يصلي بلاتهم. قال: وهو استحسان. قال: والقياس أن يسجد ما لم ينتقض وضوؤه. وهذا الخلاف أيضاً فيمن نسي ركعة أو سجدة، وحيث أمرناه أن يسجد مع القرب، فقال ابن المواز: يسجد في موضعِ ذَكَرَ، إلا أن يكون عوضاً عن متروكٍ من صلاة الجمعة، فلا يُجزئ إلا في الجامع. نقله الباجي.
وقوله: (فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) أي: الطول أو الحدث، وكان تامَّة، وذكر خمسة أقوال: الصحة مطلقاً، حكاه ابن الجلاب عن بعد الملك. وحكاه اللخمي والمازري عن ابن عبد الحكم، وزاد فيه: ولو كان على الجلوس الأول أو الفاتحة.
стр. 385
والبطلان مطلقاً لابن القاسم.
والثالث: رواه ابن عبد الحكم عن مالك في المختصر.
وقوله في الرابع: (تَبْطُلُ إِنْ كَانَ عَنِ الْجُلُوسِ) أي: الوسط. (أَوِ الْفَاتِحَةِ) أي: في قول من يرى سجود السهو كافيًا عنها، وهو قول ابن القاسم في المختصر.
والخامس: لمالك، وحاصلهُ التفرقة، فإن كان عن سُنتين– كتكبرتين– لم تبطل لخفة الأمر، وإن كان عن ثلاثٍ كالجلسة الوسطى، أو ثلاث تكبيرات أبطل، وبه كان يفتي غير واحد، وهو مذهب المدونة، والرسالة. ووقع في بعض النسخ بإثر الكلام المتقدم: وفرق فيها بين مرتين وثلاثًا، أي: كالقول الخامس، قال فيها: وإن ترك تكبيرتين أو التشهدين فليسجد قبل السلام، وإن لم يسجد حتى تطاول الأمر أو انتقض وضوؤه أجزأته صلاته، وإن نسي ثلاث تكبيرات، أو سمع الله لمن حمده سجد قبل السلام، وإن نسي أن يسجد حتى سلم سجد بالقرب، وإن تطاول ذلك أعاد الصلاة. قال المازري: وسبب الخلاف أن من اعتبره بحال ما هو عوض عنه لم يبطل الصلاة؛ لأنه عوضٌ عن متروك ليس بواجب. وإلى هذا كان يميل بعض أشياخي المحققين. ومَن أبطل الصلاة به مطلقاً إذا طال فإنه لم ينزله منزلة ما هو عوض عنه، ولا يبعد أن يكون ترك مندوبًا علمًا على وجوب فعل آخر، ومن فصّل اعتبر الجزء المتروك وخفته. انتهى.
فرع:
ابن راشد: فإذا قلنا بالصحة فهل يكونان كسجدتي الزيادة يسجدهما متى ما ذكر، أو يسقطان؟ قولان:
ففي التفريع: إن كانتا عن ترك قولٍ أو صفة قول سجد متى ما ذكر، طال أو لم يطل.
ورأيت في اللباب عن ابن القاسم أنه قال بالسقوط فيما لم ير فيه إعادة، قال: ووجهه أنها سنة مرتبطة بالصلاة وتابعةٌ، ومِن حُكم التابع أن يُعطى حكم المتبوع [٦٢/ أ]
стр. 386
بالقُرب، فإذا بَعُدَ لم يُلْحَقْ به. انتهى. وحكى بعضهم عن محمد بن عبد الحكم أنه يسجد متى ما ذكر كالبعدي.
فَإِنْ كَانَ فِي صَلاةٍ وَحُكِمَ بِبُطْلانِ الأُولَى فَهُوَ كَذَاكِرِ صَلاةٍ، وإِنْ لَمْ يُحْكَمْ بِبُطْلانِهَا لِسَهْوٍ وَانْتِفَاءِ طُولٍ وَحَدَثٍ فَهُوَ كَتَارِكِ بَعْضِ صَلاةٍ.
أي: فإن ذَكَرَ السجود القبلي وهو في صلاة، فإن قلنا بالبطلان فذلك بمنزلة مَن ذكرة صلاةً في صلاةٍ، وقد تقدم، وإن لم نَقُل ببطلان الأُولى لسهوٍ، أي: لم يتعمد ترك السجود في محله فهو كذاكرِ بعض صلاة؛ أي: فيكون ذلك البعض فرضًا.
ثم ذكر حكم تارك بعض الصلاة فقال:
وَلَهُ أَرْبَعَةُ أَوْجُهٍ، فَرْضٌ فِي فَرْضٍ: إِنْ طَالَ بَطَلَتْ، وَيُعْتَبَرُ الطُّولُ بِالْعُرْفِ، وَقِيلَ: بِعَقْدِ الرَّكْعَةِ عَلَى الْقَوْلَيْنِ وَإِلا أَصْلَحَ الأُولَى. نَفْلٌ فِي نَفْلٍ: إِنْ طَالَ تَمَادَى، وَإِلا فقَوْلانِ. فَرْضٌ فِي نَفْلٍ: كَالأُولَى، وَقِيلَ: تَبْطُلُ الأُولَى مطلقاً. نَفْلٌ فِي فَرْضٍ: يَتَمَادَى عَلَى الأَصَحِّ ....
أي: ولمَن ذكر بعضَ صلاة في أخرى.
وقوله: (فَرْضٌ فِي فَرْضٍ) أي: يَذكر السجودَ مِن صلاة فريضة وهو في صلاة فريضة أخرى، وتقديره: فرضٌ مذكورٌ سجودُه في فرضٍ. وفي حَدِّ الطُّولِ أربعة أقوال:
أحدها: أنها تبطل إذا أطال القراءة في الثانية أو ركع، وهو لابن القسم في المدونة، ولم يتعرض له المصنف وكان حقه أن يذكره، ولفظها: فإن كانت القبليتان من فريضة فذكرهما بقرب صلاته رجع إليهما بغير سلام، وإن أطال القراءة في هذه أو ركع بطلت الأولى، فإن كانت هذه الثانية نافلة أتمها، وإن كانت فريضة قطعها، إلا أن يعقد منها ركعة فيشفعها استحبابًا، ثم يصلي الأولى ثم الثانية.
стр. 387
الثاني: أن المعتبرَ الطولُ، فلا تبطل إذا ركع ركعة خفيفة إلا أن يطول فيها، لابن وهب.
الثالث: أنه إن صلى ركعة كان مخيرًا بين القطع لإصلاح الأولى، أو يمضي على صلاته، رواه ابن وهب عن مالك.
والرابع: أنه يرجع وإن صلى ثلاث ركعات، حكاه ابن بشير.
قوله: (وَقِيلَ: بِعَقْدِ الرَّكْعَةِ) هو الخامس، وحكاه ابن بشير أيضاً ولم يَعْزُه. وأل في القولين للعهد، وهما ما تقدم، هل عقد الركعة برفع الرأس أو بوضع اليدين؟
وقوله: (وَإِلا أَصْلَحَ الأُولَى) أي: وإن لم يطل رجع وأصلح الأولى، ويسجد بعد السلام.
فإن قيل: كيف قال: وإن طال بعد أن فرضها فيما إذا لم يطل؟
قيل: الطول المنفي أولاً الطولُ في غير الصلاة، والطول الثاني باعتبار ما إذا تلبَّس بصلاةٍ أخرى، ولهذا أطلق في الطول أوَّلاً، وذكر الخلاف ثانيًا، والله أعلم.
وقوله: (نَفْلٌ فِي نَفْلٍ: إِنْ طَالَ تَمَادَى) أي: ولا قضاء عليه للأُولى؛ لأنها قد بطلت سهوًا، والأصل في النافلة– إذا بطلت على غير وجه العمد – أنه لا يلزمه قضاؤها. وإن لم يطل فقولان. قال في المدونة: يرجع إلى الأولى ما لم يركع؛ يعني: أو يطول القراءة كما في الفرض. قال في المدونة: ثم يبتدئ التي كان فيها إن شاء. والقول بالتمادي مطلقاً حكاه ابن بشر، ووجهه أنه لا يصح له ولا نافلة منهما.
وقوله: (فَرْضٌ فِي نَفْلٍ: كَالأُولَى) أي: فإن طال بطلت. ويقع في بعض النسخ كالأول؛ أي: كالوجه الأول أو كالقسم الأول.
стр. 388
وقوله: (تَبْطُلُ الأُولَى مطلقاً) لأن مضادة نية النافلة بالفريضة أقوى من مضادة نية الفريضة للفريضة، وهذا قول مالك في مختصر ما ليس في المختصر. وقال أشهب: يرجع إلى المكتوبة ولو صلى سبع ركعات. وكذلك قال مطرف فيمن نسي السلام من مكتوبة وأحرم لنافلة أنه يرجع إلى المكتوبة وإن طال، ورأى أن حرمة الصلاة باقية إذا لم يسلم منها، وكذلك وافق على مسألة المصنف.
قوله: (نَفْلٌ فِي فَرْضٍ: يَتَمَادَى عَلَى الأَصَحِّ) الأصح لابن القاسم حكاه عنه ابن المواز. وقال ابن عبد الحكم: يرجع إلى إصلاح النافلة. وأطلق في القولين. وقال بعضهم: إن طال فليس إلا التمادي على الفريضة. وهو الظاهر. وحيث قلنا يرجع إلى الأولى فإنه يرجع بغير السلام، والله أعلم.
تنبيه:
ما تقدم من لفظ المدونة اختلف في تأويله الشيوخ: فحمله أبو عمران وعبد الحق على ظاهره من الفرق بين الفريضة والنافلة، وأنه يقطع في الفريضة ما لم يركع، ويمضي في النافلة مطلقاً، وقد نص في الموازية على ذلك، وذهب غيرهما إلى أن في قوله في الفريضة بعد عقد ركعة يشفعها استحبابًا إشارة إلى جواز القطع أيضاً بعد عقد ركعة، وهو خلاف ما تقدم له في المدونة فيمن ذكر فريضة في فريضة، أنه إن عقد ركعة أكملها نافلة، وإنما اختلف قوله إذا لم يعقد ركعة. وتقدم له أيضاً أنه إذا ذكر فريضة في نافلة أنه إن لم يعقد ركعة قَطَعَ، وإن عقد فقولان. وظاهرُ كلامه هنا التمادي مطلقاً، فذهب بعضهم إلى أن قوله هنا خلاف ما تقدم له في الفرض والنفل. قال في التنبيهات: وذهب بعضهم إلى أن قوله لا يختلف هنا بعد عقد الركعة في الفرض والنفل. قال في التنبيهات: وذهب بعضهم إلى أن قوله لا يختلف هنا بعد عقد الركعة في الفرض والنفل، إلا بعد ثلاث في الفرض أنه يشفع لاتساع الوقت هنا، بخلاف الفائتة التي ذكرها في صلاته؛ لأن تلك قد ضاق وقتها، فلذلك اختلف هنالك قوله بالقطع أو بالخروج عن شفع. انتهى.
стр. 389
سَبَبُهُ زِيَادَةٌ أَوْ نُقْصَانٌ فِي فَرْضٍ أَوْ نَفْلٍ
يريد: أوْ هما معًا.
فَكَثِيرُ الْفِعْلِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلاةِ مُبْطِلٌ مطلقاً، وَإِنْ وَجَبَ كَقَتْلِ مَا يُحَاذَرُ وَإِنْقَاذِ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ ......
أي: فكثير الفعل من غير جنس الصلاة، وأما من جنسها فسيأتي. وقوله: (مطلقاً) أي: ولو سهوًا، كذا حكى ابن بشير، [٦٢/ ب] وهو ظاهر كلام ابن شاس. قال الباجي: العمل في الصلاة على ثلاثة أضرب:
أحدها: اليسير جدًا كالغمزة، وحك الجسد، والإشارة، فهذا لا يُبطل الصلاة لا عمدُه ولا سهوه، وكذلك المشي إلى الفُرج القريبة.
وثانيها: ما كان أكثر من ذلك فيُبطلها عَمْدُه لا سهوه، كالانصراف. واختلف أصحابنا في الأكل والشرب، فقال ابن القاسم: يُبطل الصلاة عمده وسهوه. وقال ابن حبيب: لا يبطلها إلا أن يطول جدًا كسائر الأفعال. يريد: ويجزئه سجود السهو.
وكذلك قال ابن رشد: إذا كان الفعل لا يجوز كأكله وشربه، فقيل: يبطل صلاته. وقيل: يجزئه سجود السهو.
وثالثها: الكثير جدًا كالمشي الكثير، والخروج من المسجد فهذا يُبطل عمدُه وسهوه.
وقوله: (وَإِنْ وَجَبَ) تأكيد للإبطال؛ لئلا يُتوهم نفي الإبطال مع الوجوب.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون البطلان مع اتساع الوقت، وإذا ضاق بقدر ما يُحاذر فقد يقال أنه يؤدي الصلاة على تلك الحال كالمُسَايَفَةِ، وفي استحباب الإعادة بعد ذلك في الوقت نظر، كمن يخاف أن ينزل عن دابته لخوف لصوص أو سباع، وكذلك إنقاذ النفس في هذا، ولا يبعد إلحاق المال الكثير بهذا. انتهى.
стр. 390
وَالْقَلِيلُ جِدّاً مُغْتَفَرٌ، وَلَوْ كَانَ إِشَارَةً بِسَلامٍ أَوْ رَدٍّ وَنَحَوْهِ أَوْ لِحَاجَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
الأصل في هذا إدارةُ النبي ﷺ لابن عباس عن يمينه، وإصلاحه ﷺ رداءه بعد الإحرام، وغمزه لعائشة حين السجود لتضم رجليها. وقوله: (مُغْتَفَرٌ) يريد مع إباحته؛ لقوله: (وَلَوْ كَانَ إِشَارَةًخ فإن المهشور الجوازُ، ومقابِلُ المشهورِ الكراهةُ، رواها علي بن زياد، فإنه روى كراهة السلام على المصلي، ورده بيده أو رأسه. وفصَّل ابن الماجشون فقال: لا بأس بالمصافحة في الصلاة، وبالإشارة برد السلام في المكتوبة، وأما الشيء يعطيه فلا أحبه، وقد يخطيه فيكون ليفهم. نقله صاحب النوادر وغيره. وفصل ابن بشير في القليل جدًا فقال: إن لم تدع إليه ضرورة ولم يكن من مصلحة الصلاة فهو مكروه، وإن كان من مصلحتها أو دعت إليه ضرورة كإنقاذ نفس أو مال أو قتل ما يحاذر لم يكره.
وقسَّم في المقدمات اليسيرَ على ثلاثة أقسام:
منها ما يجوز كقتل عقرب تريده، ولا شيء فيه.
ومنها ما يكره كقتلها وهي لا تُريده، فهذا يتخرج السجود فيه على قولين.
ومنها ما يمنع كالأكل والشرب، فهذا قيل: يسجد له. وقيل: تبطل الصلاة.
فرع:
لو أطال الجلوس أو التشهد أو القيام، فقال ابن القاسم: ذلك مغتفر. وقال سحنون: عليه السجود. وفرق أشهب فقال: إن أطال في محل شرع تطويله كالقيام والجلوس فلا سجود، وإن أطال في محل لا يشرع فيه الطول كالقيام من الركوع أو الجلوس بين السجدتين سجد. قال في البيان: وهو أصح الأقوال.
следующие страницы →