Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3221–3260 · переход к 3226.
стр. 3221
فرع:
لو غاب الغريم فأراد كفيل الوجه أن يثبت فقره ليسقط، فإنه لو حضر وهو فقير لم يلزم الحميل غرم، فقال اللخمي: له ذلك ولا غرم عليه إذا ثبت ذلك؛ لأن يمين الغرم على العدم استظهار. وقال المازري: يجري فيها قولان؛ لأن الفقر إذا ثبت بالبينة لم يحلف الغريم على ذلك؛ أي: فهل يحلف الغريم لتعذر هذه اليمين، أو لا لأنها استظهار؟ هذا معنى كلامه.
فرع:
وأما لو أغرم الحميل ثم أتت بينة أن الغريم مات في غيبته قبل القضاء لرجع الحميل على رب الدين بما أدى إليه، قاله في المدونة، وغيرها.
فَلَوْ مَاتَ الْمَضْمُونُ لَمْ يَلْزَمِ الضَّامِنَ شَيْءٌ، وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الأَجَلِ لَزِمَ وإَنْ كُنْتُ قُلْتُ غَيْرَ هَذَا فَاطْرَحُوهُ ....
أي: فلو مات الغريم وهو مراده بالمضمون ولم يكن حكم على حميل الوجه بالضمان لم يلزم الضمان شيء، وهو مذهب المدونة، وعلله فيها بأن النفس المضمونة قد ذهبت.
محمد: وهذا هو المعروف من قول مالك، وعليه جماعة من أصحابه، وعن ابن القاسم أيضاً في الموازية ما ذكره المصنف من القول الثاني، ونصه عند ابن يونس: ابن القاسم: وإن مات في غيبته وهي قريبة أو بعيدة لزم الغرم الحميل، إلا أن تكون الحمالة مؤجلة ويكون موت الغريم قبل الأجل بأيام كثيرة لو كلف الحميل المجيء به لخرج فيها ورجع قبل محل الأجل، فحينئذٍ تسقط عنه الحمالة ولا تلزمه.
ابن القاسم: وإن كنت قلت لكم في هذه المسألة غير هذا فاطرحوه وخذوا هذا. فظاهر، وصرح بذلك ابن القاسم في هذا القول في العتبية أنه لو مات بالبلد لم يلزم الكفيل شيء ولو مات بغيره لفصل كما ذكرنا، وإنما لزم الكفيل الغرم في هذا القول؛ لأن تفريطه في
стр. 3222
الغريم حتى خرج عن البلد كعجزه عن إحضاره وهو حي؛ لأنه لو منعه من الخروج لحل الأجل عليه وهو بالبلد فيتمكن رب الدين من طلبه.
وعلى هذا فقول المصنف: (وعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِذَا مَاتَ بَعْدَ الأَجَلِ) يريد: وبغير البلد، وقول ابن القاسم في هذه الرواية: (ويكون موت الغريم قبل الأجل بأيام كثيرة) مفهومه لو كان بأيام قليلة لكان الضمان أيضاً عليه وهو كذلك، ولكن اختلف في حد ذلك، فقال ابن القاسم في الموازية: إن بقي من أجل الدين ما لا يتحمل أن يذهب الكفيل فيأتي به لزمت الكفيل الغرامة، وقال ابن القاسم أيضاً في الواضحة: إن بقي من الأجل ما لو أقيل الغريم فيه لوصل عند الأجل فلا شيء على الحميل، وحمله على الوفاء على أن يأتي بنفسه من غير رسول، قاله اللخمي والمازري وغيرهما.
فرع: لو مات حميل الوجه فالمشهور أن الكفالة لا تسقط وكأنه التزم ديناً في ذمته خلافاً لعبد الملك، وكأنه على قوله إنما التزم ما يتعلق بعينه.
المازري: وعلى المشهور فإن كان الدين حالاًّ طُلِبت الورثة بإحضار الغريم، وإلا أخذ الحق من التركة، وإن كان ذلك مؤجلاً فإن الورثة أيضاً يطالبون بإحضار الغريم، فإن أحضروه سقطت الكفالة.
محمد: وتسقط إذا أحضره أحد الورثة وإن كان الدين مؤجلاً. ابن عبد السلام: هكذا حكى المازري [٥٤٩/ب] عن محمد، والذي رأيته في الموازية بعد أن حكى قول عبد الملك.
محمد: يقال لورثته: جيئوا بالذي عليه الدين، وإلا ضمنتم.
التونسي: لم يذكر متى يجيئون به ولعله أراد عند حلول الأجل. انتهى.
وقل اللخمي عن محمد مثل ما نقله المازري بناء على نقله.
стр. 3223
وعارض الأشياخ المتأخرون هذا بأن إحضار الغريم قبل الأجل لا يفيد الطالب؛ إذ لا يقدر على طلبه حينئذٍ قال: ولعل محمداً رأى هذه الحوالة تحل بموت الحميل كما تحل بموت الغريم، وما ذلك إلا لما يلحق ورثته من الضرر في قسمة التركة، وقد يتعلق بها حق الطالب لإمكان أن يحل الأجل ويغيب الغريم.
فَلَوْ قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ وِشِبْهَهُ طَلَبهُ بِسَفَرِ مِثْلِهِ
هذا هو حميل الطلب، وقوله (بِطَلَبِهِ وِشِبْهَهُ) يحتمل أن يريد بالشبه نحو هذه الصيغة، كما لو قال: علي أن أطلبه، وقال ابن عبد السلام: تقع حمالة الطلب على وجهين:
الأول: أن يبتدئ الحمالة على ضمان الوجه، ويشترط الضامن إن لم يجده فلا شيء عليه من المال.
والثاني: أن يبتدئ الحمالة على ضمان الطلب، ولما أراد المصنف الجمع بينهما قال: (فَلَوْ قَالَ: أَنَا حَمِيلٌ بِطَلَبِهِ وِشِبْهَهُ).
ابن المواز: ويلحق بقوله: (أضمن وجهه وأنا بريء من المال في عدم إغرامه المال) ما لو قال: (لا أضمن إلا وجهه)؛ أي لأنه استثنى وجهه بعد أن عمم نفي الضمان لكل شيء، واستشكل صاحب المقدمات والبيان قول محمد هذا، وقال: لا فرق بين قوله: (أضمن وجهه) وبين (لا أضمن إلا وجهه)، قال: وإنما يصح ما قاله محمد إذا كان لكلامه بساط يدل على إرادة الطلب فقط، كما لو قيل له: تحمل لنا بوجه فلان فإن جئت به فأنت بريء من المال، فيقول: لا أضمن إلا وجهه.
عياض: وتصح حمالة الطلب في كل شيء حتى في القصاص.
стр. 3224
وقوله: (طَلَبهُ بِسَفَرِ مِثْلِهِ) الضمير في (مِثْلِهِ) عائد على الحميل، وكذلك قال في الجواهر، وقال اللخمي: إن لم يعلم موضعه وحيث توجه كان عليه أن يطلبه في البلد، وفيما قرب.
واختلف إذا عرف موضعه، فقال أصبغ: يطلبه على مسيرة اليوم واليومين، وحيث لا مضرة فيه. وقال ابن الماجشون: يخرج لطلبه قرب أو بعد، ما لم يتفاحش، فأما ما يكون من أسفار الناس فليخرج، أو يرسل أو يؤدي عنه.
ابن حبيب: والشهر ونحوه من أسفار الناس، وقال ابن القاسم في العتبية: يعتبر في هذا ما يقوى الكفيل عليه فيكلفه وما لا يقوى عليه فلا يكلفه، وقد حكى المازري هذه الثلاثة الأقوال وحكاها أيضاً صاحب البيان. قال بعد هذا: وحكى فضل عن ابن عبد الحكم أن السلطان يتلوم له فإن جاء به وإلا حبسه حتى يأتي.
والظاهر أن المصنف أراد بقوله: (سَفَرِ مِثْلِهِ) قول ابن الماجشون، فإن قلت: بل أراد قول ابن القاسم، قيل: لفظة: (يقوى) تعطي من الوسع ما يعطي (سَفَرِ مِثْلِهِ).
فإن قلت: لعل المصنف أراد إذا لم يعلم موضعه قيل: هناك لم يشترط سفر المثل، وإنما قالوا يطلبه في البلد وما قرب منه.
فرع: ولا يلزم حميل الطلب غرم، وإن لم يأت بالغريم إلا أن يمكنه بعد الأجل إحضاره، ففرط حتى هرب أو أنذره حتى هرب، قاله غير ابن القاسم في المدونة.
أبو الحسن: وهو تتميم وتفسير، وهكذا قال في العتبية؛ لأن فيها: وإن أثبت الطالب أنه خرج وأقام بقريته ولم يتمادى عاقبه السلطان بالحبس بقدر ما يرى، أو يأمره بإحضار صاحبه إن قدر عليه، وأما أن يضَّمنه المال فلا، إلا أن يلقاه فيتركه فيضمن إن أثبت ذلك عليه، وكذلك إن كان غيبه في بيته ولم يظهره، ولهذا قال ابن الهندي: عليه أن يحلف ما قصر في طلبه ولا دلس فيه ولا يعلم له مستقر.
стр. 3225
أبو محمد صالح: وهذا على القول بلحوق أيمان التهم، وظاهر ما لابن القاسم في العتبية تصديقه من غير يمين؛ لأن فيها: إذا خرج لطلبه ثم قدم وقال: لم أجده، وقال الطالب: من يعلم أنك بلغت الموضع، القول قول المحيل إن مضت مدة يبلغ فيها ويرجع.
اللخمي: وهو مثل قوله في المدونة في الأجير على تبليغ الكتاب يدعي أنه أوصله وخالفه غيره في الأجير، فيلزم على قوله أن يكلف الحميل إثبات وصوله ورده.
المازري: هذا التخريج بأن الأجير يطلب إثبات دين في ذمته، والدين لا يثبت في الذمة إلا ببينة، وأما الحميل فإنه إنما يبرئ نفسه من الطلب.
وَلَوْ شَرَطَ الأَجَلَ فِي الْحَال والْغَرِيمُ مُعْسِرٌ يُوسِرُ في مِثْلِهِ مَنَعَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وأَجَازَهُ أَشْهَبُ ....
يعني: لو شرط الضامن التأجيل بالدين الحالِّ على الغريم والغريم حينئذٍ معسر يوسر قبل تمام الأجل، فهل يمنع لأن الزمان المتأخر عن يساره يعد صاحب الحق فيه مسلفاً - لأنه أخر ما عجل فيمتنع لأنه مسلف وقد انتفع بالحميل الذي أخذه من غريمه وهو قول ابن القاسم، وهذا على أن اليسار المترقب كالمحقق - أو يجوز؟ لأن الأصل استصحاب عسره، ويسره قد لا يكون، فلم يؤخره وكان المعسر تبرع بالضمان، وهو قول أشهب؟ أما إن لم يوسر إلا عند الأجل أو بعده فيجوز باتفاق، وهذا مفهوم من كلام المصنف.
وقوله: (في مِثْلِهِ) لفظة (مثل) زائدة؛ لأن المراد في الأجل قبل فراغه، ومعنى قولنا: (يُوسِرُ) قبله؛ أي الغالب عليه أن يوسر قبله كبعض أصحاب الغلات.
وفهم من قوله: (والْغَرِيمُ مُعْسِرٌ) أنه لو كان موسراً لجاز، وكذلك نص اللخمي عليه.
стр. 3226
فَلَوْ كَانَ مُوسِراً بِالْبَعْضِ جَازَ ضَمَانُ أَحَدِهِمَا دُونَ الْجَمِيعِ
كما لو كان عليه مائتان وبيده مائة جاز أن يؤخر ما هو به موسر لضامن ولا مانع، وكذلك المعسر به لأنه تبرع لضامن، ولوضمنهما منع لأنه سلف جر منفعة؛ إذ تأخيره بالمائة الموسر بها سلف، وانتفع بالضمان في المائة التي هو معسر بها، وقاله اللخمي وصاحب البيان.
وَلَوْ ضَمِنَ الْمُؤَجَّلَ حالا جَازَ
هكذا في المدونة: وجعل الرهن كذلك، قال: لأنه [٥٥٠/أ] زيادة توثق، وأطلق كلام المصنف، وقيده ابن يونس لما إذا كان الحق مما له تعجليه، وأما إن كان عرضاً أو حيواناً من بيع فلا يجوز؛ لأنه (حط الضمان وأزيدك).
ابن عبد السلام: وليس هو ببين؛ لأن رب الدين ما أخذ زيادة في نفس الحق ولا منفعة ينتفع بها، وإنما قصد التوثق، وذلك يدل على أنه لا غرض له في التأخير ولا غرض للآخر في بقاء الدين في ذمته، وتظهر فائدته مع التأخير لا مع التعجيل. انتهى.
وقال اللخمي: إن أعطاه حميلاً ليتعجله قبل الأجل فإن كان الدين عيناً أو عرضاً من قرض جاز، وإن كان من بيع وكان قَصَد الغريم بتعجيله منفعة الطالب جاز، وإن أراد إسقاط الضمان عن نفسه لم يجز.
وَلَوْ عَلَّقَ الضَّمَانَ بِعَدَمِ وفَاء الأَصْلِ تَلَوَّمَ الْحَاكِمُ وأَلْزَمَهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَلِيئاً حَاضِراً ....
أي: (لَوْ عَلَّقَ الضَّمَانَ بِعَدَمِ وفَاء الأَصْلِ) فقال: (أنا ضامن لك بما على فلان إن لم يوفِّك حقَّك) فإن الضمان صحيح على الوجه الذي شرط، ويتلوم له القاضي بقدر ما يرى، ثم يلزمه المال، إلا أن يكون الغريم حاضراً مليئاً، فإن القاضي يجبره على الدفع للطالب.
стр. 3227
وَصِيغَتُهُ: تَحَمَّلْتُ، وتَكَلَّلْتُ، وضَمِنْتُ، وأَنَا زَعِيمٌ، وعِنْدِي، وشِبْهُ ذَلِكَ
قوله: (وشِبْهُ ذَلِكَ)؛ أي قبيل، وأدين، وصبير، وعزيز، وينبغي أن يعتمد هنا على الألفاظ التي يستعملها العرف في الضمان لا على غيرها.
فَلَوْ قَالَ: أَرَدْتُ الْوَجْهَ - فَقَوْلانِ
قال في المدونة: من قال: أنا حميل، أو زعيم، أو ضامن، أو قبيل، أو هو لك عندي، أو علي، أو إلي، أو قِبلي، فذلك كله حمالة لازمة إن أراد الوجه لزمه، وإن أراد المال لزمه، قالوا: ويصدق، وإن لم يدعِّ أنه أراد شيئاً فاختلف الشيوخ: هل يحمل على المال أو على الوجه؟ واختار ابن يونس وصاحب المقدمات أنه بالمال واستدلا بقوله ﷺ : «الزعيم غارم»، ولأنه المتبادر من لفظة الحمالة.
المازري: واختار بعض الشيوخ أنه بالوجه لكونه أقل الأمرين، والأصل براءة الذمة، ورد الاستدلال بالحديث بأنه إنما قصد بالحديث بيان حكم وجوب المطالبة للكفيل بما ضمنه، ولم يقصد به بيان حكم إطلاق هذه اللفظة. قال: ولأن الغرامة إنما تكون في الأموال لا في الأبدان؛ إذ البدن لا يصح أن يغرم، فكأنه يقول: الزعيم غارم لما ضمن، والضامن الذي يتصور فيه الغرامة إنما يكون في المال.
فرع:
وأما إن حقَّقَ كل واحد منهما ما وقعت به الحمالة، فقال الحميل: إنما تحملت بالوجه، وقال الطالب: بل بالمال، فالقول قول الحميل؛ لأن الأصل براءة الذمة.
* * *
стр. 3228
الشِّرْكَةُ: إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ لَهُمَا مَعَ أَنْفُسِهِما
هي بكسرِ الشين وسكونِ الراءِ، والإجماعُ على جوازِها مِنْ حيثُ الجملةِ، ورَسَمها المصنفُ بقوله: (إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ) أي: أُذِنَ لصاحبهِ أن يتصرَّفَ مع نفسِه، فقولُه: (إِذْنٌ في التَّصَرُّفِ لَهُمَا) كالجِنْسِ.
(مَعَ أَنْفُسِهِما) فَصْلٌ أَخْرَجَ به الوِكالَةَ، قال في المقدمات، وهي مِن العُقُودِ الجائِزَةِ، لكلٍّ منهما أن ينفصلَ متى شاءَ إلا الشركةَ في الزَّرْعِ، ففي لزومِها خلافٌ؛ لتَرَدُّدِها بين الإجارَةِ والشركةِ، وسيأتي ذلك، ونحوهُ للَّخْمِيِّ، وخَرَّجَ قولاً - بلزومِها لأَوَّلِ نَضَّةٍ - من الشاذ في كراء المشاهرة أنه يلزم شهراً. قال: وأما إن أخرجا مالاً لأن يشتريا به شيئاً معيناً - فإنه يلزم إن لم يمكن كل واحد بانفراد شراؤه، أو أمكنه، ولكن اشتراؤهما أرخص، وإلا فقولان، وهما على الخلاف في شرط ما لا يفيد. وفي معين الحكام، الشركة تنعقد بالقول على المشهور من قول مالك وأصحابه، وكذلك قال ابن يونس: إنها تلزم بالعقد كالبيع، لا رجوع لأحدهما فيها كالبيع، بخلاف الجعل والقراض. ولعياض وابن عبد السلام نحوه.
ابن عبد السلام: الظاهر أنه لا مخالفة بينهم، ومراد ابن يونس وغيره أنها تلزم بالعقد باعتبار الضمان؛ أي: إذا هلك شيء بعد العقد يكون ضمانه منها، خلافاً لمن يقول: إنها لا تنعقد إلا بالخلط.
فإن قلت: يلزم من هذا مخالفة المدونة؛ لقوله: وإن بقيت كل صرة بيد صاحبها حتى ابتاع بها أمة على الشركة، فالأمة بينهما، والصرة من ربها. وقال غيره، لا تنعقد بينهما شركة حتى يخلطا. قيل: قد قيد اللخمي ذلك بما إذا كان في الصرة حق توفية وزن أو انتقاد، قال: وأما إن وزنت وانتقدت وبقيت عند صاحبها على وجه الشركة فضاعت - لكانت
стр. 3229
مصيبتها منهما؛ لأن الخلط عنده ليس بشرط في الصحة. هذا نصه، وهو يدل لما قلناه، وأيضاً فلجعله الأمة بينهما، فاعلمه.
الْعَاقِدانِ كَالْوَكِيلِ والْمُوَكِّلِ
هذا شروع منه في بيان أركانها، يعني أن من جاز له أن يتصرف لنفسه - جاز له أن يوكل ويشارك؛ فلا يشارك العبد إلا أن يكون مأذوناً له، وكذلك غيره من المحجور عليهم، وشبهه المصنف بالوكيل والموكل؛ لأنه قد يشبه بما سيأتي، ويقرب من هذا هنا أن تأتي الوكالة أثر الشركة، واعلم أن كل واحد وكيل عن صاحبه، موكل له، وعلى هذا فيكون المصنف شبه كلا منهما بمجموع الوكيل والموكل.
فإن قيل: فقد قالوا: إن الذمي لا يوكل على المسلم فهل يتأتى هنا؟
قيل: لا يبعد؛ وقد قال ابن حبيب: لا ينبغي للحافظ لدينه أن يشارك إلا أهل الدين والأمانة، والتوقي للخيانة والربا والتخليط في التجارة، ولا يشارك يهودياً ولا نصرانياً ولا مسلماً فاجراً إلا أن يكون هو الذي يتولى البيع والشراء، وإنما للآخر البطش والعمل.
الصِّيغَةُ ما يِدُلُّ لَفْظاً أَوْ عُرْفاً
ابن عبد السلام: يعني أن الشركة لا تختص بلفظ معين، بل كل ما يدل عليها لغة أو عرفاً، أو ما يقوم مقام ذلك من الأفعال. وفي كلامه مسامحة؛ لأنه قابل اللفظ بالعرف، فإن أراد باللفظ ما هو أعم من اللغة والعرف، فكيف يجعل العرف قسيماً له، وإن كان مراده باللفظ ما أفاد في اللغة، وبالعرف ما أفاد من الألفاظ العرفية - فقريب، إلا [٥٥٠/ب] أنه يخرج عنه الفعل، وإن أراد بالعرف ما أفاد عرفاً أعم من أن يكون لفظاً أو غيره - ففيه من الإشكال أنه يكون قد فسر الصيغة بما هو أعم منها.
ومثال الفعل الدال كما لو خلطا ماليهما وباعا.
стр. 3230
مَحَلُّهَا: الْمَالُ والْعَمَلُ، فَفِي الْمَالِ: بَيْعٌ مِنْ غَيْرِ مُنَاجَزَةٍ لِبَقَاءِ الْيَدِ
كلامه ظاهر التصور؛ وذلك لأنه إذا أخرج أحدهما مائة دينار، والأخر مثلها - فكأن كل واحد منهما باع نصف ما أخرجه بنصف ما أخرجه الآخر، لكنهما لم يتناجزا لبقاء يد كل واحد منهما.
وقلنا: (من غير مناجزة) لأن ذلك لو كان مناجزة لاكتفى به في الصرف، ولهذا - الذي أشار إليه المصنف - كان الأصل منعها في المال الذي ذكرنا لولا الإجمال الذي نبه عليه المصنف بقوله:
والإِجْمَاعُ عَلَى إِجَازَتِهَا بِالدَّنَانِيرِ والدَّرَاهِمِ مِنْ كِلا الْجَانِبَيْنِ
(كِلا الْجَانِبَيْنِ) أي: أن يخرج كل واحد منهما ذهباً، أو كل واحد ورقاً.
واحترز به مما لو أخرج أحدهما ذهباً والآخر ورقاً؛ لأنه ممنوع كما سيأتي، وعلى كلام المصنف يكون الإجماع على غير قياس، وأشار ابن عبد السلام إلى أن بقاء اليد لا يمنع من التناجز لاختلاف وجوه الضمان في ذلك بالجزء المبيع، ألا ترى أنه كام مضموناً قبل الشركة من البائع، وضمانه بعدها منهما، فيكون الإجماع منعقداً على مقتضى القياس، وإنما لم يكتف بهذا القدر في الصرف احتياطاً.
خليل: وفيه نظر؛ لأن بيع العين بالعين مصارفة بلا إشكال، والإجماع هنا جار على غير قياس. وقد صرح صاحب المقدمات وغيره بأن هذا الإجماع ليس بجار على قياس.
فَقَاسَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَلَيْهِ الطَّعَامَ الْمُتَّفِقَ فِي نَوْعِهِ وصِفَتِهِ، ومَنَعَهُ مَالِكٌ، فَقِيلَ: لأَنَّهُ بَيْعُ الطَّعَامِ قَبْلَ قَبْضِهِ ....
يعني: أن ابن القاسم قاس الطعامين المتفقين في الصفة على الدنانير والدراهم، والجامع حصول المناجزة حكماً لا حساً، فكما اغتفر هذا في الدنانير والدراهم - فكذلك يغتفر في الطعامين، ومنع ذلك مالك، ولأصحابه في الفرق أوجه:
стр. 3231
أولها: ذكره عبد الحق عن شيوخه: أن في الطعامين يدخله بيع الطعام قبل قبضه؛ لأن كل واحد منهما باع نصف طعامه بنصف طعام صاحبه، ولم يحصل قبض لبقاء يد كل واحد منهما على ما باع، فإذا باع يكون كل واحد منهما بائعاً للطعام قبل استيفائه، وهذا هو الذي ذكره المصنف.
ثانيها: ما أشار إليه ابن المواز أن ذلك لما يدخله من خلط الطعام الجيد بالدنيء.
ثالثها: لأنه إجماع خرج من غير قياس كما تقدم، وما كان كذلك لا يصح القياس عليه على الصحيح.
رابعها لإسماعيل القاضي: أن الشركة في الطعام مشروطة بالمساواة في القدر والصفة، وذلك متعذر عادة، قال: ولا ينقض هذا بجواز بيع الطعام بعضه ببعض؛ لأن المطلوب في البيع حصول المساواة في القدر فقط، ورده ابن يونس بأنه تفريع على خلاف أصل مالك وابن القاسم، وذلك لأن طرده يقتضي جواز الشركة بالطعامين المخلتفي النوع إذا حصلت المساواة في القيمة.
ابن عبد السلام: قد يقال إذا كان التساوي في القيمة مع اتحاد النوع متعذراً عادة - فأحرى أن يكون متعذراً مع اختلافه.
وذكر بعضهم خامساً: أن الطعام مما تختلف فيه الأغراض، ولعله راجع إلى قول إسماعيل.
وسادسها: أن علل الطعام كثيرة بخلاف الدنانير والدراهم، ولعله يرجع إلى ما ذكره عبد الحق.
خليل: وقد يقال: في قول إسماعيل القاضي نظر؛ لأنه لولا حصول المساواة لم يكن من ذوات الأمثال، وكذلك أيضاً فيما ذكره عبد الحق نظر؛ لأنه أجاز في المدونة الشركة بالطعام والنقد، ولو كان كما ذكر من العلة لمنع ذلك.
стр. 3232
واحترز المصنف بقوله: (وصفته) مما لو اختلفت الصفة كسمراء ومحمولة، فإنه ممتنع عند ابن القاسم أيضاً، قال في المدونة: وسواء اتفقت القيمة أم لا، وحكى عبد الحق عن بعض القرويين أنه يجوز - على مذهب ابن القاسم - الشركة بالطعام المختلف اختلافاً يسيرا؛ كما يجوز في اليزيدية والمحمدية. قال في المقدمات: وهو محتمل. وظاهر قول ابن القاسم في المدونة أنه لا يجيز التفاضل في الطعامين المتفقين في الصفة؛ لأنه قال في غير موضع: إن ذلك لا يجوز حتى يتفقا في الكيل والجودة. وأطلق. قال: وهذا أظهر مما حكاه عبد الحق.
وتُمْنَعُ فِي الدَّنَانِيرِمَعَ الدَّرَاهِمِ والطَّعَامَيْنِ الْمُخْتَلِفَيْنِ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا
يعني: فإن أخرج هذا ذهباً والآخر دراهم - امتنع، وعلل ذلك في المدونة بأنه صرف وشركة، والصرف لا يجوز مع الشركة، وإذا لم يجز البيع مع الشركة فالصرف أولى، وأجاز ذلك أشهب وسحنون، وقالا: إنما يمنع الصرف والشركة إذا كان الصرف خارجاً عن الشركة، وأما الداخل فيها فيجوز، ورواه ابن القاسم عن مالك في الموازية.
ابن المواز: وهو غلط، وما علمت من أجازه؛ لأنه صرف لا يبين به صاحبه لبقاء يد كل واحد منهما، وروى ابن وهب عن مالك الكراهة، وبذلك أخذ محمد، وقيد اللخمي ما في الموازية بما إذا تناجزا في الحضرة.
فرع: ولو أخرج هذا ذهباً وورقاً والآخر مثله ذهباً وورقاً، فإنه يجوز.
ابن عبد السلام: لا أعلم فيه خلافاً، ولهذا رجح جماعة قول سحنون؛ لأن التعليل الذي ذكره في المدونة في الدراهم مع الدنانير جار في هذه، وهي جائزة، قال في المدونة مفرعاً على المشهور في الشركة في الدنانير والدراهم: فإن عملا فلكل واحد رأس ماله، ويقتسمان الربح: لكل عشرة دنانير دينار، ولكل عشرة دراهم درهم، وكذلك الوضيعة،
стр. 3233
قال: وإن عرف كل واحد السلعة التي اشتريت بماله فإن السلعة تباع، ويقسم الثمن كله. كما ذكرنا، وقال غيره: لكل واحد السلعة التي اشتريت بماله إن عرفت، ولا شركة له في سلعة الآخر.
وأما الشركة بالطعامين المختلفين فالمشهور - وهو مذهب المدونة - المنع، ففيها: وإن أخرج أحدهما محمولة والآخر سمراء، أو أخرج هذا [٥٥١/أ] قمحاً والآخر شعيراً، وقيمة ذلك متفقة أو مختلفة، وباع هذا نصف طعامه بنصف الآخر - لم يجز على حال كيفما شرط، كما لا أجيز الشركة بدنانير ودراهم متفقة قيمتهما، والقول بالجواز لسحنون بشرط أن تتفق القيمة. اللخمي: يريد: والكيل.
وقول المصنف: (فِيهِمَا) أي: في صورتي الدنانير والدراهم والطعامين المختلفين، وقد بينا ذلك، وفي المقدمات والبيان عن مالك قول بالجواز في مسألة الطعامين المختلفين كقول سحنون.
وتَجُوزُ بِالْعَرْضَيْنِ مُطْلَقاً، ورَاسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا قُوِّمَ بِهِ عَرْضُهُ
تجوز الشركة بالعرضين مطلقاً، أي: سواء كانا من جنس أو من جنسين، قال في المدونة: ولا بأس أن يشتركا بعرضين متفقين أو مختلفين، أو طعام وعرض على قيمة ما أخرج كل واحد.
وروي عن مالك في الموازية أنه قال في الشركة بالعرضين المختلفين: ما هو من عمل الناس، وأرجو ألا يكون فيه بأس. وينبغي حمل هذا على الوفاق؛ لقوله: أرجو ألا يكون بذلك بأس. وإن كان ابن رشد حمله على الخلاف.
وقوله: (ورَاسُ مَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مَا قُوِّمَ بِهِ عَرْضُهُ)؛ أي إلى يوم الإحضار.
стр. 3234
فَلَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً فَرَاسُ مَالِهِ مَا بِيعَ بِهِ عَرْضُهُ لا قِيمَتُهُ يَوْمَ أَحْضَرَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: فلو وقعت الشركة بالعرضين فاسدة - كما لو وقعت على تفاضل الربح أو العمل - فاختلف فيما يكون رأس مال كل واحد منهما، فالمشهور أنه ما بيع به عرضه؛ لأن العرض في الشركة الفاسدة لم يزل على ملك ربه وفي ضمانه إلى يوم البيع، وهذا كما قلنا في البيع الفاسد أنه ينتقل إلى ملك المشتري بالفوات، فيضمن قيمته يوم القبض، والشاذ الذي حكاه المصنف باعتبار القيمة يوم الإحضار.
ابن راشد وابن عبد السلام: ليس بمنصوص وإنما خرجه التونسي على قول من يرى أن التمكين في البيع الفاسد يوجب الضمان، على أنه لم يجزم هذا القروي به، بل جعله مما يمكن أن يقال، والأقرب أنه لا يتخرج؛ لأن التمكين في البيع الفاسد تمكين تام؛ إذ لا شركة لأحد معه فيه، بخلافه هنا، فلا يلزم من انتقال الضمان بالتمكين التام انتقاله بالتمكين غير التام.
وأشار التونسي أيضاً إلى تخريجه ما إذا أخرج أحدهما ذهباً والآخر ورقاً، فإن المشهور - وهو مذهب ابن القاسم - فسادها، مع أنه قال: إذا اشترى كل سلعة وعرفت يقتسمان الربح على حسب رأس مالهما.
خليل: وقد يخرج على أن المستثنى من أصل إذا فسد، هل يلحق بصحيح أصله أو بصحيح نفسه؟ وذلك أن الشركة مستثناة من البيع؛ إذ جوز فيها من بيع النقد بالنقد والطعام بمثله ما لم يجوز في البيع، فإذا فسد فهل ترد إلى صحيح أصلها - وهو البيع - فيجيء منه المشهور، أو إلى صحيح نفسها - وهو الشركة - فتكون القيمة يوم الإحضار كما قلنا؟
عبد الحق وابن يونس: فإن لم يعرفا ما بيعت به سلعة كل منهما فلكل واحد منهما قيمة عرضه يوم البيع؛ لأن سلعة كل واحد منهما كانت من ضمانه إلى أن بيعت، فالبيع أفاتها، كما قال في الطعامين إذا خلطا: إن رأس مال كل واحد منهما ما بيعت به سلعته.
стр. 3235
تنبيه: قوله: (فَلَوْ وَقَعَتْ فَاسِدَةً ... إلخ) يقتضي أن القيمة في الشركة الصحيحة يوم الإحضار كما قلنا، وكذلك هو في المدونة.
فَلَوْ خَلَطَا الطَّعَامَيْنِ فَقِيمَتُهُ يَوْمَ الْخَلْطِ مُتَّفِقَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَيْنِ كَالْمُسَاوِي، ورُويَ: يُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ لِعَدَمِ التَّعَدِّي ....
يعني: لو خلطا الطعامين في الشركة الفاسدة، أما على قول مالك فلأن الشركة في الطعامين لا تقع إلا فاسدة، وأما على قول ابن القاسم فكما لو وقعت على تفاضل الربح والعمل، أو في نوعين مختلفين كقمح وشعير، فالمشهور أنه تعتبر قيمة كل طعام منهما يوم الخلط، ولهذا التقدير الذي ذكرناه أفرد المصنف الضمير في (قِيمَتُهُ).
وقوله: (ورُويَ: يُقْسَمُ الثَّمَنُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ) هو لمالك في الموازية، وفهم اللخمي هذه الرواية على أن كل واحد يضمن لصاحبه مثل نصف طعامه، وإنما اقتسما على المساواة لأنهما على ذلك دخلا، وهو حسن، وأبقاها التونسي على ظاهرها؛ أي: من غير غرم، وقال في توجيهها: لأن كل واحد لم يكن متعدياً في خلطه، ودخل على أنه لا فضل له على صاحبه، ثم استشكل ذلك فقال: وقد تكون قيمة الشعير مفرداً عشرة، وقيمة القمح مفرداً عشرين، فإذا اختلطا صارت قيمة الشعير خمسة عشر، فكيف يصح أن يقتسماه نصفين؟ وإنما زادت قيمة الشعير بالقمح؛ فيجب أن يكون الزائد لرب القمح.
وتَصِحُّ بِالْعَرْضِ مِنْ جَانِبٍ والنَّقْدِ مِنْ جِانِبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
المشهور مذهب المدونة، ولم أقف على الشاذ، ولعله منع لاجتماع البيع والشركة، وإنما أجاز في المشهور هنا، ومنع في التأخير الدنانير والدراهم؛ لأنه ليس في العين والعرض إلا مانع واحد، وهو البيع والشركة، وهو مغتفر في أصل الشركة بخلاف الدراهم مع الدنانير، فإن في ذلك علتين: البيع والشركة والصرف من غير مناجزة، والله أعلم.
стр. 3236
ويُشْتَرَطُ فِي الذَّهَبَيْنِ اتِّفَاقُ صَرْفِهِمَا لا غَيْرُ
يعني: ولا ينظر إلى اختلاف الشكل، قال في المدونة: وإن أخرج أحدهما دنانير هاشمية، والآخر مثل وزنها دمشقية، أو أخرج هذا دراهم يزيدية، والآخر مثل وزنها محمدية - وصرفها مختلف - لم يجز إلا في اختلاف يسير لا بال له.
اللخمي: والقياس أن لا يجوز؛ لأن الترك لموضع الشركة، كما قالوا في الإقالة والشركة في الطعام أنها جائزة على وجه المعروف، ولو قال: لا أقيلك إلا أن تقيلني ولا أشاركك إلا أن تشاركني. لم يجز؛ لأنهما أخرجا ذلك عن وجه المعروف، إلا أن يكونا عقدا الشركة على سكة واحدة ثم جاء أحدهما بأفضل.
محمد: وإن أخرج هذا عشرة دنانير قائمة، والآخر عشرة تنقص حبتين، واشتركا على ترك الفضل - لم يجز.
اللخمي: يريد لأن الترك للشركة.
وإن أخرج أحدهما مائة مسكوكة والآخر مائة تبراً، وتساوى الذهبان - نظرت إلى فضل السكة، فإن كان كثيراً لم تجز الشركة، وإن كان يسيراً جازت إذا ألغيا ذلك الفضل على قول ابن القاسم.
تنبيه: وتقدم أن عبد الحق قاس التفاوت [٥٥١/ب] اليسير في النقدين على الطعامين، وأن ابن رشد أبى ذلك، وهو مما يدل على أن الطعام يمتنع فيه ما لا يمتنع في النقدين، والله أعلم.
فِي جَوَازِ غَيْبَةِ أَحَدِ الْمَالَيْنِ: قَوْلانِ
الجواز لمالك وابن القاسم في المدونة، والمنع لسحنون.
стр. 3237
ابن عبد السلام: وكأنه الأقرب؛ لأن الشركة تستدعي صحة التصرف في المالين لكل من الشريكين، وذلك منتف مع غيبة أحد المالين. وقال اللخمي: والمشهور أحسن. وقيد المشهور بقيدين:
أحدهما: ألا يتجرا إلا بعد قبض المال الغائب.
ثانيهما: ألا تكون الغيبة بعيدة جداً.
فرع: وعلى المشهور ففي المدونة: إن أخرج أحدهما ألفاً، والآخر ألفاً منها خمسمائة غائبة، ثم خرج ربها ليأتي بها وخرج بجميع المال الحاضر معه فلم يجدها، واشترى بجميع ما معه تجارة - فإن له ثلث الفضل.
ابن القاسم: ولا يرجع بأجر فضل العمل كشريكين طاع أحدهما بالعمل، وقال سحنون: له أجر عمله فيما زاد. وقال محمد: إن خدعه فله ربح ماله، وإن لم يخدعه فله النصف، ولا أجر له.
ابن يونس: وإنما يصح قول ابن المواز إذا اشترى بالمال الحاضر قبل علمه بضياع المال الغائب؛ لأنه اشترى على أن ذلك بينهما نصفين، وأما لو اشترى بعد علمه بضياع المال الغائب، وإن كان لم يغر، فكيف يجب أن تكون الشركة بينهما، والشركة لم تقع بعد؟ ألا ترى أن ضمان الدنانير الغائبة - ما لم تقبض - من ربها، وأنه لو اشترى بها شيئاً لكان ضمانها من بائعها فكيف في الشركة؟ وقاله التونسي، قال: وظاهر الرواية أنه اشترى بعد علمه بذهاب المال، وللخمي زيادة في هذه المسألة.
ولا بُدَّ مِنْ خَلْطِ الْمَالَيْنِ تَحْتَ أَيْدِيهِمَا أَوْ أَحَدِهِمَا أَوْ يَشْتَرِيَانِ بِهِمَا
إن وقع الاختلاط بحيث لا يتميز أحد المالين من الآخر - فاتفق على أن الضمان منهما، وإن تميز ذلك ففي المدونة: وإن صر هذا ذهبه في صرة، والآخر في أخرى على
стр. 3238
حدة، وجعلا الصرتين في يد أحدهما أو في تابوته أو في خرجه فضاعت واحدة، فالذاهبة بينهما، وإن بقيت صرة كل منهما على يده - فضياعها منه حتى يخلطا أو يجعلا الصرتين عند أحدهما، وكذلك إن كانا مختلفي السكة إلا أن الصرف واحد، ولو تفاضل الصرف - فسدت الشركة، وكانت الذاهبة من ربها، وإن بقيت صرة كل بيد ربها حتى ابتاع أحدهما بها أمة على الشركة، وتلفت الصرة الأخرى والمالان متفقان - فالأمة بينهما، والصرة من ربها.
وقال غيره: لا تنعقد بينهما شركة حتى يخلطا. أي: الخلط الحسي بحيث لا يتميز أحدهما عن الآخر، وهو قول سحنون.
المتيطي: ولم يختلف ابن القاسم وغيره أن الضائعة من ربها. وقوله في المدونة: والأمة بينهما.
ابن يونس: يريد بعد أن يدفع لشريكه نصف ثمنها.
وبما في المدونة يعلم أن الصواب هنا (وَيَشْتَرِيَانِ) بالواو، لا ما في بعض النسخ (أَوْ يَشْتَرِيَانِ) بـ (أو)، لأن ذلك يقتضي أنهما لو اشتركا وبقيت صرة كل واحد بيده وذهبا ليشتريا - أن تصح شركتهما، وقد نص في المدونة على خلافه، لكن قال اللخمي: يحمل قوله في الضائعة قبل الشراء وقبل الجمع: إن مصيبتها من صاحبها دون شريكه. على أنه بقي فيها وجه من التوفية وزناً أو انتقاداً. ولو وزن كل واحد وقلبت ثم خليت عند صاحبها على وجه الشركة فضاعت لكانت مصيبتها منهما كالجارية؛ لأن الخلط عنده ليس بشرط في الصحة، ولو كان ذلك لكانت مصيبة الجارية - التي اشتريت بمال أحدهما قبل الجمع - من صاحبه دون شريكه؛ يعني فإن لم يحمل على ما ذكر، وإلا تعارض مع قوله: إن مصيبة الجارية منهما.
стр. 3239
فَإِنْ شَرَطَا نَفْيَ الاسْتِبْدَادِ لَزِمَ وتُسَمَّى: شَرِكَةَ الْعِنَانِ
الشركة ثلاثة أضرب: شركة أموال وشركة أبدان وشركة وجوه، وسيأتي الكلام على الأخيرين، وشركة الأموال تنقسم ثلاثة أقسام:
الأولى: شركة مضاربة: وهي القراض، مأخوذة من الضرب في الأرض.
والثانية: شركة مفاوضة: وهي أن يجوز فعل كل واحد على صاحبه ويشتركان في جميع ما يستفيدان، واتفق على جوازها، ولا يفسدها عندنا وجود المال لأحدهما على حدة خلافاً لأبي حنيفة، وسميت مفاوضة لتفويض كل واحد منهما لمال لصاحبه، وقيل: لاستوائهما في الربح والضمان، من قولهم: تفاوض الرجلان في الحديث. إذا شرعا فيه، وقيل: المفاوضة المشاورة. كأنهما تشاورا في جميع أمورهما.
الثالثة: شركة العنان: وفسرها المصنف وابن شاس بأن يشترط كل منهما نفي الاستبداد؛ أي لا يفعل أحدهما شيئاً حتى يشاركه الآخر، وفسرها صاحب المقدمات وعياض بأنه الاشتراك في شيء خاص، وحكى الاتفاق على جوازها، ونحوه لابن عبد الحكم، وقيل: هي الشركة في كل شيء من الأشياء بعينه.
وعلى أنها الشركة في شيء بعينه - قيل: المعنى في نوع خاص، كنوه البز، أو فرد خاص كثوب، وحكى ابن عبد السلام في ذلك قولين، فيتحصل في تفسيرها أربعة أقوال.
ويقال: (عنان) بالكسر، وهو الأكثر لمن جعلها مشتقة من عنان الدابة، و (عنان) بالفتح لمن جعلها من عن يعن إذا عرض، أو من عنان السحاب لظهوره، ثم أشار إلى شركة المفاوضة بقوله:
стр. 3240
وإِنْ أَطْلَقَا التَّصَرُّفَ فِي الْغَيْبَةِ والْحُضُورِ فِي الْبَيْعِ والشِّرَاءِ وغَيْرِهِ مِمَّا يَعُودُ عَلَى التِّجَارَةِ لَزِمَ ....
هو ظاهر التصور، قال في المدونة: والمفاوضة على وجهين: إما في جميع الأشياء، وإما في نوع واحد من المتاجر- كشراء الرقيق -يتفاوضان فيه.
فَلَوْ بَاعَ أَوِ اشْتَرَى نَسِيئَةً مَضَى
يعني: لو باع أحد المتفاوضين أو اشترى بالنسيئة - مضى فعله ولزم ذلك شريكه.
ولما كان قوله: (مَضَى) لا يؤخذ منه الحكم ابتداء - صرح بجواز ذلك بقوله:
(وله ذلك ما لم يحجر) أي: عليه شريكه، بأن يقول: لا تبع بالنسيئة. وما ذكره في البيع هو في المدونة والمشهور، وفي الموازية: لا يجوز لأحدهما البيع بالدين إلا بإذن صاحبه، رواه أصبغ عن ابن القاسم، وأما [٥٥٢/أ] ما ذكره في الشراء فنحوه في الجواهر، وفي كلامهما نظر؛ لأنه خلاف المنصوص في المذهب، ففي المدونة: أكره أن يخرجا مالاً على أن يتجرا فيه وبالدين مفاوضة، فإن فعلا فما اشترى به كل واحد منهما فبينهما، وإن جاوز رأس ماليهما، والشراء بالدين راجع إلى شركة الذمم.
أصبغ: وإذا وقعت بالذمم فما اشترياه بينهما على ما عقدا، وتفسخ الشركة من الآن.
أبو الحسن: والفسخ دليل على أن المراد بالكراهة المنع.
بعض القرويين: والأشبه - على قول ابن القاسم - أن يكون لكل واحد منهما ما اشترى، وهكذا ذكر فضل أن سحنوناً طرح قول ابن القاسم، وقال: بل لكل واحد ما اشترى.
ووجه قول ابن القاسم أن المشتري بينهما - ما قاله حمديس أن ابن القاسم حمل ذلك على الوكالة، وأين هذا كله من كلام ابن شاس والمصنف، نعم أجاز اللخمي الشراء على أن ينقد اليومين والثلاثة، قال: وهو مما لا بد للناس منه. قال: ولا يشتري بثمن مؤجل،
стр. 3241
فإن فعل بغير إذن شريكه فالشريك بالخيار بين القبول والرد، فيكون الثمن على المشتري خاصة، وإن كان بإذن في سلعة معينة جاز ذلك، وإن لم يعين لم يجز ذلك ابتداء، فإن فعل فما اشتراه مشترك بينهما على المستحسن من القولين في شركة الذمم، وعلى هذا فيحمل كلام المصنف على الشيء المعين لا غيره، وإلا تناقض كلامه، فإنه في غير المعين شركة الذمم، وسيذكر المصنف أنها ممنوعة.
وتَبَرُّعُهُ لا يَلْزَمُ مَا لَمْ يَكُنِ اسْتِئْلافاً لِلتِّجَارَةِ
لأن التبرع خلاف ما عقدا عليه الشركة، فلذلك لا يلزم إلا ما دلت عليه أو عاد بنفع. قال في المدونة: وإن أخر أحدهما غريماً بدين أو وضع له منه - نظراً، أو استئلافاً للتجارة ليشتري منه في المستقبل - جاز ذلك. وكذلك الوكيل على البيع إذا كان مفوضاً إليه، وقيل: لا يجوز التأخير إرادة الاستئلاف؛ لأنه من السلف بزيادة.
اللخمي: والأول أحسن. وفي المدونة: ليس لأحد المتفاوضين أن يعير من مال الشركة إلا أن يوسع له في ذلك شريكه، أو يكون شيئاً خفيفاً كعارية غلام ليسقي دابة ونحوه، وأرجو ألا يكون به بأس.
والعارية من المعروف الذي لا يجوز لأحدهما أن يفعله إلا لإرادة الاستئلاف، ومما يجوز له - مما دلت عليه العادة لخفته - إعارة الماعون، وإعطاؤه الكسرة ونحوها.
ويُطَالَبُ كُلُّ واحِدٍ بِتَوَابِعِ مُعَامَلَةِ الآخَرِ
كما لو استحقت السلعة من يد المشتري.
ويَرُدُّ بِعَيْبٍ وغَيْرِهِ
قوله: (ويَرُدُّ) أي: ويرد أحد الشريكين المشترى بعيب اطلع عليه، سواء اشتراه هو أو شريكه، أما ما اشتراه هو فواضح، وأما ما اشتراه شريكه فلأنه وكيل عنه.
стр. 3242
وقوله: (وغَيْرِهِ) أي: من استحقاق جزء السلعة، والرد بسبب فساد البيع، وإمضاء بيع الخيار أو رده.
ويُرَدُّ عَلَيْهِ بِالْعَيْبِ بِالْبَيِّنَةِ أَنَّهُ ابْتَاعَهُ عَلَى العُهْدَةِ مِنْ شَرِيكِهِ، فَإِنْ كَانَ قَرِيبَ الْغَيْبَةِ انْتُظِرَ ....
قوله: (ويُرَدُّ عَلَيْهِ) يعني: أن من اشترى سلعة من أحد المتفاوضين ثم اطلع على عيب وأراد ردها، فإن كان البائع حاضراً فكلامه معه؛ لأن البائع أقعد بحال المبيع، وإن كان غائباً قريب الغيبة - قال في المدونة: كاليوم ونحوه - انتظر، وترك المصنف التصريح بالكلام على الحاضر؛ لأن ذلك يؤخذ مما ذكره؛ لأنه إذا انتظر قريب الغريبة ليقع الكلام معه - فالحاضر أولى.
وإن كان بعيد الغيبة، قيل: كالعشرة أيام. رد على شريكه الحاضر إذا أقام المشتري بينة أنه اشتراه على بيع الإسلام وعهدته، وله أخذ الثمن إن قالت البينة: إنه نقد الثمن، وإنه كذا.
قيل: ويحتاج إذا أراد أخذ الثمن إلى إثبات أمور: بينة الشراء، ونقد الثمن، وأنه كذا، وإثبات العيب، وأنه غاب غيبة بعيدة أو بحيث لا يعلم أمد التبايع لاحتمال أن يكون قديماً والعيب حادث وبالعكس.
ويحلف على ثلاثة أمور: أنه اشترى شراء صحيحاً على عهدة الإسلام، وأنه ما تبرأ إليه منه، ولا أعلمه به، وأنه لما اطلع عليه لم يرض بعد علمه. قال في المدونة: وإذا أقام المبتاع بينة أنه ابتاع على عهدة الإسلام - نظر في العيب، فإن كان قديماً لا يحدث مثله رد العبد على الشريك الآخر، وإن كان يحدث مثله - فعلى المبتاع البينة أن العيب كان عند البائع، وإلا حلف الشريك بالله ما يعلم أن هذا العيب كان عنده.
стр. 3243
ابن يونس: يريد كان ظاهراً أو خفياً؛ لأن غيره تولى البيع كالوارث، ولو حضر البائع - حلف على البت في الظاهر، وعلى العلم في الخفي على قول ابن القاسم. قال في المدونة: وإن نكل الشريك الذي لم يبع - حلف المبتاع على البت أنه ما حدث عنده، ثم يرده عليه. وفي الموازية: أن المبتاع إنما يحلف كما كان يحلف بائعه: في الظاهر على البت، وفي الخفي على العلم.
اللخمي: وإن لم تقم البينة للمشتري أنه ابتاع على عهدة الإسلام - يعني في العيب القديم - وكانت العادة البيع على البراءة - لم يعد بهذا العيب، وإن اختلفت العادة - حلف أنه اشترى على العهدة، ورده إن كان العيب مشكوكاً في قدمه وكان اشتراء البائع لذلك العبد وبيعه في غيبة الحاضر الآن، أو في حضوره وباعه في الحضرة قبل علم الآخر - لم يكن على الحاضر يمين، وإن كان اشتراه بحضرته وغاب عليه إذا كان هذا هو المتولي للشراء - أحلف على ذلك العيب، فإن حلف ثم قدم الغائب حلف أيضاً، فإن نكل حلف المشتري ورد جميعه؛ لأنه لو كان حاضراً لحلفهما جميعاً، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر - حلف ورد جميعه؛ لأنه لو أقر أحدهما وأنكر الآخر - رد جميعه [٥٥٢/ب] بإقرار المقر منهما، وإن نكل الحاضر حلف المشتري، ثم لا يكون للغائب في ذلك مقال إلا أن يثبت أنه كان بين ذلك للمشتري، فإن نكل المشتري عن اليمين - سقط مقاله في الرد الآن وبعد أن يقدم الغائب؛ لأنه لو كان حاضراً ونكلا عن اليمين ثم نكل المشتري بعد نكولهما - لم يكن له شيء. انتهى.
ابن يونس: ولو جاء الغائب فأقر أنه كان عالماً لانبغى أن يرده، ويلزم ذلك الشريك الحالف، ولو أنكر الغائب لحلف.
فإن نكل فهل يرد عليه جميعها أو نصفها ليمين شريكه؟
стр. 3244
ابن يونس: والذي ظهر لي أن يرد عليه جميعها؛ لأن نكوله كإقراره لأنه المعامل له، ولا يضره يمين الشريك الحاضر؛ لأنه إنما حلف على أنه لم يعلم أن به عيباً، وهو لم يعامله.
التونسي: انظر لو نكل الشريك الحاضر ولا علم عنده من العيب فحلف المبتاع وردها، ثم قدم البائع فقال: أنا أحلف وأنقض الرد على شريكي. فيشبه أن يكون ذلك له؛ لأن صاحبه إنما توقف عن اليمين إذ لا حقيقة عنده، وقد يكون له ذلك في نصفه، وأما نصف الناكل فقد نكل عن اليمين فيه، فهل يمضي الرد فيه؛ لأن من وكل على بيع عبد فاليمين في العيب إذا وجد على الموكل في الذمة، لا على الوكيل، ونصفه الذي يخص صاحبه إنما باعه بالوكالة، وقد نكل عن اليمين، فانظر هذا.
فَلَوْ أَقَرَّ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الافْتِرَاقِ بِذَلِكَ لَزِمَ الْمُقِرَّ حِصَّتُهُ
هذا قول ابن القاسم. ابن يونس: ومراده إذا لم يحلف المشهود له، قال: وقال سحنون: يلزمهما ما أقر به أحدهما في أموالهما. وظاهره أنه خلاف سحنون ولو مع الطول. وفي اللخمي: إن أقر بعد طول الافتراق لم يقبل. ويختلف إذا أقر بقرب ذلك وادعى أنه نسي، فقد اختلف في العامل في القراض يدعي بعد المقاسمة أنه أنفق من القراض، ونسي المحاسبة بها، فقال في المدونة: لا يقبل قوله. وقال في الموازية: يحلف ويكون ذل له، والشريك مثله.
وفهم من قوله: (بَعْدَ الافْتِرَاقِ) أنه لو أقر قبله قبل، وكذلك نص عليه في المدونة بشرط أن يقر لأجنبي لا يتهم عليه، وأما المتهم عليه فلا، قال في المدونة: وإن أقر بدين من شركتهما لأبويه أو ولده أو جده أو جدته أو زوجته أو صديقه أو من يتهم عليه - لم يجز ذلك على شريكه، وخرج اللخمي قولاً بصحة الإقرار لمن يتهم عليه من أحد القولين في إقرار من تبين فلسه لمن يتهم عليه. قال: والمفلس أبين في التهمة؛ لأنه ينزع ماله ويبقى
стр. 3245
مفلساً لا شيء له، فيعطي ماله لمثل هؤلاء ليعيده إليه فيعيش به، وليس للتفرقة بأن هذا يبقى في ذمته ديناً وجه.
فرع: واختلف إذا أقر أحدهما بعد موت الآخر، فجعله ابن القاسم في المدونة شاهداً، ولم يقبل قوله، وقال: إذا قال الحي: رهنا متاع الشركة عند فلان، وقال الورثة: بل أودعتها أنت إياه بعد موت ولينا. فهو شاهد، وللمرتهن أن يحلف معه ويستحق. وقال سحنون: القول قول الشريك، ويلزم الورثة ما أقر به.
اللخمي: وهو أصوب، وليس الموت كالافتراق: لأن الافتراق يكون عن محاسبة ومفاصلة وقطع الدعاوى، والموت أمر طرأ قبل ذلك.
وَلَوْ أَقَامَ الْحَيُّ مِنْهُمَا بَيِّنَةً أَنَّ مِائَةً مِنَ الْمَالِ كَانَتْ بِيَدِ الْمَيِّتِ فَلَمْ تُوجَدْ ولا عُلِمَ مُسْقِطُهَا، فَإِنْ قَرُبَ مَوْتُهُ مِنْ قَبْضِهَا بِحَيْثُ لا يُظَنُّ بِهِ إِشْغَالُهَا فِي الْمَالِ فَهِيَ فِي حِصَّتِهِ، وإِلا فَلا ....
أي: الميت.
وقوله: (وإِلا فَلا) أي: فلا يلزمه شيء؛ لأن الغالب أنه أدخله في مال التجارة، وهذه المسألة تدل على أن الغالب مقدم على الأصل، وهي كالتي بعدها، أي قوله:
ولَوْ أَقَرَّ الشَّرِيكُ أَنَّ بِيَدِهِ مِائَةً مِنَ الْمَالَ فَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ طُولِ الْمُدَّةِ وقِصَرِهَا، وأَمَّا لَوْ شَهِدَ أَنَّهُ أَخَذَهَا لَمْ يَبْرَا إِلا بِالإِشْهَادِ أَنَّهُ رَدَّهَا ....
قوله: (أَقَرَّ) ظاهره والآخر حي، والذي في المدونة: وإن مات أحد الشركاء فأقام صاحبه بينة أن مائة دينار من الشركة كانت عند الميت فلم توجد ولا علم مسقطها، فإن كان موته قريباً من أخذها فيما يظن أنه لم يشغلها في تجارة - فهي في حصته، وما تطاول وقته لم يلزمه، أرأيت لو قالت البينة: قبضها منذ سنة. وهما يتجران أيلزمه أو لا شيء عليه؟ انتهى.
стр. 3246
وقوله: (أَمَّا ... إلخ) هذا ذكره ابن المواز مقيداً للمدونة، وحاصله أن كلامه في المدونة مقيد بما إذا لم يشهدوا، وأما إذا أشهد على نفسه بأخذ المائة فلا يبرأ إلا بالإشهاد أنه ردها، طال ذلك أو قصر، والظاهر أن مراد محمد بقوله: (أشهد) أن تكون البينة قصد بها التوثق كما قالوا في البينة التي لا يقبل دعوى المودع الرد معها، وهو أن يأتي بشهود يشهدهم على دفع الوديعة للمودع، وأما لو دفع بحضرة قوم ولم يقصد التوثق بشهادتهم - فلا، ولأنه الذي يفهم من قول محمد، وأما إن كان إقراره من غير قصد إشهاد - فكما ذكر ابن القاسم.
فرع: كتب شجرة إلى سحنون فيمن دفع عن أخيه - وهما مشتركان مفاوضة - صداق امرأته، ولم يذكر من ماله ولا من مال أخيه، فمات الدافع، فقام ورثته، فكتب إليه: إن دفع وهما متفاوضان، ثم أقام سنين كثيرة ولا يطلب أخاه، فهذا ضعيف، وإن كان بحضرة ذلك - فذلك بينهما شطران، ويحاسب به.
والرِّبْحُ عَلَى الْمَالِ، والْعَمَلُ عَلَى نِسْبَتِهِ
يعني: يشترط أن يكون الربح والعمل على نسبة المال، فإذا كان لأحدهما الثلث - كان له من الربح الثلث، ولا يجوز أن يزاد أو ينقص، وكذلك العمل.
وَإِنْ وَقَعَتْ عَلَى تَفَاضُلِ الرِّبْحِ أَوِ الْعَمَلِ فَسَدَتْ ولَزِمَ التَّرَادُّ فِي الرِّبْحِ، وفِي [٥٥٣/أ] الْعَمَلِ بِأُجْرَةِ الْمِثْلِ فِي نِصْفِ الزِّيَادَةِ ....
قوله: (فَسَدَتْ) أي: الشركة.
(ولَزِمَ التَّرَادُّ) أي: التراجع، فإذا دفع هذا ألفاً وهذا ألفين، ودخلا على أن الربح والعمل متساويان، فإن اطلع على ذلك قبل العمل فسخ، وإلا رجع صاحب الألفين بفاضل الربح فيأخذ ثلثي الربح، ويرجع صاحب الألف على صاحب الألفين بفاضل
стр. 3247
عمله، فيأخذ سدس أجرة المجموع، وهذا معنى قوله: (نِصْفِ الزِّيَادَةِ)؛ لأن الذي يزيد به صاحب الثلثين الثلث.
ابن عبد السلام: وقيل: لا أجر لصاحب الثلث في الزيادة، واختار اللخمي التفصيل: إن خسر فلا شيء له، وإن ربح فله الأقل من أجرة المثل وما ينوب ذلك من الربح.
وأَمَّا لَوْ تَبَرَّعَ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْعَقْدِ فَجَائِزٌ مِنْ غَيْرِ شَرْطٍ
يعني: أن زيادة أحدهما على الآخر في الربح أو العمل إنما تفسد إذا وقع اشتراط ذلك في عقدة الشركة، وأما لو تبرع أحدهما للآخر بعده فلا محذور؛ لأنه محض هبة لا ترد لأج الشركة.
خليل: وانظر هذا مع قولهم: إنه إذا باع بمال ثم قال له: أخذت ذلك مني رخيصاً. فزاده - أن الزيادة تلحق بالثمن، أي: فيلزمه ردها إذا رد عليه المبيع بعيب، ولأن لنا مسائل يعد فيها اللاحق للعقد كأنه واقع فيه.
وكَذَلِكَ لَوْ أَسْلَفَهُ أَوْ وَهَبَهُ
أي: في منع ذلك إن وقع في العقد وجوازه إن وقع بعده، وانظر كيف عدى المصنف (وَهَبَ) بنفسه، والمستعمل في كلام العرب إنما هو تعديته باللام؛ كقوله تعالى: (لِأَهَبَ لَكِ) [مريم: ١٩]، وقوله: (هَبْ لِي) [آل عمران: ٣٨] إلى غير ذلك.
والْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ يَدَّعِي التَّلَفَ والْخُسْرَانَ ومَا يَشْتَرِيهَ لِنَفْسِهِ
لأن يد كل واحد منهما يد أمانة، فلذلك كان القول قوله في التلف والخسران، قال في الجواهر: ما لم يظهر كذبه. وإن اتهم استحلف، وإن قال: ابتعت منه سلعة وهلكت. صدق، وينبغي أن يقيد قوله بعدم المعارض.
стр. 3248
وقد نقل الباجي عن بعض أصحابنا في العامل في القراض يدعي الخسارة ولم يبين وجهه - أنه يضمن.
وقوله: (ومَا يَشْتَرِيهَ لِنَفْسِهِ) مأكولاً وملبوساً إذا كان يشبه ذلك حاله فيما يأكله ويكتسيه، وهذا إنما هو في الأكل والكسوة.
ابن القاسم: وذلك بخلاف شرائه لنفسه شيئاً من العروض والرقيق، هذا له أن يدخل معه فيه، قال في الجواهر: وإن قال: هذا المال من مال الشركة، وخلص لي بالقسمة. فالقول قول شريكه؛ لأن الأصل عدم القسمة.
وَنَفَقَتُهُمَا وكِسْوَتُهُمَا بِالْمَعْرُوفِ مُلْغَاةٌ فِي بَلَدٍ كَانَا أَوْ فِي بَلَدَيْنِ، والسِّعْرُ واحِدٌ أَوْ مُخْتَلِفٌ، وقِيلَ: إِنَّمَا تُلْغَى فِي غَيْرِ أَوْطَانِهِمَا، كَانَا بِعِيَالٍ أَوْ بِغَيْرِ عِيَالٍ
أي: نفقة الشريكين المتفاوضين، والأول هو مذهب المدونة. و (المعروف) ما لا سرف فيها.
وقوله: (كَانَا بِعِيَالٍ أَوْ بِغَيْرِ عِيَالٍ) من تمامه لإتمام القول الثاني، ومعناه أن النفقة إنما تلغى إذا كانا معاً بعيال أو كانا معاً بغير عيال، وهذا إنما هو في شركة المفاوضة، وبقي عليه شرطان:
الأول: أن تكون الشركة بينهما على النصف، وإن كان لأحدهما الثلثان وللآخر الثلث - لم ينفق صاحب الثلث من المال إلا بقدر جزئه، ولم يجز أن ينفق بقدر عياله فيحاسب بذلك في المستقبل؛ لأنه يأخذ من المال أكثر مما يأخذه صاحبه.
الثاني: أن تكون العيال متساوية أو متقاربة، قاله ابن القاسم في رواية سليمان، واكتفى المصنف عن هذا الشرط اعتماداً على ما يقوله بعد.
فإن كان لأحدهما عيال دون الآخر حسب كل واحد نفقته، فإنه لا فرق بينهما.
стр. 3249
وقوله: (وكِسْوَتُهُمَا) لأنها تبع للنفقة، ولهذا وقع في وصايا ابن شعبان فيمن أوصى لرجل بنفقته - أن له الكسوة.
وقوله: (والسِّعْرُ واحِدٌ أَوْ مُخْتَلِفٌ) نحوه في المدونة، ولعل الموجب لذلك العادة وصعوبة ضبط مقدار النفقة كل يوم.
وقوله: (وقِيلَ) نحوه في الجواهر.
ابن عبد السلام: ولا أذكر قائله في المذهب، ووجهه إن ثبت القياس على نفقة العامل في القراض، ويلزم على هذا ألا تجب لهم الكسوة إلا في المال الكثير كالقراض.
ابن يونس: وينبغي إذا كان لكل واحد عيال واختلفت أسعار البلدين اختلافاً بيناً أن يحسب النفقة؛ إذ نفقة العيال ليست من التجارة، وقال اللخمي: ظاهر المذهب أنه لا التفات إلى اختلاف السعرين، والقياس - إذا كان البلدان قراراً لهما -: أن يحاسب من كان في البلد الغالي بما بين السعرين، فإن لم يكن واحد منهما في قراره لم يحاسب بما بين السعرين، وإن كان أحدهما ببلده - وهو أغلى - حوسب، وإن كان الذي بغير لديه أغلى لم يحاسب.
وينبغي أن يقيد هذا بما إذا كان الشريكان متقاربين في النفقة والكسوة، وأما إن كان أحدهما يقنع بالحرش من الطعام والغليظ من الثياب فيحسب كل واحد نفقته، قاله ابن عبد السلام.
فَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا عِيَالٌ دُونَ الآخَرِ حَسَبَ كُلُّ واحِدٍ نَفَقَتَهُ
تصوره ظاهر.
ويَنْقَطِعُ التَّصَرُّفُ بِمَوْتِ أَحَدِهِمَا
لأن المال بعد الموت للورثة، وهذا ظاهر إن علم الحي بموت شريكه، وأما إن لم يعلم فينبغي أن يجرى ذلك على الخلاف إذا مات الموكل، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
стр. 3250
وإِذَا تَنَازَعَا فِي قَدْرِ الْمَالَيْنِ حُمِلَ عَلَى النِّصْفِ
ابن عبد السلام: هذا قول أشهب في الموازية بشرط أن يحلف؛ لأنه الغالب ولأنهما تساويا في الحيازة واليمين. وقال بن القاسم في الموازية أيضاً: إذا قال أحدهما: لك الثلث ولي الثلثان. وقال الآخر: المال بيننا نصفين. وليس المال بيد أحدهما - فلمدعي الثلثين النصف، ولمدعي النصف الثلث، ويقسم السدس بينهما نصفين، وفي قول أشهب نظر؛ لأن حلف مدعي [٥٥٣/ب] الثلثين وأخذه النصف لا تحتمله الأصول.
وفِي شَيْءٍ بِيَدِ أَحَدِهِمَا فَهُوَ لِلشَّرِكَةِ
يعني: إذا تنازعا في شيء بيد أحدهما، هل هو من مال الشركة أم لا؟ فهو للشركة، وهذه مسألة المدونة لكنها مفروضة فيها في قيام البينة بالمفاوضة لا في الإقرار، لكن الظاهر أنه لا فرق بين البينة والإقرار، ونص فيها على أن القول لمدعي الدخول إلى أن تقوم البينة للآخر.
بعض القرويين: وكذلك يجب إذا أقام أحدهما البينة أن الآخر شريكه في جميع ما بأيديهما إلا ما قامت البينة أن ذلك لأحدهما كالمفاوضة، ولا فرق بين اسم الشركة والمفاوضة، إلا أن المفاوضة فيها إجازة بيع كل واحد منهما على صاحبه، ونحوه لسحنون، وظاهره أن الشهادة بمطلق الشركة مقتضية لذلك.
اللخمي: إن أقام رجل البينة على رجل أنه شريكه - لم يقض بالشركة في جميع أملاكهما؛ لأن ذلك يقع على بعض المال وعلى جميعه. وفي كتاب ابن سحنون: من أقر أنه شريك فلان في القليل والكثير - كانا كالمتفاوضين في كل ما بأيديهما من التجارة، ولا يدخل في ذلك مسكن ولا خادم ولا طعام، فإن قال أحدهما: هذا المال الذي بيدي ليس من الشركة، وإنما أصبته من ميراث أو جائزة أو بضاعة لرجل أو وديعة - صدق مع يمينه،
стр. 3251
إلا أن يقيم الآخر البينة أنه من الشركة، وأنه كان في يديه يوم أقر بالشركة - كان بينهما؛ لأن العين من التجارة، ولو كان بيده متاع من متاع التجارة وقال: ليس هو منها ولم يزل في يدي قبل الشركة. كان بينهما ولم يصدق. وقال: وإن قال: فلان شريكي. ولم يزد، ثم قال: إنما عنيت في هذه الدار أو الخادم. صدق مع يمينه.
وإن قال في حانوت في يده: فلان شريكي فيما فيه. ثم أدخل فيه عدلين وقال: ليس هما من الشركة. وقال الآخر: قد كانا في الحانوت يوم إقراره. كان القول قوله، أنهما كانا فيه، إلا أن يقيم الآخر بينة، وقال سحنون أيضاً وأشهب: لا يكون بينهما، ويصدق من قال أنه أدخله بعد الإقرار؛ لأن ما في الحانوت غير معلوم. انتهى.
واختلف إذا شهد الشهود بالمفاوضة: هل يكتفي بذلك - وإليه ذهب ابن سهل - أو لا بد أن يقول الشهود: أقر عندنا بالمفاوضة، أو أشهد بها. وإليه ذهب ابن العطار وابن دحون وابن الشقاق؟ والأول أظهر إذا كان الشهود عالمين بما يشهدون به.
فرع: وإن قالت البينة: نعلم أنه ورثه ولا نعلم هل قبل المفاوضة أو بعدها. فذلك له، ولا يدخل في المفاوضة؛ لأن الأصل عدم خروج الأملاك عن يد أربابها، فلا ينتقل إلا بيقين.
ولَوِ اشْتَرَى مِنَ الْمَالِ جَارِيَةً لِنَفْسِهِ خُيِّرَ الأخَرُ فِي رَدِّهَا شَرِكَةً كَالْمُقَارِضِ لا كَالْمُودِعِ ....
أي: ولو اشترى أحد الشريكين من المال جارية لنفسه للوطء أو للخدمة، قال في المدونة: وأشهد على ذلك. ابن يونس: يريد: ولم يطأها. خير شريكه بين أن يجيز له ذلك أو يردها في الشركة. قال في المدونة: وليس من فعل ذلك من المتفاوضين كغاصب الثمن أو متعد في وديعة اشترى بها سلعة، أو مقارض أو وكيل تعدى، فرب المال مخير فيما
стр. 3252
اشترى: إن شاء أخذه أو تركه؛ لأن هؤلاء أذن لهم في تحريك المال، ولكن متعد سنة يحمل عليها.
ولَوْ وَطِئَ جَارِيَةَ الشَّرِكَةِ فَلِلآخَرَ تَقْوِيمُهَا أَوْ إِبْقَاؤُهَا، وقِيلَ: تَتَعَيَّنُ مُقَاوَمَتُهُمَا لَهَا، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: تَتَعَيَّنُ إِنْ كَانَ فِي شَرِكَةِ مُفَاوَضَةٍ، أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ تَعَيَّنَ التَّقْوِيمُ ....
لشراء الجارية ثلاثة أوجه:
الأول: أن يشتريه لنفسه، وهو الوجه المتقدم.
الثاني: أن يشتريها للوطء بإذن شريكه، فلا شكل أن شريكه أسلفه نصف ثمنها، وأن ربحه له وعليه نقصها.
الثالث: أن يشتريها للتجارة ثم يطأها، فإن وطئها بإذن شريكه فكالأمة المحللة وإليه أشار بقوله آخراً: (أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ تَعَيَّنَ التَّقْوِيمُ) وإن لم يأذن ولم تحمل، فذكر المصنف ثلاثة أقوال، وتصورها من كلامه ظاهر:
الأول: أن الشريك بالخيار إن شاء قومها وإن شاء أبقاها على الشركة، وهو قول غير ابن القاسم في المدونة، لكن في نقله نظر؛ لأن مقتضى المدونة إنما هو التخيير في إبقائها على الشركة أو إمضائها بالثمن لا بالقيمة.
والقول الثاني: أنهما يتقاويانها خاصة؛ أي: يتزايدان فيها إلى أن تقف على أحدهما، وهو ظاهر قول مالك في المدونة.
ابن القاسم متمماً له: وإن شاء الشريك نقدها لشريكه الذي وطئها بالثمن الذي اشتراها به، فإن لم ينقدها بالثمن الذي اشتراها به وقال: لا أقاويها، ولك أردها في الشركة، لم يكن له ذلك، وعلى هذا يقيد كلام المصنف بما إذا لم يرد الشريك إمضاءها بالثمن، ويحتمل أن يريد بالقول الثاني ما نقله ابن يونس وغيره عن ابن المواز أن المقاواة إنما تكون
стр. 3253
بين الشريكين في هذه الأمة إذا أراد المقاواة قبل الوطء، فأما إذا وطئ أحدهما فقد لزمته القيمة إن شاء شريكه، وأما إن حملت فلا بد من القيمة في يسر، شاء شريكه أو أبى. ولم أقف على القول الثالث.
واختار اللحمي التفرقة بين أن يكون الشريك فعل ذلك جهلاً معتقداً للجواز - فيجوز بقاؤها على الشركة وتحت أيديهما، وبين أن يكون وطؤه لها وهو عالم بتحريم فعله - فلا يجوز إبقاؤها على الشركة إلا أن تكون بيد الشريك الآخر، بشرط أن يكون مأموناً، واحتج بما قاله ابن القاسم في كتاب المدنيين فيمن وطئ أخته من الرضاع بملك اليمين: أنها تباع عليه إن كان عالماً، وإن ظن جواز ذلك ولم يتهم على العودة لم تبع، وتعقب التونسي قول ابن المواز المتقدم: (إنما تكون المقاواة في هذه الأمة ... إلخ) فقال: وقوله: (إنما تكون المقاواة قبل الوطء) صواب.
وقوله: (إذا وطئ فقد لزمته القيمة [٥٥٤/أ] إن شاء شريكه) إن كان مراده أن الشريك قد أذن له في الوطء - فتجب القيمة من غير توقف على مشيئة الشريك الآخر، كالأمة المحللة، وإن كان بغير إذنه فهو متعد إنشاء صاحبه أمضاها وإن شاء قاواه فيها.
واعلم أن الأمة المشتراة للتجارة ثم يطؤها على ضربين:
أحدهما: أن يشتريها للتجارة من غير قصد وطء، ثم يطؤها.
والثاني: أن يشتريها ليطأها على أن الخسارة والربح فيها على المال، وهذه الثانية هي التي ذكر فيها في المدونة الخلاف، وأما الأولى فيخير شريكه بين مطالبته بالقيمة أو تركها بينهما إن لم تحمل، هكذا قاله جماعة من علمائنا ﵃.
وفي قوله: (أَمَّا لَوْ كَانَ بِإِذْنِهِ تَعَيَّنَ التَّقْوِيمُ) الإتيان بجواب أما من غير فاء، وهو لا يكون إلا نادراً: كقوله ﷺ : «أما بعد: ما بال رجال» وقد كثر هذا في كلام المصنف فتتبعه.
стр. 3254
فَلَوْ حَمَلَتْ قُوِّمَتْ
يعني: أن ما تقدم إنما هو إذا وطئت ولم تحمل، وأما إن حملت فإنها تقوم، وهذا صحيح إن كان الشراء للوطء بإذن الشريك، أو اشتريت للتجارة خاصة ووطئها أحدهما بإذن الآخر، وأما إن وطئها بغير إذن فيفصل فيها - على ما علم من المشهور - بين أن يكون الواطئ مليئاً أو معدما.
ولَوِ اشْتَرَى مِنَ الْمَالِ مُؤنَةً أَوْ كِسْوَةً مُعْتَادَةً لِنَفْسِهِ فَهِيَ لَهُ إِذْ عَلَى ذَلِكَ دَخَلا بِخِلافِ نَفِيسِهِمَا ....
يعني: لو اشترى أحد المتفاوضين من المال مؤنة أو كسوة له أو لعياله مما يليق به، وهو مراده بقوله: (مُعْتَادَةً) فذلك له، ولا كلام لشريكه فيه؛ لأن كلاً منهما دخل على ذلك، قال في المدونة بعد أن ذكر كسوة العيال: تلغى إلا كسوة لا يبتذلها العيال كوشي ونحوه، فهذا لا يلغى. ابن المواز: ولا يلزم ذلك إلا من اشتراه. وقال سحنون: تكون الثياب بينهما. ابن يونس: يريد إن شاء ذلك شريكه لرجاء فضل الثياب أو غير ذلك.
قوله: (نَفِيسِهِمَا) أي: أجودهما.
وشَرْطُ شَرِكَةِ الْعَمَلِ الاتِّحَادُ فِيهِ وفِي الْمَكَانِ
لما انقضى كلامه على شركة الأموال أتبعه بشركة الأبدان، ولا خلاف عندنا في جوازها.
ولجوازها شروط:
أولها: أن يتحد العمل، فلا يجوز أن يشترك مختلفا الصنعة كصباغ ونجار؛ لما في ذلك من الغرر؛ إذ قد تنفق صنعة أحدهما دون الآخر، فيأخذ من لم تنفق صنعته من غير عمل. أبو عبد الله الذكي: ولو كان المعلمان أحدهما قارئ والآخر حاسب واشتركا على أن
стр. 3255
يقتسما على قدر عمليهما فيجري ذلك مجرى جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، وعلى هذا تجوز الشركة بين مختلفي الصنعة إذا كانت الصنعتان متلازمتين، ونص اللخمي على الجواز فيما إذا تشاركا وأحدهما يحيك والآخر يخدم ويتولى ما سوى النسج إذا تقاربت قيمة ذلك، قال: وليس ذلك كالصنعتين المختلفتين؛ لأنهما هنا إما أن يعملا جميعاً أو يعطلا جميعاً، ولم يكن هذا غرراً. وعلى مثل هذا أجيزت الشركة في طلب اللؤلؤ، أحدهما يطلب الغوص والآخر يقذف أو يمسك عليه إذا كانت الأجرة سواء.
ثانيها: أن يتحد المكان، والعلة فيه كالأولى؛ لأنه يحتمل أن ينفق أحد المكانين دون الآخر، وأجاز في العتبية كونهما في مكانين إذا اتحدت الصنعة.
عياض: وتأوله شيوخنا على أنهما يتعاونان في الموضعين، وأن نفاق صنعتهما في الموضعين سواء، وعلى هذا فيكون الخلاف وفاقاً للمدونة؛ إذ ليس المقصود الجلوس في موضع إلا لتقارب استوائهما. وحمل اللخمي العتبية على الخلاف، وهذان الشرطان هما اللذان ذكرهما المصنف.
والثالث: أن يتساويا في الصنعة أو يتقاربا، وإلا فلا تجوز الشركة إلا على قدر التقارب، كما لو كان أحدهما يعمل قدر الآخر مرتين، ويكون بينهما على الثلثين والثلث.
اللخمي: ولو تباينا في الجودة والرداءة وكان أكثر ما يصنعانه الأدنى - جازت شركتهما؛ لأن صاحب الأعلى يعمل الأدنى، ولا حكم للقليل، وإن كان الأكثر هو الأعلى أو كان كل واحد كثيراً - لم يجز؛ لأنه غرر وتفاضل.
الشرط الرابع: أن يكون في اشتراكهما تعاون؛ ففي العتبية سئل عن صيادين معهم شباك، فقال بعضهم لبعض: تعالوا نشترك فما أصبنا فهنو بيننا. فضرب أحدهم شبكة فأخرج صيداً وأبى أن يعطي الآخرين، فقال: ذلك له، وليس لهما فيما أصاب شيء؛ لأنها
стр. 3256
شركة لا تحل. قال في البيان: لأن شركة الأبدان لا تجوز إلا فيما يحتاج الاشتراك فيه إلى التعاون؛ لأنهم متى اشتركوا على أن يعمل كل واحد منهم على حدة - من الغرر البين.
الخامس: أن تكون قسمتهما على قدر عملهما.
فَإِنْ كَانَتِ الأَدَاةُ لأَحَدِهِمَا فَلَهُ الأُجْرَةُ، ويَجُوزُ التَّطَوُّعُ بِالتَّافِهِ مِنْهَا
يعني: أن ما قدمه إنما هو في الصنعة التي لا آله لها، أو لها آلة ولكن لا قدر لها كالخياطة، وأما إن كانت تحتاج إلى آلة كالصباغة والنجارة والصيد بالجوارح، فيزاد اشتراط أن يشتركا في الآلة بالملك أو الإجارة من غيرهما، وهل يجوز أن يؤاجر أحدهما نصف الآلة من صاحبه؟ عياض وغيره: وهو ظاهر الكتاب. ابن عبد السلام: وهو المشهور، وعليه اقتصر المصنف، وهو معنى قوله: (فَإِنْ كَانَتِ الأَدَاةُ لأَحَدِهِمَا فَلَهُ الأُجْرَةُ) ولابن القاسم وغيره المنع إلا بالتساوي في الملك والكراء من غيرهما.
واختلف إذا أخرج كل واحد منهما آلة مساوية لآلة الآخر، هي يكتفى بذلك وهو قول سحنون، أو لا بد أن يشتركا في الآلة ليضمناها، لكن إن وقع مضى، وهو ظاهر المدونة؟ واختلف في تأوليها على ذلك.
وقوله: (ويَجُوزُ [٥٥٤/ب] التَّطَوُّعُ بِالتَّافِهِ مِنْهَا)، قال في المدونة: كقصرية ومدقة يتطوع بها أحد القصارين على الآخر، والأداة هي الآلة، وهي الواسطة بين الفاعل والمنفعل.
ولا تَصِحُّ شَرِكَةُ الْوُجُوهِ، وفُسِّرَتْ بِأَنْ يَبِيْعَ الْوَجِيهُ مَالَ الْخَامِلِ بِبَعْضِ رِبْحِهِ، وقِيلَ: هِيَ شَرِكَةُ الذِّمَمِ - يِشْتَرِيَانِ ويَبِيعَانِ والرِّبْحُ بِيْنَهُمَا مِنْ غَيْرِ مَالٍ، وكِلْتَاهُمَا فَاسِدَةٌ، وتُفْسَخُ ....
يعني: أن شركة الوجوه اتفق على منعها، واختلف في تفسيرها، والتفسير الأول نسبه في الجواهر لبعض العلماء، والثاني لعبد الوهاب، وفسدت في التفسير الأول لما في ذلك
стр. 3257
من الإجارة المجهولة والتدليس على الغير؛ وذلك لأن كثيراً من الناس يرغب في الشراء من أملياء السوق لاعتقادهم أن الأملياء إنما يتجرون في جيد السلع، وأن فقراءهم على العكس، فإذا دفع الفقير سلعته للوجيه بجزء من الربح - كان إجارة بشيء مجهول، وأما التدليس فهو إيهام المشتري.
ابن عبد السلام: وقد كره جماعة من أهل المذهب خلط البلدي من السلع بالمجلوب، وإن كانت صفتهما واحدة، وكذلك منع أهل المذهب أيضاً خلط سلعة من غير التركة بها، ومنعوا أن يخرج التاجر من أهل السوق سلعة من حانوته فيبيعها على أنها ليست من سلع تجار السوق.
وفسدت في التفسير الثاني؛ لأن ذلك من باب: تحمل عني وأتحمل عنك. وأسلفني وأسلفك. فيكون من باب الضمان بجعل، والسلف بزيادة.
وقوله: (يِشْتَرِيَانِ ويَبِيعَانِ) يشترط ألا يكون ذلك في معين، وأما الاشتراك في سلعة معينة فهو جائز كما تقدم.
وقوله: (وكِلْتَاهُمَا فَاسِدَةٌ، وتُفْسَخُ) ظاهر، وهو كالتأكيد لقوله: (ولا تَصِحُّ).
ومَا اشْتَرَيَاهُ فَبَيْنَهُمَا عَلَى الأَشْهَرِ
يعني: وما اشترياه أو أحدهما في شركة الذمم -فهو بينهما على الأشهر، يريد: قبل أن يعثر على ذلك، وقيل: بل من اشترى شيئاً فهو له. والأشهر لابن القاسم في المدونة، وبه قال أصبغ وغيره، ومقابله لسحنون، والأشهر أظهر؛ لأن كلا منهما وكيل عن صاحبه، لكن بعوض فاسد، وفساد العوض في الوكالة لا يوجب للوكيل ملك ما اشتراه باتفاق، وقاله اللخمي.
стр. 3258
وأَمَّا اشْتَرِ هَذِهِ السِّلْعَةَ لِي ولَكَ فَوَكَالَةٌ مَقْصُورِةٌ وإِنْ حَصَلَتْ الشَرِكَةُ كَمَا لَوِ اشْتَرَى مِنْهُ جُزْءَهَا أَوْ وَرِثَاهَا ....
قوله: (فَوَكَالَةٌ مَقْصُورِةٌ) أي: فلا يكون له البيع إلا بإذنه، كما لو اشترى منه جزء سلعة أو ورثها عن أب أو غيره، وهو ظاهر.
وانظر كيف أولى المصنف (أَمَّا) فعلاً، وإنما يليها اسم أو حرف، ولعله على إضمار اسم، تقديره: (وأما قوله: اشتر).
فرع: فلو قال: اشتر لي ولك بشرط أن تنقد عني، لكانت شركة مستلزمة للسلف، لكن لمالك في الموطأ - في الرجل يقول لآخر: اشتر هذه السلعة بين وبينك، وانقد عني وأنا أبيعها لك -: إن ذلك لا يصح حين قال: انقد عني وأنا أبيعها لك. وإنما ذلك سلف يسلفه إياه على أن يبيعها له. وظاهره أنه لولا قوله: أبيعها لك. لجازت المسألة؛ لأنه معروف صنعه أحدهما مع صاحبه من غير عوض، وهو سلفه له الثمن مع تولي الشراء عنه، وإنما دخل الفساد لمقابلة البيع بالسلف.
وإذا وقعت مسألة مثل هذه فقال الباجي: تكون السلعة بينهما، وليس له بيع حظ المسلف من السلعة إلا أن يستأجره بعد ذلك استئجاراً صحيحاً وعليه ما أسلف نقداً، وإن كان قد باع فله جعل مثله في نصيب المسلف، ولو ظهر عليه قبل النقد لأمسك المسلف ولم ينقد، وهما في السلعة شريكان يبيع كل واحد منهما نصيبه إن شاء أو يستأجر عليه إن كان السلف من جانب متولي الشراء، وأما إذا كان السلف من جانب من لم يتوله، فقال ابن عبد الحكم: اختلف قول مالك في الذي يسلف رجلاً سلفاً ليشاركه وذلك منه على وجه الرفق والمعروف، قال ابن القاسم: فأجازه مالك مرة وكرهه مرة، واختار ابن القاسم جوازه.
стр. 3259
وإن كان سلفه لبصيرته في التجارة وتشاركا على ذلك - لم يجز؛ لأنه سلف جر نفعاً. قال في البيان: ولا خلاف في الجواز إذا صحت النية في ذلك، ولا في عدمه إذا قصد منفعة نفسه، وإنما الخلاف إذا لم يقصد.
وكَمَا لَوِ اشْتَرَى سِلْعَةً فِي سُوقِهَا لِلْبَيْعِ لا لِلْقِنْيَةِ ولا لِسَفَرٍ، وغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِهَا حَاضِرٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ فَإِنَّهُ يُجْبَرُ لَهُ إِنْ شَاءَ مَا لَمْ يُبَيِّنْ أَنَّهَا لَهُ خَاصَّةً ....
هذه المسألة تلقب بشركة الجبر، واتفق مالك وأصحابه على القول بها، وقضى بها عمر ﵁.
وقوله: (سِلْعَةً) ظاهره سواء كانت طعاماً أو غيره، وهو قول ابن القاسم وغيره، ورأى أشهب أن ذلك في الطعام فقط.
وظاهر قوله: (فِي سُوقِهَا) أنه لو اشتراها في الأزقة لا يكون الحكم كذلك، وهو قول أصبغ وغيره، وقال ابن حبيب: لا فرق بين السوق والزقاق. وقال في البيان: وأما لو ابتاعه الرجل في داره أو حانوته فلا شركة لأحد معه فيه ممن حضر الشراء باتفاق.
وقوله: (لِلْبَيْعِ) أي: ليبيعها أو ليتجر فيها في البلد نفسه، وأما لو اشتراها للقنية أو ليسافر بها إلى غير البلد - فلا شركة لغيره معه فيها، وإذا زعم أنه لم يشتر للتجارة صدق مع يمينه، إلا أن يتبين كذبه لكثرة ما اشتراه أو غير ذلك.
وقوله: (وغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِهَا) هي جملة في موضع الحال، وظاهر كلامه إنما يكون ذلك لتجار تلك السلعة، وهو قول أصبغ وابن حبيب، وقال ابن الماجشون: ذلك لجميع التجار.
وقوله: (فَإِنَّهُ يُجْبَرُ)؛ أي فإن المشتري يجبر لغيره على الشركة إن شاء الغير ذلك، إلا أن يبين الآخذ أنه إنما أخذها له فقط. فلو قال التجار لمتولي الشراء: أشركنا في هذا.
стр. 3260
فقال: نعم. أو سكت - فيقضى لهم عليه إن طلبوا بعد ذلك الدخول [٥٥٥/أ] عليه وامتنع، ويقضى له هو عليهم إن طلب منهم الدخول معه لظهور الخسارة، وإن قالوا له - وهو يسوم -: أشركنا واشتر علينا. فسكت وذهبوا، فاشترى بعد ذهابهم ثم سألوه - لم يلزمه ويحلف: ما اشترى عليهم. فلو طلبهم هو لزمهم بسؤالهم، وإن زعم فيما اشتراه أنه لم يشتره للتجارة فهو مصدق في ذلك مع يمينه، إلا أن يتبين كذبه لكثرة ما اشتراه أو غير ذلك.
والْمُشْتَرَكُ مِمَّا لا يِنْقَسِمُ يَلْزَمُهُ أَنْ يُعَمِّرَ أَوْ يَبِيعَ وإِلا بَاعَ الْحَاكِمُ بِقَدْرِ مَا يُعَمِّرُ
يعني: إن كان بين شريكين من الربع ما لاحكم بقسمته، واحتاج ذلك الربع إلى إصلاح وشبهه، فيلزم من أبى العمارة أن يعمر أو يبيع لمن يعمر، فإن فعل وإلا باع الحاكم عليه بقدر ما يعمر.
ابن عبد السلام: وظاهر إطلاقاتهم أن للقاضي بيع جميع نصيب الآبي مع شريكه، ويترجح هذا بأن فيه تقليل الشركاء؛ إذ يلزم مما قاله المصنف كثرة الضرر لكثرة الشركاء؛ لأنه إذا بيع بعض نصيب الآبي من ثالث صاروا ثلاثة شركاء بعد أن كانوا اثنين إلا أن يقال: فإنه إنما أبيح البيع للضرر الحاصل، وذلك يرتفع بقدر الحاجة.
قوله: (والمنقسم) هو قسيم قوله: (مِمَّا لا يِنْقَسِمُ) أي: وإن كان مما يقبل القسمة قسم، وهو ظاهر.
ويُجْبَرُ الْعُلْوُ السُّفْلَ عَلَى الْبِنَاءِ أَوِ الْبَيْعِ
يعني: ويجبر صاحب العلو صاحب السفل أن يبني سفله أو يبيعه لمن يبنيه إذا خاف صاحب العلو على علوه السقوط.
ابن عبد السلام: وقوله: (أَوِ الْبَيْعِ) يحتمل أن تكون (ال) للتعريف؛ أي: لتعريف الحقيقة، ويكون المعنى كما ذكرنا أنه ظاهر إطلاقاتهم في المسألة السابقة، وكذلك ظاهر إطلاقاتهم هنا.
следующие страницы →