Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3361–3400 · переход к 3366.
стр. 3361
الأولى: أن يخلط مثلياً بمثله جنساً وصفة ويتعذر التمييز، وهذا هو المشهورز وضمنه عبد الملك في ثمانية أبي زيد، وهو ظاهر؛ لأن القمح ونحوه يراد بعينه، بدليل انتقاص البيع باستحقاقه.
خليل: وينبغي أن يقيد المشهور بما إذا استوت مكاسبها أو تقاربت، أما إذا اختلفت صفة القمح فإنه يضمن اتفاقاً. ثم المشهور مقيد في المدونة بما إذا كان الخلط على وجه الأحراز.
عياض: وإنما لا يضمن إذا كان هذا وشبهه من النظر، كما إذا كان الخلط أرفق وأحرز ونحو ذلك. انتهى.
الصورة الثانية: أن يخلط جنساً بغير جنسه ويمكن التمييز بلا كفة، كدنانير مع دراهم، أو قطن مع كتان، أو دراهم مع دراهم مختلفتين، فقال ابن الماجشون: في المبسوط إن كانت الأولى كثيرة فخلطها بدراهم قليلة لم يضمن، وإن خلطها بمال عظيم حتى أشهرها ضمن.
اللخمي: وهذا يحسن إذا كانت في موضع لا يضمن ذلك منه، وأما إن كانت في تابوت أو صندوق فلا ضمان؛ لأن السارق يقصد التماس الدنانير والدراهم من مثل ذلك.
وما قاله اللخمي يؤخذ من قول عبد الملك حتى أشهرها بذلك.
ثم تكلم على الانتفاع فقال:
ولَوْ لَبِسَ الثَّوْبَ أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ فَهَلَكَتْ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ، فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا فَهَلَكَتْ بَرِئَ، وثَلِثُهَا: إِنْ كَانَ بِإِشْهَادٍ ....
(فَهَلَكَتْ فِي ذَلِكَ ضَمِنَ) أي: في خلال الانتفاع (ضَمِنَ) أي: لتعديه.
وقوله: (فَإِنْ رَدَّهَا عَلَى حَالِهَا ... إلخ) أي: قول بأنه لا يضمن بدعواه أنه ردها ولو لم يشهد. وعلله ابن رشد بأنه إنما يعلم من قبله.
стр. 3362
وقول بأنه لا يبرأ إلا أن يردها إلى صاحبها سواء ادعى أنه ردها سالمة بعد انتفاعه أو قامت له بذلك البينة. وهذا القول حكاه ابن سحنون عن بعض الأصحاب.
والقول الثالث: إن ردها بعد الانتفاع بإشهاد برئ، وإن لم يكن إلا دعواه لم يبرأ. وهو قول سحنون؛ لأنه قال: إن أقر أنه لبس ثوباً وديعة، أو ركب دابة وقال: هلكت بعد ما نزلت عنها - فهو ضامن؛ قال: لأنه لما ركبها ضمنها بالتعدي. ولو أقام البينة أنه نزل عنها سالمة ثم تلفت برئ من ضمانها. وأجرى ابن يونس هذا الخلاف على الخلاف في رده لما تسلف من الوديعة
ولمحمد قول رابع: إن أقر المودع بالانتفاع ولم يعلم ذلك إلا من قوله وادعى أنها إنما هلكت بعد أن ردها سالمة - فالقول قوله مع يمينه، وإن قامت بذلك بينة فلا يصدق أنه ردها إلى موضعها إلا ببينة. قال: وهو قول أصحابنا.
ابن يونس: وهذه الأقوال هنا جارية على اختلاف قول مالك في رده لما تسلف من الوديعة.
ولو قال: ركبتها بإذن ربها وأنكر ربها - فالقول قوله مع يمينه. قاله سحنون.
ومُسْتَلِفُ الْوَدِيعَةِ إِنْ كَانَ مُعْدَمَاً لَمْ يِجُزِ اتِّفَاقاً، وإِنْ كَانَ لَهُ وَفَاءٌ وَهِيَ نَقْدٌ فَجَائِزٌ إِنْ أَشْهَدَ، وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ. فَإِنْ كَانَتْ عَرْضاً لَمْ يَجُزِ اتِّفَاقَاً، وَإِنْ كَانَت مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ فَقِيلَ: كَالنَّقْدِ، وقِيلَ: كَالْعَرْضِ
أي: لم يجز السلف للمعدم بها؛ لضرره بها بعدم الوفاء.
ابن عبد السلام: وفي معناه من كانت الوديعة قدر جملة ماله أو تزيد بيسير؛ لأن استخلاص الوديعة من هذا بعد إنفاقها عسيرن وإن كان ملياً؛ فإما أن تكون الوديعة عيناً أو عرضاً، مقوماً أو مثلياً، فذكر في النقد قولين.
стр. 3363
وحكى اللخمي أربعة [٥٧٠/ب] أقوال، منع ذلك في كتاب اللقطة، وكرهه في العتبية، ثم أجازه إذا أشهد على تسلفها، وقال عبد الملك: إن كانت مربوطة أو مختومة لم يجز، وإن كانت بغير رباط ولا ختم جاز.
والكراهة نص عليها في المدونة في كتاب الوديعة.
والأصل المنع؛ لأنه تصرف في ملك الغير، وهو غير جائز إلا بعد العلم بطيب نفس مالكه. وهو غير محقق. وإن كان الشيء المودع عرضاً لم يجز تسلفه اتفاقاً؛ إذ لو جاز ذلك لكان مشترياً له بغير إذن مالكه.
قوله: (وَإِنْ كَانَت مِمَّا يُكَالُ أَوْ يُوزَنُ ... إلخ) يحتمل أن يريد بقوله: (كَالنَّقْدِ) أي: فيأتي القولان بالجواز والكراهة، وبقوله: (كَالْعَرْضِ) أي: فلا يجوز. وعلى هذا يكون اختلاف طريقة، ولكن هذا يعز وجوده وإنما يريد (كَالنَّقْدِ) فيجوز، و (كَالْعَرْضِ) فلا يجوز. على أن الجواز ليس بمنصوص، وإنما خرجه اللخمي، ويتبين ذلك من كلامه، قال: وأما القمح والشعير والزيت وشبهه قول ابن القاسم في المدونة أنه إن تسلفها مضت على وجه السلف؛ لأنه أجاز إذا تسلفها أن يخرج المثل من ذمته كالدرهم، فلو كانت مما تختلف فيه الأغراض كالعروض - لم يصح إخراج المثل ولم يجز السلف، وعلى قول ابن عبد الحكم: إنه يضمن بالخلط بالمثل لا يجوز تسلفها. وقال محمد: فيمن استودع حنطة فباعها لنفسه كان لصاحبها أن يأخذ الثمن إن شاء فلم يجز السلف. وهو أحسن. انتهى.
وقد يقال أنه لا يؤخذ من المدونة الجواز ولا الكراهة؛ لأنه إنما قال: إذا تسلفها ثم ردها عادت إلى حكم الوديعة. ولا يلزم من عودها إلى حكم الوديعة جواز الإقدام على تسلفها ولا الكراهة؛ لاحتمال أن يقال هو ممنوع ابتداء؛ لأنه تصرف في ملك الغير، والغالب كراهته لذلك، وإنما رجعت بالرد إلى الوديعة؛ لأن ربها إنما يكره التصرف ابتداءً لا الرد، هكذا أشار ابن عبد السلام.
стр. 3364
وَإِذَا تَسَلَّفَ مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ ثُمَّ رَدَّ مِثْلَهًا مَكَانَهَا فَتَلِفَ الْمِثْلُ بَرِئَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ بِإِشْهَادٍ، ورِابِعُهَا: إِنْ كَانَتْ مَنْشُورَةً بَرِئَ ....
وفي بعض النسخ: (إِنْ كَانَتْ مَنْثُورَةً) بالثاء قبل الواو. وهذا الرابع لابن الماجشون، والثلاثة لمالك. والمشهور مذهب مالك وابن القاسم في المدونة وبه قال أشهب وأصبغ وابن عبد الحكم. وبمقابله قال المدنيون، وفي الموازية: إنه يشترط ردها بالبينة إذا تسلفها وإلا فلا يحتاج في ردها إليها، وهو قول خامس.
ويدخل في قوله: (مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ) النقد والمثلي على القولين.
وعبر اللخمي عن هذه المسألة بما إذا أخرج الدراهم والدنانير من ذمته إلى أمانته. وعلى المشهور فلا يُصَدَّقُ إلا بيمين، قال أشهب: وكذلك في الموازية.
وخرج من قوله: (مَا لا يَحْرُمُ تَسَلُّفُهُ) المعدم للنقد، وفيه نظر؛ لاحتمال أن يقال بالضمان لتعديه أولاً وبعدمه؛ لأنا إنما منعناه لأجل عدم إمكان الرد، فإذا رد فقد أُمِنَتِ العلة.
ابن شعبان: وإذا قال صاحبها للمودع: تسلف منها إن شئت، فتسلف منها، وقال: رددتها فهذا لا يبرئه رده إياها إلا إلى ربها.
اللخمي وصاحب البيان: وهذا لا يختلف فيه؛ لأن السلف من المالك فصارت كسائر الديون.
ثم تكلم على المخالفة فقال:
وَإِنْ قَالَ: لا تُقْفِلِ الصُّنْدُوقَ فَأَقْفَلَهُ ضَمِنَ
هذا الفرع لابن عبد الحكم ووجهه أن السارق يطمع في المقفول أكثر من غيره. ومال اللخمي إلى عدم الضمان؛ لأن السارق يطمع في الصندوق كان عليه قفل أم لا، فلم يكن لزيادة الطمع وجه، كما إذا قال له اقفل بقفل فأقفل باثنين.
стр. 3365
ابن عبد الحكم: وإن قال: أجعلها في التابوت ولم يزد لم يضمن بالقفل؛ لأن القفل في التابوت مأذون فيه بالعادة حتى يصرح بالنهي عنه. وكذلك قال ابن عبد الحكم إذا قال: اجعلها في قدر فخار فجعلها في سطل نحاس؛ لأن السارق عينه للنحاس أكثر، ولهذا صرح بنفي الضمان في العكس.
وأَقْفِلْ واحِداً فَأَقْفَلَ اثْنَيْنِ فَقَوْلانِ
القول بنفي الضمان لابن عبد الحكم، وهو الذي اقتصر عليه في الجواهر، وزاد: إلا أن يكون في حالة إغراء اللص فيضمن، والقول بالضمان مَالَ إليه ابن يونس. ولا أعلمه منصوصاً.
ثم أخذ يتكلم على التضييع فقال:
وَفِي كُمِّكَ فَتَرَكَهَا فِي يَدِهِ لَمْ يَضْمَنْ
لأن اليد أحفظ.
اللخمي: وكذلك لو تركها في وسطه. قال في الجواهر: إلا أن يكون أراد بجعلها في الكم إخفاءها عن غاصب فيضمن من يجعلها في يده.
وفِي جَيْبِهِ قَوْلانِ
هما خلاف في شهادة هل هذا أحفظ أو هذا؟ والأقرب نفي الضمان؛ لأن الجيب أحفظ لا سيما جيب أهل المغرب. وهو اختيار اللخمي. وأما الجيب الذي يقال له عندنا (المكتوم) فالكم أحفظ منه.
стр. 3366
وَلَوْ سَعَى بِهَا إِلَى مُصَادِرٍ ضَمِنَهَا
يعني: لو مشى بها إلى ظالم فإنه ضامن، فـ (مُصَادِرٍ) على هذا اسم فاعل. و (ضَمِنَ) لتضييعها. ويصح أن تفتح الدال من (مُصَادِرٍ) ويكون اسم مفعول. والمعنى راجع إلى الأول؛ لأنه إنما يأخذها الظالم كإمام جائر.
وَلَوْ نَسِيَهَا فِي مَوْضِعِ إِيدَاعِهَا ضَمِنَ، بِخِلافِ إِذَا نَسِيَهَا فِي كُمِّهِ فَتَقَعُ، وقِيلَ: سَوَاءٌ ....
إذا نسيها في موضع إيداعها فقال مطرف وابن الماجشون وابن حبيب: عليه الضمان، بخلاف إذا نسيها في كمه فلا ضمان.
وقوله: (وقِيلَ: سَوَاءٌ) يحتمل في نفي الضمان. ولم أر ذلك في الأولى منصوصاً، نعم خرجه جماعة من الثانية، وخرجه اللخمي وابن رشد من المودع مائة دينار فيدعيها رجلان ونسي أيهما أودعه، وممن اشترى ثوبين بالخيار من رجلين فختلطا ولم يدر لمن الجيد منهما - فقد اختلف هل يضمن لهما أو لا يكون عليه [٥٧١/أ] ضمان شيء؟
اللخمي: والعذر بالنسيان أبين؛ لأنه لا يعد بالنسيان مفرطاً ويحتمل أن يريد بقوله: (سواء) أي: في الضمان لكن لم أر من قال في الثانية بالضمان. والله أعلم.
أما إن أراد أن يأخذ ماله فأخطأ فأخذ الوديعة فسقطت منه فهو ضامن وليس كنسيانها في كمه؛ لأن هذا جناية بفعل غايته أنه خطأ. والخطأ والعمد في أموال الناس سواء.
ابن وهب: وإن دفعت غليه في المسجد فجعلها في نعله فذهبت لم يضمن.
اللخمي: يريد: إذا جعلها هناك بحضرته أو بعد أن غاب وكانت الوديعة ثياباً أو دراهم كثيرة أو كان الشأن ألا يجعل في كمه غلا عند القيام. وإن كانت صرة دنانير ضمن؛ لأنه فرط.
стр. 3367
سحنون: ويضمن من أودع وديعة فصرها في كمه مع نفقته ثم دخل الحمام فضاعت ثيابه بما فيها.
ابن يونس: قال بعض الفقهاء لعله إنما ضَمَّنَهُ لدخوله بها الحمام.
وَمَنْ أَنْزَا عَلَى بَقَرٍ وشِبْهِهَا فَعَطِبَتْ بِهِ أَوْ مُتْنَ بِالْوِلادَةِ ضَمِنَهَا
هذه المسألة لا تناسب ما نحن فيه وكان الأولى لو قال عوض الانتفاع التعدي وأدرج هذا الفرع فيه. وشبه البقر كسائر الدواب والحيوان.
(فَعَطِبَتْ بِهِ) أي: بالإنزاء.
(أَوْ مُتْنَ بِالْوِلادَةِ ضَمِنَهَا) أي: سواء مُتْنَ بالولادة أو بالإنزاء. وهذا مذهب ابن القاسم في المدونة.
ونقل اللخمي عن مالك نفي الضمان إن متن بالولادة، وظاهره أن مالكاً صرح بذلك. قال: وقول ابن القاسم أصوب.
وكقول مالك هنا في نفي الضمان قوله: لا ضمان على المرتهن إذا زوج أمة الرهن وماتت من الولادة. وصوب بعضهم قول مالك، وهو المعروف من قوله: كما لو غصب حرة فزنى بها وهو غير محصن فحملت فماتت -إنه لا يقتل بها؛ لأنها ماتت بسببٍ آخر لا بنفس العداء، أو كمن غر بأمة فتزوجها على أنها حرة فماتت لم يضمن قيمة ولدها للأب إذا غرم الأب قيمته.
وأسقط أشهب الضمان إذا ماتت بالإنزاء، بل رأى أنه له ذلك ابتداءً، فإنه قال: لا شيء عليه في الإنزاء إن نقص ذلك الولادة؛ لأن الولادة في الجواري ليست من فعله، إنما زَوَجَهُنَّ وكان الحمل من غيره.
стр. 3368
ولو سألني في البهائم هل ينزي عليها قبل أن ينزيها؟ لرأيت ألا يدعها من الإنزاء؛ لأن ذلك مصلحة، ولم أضمنه في الجواري ما نقصهن النكاح؛ لأن ذلك النكاح لا يثبت وإن رضي به سادتهن. ولو كان ذكوراً لم يضمن شيئاً؛ لأن للسيد أن يجيزه فلا يضمنه، وقد أجاز فعله، وإن فسخه رجع العبد إلى حاله من غير نقص.
فرع:
ابن يونس: واختلف في إنزاء الراعي؛ فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه؛ لأنه كالمأذون له، وضمنه غيره، وعكس ابن عبد السلام نسبة القولين في هذا الفرع. والله أعلم.
ثم تكلم على الجحد فقال:
وإِذَا جَحَدَ أَصْلَهَا فَأُقِيمَتِ الْبَيِّنَةُ لِمْ يُقْبَلِ الرَّدُّ وَلَوْ بِبَيِّنِةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ؛ لأنَّهُ كَذَّبَهَا
يعني: إذا طلب منه الوديعة فأنكر أن يكون قد أودعه شيئاً، وهذا معنى قوله: (إِذَا جَحَدَ أَصْلَهَا) فأقام المودع البينة على الإيداع فأدعى بعد ذلك أنه ردها لم يقبل قوله أنه ردها، واختلف إذا أقام بينة على الرد، المشهور عدم قبولها؛ لأن قوله الأول مكذب لها، إذ قوله: لم يودعني شيئاً متضمن لعدم الرد، فإنَّ الرد فَرْعُ الإيداع.
اللخمي: وقيل: تقبل بينته. وهو أحسن؛ لأن من حجته أن يقول: إنما أنكرت لغيبة بينتي أو للاحتياج إلى تزكيتها ونحو ذلك.
ابن عبد السلام: وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الصورة الثانية لعدم وجود الخلاف في الأولى، على أنه لا يبعد وجود الخلاف منصوصاً عليه في الأولى، فأصول المذهب تدل عليه.
خليل: وقد حكى صاحب البيان في باب الصلح وابن زرقون في باب القراض فيمن أنكر أمانة وادعى ضياعها أو ردها لما قامت عليه البينة - ثلاثة أقوال:
الأول لمالك من سماع ابن القاسم: يقبل قوله فيهما.
стр. 3369
الثاني لمالك أيضاً: لا يقبل فيهما قوله.
الثالث لابن القاسم: يقبل قوله في الضياع. وعلى هذا فالخلاف منصوص فيهما، ويمكن إعادة قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) على المسألتين.
ابن زرقون: وأما إن أقام بينة على ضياع القراض أو رده فالمشهور أنه تنفعه البينة بعد إنكاره. وحكى اللخمي عن محمد أنه لا ينتفع بها.
خليل: فانظر ما شهره المصنف مع ما شهره ابن رزقون فإن ذلك متعارض.
ابن زرقون: وأما إن أنكر شيئاً في الذمة أو أنكر الدعوى في الربع أو فيما يفضي إلى الحدود ثم رجع عن إنكاره لأمر ادعاه وأقام عليه بينة ففيها أربعة أقوال:
الأول لابن نافع: يقبل منه في جميع الأشياء.
الثاني لغير ابن القاسم في كتاب اللعان من المدونة: لا يقبل ما أتى به في جميع الأشياء.
الثالث لابن المواز: يقبل في الحدود دون غيرها.
الرابع: يقبل منه في الحدود والأصول، ولا يقبل منه ذلك في الحقوق من الديون وشبهها من المنقولات. وهو قول ابن القاسم في المدونة.
وَإِنْ طَلَبَهَا فَاعْتَذَرَ فَتَشَاحَّا فَحَلَفَ لا يُعْطِيهَا اللَّيْلَةَ ثُمَّ قَالَ فِي الغَدِ: تَلِفَتْ قَبْلَ أَنْ يَلْقَانِي أَوْ بَعْدَهُ ضَمِنَ، إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ
قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَّرَهَا لِعُذْرٍ) راجع إلى قوله: (تَلِفَتْ بَعْدَهُ) وأما قبله فيضمن؛ لأن قوله: لا أعطيها الليلة إقرار منه ببقائها. قال في البيان: ولا خلاف في هذا، وأصل هذه المسألة لابن القاسم في العتبية فإنه قال: إذا أتى رب الوديعة للمُودَعِ فقال: إني مشغول أو راكب إلى موضع كذا؛ فأنظرني إلى غد فأبي، فتصايحا حتى حلف ألا يعطيه الليلة، فلما أتاه من الغد قال: إنما تلفت قبل أن تلقاني - ضَمِنَ؛ لأنه قد أقر بها. وإن قال: لا أدري متى ذهبت، وإنما عهدي بها منذ كذا أو كذا حلف وكان القول قوله.
стр. 3370
أصبغ: يحلف ما علم بذهابها حين منعه ولقد كان علمه أنها ثَمَّ.
ابن القاسم: وإن قال: تلفت من بعد ما فارقتك ضمن؛ لتعديه بالتأخير، إلا أن يكون على أمر لا يستطيع الرجوع فيه أو يكون في رجوعه عليه ضرر فلا يكون عليه حينئذ الضمان.
أصبغ: ليس هذا تعدياً، وليس عليه ضمان - كان عليه شغل أو لم يكن - إلا أن يكون في يده أو يكون عند بابه وليس فيه فتح ولا غلق، ولا أمر يتم إلا برجوعه ونظره، فإن جاء مثل هذا ضمن وإلا لم يضمن.
قال في البيان: وظاهر قول ابن القاسم أنه محمول على التعدي حتى يثبت [٥٧١/ب] العذر، وظاهر قول أصبغ أنه محمول على العذر حتى يثبت التعدي، ولا خلاف في هذه المسألة إلا في هذا الوجه.
وق وقع في النوادر لمحمد بن عبد الحكم أنه لا ضمان عليه تلفت قبل أو بعد. وليس ذلك خلافاً لما تقدم؛ لأن معنى "قبل": إذا لم يعلم بذلك إلا بعد، ومعنى قوله: (أَوْ بَعْدَهُ) إذا كان له في منعه عذر.
فَإِنْ قَالَ: لا أَدْرِي مَتَى تَلِفَتْ لِمْ يَضْمَنْ
قد تقدم هذا من كلام ابن القاسم في المسألة السابقة، ووجهه الحمل على أنها تلفت قبله ولم يعلم بذلك؛ إذ الأصل في الوديعة عدم ضمانها.
وَلَوْ طَلَبَهَا فَأَبَى حَتَّى يَاتِيَ الْحَاكِمَ فَهَلَكَتْ فَإِنْ كَانَتْ بِغَيْرِ بِيِّنَةٍ ضَمِنَ، وَقِيلَ: لا ضَمَانَ ....
يصح في (الْحَاكِمَ) فتح الميم على المفعولية وهو الأصل، ويصح ضمها على الفاعلية، وهذا كما كان في بعض القرى أن الحاكم يأتي إليها.
وقوله: (كَانَ) أي: الإيداع. وذكر في البيان في هذه ثلاثة أقوال:
стр. 3371
الأول: لا ضمان عليه وإن قبضها بغير بينة؛ لأن له في ذلك عذراً يقبل؛ لأنه يقول خفت شغبه وأذاه. وهو لابن عبد الحكم.
الثاني: أنه ضامن وإن قبضها ببينة؛ لأنه متعد في منع أدائه إلا بالسلطان، وكان يقدر أن يشهد عليه بالرد كما أشهد عليه هو بالقبض. وإلى هذا ذهب ابن دحون. فالرهن والوديعة على مذهبه سواء.
والثالث لابن القاسم في العتبية: إن دفع الرهن والوديعة بغير بينة فهو ضامن، وإن كان ببينة فلا ضمان. وهذا القول هو الذي قدمه المصنف، والقول الثاني في كلامه هو لابن عبد الحكم، وأظهرها قول ابن دحون؛ لأن الشغب يدفع بالبينة.
وَلَوْ طَلَبَهَا فَقَالَ: ضَاعَتْ مُنْذُ سِنِينَ، وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ هَذَا وَصَاحِبُهَا حَاضِرٌ - فَلا ضَمَانَ، وَقَالَ أَصْبَغُ: إِذَا لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ طَلَبٌ ضَمِنَهَا، وكَذَلِكَ الْقِرَاضُ
تصور المسألة ظاهر، قال في البيان: وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن الأصل براءة الذمة فلا تعمر إلا بيقين. وهو قول ابن عبد الحكم، فإن قال: يحلف ولا شيء عليه، ونقل ابن عبد الحكم قول أصبغ عن الأصحاب.
وقوله: (وكَذَلِكَ الْقِرَاضُ) هو تشبيه في قول ابن القاسم، وكذلك في العتبية ويأتي فيه قول أصبغ.
وَإِذَا ادَّعَى الرَّدَّ قُبِلَ مُطْلَقاً، وَقِيلَ: مَا لَمْ تَكُنْ بَيِّنَةٌ مَقْصُودَةُ التَّوَثُّقِ فَتَلْزَمُهُ، بِخِلافِ التَّلَفِ ....
(مُطْلَقاً) أي: سواء كانت بينة مقصودة التوثق أم لا. وهذا القول ليس بمنصوص بل إنما نص عليه ابن القاسم في الشيء المستأجر أنه يصدق في دفعه وإن قبضه ببينة. وخرجه في المقدمات في الوديعة، قال: يتحصل في المسألة أربعة أقوال:
стр. 3372
أحدها وهو المشهور: أنه لا يصدق في دعوى الرد إذا دفع إليه ببينة، لا في الوديعة ولا في القراض ولا في الشيء المستأجر.
والثاني: أنه يصدق في جميع ذلك وإن دفع ببينة، وهو الذي يأتي على ما رواه أصبغ عن ابن القاسم من تصديقه في رد المستأجر؛ لأنه إذا صدقه على الرد مع قيام البينة في المستأجر الذي قبضه لمنفعتهما جميعاً فأحرى أن يصدق في الوديعة التي قبضها لمنفعة صاحبها خاصة.
والثالث تفرقة أصبغ: يصدق في المستأجر لا في الوديعة والقراض على ما تأول على ابن القاسم.
والرابع: الفرق، فلا يصدق في الوديعة إذا دفع إليه ببينة، ويصدق في المستأجر والقراض إن دفع إليه ببينة.
وعلى هذا ففي تقديم المصنف للقول الأول نظر؛ لأنه على تقدير صحته خلاف المشهور.
وقوله: (مَقْصُودَةُ التَّوَثُّقِ) أي: يقصد دفع الوديعة بحضرتهم، وأما إن كان حضورهم اتفاقيَّاً ولو لم يكونوا لدفع الوديعة إليه فهو بمنزلة عدم البينة.
اللخمي: وكما لو كان الإشهاد خوف الموت ليأخذها من تركته أو قال المودع: أخاف أن يقول: هي سلف فاشهد لي أنها وديعة وما أشبه ذلك - مما يعلم أنه لم يقصد التوثق من القابض - فيكون القول قوله في ردها بغير بينة.
وقوله: (بِخِلافِ التَّلَفِ) أي: فيقبل قوله وإن قبض ببينة.
стр. 3373
وَفِي يَمِينِهِ ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: يَحْلِفُ فِي الرَّدِّ
هذا الكلام معترض ولعله لا يوجد لغيره، والذي حكاه صاحب البيان أنه يحلف في دعوى الرد اتفاقاً، واختلف في التلف على ثلاثة أقوال: قيل تتوجه، وقيل لا، وقيل تتوجه على المتهم دون غيره.
قال في البيان: وهو المشهور، قال: وأما إن حقق عليه الدعوى فلا خلاف في وجوب اليمين عليه في ردها.
وبهذا تعلم أن قول المصنف فيما يأتي: (أَمَّا الْمُتَّهَمُ فَيَحْلِفُ بِاتِّفَاقٍ) ليس بصحيح. والله أعلم.
فَإِنْ نَكَلَ فَثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: يَحْلِفُ الْمُودِعُ
أي: فإن نكل المُودَع - بفتح الدال - عن اليمين المتوجهة عليه للتهمة فثلاثة أقوال:
أحدها: أنه لا يحلف رب الوديعة ولا غرم عليه، بناءً أن يمين التهمة لا ترد. وقيل: يغرم المودع بغير يمين. والمشهور أنه يغرم بعد حلف رب الوديعة، وقد ذكر في البيان هذين القولين الأخيرين.
أَمَّا الْمُتَّهَمُ فَيَحْلِفُ بِاتِّفَاقٍ
وقد تقدم أن فيه الخلاف.
وَلَوْ قَالَ: لا أَدْرِي أَضَاعَتْ أَمْ رَدَدْتُهَا فَمِثْلُ رَدَدْتُهَا
أصل هذا الفرع لأصبغ في العتبية.
أصبغ: وإنما لم يضمن لأنه إن دفعها فقد برئ، وإن ضاعت فهو مؤتمن. قال: إلا أن يكون المستودع استودعها ببينة فلا يبرأ، وهذا يؤخذ من تشبيه المصنف بقوله: (فَمِثْلُ رَدَدْتُهَا) لأنه قدم أنه يفرق في دعوى الرد بين أن يكون قبضها ببينة أم لا.
стр. 3374
قال في البيان: وهذا كما قال أنه لا ضمان عليه إذا قبضها بلا بينة؛ يريد: بعد أن يحلف ما هي عنده ولقد دفعها إليه أو تلفت. وأما إن دفعها إليه ببينة فبَيِّنٌ أنه لا يبرأ منها بقوله: لا أدري؛ لأنه لو ادعى دفعها إليه لم يصدق، فكيف إذا قال: لا أدري. ولو قال المودَع لربها: إن كنت دفعت إلي شيئاً فقد ضاع، فقال عبد الله بن عبد الحكم: إنه يبرأ بيمينه ولو قبضها ببينة.
وَلَوِ [٥٧٢/أ] ادَّعَى الرَّدَّ عَلَى الْوَارِثِ لَمْ يُقْبَلْ، وَكَذَلِكَ دَعْوَى وَارِثِ الْمُودِعِ لأَنَّهُمَا لَمْ يَاتَمِنَاهُ كَالْيَتِيمِ ....
يعني: إذا مات رب الوديعة فادعى المودع أنه ردها لوارثه، أو مات المودع فادعى وارثه أنه ردها لربها، لم يقبل دعوى الرد فيهما.
(لأَنَّهُمَا) أي: وارث رب الوديعة في الفرع الأول ورب الوديعة في الثاني - لم يأتمنا الدافع، بل كل منهما دفع إلى غير الذي ائتمنه، كاليتيم إذا ادعى عليه الوصي الرد.
وَإِذَا قَالَ: هِيَ لأَحَدِكُمَا وَنَسِيَتُ عَيْنَهُ تَحَالَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: وَعَلَيْهِ الضَّمَانُ ....
ظاهر كلامه أن الوديعة لم تزل بيد المودع لم يدفعها إلى أحدهما؛ لقوله: إنهما يتحالفان ويقتسمانها، وأن ابن المواز قال: عليه ضمان مائة أخرى، وكذلك نقل ابن يونس القولين، ونقل غيره أيضاً القولين فيما إذا دفع إلى أحدهما، ففي الموازية: ومن استودع مائة فأتى رجلان يدعيانها فقال: "رددتها إلى أحدكم" فإن لم يثبت أيهما هو فهو ضامن لكل واحد منهما مائة؛ لأن كل واحد منهما يدعي أنه أودعه فلم يقطع بتكذيبه، وقوله: للمودِع لا أدري هل أودعتني؟! هو كالنكول؛ فيحلف المدعي ويضمنه، وكذلك لو كانوا عشرة.
وقال ابن عبد الحكم: أما في الدين فيضمن لكل واحد منهما مائة، وأما في الوديعة فلم أره مثل الدين.
стр. 3375
محمد: هما عندي سواء. زاد محمد في كتاب الإقرار: ويحلف كل واحد منهما ويحكم له بمائة. ومن نكل لم يكن له شيء، وكانت لمن حلف. فإن نكلا جميعاً لم يكن على المقر إلا مائة يقتسمانها بينهما بلا يمين عليه؛ لأنه هو الذي أبى اليمين وردها بعد أن ردت عليه.
محمد: فإن رجع المودع فقال: أنا أحلف أنها ليست لواحد منهما فلا بد مِنْ غُرْمِ المائة يقتسمانها بعد أيمانهما؛ لأنه قد اقر أن عليه مائة ثانية ولا حدجة له في إسقاطها، ولا حجة لأحدهما في طلب تمام المائة لنفسه؛ لأن المودع لو قال له: "راجعت معرفتي أنه لا شيء لك" لم يلزمه غير اليمين، واليمين التي حلفهتا له تجري عمن طلب منه تمام المائة لنفسه، وكذلك لو كانت المائة التي عليه دين فيما ذكر سحنون.
وإن استودع وديعة ثم ماتت فادعاها رجلان كل واحد لنفسه، فقال ابن الميت: لا أدري إلا أن أبي كان يذكر أنها وديعة فتلوقف أبداً حتى يستحفظها أحدهما بالبينة، وقال فيمن أودعه رجل مائة وآخر خمسين فنسي من صاحب المائة منهما، وادعى كل واحد منهما المائة - إنهما يتحالفان على المائة ثم يقتسمانها والخمسين الباقية؛ إذ ليس لها مدع، قال: وقال بعض أصحابنا: يغرم لكل واحد منهما بعد أيمانهما.
وَلَهُ أُجْرَةُ مَوْضِعِهَا دُونِ حِفْظِهَا
يعني: إذا كانت الوديعة مما يشغل منزلاً فطلب أجرة الموضع التي كانت فيه فذلك له. وهكذا في المقدمات.
ابن عبد السلام: وأطلق المصنف وغيره في هذا، وعندي يتقيد هذا بمن يقتضي حاله طلب الأجرة، كما هو المذهب في رب الدابة يأذن لرجل، ويقول راكبها: إنما ركبتها عارية، ويقول ربها: إنما كان الإذن بالأجرة - فالقول قول ربها إذا كان مثله يكري الدواب، وإنما
стр. 3376
سقطت أجرة الحفظ لأنه قد اطردت العادة بأن المودع لا يطلب على ذلك أجرة؛ لأن الحفظ لا تجوز عليه الأجرة لجواز الإجارة على الحراسة.
صاحب المقدمات وغيره: وإن احتاجت إلى غلق أو قفل فذلك على ربها.
وَإِذَا اسْتَوْدَعَهُ مَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا فَثَالِهُهَا: الْكَرَاهَةُ، وَرَابِعُهَا: الاسْتِحْبَابُ، وَقَالَ الْبَاجِيُّ: وَالأَظْهَرُ الإِبَاحَةُ لِحَدِيثِ هِنْدٍ ....
هكذا وقع في أكثر النسخ، وزاد ابن راشد في نسخته بعد كلام الباجي: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلا يَاخُذُ إِلا مَا يَسْتَحِقُّهُ) وقد حكى في المقدمات الخمسة.
والمنع هو مذهب مالك في المدونة، قيل لابن القاسم: قال ذلك مالك؟ قال: أظنه للحديث الذي جاء: «أدِّ الأمانةَ لمن ائتمنك ولا تخن من خانك».
والجواز لابن عبد الحكم، قال: يأخذها وإن كان عليه دين. وهو مبني على أحد القولين في إجازة رهن المديان وقضائه بعض غرمائه.
والكراهة مأخوذة من قول أشهب: لا آمره إلا بطاعة الله تعالى، وإن أردت فعله فأنت أعلم.
والاستحباب مأخوذ من قول ابن الماجشون: أرى له أن يستعمل الحيلة بكل ما يقدر حتى يأخذ حقه، فإن فيه إبراء ذمة المسلم.
والقول الخامس رواه ابن وهب عن مالك، وروى ابن نافع مثله، وزاد مع ذلك: إذا أمن أن يحلف كاذباً فيأخذ قدر حقه.
وقال ابن المواز: لا بأس أن يأخذ وإن كان عليه دين ما لم يفلس.
ابن المواز عن مالك: وإن أوصى لصغير بدنانير ولم يشهد بذلك إلا الوصي، فإن خفي دَفَعَ ذلك؛ بحيث لا يتبع به، وكذلك لو دفع فلم يقبل السلطان شهادته فله الدفع إذا خفي ذلك.
стр. 3377
الباجي وصاحب المقدمات: وأظهر الأقاويل الإباحة؛ لحديث هند: «إن أبا سفيان رجل شحيح لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي عيالي» فقال ﵊: «خذي من مالِهِ ما يكفيك ويكفي بنيكِ بالمعروفِ».
وقد يقال في الأخذ منه نظر؛ لأن هنداً وولدها تجب لهما النفقة في مال أبي سفيان، فكان ما تأخذه عو عين حقها، وكلامنا إنما هو فيمن قدر على مثل حقه لا على نفسه.
قال في المقدمات: وكان شيخنا ابن زرقون يحدثنا أن قوله ﵊: «ولا تخن من خانك» خرج على سؤال؛ لأنه سئل عن وطء امرأة من ائتمنه عليها، وقد كان السائل ائتمن الرجل على امرأته فخانه فيها ووطئها، وكان يضعف الاحتجاج بهذا الحديث لهذا المعنى، لكن اختلف قول مالك وغيره من العلماء في العام الوارد على سبب خاص، والصحيح عند أهل الأصول وهو اختيار القاضي إسماعيل والقاضي أبي بكر وغيرهما من العراقيين الحمل على عمومه، وبه يصح الاستدلال بالحديث.
واحتج أيضاً ابن عبد الحكم [٥٧٢/ب] بقوله تعالى: (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ....) [البقرة: ١٩٤] الآية.
واحترز المصنف بقوله: (مَنْ ظَلَمَهُ بِمِثْلِهَا) مما لو ظلمه بغيرها فإنه لا يجوز له الأخذ.
ابن شعبان: ومن أصحابنا من يقول إن المستودع إذا جحد ما كان بيده وهو من غير الذهب، فوجد له المجحود ما بقي من الدراهم أو العروض لم يكن له أخذه ولا بيعه؛ لأنه يوكل في ذلك، وبه أقول.
* * *
стр. 3378
الْعَارِيَّةُ: تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ بِغَيْرِ عِوَضٍ
هي مشددة الياء، الجوهري: وكأنها منسوبة إلى العار؛ لأنَّ طلبَها عارٌ وعَيْب، وأنكر على الجوهري كونها منسوبة إلى العار، لأنه لو كان كذلك، لقالوا: يتعيرون؛ لأن العار عينه ياء، والعارية عند غيره مأخوذة من المعاورة: وهي الأخذُ والإِعْطَاء، يقال: هُم يتعاورون من جيرانهم، أي يأخذون ويعطون ورسمها المنصف بقوله: (تَمْلِيكُ ... إلى آخره)، فقوله: (تَمْلِيكُ مَنَافِعِ الْعَيْنِ) كالحبس، و (بِغَيْرِ عِوَضٍ) أخرج الإجارة وهو غير مانع لدخول العُمْرَى والحبس فيه، فإن قيل: يمكن أن يجاب عنه بوجهين: أولهما: منعُ كون العُمْرَى والحبس ليسا بعارية.
ثانيهما: أن العُمْرَى والحبس ليس فيهما تمليك منفعة العين، وإنما هو فيهما إباحة الانتفاع، قيل: كلاهما مردود، أما الأول: فلأنه خلاف الاصطلاح، وأما الثاني: فلأن المعمر أو المحبس عليه يملكان المنفعة بدليل أنهما يؤجران لغيرهما، والله أعلم.
وَهِيَ مَنْدُوبٌ إِلَيْهَا
لأنها من المعروف والبر، فتدخل في قوله تعالى: (وتَعَاوَنُوا عَلَى البِرِّ والتَّقْوَى) [المائدة: ٢]، وقد اختلف في قوله تعالى: (ويَمْنَعُونَ المَاعُونَ) [الماعون: ٧]؛ فقيل عن ابن عباس وابن مسعود ﵄: إنه عاريَّة متاع البيت؛ كالقدر والفأس، وذهب مالك والجمهور إلى أن الماعون الذي توعد الله على منعه هو الزكاة المفروضة.
فرع:
قال في المقدمات: وأجرة حمل العارية على المستعير، واختلف في أجرة ردها، فقيل: على المستعير، وهو الأظهر، وقيل: على المعير؛ لأن العارية معروف فلا يكلف أجرة بعد معروف صنعه.
стр. 3379
أبو الحسن: واختلف في علف الدابة المعارة، فقيل: على المعير، وقيل: على المستعير.
الْمُعِيرُ مَالِكُ الْمَنْفَعَةِ غَيْرُ مَحْجُورٍ عَلَيْهِ؛ فَتَصِحُّ مِنَ الْمُسْتَعِيرِ والْمُسْتَاجِرِ
يعني: أن أركانها أربعة: المعير والمستعير والمستعار وما به الاستعارة.
وتكلم المصنف على الأول منها فالأول، وشرط في المعير شرطين: أن يكون مالكاً للمنفعة، وأن يكون غير محجور عليه، أما الأول فظاهر، وأما الثاني فلأنها تبرع، وصحت من المستعير والمستأجر؛ لأنهما مالكان للمنفعة، ونبه بالمستعير على أن الصحيح عند الشافعية: أنه لا يعير، ومنشأ الخلاف: هي المستعير مالك للمنفعة كالمستأجر أو لا؟ وإنما ملك الانتفاع، ويتخرج عندنا الخلاف في جواز إعارة الثوب المستعار من الخلاف في إجارته لمن استأجره، وكذلك فيمن اكترى دابة ليركبها فإن قول مالك اختلف في كراهة كرائها من غيره، وكذلك اختلف هنا، ففي الجلاب: ومن استعار شيئاً إلى مدة فلا بأس أن يكريه من مثله، وفي المدونة: لا بأس أيضاً أن يعيرَه من مثله.
وفي كتاب ابن شعبان: من استعار دابة ليركبها، فلا يُركبها غيره، وظاهره بعارية أو كراء.
وعلم أن تمليك الانتفاع كسُكنَى المدارسِ والجلوس في المساجد والأسواق، له أن ينتفع بنفسه فقط، ولا يعاوض عنه، وتمليك المنفعة كالإجارة، والعارية عندنا له الانتفاع والإيجار كالملك بالنكاح من ملك الانتفاع، ويستثنى من هذا جواز إنزال الضيف لأهل المدارس والرباط المدة اليسيرة للعادة، ولا يجوز استيطانه ببيت المدرسة دائماً ولا إيجاره، ولا خزن القمح فيه، وكذلك ماء الصهاريج بها، لا يجوز بيعه ولا هبته ولا الانتفاع به فيما لم تجر العادة كالصبغ الكثير، ويستثنى الشيء اليسير من ذلك، وكذلك طعام الضيف لا يجوز له بيعه ولا إطعامه، وله إطعام الهر للعادة، وكذلك البسط في الأوقاف لا يتغطى بها، والزيت للاستصباح لا يباع؛ لأن التمليك فيها مقصور على جهة العادة بشهادة العوائد، ذكر ذلك القرافي في قواعده.
стр. 3380
الْمُسْتَعِيرُ: أَهْلٌ لِلتَّبَرُّعِ عَلَيْهِ، فَلا يُعَارُ ذِمِّيٌّ مُسْلِماً
يعني: أنه يشترط في المستعير أن يكون أهلاً لأن يتبرع عليه بالمستعار، فلخصوصيته بذلك لا يعار ذمي مسلماً لما في ذلك من إذلال الكافر المسلم، وهو ممنوع، وكذلك المصحف له، وكذلك لا يعار السلاح لمن يقاتل به فيما لا يحل، ولا الأواني لمن يستعملها فيما لا يحل كالخمر، ولا الدابة لمن يركبها لإذاية مسلم ونحو ذلك.
الْمُسْتَعَارُ مَنْفَعَةٌ مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ، فَالأَطْعِمَةُ والنُّقُودُ قَرْضٌ
يعني: أن المستعار المنفعة لا الذات.
وقوله: (مَعَ بَقَاءِ الْعَيْنِ) أي على ملك ربها، وإن استلزم الانتفاع ذهاب العين كما في الأطعمة والنقود، لم يبق ذلك عارية بل هو قرض، وأشار اللخمي إلى أنه تصح إعارة الدراهم والدنانير لمن لا يتلف أعيانها كالصيرفي يجعلها ظاهرة عنده ليراها الناس فيرغبون في الصرف منه، وكذلك الرجل عليه دين يقل ما بيده فيستعيرها لذلك.
خليل: وينبغي أن يمنع هذا لوجهين: أولهما القياس على إجارتها، فقد قال المصنف: (ولا تصح إجارة الدنانير والدراهم، وقيل: إن لازمها ربها صح)، والثاني أن في ذلك إيهاماً للناس وتغريراً لهم، والله اعلم.
وَأَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً فَلا تُسْتَعَارُ الْجَارِيَةُ لِلاسْتِمْتَاعِ
وهو معطوفٌ على (بَقَاءِ الْعَيْنِ) أي المستعار منفعةٌ بشرط بقَاء الْعينِ، (وَأَنْ تَكُونَ الْمَنْفَعَةُ مُبَاحَةً) ولا يريد كونها مباحة في جنسها؛ فإن ذلك شرط في صحة ملك المعير لها، وإنما يريد كون تلك المنفعة مباحة للمستعير، فلذلك لا تستعار الجارية للاستمتاع، ودخل في ذلك الوطء ومقدماته، لما في ذلك من عاريَّة الفروج؛ [٥٧٣/أ] ولأنه لا يستباح ذلك إلا في ملك أو نكاح، وخالف عطاء بن أبي رباح في هذا وأجازه، وقد بالغ أهل مذهبنا في هذا حتى منعوا قرض الجواري المؤدي إلى عارية الفروج.
стр. 3381
ويُكْرَهُ أَنْ يستخدمها لِغَيْرِ الْمحْرَم والنِّسَاءِ والصبيان
عبر بالكراهة تبعاً لابن شاس، وقد نص اللخمي في باب الإجارة: أن إجارة المرأة للرجل الغريب غير جائزة، كان مأموناً أم لا لقوله ﵊: «لا يخلو رجل بامرأة ليس بينه وبينها محرم».
وأن كان له أهل وهو مأمون جاز، وإن كان غير مأمون لم يجز إلا أن تكون متجالة لا إرب للرجل فيها، أو يكون هو شيخ فان، وعلى هذا فمراده بالكراهة هنا التحريم. ونص اللخمي في باب العارية: على أنه تصح هبة خدمة الجارية للأجنبي إذا كان مأموناً وله أهل، فإن كان غير مأمون أو كان مأموناً ولا أهل له لم يجز للحديث المتقدم، واستثنى المحرم والنساء والصبيان؛ لأن الاستمتاع مأمون في حقهن.
اللخمي: وتجوز هبة منافعها لمن لا يحل له إصابتها من أقاربها إذا كان الواهب قد أصابها مثل: ولده وولد ولده وأبيه وجده؛ لأنها صارت من ذوات محارمه، وهذا داخل تحت قوله: (مَحْرَم).
ولا يجُوزُ اسْتِخْدَامُ أَحَدِ الأَبَوَيْنِ بِالْعَارِيَةِ، وَتَكُونُ الْمَنَافِعُ لَهُمَا
يلحق بالأبوين كل من يعتق عليه؛ لأن الاستخدام من توابع الملك، فمن لا يجوز له التمليك، لا يجوز له الاستخدام، وتكون المنفعة للعبد والأمة دون من وهبت له، واستدل اللخمي على ذلك بقول مالك في من عجل عتق عبده على أن يخدمه شهراً، أن الخدمة ساقطة، قال: لأنها بقية رق، بخلاف أن يجعل عليه دراهم.
ابن عبد السلام: فإن قلت هذ تلحق الإجارة بالعارية في هذا؟ قيل: هو محتمل، وقد قال في المدونة: ولا بأس أن يؤاجر الرجل أمه وأخته أو ذات محرم على رضاع ولده.
стр. 3382
وَتَحْصُلُ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مَعْنَاهَا
زاد في الجواهر من قول أو فعل، وهذا هو الركن الرابع.
وقوله: على معناها: أي على تمليك المنفعة بغير عوض.
وَلَوْ قَالَ: أَعِنِّي بِغُلامِكَ أَوْ ثَوْرِكَ يَوْماً وأَعُينُكَ بِغُلامِي أَوْ ثُوْري يَوْماً فَإِجَارَةٌ، وأَجَازَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَرَآهُ مِنَ الرِّفْقِ ....
(فَإِجَارَةٌ) يعني ليس بعارية، وهكذا صرح به ابن شاس؛ لأنه إنما ينظر إلى المعنى ولا ينظر إلى اللفظ، فإن قوله: (أَعِنِّي) قريب من العارية، وإذا كان إجارة فيشترط أن يكون ما يقع التعاون فيه معلوماً سواء كان من نوع واحد كالحصاد أو نوعين كالدراس والبناء، وأن يكون زمان العمل قريبً من عقد هذه الإجارة، فلو قال: أعنِّي بعبدك غداً على أن أعينك بعبدي بعد شهر لم يجز؛ لأنه نقد في منافع معين يتأخر قبضها؛ فإن قيل: إذا كان إجارة واشترط انتفاع الغرر في العمل في زمانه فأين الرفق؟ قيل: لعله في المتقدم من الغلامين، وأن هذا العقد جائز، وإن لم يتفاهما، أي الغلامين يكون عمله أولاً، هكذا قال ابن عبد السلام، وانظر لم نسب الجواز لابن القاسم فقط؟
الضَّمَانُ: إِنْ كَانَ مِمَّا لا يُغَابُ عَلَيْهِ لِمْ يَضْمَنْ إِلا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ، وإِنْ كَانَ مِمَّا يُغَابُ عَلَيْهِ ضَمِنَ إِلا بِبَيِّنَةٍ عَلَى تَلَفِهِ. وقَالَ أَشْهَبُ: ولَوْ قَامَتْ ...
تقدمت نظائر هذه المسألة والكلام عليها في الرهن وغيره، وحكى ابن شعبان عن مالك قولاً أنه لا ضمان عليه إلا أن يشترط، حكاه في المقدمات وظاهره كان مما لا يغاب عليه أو لا.
وذكر اللخمي أن ابن شعبان حكى عن مالك أنه لا يصدق في ذهاب الحيوان والعبيد والدواب.
стр. 3383
اللخمي: وقيل لا يصدق فيما صغر خاصة؛ لأنه يخفى إذا غيب عليه، وقد يرجع هذا القول فيما يراد منه الأكل دون غيره.
ابن المواز: وإذا قلنا: لا يضمن الدابة فيضمن سرجها ولجامها.
اللخمي: ولا يضمن العبد ولا ما عليه من الكسوة؛ لن العبد حائز لما عليه.
ومَا عُلِمَ أَنَّهُ بِغَيْرِسَبَبِهِ - كَالسُّوسِ فِي الثوب - يَحْلِفُ أَنَّهُ مَا أَرَادَ فَسَاداً فيَبْرَأُ
هكذا في الموازية، ولا يكفي في اليمين: ما أراد فساداً، بل يزيد فيها: ولا ضَيَّع. وألحق التونسي الفأر بالسوس في هذا، وساوى اللخمي بين الفأر والسوس والحرق بالنار في الضمان، قال: لأن الغالب أن الناَّر لا تحدث إلا من فعله إلا أن يثبت أنه من غير فعله، وكذلك السُّوس إنما يحدث من الغفلة عن اللباس والمعير يقول: لو لبسته لم يتسوس، وقرض الفأر لا يحدث إلا لأمر كان من اللباس من رائحة طعام ونحوه، قال: وحيث ضمَّناه القيمة فهل يوم العارية أو يوم التلف؟ قولان مخرجان من القولين في الرهن، وما لا ينقص بالاستعمال يغرم جميعه، وكذلك ما ينقص إذا كانت مدة العارية قريبة لا ينقص في مثلها، وإن كانت بعيدة ينقص في مثلها ضمن قيمة ما يبقى بعد انقضاء مدة العارية.
وإِذَا اشْتَرَطَ إِسْقَاطَ الضَّمَانِ فِي مَا يَضْمَنُ، أَوْ إِثْبَاتَهُ فِي مَا لا يَضْمَنُ - فَفِي إِفَادَتِهِ قَوْلانِ ....
نحوه في الجواهر ما إذا اشترط إسقاط الضمان في ما يضمن؛ كالثياب ونحوها، فقال المازري في كلامه المنسوب إليه على المدونة: في المسألة قولان، وقال في شرح التلقين: واللخمي وغيرهما: اتفق ابن القاسم وأشهب عنا على إعمال الشرط، وإن كانا قد اختلفا في الرهن؛ لأن العارية معروف ثان لا مانع منه بخلاف الرهن.
стр. 3384
اللخمي: وقال سحنون: في من أعطى لرجل مالاً يكونُ له ربحهُ ولا ضَمَانَ عليه، أنه ضامن، فعلى هذا يسقط شرطه في الثياب.
والذي في المقدمات الضمان لابن القاسم، وأنه قال في بعض روايات المدونة وهو [٥٧٣/ب] أيضاً في العتبية لابن القاسم وأشهب في بعض روايات من كتاب العارية، قال: وعلى ما حكاه ابن أبي زيد في المختصر عن أشهب في الصانع يشترط الضمان عليه، أن شرطه جائز ينفعه الشرط في العارية، قال: لأنه إذا لزمه في الصانع فأحرى في المستعير؛ لأن المعير إذا أعاره على ألا ضمان فقد فعل المعروف معه من وجهين: إلا أن يكون ذلك من باب إسقاط حق قبل وجوبه، فلا يلزمه على أحد القولين، وأما إذا اشترط إثبات الضمان فيما لا يضمن من حيوان ونحوه، فقال مالك رحمه الله تعالى وجميع اصحابه: الشرط باطل مطلقاً إلا مطرفاً فإن قال: إن شرط عليه الضمان لأمر خافه من طريق مخوفة أو نهر أو لصوص أو ما أشبه ذلك فالشرط لازم إن عطبت في الأمر الذي خافه، واشترطه الضمان من أجلِهِ، وإن هلكت بغير ذلك لم يضمن.
والظاهر أن المصنف لم يرد قول مطرف؛ لأن كلامه لا يبنى على التفصيل، وظاهر كلامه أنه يضمن على أحد القولين؛ وهذا ليس بمنصوص بل خرجه اللخمي، قال: ويجري فيها قول بالضمان كما شرط؛ لأنه الواجب في أحد قولي مالك من غير شرط، فقد دخلا على التزام أحد القولين.
وَإِذَا ادَّعَى كَسْرَ السَّيْفِ أَوِ الْفَاسِ بِاسْتِعْمَالِهِ وَأَحْضَرَهُ لَمْ يُقْبَلْ إِلا بِبَيِّنَةٍ، وقِيلَ: يُقْبَلُ ....
يحتمل أن يريد بالقول الأول مذهب المدونة ونصها: وإن استعار سيفاً ليقاتل به فانكسر لم يضمن؛ لأنه فعل به ما أذن له فيه، وهذا إذا كانت بينة أو عرف أنه كان معه في اللقاء وإلا ضمن، وفي البيان في هذه المسألة أربعة أقوال:
стр. 3385
الأول لابن القاسم في العتبية وابن وهب أنه لا يصدق إلا ببينة.
الثاني أنه يصدق إذا ائتمن ذلك بما يشبه وهو قول عيسى بن دينار ومثله حكى ابن حبيب في الواضحة عن مطرف وأصبغ واختاره؛ لأنه من محاسن الأخلاق أن يصلحه.
الثالث: قوله في المدونة في السيف أنه لا يصدق إلا أن تكون له بينة أنه كان معه في اللقاء.
الرابع: قول سحنون: يضمن إلا أن تكون له بينة أنه ضرب به في اللقاء ضرباً يجوز له قال: وهو أبعد الأقاويل، وأولاها بالصواب قول عيسى، والظاهر من قول المصنف أنه أراد بالقول الأول قول ابن القاسم في المدونة، وعلى هذا ففي تقديمه نظر.
اللخمي: وأما الرحا تستعار ليطحن عليها فيأتي بها وقد حفيت فلا شيء عليه بالاتفاق.
ولا يَتَعَدَّى الْمَاذُونَ فِيهِ؛ فَلا يَزْرَعُ مَا ضَرَرُهُ أَكْثَرُ
إذا أعاره أرضاً مثلاً ليزرع فيها شيئاً، فليس للمستعير أن يزرع ما هو أضر منه، ومفهومه أنَّ له أن يزرع ما هو مساوٍ في الضرر للأول، وهو صحيح صرح بذلك صاحب الجواهر وغير واحد في المدونة.
وإن استعار دابةً ليحمل عليها حنطة فحمل عليها حجارة فكل ما حمل مما هو أضر مما استعاره له، فعطبت به فهو ضامن، وإن كانت مثله في الضرر لم يضمن؛ كحمله عدساً في مكان حنطة أو كتاناً أو قطناً في مكان بز، فظاهرها أنه إذا حمل عليها ما هو أضر فعطبت فهو ضامن، سواء زاد ما تعطب بمثله أم لا، لكن الشيوخ فصلوا ذلك؛ فقالوا: إن كانت تلك الزيادة لا تعطب بمثلها فعطبت فليس لربِّ الدابة إلا كراء الزيادة فقط، وإن كان ذلك الزائد مما تعطب بمثله خير ربها في أن يضمنه قيمة الدابة يوم تعديه ولا شيء له غير ذلك أو يأخذ كراء الفضل فقط.
стр. 3386
ابن يونس: ومعرفة ذلك أن يقال: كم يساوي كراؤها فيما استعارها له؟ فإن قيل: عشرة، قيل: وكم يساوي كراؤها في ما حمل عليها؟ فإن قيل: خمسة عشر؛ خير رب الدابة بين أن يُضمنَه قيمة الدابة أو يأخذ الخمسة الزائدة فقط، وأما إن كانت تلك الزيادة لا تعطب بمثلها فليس عليه إلا الخمسة، وكذلك إن لم تعطب فليس له إلا كراء الزيادة.
فَلَو أَطْلَقَ فَاسْتِعْمَالُ مِثْلِهَا
يعني: فإن استعار شيئاً ولم يبين الوجه الذي استعاره من أجله، فإنه يتعين ذلك بمقتضى العادة، بل نص في المدونة على أنه يترك ظاهر اللفظ للعادة، ففيها: وإن استعار دابة ليركبها حيث شاء وهو بالفسطاط فركبها إلى الشام أو إلى إفريقية، فإن كان وجه عاريته إلى ذلك فلا شيء عليه وإلا ضمن.
والذي يسأل رجلاً أن يسرج له دابة ليركبها في حاجة فيقول له: اركبها إلى حيث أحببت، فهذا يعلم الناس أنه لم يسرجها له إلى الشام، ولمراعاة العادة يحمل أيضاً عليها عند الاختلاف، ففي المدونة: ولو استعار مُهراً فحَملَ عليه بزاً لم يصدق أنه استعاره لذلك، وإن كان بعيراً صُدِّق.
وَهِيَ لازِمَةٌ فَإِنْ أَجَّلَهَا بِمُدَّةٍ أَوْ عَمَلٍ لَزِمَتْ إِلَى انْقِضَائِهِ وَإِلا فَالْمُعْتَادُ فِي مِثْلِهَا، وفِي اللُّزُومِ قَبْلَ الْقَبْضِ قَوْلانِ ....
أي: لازمة بالقول؛ لأنها نوع من أنواع الهبة فتلزم كبقية الأنواع، والظاهر أن المراد بقوله: لازمة إذا حصل الإيجاب والقبول، لقوله بعد ذلك: وفي اللزوم قبل القبض قولان، واللزوم هو أصل المذهب كالهبة، وهو قول ابن القصار، ولعل القول الأخر مبني على الشاذ في الهبة أنها تلزم بالقول، وحكاه في الجواهر عن أشهب وزاد عنه أن له الرد بعد القبض بالقرب، وقال القاضي أبو الفرج: ما روي من وجوب العارية بالقول دون
стр. 3387
الإقباض إنما هو في الأرضين، ويريد أبو الفرج قوله في المدونة في الأرض يعيرها للبناء أو للغرس أنه ليس له إخراجه بقرب الغرس أو البناء.
وقوله: فإن أجلها بمدة: أي كشهر [٥٧٤/أ] أو عمل؛ كزرع بطن لزمت إلى انقضائها (وَإِلا فَالْمُعْتَادُ فِي مِثْلِهَا) أي وإن لم يضرب أجلاً، وهكذا روى الدمياطي عن ابن القاسم أنه قال: وإن لم يضرب له أجلاً، فليس له إخراجه حتى يبلغ ما يعار إلى مثله من الأمد.
ابن يونس: وهو صواب؛ لأن العرف كالشَّرط، وذكر أشهب في كتابه أنَّ للمعير إذا فرغ المستعير من بنائه وغرسه أن يخرجه فيما قرب أو بعد؛ لأنه إعارة إلى غير أجل، وقد فرض إذا لم يضرب أجلاً ويعطيه رب الأرض قيمته مقلوعاً ويأخذه أو يأمره بقلعه، وروى عنه الدمياطي أنه له إخراجه متى شاء إن كانت له حاجة إلى عرصته أو إلى بيعها سواء تقدم بينهما شرط أم لا، وإن كان لغير حاجة ولكن لشيء وقع بينهما، فليس له ذلك، وقال أصبغ: إذا لم يسكن فليس له إخراجه أيضاً.
وإن أعطاه قيمته قائماً إلا برضاه وبه أخذ يحيى بن عمر.
وَإِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْبِنَاءِ أَوِ الْغَرسِ فَلَهُ دَفْعُ قِيمَتِهِ مَقْلُوعاً بَعْدَ مُحاَسَبَتِهِ بِأُجْرَةِ الْقَلْعِ وإِخْلاءِ الأَرْضِ، أَوْ يَامُرُهُ بِقَلْعِهِ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ قِيمَةٌ بَعْدَ نَقْضِهِ أَخَذَهُ مَجَّاناً ....
يعني (إِذَا انْقَضَتْ مُدَّةُ الْبِنَاءِ أَوِ الْغَرسِ) أي المدة المشترطة بالشرط أو بالعادة فللمعير دفع قيمة البناء والغرس مقلوعاً.
وقوله: (بَعْدَ مُحاَسَبَتِهِ) هكذا نص عليه محمد وابن شعبان وغيرهما، ومعناه أن يسقط من النقض قيمة قلع البناء وتنظيف الأرض لتعود كما كانت وكذلك الشجر؛ مثاله: أن يقال: كم تساوي قيمة النقض الذي في هذا أو الشجر بعد قلعه؟ فيقال: مائة،
стр. 3388
فيقال: وبكم يقلع هذا؟ فيقال: بعشرة، ويقال: وكم تساوي الأرض لتعود كما كانت فيقال: عشرة، فيعطيه ثمانين.
قال غير واحد: إلا أن يكون المستعير ممن يتولى القلع وتنظيف الأرض بنفسه أو بعبده فلا يسقط لذلك شيء، وقيل: إن ما نص عليه محمد من إسقاط أجرة القلع خلاف مذهب ابن القاسم في المدونة، فإن مذهبه فيها لا يحط ذلك، وإلى هذا ذهب ابن دحون، واعتل في ذلك بأن الغاصب لو هدمه لم يكن للمغصوب منه أن يأخذه بالقيمة بعد هدمه، وكذلك أنكر ابن سهل كلام ابن المواز، واعتقد أن قيمة البناء مقلوعاً تستلزم طرح أجرة القلع، فلا ينبغي أن تسقط مرة أخرى، وليس بالبين، فإن تقويم البناء مقلوعاً أعم من كل واحد من وجهي طرح أجرة القلع وعدم طرحه، والأعم لا يستلزم الأخص.
وروى مطرف وابن الماجشون أن كل من بنى في أرض قوم أو غرس بإذنهم وأعلمهم فلم يمنعوه ولا أنكروا عليه فله قيمته قائماً؛ كالباني بشبهة، وكذلك من تكارى أرضاً أو بنى في أرض زوجته.
ابن حبيب: وهو قول ابن كنانة وجميع المدنيين، وقاله ابن القاسم، وعلى هذا فالغاصب متفق عليه أنه يأخذ قيمة البناء مقلوعاً، والمستحق من يده متفق عليه أنه يأخذ قيمة البناء قائماً، ويختلف في المستعير والمكتري.
قوله: (أَوْ يَامُرُهُ بِقَلْعِهِ) يعني أن رب الأرض يخير في أمرين: إما أن يعطيه القيمة كما تقدم، وإما أن يأمره بقلع بنائه؛ هذا بشرط أن يكون للبناء والغرس قيمة بعد القلع، وأما إن لم تكن له قيمة بعد القلع فلا يكون للباني فيه شيء.
وَقِيلَ لِلْمُعِيرِ الإِخْرَاجُ فِي الْمُدَّةِ الْمُعْتَادَةِ إَذَا أَعْطَى مَا أنْفَقَ، وَقِيلَ: قِيمَةَ مَا أنْفَقَ
يعني: أن المدة المشترطة ليس للمعير الإخراج قبل انقضائها، وأما المعتادة ففيها قولان:
стр. 3389
الأول: وهو الذي قدمه المصنف، أنها كالمشترطة وهو قوله: (وإلا فالمعتاد في مثلها).
والثاني: أن للمعير الإخراج فيها، فقوله: (وَقِيلَ: لِلْمُعِيرِ) مقابل لقوله. (وإلا فالمعتاد في مثلها).
والأول لمطرف وابن الماجشون، والثاني: مذهب المدونة ففيها: ومن أذنت له أن يبني في أرضك أو يغرس، فلما فعل أردت أخراجه إلا أن تعطيه ما أنفق، فإما بقرب ذلك مما لا يشبه أن يعيره إلى مثل تلك المدة القريبة، فليس لك إخراجه، وقال في باب بعد هذا: قيمة ما أنفق وإلا تركته إلى مثل ما يرى الناس أنك أعرته إلى مثله من الأمد، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (إَذَا أَعْطَى مَا أنْفَقَ، وَقِيلَ: قِيمَةَ مَا أنْفَقَ)، وهذا الكلام من المصنف يدل على أنه حمل ما في المدونة على الخلاف، وهو تأويل غير واحد، وجمع بعضهم بينها فقال: يعطيه ما أنفق إذا اشترى المستعير ذلك للعمارة، وقيمة ما أنفق إذا كان ما أنفقه في ملكه ولم يشتر، وقيل: ما أنفق إذا كان بالقرب جداً؛ كاليوم واليومين، وقيمة ما أنفق إذا طال الأمد؛ لأنه تغير بانتفاعه، وقيل: ما أنفق إذا لم يكن فيه تغابن أو كان فيه تغابن يسير، ومرة رأى القيمة أعدل؛ إذ قد يسامح مرة فيما يشتريه ومرة يغبن فيه، قال في النكت: فهو على هذا الذي وصفنا لا يكون اختلاف قول.
ابن يونس: والثالث والأول محتملان، وأما الثاني فخطأ؛ لأنه إنما يعطيه قيمة ما أنفق يوم البناء، فلا يراعي تغييراً ولم يتغير، ولو عكس هذا لكان أولى؛ لن ما تقدم وتغير القيمة فيه يوم البناء متعذرة لتغيره، ولا يقال: كيف كان حاله يوم البناء فيجب أن يعطيه ما أنفق لهذا، وما كان بالقرب ولم يتغير فالقيمة فيه مخلصة، فإذا أعطاها لم يظلم؛ لأنها متوسطة.
وفي مختصر حمديس: إذا أعطاه ما أنفق، يطعيه أجرة مثله في كفايته، ليس على قيامه فقط؛ لأن رب الأرض قد يجد ما ينفق ويعجز عن القيام، ولو نشأ ذلك من عجز عن القيام أن يعير أرضاً، فإذا استوى البناء، والغرس أخرجه وقال: هذه نفقتك.
стр. 3390
أبو الحسن: قالوا: وإذا أعطاه قيمته قائماً، فمعناه على التأبيد بخلاف أول مسألة كتاب الاستحقاق، فإن إذا أعطاه قيمته قائماً فإنه إلى تمام المدة، قالوا: والفرق بينهما أن ما في الاستحقاق أن المستحق لم [٥٧٤/ب] يأذن له وإنما أذن له غيره، وهنا الإذن من رب الأرض.
تنبيهان:
الأول: قد تقدم في آخر الشركة أن ابن زرقون حصل في هذه المسألة ومسألة عارية الجدار لغرز الجذع ستة أقوال، فانظرها.
الثاني: استقرأ ابن الهنيد من المسألة هذه من قوله: (ليس لك إخراجه في المدة القريبة) أنّ من أسلف رجلاً سلفاً ثم أراد تعجيل أخذه بالقرب فإنه ينظر إلى قدر ما ينتفع به في مثله، فإن كان قدر ما ينتفع به من المد فإنه يقضي عليه وإلا فلا، وهو منصوص أيضاً في العتبية.
وإِذا تَنَازَعَا فِي الْعَارِيَةِ وَالإِجَارَةِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ إِلا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْعُرْفُ
يعني: إذا ركب دابَّة رجل إلى بلد وادَّعى أنه أعارَه إيَّاها، وقال ربُّها: بل اكتريتُها منِّي، فالقولُ قولُ ربِّها. ابن راشد: مع يمينه. ابن يونس: لأنه ادعى عليه معروفاً.
وقوله: (إِلا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْعُرْفُ) قال في المدونة: بأن يكون ربها لا يكري الدواب لشرفه وقدره، وهذا هو المراد بقوله: (إِلا أَنْ يُكَذِّبَهُ الْعُرْفُ) وليس المراد مجرد قوله: ولا يكري عادة، فإن هذا مقبول القول، ذكر هذا في النوادر عن أشهب فقال: وقال أشهب: القول قول المالك وإن كان ممن لا يكري دابته ويحلف لقد أكراها ويحلف الآخر ما أكراها ويغرم قيمة الكراء؛ وهذا ما لم يكن أكثر مما ادعاه صاحبها، إلا أن يكون رجلاً شريفاً عظيم القدر يأنف مثله من كراء دوابه، فيكون القول قول المستعير مع يمينه.
ابن عبد السلام: وهو معنى ما في المدونة وفي اللخمي.
стр. 3391
وقال ابن كنانة: إن كان صاحب الدابة ممن يعرف بكراء الدواب ولذلك حبسها وهي بضاعته حلف وأخذ الكراء إذا ادعى ما يشبه أن يستأجر به، وإن كان ممن لا يعرف بكراء الدواب ولا ذلك عمله، حلف الآخر أنها عارية ولا شيء عليه، وحيث قلنا القول قول المالك في أنه لم يأذن إلا بعوض، فهل يقبل قوله في مقداره؟ قال في الجعل والإجارة، وإن ادعى رب المتاع أن الصانع عمله بإطلاق وقال الصانع: بل بأجر، صدق الصانع فيما يشبه الأجر وإلا رد إلى أجر مثله، وفي أكرية الدور: ومن أسكنته دارك ثم سألته الكراء. فادعى أنك أسكنته بغير كراء، فالقول قولك فيما يشبه من الكراء مع يمينك، وقال غيره: على الساكن الأقل من دعواك أو من كراء المثل بعد أيمانهما.
وَإِذَا اخْتَلَفَا فِي النِّهَايَةِ؛ فَإِنْ لَمْ يَرْكَبْ إِلَى الأَبْعَدِ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمالكِ
يعني: إذا اتفقا على العارِّة واختلفا في النهاية، فقال المعير مثلاً: أعرتكها من مصر إلى غزة، وقال المستعير: بل إلى دمشق، فإن لم يركبها المستعير إلى الأبعد أي إلى دمشق في المثال المفروض، فالقول قول المالك مع يمينه؛ لأن المستعير مدعى عليه الزيادة.
ابن عبد السلام: وجهوا عليه اليمين في هذه المسألة والتي قبلها مع أنهما من دعوى المعروف، وفي توجيهها في هذا الأصل خلاف، ونحو هذا المثال ما إذا تنازعا في طريقين إحداهما سهلة والأخرى وعرة، وقال: أعرتني هذا الثوب شهراً، وقال: بل يوماً، وإذا حلف المعير يكون المستعير بالخيار بين أن يركبها إلى ذلك الموضع الذي حلف عليه أو يترك، إلا أن يخشى منه أن يتعدى ويمضي بها حيث شاء فلا يسلم إليه إلا أن يتوثق فيه ألا يتعدى.
فإن رَكِبَ إِلَيْهِ فَقَالَ ابْنُ القَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الْمُسْتَعِيرِ، وقَالَ أَشْهَبُ فِي طَرْحِ الضَّمَانِ إِلا فِي الْكِرَاءِ، وَيَاخُذُ مَا بَيْنَهُمَا بِيَمِينِهِ ...
أي: وإن ركب إلى دمشق في المثال المفروض، فقال ابن القاسم في المدونة: القول قول المستعير إن ادَّعى ما يشبه مع يمينه، واعلم أنه في المدونة لم يذكر أن ابن القاسم قال هذا،
стр. 3392
بل قال: وجدت في مسائل عبد الرحيم عن مالك ذلك، نعم ظاهر الحال أنه قائل بذلك، وحكى في البيان عن ابن القاسم في الدمياطية أن القول قول المعير إذا اختلفا بعد الرجوع، بخلاف إذا كان معه في سفر فاختلفا في الرجوع.
وخرجه اللخمي في أحد القولين في من دفع دنانير ليشتري بها طعاماً، فاشترى له بها ثمراً، وقال الآخر: قمحاً، أن القول قول الآخر ويغرمه الدنانير، بل هو هنا أولى؛ لأن المستعير قابض لحق نفسه.
اللخمي: ووجهه أن المعير واهب فلا يؤخذ بغير ما أقرَّ به، وقال أشهب وسحنون وابن حبيب: القول قول المستعير في طرح الضمان، فإن هلكت فيما بين المسافتين لا يكون عليه شيء؛ لأنَّه مدَّعى عليه تعمير ذمته لا في الكراء فإن القول قول المعير في الزائد.
سحنون: ويحلف المستعير ليسقط عنه الضمان، ويأخذ الكراء.
وعلى القول الثاني: فإذا حلف المعير نظر، فإن كان اختلافهما في زيادة المسافة أخذ كراء تلك الزيادة، وإن كان في صعوبة أخذ كراء جميع تلك الطريق، ويكون للمستعير أن يذهب بها إلى الطريق التي أقرَّ بها، قاله اللخمي.
ونوقش المصنف بأن قوله: فإن يركب إلى الأبعد يقتضي أنه لو وجده بين المسافتين أن يكون القول قول المعير، وليس كذلك فإن المذهب لا يصدق إلا فيما زاد على المسافة التي وصل المستعير إليها إلا فيما زاد على ما ادعاه المعير، وقد يقال هنا: يؤخذ حكمه مما إذا ركبها إلى الأبعد، فلذلك لم ينبه المصنف عليه، وعورض قول ابن القاسم واشهب هنا بما في الجعل، قال مالك: ومن استأجر فسطاطاً أو بساطاً أو غرائر أو آنية إلى مكة ذاهباً وراجعاً فادعى ضياع هذه الأشياء في البداية صدق في الضياع ولزمه الكراء.
ابن القاسم: ويلزمه الكراء كله إلا أن يأتيَ ببيِّنة على وقت الضياع، قال: وإن كان معه قوم في سفره فشهدوا أنَّهُ أعْلَمَهُم بضياع ذلك، وطلبه بمحضرهم حَلَف وسقط عنه من
стр. 3393
يومئذ حصة باقي [٥٧٥/أ] المدة، وقال غيره: القول قوله في رفع الضّمان والكراء، والمراد بالغير سحنون وعلى هذا كل من ابن القاسم وسحنون خالف اصله وفرق لابن القاسم بأن مسَّألة الجعل ذمته عمرت بعقد الكراء وهو مدع إسقاطه، وهنا لم تعمر ذمته بشيء، ورأى سحنون هنا أن المستعير مدع لمعروف زائد على ما أقرَّ بِه الواهب ولا يلزمه من المعروف إلا ما أقرَّ به.
وَهَذِهِ بِعَيْنِهَا - بِرَسُولٍ مُوَافِقٍ لِلْمُسْتَعِيرِ أَوْ مُخَالِفٍ - كَذَلِكَ
يعني: وهذه المسألة بعينها إذا أرسل المستعير رسولاً فأعاره إلى مسافة ثم اختلف المعير والمستعير فالحكم للأول سواء صدق الرسول المستعير أو كذبه أو كذبهما معاً؛ لأنه إنما شهد على فعل نفسه، واعلم أن ما ذكر من تساوي الحكم فهو بالنسبة إلى أشهب صحيح، وأما عند ابن القاسم ففي المدونة: من بعث رسولاً إلى رجل ليعيره دابة إلى برقة، وقال الرسول: إلى فلسطين، فعطبت عند المستعير، واعترف الرسول بالكذب ضمنها، وإن قال: بذلك أمرني، وأكذبه المستعيرن فلا يكون الرسول شاهداً؛ لأنه خصم، وتمت المسألة هنا في أكثر الروايات، وعليها اقتصر البرادعي، وزاد ابن أبي زيد في مختصره: والمستعير ضامن إلا أن تكون له بينة على ما زعم. وصحت هذه الزيادة في رواية يحيى بن عمر وعلى هذه الزيادة فليس الحكم مستوياً، ورأى بعضهم أنه يتخرج من هذه الضمان في مسألة عبد الرحيم، وقال جماعة: بل المسألتان مفترقتان، وإنما ضمن المستعير في هذه؛ إذ لا يقطع بكذب المعير إذ لا حقيقة عنده مما قاله الرسول، وفي مسألة عبد الرحيم: هو مكذِّبٌ للمُعِيرِ ذَكَرهُ عياض.
وَإِذَا تَنَازَعَا فِي رَدِّهَا فَالقَوْلُ قَوْلُ الْمُعِيرِ فِي مَا لا يُصَدَّقُ الْمُسْتَعِيرُ فِي تَلَفِهِ
أي: فيما يغاب عليه؛ لأن المستعير مقر بالأخذ مدع للدفع، قال في الموازية: وسواء قبضها ببينة أو بغير بينة، لا يقبل قوله في ذلك، وفهم من كلامه أن المستعير يصدق فيما لا
стр. 3394
يغاب عليه، وكذلك قال محمد: كل من يقبل قوله في التلف، يقبل قوله في الرد، يعني لو كان كاذباً في الرد لأمكنه أن يفيء إلى دعوى الضياع، وقد علمت أن هذه القرينة ضعيفة في الوديعة، ألا ترى أنه لا يقبل قول المودَع في الرد مع أنه يقبل في الضياع.
* * *
стр. 3395
الْغَصْبُ أَخْذُ الْمَالِ عُدْوَاناً مِنْ غَيْرِ حِرَابَةٍ
الغصب لغة: أخذ كل متملك ظلماً من غير رضا صاحبه، فيتناول: السرقة، والاختلاس، والخيانة، والحرابة، والتعدي، ورسمه المصنف اصطلاحاً بقوله: (أَخْذُ الْمَالِ ... إلى آخره): فأخذ المال جنس، وأخرج بالقهر ما أخذ من ربه اختياراً واستسراراً، كالسرقة والخيانة والاختلاس؛ لأن القهر يستدعي أن يؤخذ ذلك بعلم صاحبه، لا يقال: المختلس منه يعلم بأخذ المال، فيدخل في كلام المصنف، ويصير الحد غير مانع؛ لأنا نقول: المختلس منه إنما يعلم بأخذ المال بعد الأخذ فلا ينطبق عليه القهر، فإن القهر يستدعي علم المأخوذ منه بما قهر، وأخرج بالعدوان ما أخذ قهراً لا عدواناً، كأخذ الإمام الزكاة من الممتنع، وكأخذ المغصوب منه المال من الغاصب، ولما كانت هذه القيود تتناول الحرابة قال المصنف: من غير حرابة ليخرجها، ولا خرف في تحريم الغصب والإجماع عليه.
وَيُؤْخَذُ بِحَقِّ الْمَغْصُوبِ مِنْ مَالِ الصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ ويُؤَدَّبُ، وكَذَلِكَ ثَمَنُ مَا أَفْسَدَهُ أَوْ كَسَرَهُ بِخِلافِ ثَمَنِ مَا يَبِيعُهُ ....
يعني أن الغصب يتصور من غير البالغ كالبالغ، ويؤخذ بحق المغصوب منه من ماله ولا خلاف في ذلك؛ لأن إتلاف المال من باب خطاب الوضع لا يشترط فيه التكليف.
وقوله: (ويُؤَدَّبُ) فهم منه أن البالغ يؤدب من باب أولى، ولا خلاف في تأديب البالغ.
قال في المقدمات: ولا يُسقط ذلك عفوُ المغصوب منه وأما غير البالغ فقال ابن عبد السلام: ما ذكره المصنف هو ظاهر المذهب والمنصوص للمتقدمين.
وفي المقدمات: لا يؤدب من لم يبلغ الحلم لقوله ﵊: «رفع القلم عن ثلاثة» الحديث، وقيل يؤدب كما في المكاتب.
стр. 3396
وقوله: (وكَذَلِكَ ثَمَنُ مَا أَفْسَدَهُ) ابن عبد السلام: هذه المسألة عند أهل المذهب من باب التعدي لا من باب الغصب، فإن المذهب التفريق بين حكمهما في الجملة وإن استويا في هذا الموضع، ومراد المصنف بثمن ما أفسده المميز أو كسره هو مطلق العوض من مثل أو قيمة، وذكر لفظ (ثَمَن) لتتم له المخالفة في ثمن ما يبيعه لفظاً كما ثبتت له معنى، وذلك أنه إذا باع الصبي شيئاً من ماله وقبض ثمنه وأتلف ذلك الثمن فلا يلزمه بيع، ويقضى على المشتري برد المبيع ولا يلزم الصبي شيء من الثمن؛ لأنه خرج من يد ربه طوعاً بخلاف ما أفسد الصبي أو كسره، فإن ذلك من غير تسليط من ربه، نعم إن صُونَ بذلك شيئاً من ماله لزمه الأقل مما صونه أو الثمن والمقابلة التي ذكرها المؤلف بين ما أفسده أو كسره ليست بحقيقة؛ لأن الإفساد أعم من التكسير.
وَفِيهَا: فِي مَنْ بَعَثَ يَتِيماً لآبِقٍ فَأَخَذَهُ فَبَاعَهُ وأَتْلَفَ الثَّمَنَ يُرَدُّ الْعَبْدُ ولا عُهْدَةَ عَلَى الْيَتِيمِ وَلا ثَمَنَ ....
ابن راشد: ذكر هذا استشهاداً لما ذكره، ويحتمل أن يكون هذا استشكالاً لعدم إمضاء البيع، وهو إنما وضع يده عليه بإذن ربه.
وجعل ابن عبد السلام هذا أقرب من الأول، وفيه نظر، بل الأول أولى؛ لأن هذا سؤال ضعيف، فإن غايته أن يكون وكيلاً على حفظه ولا يلزم بيع الموكل على الحفظ.
وَأَمَّا غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَقِيلَ: الْمَالُ فِي مَالِهِ، والدَّمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ، وقِيلَ: الْمَالُ هَدَرٌ كَالْمَجْنُونِ، وقِيلَ: كِلاهُمَا ....
هذا مقابل قوله: المميز، والأقوال الثلاثة حكاها في الجواهر كالمصنف. وقوله: (والدَّمُ عَلَى عَاقِلَتِهِ) أي إذا كانت الدية الثلث فصاعداً، (وقِيلَ: الْمَالُ هَدَرٌ كَالْمَجْنُونِ) أي والدم على العاقلة كما تقدم، ويؤخذ من هذا أن ما أتلف المجنون هدر.
стр. 3397
(وقِيلَ: كِلاهُمَا) أي هدر كالبهيمة والقول الأول أظهر؛ لأن الضمان من باب الوضع الذي لا يشترط فيه التكليف.
محمد: وإن كان صغيراً يحبو فلا شيء عليه من عقل، وهو كالبهيمة، وقال ابن القاسم: إن أفسد شيئاً فإن كان ابن ستة أشهر ونحوها لا ينزجر فلا شيء عليه، وإن كان مثل ابن سنة فصاعداً فذلك عليه.
قال في العتبية: ما أصاب [٥٧٥/ب] المجنون الذي لا يعقل والصبي الصغير ابن سنة ونصف ونحو ذلك من فساد أموال الناس فهو هدر.
ابن عبد السلام: وجعل المصنف مورد الخلاف في هذه المسألة عدم التمييز، وهو حسن في الفقه غير أن الروايات لا تساعده وإنما تعرَّضُوا للتحديد في هذه المسألة بالسِّن فقيل: ابن سنتين، وقيل: ابن سنة ونصف، وقيل: غير ذلك.
وَيَكُونُ التَّفْوِيتُ بِالْمُبَاشَرَةِ أَوْ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ
أي: ويكون الضمان ودل عليه السياق.
(بِالْمُبَاشَرَةِ) الباء للسببية (أَوْ بِإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ) يحتمل أن يكون معطوفاً على قوله: (التَّفْوِيتُ) ويكون للضمان سببان ويحتمل أن يكون معطوفاً على المباشرة، أي يكون الضمان بسبب التفويت، وسبب التفويت إما المباشرة وهو سبب محسوس، وإما إثبات اليد العادية فعلى هذا يكون الضمان بسبب واحد.
فَالْمُبِاشِرَةُ كَالأَكَلِ، والْقَتْلِ، وَالإِحْرَاقِ
ابن راشد: وهو مجمع عليه أي بقتل الحيوان أو أكل الشيء المغصوب أو إتلافه بإحراق أو بغيره.
стр. 3398
وَإِثْبَاتِ الْيَدِ الْعَادِيَةِ فِي الْمَنْقُولِ بِالنَّقْلِ، وفِي الْعَقَارِ بِالاسْتيِلاءِ وإِنْ لَمْ يَسْكُنْ
(فِي الْمَنْقُولِ) أي في الحيوان والعروض (بِالنَّقْلِ)، يعني فلو هلك بعد ذلك بسماوي ضمنه.
(وفِي الْعَقَارِ بِالاسْتيِلاءِ وإِنْ لَمْ يَسْكُنْ) ظاهر والاتفاق عليه، ونبه على خلاف أبي حنيفة ﵀ ورضي عنه فإنه يرى أنَّ مجرد وضع اليد ليس موجباً للتضمين بل حتى ينضم إليه النقل.
فَلَوْ غَصَبَ السُّكْنَى فَانْهَدَمَتِ الدَّارُ لَمْ يَضْمَنْ إِلا قِيمَةَ السُّكْنَى
هذا يخصه أصحابنا بالتعدي، فإن الغصب عندهم: هو غصب الذوات، والتعدي: هو غصب المنفعة أو إتلاف بعض السلعة، ولا فرق في التعدي بين أن يتقدم له إذن كالمستعير والمقارض والمستأجر أو لا يتقدم، وسيأتي حكم التعدي إن شاء الله تعالى.
و (لَمْ يَضْمَنْ إِلا قِيمَةَ السُّكْنَى) لأنها هي التي تعدى عليها، وهذا أحسن لو طردوه، ولكنهم قالوا في التعدي بالدابة المكان المشترط من مستعير ومستأجر: إنه يضمن الرقبة إن هلكت وكل منهما لم يقصد ملك الرقبة، فإن قيل: المتعدي على الدابة ناقل لها بخلاف المتعدي على الدار فجوابه أنهم لم يعتبروا النقل في باب الغصب فينبغي في التعدي مثله.
وَيَكْفِي الرُّكُوبُ فِي الدَّابَّةِ والْجَحْدُ فِي الْوَدِيعَةِ
أي: يكفي في وجوب الضمان في التعدي ركوب الدابة، وقد تقدم أن مجرد وضع اليد موجب للضمان فكيف بالركوب، وقد تقدم الكلام على جحد الوديعة في محلها.
стр. 3399
وَالتَّسَبُّبُ بِالْفِعْلِ الْمُهَيِّئِ لِسَبَبٍ آخَرَ مِثْلهُمَا
أي: مثل المباشرة وإثبات اليد العادية، وحاصله أن سبب السبب كالسبب، ولذلك قال:
فَيَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى الْمُكْرَهِ عَلَى إِتْلافِ الْمَالِ، وعَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْراً عُدْوَاناً فَتَرَدَّى فِيهَا إِنْسَانٌ أَوْ بَهِيمَةٌ ....
ابن راشد: سحنون في عامل أكره رجلاً على أن يدخل بيت رجل ليخرج منه متاعاً ليدفعه إليه، فأخرج له ما أمر به ودفعه إليه ثم عزل العامل، وقام رب المتاع، فله إن يأخذ بذلك من شاء منهما، فإن أخذه من المأمور رجع به المأمور على العامل، قال: وإن عزل الأمير وغاب رب المتاع، فقام المأمور وقال: أنا آخذ بالمتاع، فأغرمه لي أيها الأمير، فإنه تعدى عليه.
ابن رشد: وفي قوله (تعدى عليه) نظر، والذي يوجبه النظر أن يقضي له بتغريمه، ولا يمكن منه ويوقف لصاحبه.
وفي المبسوط عن عبد الله بن عبد الحكم وأصبغ أنه لا شيء على المأمور المكره على ذلك، ونحوه لابن سحنون قال: وإن أكره بقتل أو قطع فهو في سعة أن يأخذ ويضمن الأمير دون المأمور، وإن أبى أن يأخذ حتى قتله فهو في سعة.
وقال سحنون: إذا أكره رجل آخرَ على أن يأخذ مالاً لرجل آخر، فيرمي به في مهلكة بوعيد بقتل أو سجن أو قيد، وأذن له في ذلك ربُّه من غير إكراه فلا شيء عليه، ولا على الذي أكرهه، وإن كان ربُّه مكرهاً على الإذن في ذلك فالمكْرَه الفاعل ضامنٌ وإن كان عديماً فالضمان على الذي أكرهه ثم لا رجوع له على الفاعل إذا أيسر.
ابن عبد السلام: وظاهره أن المغصوب منه يطلب المكره أولاً، فإذا غرم لم يرجع به على المكره المباشر.
стр. 3400
وقوله: (وعَلَى مَنْ حَفَرَ بِئْراً عُدْوَاناً) تقدم، والعدوان أن يحفر في ملك غيره أو في ملكه قصداً للإهلاك، واحترز به مما لو حفرها في ملكه لمصلحة.
فَإِنْ رَدَّاهُ غَيْرُهُ فَعَلَى الْمُرْدِي تَقْدِيماً لِلْمُبَاشَرَةِ
أي: فإن (رَدَّاهُ) غير الحافر (فَعَلَى الْمُرْدِي) لأنه المباشر فكان أقوى من التسبب، وليس سبباً قوياً كالإكراه حتى يضمنا معاً كما تقدم، ولهذا لو قوي السبب كانا متعادلين؛ كما لو حفرها لإهلاك شخص بعينه، ورداه غيره، فإن كان إنساناً وجب القصاص عليهما وإن كان غيره ضمناه معاً قاله ابن رشد وابن عبد السلام.
وَلَوْ فَتَحَ قَفَصَ طَائِرٍ فَطَارَ أَوْ حَبْلَ دَابَّةٍ فَهَرَبَتْ، أَوْ قَيْدَ عَبْدٍ فَأَبِقَ ضَمِنَ
زاد في الجواهر: وسواء كان الطيران والهروب عقيب الفتح أو الحلِّ أو بعد مهلة، وكذلك السارق يترك الباب مفتوحاً وما في الدار من أحد، فيذهب منها شيء وشرط في المدونة في مسألة العبد أن يكون قيد خوف إباقه، وهو شرط ظاهر، ولو قيد لقصْدِ النَّكال بالعبد لم يجب على حلِّه منه ضمان وإنما ضمن في هذه المسائل؛ لأن فعله سبب للإتلاف.
وَمَنْ فَتَحَ بَاباً عَلَى دَوَابَّ فَذَهَبَتْ ضَمِنَ، وقِيلَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا أَهْلُهَا
الأول: مذهب أشهب، وشرط أن تكون الدواب مسرحة غير مربوطة واختاره جماعة.
والثاني: لابن القاسم في المدونة وشبهها بمسألة السارق يدع الباب مفتوحاً وأهل الدار فيها نيام أو غير نيام، فيذهب من الدار بعد ذلك شيء، أنه لا ضمان على السارق، وأما إن لم يكونوا فيها فإنه يضمن.
خليل: ويفرق لأشهب بأنا لو لم نضمنه في [٥٧٦/أ] مسألة الدواب لزم ذهاب الدواب بغير غرم لأحد، بخلاف مسألة السارق فإنا إذا لم نغرم السارق الأول غرمنا السارق الثاني، وتغريمه أولى لمباشرته، والله أعلم.
следующие страницы →