Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3641–3680 · переход к 3646.
стр. 3641
وقوله: (أَوْ بَعْضِ الْبَذْرِ وَالْعَمَلُ عَلَى الآخَرِ) هذه هي مسألة الثانية؛ أي: لو كانت الأرض من عند أحدهما مع بعض البذر وعلى الآخر العمل مع البذر، كان للعامل نسبة بذره؛ أي: قدر ما أخرجه العامل من البذر كما لو أخرج كل واحد نص البذر والزرع بينهما نصفان.
قوله: (أَوْ أَكْثَرُ) كما إذا أخرج العامل ثلث البذر وأخذ النصف؛ لأنه يكون ثلث العمل مقابلاً لثلث رب الأرض، ويبقى الثلث الآخر الذي أخرجه رب الأرض مقابلاً لعمل العامل فلا منع، وهذا معنى قوله: (جَازَ) يريد بشرط التكافؤ كما تقدم.
قوله: (وإِلا فَلا) أي: وإن لم يكن للعامل نسبة بذره ولا أكثر بل أقل امتنع كما لو أخرج العامل ثلثي البذر وأخرج رب الأرض ثلث البذر والزرع بينهما نصفان؛ لأن الثلث الزائد من العامل يصير في مقابلة الأرض جزء من البذر وهكذا قال ابن حبيب.
وَالْعَمَلُ الْمُشْتَرَطُ هُوَ الْحَرْثُ لا الْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ عَلَى الأَصَحِّ لأَنَّهُ مَجْهُولُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: وَالْحَصَادُ وَالدِّرَاسُ ..
لما ذكر المصنف أولاً العمل وكان فيه اختلاف احتاج إلى بيانه وما صححه المصنف هو قول سحنون وصححه للدليل، وكذلك قال ابن يونس والتونسي: إنه الصواب؛ لأن الحصاد والدراس مجهولان لا يدري كيف يكونان وشأنهما قد يقل ويكثر، واستشكلا ما وقع لابن القاسم في العتبية من رواية حسين بإجازة اشتراطهما، وهو الذي حكاه المصنف عنه، ونص هذه الرواية على نقل ابن يونس، وقال حسين عن ابن القاسم: فيمن أعطى لرجل أرضاً ليقلبها وينبتها فإذا كان أوان الزراع كان البذر بينهما والزرع بينهما والعمل على الداخل والحصاد والدراس، ونقل نصيب رب الأرض إليه، قال: وبين القليب والزرع شهر، فإن كانت الأرض مأمونة جاز ذلك وإن كانت غير مأمونة لم يجز، وانظر
стр. 3642
كيف منعوا هنا جواز اشتراط الحصاد والدراس، وأجازوا اشتراط عصر الزيتون على العامل في المساقاة.
خليل: والقليب: الحرث.
الجوهري: المقلب: الحديدة التي تقلب بها الأرض للزراعة.
وَالْبَذْرُ الْمُشْتَرَكُ شَرْطُهُ الْخَلْطُ كَالْمَالِ
لا حاجة إلى قوله: (الْمُشْتَرَكُ) لأن الخلط يغني عنه، ولما كان الخلط ظاهراً في عدم تمييز أحدهما عن الآخر بين أنه ليس المراد ذلك بقوله: (كَالْمَالِ) فأشار إلى ما قدمه وهو إما أن يكون تحت أيديهما أو أحدهما، وهكذا قال مالك وابن القاسم.
اللخمي: واختلف عن سحنون فقال مرة بقول مالك، وقال مرة: إنما تصح الشركة إذا خلطا الزريعة أو جمعاها في بيت واحد وحملاها إلى فدان، ونص هذا الثاني عند ابن يونس.
ومن كتاب ابن سحنون: وإذا صحت الشركة في المزارعة، وأخرجا البذر جميعاً إلا أنهما لم يخلطا فزرعا بذر هذا في فدان أو في بعضه، وزرعا الآخر في الناحية الأخرى، ولم يعملا على ذلك، فإن الشركة لا تنعقد ولكل واحد ما أنبت حبه ويتراجعان في فضل الأكرية ويتحاصان، وإنما تتم الشركة إذا خلطا ما أخرجاه من الزريعة أو جمعاه في بيت واحد، ثم زرعا الأخرى فهو جائز، كما لو جمعاها في بيت وتصح الشركة.
قال بعض فقهاء القرويين: وعند ابن القاسم إن الشركة جائز خلطاً أو لم يخلطا.
ابن عبد السلام: ولعل المصنف إنما سكت عنه لاحتمال جواز الإقدام على ذلك ابتداء، وإنه ممنوع أولاً، لكنه إذا وقع مضى وهو الظاهر من تفريعه.
стр. 3643
فَلَوْ أَخْرَجَاهُ مَعاً وَبَذَرَاهُ بَذَرَاهُ؛ وَقِيلَ: كَالْخَلْطِ؛ [٦١٢/ ب] وقِيلَ: إِنْ عُلِمَتِ النَّوَاحِي فَلِكُلِّ وَاحِدٍ نَبْتُ بَذْرِهِ وَيَتَرَاجَعَانِ فِي الأَكْرِيَةِ وَالْعَمَلِ ..
لو اشتركا في الإخراج في وقت واحد فقولان:
أولهما: أنه كالخلط وهو الجاري على قول مالك وابن القاسم.
والثاني: أن لكل واحد نبت بذره إن علمت النواحي، وهو أحد قولي سحنون.
وَعَلَى الصِّحَّةِ لَوْ لَمْ يَنْبُتْ بَذْرُ أَحَدِهِمَا، فَإِنْ غُرَّ لَمْ يَحْتَسِبْ بِبَذْرِهِ وَعَلَيْهِ مِثْلُ نِصْفِ النَّابِتِ، وإِنْ لَمْ يُغَرَّ فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُ بَذْرِ الآخَرِ، والزَّرْعُ بَيْنَهُمَا فِيهِمَا ..
أي: وعلى القول بصحة الشركة لو لم ينبت بذر أحدهما يكون الزرع بينهما لصحة العقد، وتصور كلامه ظاهر، والضمير في (فِيهِمَا) عائد على صورتي الغرور وعدمه.
ابن عبد السلام: وسكت في الرواية عن رجوع المغرور على الغار بقيمة نصف العمل، وينبغي أن يكون له الرجوع بذلك؛ لأنه غرر بالفعل.
خليل: وينبغي أن يرجع عليه بنصف قيمة كراء الأرض التي غر فيها، قيل: وهذا إذا لم يغتر عليه إلا بعد انقضاء إبان الزراعة، ولو علم ذلك في إبانها للزم الغار الضمان وعليه أن يخرج المكيلة من زريعة تنبت فيزرعها في ذلك القليب وهما شريكان، ولا غرم على الآخر للغار، وإن لم يكن غره فليخرجا قفيزاً آخر فيزرعان في القليب إن اختاراها على شركتهما.
تنبيه:
بقي على المصنف شرط آخر في البذر وهو ثالثهما جنساً، وإن أخرج أحدهما قمحاً والآخر شعيراً أو سلتا أو صنفين من القطنية، فقال سحنون: لكل واحد ما أنبت بذره ويتراجعان في الأكرية ثم قال: يجوز إن اعتدلت القيمة. اللخمي: يريد والمكيلة.
стр. 3644
وَفِي الْفَاسِدَةِ إِنْ تَكَافَأ فِي الْعَمَلِ فَبَيْنَهُمَا وَيَتَرَاجَعَانِ غَيْرَهُ
لما ذكر المزارعة الصحيحة وشروطها علم أن الفاسدة ما فقد منها شرط، ولذلك لم يحتج إلى بيان الفاسدة، وتقدير كلامه: والحكم في المزارعة الفاسدة تفسخ قبل العمل، وإن فاتت ففي المذهب طريقان: أولاهما تفصيلية وهي التي بدأ بها المصنف، وذكر منها ثلاث صور، الصورة الأولى: (إِنْ تَكَافَأ فِي الْعَمَلِ) أي: فالزرع بينهما، وذلك إذا أخرج أحدهما البذر والآخر الأرض والعمل بينهما، ولا خلاف في فسادهما لمقابلة الأرض بالبذر، فيكون الزرع بينهما.
(وَيَتَرَاجَعَانِ غَيْرَهُ) أي: غير العمل وهو البذر والأرض فيكون على صاحب البذر نصف كراء الأرض وعلى صاحب الأرض مكيلة البذر، وهكذا نقله ابن المواز عن مالك وابن القاسم، وظاهر كلام ابن حبيب أن الزرع لصاحب البذر وحده، ويكون عليه لصاحب الأرض كراء أرضه وقيمة نصف العمل؛ لأنه قال: وأصل هذا أن كل متزارعين على معادلة وقع في مزارعتهما، كراء الأرض بالبذر فافسخه واجعل الزرع لرب البذر، وكل متزارعين على غير معادلة سلماً من كراء الأرض بشيء من البذر، فاجعل الزرع بينهما نصفين، ويتراجعان في الفضل فيما سوى ذلك.
وَإِنْ كَانَ الْبَذْرُ مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا مَعَ الْعَمَلِ فَالزَّرْعُ لَهُ وَعَلَيْهِ الأُجْرَةُ
هذه الصورة الثانية وفسدت بما فسدت به الأولى؛ لأن قوله: (مِنْ عِنْدِ أَحَدِهِمَا) البذر مع العمل يقتضي أن الأرض من عند الآخر، وحينئذ يقابل الأرض جزء من البذر. (فَالزَّرْعُ لَهُ) أي: لصاحب البذر والعمل؛ لأنه اجتمع له من الثلاثة شيئان، وقدم لذلك. (وَعَلَيْهِ الأُجْرَةُ) أي: أجرة الأرض.
стр. 3645
ابن القاسم وابن حبيب: وإن أخرج أحدهما الأرض والعمل على ألآخر وجميع البذر على أنه له نصفه على رب الأرض، لم يجز شرط السلف، وإن وقع فالربح بينهما نصفين لضمانهما الزريعة، وتكافيهما في العمل وكراء الأرض، ويرجع مخرج البذر بنصفه معجلاً على الآخر، وقال سحنون: الزرع لمسلف البذر وعليه كراء الأرض، قبض رب الأرض حصته من الزريعة أو لم يقبض إذا وقعت الشركة على شرط السلف إلا أن يكون أسلف على غير شرط بعد صحة العقد.
إِنْ كَانَ الْبَذْرُ فَقَطْ مِنَ الْمَالِكِ أَوْ مِنْ أَجْنَبِي؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الزَّرْعُ لِلْعَامِلِ، وَقَالَ سُحْنُونُ: الزَّرْعُ لِرَبِّ الْبَذْرِ ثُمَّ يُقَوِّمَانِ مَا يَلْزَمُهُمَا مِنْ مَكِيلَةِ الْبَذْرِ وَأُجْرَةِ الأَرْضِ والْعَمَلِ ..
هذه هي الصورة الثالثة ودل كلامه على أنها تقع على وجهين:
الأول: أن يكون البذر من المالك أي للأرض ومن الآخر العمل.
والوجه الثاني: أن يكون البذر من أجنبي فتكون الأرض لواحد والبذر لآخر والعمل لآخر وتكون الشركة من ثلاثة أشخاص، ولا إشكال في فساد الوجه الثاني لمقابلة جزء من الأرض بجزء من البذر، وأما الوجه الأول: فقد يقال: فيه نظر؛ لأن كلام المصنف يقتضي أن سحنون يقول بفساده، والمنقول عنه فيما إذا أخرج أحدهما الأرض والبذر، وأخرج الآخر العمل وقيمة ذلك، مثل كراء الأرض جواز ذلك وعن ابن حبيب عدم جوازه.
ابن حبيب: وإن نزل فالزرع لصاحب الأرض والبذر والبقر وعليه للآخر قيمة عمل يده، وكأنه آجره بنصف ما تنبت أرضه اللهم إلا أن يقال: إن مراد المصنف إذا وقعت الشركة بينهما على التفاضل.
стр. 3646
وقوله: (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الزَّرْعُ لِلْعَامِلِ) يعني: في الوجهين، وهو ظاهر قول مالك وابن القاسم في الموازية، ونص ما نقله ابن يونس: قال ابن المواز: ومن قول مالك وابن القاسم: إن الزرع كله في فساد الشركة لمن تولى القيام به كان مخرج البذر صاحب الأرض أو غيره، وعليه إن كان هو مخرج البذر له كراء أرض صاحبه، وإن كان صاحبه مخرج البذر فعلي له مثل بذره، وهكذا نقل [٦١٣/ أ] الشيخ أبو محمد هذا القول، واعترض القرويون على أبي محمد ما نقله عن ابن القاسم أنه لصاحب العمل، وقالوا: لم نجد لابن القاسم أن الزرع للعامل دون أن يضاف إليه.
وقوله: (وَقَالَ سُحْنُونُ: الزَّرْعُ لِرَبِّ الْبَذْرِ) ظاهره أيضاً في الوجهين، وهذا القول رواه ابن غانم عن مالك أن الزرع لصاحب الزريعة وعليه قيمة كراء الأرض والعمل.
ابن حبيب: وبه قال من المدنيين مطرف وابن الماجشون وابن نافع، ومن المصريين ابن وهب وابن عبد الحكم وأصبغ، ولم أر النص عن سحنون إلا في الوجه الأول، وهذا إذا كان البذر من عند رب الأرض، قال ابن يونس: نقل عنه أن الزرع لرب البذر، وذكر عنه أيضاً صورة أخرى فقال: قال سحنون: وإذا اشترك ثلاثة فأخرج أحدهم الأرض ونصف البذر، والآخر نصف البذر فقط، والثالث البقر والعمل على أن الزرع بينهم أثلاثاً لم يجز، فإن نزل فالزرع على مذهب ابن القاسم بين العامل ورب الأرض، ويغرمان لمخرج نصف البذر مكيلة بذره.
ومذهب سحنون أن الزرع لصاحبي الزريعة وعليهما كراء الأرض والعمل، وقال ابن حبيب: قد أخطأ والزرع بينهم أثلاثاً، والذي ذكر ابن المواز على أصل ابن القاسم أن الزرع لمن ولي العمل إذا سلمت الأرض إليه فيؤدي مثل البذر لمخرجه، وكراء الأرض لربها. انتهى.
стр. 3647
قوله: (ثُمَّ يُقَوِّمَانِ) هو من القيام وهو معنى الغرم والضمير المثنى عائد على صاحب الأرض والعامل وهذا مرتب على قول ابن القاسم وسحنون أي فعلى قول ابن القاسم أن الزرع للعامل يكون عليه كراء الأرض ومثل البذر إذا كان من غيره وعلى قول سحنون أن الزرع لصاحب البذر وتكون عليه قيمة العمل وكراء الأرض إن كانت لغيره، ولما فرغ ﵀ من الطريق التفصيلية شرع في الإجمالية فقال:
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: فِي الْفَاسِدَةِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ:
الأَوَّلُ: لِصَاحِبِ الْبَذْرِ.
الثَّانِي: لِلْعَامِلِ
الثَّالِثُ: لِمَنْ لَهُ اثْنَانِ مِنَ الأَرْضِ وَالْبَذْرِ والْعَمَلِ.
الرَّابِعُ: لِمَنْ لَهُ الْبَقَرُ والأَرْضِ والْعَمَلِ.
الْخَامِسُ: لِمَنْ اجْتَمَعَ لَهُ شَيْئَانِ مِنَ الأَرْبَعَةِ.
السَّادِسُ: إِنْ سَلِمَتْ مِنْ كِرَاءِ الأَرْضِ بِمَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَعَلَى مَا شَرَطُوهُ وَإِلا فَلِصَاحِبِ الْبَذْرِ.
(الْبَاجِيُّ) هو ابن رشد وقد تقدم في الطلاق سبب ذلك وهذه الطريقة ذكرها في المقدمات فقال: واختلف في المزارعة الفاسدة إذا وقعت وفاتت بالعمل على ستة أقوال:
أحدها: أن الزرع لصاحب البذر ويؤدي لأصحابه كراء ما أخرجوه.
والثاني: أن الزرع لصاحب العمل وهو تأويل ابن أبي زيد عن ابن القاسم فيما حكى عنه ابن المواز.
стр. 3648
والثالث: لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة وهي البذور والأرض والعمل فإن كانوا ثلاثة واجتمع لكل واحد منهم شيئان منها أو انفرد كل واحد منهم بشيء منها فالزرع بينهم أثلاثاً وإن اجتمع لأحدهم شيئان دون أصحابه كان له الزرع دونهم، وهو مذهب ابن القاسم واختيار ابن المواز على ما تأول أبو إسحاق التونسي.
والرابع: أنه يكون لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة أشياء على هذا الترتيب وهي الأرض، والعمل، والبقر.
والخامس: أن يكون لمن اجتمع له شيئان من اربعة أشياء على هذا الترتيب وهي: الذر، والأرض، والعمل، والبقر.
والسادس: قول ابن حبيب: إن الفساد أن سلم من كراء الأرض بما يخرج منها كان الزرع بينهم فالزرع على ما اشترطوه وتعادلوا في ما أخرجوه.
وإن دخله كراء الأرض بما يخرج منها فالزرع لصاحب البذر.
وعلى هذا فقول المصنف في القول الرابع: (لِمَنْ لَهُ الْبَقَرُ والأَرْضِ والْعَمَلِ) ليس بجيد وصوابه "لمن له اثنان من الأرض والبقر والعمل" وكذلك الخامس صوابه أن يقول: "لمن اجتمع له شيئان من البذر والبقر والأرض والعمل" ولا يقال كلام المصنف غير صحيح من حيث المعنى؛ لأنه إذا اجتمع لواحد أربعة فماذا يكون للآخر؛ لأنه لا يلزم من كون الأربعة لواحد أن يكون جميعها له فمن الجائز أن يكون معه شريك في بعضها وفي كلها ألا ترى إلى القول الثالث في كلام ابن رشد.
стр. 3649
الإِجَارَةُ
الجوهري: الأجر: الثواب، آجره الله، يأجره أجراً. وكذلك آجره الله إيجاراً أو آجر فلان خمسة من ولده، أي: ماتوا فصاروا أجرة. والأجرة: الكراء، يقال: استأجر الرجل فهو يأجرني أي يصير أجري، قال تعالى: أن تأجرني ثماني حجج. انتهى.
فحكى في الفعل: القصر والمد، وأنكر الأصمعي المد.
عياض: وهو صحيح. فقد نقل اللغتين غير واحد.
(الإِجَارَةُ): منافع معلومة، وهي مأخوذة من الأجر وهو الثواب.
كَالْبَيْعِ فِيمَا يَحِلُّ وَيَحْرُمُ لَهَا أَرْكَان
يعني: أن كل ما يصح بيعه جازت إجارته، وما ليس فليس، لأن الإجارة بيع منافع، ولا فرق بين بيع المنافع والأعيان، وهكذا قال عياض.
وهي معاوضة صحيحة يجري فيها ما يجري في البيوع من الحلال والحرام.
الأَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ كَالْمُتَبَايِعْيَنِ
يعني: العاقدان للإجارة فأشار إلى أن للإجارة أركان.
(أَوَّلُ: الْعَاقِدَانِ كَالْمُتَبَايِعْيَنِ) شرطهما التمييز وقيل: إلا السكران. والتكليف شرط اللزوم، والإسلام شرط المصحف والمسلم، واقتضى تشبيهه أنه لو آجر الصبي نفسه لكان للولي إمضاؤه وفسخه، وقد نص في المدونة على ذلك، وكذلك المعين.
قال في المدونة: فإن فعلا، فعليه الأكثر مما سماه، وأجرة المثل.
ابن راشد: وللسفيه البالغ أن يؤاجر نفسه على ظاهر المذهب، فإن كان في أجره محاباة فلوليه [٦١٣/ ب] النظر في ذلك.
стр. 3650
قال مطرف وابن الماجشون: لا بأس أن يستأجر الرجل الغلام لم يبلغ الحلم، والجارية لم تحض، من أنفسهما إذا عقلا وكان ما فعلوه نظراً، ويدفع إجارتهما إليهما، ويبرأ بذلك الدافع ما لم يكن شيء له بال. وما كان في إجارتهما من محاباة فعلى المستأجر إتمامها، كان معهما ولي أم لا، وكذلك إذا عقد عليما أخ أو عم. يجوز في ذلك ما يجوز إذا عقداه، ويبرأ بذلك إذا كان الولي مأموناً، وإن كان ولياً من الإمام كان أحب إلينا. وقال ابن عبد الحكم وأصبغ لا يؤاجر إلا المأمون.
وهكذا نقل صاحب النوادر وغيره، وذكر بعض على هذا الموضع أنه لا يجوز لهما أن يعقدا على أنفسهما عند ابن القاسم، وأنه إنما يعقد عليهما عنده والوصي أو مقدم القاضي.
الأُجْرَةُ كَالثَّمَنِ
هذا هو الركن الثاني، ومعنى كلامه: أن ما جاز أن يكون ثمناً، جاز أن يكون أجرة، وحاصله: أنه يشترط في الأجرة ما قدمه في المعقود عليه في البيع أن يكون طاهراً، منتفعاً به، مقدوراً على تسليمه، معلوماً. وهذه الكلية لا ينخرم إلا بكراء الأرض مما يخرج منها، لأن الطعام يصح أن يكون ثمناً، ولا يصح أن يكون أجرة بالنسبة إلى الأرض.
وأجاب ابن عبد السلام: بأن مراده، أن كل ما هو صالح للتنمية من حيث هو في البيع، فهو صالح لأن يكون عوضاً في الإجارة، إلا أن يعرض بذلك مانع من الموانع. ألا ترى أنه لا يصلح الاعتراض بالثمرة مثلاً على المعقود عليه، من جهة أنه لا تصلح المعاوضة بينه وبين الرطب، وأيضاً فالمانع من كون الطعام إجارة، ما يؤدي إليه، إما من الربا، وإما من المزابنة باعتبار ما يخرج من الأرض.
وأجاب غيره بأن المصنف قد استثناه بعد الأرض.
стр. 3651
فإن قيل: كلامه منتقض بما أجازه ابن القاسم في العتبية في الخياط المخالف الذي لا يكاد يخالف مستخيطه أن يراضيه على أجرة إذا فرغ، فإنه يدل على عدم اشتراط المعلومية.
قيل: هذه صورة نادرة، فلا تقدم على أن ابن حبيب قال: لا ينبغي أن يستعمله حتى يسمي أجرته.
وَلا تُتَعَجَّلُ إِلا بَشَرْطٍ أَوْ عَادَةٍ إِلا أَنْ يَكُونَ عَرْضاً مُعَيَّناً أَوْ عَلَى إِجَارَةٍ مَضْمُونَةٍ
إنما لم تتعجل الإجارة، لأن عوضها غير معجل بخلاف البيع.
ولو قال: إلا أن تكون عرضاً معيناً أو تكون الإجارة مضمونة كما في الجواهر لكان أبين، ولا إشكال في لزوم التقديم مع الشرط أو العادة. ولزوم التقديم في العقد المعين، لئلا يؤدي إلى بيع معين يتأخر قبضه وما في الإجارة المضمونة؛ لئلا يلزم الدين بالدين كالسلم، وقيد ذلك في الموازية بألا يشرع، وأما لو شرع في الركوب لجاز التأخير.
وكذلك قال عبد الوهاب؛ أي: لأن قبض الأوائل كقبض الأواخر، فلا يلزم الدين بالدين.
قال في المقمات: قال عبد الوهاب: يجب في المضمونة تعجيل أحد الطرفين من الأجرة، والشروع في الاستيفاء، يريد إذا كان العمل يسيراً ليخرج من الدين بالدين وقيد ما قال غيره بأن يكون العمل يسيراً.
وما ذكره المصنف من لزوم التقديم إذا كان الكراء مضموناً، نص عليه مالك، وهو الأصل لما تقدم، لكن اختلف في ذلك في الكراء المضمون؛ أي: الحج ونحوه بسبب ضرورة عارضت ذلك.
ففي الموازية عن مالك في من تكارى كراءً مضموناً إلى أجل، مثل الحج في غير إبانه فلا يجوز أن يؤخر النقد، ولكن يعجل الدنانير ونحوها. وكان يقول: لا ينبغي إلا أن ينقد
стр. 3652
مثل ثلث الكراء، ثم رجع فقال: قد اقتطع الأكرياء أموال الناس، فلا بأس أن يؤخرهم بالنقد، ويقدموهم بالدنانير وشبهه.
تنبيه:
قيد في الجواهر الطعام بأن يكون رطبا، وتبع في ذلك صاحب التلقين.
والظاهر أنه لا فرق بين الطعام الرطب واليابس؛ لأنه بيع عين يتأخر قبضه فيهما، نعم الغرر في الرطب أقوى، وفي بعض النسخ بعد قوله: (مُعَيَّناً أَوْ طَعَاماً وَشِبْهَهُ)
وَمَنَافِعُ الْعَيْنِ كَالْعيْنِ
أي: الأجرة تصح بمنفعة العين كالعين. ومراده بـ (الْعَيْنِ) المعين؛ أي: الابة التي تقابل المنفعة، ويدل عليه إضافة المنافع إليه.
وَلِذَلِكَ جَازَ سُكْنى بِسُكْنَى، أَوَّلُهُمَا مُتَّفِقُ أَوْ مُخْتَلِفُ
اللام: للتعليل؛ أي: ولأجل أن منافع العين كالعين، جاز أن تكون سكناً عوض السكنى، ولو كانت منافعا لذات كالمنافع المضمونة، لم يجز ذلك، وخصص السكنى لأنها الواقعة في الرواية، وإلا فلا فرق في ذلك بين العبد والدابة والأرض.
وَإِنْ لَمْ يَكُنْ شَرْطُ وَلا عَادَةُ أَخَذَ مُيَاوَمَةُ
هكذا نقل صاحب الجواهر وغيره عن ابن القصار.
ومعنى (مُيَاوَمَةُ) أي: كل ما تمكن من استيفاء منفعة وما لزمه أجرته، لأنه المسكن وظاهر كلام المؤلف يتناول المنافع، بالأجرة حقيقة في العرف مقصورة عليها، والمذهب أن الصانع لا يستحق الأجرة عند الإطلاق، إلا بعد تمام العمل.
стр. 3653
نعم خرج بعض الشيوخ على قول ابن المواز، في الصانع يضمن المصنوع بصيغته، ويأخذ الأجرة بكمالها، أن يكون حكمه عند التنازع في قبض الأجرة حكم مكري الراحلة، مهما عمل شيئاً أخذ بحسابه.
فَإِنْ كَانَ عَلَى عَرْضٍ مُعَيَّنٍ وَالْعُرْفُ التَّأخِيرُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: فَسَدَ الْعَقْدُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: يَصِحُّ وَيُعَجَّلُ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الإِطْلاقَ يُحْمَلُ عَلَى الْعُرْفِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْفَسَادِ أَوَّلاً ..
(فَسَدَ الْعَقْدُ) أي إلا أن يشترط التعجيل.
وقال غيره: يصح ويجبر على التعجيل؛ وهو معنى قوله: (وَيُعَجَّلُ) والبناء الذي ذكره المصنف ذكره الأستاذ أبو [٦١٤/ أ] بكر، فقال: وهذا أصل مختلف فيه بين ابن القاسم والمدنيين.
فعند ابن القاسم: يحمل الإطلاق على العرف، فإن كان العرف فاسداً.
وعند ابن الماجشون وغيره من المدنيين: لا حكم للعرف الفاسد، وإنما التأثير للعرف الصحيح.
ووجه قول الغير؛ أن الحمل على الفساد خلاف قصد المتبايعين لأنهما قاصدان لانبرام العقد. ونوقش المصنف في تخصيص الخلاف هنا إذا كان العرف التأخير.
وإن مذهب ابن القاسم في كراء الرواحل الفساد إذا لم يكن العرف التقديم، سواء كان العرف التأخير أو لم يكن عرف وكانوا يتبايعون بالوجهين.
وابن حبيب يصحح في الوجهين، صرح بذلك اللخمي وابن يونس وغيرهما، وعلله ابن يونس بأنه إذا لم يكن ثم عرف من قاعدة ابن القاسم عدم تعجيل الأجرة فكان ذلك الشرط التأجيل والدنانير والدراهم إذا كانت أيضاً معينة حكمها حكم العرض.
стр. 3654
نص على ذلك في المدونة، ففيها وقال غيره في الدنانير جائز وإن تلفت فعليه الضمان وعلى هذا، ففي قول المصنف: عرض معين، قصور، وفي بعض النسخ وهو أحسن.
وَلَوِ اسْتَاجَرَ السَّلاَّخَ بِالْجِلْدِ، وَالنَّسَّاجَ بِجُزْءِ مِنْ الثَّوْبِ، وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ لَمْ يَجُزْ ..
لما ذكر أن الأجرة كالثمن فلا يجوز فيها الجهالة ذكر صوراً ممنوعة لذلك.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه في الجلد أنه لا فرق بين أن تكون الشاة مذبوحة أو حية، وهو كذلك إذ لا يدري كيف يخرج بعد السلخ.
خليل: وقد تقدم في بيع الجلود على ظهور الخرفان في البيوع ستة أقوال ينبغي أن تأتي هنا، واستقرأ من المدونة جواز بيع الجلد من إجازته بيع السباع حية لأخذ جلودها.
وقد يقال: السباع لما لم تؤكل، إما على طريق المنع أو الكراهة، لم يكن المقصود فيها إلا الجلد، فيحتاط له بخلاف هنا، فإن اللحم مقصود أيضاً، فلذلك قد لا يحاول على الجلد، وذلك سبب إلى قطعه في مواضع.
قوله: (وَالنَّسَّاجَ بِجُزْءِ مِنْ الثَّوْبِ) علله في المدونة بالجهالة.
قال: لأنه لا يدري كيف يخرج، ولأن ما لا يجوز بيعه، لا يجوز أن يستأجر به.
قال فيها: ولو قلت له: انسج لي هذا الغزل بغزل آخر، عجلته له جاز، ولإجارة الإجارة بجزء من الغزل قال المصنف: (مِنْ الثَّوْبِ) ليخرج هذه الصورة.
ابن حبيب: ويجوز إذا أعطاه الغزل على جزء ولم يبين هل هو من الثوب أو من الغزل؟
خليل: وأصل ابن القاسم هنا المنع.
فرع:
فإذا وقعت المسألة على ما قاله المصنف، أصبغ: فله أجر مثله والثوب والجلد لربها.
стр. 3655
ابن عبد السلام: يريد أصبغ، أنه لم يحصل النصف الآخر وعليه أجرة وعليه أجرة المثل في دباغة الجميع، أما لو دفع إليه نصف الجلود قبل الدبغ على أن يدفعها مجتمعة، فأفاتها بالدباغ، فله نصفها بقيمتها يوم قبضها، وله أجر عمله في نصفها للتحجير في نصف الدابغ، وهذا أبين.
وأشار بعضهم إلى أنه يختلف في ضمان الصانع لنصفها في هذا الوجه الأخير إذا شرع في دباغها، ويختلف في فواتها بالشروع أيضاً، لأن قبضه لها ليس قبضاً حقيقياً، لكونه غير متمكن من الانتفاع بما قبضه.
قوله: (وَالطَّحَّانَ بِالنُّخَالَةِ) أي: للجهالة بقدرها.
خليل: وعلى هذا، فلا يجوز ما يفعل عندنا بمصر في طحن العامة، لأنهم يعطون للطحان أجرة معلومة والنخالة وهي مجهولة، وانظر لو آجره بصاع من النخالة، هل يجوز؟ لأن النخالة لا تختلف أو يختلف فيها كما في صاع دقيق.
ابن عبد السلام: والنفس أميل إليه لأن من الطحن ما تخرج نخالته كثيرة الأجزاء، ومنه ما لا تخرج كذلك. وإلى مسألة صاع من دقيق أشار بقوله:
وَفِي صَاعٍ دَقِيقٍ قَوْلانِ
من الجواز مذهب المدونة ففيها: ولا بأس أن يؤاجره على طحن إردب قمح بدرهم وبقفيز من دقيقه، إذ ما جاز بيعه، جازت الإجارة فيه، وإن واجرته بطحنه لك بدرهم وبقسط من زيت زيتون قبل أن يطحن جاز ذلك.
والمنع لابن القاسم في الواضحة وابن المواز.
اللخمي: ولا وجه له، وصوب غيره أيضاً الجواز، فكأنهم لم يرتضوا بتفرقة ابن المواز بين البيع والإجارة، أنه إنما جاز في البيع، لأن المبيع إذا هلك رجع المبتاع بثمنه، وفي الإجازة إذا طحن وهلك ذهب عمله باطلاً؛ لأنه ليس بمضمون على ربه ولو ضمنه كان فاسداً؛ أي: لأنه كمن اشترى معيناً، وشرط على البائع ضمانه.
стр. 3656
وأجاب ابن حيبب عن هذا بأنه إذا ضاع بعد الطحن، رجع بقيمة طحنه كما يرجع من اشترى ثوباً بعبد فاستحق الثوب من يده فإنه يرجع في عبده إن كان قائماً، فإن فات رجع بقيمته.
بعض القرويين: وهذا إذا كان غير صانع، وأما إن كان صانعاً وثبت ضياع الدقيق بعد طحنه، فلا أجرة له على مذهب المدونة، لأنه لم يوف الصنعة إلى يد ربه.
وعلى ما في الموازية أن ضمان الصنعة إذا ثبت ضياع الدقيق من صاحبه، ينظر قيمة القفيز الذي شرطه الصانع لنفسه، فإن كان درهماً، وقد طحنه بقفيز ودرهم، رجع بنصف إجارة مثله.
وقال اللخمي: إن ضاع القمح، يعني: وفرعنا على المشهور وكان ذلك قبل الطحن وكان الدرهم مساوياً لقيمة صاع الدقيق أو أكثر انفسخت الإجارة فيما ينوب الصاع، لأنه عرض بعرض ولم ينفسخ فيما ينوب الدرهم وعلى رب القمح أن يأتي بمثل ذلك ويطحنه له وإن لم يعلم الضياع إلا من الأجير، فرأى ابن القاسم مرة أنه غيبه فلزمه أن يغرمه ويطحن جميعه ويأخذ [٦١٤/ ب] الصاع منه ومرة لم يبلغ أنه غيبه حقيقة فيحلف على ضياعه ويغرمه ولا يطحن إلا ما قابل الدرهم. قال: وإن طحنه ثم ادعى ضياعه، لم يصدق، وغرمه مطحوناً، واستوفى منه الصاع واختلف إن شهدت البينة على ضياعه.
فقال ابن القاسم: لا ضمان عليه ولا أجر.
فعلى هذا يأتي ربه بطعام ويطحن الأجير ما ينوب الدرهم بمنزلة ما لم ثيطحن وقيل له الأجرة، فيأخذ الدرهم، وإجارة المثل فيما ينوب الصاع.
ابن حبيب: ولا يجوز اطحنه على أن لك نصفه دقيقاً، لأنه جعل بغرر والأول إجارة بشيء معلوم.
стр. 3657
وَلَوْ أَرْضَعَتْهُ بِجُزْءٍ مِنَ الرَّضِيعِ الرَّقِيقِ بَعْدَ الْفِطَامِ لَمْ يَجُزْ
أي: ولو أرضعت الرقيق، فحذف المفعول لدلالة ما بعده (بِجُزْءٍ) أي: بنصف أو ثلث أو غير ذلك لم يجز لأنه معين يتأخر قبضه.
ومفهوم قوله: (بَعْدَ الْفِطَامِ) أنه لو كان على أن يأخذ النصف الآن لجاز، وهو ظاهر من جهة المعنى لانتفاء ما فرض مانعاً.
لكن ظاهر المدونة خلافه ففيها: ومن واجرته على تعليم عبدك الكتابة والقرىن سنة وله نصفه لم يجز، إذ لا يقدر على قبض باقيه قبل السنة.
وصرح الشيخ أبو محمد بذلك، فقال ولو قبض المعلم نصفه الآن، لم يجز. قال: فإن وقع وشرط قبض نصفه بعد السنة، فسخ، فإن فات وعلمه سنة ولم يفت العبد، فله قيمة تعليمه والعبد لسيده. فإن فات بعد السنة بيد المعلم، فالعبد بينهما وعلى ربه قيمة تعليمه وعليه نصف قيمة العبد يوم قبضه ويكون بينهما.
وَتَعْلِيمُهُ بِعَمَلِهِ سَنَةً مِنْ يَوْمِ أَخْذِهِ جَازَ
مثله في المدونة، ففيها: وإن دفعت غلاماً إلى خياط أو قصار أو غيره ليعلمه ذلك العمل بعمل الغلام سنة، جاز.
يحيى بن عمر: والسنة محسوبة من يوم أخذه.
وهذا معنى قوله: (أَخْذِهِ) وقال غيره في المدونة: يجوز بأجر معلوم.
وَاحْصُدْ زَرْعِي وَلَكَ نِصْفُهُ يَجُوزُ.
(وَاحْصُدْ) بكسر الصاد وضمها.
قال في المدونة: ومن قال لرجل: احصد زرعي ولك نصفه، أو جذ نخلتي ولك نصفها، جاز وليس له تركه؛ لأنها إجارة، وكذلك لقط الزيتون، وهو كبيع نصفه.
стр. 3658
زاد بعض المختصرين: وقال غيره: لا يجوز؛ والأقرب الجواز، لاسيما إن قلنا أنه ملك نصفه قبل العمل.
عياض: وهو الذي يأتي على أصولهم أنه يجب بالعقد.
ابن حبيب: والعمل في تهذيبه بينهما.
ابن يونس: ولو شرط في الزرع قسمه حباً، لم يجز وإن كان إنما يجب له بالحصاد، فجائز وكذلك في كتاب ابن سحنون، ولا تجوز قسمته قتة لأنه خطر ويدخله التفاضل وما ذكره عبد الحق من منع قسمته غرماً أصل مختلف فيه في الربويات وغيرها واعترض منع اشتراط قسمته حباً، لأنه شرط يوافق مقتضى العقد، لأن الأجير لا يستحقه إلا بعد عمله، وحينئذ لا يتمكن من أخذ نصيبه إلا مجزفاً.
وأجيب بمنع أنه لا يملكه إلا بعد الحصاد فقد قال ابن القاسم: إذا تلف قبل أن يحصده أو بعد أن حصد بعضه، هو بينهما، وعليه أن يستعمله في مثله، أو مثل ما بقي.
وقال سحنون: عليه مثل نصف قيمة الزرع، وليس أن يحصد مثله.
اللخمي: يريد إذا كان تلفه قبل الحصاد ولا يتعذر الخلف وقيد قول سحنون بما إذا تعذر الخلف. وعلله يحيى بن عمر بأن الزرع يختلف وظاهره خلاف، وعلى ما تأوله اللخمي عليه، فقد اتفق القولان على أن ملك نصيبه في الزرع قبل العمل؛ لأن سحنوناً إنما أوجب له القيمة لتعذر الخلف.
وَمَا حَصَدْتَ فَلَكَ نِصْفُهُ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجُوزُ وَهِيَ جِعَالَةُ وَلَهُ التَّرْكُ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لا يَجُوزُ ..
هكذا في المدونة سواء، والقولان لمالك في الموازية؛ لأن محمداً قال: اختلف قول مالك في قوله: فما لقطت من شيء فلك نصفه وثلثه. وقال مرة: لا خير فيه وكما لا يجوز
стр. 3659
بيعه، لا تجوز الإجارة به. وقال أيضاً: لا بأس به لأنه من الجعل لا من الإجارة بمنزلة من قال لرجل: لي على فلان مائة دينار، فما أقضيت من شيء فلك نصفه، فإذا علم كم الدين وكم الزرع لم يكن له بأس ومتى شاء أن يترك ترك، لأنه جعل، وإن لم يعلم كم الدين أو الزرع، لم يكن فيه حرج.
وعلى هذا الخلاف إنما هو في تحقيق المسألة، هل هي من باب الجعل، أو الإجارة؟ فمن ردها إلى الجعل أجاز ومن ردها إلى الإجارة منع والله أعلم.
وَاحْصُدِ الْيَوْمَ وَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ، وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ فُهْمَتِ الْجِعَالَةُ
اعلم أنه إذاقال له: احصد اليوم ولك نصفه؛ إن فهمت الإجارة واللزوم امتنع باتفاق؛ نقله ابن عبد السلام وغيره وإنما الخلاف إذا قال على أن يترك متى شاء وعلى هذا ففي كلام المصنف نظر؛ لأن قوله: (وَقِيلَ) يقتضي أن القول الثاني شاذ، وليس كذلك، بل هو مذهب المدونة، ففيها: وإن قال له: احصد اليوم أو التقط فما اجتمع فلك نصفه؛ فلا خير فيه، إذ لا يجوز بيع ما يحصد اليوم، إلا أن يشترط أن يترك ما شاء فيجوز وعلى هذا ففي قول المصنف: (إِنْ فُهْمَتِ) نظر؛ لأن الفهم أعم من التصريح والخلاف إنما هو إذا صرح بترك العمل متى شاء ففي المدونة الجواز كما رأيته ونص في العتبية على المنع ولو منع التصريح بالترك متى شاء وما في المدونة صواب.
فإن قيل: كيف هو أصوب مع أن الجعل لا يجوز فيه ضرب الأجل؟
قيل: لما صرح بالترك متى شاء، لم يبق أجل البتة وشبهه في العتبية بالتقاضي: تقاضي مالي شهراً ولك نصفه، أو ما تقاضيت فلك بحسابه [٦١٥/ أ] ومتى شئت أن تخرج فهذا لا يجوز إذا لم يتم الشهر. ولو تقاضيا شيئاً ذهب عناؤه باطلاً.
стр. 3660
وفرق ابن يونس بأن الإسقاط بيد لا مانع له منه والدين قد يلدد فيه الغريم حتى يذهب الأجل ولم يتناقض شيئاً وحمل ابن عبد السلام كلام المصنف على أنه تكلم على مسألتين:
الأولى: انتهت عند قوله: (لَمْ يَجُزْ) أي: باتفاق، وقيل: يجوز؛ إن فهمت الجعالة وفهم من قوله: (وَقِيلَ: يَجُوزُ إِنْ فُهْمَتِ) قولاً آخر بالمنع وفيه تعسف.
وَانْفُضْ زَيْتُونِي فَمَا سَقَطَ فَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ
قال في المدونة: وإن قال له: انفض شجري، أو حركها فما نفضت أو سقط فلك نصفه، لم يجز لأنه مجهول، لأنه لا يدري ما يسقط.
ابن يونس: ولو قال: انفضه كله ولك نصفه، جاز.
خليل: ولو قال: القط، فما التقطت من شيء فلك نصفه، فإنه جائز ووجهه ما تقدم إذا قال: فما حصدت من شيء فلك نصفه على مذهب ابن القاسم. انتهى.
واتفق على الجواز في اللقط وعلى المنع في التحريك واختلف في النفض وجعله ابن القاسم كالتحريك وجعله ابن حبيب كاللقط.
ابن القصار: معناه النفض باليد وأما النفض بالقضيب فهو كالحصاد وهو بعيد، لأن النفض باليد غير معتاد.
وَاعْصِرْ زَيْتُونِي فَمَا خَرَجَ فَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ
وهكذا قال في المدونة: لو قال اعصر زيتوني أو جلجلاني فما عصرت فلك نصفه.
ونص ابن حبيب على الجواز إذا قال: اعصر زيتوني، واحصد زرعي واطحن هذا الحب ولك نصفه، قال: وهو محمول على أنه ملك نصف الأرض حتى يصرح بخلافه.
стр. 3661
ابن عبد السلام: وهذا على النظر في العقد إذا احتمل الصحة والفساد على ما تقدم، وتقدم أن أصل ابن القاسم المنع فلا يبعد أن يمنع ما أجاز ابن حبيب هنا.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَلَوْ قَالَ: احْصُدْهُ وَادْرُسْهُ وَلَكَ نِصْفُهُ لَمْ يَجُزْ، كَمَا لَوْ بَاعَهُ زَرْعاً يَابِساً عَلَى أَنْ يَحُصُدَهُ وَيَدْرُسَهُ؛ لأَنَّهُ بَيْعُ حَبَّ جُزَافاً لَمْ يُعَايَنْ، بَعْدَ الْفِطَامِ ..
لما تكلم على الحصاد تكلم عى ما انضم إليه عمل آخر وهو الدراس.
فقال ابن القاسم في المدونة: لا يجوز ذلك، لأنه استأجره بنصف ما يخرج من الحب، لأنه لا يدري كيف يخرج كما لو باعه حباً جزافا وقد يبس على أن حصاده ودراسه وتذريته عليه، فإنه لمي جز، لأنه اشترى حباً لم يعاين تصييره. نقله ابن يونس في سماع أشهب عن مالك في من طاب زرعه وحل بيعه، فقال لرجل: احصده وادرسه على النصف لا بأس وإليه أشار بقوله: (وَقِيلَ: يَجُوزُ).
وهو كما ذهب إليه ابن حبيب، أن ذلك محمول على أن له النصف الآن، على أن يحصد النصف الآخر ويدرسه لربه.
وحمله اللخمي على أنه اختلاف سؤال، لأن لفظ المدونة: ولك نصف ما يخرج؛ فمقتضاه أن حصاد الجميع ودراسه على ملك صاحبه ويكون له نصف ما يخرج وذلك مجهول.
والذي في العتبية إنما هو إذا قال على النصف، ولم يقل نصف ما يخرج، فكان له النصف على هيئته وهو شريك، وعلى هذا فنقل المصنف القول الثاني ليس بظاهر لأنه لم يذكر لفظه فيوهم أنه لفظ المدونة.
خليل: لكن الظاهر هنا الحمل على الخلاف، لأن قوله: (وَلَكَ النِصْفُ) محتمل للنصف من الآن ومحتمل لما يخرج وقاعدة ابن القاسم أن ذلك فاسد وحينئذٍ فلا فرق بين: "فلك نصف ما يخرج" وبين: (وَلَكَ النِصْفُ) والله أعلم.
стр. 3662
فإن قيل: لم نسب هذه المسألة لابن القاسم دون المسائل التي قبلها، مع أن الكل في المدونة؟
قيل: أجاب عن ذلك ابن عبد السلام قال لعله لابن القاسم قاس مسألة البيع مع إمكان بينهما بأن متولي العمل في الإجارة هو المشتري فكأنه ملكه من الآن بخلاف البيع فإن متولي العمل هو البائع فكأن للمشتري ما ملك إلا ما يخرج وهو جزاف غير مرئي فلهذا تبرأ المصنف من عهدته بنسبته إلى ابن القاسم.
ورد بأن المعروف من عادته فيما يتبرأ منه، هو ما كان منسوباً إليهم ويعبر عنه بـ"قالوا" لا إلى واحد، والظاهر أنه نسبه إليه لوقوع الخلاف فيه فأراد أن يرجح القول الأول بنسبته له.
ابن القاسم: ولو قال ذو شجرتين فقد طابت لرجل: احرصها واجنها ولك نصفها، لا بأس بذلك؛ لأنه لا بأس أن يكره نفسه بما يحل بيعه.
وَاعْمَلْ عَلَى دَابَّتِي فَمَا حَصَلَ فَلَكَ نِصْفُ ثَمَنِهِ أَوْ أُجْرَتِهِ: لا تَجُوزُ بِخِلافِ الْحَطَبِ أَوِ الْمَاءِ ..
يعني: أن من دفع دابته لرجل على أن لقابضها نصف ثمن ما يحتطب عليها، أو نصف أجرة ما يحمل عليها لغيره، فإن ذلك لا يجوز لجهالة الأجرة، بخلاف نصف الحطب والماء؛ أي: نصف كل نقلة، لأنه معلوم.
محمد: وكذلك لي نقلة ولك نقلة، فإنه جائز.
فَإِنْ نَزَلَ فَاسِداً فَثَالِثُهَا: أَنَّ مَنْ قَالَ: وَلَكَ النِّصْفُ عَلَيْهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ
ذكر للمسألتين وجهين الصحة والفساد، بين حكم الفاسدة وذكر فيها ثلاثة أقوال:
стр. 3663
الأول: أن الكسب للعامل وعليه أجرة المثل، سواء قال هو لك النصف، أو قاله صاحبها وسواء قال: اعمل لي أو لم يقل.
الثاني: أن الإجارة في ذلك للعامل وعليه كراء الدابة.
الثالث: الفرق إن قال ربها: اعمل ولك النصف فالكسب كله لربها وعليه كراء العامل وإن قال العالم أعطني دابتك أعمل عليها ولك النصف، فله الكسب كله وعليه أجرة [٦١٥/ ب] المثل في الدابة.
والأول هو مذهب المدونة ففيها: وإن أعطيت الدابة أو السفينة أو الإبل ليعمل عليها على أن ما أصابت بينكما لم يجز؛ فإن عمل عليها فالكسب للعامل، وعليه كراء المثل هنا ما بلغ وكأنه اكترى ذلك كراءً فاسداً.
اللخمي: واختلف إذا قال: اعمل عليها، فقال ابن القاسم في رواية الدباغ: ما كسب عليها للعامل وعليه إجارتها كالأول، وقال ابن الجلاب: ما كسب عليها لصاحبها، لقوله: اعمل لي، وللعامل إجارة المثل.
والقول الثاني في كلام المصنف أن الكسب كله لربها مطلقاً عزيز الوجود.
والذي في الجلاب إنما هو مقيد بما إذا قال: اعمل لي؛ لكن نقل ابن شعبان ما ظاهره موافق لإطلاق المصنف، فقال: ولا يدفع الكلب على نصف صيده أو غير ذلك من الأجزاء فمن فعل فالكسب للعامل، ولربه أجر مثله، وفيه خلاف وأطلق ولم أر الثالث.
فرع: وأما لو دفع إليه دابة ليكريها للغير ليعمل عليها، ففي المدونة وإن دفعت إليه دابة أو إبلا أو سفينة أو حماماً على أن يكري ذلك وله نصف الكراء، لم يجز. وإن نزل كان لك جميع الكراء وله أجر مثله كما لو قلت له بع سلعتي هذه، فما بعتها به فهو بيني وبينك أو قلت له: فما زاد على مائة فهو بيننا، فذلك لا يجوز والثمن لك وله أجر مثله.
стр. 3664
وفرق في المدونة بينه وبين الفرع السابق، بأنه في الأول أكرى ذلك كراء فاسداً وفي هذه آجر نفسه.
وسوى ابن القاسم في هذا بين الدور والدواب والسفن.
وفي الواضحة أن الدور والأرحية والحوانيت إذا قال قم لي عليها بنصف غلتها، فالخراج لربها ولهذا إجارة مثله وأما الدواب وآلة السفن فالكسب للعامل وعليه أجرة ذلك، لأن المستأجر في الدور وشبهها لرجل، وفي الدواب والسفن هي المستأجرة.
وَلَوْ جَمَعَ بَيْنَ الْبَيْعِ وَالإِجَارَةِ جَازَ
كما لو باع له ثوباً بدرهم وينسج له ثوباً آخر ونحو ذلك.
وحكى عبد الوهاب قولاً بالمنع، ووجه الأول أنها بياعات كلها، فأشبه ما لو كانا بيعتين أو إجارتين ووجه المنع أن كثيراً من الإجارة لا تنفك من الغرر، فكان عقد رخصة، فلا ينضم مع غيره كالقراض ولاختلاف ضمانها فإن ضمان المبيع من المشتري وضمان المستأجر من ربه، فكما لو جمع في عقدين بين بيع وخيار والمشهو من المذهب منع ذلك.
ابن عبد السلام: وهذا إذا كانت الإجارة في غير المبيع كما مثلنا فإن كانت في نفس المبيع، كما لو باع له جلوده على أن يخرزه البائع نعالاً للمشتري ففي ذلك قول مشهور بالمنع، وكأنه يرى أن المبيع هو ما تخرجه الصنعة وذلك غير مرئي.
خليل: هو قول سحنون؛ قال في النوادر: وهو خلاف قول ابن القاسم وأشهب.
وَفِي الْجُعْلِ مَعَ أَحَدِهِمَا قَوْلانِ
أي: مع البيع والإجارة، والمشهور: المنع للتاجر؛ لأن البيع لا يجوز فيه الغرر، بخلاف الجعل، والبيع يلزم بالعقد بخلاف الجعل ويجوز الأجل في البيع بخلاف الجعل وذكر اللخمي في المسالة خلافاً، وخرج أيضاً بعضهم قولاً بالجواز من قول سحنون
стр. 3665
الذي يجيز البيع ورد بأن المغارسة تلزم بالعقد بخلاف الجعل وإذا امتنع ضم الجعل إلى أحدهما فأحرى إلى مجموعهما، وصرح ابن عبد السلام بأن القول في ضم الجعل إلى مجموع البيع والإجارة.
فَلَوْ بَاعَهُ نِصْفَ سِلْعَةٍ عَلَى أَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا أَوْ بِأَنْ يَبِيعَ لَهُ نِصْفَهَا- فَثَالِثُهَا: إِنْ عَيَّنَ أَجَلاً جَازَ، وَرَابِعُهَا: عَكْسُهُ، وَعَلَى الصِّحَّةِ فِي التَّعْيينِ لَوْ بَقِيَ بَعْضُ الأَجَلِ حُوسِبَ وَلَوْ انْقَضَى وَلَمْ يَبِعِ اسْتَحَقَّهُ ..
ذكر هذه المسألة عقب المسألة السابقة، لأنها من اجتماع الجعل والإجازة مع البيع.
فإن قلت: فما الفرق بين قوله: (عَلَى أَنْ يَبِيعَ) وبين قوله: (بِأَنْ يَبِيعَ) قيل: بيع النصف في الثاني مجموع الثمن مجموع الثمن بخلاف الأول، فإن بيع النصف بعض الثمن كما لو قال له: أبيعك النصف بدينار على أن تبيع النصف الآخر، وذكر أربعة أقوال:
الأول: الجواز، وهو ظاهر الموطأ قال في "بع نصف ثوب" على أن يبيع له النصف الآخر: هذا جائز.
ابن لبابة: يريد ضرب أجلا أم لا في بلده أم غير بلده وله من الأجل قدر ما يباع إليه.
الثاني: المنع وهو لمالك في المدونة، ففيها: روي عن مالك إن باعه نصف الثوب على أن يبيع له النصف الآخر فلا خير فيه.
وفي اختصار ابن يونس لم يجز وقال: يريد وإن كان بالبلد. قيل لمالك: فإن ضرب للبيع أجلاً، قال: ذلك أحزم؛ وبه أخذ ابن المواز.
والقول الثالث: إن عين أجلاً جاز وإلا فلا؛ لأن مع ضرب الأجل تبقى إجارة، وهي جائزة الاجتماع مع البيع ومع عدم ضربه فهو جعل، ولا يجوز اجتماعه مع البيع وهذا القول مذهب المدونة، وأطلق المصنف فيها وقيده في المدونة بأن يكون البيع في البلد نفسها، وأما إن كان في بلد آخر فلا يجوز.
стр. 3666
أبو إسحاق: لأنه اشترى شيئاً بعينه لا يقبضه إلا إلى أجل بعيد وهو بلوغه البلد.
والقول الرابع عكس الثالث.
ابن عبد السلام: وهو بعيد جداً، ويقرب منه ما في مختصر ما ليس في المختصر: إن ضربا أجلاً فمكروه، وإن لم يضرباه فلا بأس به.
قوله: (وَعَلَى الصِّحَّةِ فِي التَّعْيينِ) أي: في ضرب الأجل وتعيينه وقال وعلى الصحة في التعيين ولم يقل وعلى الثالث ليشمل القول الأول أيضاً، فإنه أجاز في الأول مطلقاً سواء ضربا أجلاً أم لا وهكذا في المدونة ففيها: وإن ضربا للبيع أجلاً فإنه يجوز، وإن باع ذلك في نصف الأجل فله نصف الإجارة وإن مضى الأجل ولم يقدر على بيع ذلك فله الأجرة كاملة.
ابن القاسم في الموازية: وإن باعه نصف ثوب بعشرة على أن يبيع له النصف الآخر في شهر، فباعه في نصف شهر نظر كم قيمة بيعه في شهر، فيقال: درهمان، فكأنه باع بعشرة وبدرهمين وهو سدس الثمن فوقع الإجارة [٦١٦/ أ] بسدس الصفقة، فلما باع في نصف الأجل انفسخ في نصف الإجارة وانفسخ بذلك نصف سدس الصفقة، فيرجع بنصف سدسها وهو ربع السدس قيمة الثوب كله، يرجع كله ثمناً، أي لضرر الشركة على أصل ابن القاسم.
وقال يحيى بن عمر: إن كانت السلعة قائمة كان فيها شريكاً ولم يراع ضرر الشركة.
ابن عبد السلام: فإما أن يكون ذلك على أصل أشهب في هذا الباب، وإما أن يوافق ابن القاسم في الأصل وخالفه في هذا الفرع، لأن المبتاع دخل أولا على الشركة ولم يعتبر زيادتها، واعتبرها ابن القاسم.
стр. 3667
فَإِنْ كَانَ طَعَاماً لَمْ يَجُزْ إِلا بِالتَّاجِيلِ
يريد: وفي معنى الطعام: كل مكيل وكل موزون مما لا يعرف صرح به ابن يونس وغيره ولعله خصص الطعام تبعاً للمدونة.
ومن أبقى الرواية على ظاهرها، وقصر الحكم على الطعام، فقد أبعد وفي المسألة ثلاثة أقوال؛ أولها: التفصيل بين ما يعرف بعينه وما لا يعرف بعينه وهو مذهب المدونة كما ذكر المصنف.
والثاني في الموازية: الجواز مطلقاً؛ لأنهما دخلا على التمام وعدم النقص فما طرأ بعد ذلك فهو كالاستحقاق.
وثالثها اختيار ابن المواز: المنع مطلقاً وهو الظاهر؛ لأنه قد ينتفع في بعض الأجل فيسترجع البائع مناب بقية الأجل، وذلك مؤدي إلى: تارة بيعاً وتارة سلفاً؛ لأنه لا يدري بماذا يرجع، هل بجزء من الثوب أو القيمة.
وَلا يَجُوزُ كِرَاءُ الأَرْضِ بِشَيْءِ مِنَ الطَّعَامِ كَانَ مِمَّا تُنْبِتُهُ الأَرْضُ أَوْ مِمَّا لا تُنْبِتُهُ وَلا بِبَعضِ ما تُنْبِتُهُ مِنْ غَيْرِ الطَّعَامِ كَالْقُطْنِ وَالْكَتَّانِ والزَّعْفَرَانِ، وَيَجُوزُ بِالْخَشَبِ وَالْقَصَبِ وَرَوَى يَحْيَى بنُ يَحْيَى: لا تُكْرَى بِشَيْءِ إِنْ أُعِيدَ فِيهَا نَبَتَ وَتُكْرَى بِمَا سِوَاهُ، وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ: تُكْرَى بِكُلِّ شَيْءٍ إِذَا لَمْ يُزْرَعْ فِيهَا إِلا الْحِنْطَةَ وَأَخَوَاتِهَا، وَقِيلَ: يَجُوزُ أَنْ تُكْرَى بِكُلِّ شَيْءٍ ..
الأصل في هذا ما في الموطأ، أنه ﵊ نهى عن المزابنة والمحاقلة. المزابنة: شراء التمر بالرطب؛ والمحاقلة: شراء الزرع بالحنطة، وكراء الأرض بالحنطة.
وذكر هذا في الحديث في المدونة وزاد فقال في حديث آخر أنه ﵇: "نهى عن كراء الأرض ببعض ما يخرج منها" وهو المخابرة التي نهى عنها في حديث آخر.
стр. 3668
وذكر المصنف في كرائها أربعة أقوال: المشهور وهو مذهب المدونة أنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كان مما تنبته كالفول والحمص أم لا كالعسل والسمن ولا يجوز أيضاً كراؤها بما تنبته طعاماً أو غيره كالقطن ويجوز بالقصب: وهو بفتح الصاد المهملة.
وهكذا قال ابن شاس وصاحب التلقين وأما الخشب فذكره في المدونة وزاد العود والحطب والجذوع قيل لسحنون في كتاب ابنه: ولم جاز كراؤها بهذه الأشياء وهي كلها مما تنبته الأرض؟
فقال: هذه الأشياء يطول مكثها ووقتها فلذلك سهل فيها.
ابن عبد السلام: وقد علم أن القصب دون هذه في البعد، وقال بعضهم رعياً للمعنى الذي أشار إليه سحنون: يجوز كراؤها شهرين بشيء لا يمكن أن ينبته إلا في السنة وهو غير طعام، كجواز كرائها بالشجر.
وعلل ابن الماجشون ذلك فقال: لأن الخشب ليس بزرع ونقضه الباجي بالقطن والكتان.
وحكى ابن أبي زمنين عن ابن الماجشون جواز كرائها بالقطن والزعفران في أرض لا تنبت القطن ولا الزعفران والذي حكى ابن حبيب عن جماعة سواه مثل القول الأول.
وفي الموازية جواز كرائها بالخضر، لكن تأوله الشيخ أبو محمد على أنه يريد الكلأ لأنه لا يزرع ولا بأس بكرائها بالماء.
وقوله: (سِوَاهُ) يريد: بكل ما لو أعيد فيها لم ينبت طعاماً أو غيره وقال بهذه الرواية يحيى وابن كنانة وابن مزين وقول ابن نافع هو القول الثالث.
ابن عبد السلام: ومنهم من لا يذكر فيه في الاستثناء إلا الحنطة ويسكت عما عداها ومنهم من يقول مثل قول المصنف: (إِلا الْحِنْطَةَ وَأَخَوَاتِهَا) ومنهم من يقول: إلا الحنطة والشعير والسلت؛ فعلى هذا ينبغي أن يقال: إلا الحنطة وأختها.
стр. 3669
خليل: وعلى هذا فأخواتها من إطلاق الجمع على المثنى ويحتمل أن يضم إليها العلس على القول بضمه فيكون الجمع على بابه والقول بجواز كرائها بكل شيء حتى الحنطة لابن شعبان والأصيلي وغيرهما.
تنبيه:
شدد سحنون في كرائها بما يخرج منها فقال: من فعل ذلك فهو جرحة في شهادته.
وتأوله محمد على من كان مذهبه المنع أو مقلدا لمن مذهبه المنع.
سحنون: ولا يؤكل طعامه ولا يشتري منه من ذلك الطعام الذي أخذه في كرائها.
وتأوله ابن رشد على أن ذلك من الورع وإذا نزل فإنما لربها كراؤها بالدراهم.
وذكر الشيخ أبو محمد أن عيسى بن مسكين وغيره الذي يجري به أكريتهم ثمناً أصاب قليلاً أو كثيراً ولم يعتبر ما قيمة كرائها يوم العقد لأنه لا كراء لها على المكري في الأرض إذا لم يصب فيها شيئاً أصلاً من قضاة أصحابنا حكموا أن ينظر إلى ما يقع له من ذلك الجزء من ثلث أو ربع، فيعطى قيمة ذلك الجزء دراهم قالوا: لأنه لا يعرف لها بالمغرب قيمة كراء ذلك بالعين. فلذلك يعطى قيمة ذلك الجزء [٦١٦/ ب] الذي يجري فيه أكريتهم.
الثَّالِثُ: الْمَنْفَعَةُ وَهِيَ مُتَقَوِّمَةُ- غَيْرُ مُتَضَمِّنَةٍ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ قَصْداً- مَقْدُورُ عَلَى تَسْلِيمِهَا- غَيْرُ حَرَامٍ وَلا وَاجِبَةٍ - مَعْلُومَةُ ..
الركن الثالث: المنفعة: وهي عوض الأجرة وذكر المصنف أنه يشترط فيها خمسة قيود وسيتكلم على كل واحد منها واحترز بقوله: (قَصْداً) من إجارة الثياب ونحوها، فإن بعضها يذهب بالاستعمال، لكن بحكم التبع ولم يقصد بخلاف استئجار الأشجار لثمرتها ونحوه.
стр. 3670
ابن عبد السلام: بل جعل بعضهم ذهاب شيء من العين شرطاً في جواز الإجارة ورأى أن هذا سبب كراهة إجارة الحلي بالذهب والفضة لما يؤدي إلى بيعها بأحد النقدين غير ناجز.
وَفِي إِجَارَةِ الأَشْجَارِ لِتَجْفِيفِ الثِّيَابِ: قَوْلانِ
هذه تتعلق بقوله: (مُتَقَوِّمَةُ) والخلاف فيها خلاف في حال، هل هذه متقومة أم لا؟ والقولان ذكرهما ابن شاش ولم يعزهما.
ابن عبد السلام: والأقرب الجواز، لأن الانتفاع بالأشجار في هذا الوجه مما يتأثر الأشجار، وبه تنقص منفعة كثيرة منها.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تَصِحُّ فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ لِلتَّزَيُّنِ وَمَا لا يُعْرَفُ بِعَيْنِهِ، وقِيلَ: يَصِحُّ إِذَا لازَمَهَا الْمَالِكُ ..
يحتمل أن يعود إلى القيد الأول ويكون الخلاف خلافاً في حال: هل منفعة التزين متقومة أم لا؟ ويحتمل أن يعود للثاني وهو قوله: (غَيْرُ مُتَضَمِّنَةٍ اسْتِيفَاءَ عَيْنٍ) لأن ذهاب عين الدنانير مقصوده والأول أولى؛ لأن بعده ما لا يصح تعلقه بالقيد الثاين وهو الخلاف في إجارة المصحف، ولأنها إذا لازمها لا تبقى هنا إذهاب عين أصلاً، وأفرد المصنف الدنانير والدراهم وإن كانا داخلين فيما لا يعرف بعينه لانفرادهما غالباً بالتزين والقول الثاني للأبهري وغيره.
الباجي: ولا يخالف ابن القاسم إذا لم يغب عليها وإن كان عبد الوهاب وجه القولين، وكلام المصنف وابن شاش يأتي على طريقة عبد الوهاب، وأما طريقة الباجي فليست في المسألة إلا قول واحد.
ومنع ابن العطار إجارة قدور الفخار وصحاف الحنتم بناء على عدم المعرفة ووافقه ابن الفخار في القدور وخالفه في صحاف الحنتم وقال: إنها تعرف ولا معنى لمنع إجارتها.
стр. 3671
وَفِي إِجَارَةِ الْمُصْحَفِ قَوْلانِ، بِخِلافِ بَيْعِهِ
المشهور وهو مذهب المدونة: الجواز قياساً على بيعه والشاذ لمحمد وابن حبيب ونقله عمن لقيه من أصحاب مالك.
ابن حبيب: والفرق بين البيع والإجارة أنه في البيع ثمن للزوم الخط، وفي إجارته ثمن القرآن.
ورد بأنه إن كان مراده ثمن القرآن، أي ثمن القراءة فالقراءة فعل القارئ ولا معاوضة وإن كان مراده القرآن حقيقة فذلك أيضاً غير مبيع ولا مستأجر وإنما المبيع الرق بصفته وذلك هو المستأجر وقوله (بِخِلافِ بَيْعِهِ) أي: فإنه متفق على جوازه.
وَلا يَصِحُّ فِي الأَشْجَارِ لِثِمَارِهَا وَالشَّاةِ لِنِتَاجِهَا وَلَبَنِهَا وَصُوفِهَا
هذا متعلق بالقيد الثاني وهو قوله: (غَيْرُ مُتَضَمِّنَةٍ اسْتِيفَاءَ .. قَصْداً) فلذلك لا يصح استئجار الأشجار لاستيفاء ثمارها لأن ذلك مؤد إلى بيع ثمرة قبل بدو صلاحها وكذلك الشاة للنتاج والصوف وأما اللبن فقال ابن عبد السلام وغيره والمذهب لا يمنع مطلقاً خلاف ما ذكره المصنف، لأن غاية استئجارها لذلك أن يؤدي إلى بيع اللبن وقد أجازة في المدونة إذا كان جزافاً بشرط أن تكون الغنم كثيرة كالعشرة ونحوها، وأن يكون في الإبان، وأن يعرفا وجه حلابها، وأن يكون إلى أجل لا ينقضي اللبن قبله، وأن يشرع في أخذ ذلك يومه أو إلى أيام يسيرة وأن تسلم إلى ربها لا إلى غيره وإن كان على الكيل أسقطت الشرط الأول فقط وذلك؛ لأن الغالب وجود اللبن في بعضها أو كلها وعلى هذا فيحمل كلام المؤلف على ما إذا لم يكن في زمان الإبان كما في الثمرة والصوف.
وَاغْتُفِرَ ثَمَرَةُ مَا فِي الدَّارِ وَالأَرْضِ الْمُسْتَاجَرَةِ مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الثُّلْثِ بِالتَّقْوِيمِ لا بِمَا اسْتَاجَرَ ..
لما تكلم على امتنع لأجل استيفاء العين قصداً أتبعه بما يجوز لأنه لدفع ضرر دخول المستأجر الدار لجداد الثمرة وسقيها.
стр. 3672
وقوله: (مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى الثُّلْثِ) يقتضي جواز الثلث وهكذا بلغ ابن القاسم وأما في روايته عنه فلم يبلغ بها الثلث واقتصر المصنف على هذا الشرط كما في المدونة وزاد اللخمي ثلاثة شروط وهو: أن يشترط جملتها وأن يكون طيبها قبل انقضاء أمد الكراء وأن يكون قصد باشترائها دفع المضرة في التصرف إليها.
وقوله: (بِالتَّقْوِيمِ) قال في المدونة بعد طرح قيمة المؤونة والعمل فيقوم كراء الدار والأرض بغير شرط فإن قيل: عشرة قيل: فما قيمة الثمرة فيما عرف مما يطعم كل عام بعد طرحه قيمة المؤونة؟
فإن قيل: خمسة: جاز.
وقوله: (لا بِمَا اسْتَاجَرَ) لأنه قد يستأجر بخلاف القيمة.
خليل: وهو شبيبه على ما يفعلونه في هذا الزمان من القناطر ليوصلوا بذلك إلى بيع الثمرة قبل بدو الصلاح فيظهرون أن الأجرة كثير ثم يبرئه بعد العقد وهي حيل لا تخفى على عالم الخفيات.
واستشكل اللخمي هذا التوقع بأنه أعلى من الصفة التي دخل عليها مشتريها قال: والصواب أن يقال: كم قيمتها؟ على أن سقيها على مشتريها وعلى أن المصيبة إن [٦١٧/ أ] كانت من المكتري وعلى إن جاءت على خلاف المعتاد لم يكن له مقال فقال ابن القاسم لا يرى له مقال إن احتيجت فينبغي أن تقوم على ما اشتريت عليه فإن كان الكراء بالنقد قومت الثمرة بالنقد، لأنه أبخس لقيمتها وإن كان على أنه يقبض مشاهرة قومت الثمرة على أن ما ينوبها مشاهرة وهذه المسألة في أول كتاب كراء الدور ولها فروع تركناها لعدم ذكر المصنف لها.
стр. 3673
واسْتِئْجَارُ الْمُرْضِعِ وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ عَيْناً لِلضَّرُورَةِ
(اسْتِئْجَارُ) معطوف على ثمرة الدار.
قوله: (وَإِنْ كَانَ اللَّبَنُ عَيْناً لِلضَّرُورَةِ) أي: جائز وهو ظاهر التصور كما قال المصنف.
قيل: ولأن اللبن غير مقصود، لأنه تبع لقيامها بالصبي وتكلفها جميع مؤنته، ولهذا أجازوا إجارتها بالطعام وإن كان فيه طعام بطعام غير ناجز لكن التعليل بالضرورة عام في جميع صور المسألة الأولى بخلاف الثانية فإن الاستئجار قد يكون على الرضاع فقط. وقوله: (لِلضَّرُورَةِ) تعليل لها والتي قبلها واشترطوا في الأولى التبعية ولم يشترطوا في هذا، لأن دليل الأولى من جهة القواعد دليل الثاني، قوله تعالى: (فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ) إلى قوله: (أُخْرَى) [الطلاق: ٦].
اللخمي: ويشترط حضور الصبي ليرى سنه فإن كان غائباً لم يجز إلا أن يذكر سنه، لأن الرضاعة تختلف، فليس رضاع ابن شهرين كرضاع ابن سنة وإن جربت رضاعه لأنه قال: هي الظئر تستأجر لرضاع صبيين فمات أحدهما تنفسخ الإجارة لاختلاف الرضاع، لأنها لو استأجرت نفسها لتجد أجر مكان الميت لم يدر هل رضاعه كالميت أم لا؟ وظاهره التخريج وحكاه المتيطي عن سحنون صريحاً.
وَلِلزَّوْجِ أَنْ يَفْسَخَ إِذَا كَانَ بِغَيْرِ إِذْنِهِ
وإن فعلت ذلك بغير إذنه فله أن يفسخه لما يلحقه في ذلك من الضرر بتشاغلها عنه وتغيير حالها ولا سيما إن كانت خدمته عليها.
وَفِي مَنْعِهِ مِنَ الْوَطْءِ قَوْلانِ، فَإِنْ تَبَيَّنَ ضَرَرُ الصَّبِيِّ مُنِعَ
يعني: إذا أذن لها في الإجارة أو أجازها، فهل يمنع من الوطء وهو مذهب المدونة أو يجوز له؟ وهو قول أصبغ بشرط عدم مضرة الصبي وألا يشترط عليه تركه، أما إن
стр. 3674
تبين ضرره منع واحتج أصبغ بقوله ﵇: "لقد هممت أن أنهى الناس عن الغيلة .. " الحديث.
وأجيب بأن ليس لكل مباح يتناوله عقد الإجارة واختار ابن حبيب واللخمي الأول وحمل ابن القاسم استئذانه لأجل حقه في الإصابة وجعل أصبغ استئذانه لأن له المنع لما يلحقه من المعرة والمضرة وأقاموا مما في المدونة أنه إذا خالعها على رضاع ولده أنها لا تتزوج، وأن له منعها من ذلك لأن اللبن مشترى فيهما.
فروع:
الأول: ابن عبد الحكم: وإن أراد الزوج السفر بها لم يكن له ذلك إن أجرت نفسها بإذنه، وإن كان بغير إذنه فله ذلك وتنفسخ الإجارة.
الثاني: إذا حملت الظئر فخيف على الولد انفسخت الإجارة ولا يلزمه أن تأتي بغيرها يرضعه، قاله في المدونة وهل يجوز أن تأتي بالغير إن نقد لها الأب والأجرة؟ لم يجز، لأنه فسخ دين في دين على أصل ابن القاسم وإلا جاز.
وإذا فسخناه لحمل الظئر فقال ابن عبد الحكم: لو كانت تكملة الأجرة لم تحبس فيها لأنه طوع.
الثالث: قال في المدونة: ترضعه حيث اشترطوا فإن لم يشترطوا شيئاً فشأن الناس الرضاع عند الأبوين إلا امرأة لا يرضع مثلها عند الناس أو يكون الأب وضيعاً لا يرضع مثلها عنده فذلك لها.
الرابع: قال في المدونة: وإن سافر الأبوان فليس لهما أخذ الصبي إلا أن يدفعا إلى الظئر جميع الأجرة.
стр. 3675
الخامس: قال في المدونة: وإذا مرضت مرضاً لا تقدر معه على رضاع فسخت الإجارة، ولو صحت في بقية منها أجبرت على الرضاع في بقيتها، ولها من الأجر بقدر ما أرضعت، وليس عليها أن ترضع ما مرضت.
قال غيره: إلا أن يكون الكراء انفسخ بينهما فلا تعود.
واختلف: هل قول الغير وفاق أو خلاف؟ والقولان منصوصان في غير المدونة وأما إن تزوجت وأقامت في زوجها فللأب أن يفاسخها فإن فاسخها لمرض أو سجن يطول ثم قامت أو خرجت بالقرب فاخلتف في إمضاء الفسخ أو رده، قيل: وتفسخ إجارة الظئر بأربعة شروط: بموتها، ومرضها وحملها وموت الصبي، قال في المعين: وكذلك إن سجنت في حقو خيف طول سجنها، وإن مات زوجها باتت في بيتها فلأب الصبي أن يفاسخها.
السادس: قال في المدونة: وإن واجرها على رضاع صبي لم يكن لها أن ترضع غيره معه.
وَلا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ أَرْضٍ لِلزَّرَاعَةِ وَمَاؤُهَا غَامِرُ وَانْكِشَافُهُ نَادِرُ
هذا شروع منه فيما يتعلق بالقيد الثالث وهو قوله: (مَقْدُورُ عَلَى تَسْلِيمِهَا).
(وَمَاؤُهَا غَامِرُ) جملة حالية وكذلك قوله: (وَانْكِشَافُهُ نَادِرُ).
ومعنى (غَامِرُ) كثير.
الجوهري: وقد غمره الماء يغمره إذا علاه.
ومذهب المدونة خلاف ما ذكره المصنف ففيها: وإن أكريت منه أرضك الغرقة بكذا إن انكشف عنها الماء وإلا فلا كراء بينكما؛ جاز إذا لم ينقد ولم يفرق بين أن يكون انكشافه نادراً أم لا.
стр. 3676
قال في المدونة: وقال غيره إن خيف ألا ينكشف لم يجز وإن لم ينقد.
ابن عبد السلام: هذا شاذ والأول [٦١٧/ ب] هو مختار غير واحد.
ووقع في بعض النسخ عوض (غَامِرُ) (غَائِرُ) ولعله يوافق ما في الموازية فيمن اكترى أرضاً ولها بئر لا تكفي، أن الكراء فاسد وإن لم ينقده، لأنه خاطر على أمر لا يدري أيتم أم لا يتم.
ابن يونس: وظاهر المدونة كراهة النقد في ذلك خاصة والأشبه أن ذلك لا يجوز.
وَأَمَّا أَرْضُ النِّيلِ وَالْمَطَرُ الْغَالِبُ عَادَةً فَتَصِحُّ إِجَارَتُهَا وَالنَّقْدُ فِيهَا، وَقِيلَ: لا يُنْقَدُ فِي أَرْضِ الْمَطَرِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوِ اسْتَوَى الاحْتِمَالانِ فِي انْكِشَافِ الْمَاءِ جَازَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لا يَجُوزُ ..
الخلاف في جواز العقد لا في جواز النقد فقوله: (جَازَ) أي: العقد.
ابن راشد: والقول الثاني أظهر، لأن هذه الأرض لا ينتفع بها والأصل فيها عدم الجواز حتى يغلب على الظن إمكان الانتفاع بها وقد تقدم أن ابن القاسم أجاز العقد بالنسبة إلى أرض ماؤها غامر وانكشافها نادر وإذا أجاز ذلك عنده فهذه المسألة أحرى ولهذا قال صاحب المقدمات: تحصيل مذهب ابن القاسم جواز العقد كانت أرض مطر أو نيل وغيرهما، مأمونة كانت أم لا.
وأما تحصيل مذهبه بالنسبة إلى جواز النقد ووجوبه فما كان من الأرض مأموناً كأرض النيل أو المطر أو السقي بالعيون الثابتة والآبار المعينة فالنقد فيها الأعوام الكثيرة جائز، وما كان منها غير مأمون فلا يجوز النقد فيه إلا بعد أن تروى ويتمكن من الحرث كانت من النيل أو المطر أو السقي بالعيون أو الآبار.
وأما وجوب النقد فيجب عنده في أرض النيل إذا رويت إذ لا يحتاج إلى غير ذلك، وأما غيرها فلا يجب النقد فيها عنده حتى يتم الزرع وتستغني عن الماء، ووافقه ابن
стр. 3677
الماجشون إلا في أرض السقي المأمونة فيجعلها كأرض النيل يجب النقد فيها إذا رويت. وعلى مذهب ابن الماجشون فالأرض بالنسبة إلى جواز النقد فيها على أربعة أقسام: أرض النيل المأمونة فيجوز فيها الكراء بالأعوام الكثيرة بالنقد أو غير النقد قرب إبان شربها أو ريها أم لا.
وأرض السقي بالعيون لا يجوز عنده كراؤها إلا لثلاثة أعوام أو أربعة، ولا ينقد إلا سنة؛ يريد أنهي نقد السنة الثانية قبل تمام الأولى بيسير إن لم ترو الأرض. قاله في الواضحة. وأما أرض المطر فلا يجيز الكراء فيها حتى تروى رياً مبلغاً له أو لأكثره مع رجاء مطر غيره. انتهى باختصار.
وَتَصِحُّ إِجَارَةُ الرَّقَبَةِ وَهِيَ مُسْتَاجَرَةُ أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهَا مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا غَالِباً
يعني: ليس من شرط الإجارة قبض المنفعة في الحال، بل يجوز لربها إذا كانت الرقبة مستأجرة أن يؤاجرها من آخر بعد مدة الأول وكذلك يجوز له أن يؤاجرها إذا كان مستثنى منفعتها وصورتها أن يشتري إنسان شيئاً، فيستثني بائعه منفعته مدة معينة تبقى فيها الرقبة غالباً فللمشتري أن يؤاجرها ليقبضها المستأجر بعد المدة التي استثناها البائع والمشهور جواز النقد على منفعة عبد أو دابة تقبض بعد شهر، وإنما يمنع شرط النقد خاصة.
وقال غير ابن القاسم: يمنع عقد الكراء على مثل هذا.
وقيد محمد الأول بما إذا لم تكن الدابة في سفر.
ففي المدونة: ومن اكترى داراً على أن لا يقبضها إلى سنة جاز ذلك وجاز النقد فيها لا منها، فإن بعد الأجل جاز الكراء ولا يجب النقد فيه.
стр. 3678
وَالنَّقْدُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِهَا، وَاسْتُخِفَّ فِي الْعَقَارِ سِنينَ، وَاسْتُكْثِرَ فِي الْحَيَوَانِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ..
(فِيهَا) أي في الرقبة المستأجرة.
(يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِهَا) فإن كانت الرقبة يؤمن بقاؤها وعدم تغييرها جاز النقد فيها وإلا فلا، ولهذا (وَاسْتُخِفَّ فِي الْعَقَارِ سِنينَ) أي: أنهم أجازوا النقد شرطاً في العقار على أن يقبض إلى سنين ولم يجيزوا ذلك في الحيوان إلا القصيرة كعشرة أيام.
فإنقلت: هلا حملت كلامه على مقدار أمد الإجارة الذي يكون قبض الشيء المستأجر بعده، قيل: لو حملناه على ذلك لأقصرنا أمد الإجارة على عشرة أيام في الحيوان إلا عشرة أشهر، بل يجوز أكثر من ذلك.
نعم المختار عند المتأخرين التفرقة بين الحيوان والرباع والثياب ويفرق أيضاً في الرباع بينا لقديم والحادث منهما وإن كان المتقدمون لم يفصلوا في ذلك ولكن لم يذهب أحد منهم إلى استكثار عشرة أيام في الحيوان.
وذكر اللخمي في أمد إجارة العبد ثلاثة أقوال: أجاز في الموازية العشر سنين بالنقد، وفي المدونة خمس عشرة سنة، ومنعه ابن القاسم في العشر.
اللخمي: وأرى أن ينظر إلى العقد فقد يكون شاباً وقد يكون شيخاً.
وَيَصِحُّ بَيْعُهَا إِلَى مَا يُنْقَدُ فِيهِ
يعني: ويصح بيع الرقبة على أن تبقى بيد بائعها إلى ما يجوز النقد فيه في الإجارة، إما لكونه آجرها أو لينتفع بها، فيستكثر في الحيوان عشرة أيام ويستحب في العقار السنون.
ابن راشد: وأجاز ابن القاسم استثناء منفعة الأرض عشرة أعوام وأجاز المغيرة السنين الكثيرة وأجاز ابن القاسم سكنى الدار بينه وبين العام ولم يجز أكثر من ذلك لما يخشى من تغييرها وأجاز ابن حبيب السنين وقيل: تجوز السنة ونصف السنة [٦١٨/ أ].
стр. 3679
وروى سحنون: ثلاثة أعوام، وروي عن ابن القاسم في الموازية جواز استثناء سكنى عشرة أعوام والخلاف خلاف في حال ولا نفقة فإن كانت المدة لا تتغير فيها غالباً جاز.
وَلا يَجُوزُ اسِتِئْجَارُ حَائِضٍ عَلَى كَنْسِ مَسْجِدٍ
هذا يتعلق بقوله غير حرام وكلامه مقيد بما إذا كانت هي تكنس وأما لو كانت الإجارة متعلقة بذمتها فيجوز، وكذلك أيضاً عكس هذه المسألة: لو آجر المسلم نفسه لكنس كنيسة ونحو ذلك، أو آجر نفسه ليرعى له الخنازير أو ليعصر له خمراً.
مالك: ويؤدب المسلم إلا أن يعذر بجهالة واختلف قول مالك هل تؤخذ الأجرة من الكافر ويتصدق منها أو لا؟
ابن القاسم: والتصدق بها أحب إلينا وللشيوخ خلاف فيمن باع داره أو آجرها لمن يتخذها كنيسة، هل يتصدق بالثمن كله أو الكراء أو إنما يتصدق بفضلة الكراء، أو يفرق فيتصدق في البيع بالفضل، وفي الكراء يتصدق بالجميع؟
ابن يونس: وبالثالث أقول.
وَلا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ عَلَى عِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَيْهِ كَالصَّلاةِ والصِّيَامِ وتَقَدَّمَ الْحَجُّ
وهذا يتعلق بقوله: (وَاجِبَةٍ) واحترز بقوله: (مُعَيَّنَةٍ) مما على الكفاية كغسل الميت ونحوه.
واعلم أن العبادة المعينة قد لا تكون واجبة كالوتر وركعتي الفجر، فلا يصح الاستئجار عليها.
فكلامه هذا أحسن من قوله أولاً: (وَلا وَاجِبَةٍ) ولم تجز الإجارة هنا لأن من شرط العقد على المنفعة، أن تحصل المنفعة للمستأجر وإذا استأجره على أن يصلي ما وجب عليه أو يصوم عنه لم تحصل المنفعة للمستأجر.
стр. 3680
وقوله: (وتَقَدَّمَ الْحَجُّ) أي: في الحج.
بِخِلافِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَحَفْرِ الْقَبْرِ
فإن الإجارة عليهما جائزة.
وَفِي الإِمَامَةِ ثَلاثَةُ: لابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ حَبِيبِ وَغَيْرِهِمَا- ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ عَلَى انْفِرَادِهَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مَعَ أَذَانٍ وَالْقِيَامُ بِالْمَسْجِدِ جَازَ. وَفِيهَا: وَتَجُوزُ الإِجَارَةُ عَلَى الأَذَانِ وَالصَّلاِة مَعاً ..
الجواز لابن عبد الحكم ورأى أن الإجارة على ملازمة الموضع لا على نفس الصلاة.
ابن يونس: وهو القياس.
والمنع لابن حبيب قال: لا تجوز الإجارة على أذان ولا صلاة.
والثالث تصوره من كلام المصنف ظاهر وهو مذهب المدونة وبه العمل ولو قال المصنف إن كانت مع غيرها جاز لكان أحرى على قاعدته لأنه خالف هنا الغالب من عادته إذ لم يجعل صدر الثالث هو القول الأول.
ابن راشد: وروى ابن زياد عن مالك الجواز في الفرض دون النفل.
المتيطي: ذكر الطلمنكي في كتابه وروى ابن الماجشون عن مالك إجازة الأجرة في قيام رمضان وقال: هو مثل المؤذن ومعلم القرآن قال فيها في الصلاة: وتجوز الإجارة على الأذان؛ يعني بخلاف الصلاة يفردها.
وفيها في آخر الصيام: ولا يؤم أحد بإجارة في رمضان ولا في الفرائض.
وفي الجعل: وكره مالك الإجارة في الحج وعلى الإمامة في الفرض وفي قيام رمضان.
ابن عبد السلام: وحيث نسب إلى المدونة المنع فهل هو على الكراهة كما في هذا المواضع، أو على التحريم؟ وحمل الكراهة فيه تردد.
следующие страницы →