Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3676–3715 · переход к 3681.
стр. 3676
قال في المدونة: وقال غيره إن خيف ألا ينكشف لم يجز وإن لم ينقد.
ابن عبد السلام: هذا شاذ والأول [٦١٧/ ب] هو مختار غير واحد.
ووقع في بعض النسخ عوض (غَامِرُ) (غَائِرُ) ولعله يوافق ما في الموازية فيمن اكترى أرضاً ولها بئر لا تكفي، أن الكراء فاسد وإن لم ينقده، لأنه خاطر على أمر لا يدري أيتم أم لا يتم.
ابن يونس: وظاهر المدونة كراهة النقد في ذلك خاصة والأشبه أن ذلك لا يجوز.
وَأَمَّا أَرْضُ النِّيلِ وَالْمَطَرُ الْغَالِبُ عَادَةً فَتَصِحُّ إِجَارَتُهَا وَالنَّقْدُ فِيهَا، وَقِيلَ: لا يُنْقَدُ فِي أَرْضِ الْمَطَرِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لَوِ اسْتَوَى الاحْتِمَالانِ فِي انْكِشَافِ الْمَاءِ جَازَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لا يَجُوزُ ..
الخلاف في جواز العقد لا في جواز النقد فقوله: (جَازَ) أي: العقد.
ابن راشد: والقول الثاني أظهر، لأن هذه الأرض لا ينتفع بها والأصل فيها عدم الجواز حتى يغلب على الظن إمكان الانتفاع بها وقد تقدم أن ابن القاسم أجاز العقد بالنسبة إلى أرض ماؤها غامر وانكشافها نادر وإذا أجاز ذلك عنده فهذه المسألة أحرى ولهذا قال صاحب المقدمات: تحصيل مذهب ابن القاسم جواز العقد كانت أرض مطر أو نيل وغيرهما، مأمونة كانت أم لا.
وأما تحصيل مذهبه بالنسبة إلى جواز النقد ووجوبه فما كان من الأرض مأموناً كأرض النيل أو المطر أو السقي بالعيون الثابتة والآبار المعينة فالنقد فيها الأعوام الكثيرة جائز، وما كان منها غير مأمون فلا يجوز النقد فيه إلا بعد أن تروى ويتمكن من الحرث كانت من النيل أو المطر أو السقي بالعيون أو الآبار.
وأما وجوب النقد فيجب عنده في أرض النيل إذا رويت إذ لا يحتاج إلى غير ذلك، وأما غيرها فلا يجب النقد فيها عنده حتى يتم الزرع وتستغني عن الماء، ووافقه ابن
стр. 3677
الماجشون إلا في أرض السقي المأمونة فيجعلها كأرض النيل يجب النقد فيها إذا رويت. وعلى مذهب ابن الماجشون فالأرض بالنسبة إلى جواز النقد فيها على أربعة أقسام: أرض النيل المأمونة فيجوز فيها الكراء بالأعوام الكثيرة بالنقد أو غير النقد قرب إبان شربها أو ريها أم لا.
وأرض السقي بالعيون لا يجوز عنده كراؤها إلا لثلاثة أعوام أو أربعة، ولا ينقد إلا سنة؛ يريد أنهي نقد السنة الثانية قبل تمام الأولى بيسير إن لم ترو الأرض. قاله في الواضحة. وأما أرض المطر فلا يجيز الكراء فيها حتى تروى رياً مبلغاً له أو لأكثره مع رجاء مطر غيره. انتهى باختصار.
وَتَصِحُّ إِجَارَةُ الرَّقَبَةِ وَهِيَ مُسْتَاجَرَةُ أَوْ مُسْتَثْنًى مَنْفَعَتُهَا مُدَّةً تَبْقَى فِيهَا غَالِباً
يعني: ليس من شرط الإجارة قبض المنفعة في الحال، بل يجوز لربها إذا كانت الرقبة مستأجرة أن يؤاجرها من آخر بعد مدة الأول وكذلك يجوز له أن يؤاجرها إذا كان مستثنى منفعتها وصورتها أن يشتري إنسان شيئاً، فيستثني بائعه منفعته مدة معينة تبقى فيها الرقبة غالباً فللمشتري أن يؤاجرها ليقبضها المستأجر بعد المدة التي استثناها البائع والمشهور جواز النقد على منفعة عبد أو دابة تقبض بعد شهر، وإنما يمنع شرط النقد خاصة.
وقال غير ابن القاسم: يمنع عقد الكراء على مثل هذا.
وقيد محمد الأول بما إذا لم تكن الدابة في سفر.
ففي المدونة: ومن اكترى داراً على أن لا يقبضها إلى سنة جاز ذلك وجاز النقد فيها لا منها، فإن بعد الأجل جاز الكراء ولا يجب النقد فيه.
стр. 3678
وَالنَّقْدُ فِيهَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِهَا، وَاسْتُخِفَّ فِي الْعَقَارِ سِنينَ، وَاسْتُكْثِرَ فِي الْحَيَوَانِ عَشَرَةُ أَيَّامٍ ..
(فِيهَا) أي في الرقبة المستأجرة.
(يَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِهَا) فإن كانت الرقبة يؤمن بقاؤها وعدم تغييرها جاز النقد فيها وإلا فلا، ولهذا (وَاسْتُخِفَّ فِي الْعَقَارِ سِنينَ) أي: أنهم أجازوا النقد شرطاً في العقار على أن يقبض إلى سنين ولم يجيزوا ذلك في الحيوان إلا القصيرة كعشرة أيام.
فإنقلت: هلا حملت كلامه على مقدار أمد الإجارة الذي يكون قبض الشيء المستأجر بعده، قيل: لو حملناه على ذلك لأقصرنا أمد الإجارة على عشرة أيام في الحيوان إلا عشرة أشهر، بل يجوز أكثر من ذلك.
نعم المختار عند المتأخرين التفرقة بين الحيوان والرباع والثياب ويفرق أيضاً في الرباع بينا لقديم والحادث منهما وإن كان المتقدمون لم يفصلوا في ذلك ولكن لم يذهب أحد منهم إلى استكثار عشرة أيام في الحيوان.
وذكر اللخمي في أمد إجارة العبد ثلاثة أقوال: أجاز في الموازية العشر سنين بالنقد، وفي المدونة خمس عشرة سنة، ومنعه ابن القاسم في العشر.
اللخمي: وأرى أن ينظر إلى العقد فقد يكون شاباً وقد يكون شيخاً.
وَيَصِحُّ بَيْعُهَا إِلَى مَا يُنْقَدُ فِيهِ
يعني: ويصح بيع الرقبة على أن تبقى بيد بائعها إلى ما يجوز النقد فيه في الإجارة، إما لكونه آجرها أو لينتفع بها، فيستكثر في الحيوان عشرة أيام ويستحب في العقار السنون.
ابن راشد: وأجاز ابن القاسم استثناء منفعة الأرض عشرة أعوام وأجاز المغيرة السنين الكثيرة وأجاز ابن القاسم سكنى الدار بينه وبين العام ولم يجز أكثر من ذلك لما يخشى من تغييرها وأجاز ابن حبيب السنين وقيل: تجوز السنة ونصف السنة [٦١٨/ أ].
стр. 3679
وروى سحنون: ثلاثة أعوام، وروي عن ابن القاسم في الموازية جواز استثناء سكنى عشرة أعوام والخلاف خلاف في حال ولا نفقة فإن كانت المدة لا تتغير فيها غالباً جاز.
وَلا يَجُوزُ اسِتِئْجَارُ حَائِضٍ عَلَى كَنْسِ مَسْجِدٍ
هذا يتعلق بقوله غير حرام وكلامه مقيد بما إذا كانت هي تكنس وأما لو كانت الإجارة متعلقة بذمتها فيجوز، وكذلك أيضاً عكس هذه المسألة: لو آجر المسلم نفسه لكنس كنيسة ونحو ذلك، أو آجر نفسه ليرعى له الخنازير أو ليعصر له خمراً.
مالك: ويؤدب المسلم إلا أن يعذر بجهالة واختلف قول مالك هل تؤخذ الأجرة من الكافر ويتصدق منها أو لا؟
ابن القاسم: والتصدق بها أحب إلينا وللشيوخ خلاف فيمن باع داره أو آجرها لمن يتخذها كنيسة، هل يتصدق بالثمن كله أو الكراء أو إنما يتصدق بفضلة الكراء، أو يفرق فيتصدق في البيع بالفضل، وفي الكراء يتصدق بالجميع؟
ابن يونس: وبالثالث أقول.
وَلا يَجُوزُ اسْتِئْجَارُ عَلَى عِبَادَةٍ مُعَيَّنَةٍ عَلَيْهِ كَالصَّلاةِ والصِّيَامِ وتَقَدَّمَ الْحَجُّ
وهذا يتعلق بقوله: (وَاجِبَةٍ) واحترز بقوله: (مُعَيَّنَةٍ) مما على الكفاية كغسل الميت ونحوه.
واعلم أن العبادة المعينة قد لا تكون واجبة كالوتر وركعتي الفجر، فلا يصح الاستئجار عليها.
فكلامه هذا أحسن من قوله أولاً: (وَلا وَاجِبَةٍ) ولم تجز الإجارة هنا لأن من شرط العقد على المنفعة، أن تحصل المنفعة للمستأجر وإذا استأجره على أن يصلي ما وجب عليه أو يصوم عنه لم تحصل المنفعة للمستأجر.
стр. 3680
وقوله: (وتَقَدَّمَ الْحَجُّ) أي: في الحج.
بِخِلافِ غُسْلِ الْمَيِّتِ وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَحَفْرِ الْقَبْرِ
فإن الإجارة عليهما جائزة.
وَفِي الإِمَامَةِ ثَلاثَةُ: لابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنِ حَبِيبِ وَغَيْرِهِمَا- ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ عَلَى انْفِرَادِهَا لَمْ يَجُزْ، وَإِنْ كَانَ مَعَ أَذَانٍ وَالْقِيَامُ بِالْمَسْجِدِ جَازَ. وَفِيهَا: وَتَجُوزُ الإِجَارَةُ عَلَى الأَذَانِ وَالصَّلاِة مَعاً ..
الجواز لابن عبد الحكم ورأى أن الإجارة على ملازمة الموضع لا على نفس الصلاة.
ابن يونس: وهو القياس.
والمنع لابن حبيب قال: لا تجوز الإجارة على أذان ولا صلاة.
والثالث تصوره من كلام المصنف ظاهر وهو مذهب المدونة وبه العمل ولو قال المصنف إن كانت مع غيرها جاز لكان أحرى على قاعدته لأنه خالف هنا الغالب من عادته إذ لم يجعل صدر الثالث هو القول الأول.
ابن راشد: وروى ابن زياد عن مالك الجواز في الفرض دون النفل.
المتيطي: ذكر الطلمنكي في كتابه وروى ابن الماجشون عن مالك إجازة الأجرة في قيام رمضان وقال: هو مثل المؤذن ومعلم القرآن قال فيها في الصلاة: وتجوز الإجارة على الأذان؛ يعني بخلاف الصلاة يفردها.
وفيها في آخر الصيام: ولا يؤم أحد بإجارة في رمضان ولا في الفرائض.
وفي الجعل: وكره مالك الإجارة في الحج وعلى الإمامة في الفرض وفي قيام رمضان.
ابن عبد السلام: وحيث نسب إلى المدونة المنع فهل هو على الكراهة كما في هذا المواضع، أو على التحريم؟ وحمل الكراهة فيه تردد.
стр. 3681
خليل: الراجح الحمل على الكراهة، وهو الذي نص عليه صاحب النكت وابن يونس، ولو كانت ممنوعة عنده لما جاز الإجارة على الأذان والصلاة لاشتمال الصفقة حينئذ على حلال وحرام.
ابن يونس: واختلف شيوخنا إذا اوجر على الأذان والصلاة ثم تعطل عن الصلاة لأمر عرض له، هل تسقط حصة ذلك من الإجارة بناء على أن الاتباع حصة من الثمن أم لا؟ والظاهر الإسقاط وهو اختلاف اللخمي وصاحب النكت.
تنبيهات:
الخلاف الذي ذكره المصنف، إنما نقله المتقدمون في الذي يأخذ الأجرة من الناس الذين يستأجرونه على ذلك من أموالهم، والظاهر أن ما يؤخذ من بيت المال والأحباس أخف وأن قصارى أمره الكراهة ولا ينتهي إلى التحريم وذكر القرافي أن ما يؤخذ من بيت المال متفق على جوازه، قاله ابن عبد السلام.
الثاني: المتيطي: ويحسب على الإمام الكثير من مرضه أو مغيبه دون القليل، وأما إن غاب الجمعة ونحوها فلا بأس بذلك ولا يحط من أجرته شيء، قاله غير واحد من القرويين.
الثالث: وليس لأهل المسجد ولا لبعضهم بعد الاتفاق على الرضا بالإمام أن يخرجوه ولا يتأخروا عن الصلاة خلفه، إلا أن يثبتوا عند الحاكم ما يجرحه، لكن يكره للإمام إذا كره الأكثر من الجيران الصلاة خلفه أن يصلي بهم وهم يكرهونه ولكن لا يقضي عليه.
ابن مغيث في وثائقه: وذلك إذا استأجره صاحب الأحباس، وأما إن استأجره الجماعة فلهم تأخيره من غير إثبات جرحة.
стр. 3682
الباجي: ونزلت بإشبيلية سنة ثمانين وثلاثمائة في إمام اختلف الجيران عليه وكره بعضهم الصلاة خلفه وقال أحمد بن عبد الله: إن قام من الجيران النفر اليسير فلا يؤخر الإمام عن الصلاة إلا أن يثبتوا عليه جرحة وإن قام الجيران يجمعون أو جلهم فإنه يمنع من الصلاة بهم لما جاء: "لا يصلي الإمام بقوم وهم له كارهون".
وهكذا [٦١٨/ ب] ذكر ابن حبيب فيها؛ وشاور قاضي قرطبة الفقهاء فقال عمر بن أحمد بن عبد الملك وتابعه عليه غيره كذلك فحكم به وإن كان غير القائمين القليل من الجيران وهم أهل العدالة والخير والقائمون ليسوا كذلك فلا يلتفت إليهم.
وَكُرِهَ إِجَارَةُ قُسَّامِ الْقَاضِي
هذا إن كان لهم رزق في بيت المال وتقدمت هذه المسألة ولعل الكراهة أن معظم القسمة علم لا عمل ولأنه وكيل على الناس فكان كالقاضي.
وَلا بَاسَ بِمَا يَاخُذُهُ الْمُعَلِّمُ عَلَى التَّعْلِيمِ وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ، وَإِنْ اشْتَرَطَ شَيْئاً مَعْلُوماً جَازَ ..
لما في الصحيح: "إن خير ما أخذتم عليه أجراً كتاب الله".
وقوله: (وَإِنْ اشْتَرَطَ) مبالغة.
وقوله: (وَإِنْ اشْتَرَطَ شَيْئاً مَعْلُوماً جَازَ) يعني: سواء كان ذلك المعلوم كل شهر ونحوه بكذا أو على الحذاق.
ابن الجلاب: وقيل: لا يجوز إلا مشاهرة ونحوها ولا يقضى للمعلم بهدايا الأعياد والجمع، وهل يقضى بالحذقة؟ وهي الإصرافة إذا جرى به العرف؟ وهو قول سحنون أولا وهو قول أبي إبراهيم إسحاق بن إبراهيم وليس فيها شيء معلوم وهي على قدر حال الأب.
وإذا بلغ الصبي ثلاثة أرباع القرآن لم يكن لأبيه إخراجه ووجبت الحذقة للمعلم ووقف في الثلثين.
стр. 3683
فرع:
قال في المدونة: وأكره الإجارة على تعليم الفقه والفرائض كما يكره بيع كتبها، وأكره الإجارة على تعليم الشعر والنحو أو على كتابة ذلك أو إجارة كتب فيها ذلك، وبيعها وكره مالك قراءة القرآن بالألحان فكيف بالغناء.
عياض: معنى نوح المتصوفة: أناشيدهم ورواه بعضهم نحو وهو غلط. واختلف في الاستئجار على تعليم الفقه كالاختلاف في بيع كتبه، ومنع ابن القاسم الاستئجار على تعليم النحو والشعر.
وأجاز أصبغ وابن حبيب الإجارة على تعليم الفقه والنحو وتعليم الرسائل وأيام العرب، وأما تعليم الغناء والهجو فلا يختلف في منعه.
وَلابُدَّ مِنْ بَيَانِ الْمَنْفَعَةِ إِذَا كَانَ فِيهَا مَا تَقَعُ الْمُشَاحَّةُ فِيهِ مَا لَمْ يَكُنْ عُرْفُ وَتُقَيَّدُ
هذا شروع منه فيما يتعلق بالقيد الآخر وهو قوله: (مَعْلُومَةُ) أي: لا بد من بيان جنس المنفعة لينتفي الغرر كما إذا أكرى دابة ليحمل عليها أو ليركبها ما لم يكن عرف كحمير المكارية عندنا بمصر فإنه جاز في ركوبها.
(وَتُقَيَّدُ) هو بالتاء من فوق وفتح القاف لما لم يسم فاعله؛ أي: وتقيد المنفعة بزمان أو مكان، وهو يرجع إلى بيان قدرها. وفي بعض النسخ: (ويقيد) - بالياء- فيكون صفة للعرف؛ ليحترز بذلك من عرف ليس بمنضبط. وفي بعضها: (وتقيد) مصدر من قيد.
فَإِنْ كَانَ اسْتِصْنَاعاً فَبِالزَّمَانِ أَوْ بِمَحَلِّ الْعَمَلِ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ أَوْ يَوْمٍ مُعَيَّنٍ، فَإِنْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا فَسَدَ ..
هذا بيان كيفية تقييد المنفعة وذكر أنه إذا كان العمل المستأجر عليه صنعة فإنها تقيد بالزمان أو بالمحل، فخياطة ثوب مثال لما يقيد بمحل العمل، واليوم مثال لما يقيد بالزمان.
стр. 3684
وإن جمع بينهما- بأن قال: خط هذا الثوب في هذا اليوم بدرهم- فسد. وهذا في الجواهر، وعلله فقال: لأنه ربما تمم العمل في اليوم أو بعده.
وظاهر كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين أن يمكن أن ينقضي الأجل قبل تمام العمل أم لا، فأما إن كان محتملاً فقال التونسي وابن رشد: لا خلاف أن ذلك لا يجوز.
وقال في البيان: واختلف إذا كان الإشكال في أن العمل يمكن إتمامه قبل انقضاء الأجل، فالمشهور أنه لا يجوز وهو موافق لإطلاق المصنف.
وقيل: يجوز. وهو قول ابن القاسم في سماع عيسى، وقول ابن حبيب. وظاهر ما في العتبية دليل قوله في المدونة فيمن استأجر ثوراً على أن يطحن له كل يوم إردبين فوجده لا يطحن إلا إردباً، أن له أن يرده ويعطي في الإردب ما ينوبه ولم تنفسخ الإجارة.
وقال اللخمي: إن لم يدر هل يفرغ العمل في تلك المدة لم يجز. واختلف إذا كان الغالب أنه يعمله فيه فقيل: ذلك جائز. وقيل: لا يجوز.
وقال ابن عبد السلام: الذي قاله من أرضى من الشيوخ في تعيين المشهور فمنهم من عينه في المنع ومنهم من أشار إلى أنه الإباحة واحتج بمسألة الثور.
فرع:
فإن وقعت الإجارة على الوجه الفاسد فقال ابن القاسم: له إجارة المثل ولا ينظر إلى المسمى لأنه فاسد، واختار اللخمي الصحة، قال: لأن الغرض أن يسرع بالعمل تلك المدة وإن تأخر وخاطه بعد المدة نظر إلى خياطته على أن يسرع في ذلك الأجل وعلى أن يخيطه في الوقت الذي خاطه فيه فيحط من المسمى بقدره.
اللخمي: وإن يضرب أجلاً في أصل العقد ثم قال: عجله لي اليوم وأزيدك نصف درهم، فقال ابن القاسم: لا بأس به، ولم يره مثل الرسول يزاد لسرعة السير وقال محمد: لا بأس به في الرسول.
стр. 3685
وَفِي التَّعْلِيمِ بِالزَّمَانِ أَوْ بِحَصْرِ مَا يُعَلَّمُ
وتضبط المنفعة في التعليم، تعليم قرآن أو غيره بالزمان لكل شهر كذا أو بحصر ما يعلم كربع القرآن وقد تقدم أن هذا هو المشهور. وفي الجلاب قول: أنه لا يجوز إلا على مدة معلومة.
ابن عبد السلام: ولابد من اختبار حال المعلم إن كانت الإجارة على تعليمه جزءاً من القرآن أو مقدار الصنعة [٦١٩/ أ] لسرعة الحاذق وبطء تعليم البليد.
وَيَلْزَمُ تَعْيينُ الرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلِّمِ بِخِلافِ غَنَمٍ وَنَحْوِهَا
يحتمل ويلزم تعينها عند عقد الإجارة لاختلاف الصغير في الرضاعة وفي التعليم بحسب الذكاء والبلادة وقد تقدم أن اللخمي قال: لو وصفوا سنه من غير اختبار رضاعة وصناعة جاز عقد الإجارة، وعلى هذا الوجه لا يكون في كلامه التصريح بأن هذين الصبيين إذا ماتا لا يزلم آباؤهما الخلف نعم يؤخذ منه بطريق اللزوم لأنه يلزم من التعيين الفسخ ويحتمل أن يريد بتعيينهما أنهما لو ماتا قبل انقضاء مدة الإجارة انفسخت الإجارة ولا يلزم آباؤهما خلفهما بل نص الباجي على أنه لا يجوز العقد فيهما على مضمون وهذا هو المشهور عن سحنون أنه يلزم الأب خلف الرضيع وأجراه على القاعدة: أن ما تستوفي به المنفعة لا تنفسخ الإجارة بهلاكه.
والاحتمال الأول أولى، لأنه أقرب إلى لفظه؛ لأنه سيتكلم على الانفساخ فعورضت مسألة الرضيع ها هنا بما ذكره في المدونة في البيوع الفاسدة إذا باع أمة ولها ولد رضيع وشرط عليهم رضاعه ونفقته سنة، قال: إن مات الصبي أرضعوا له آخر.
وفرق ابن يونس بأن مسألة البيع الغرر فيها تبع بخلاف الإجارة كقول مالك في بيع لبن شاة جزافاً فإنه لا يجوز، وأجاز كراء ناقة شهراً واستثنى حلابها وأصل ذلك من بيع
стр. 3686
الثمرة قبل بدو صلاحها إذا انفردت وكان يغمز مسألة البيع وقال: لا يجوز هذا البيع إلا على وجه الضرورة لأن المبتاع ربما يحتاج إلى أن يظعن بها فيكلف الصبي المؤونة لا يدري قدرها وذلك غرر.
وقيل: إنما يجوز بيع هذه الأمة إذا كان الرضاع مضموناً على مشترى الأمة لا في هذا الصبي بعينه، لأنه في هلاكه يسقط فلذلك يحتاج أن يكون مضموناً ليكون ما في المدونة ثابتاً في كل حال، وأما الرضاع في غير الأمة فلا يجوز أيضاً لأن المشتري يصير غير قادر على التصرف فيها فيكون كمن اشتراها على ألا يبيعها إلا إلى سنة.
ابن يونس: وقد يقال: وقد يقال علي بيعها ويشترط على المبتاع الرضاع أيضاً.
ولمالك في العتبية فيمن باع جارية وشرط أن ترضع ابنا له سنة: أنه لا خير فيه وقيل له: فإن اشترط أن يأتي بغيرها قال: لا يعجبني.
قوله: (بِخِلافِ غَنَمٍ وَنَحْوِهَا) أي: فلا يلزم تعيينها ويلزم خلفها إن هلكت.
فَلَوْ عَيَّنَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْبَدَلَ فَفِي تَعْيينِهَا قَوْلانِ
ظاهره صحة العقد مع عدم شرط الخلف، وإنما يختلف في تعيينها ففي التعيين لا يجب خلف الماشية إذا هلكت وعلى ضده العكس.
وقد ذكر اللخمي هذين القولين فقال: قيل: الأجرة جائزة ويخلف غيرها إن أصيبت ولا تتعين وقيل جائزة وتتعين لئلا يتكلف رب الماشية البدل.
والقول الأول لأشهب وابن الماجشون وسحنون وأصبغ وابن حبيب ومذهب المدونة خلاف القولين وهو أنه لا يصح العقد إلا باشتراط الخلف فإن لم يشترط الخلف فسد العقد وعلى هذا فكلام المصنف في هذه المسألة ليس بظاهر، إما أولاً: فلتركه مذهب المدونة.
стр. 3687
وإما ثانياً: فلأن كلامه يوهم صحة العقد باتفاق. وإنما الخلاف في تعيينها خاصة.
وفي المسألة قول رابع: يجوز العقد من غير اشتراط الخلف إن قرب الزمان لا إن بعد؛ حكاه اللخمي واختار قولاً خامساً بالجواز فيما قرب، بعد التحجير على رب الماشية في البيع.
تنبيه:
الأكثرون فهموا المدونة على ما ذكرنا، ورجحوا قول ابن الماجشون ومن وافقه.
وفهم الباجي أن المذهب على ما قاله ابن الماجشون وأن شرط الخلف الذي ذكره في المدونة إنما أراد به رفع اللبس عند العقد لأن العقد يفسد عند عدم الشرط وهو بعيد من لفظ المدونة لأن فيها: فإن كانت بأعيانها فلا تجوز الإجارة حتى يشترط أنه إن ماتت أو باعها أخلف غيرها.
وَتُحْمَلُ فِي الدَّهَانِ وَغَسْلِ الْخِرَقِ وَغَيْرِهِ عَلَى الْعُرْفِ، وَقِيلَ: عَلَى الظَّئْرِ
قوله: (وَتُحْمَلُ) أي الظئر ويحتمل الإجارة هذا إن كان تحمل بالتاء المثناة من فوق وإن كان بالياء المثناة من تحت فيحتمل عوده على الأب وعلى العقد.
وقوله: (وَغَيْرِهِ) يعني: تحميمه ودق ريحانه ونحو ذلك على العرف، فإن اقتضى أنه على الظئر فعليها وإن اقتضى أنه على الأب فعليه هذا مذهب المدونة ولم يصرح فيها بالحكم إذا لم يكن عرف.
نعم، نص ابن حبيب على أنه مع عدم العرف على الأب.
وقوله: (وَقِيلَ: عَلَى الظَّئْرِ) أي: مع عدم العرف؛ لأن العرف محل اتفاق وهذا القول لابن عبد الحكم ولعل المصنف حمل المدونة على قول ابن حبيب، فلهذا ذكر هذا القول مقابلاً له لأن كلامه يوهم أن هذا القول مخالف مع ثبوت العرف.
стр. 3688
و (الدَّهَانِ) بفتح الدال مصدر؛ أي: فعل الدهان؛ لأنه محل للقولين، وهكذا ضبط عياض "دهنه" الواقع بفتح الدال؛ لأنه إنما أراد هنا الفعل، يعني: وأما "الدهان" بالكسر فهو اسم لما يدهن به، نص عليه الجوهري، وهو على الأب باتفاق.
ابن عبد الحكم: فأما ما ترقد فيه الظئر من لحاف [٦١٩/ ب] وفراش فذلك على ما تعارفه الناس فإن لم يكن عرف فذلك عليها ويكون على الأب لحاف الصبي ودثاره وما يرقد فيه.
وَتُعَيَّنُ الدَّارُ وَالْحَانُوتُ وَالْحَمَّامُ وَشِبْهُهُ
لما تكلم على استئجار الآدمي شرع في ذكر العقار ولابد من تعيينه ولا يصح أن يكون في الذمة إذ لابد من ذكر موضعه وحدوده وهذا بخلاف الدواب والسفن فإن الإجارة تكون فيها معينة وفي الذمة وسيأتي الكلام على الدواب.
وَتُقَيَّدُ بِمُدَّةٍ تَبْقَى فِيهَا غَالِباً، وَيَنْقُدُ إِنْ كَانَ لا يَتَغَيَّرُ غَالِباً.
يعني: في تقييد مدة الإجارة في العقار بمدة تبقى فيها العقار غالباً، فالأرض آمن من الديار وكذلك الجديد آمن من القديم والضابط في الجميع ما ذكره المصنف.
المتيطي: الذي جرى به العمل من الحكم كراء الرباع لعشر سنين وخمسة عشر وعشرين وأزيد ولا بأس بتعجيل الوجيبة كلها، ومذهب ابن حبيب أن الكراء في الرباع جائز إلى سنين كالبيع وإن بعد فلا بأس به دون النقد.
قوله: (وَيَنْقُدُ .. إلخ) ظاهر التصور، لكنه مقيد بما إذا كانت ملكاً للمكري أو ملك منافعها حياته، ففي النوادر عن مالك: لا بأس أن يكريها مدة قريبة وينتقد ولا يكريها كثيراً.
ابن القاسم: والقليل السنة ونحوها.
وقال ابن ميسر: لو أكراها ثلاث سنين أو أربعاً لم أر به بأساً.
стр. 3689
ابن يونس: وأما إن لم ينقد فجائز، لأنه كلما عمل أخذ بحسابه وذكر ذلك في العبد ولا فرق، وصرح بذلك المتيطي في الدور.
وَلَوْ لَمْ يُسَمِّ لِكُلِّ سَنَةٍ جَازَ كَالأَشْهُرِ مِنَ السَّنَةِ
يعني: ويجوز عقد الكراء على سنين بكذا وإن لم يسم لكل سنة شيئاً، كما يجوز أن يستأجر منه سنة بكذا وإن لم يعين لكل شهر شيئاً وكان المقصود من شهور السنة: بعضها، كما أشار إليه في المدونة في دور مكة ويرجع إلى التقويم عند حصول مانع كما يجوز جمع سلع مختلفة في البيع.
وقوله: (جَازَ) يفهم منه أيضاً الجواز مع التسمية من باب أولى، فهو مفهوم موافقة.
فرع:
ثم إن شرط الرجوع- إن طرأ مانع- إلى القيمة دون التسمية لحل اتفاقاً وإن شرط الرجوع بالتسمية امتنع اتفاقاً وإن دخلا على المكث فمذهب ابن القاسم وروايته في المدونة أن التسمية لغو ويقتضي بالقيمة وهو قول سحنون وأصبغ ولمالك في العتبية أن الكراء فاسد وذكر ذلك في البيان.
وزعم ابن عبد السلام أن في كلام المصنف ما يوهم أنهما إذا سميا لزمته التسمية عند استحقاق ورد بأنه ليس مفهوم موافقة ولا مخالفة.
أَوْ تُقَيَّدُ كُلَّ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ بِكَذَا فَتَصِحُّ وَلا يَلْزَمُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ فِي الْمَذْكُورِ
لما قدم الكلام على كراء الوجيبة شرع في الكلام على كراء المسابقة والمشاهرة، قوله: (أَوْ تُقَيَّدُ) معطوف على قوله: (وَتُقَيَّدُ بِمُدَّةِ)
قوله: (فَتَصِحُّ) أي الإجارة ولا يلزم كل واحد من المتعاقدين في المذكور سواء سكن بعضه أم لا، وهذا مذهب ابن القاسم، وروي عن مالك في المدونة.
стр. 3690
وروى مطرف وابن الماجشون: أنه يلزمه أقل ما سميا، فإن قالا: كل شهر بكذا لزم في شهر، وإن قالا، كل سنة بكذا لزم في السنة.
وبه قال ابن حبيب واختاره اللخمي، قال: لأنهما أوجبا بينهما عقداً ولم يجعلا فيه خياراً، فوجب أن يحملا على أقل ما تقتضي التسمية.
واختار ابن يونس المشهور قال: لأنه كأنه قال: أكريتك من حساب الشهر والسنة بكذا.
وفي المسألة قول ثالث: لا يلزمه شيء كالقول الأول حتى يشرع في السكنى فيلزمه أقل ما سميا كالقول الثاني وهو أيضاً مروي عن مالك.
ولكراء الوجيبة ألفاظ؛ الأول أن يقول: أكريتك هذه الدار أو الحانوت شهر كذا أو سنة كذا.
والثاني: أن يقول: أكريتك هذا الشهر وهذه السنة.
والثالث: أن يسمي العدد فيما زاد على الواحد فيقول سنتين أو ثلاثاً.
والرابع: أن يقول: أكري منك إلى وقت كذا واختلف إذا قال: أكري منك سنة بكذا أو شهراً بدرهم فحمل أكثرهم كابن لبابة وغيره المدونة على أنه وجيبة وذهب أبو محمد إلى حمل المدونة على أنه غير لازم، كما إذا قال: اكتري كل سنة بكذا أو السنة بكذا.
ابن سهل: ورأيت في حاشية كتاب بعض شيوخنا: إن قال: أكريتك السنة بكذا- بالنصب- لزمته السنة، وإن قال أكريتك السنة بكذا- بالرفع- كان مثل قوله: أكريك كل سنة بكذا على رواية ابن القاسم قال: وهذا إن شاء الله حسن.
ابن رشد: ولا وجه لاستحسانه عندي، لأنه لما نصب احتمل لزوم السنة واحتمل بحسابه السنة فيجب الحمل على عدم اللزوم، لأن الأصل براءة الذمة فأما إذا رفع فلا إشكال ولم يتكلم عليه ابن القاسم.
стр. 3691
فَلَوْ نَقَدَه مَبْلَغاً لِزَمَتْ فِيمَا يُقَابِلُهُ اتِّفَاقاً
هكذا حكى اللخمي الاتفاق أيضاً وعلى هذا فلو قال: كل شهر بكذا ونقد كراء كل شهر لزمه في النصف ثم على المشهور لزمه أن ينحلا عن الكراء وعلى قول عبد الملك يلزمه النصف الآخر.
فَإِذَا لَمْ يُعَيِّنِ ابْتِدَاءً الْمُدَّةَ حُمِلَ مِنْ يَوْمِ الْعَقْدِ
يعني إذا قال: اكتر شهراً أو سنة ولم [٦٢٠/ أ] يبين أولها حمل على أن ذلك أولها من حين العقد لأنه لو لم يحمل على ذلك لزم فساد العقد لأن الكراء لا يجوز على غير سنة معينة وإذا وقع العقد على شهر فإن كان في أوله لزمهما الكراء في ذلك الشهر على ما كان من نقص أو تمام وإن كان ذلك في بعض شهر لزمهما الكراء في ثلاثين يوماً من يوم عقداه، وكذلك السنة إن كان في أول شهر فاثنى عشر شهراً بالأهلة.
مالك في أكرية الدور من المدونة: وإن وقع بعد أن مضى من الشهر عشرة أيام حسباً أحد عشر بالأهلة وشهرا على ثلاثين يوماً كالعدة والأيمان ولا يقع الكراء على ما بقي من السنة إذا قال: أكري منك هذه السنة إلا ببيان.
قال في المقدمات: بين ذلك رواية عيسى عن ابن القاسم في كتاب الصيام فيمن قال: لله عليَّ صيام هذه السنة لسنة ست وثمانين وقد مضى بعضها أن عليه صيام اثني عشر شهرا وكذلك روايته عنه في كتاب الأيمان، في من قال لامرأته: أنت طالق إن فعلت كذا هذه السنة أنه إن كان نوى ما بقي فله نيته، وإن لم ينو شيئاً استقبل اثني عشر شهراً.
قال في المدونة: ومن اكترى داراً سنة أو سنتين ولم يسم متى يسكن جاز، ويسكن أو يسكن غيره ما لم يأت من ذلك ضرر بين على الدار.
ابن يونس: يريد ضرراً في السكنى.
стр. 3692
ابن عبد السلام: ويحتمل عندي خلاف ما نص عليه مالك في المختصر: إن غلقها المكري وخرج فذلك له وليس لصاحبها أن يقول تخربها عليَّ.
وَلَوْ لَمْ يُعَيِّنْ فِي الأَرْضِ بِنَاءً وَلا زِرَاعَةً وَلا غَرْساً وَلا غَيْرَهُ وَبَعْضُهُ أَضَرُّ فَلَهُ مَا يُشْبِهُ فَإِنْ أَشْبَهَ الْجَمِيعُ فَسَدَ ..
سكت عن التعيين لظهور الحكم فيه ووقع في بعض النسخ بعد قوله: (وَلا غَيْرَهُ) (وَلا خَيَّرَهُ) وهو يقتضي: أنه لو خيره جاز ونحوه في الجواهر، فإنه قال: ولو قال: انتفع بالأرض كيف شئت، جاز وتردد فيه التونسي قال: انظر لو رضي رب الأرض بذلك هل يجوز إذا كان الأمران مختلفين أو لا يجوز؟ كمن اكترى إلى طريق فأراد أن ينتقل إلى ما يخالفها.
وقوله: (وَبَعْضُهُ أَضَرُّ): جملة حالية.
(فَلَهُ مَا يُشْبِهُ) أي ما دل العرف عليه (فَإِنْ أَشْبَهَ الْجَمِيعُ) أما إن كان العرف يقتضي الجميع أو لم يكن هناك عرف (فَسَدَ) أي: العقد وهذا أشبه بمذهب غير ابن القاسم في المدونة قال في أكرية الدور: وإذا كانت الأعمال يتفاوت ضررها وأكريتها لم يجز كراؤها إلا على شيء معروف يعمل فيه وإن لم يختلف فلا بأس وهو مخالف لظاهر مذهب ابن القاسم فيها، قال: ومن اكترى داراً فله أن يدخل متى شاء فيها من الدواب والأمتعة وينصب فيها الحدادين والقصارين والأرحية ما لم يكن ضرر فيمتنع.
ولم يقل يفسد العقد وقال في الأرضين: من اكترى أرضاً ليزرعها عشر سنين فأراد أن يغرس فيها شجراً، فإغن كان ذلك أضر بها منع، وإلا فله ذلك.
وفي اللخمي: أجاز- يعني ابن القاسم- كراء الحوانيت والديار على الإطلاق من غير مراعاة لصنعة مكتري الحوانيت ولا لعيال من يسكن الدار. وعلى قول غيره لا يجوز
стр. 3693
إلا بعد المعرفة بذلك. وصرح بأن قول الغير خلاف. وقال ابن القاسم: والدواب؛ يريد إلا ان يكون العرف جارياً بعدم دخول الدواب الدور، وقاله بعضهم.
وَلَوْ سَمَّى صِنْفاً يَزْرَعُهُ جَازَ مِثْلُهُ وَدُونَهُ
يعني: ولا يجوز أن يزرع ما هو أضر. وتصور كلامه ظاهر.
وفي الموازية: من اكترى أرضاً على ألا يزرع فيها إلا قطناً لم يجز، فإن نزل فعليه قيمة الكراء. وقال محمد: ذلك جائز عندي.
وَلا يَلْزَمُ تَعْرِيفُ قَدْرِ الْبِنَاءِ وَصِفَتِهِ بِخِلافِ الْبِنَاءِ عَلَى الْجِدَارِ
وإذا اكترى أرضاً ليبني فيها لم يلزمه أن يذكر قدر البناء؛ لأن الأرض لا ضرر عليها في بقاء البناء بخلاف الجدار إذا أكراه ليبني عليه.
وَفِي الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ بِتَعْيينِهَا، وَفِي الذِّمَّةِ بِتَبْيينِ الْجِنْسِ وَالنَّوْعِ وَالذُّكُورَةِ وَالأُنُوثَةِ.
لما فرغ من كراء العقار شرع في كراء الدواب؛ وكراؤها لأربعة أوجه: للركوب، وللحمل، وللحراثة، وللاستسقاء.
فأما الركوب فهو على وجهين: أحدهما: أن يقول: أكريتك هذه الدابة.
والثاني: أن يكري منه دابة في ذمته.
وقوله: (بِتَبْيينِ) يتعلق بالذمة. وإنما اشترط ذكر الجنس والنوع والذكورة والأنوثة لاختلاف الأغراض والمنافع في ذلك.
وظاهر كلامه الاكتفاء بالتعيين في الوجه الأول وينبغي أن يختبرها الراكب لينظر سيرها في سرعته وبطئه، فرب دابة كما قال مالك: المشي خير من ركوبها.
محمد: وإن وقع الكراء على الإطلاق حمل على المضمون حتى يدل دليل على التعيين.
стр. 3694
قال: ولو اكترى منه أن يحمله إلى بلد كذا على دابة أو سفينة قد أحضرها ولم يعلم له غيرهأن ولم يقل تحملني على دابتك هذه أو سفينتك. فهلكت بعد أن ركب فعلى المكري أن يأتيه بدابة أو سفينة غيرها وهو مضمون حتى يشترط أنه أكرى منه هذه بعينها.
محمد: ويكون نصف السفينة أو ربعها كشرط التعيين.
وَلا يَتَعَيَّنُ الرَّاكِبُ، [٦٢٠/ ب] وَلَوْ عُيِّنَ لَمْ يَلْزَمْ تَعْيينُهُ، وَجَعَلَ مِثْلَهُ فَأَدْنَى. وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكُ فِي الدَّابَّةِ خَاصَّةً إِلا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَبْدُوَ لَهُ ..
هكذا وقع في بعض النسخ على أنه ابتداء مسألة، وفي بعضها (وَلا يَتَعَيَّنُ الرَّاكِبُ) عطفاً على قوله: (وَفِي الدَّوَابِّ لِلرُّكُوبِ بِتَعْيينِهَا، لا بِتَعْيينِ الرَّاكِبِ، بَلْ لَوْ عَيَّنَ لَمْ يَلْزَمْهُ تَعْيينُهُ) ولهذا لو مات الراكب لم تنفسخ الإجارة؛ لأن به تستوفي المنفعة.
قوله: (وَجَعَلَ مِثْلَهُ) وفي بعض النسخ: (وَحَمَلَ) وكل منهما يحتمل أن يكون مبيناً للفاعل على تقديره (وَجَعَلَ) الراكب المعين (مِثْلَهُ فَأَدْنَى) ويحتمل أن يبنى للمفعول، وهذا لمالك في كتاب الرواحل والكراء.
قال: وأكثر قول مالك له في حياته أن يكريها من مثله في حاله أو أمانته وخفته.
وقوله: (وَاسْتَثْقَلَهُ) أي: واستثقل مالك ﵀ حمل المثل على الدواب خاصة، وهو قوله في الجعل والإجارة.
قال: وكره مالك لمكتري الدابة لركوبه كراؤها من غيره وإن كان أخف منه أو مثله، فإن أكراها لم أفسخه، وإن تلف لم يضمن إذا أكراها فيما اكتراها فيه من مثله وحالته وأمانته وخفته.
وعلى هذا فيحتمل أن يكون المصنف ذكر قولي مالك، ويحتمل أن يكون إنما ذكر قولاً واحداً ويكون قوله: (وَجَعَلَ مِثْلَهُ فَأَدْنَى) مقيدا بعد: (وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكُ).
стр. 3695
وقوله: (فِي الدَّابَّةِ خَاصَّةً) أي: للركوب أي: وأما غير الدابة أو في الدابة لغير الركوب فلم يستثقله.
محمد: ولم يختلف من أدركت من العلماء في إجازته في الكراء في الدور والسفن والمتاع والصناعات في مثل ما اكترى، وقد استثقله مالك في الركوب إلا أن يقيم أو يموت ولم يختلف قوله في الإحمال.
قوله: (إِلا أَنْ يَمُوتَ أَوْ يَبْدُوَ لَهُ) هو كما حكيناه عن الموازية.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَالثَّوْبِ لِلُبْسِ مِثْلِهِ
أي: مثل الركوب. ونسبه لابن القاسم لأنه هو الذي قاله في المدونة.
قال بعد أن ذكر مالك الحكم في الدواب وكذلك الثياب في الحياة والممات: وظاهره أنه لا يضمن في الثوب إذا أكراه من مثله كالدابة. والذي في المدونة عن ابن القاسم أنه يضمن إذا هلك بيد الغير لاختلاف الناس في اللبس ولا يضمن إن هلك بيده.
لكن قال سحنون: هذا حرف سوء فلا يضمن.
قال: ومسألة الفسطاط هي الأصل، وهي قول ابن القاسم: وإن اكتريت فسطاطاً إلى مكة فأكريته من مثلك في حالك وأمانتك، وصنيعه فيه مثل صنيعك، وحاجتك إليه مثل حاجته جاز.
وقد يقال: في استدلال سحنون نظر؛ لأن الاختلاف في اللبس أكثر من الاختلاف في الفسطاط.
ويُعَيَّنُ الْمَحْمِلُ أَوْ يُوصَفُ وَالْمَعَالِقُ مِثْلُهَا فَإِنْ كَانَتْ عَادَةً لَمْ يُحْتَجْ فِي الْجَمِيعِ
إذا أكرى ليركب في محمل فلابد من تعيينه أو وصفه بما لا يختلف، فإنه مما يختلف بالكبر والصغر.
стр. 3696
و (الْمَحْمِلُ) بفتح الميم وسكون الحاء وكسر الميم الثانية.
الجوهري: واحد المحامل وهي الأوعياء، وأما (الْمَحْمِلُ) بكسر الميم الأولى وفتح الثانية فهو علاقة السيف.
وقوله: (وَالْمَعَالِقُ مِثْلُهَا) أي: فلابد من وصفها وتعيينها.
(وَالْمَعَالِقُ) ما يزيده المكتري على حمل الدابة.
فإن قيل: في المدونة: وقد عرفت للحاج زيادة من السفر والأطعمة لا ينظر فيها المكاري ولا يعرف ما حمل فلا ضمان عليه في ذلك.
وظاهره أنه لا يحتاج إلى تعيينها ولا إلى وصفها خلاف ما قاله المصنف. فالجواب أنه قد عرفت فصار هذا مدخولاً عليه بالعرف، فدخل تحت قول المصنف: فإن كانت عادة لم يحتج في الجميع إلا في المحمل والمعاليق.
قال في المدونة: وإن أكريت دابة بعينها، فليس لربها أن يحمل تحتك متاعاً ولا يردف رديفاً، وكأنك ملكت ظهرها وإن جعل في متاعك على الدابة متاعاً بكراء أو بغير كراء فلك كراؤها إلا أن تكون أكريت منه على حمل أرطال مسماة كالزيادة له.
أشهب: وإن أكراه ليحمله وحده أو مع متاعه فكراء الزيادة للمكتري ولو كان المكتري منعه من الزيادة عليها إذا أكراه دابة.
قيل: وقول أشهب وفاق.
وَأَمَّا السَّيْرُ وَالْمَنَازِلُ فَالْعُرْفُ كَافٍ
أي: في تفصيل السير ومقداره في الليل والنهار، وهو ظاهر. ثم أخذ يتكلم على الوجه الثاني:
стр. 3697
وَالْحَمْلِ بِرُؤْيَةِ الْمَحْمُولِ أَوْ بِكَيْلِهِ أَوْ وَزْنِهِ أَوْ عَدَدِهِ فِيمَا لا تَفَاوُتَ فِيهِ
(وَالْحَمْلِ): مجرور معطوف على (الرُّكُوبِ) أي: وفي إجارة الدواب للحمل. (وَالْحَمْلِ) بالفتح مصدر حمل.
ابن السكيت: وهو بفتح الحاء لما كان في بطن أو شجر، وبالكسر لما كان على ظهر أو رأس.
وقوله: (بِرُؤْيَةِ .. إلخ) هو ظاهر، ولم يتعرض المصنف للجنس ولابد من بيانه، واستغنى المصنف عن اشتراطه؛ لأن رؤية المحمول تغني عنه؛ ولأن قوله: فيما لا تفاوت فيه يؤخذ منه اشتراط ذكر الجنس.
قال في المدونة: ومن اكترى دابة ولم يسم ما يحمل عليها لم يجز إلا من قوم قد عرف حملهم.
وقال غيره: لو سمى حمل الطعام أو بر أو عطر جاز. وحملها قدر حمل مثلها. ولو قال: أحمل عليها حمل مثلها ما شئت؛ لم يجز لاختلاف الأشياء في الحمل.
عياض: واختلف الشيوخ فحمل بعض القرويين قول الغير على الخلاف وأن معنى قوله: "قد عرف حملهم" أي: قدره، وحمله الأندلسيون على الوفاق؛ أي: عرفوا نوع ما يحملون من التجارة فلا يضرهم جهل [٦٢١/ أ] مقداره. وإليه ذهب فضل، وهو ظاهر الكتاب أنه متى كان الجنس عرف لا تبال عن التقدير وحملت الدابة حمل مثلها.
فحاصله أن القرويين يقولون: لا يجوز على قول ابن القاسم ولو سمى الجنس حتى يكون القدر معروفاً إما نصاً أو عرفاً.
والأندلسيون يقولون: إنما لم يجز لكونه لم يسم الجنس، ولو سمى الجنس لجاز، ويصرف القدر على الاجتهاد. وممن حمله على الخلاف اللخمي، فإنه قال: إن سمى القدر دون الجنس لم يجز، فقد يتفق الجنس ويختلف الكراء لاختلاف المضرة، وكراء الكتان
стр. 3698
والرصاص مختلف وإن استوى الوزن. واختلف إذا سمى الجنس دون القدر، فمنعه ابن القاسم، وأجازه غيره فيحمل عليها حمل مثلها؛ والأول أحسن وليس كل واحد من المكترين يعرف قدر ما تحمل دابة غيره.
وَلا تُوصَفُ الدَّابَّةُ إِلا مِثْلَ زُجَاجٍ وَنَحْوِهِ.
يعني: أن الدابة في الحمل لا يحتاج إلى وصفها لعدم اختلاف الأغراض في ذلك إلا أن يكون مما يفسد- أي: المحمول- بسقوط الدابة كالزجاج والدهن ونحوه كالفخار؛ فيحتاج إلى تعيينها ووصفها لتعلق الأغراض بذلك. ثم انتقل المصنف إلى الوجه الثالث، وهو الحرث فقال:
وَلِلْحِرَاثَةِ بِتَعْرِيفِ صَلابَتِهَا وبُعْدِهَا
الضمير في (صَلابَتِهَا وبُعْدِهَا) عائد على الأرض المفهومة من الكلام. واستغنى المصنف بالضد عن الضد الآخر، وتقدير كلامه: بتعريف صلابة الأرض ورخوها وقرب الأرض وبعدها.
ودل قوله (وبُعْدِهَا) على جواز الكراء في أرض غائبة على الصفة كالبيع، وقد نص عليه في المدونة في الدار ولا فرق.
تنبيه:
لم يتكلم المصنف على الوجه الرابع وهو إجارة الدواب للسقي.
قال في الجواهر: ولابد من معرفة قدر الدلاء والعدد وموضع البئر وبعد الرشاء إذا كان مبايناً للمعارف مباينة بينة إلا أن يكون جميع ذلك أو بعضه معلوماً بالعرف فيكتفى به.
стр. 3699
وَعَلَى مُكْرِي الدَّابَّةِ الْبَرْذَعَةُ وَشِبْهُهَا والإِعَانَةُ فِي الرُّكُوبِ وَالنُّزُولِ ورَفْعِ الْحِمْلِ، وحَطَّهَا بِالْعُرْفِ ..
(الْبَرْذَعَةُ) - بالذال المعجمة- وشبهها السرج والحزام واللجام ونحو ذلك. ومفهوم قوله: (بِالْعُرْفِ) أنه لو لم يكن عرفاً فإن ذلك على المكتري.
وهكذا نقل ابن عبد السلام عن بعض الشيوخ لكن مفهوم المدونة خلافه، ففيها: ولا بأس أن تكتري من رجال إبلاً على أن عليك رحلتها، وظاهره لولا الشرط لكان ذلك على رب البعير.
وَإِذَا فَنِي الطَّعَامُ الْمَحْمُولُ رُجِعَ فِي بَدَلِهِ إِلَى الْعُرْفِ
يعني: إذا أكرى على حمل وزن معلوم أو كيل من طعام فكان يأكل منه ويعلف فأراد بدل ما نقص وأشكل الحال رجع إلى العرف.
وهكذا قال ابن القاسم في المدونة، وسكت عن الحكم إذا لم يكن عرف.
وقال غيره: فإن لم تكن لهم سنة فلهم حمل الوزن الأول إلى غاية الكراء، وعكس هذا إذا اكترى منه على حمل خمسمائة رطل فحملها وأصابها مطر فزاد وزنها.
قال سحنون: فكأنه ليس هو بعينه، فلا يلزم إلا حمل خمسمائة رطل، فإن نقل منه حتى صار إلى الوزن الأول لزمه وإلا فلا.
ويُوَفِّرُ الْمُسْتَاجِرُ عَلَى الْعُرْفِ كَنَزْعِ الثَّوْبِ لَيْلاً وفِي الْقَائِلَةِ
يعين: وإن كان اللفظ يقتضي خلافه؛ لأن استئجار الثوب شهراً يقتضي بحسب الظاهر استغراق جميع الشهر لكن ترك ذلك للعرف، وكذلك الطيلسان، وينبغي أن يترك لباسه داخل المنزل.
стр. 3700
قال ابن عات: قال بعض الشيوخ: الفتوى إذا اكترى دواب على حمل متاع وبالطريق نهر لا يجاز إلا بالمركب وقد عرف ذلك كالنيل فأجرة المتاع على ربه وأجرة الدواب على ربها، وإن كان يخاض بالمخائض فاعترضه حملان لم يعلموا به فحمل المتاع على صاحب الدواب وتلك جائحة نزلت به وكذلك إن كان النهر شتوياً يحمل بالأمطار إلا أن يكون وقت الكراء قد علموا جريه فيكون كالنهر الدائم.
وَلَيْسَ الْخَيْطُ عَلَى الأَجِيرِ مَا لَمْ يَكُنْ عُرْفُ
أي: بل على رب الثوب إلا أن يكون العرف أن ذلك على الأجير، وهكذا قال ابن شاس، وفي بعض النسخ: (والْخَيْطُ عَلَى الأَجِيرِ) أي: الخياط. والجاري عندنا بمصر أن الخيط من الخياط، ولا يطالب رب الثوب أصلاً إلا أن يكون جرى فإنه تختلف فيه العادة، فقد يطلبه وقد لا يطلبه. نعم إذا أطلق عقد الإجارة حمل على أنه على الخياط.
قال في المدونة: ومن واجرته على بناء دار فالأداة والفؤوس والقفاف والدلاء والماء على ما تعارف الناس أنه عليه، وكذلك حيتان التراب على حافر القبر ونقش الرحا على ربه.
وَالاسْتِرْضَاعُ لا يَسْتَتْبِعُ الْحَضَانَةَ وَلا الْعَكْسَ
نحوه في الجواهر وهو ظاهر، وقوله: (وَلا الْعَكْسَ) أي: والاستئجار على الحضانة لا يستلزم الإرضاع؛ لأن لكل واحد منهما حقيقة مغايرة للآخر، فإن عقد عليهما معاً فانقطع اللبن جرى ذلك على مسائل الاستحقاق فإن كان اللبن وجه الصفقة فسخ الجميع.
وَإِذَا كَانَ بِالدَّارِ وَشِبْهِهَا مَا يَضُرُّ كَالْهَطْلِ وَشِبْهِهِ لَمْ يُجْبَرِ الْمَالِكُ، وَخُيِّرَ الْمُسْتَاجِرُ، وَقِيلَ: يُجْبَرُ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى إِلا بِإِزَالَتِهِ أُجْبِرَ ..
شبه الدار الحانوت والحمام، (مَا يَضُرُّ) مما هو في حيز القليل (كَالْهَطْلِ) بسكون الطاء؛ وهو تتابع المطر قاله الجوهري.
стр. 3701
وشبهه: أي كالصدع وضعف الأساس والهدم اليسير، و (لَمْ يُجْبَرِ) أي: المالك على الإصلاح، وهذا قول ابن القاسم، (وَخُيِّرَ الْمُسْتَاجِرُ) بين أن يسكن بجميع الكراء أو يخرج.
قوله: (وَقِيلَ: يُجْبَرُ) هذا لغير ابن القاسم في المدونة.
ابن عبد السلام: والعمل عليه في زماننا.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ لا يَصْلُحُ لِلسُّكْنَى .. إلى آخره) وهو خلاف فرض المسألة؛ لأن الكلام في الهطل وشبهه، لكن المصنف قد تكلم على ما هو أعم من فرض المسألة.
قال صاحب المقدمات: والهدم في الدار على قسمين: يسير وكثير، فاليسير على ثلاثة أوجه؛ الأول: لا مضرة فيه على الساكن ولا ينقص من كراء الدار شيئاً كالشرفات ونحوها، فالاتفاق على أن الكراء لازم ولا يحط عن المكتري منه شيء.
الثاني: أن يكون لا مضرة فيه على الساكن، إلا أن ينقص من قيمة كراء الدار فهذا يلزمه السكنى ويحط عنه ما نقص من قيمة الكراء إن لم يصلحه رب الدار ولا يلزمه إصلاحه، فإن سكت وسكن لم يكن له شيء.
الثالث: أن تكون مضرة على الساكن من غير أن يبطل من منافع الدار شيئاً كالهطل وشبهه، فهذا فيه قولان، فذكر القولين على نحو ما قدمناه، وعلى هذا فكلام المصنف خاص بهذا الحكم الثالث؛ لأن الحكم في الأولين على خلاف ما ذكره.
وذكر اللخمي أنه إذا كان ذهاب الشرفات ينقص من جمال الدار، أنه ينقص من الكراء بقدر ذلك.
قال في المقدمات: وإن كان الهدم كثيراً لم يلزم رب الدار إصلاح بإجماع، وهو أيضاً على ثلاثة أوجه:
стр. 3702
الأول: أن يعيب السكنى وينقص من قيمة الكراء ولا يبطل شيئاً من المنافع؛ مثل أن تكون الدار مبلطة مجصصة، فيبطل تبليطها وتجصيصها فيكون المكتري بالخيار بين السكنى بجميع الكراء أو يخرج إلا أن يصلح ذلك رب الدار، فإن سكت وسكن لزمه جميع الكراء على مذهب المدونة، بخلاف رواية عيسى، وقد قيل: إن الحكم في هذا الوجه كالبيت ينهدم من الدار وهو بعيد.
والثاني: أن ينهدم بيت من بيوتها، فهذا يلزمه السكنى ويسقط عنه ما ناب المنهدم.
والثالث: أن يبطل أكثر منافع الدار أو منفعة البيت التي هي وجهها ويكشفها بانهدام حائطها، وما أشبه ذلك فهذا يخير المكتري بين السكنى والخروج، فإن أراد أن يسكن على أن يحط من الكراء ما ينوب المنهدم لم يكن له ذلك إلا برضا ربها، فإن رضي بذلك جرى على جمع الرجلين سلعتيهما في البيع، وإن بنى المكري الدار قبل أن يخرج المكتري منها لزمه الكراء، ولم يكن له أن يخرج، وإن بناها بعد أن خرج لم يكن له الرجوع إليها إلا أن يشاء، وإن سكت وسكن الدار مهدومة لزمه جميع الكراء على مذهب ابن القاسم في المدونة خلاف رواية عيسى عنه في العتبية.
فَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: أُصْلِحُ، وَكَانَ عَلَى الْمُسْتَاجِرِ ضَرَرُ بِطْولِ الْمُدَّةِ أَوْ لا يَحْتَمِلُ مِنَ الضَّرَرِ خُيِّرَ أَيْضاً.
فإن طلب رب الدار الإصلاح والتمادي على عقد الكراء وكان على المكتري ضرر في ذلك إما بسبب طول المدة وإما لكثرة ما انهدم كالتكشيف على أهله، فإن ذلك لا يسقط حق المكتري فيما وجب له من الكراء، بل يجر، كما إذا قال المالك: أنا لا أصلح وهو معنى قوله: (خُيِّرَ أَيْضاً).
стр. 3703
وَلَوْ فَسَدَ الزَّرْعُ بِجَائِحَةٍ فَالأُجْرَةُ لازِمَةً
يعني: لو فسد الزرع ببرد أو طير أو جراد أو غير ذلك من الجوائح لزم المكتري جميع الكراء؛ لأنه قد تسلم جميع المنفعة، وذلك بمنزلة ما لو غصبه غاصب.
فَلَوْ كَانَ لِكَثْرَةِ دُودِهَا أَوْ فَارِهَا أَوْ عَطَشِهَا سَقَطَ الْكِرَاءُ
أي: فلو كان فساد الزرع من جهة الأرض إما لكثرة دودها أو فأرها أو عطشها سقط الكراء عن المكتري، وألحقوا العطش بالموانع الأرضية وكذلك الغرق إذا تمادى حتى خرج وقت الزراعة، أما إن حدث بعد إبانها أو انقطع قبل الإبان فالكراء لازم، وفي معنى فساد الزرع بسبب العطش أن يحصل ما لا بال له، واختلف في تحديد هذا القليل، فقيل: خمسة فدادين أو ستة من مائة.
وقيل: قدر الذريعة مرة. وقيل: قدرها مرتين.
وقيل: ينظر إلى الإصابة المتوسطة فما نقص عنها سقط من الكراء بنسبته.
وَلَوْ انْقَضَتِ الْمُدَّةُ وَالزَّرْعُ بَاقٍ، وَالأَمَدُ بَعِيدُ، وَكَانَ رَبُّهُ قَدْ عَلِمَ فَلِرَبِّهَا قَلْعُهُ أَوْ إِبْقَاؤُهُ بِالأَكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ كِرَاءِ الْمِثْلِ ..
القول الذي صدر به لابن حبيب والقول بكراء المثل هو مذهب المدونة على ما فهمه، فنذكر أولاً قول ابن حبيب، ثم نذكر ما في المدونة ليتبين لك ذلك.
ابن حبيب: وإن اكترى أرضاً سنة أو سنتين فنفدت ولم يبق منها إلا شهران أو شهر، وما لا ينتفع به في الزرع فليس للمكتري أن يحدث به زرعاً إلا بكراء مؤتنف ولا يحط عنه لما تقدم شيء ولربها حرثها لنفسه وليس للمكتري منعه؛ لأنه مضار فإ، زرعها المكتري وهو يعلم أن الوجيبة تنقضي قبل تمام الزرع بالأمد البعيد، فربها مخير إن شاء حرث أرضه وأفسد زرعه أو أقره وأخذ بالأكثر من قيمة الكراء أو كراء الوجيبة، وإن كان ظن أن
стр. 3704
الزرع ينقضي عند تمام الوجيبة فزاد عليها الأيام والشهر ونحوه، فليس لربها قلعه ولربها [٦٢٢/ أ] زيادة المدة على حسب كراء الوجيبة، فقول ابن حبيب: أو أقره وأخذ بالأكثر إلى آخره، هو قول المصنف: (بِالأَكْثَرِ مِنَ الْمُسَمَّى أَوْ كِرَاءِ الْمِثْلِ) ونص ابن حبيب على أنه لا فرق في هذا بين أرض الزرع والمباقل.
وقال في المدونة: ومن اكترى أرضاً سنة فحصد زرعه قبل تمام السنة، فأما أرض النهر فمحمل السنة فيها الحصاد وينقضي بذلك فيها، وأما ذات السقي التي تكرى على أمد الشهور والسنين فللمكتري العمل إلى تمام السنة، فإن تمت وله فيها زرع أخضر أو بقل فليس لرب الأرض قلعه وعليه تركه إلى تمامه، وله فيما بقي كراء المثل على حساب ما أكراها منه، وهكذا اختصرها البراذعي وابن أبي زمنين.
وطرح سحنون قوله: على حساب ما أكرى، قيل: لأنه تناقض؛ إذ لا يصح كراء المثل على حساب ما أكرى، وإليه ذهب الشيخ أبو محمد، واختصرها فقال: وله فيما بقي كراء المثل على ما أكراه.
ورجح ما قاله الشيخ بأن المسألة وقعت في العتبية من سماع أبي زيد على ما اختصر الشيخ، هكذا في الرواحل في المدونة في التعدي في المسافة.
ورأى ابن لبابة أنه في المدونة ذكر القولين فاختلط ذلك على السامع وظنهما قولاً واحداً.
ودفع عبد الحق وابن يونس ما أشاروا إليه من التناقض على الرواية الأولى وقالا: بل معناها صحيح بأن يقوم كراء الزيادة، فإن قيل: دينار، قيل: وما قيمة السنة كلها، فإن قيل: خمسة، فقد علمت أنه وقع للزيادة مثل خمس كراء السنة فيكون كراء الأول ومثل خمسه.
стр. 3705
وعلى هذا فقول المصنف: (وقيل: كِرَاءِ الْمِثْلِ) هو مذهب المدونة على تأويل سحنون والشيخ أبي محمد وغيرهما.
ولعل المصنف ممن ذهب إلى هذا المذهب لرجحانه برواية أبي زيد وبما في الرواحل؛ فلذلك اقتصر عليه، لكن لو أراد هذا لقدم هذا القول على الأول.
قال في المدونة بإثر الكلام السابق: وقال غير ابن القاسم: فإن بقي من السنة بعد حصاده ما لا يتم فيه زرعه فلا ينبغي أن يزرع، فإن فعل فعليه في زيادة المدة الأكثر من كراء المثل؛ إذ كأنه رضي به، أو كراء المثل وهو قول ثالث في المسألة، وقيده ابن يونس بأن لا يكون ربها عالماً به، فإن علم فتركه فله، على حساب الكراء الأول، كما قال الغير في الدابة يكتريها مدة فيتجاوزها.
وَإِنْ كَانَ ظَنَّ تَمَامَهُ فَزَادَ الشَّهْرَ وَنَحْوَهُ فَعَلَيْهِ نِسْبَةُ الْمُسَمَّى، وَقِيلَ: كِرَاءُ الْمِثْلِ
(وَإِنْ كَانَ ظَنَّ) تأكيد؛ أي وإن لم يكن متعمداً، بل ظن الزرع يطيب عند انقضاء الأجل.
وَلَوْ زَرَعَ مَا ضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِمَّا هُوَ لَهُ فَلِلْمَالِكِ قَلْعُهُ، أَوْ أَخْذُ مَا بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مَعَ الْكِرَاءِ ..
قد تقدم أنه إذا عين صنفاً جاز أن يزرع مثله أو دونه، وتكلم هنا على ما إذا زرع الأكثر ولا شك أنه متعد فلذلك كان للمالك قلعه أو أخذ ما بين القيمتين مع الكراء الأول، وكيفية التقويم ظاهرة لا تخفى عليك، والقلع مقيد بما إذا كانت مدة الزراعة باقية، وأما إن مضت فليس إلا كراء الزيادة مع الكراء الأول، وهكذا قال صاحب الجواهر وغيره.
ابن عبد السلام: وإنما له التخيير إذا لم يطب الزرع، ولو كان بعد طيبه لم يكن له إلا ما بين القيمتين، وهذا إذا كان بعد الزراعة، وإن كان قبلها فأراد أن يزرع ما ضرره أكثر وأذن له
стр. 3706
في ذلك رب الأرض فظاهر المدونة جوازه؛ لأن ذلك يعيب الأرض، فهو حق آدمي يسقط بالإذن.
وتردد بعض القرويين في جوازه؛ لأنه كمن نقل الصانع من صنعة إلى صنعة وكمن أراد أن ينقل الحمل من طريق إلى طريق يخالفها، اختلف إذا استأجر شخصاً في شيء ثم أراد أن يستعمله في غيره فإن كان من جنسه ومثل مشقته جاز وأجرته عليه، وإن كان من غير جنسه ورضيا بذلك فأجازه ابن القاسم في اليسير وابن حبيب في الكثير ومنعه سحنون فيهما.
واختلف أيضاً إذا أكراه ناحية: هل يجوز أن ينقله إلى مثلها؟ فأجازه ابن القاسم في المدونة بالتراضي، ومنعه القرويون ولو تراضيا.
وقال أشهب: للمكتري ذلك إن تساوى الطريقان، وإن لم يرض ربها فيمكن أن يخرج هذا الخلاف في مسألتهما.
وَلَوْ اسْتَاجَرَ لِلْغَرْسِ أَوْ لِلْبِنَاءِ سِنِينَ فَانْقَضَتْ فَلِلْمَالِكِ أَخْذُهُ بِقِيمَتِهِ مَقْلُوعاً بَعْدَ إِسْقَاطِ مَا يَغْرَمُ عَلَى الْقَلْعِ وَالإِخْلاءِ ..
يعني: فله أن يأمره بقلع بنائه كما في بناء الغاصب والمعار إذا انقضت مدة الإعارة.
وقيد عبد الحق وغيره هذا بما إذا لم يكن في الشجر ثمر أو كان فيها ثمر غير مأبور وهذا هو الذي له أن يأمره بقلع الزرع.
قال: وإن كان الثمر مأبوراً عند تمام الأمد أجبر رب الأرض على بقائه وعليه قيمة الكراء؛ لأنه إذا تكلف المكتري القلع أضر به في فساد ثمرته عليه. واحترز المصنف بقوله: (لِلْبِنَاءِ وَالْغَرْسِ) مما لو استأجرها للزرع ولم يبد صلاحه، فليس رب الأرض قلعة ولا شراؤه قاله في المدونة، وقال التونسي: الأشبه جواز شرائه للزرع؛ لأنه قابض له بقبضه
стр. 3707
الأرض المحتوية عليه، وحديث النهي عن بيع الثمار قبل بدو صلاحها لا يتناول هذه الصورة؛ لأنه تجاوز من البائع، ومسألتنا الضمان فيها من المبتاع للقبض الذي قلناه.
وقوله: (عَلَى الْقَلْعِ وَالإِخْلاءِ) يعني: إلا أن يتولاه بنفسه أو عبده.
وَلَوْ حَمَلَ عَلَى دَابَّةِ أَكْثَرَ مِمَّا شَرَطَ فَعَطِبَتْ، فَإِنْ كَانَ مِمَّا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ خُيِّرَ رَبُّهَا فِي قِيمَةِ كِرَاءِ مَا زَادَهُ مَعَ كِرَائِهِ أَوْ قِيمَتِهَا يَوْمَ التَّعَدِّي، كَمَا لَوْ تَجَاوَزَ الْمَكَانَ وَإِنْ لَمْ تَعْطَبْ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ فَلَهُ كِرَاءُ مَا زَادَهُ كَمَا لَوْ لَمْ [٦٢٢/ ب] تَعْطَبْ ..
لزيادة المكتري صورتان؛ إحداهما: أن يزيد في الحمل، الثانية: أن يزيد في المسافة.
وتكلم المصنف عليهما فذكر أنه إذا زاد في الحمل؛ فإما أن يزيد زيادة تعطب بمثلها، أم لا، ولا فرق في الأول بين أن يزيد في الوزن أو فيتفاوت الضرر كما لو حمل مكان حنطة قنطار رصاص.
فقال المصنف: (إِذَا عَطِبَتْ) أي: هلكت (خُيِّرَ رَبُّهَا) في أخذ كراء ما زاد على الكراء الأول او أخذ (قِيمَتِهَا).
قال في المدونة: ولا كراء له.
ابن يونس: يريد إذا زاد ذلك في أول الحمل. يعني: وأما إن زاد بعد أن صار نصف المسافة، فله نصف الكراء الأول وقيمتها يوم التعدي.
وقول المصنف: (يَوْمَ التَّعَدِّي) يشمل الصورتين.
قوله: (كَمَا لَوْ تَجَاوَزَ الْمَكَانَ) أي: فعطبت، والتشبيه في مطلق التجاوز؛ إذ لا فرق هنا- أعني: إذا عطبت- بين أن يزيد في المسافة ما تعطب الدابة في مثلها أم لا، ولهذا قال: (وَإِنْ لَمْ تَعْطَبْ) أي: بمثل هذا التجاوز.
стр. 3708
قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: المشهور الفرق بين الزيادة في المسافة والقدر، وأنه لا يفصل في الزيادة في المسافة.
(وَعَلَيْهِ الْعَمَلُ) أي: وعلى المشهور، وأشار بالعمل إلى ما عليه الفقهاء السبعة من تضمينه في زيادة المسافة ولم يفصلوا.
ونقل ابن يونس عن بعض القرويين أنه يضمن في زيادة الحمل إذا عطبت، وإن كانت لا تعطلب بمثلها كزيادة المسافة، وهذا هو الشاذ في كلام المصنف.
ابن عبد السلام: وقال المؤلف: إنه يضمن بالزيادة في المسافة عطبت الدابة أو لم تعطب وذكر أنه المشهور وعليه العمل. انتهى.
وما ذكره المصنف من الضمان بالزيادة في المسافة هو كما ذكرناه إذا عطبت، أما إن لم تعطف فقال ابن القاسم في المدونة: إذا ردها بحالها بعد زيادة الميل أو الأميال أو بعد حبسها اليوم ونحوه لمالك في الواضحة: وأياماً يسيرة، لم يضمن إلا كراء الزيادة.
ابن القاسم: وأما إن كثرت الزيادة أو حبسها أياماً أو شهراً.
ابن حبيب: وأياماً كثيرة كالشهر ونحوه وردها بحالها، فلربها كراؤها الأول، والخيار في أخذ قيمتها يوم التعدي أو كرائها فيما حبسها فيه من عمل، أو حبسها أياماً بغير عمل ما بلغ ذلك، وإن لم تتغير.
وقال غيره: إن كان ربها حاضراً معه فإنما له فيما حبسها بحساب الكراء الأول، وكأنه رضي به؛ لأنه قادر على أخذها، وتمادى المكتري منه بالمسمى، وإن كان غائباص عنه ورد الدابة بحالها فله في الزيادة الأكثر من قيمة كراء الزيادة ونسبة كراء الأول، عمل عليها شيئاً أم لا، وإن شاء فله الزيادة يوم حبسها، والكراء الأول لازم في كل حال.
وبما قررناه- أعني: حمل كلامه في زيادة المسافة على ما إذا عطبت- يندفع قول ابن عبد السلام، وما ذكره صحيح لكن بشرط أن تكون تلك الزيادة كثيرة أو طال زمان
стр. 3709
حبسها وانضم إلى ذلك تغيير سوق وشبهه. ثم استشهد بما في المدونة؛ لأنه يقول: إنما اشترط هذا في المدونة إذا سلمت، ولم يتكلم عليه المصنف.
وقوله في المدونة: "أياماً" يحتمل أن يكون قول ابن حبيب تفسيراً لما قال في كتاب الزكاة: يترك للمفلس كسوته الأيام، وفسرت بشهر، ويحمتل أن يكون خلافاً.
فإن قيل: لا يصح الأول؛ لأنه يلزم منه التكررا؛ لأنه حينئذ يصير التقدير: أو حبسها مثل شهر أو شهر.
قيل: لأنه يؤخذ من قوله: "مثل شهر" أن تكون التسعة والعشرون ونحوها مقتضية للتخيير بخلاف الشهر.
قوله: (وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ) اسم كان عائد على الحمل الزائد.
وقوله: (مِمَّا تَعْطَبُ بِمِثْلِهِ) أي: فعطبت فله كراء الزيادة، وليس له أن يضمنه قيمة الدابة.
وقوله: (كَمَا لَوْ لَمْ تَعْطَبْ) فليس له إلا كراء الزيادة وإن حمل عليها ما تعطب بمثله.
تنبيهات:
الأول: مقتضى كلام المصنف أن الدابة إذا عطبت في زيادة المسافة يضمن مطلقاً, وهو قول نقله ابن المواز: أنه يضمن ولو بزيادة خطوة.
أبو الحسن: وهو خلاف المدونة؛ لأن فيها: يضمن في الميل ونحوه. وأما مثل ما يعدل الناس إليه في الراحلة فلا ضمان. ومثله في كتاب الغصب فيمن استعار دابة.
خليل: وقد يقال: ليس هو خلافاً؛ لأن هذا لما كان الناس يعدلون إليه لم تبق زيادة.
الثاني: قد أشار المصنف إلى الفرق بين الزيادة في الحمل والمسافة في العمل.
стр. 3710
وفرق ابن يونس وغيره بينهما بأن مجاوزة المسافة تعد كله، فلذلك يضمن إذا عطبت في قليله وكثيره، بخلاف زيادة الحمل، فإنه اجتمع فيه تعد ومأذون فيه، وفيه نظر؛ لأن الدابة إنما هلكت بمجموع التعب الحاصل بسبب التصرف المأذون فيه السابق مع عدم المأذون فيه.
الثالث: اللخمي وابن يونس: صفة كراء الزيادة في الحمل إذا وجبت لربها أو اختارها أن يقال: كم يساوي كراء هذه الدابة المحملة حسبما تعدى؟ فيكون ذلك لربها مع الكراء الأول.
ابن يونس: قال بعض الأصحاب: يكون له الكراء الأول وفضل الضرر كمن أكراها لحمل معين فحمل أضر منه وأثقل، فإنه يكون له فضل الضرر، وفيه نظر؛ لأن الذي زاد في الحمل حمل ما أذن له فيه وزاد عليه، فإنما عليه كراء الزيادة مع الكراء الأول، والذي حمل غير ما اكتراها له كمن ركبها في غير الطريق الذي أذن له فيه فهذا له فضل الضرر. والله أعلم.
خليل: والكراء على الوجه الأول أكثر منه على الوجه الثاني؛ لأنه في الأول بقدر ذكر الزيادة والدابة محملة بخلاف الثاني، والله أعلم.
الرابع: إذا تعدى في المسافة أو في الحمل، ثم هلكت بعد رجوعه من المكان الزائد وبعد أن زال عنها ما زاده في الحمل. قال سحنون: لا ضمان عليه، كرده ما تسلف من الوديعة، وعليه كراء الزيادة.
وقال ابن الماجشون وأصبغ: إن كانت الزيادة يسيرة فيها فكذلك، وإن زاد كثيراً فهو ضامن.
ابن يونس: وهو أحسن وبه أقول؛ لأن الزيادة اليسيرة يعلم أنها لا تعين [٦٢٣/ أ] على هلاكها بخلاف الكثيرة، فإنها التي أعانت على هلاكها، والله أعلم.
стр. 3711
وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَاجَرَةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَانْهِدَامِ الدَّارِ وَيُحْسَبُ مَا مَضَى ..
لما فرغ من الأحكام المتعلقة بالإجارة شرع في الطوارئ عليها، وهذا كما يقولون: كل عين تستوفي منها المنفعة فهلاكها يفسخ الإجارة.
واحترز بـ (الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ) من المضمونة، ولم يذكر المصنف التعيين في الدار؛ لأن كراء الدور لا يكون إلا معيناً كما تقدم.
(وَيُحْسَبُ مَا مَضَى) أي: فيكون لرب الدار والدابة بحسابه على حسب القيمة.
وَلَوْ سَكَنَ أَلَمُ السِّنِّ أَوْ عَفَا مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ انْفَسَخَتْ
هذه المسألة وقعت في بعض النسخ، ومعناها: أن من استؤجر على أن يقلع لرجل سناً أو استؤجر على أن يستوفي القصاص من رجل آخر، فسكن ألم السن أو عفا من له القصاص، فالإجارة تنفسخ، والمعنى فيهما واحد.
وَأَمَّا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ تَعْيينُهُ كَالرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلَّمِ فَكَذَلِكَ، وَإِلا لَمْ تَنْفَسِخْ عَلَى الأَصَحِّ كَثَوْبِ الْخِيَاطَةِ ..
القاعدة هنا أن كل عين تستوفي بها المنفعة، فهلاكها لا يفسخ الإجارة على المشهور، إلا في أربع مسائل؛ وهي صبيان، وفرسان: صبياً للتعليم والرضاعة، وفرساً للنزو والرياضة.
وذكر المازري أن أهل المذهب ألحقوا خامسة، وهي إذا استأجر على أن يحصد أرضه وليس له غيرها، أو يبني له حائطاً كذلك، ثم حل مانع من ذلك.
قال: وزاد الشيخ أيضاً الخياط والحائط إذا دفع إليه ثوباً ليعمله، وكان للباس لا للتجارة وليس عنده غيره، وكذلك أيضاً تنفسخ في المسألتين السابقتين.
стр. 3712
وألحق الباجي بها الطبيب يؤاجر على معاناة العليل مدة فيموت قبلها، والحق أيضاً بعضهم بها ما إذا استؤجر على الجواهر النفيسة ليصنع بها شيئاً ثم هلكت، والعلة فيها كلها تعذر الخلف غالباً.
وقوله: (عَلَى الأَصَحِّ) نحوه في الجواهر قال: ولو هلك الثوب المستأجر على خياطته، كان له أن يبدله بغيره على الظاهر من المذهب، قال عبد الوهاب: والظاهر من مذهب أصحابنا أن محل استيفاء المنافع لا يتعين بالإجارة، وأنه إن عين فذلك بالوصف.
وفي المقدمات: والمشهور انفساخ الإجارة إذا تلف ثوب الخياطة، ولعل مراده إذا كان اللباس كما تقدم.
وَلَوْ اسْتَاجَرَ دَابَّةً إِلَى مَكَانٍ، وَشَرَطَ أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ حَاجَتَهُ دُونَهَا حَاسَبَهُ جَازَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ كَالْخِيَارِ ..
هكذا قال مالك في العتبية والموازية بشرط أن لا ينقد؛ لأنه إن نقد يؤدي إلى أنه تارة ثمناً وتارة سلفاً.
وهو مثل ما في المدونة في الذي يستأجر الرجل شهراً على أن يبيع له ثوباً، على أن المستأجر متى شاء أن يترك ترك: أن ذلك جائز إذا لم ينقد، ومنعها سحنون للجهل في الكراء والإجارة.
قال في البيان: والجواز هو الأظهر؛ لأنه بمنزلة ما لو قال: أبيعك من صبرتي ما شئت، كل قفيز بدرهم.
ووافق سحنون على الجواز في كراء الدار سنة، على أنه إن خرج قبلها حاسبه.
وقال فضل: إنما منع سحنون مسألة المدونة؛ لأنه كراء بخيار إلى أمد بعيد.
стр. 3713
قال: وليس كما قال: لأن الخيار إنما هو الآن، وكلما مضى من الشهر شيء كان الخيار فيما بقي، وليس كالسلعة التي يشتريها على أنه بالخيار فيها مدة طويلة؛ لأنه يحتاج في توفيتها إلى انقضاء أمد الخيار، فلذلك لا يجوز، وليس ذلك في الإجارة والكراء، إلا أن يكتري الدابة على أن يكريها بعد شهر، أو يستأجر الأجير على أن يخدمه بعد شهر، على أنه بالخيار في الإجارة والكراء.
وقوله: (إِلَى مَكَانٍ) فيه حذف صفة؛ أي: معين.
وَتَنْفَسِخُ بِغَصْبِ الدَّارِ وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا أَوْ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ بِإِغْلاقِ الْحَوَانِيتِ.
الثاني: من الطوارئ الموجبة للفسخ: غصب الدار أو غصب منفعتها، أو بأمر السلطان بإغلاق الحوانيت. ووجهه أن المكتري منع من استيفاء المنفعة، فوجب الفسخ كالنكاح، وكما لو انهدمت الدار، وما ذكره المصنف هو المشهور.
ونقل ابن حارث عن سحنون: أن المصيبة من المكتري، وهو بعيد. ولا يقال: يجري على أن قبض الأوائل كقبض الأواخر لانتقاضه بإجماعهم على الفسخ بالهدم.
ولابن حارث ثالث بالفرق: إن غصبت رقبة الدار فمن المكري، وإن غصبت السكنى فمن المكتري، وهو أيضاً بعيد، وينبغي أن يكون هذا الخلاف مقصوراً على ما إذا غصبت المنفعة أو الرقبة بعد قبض المكتري إياها. وأما لو كان ذلك قبل القبض، فتكون المصيبة من المكري؛ لأن المكتري لم يتمكن من القبض.
تنبيه:
وقع لابن القاسم وعبد الملك في المجموعة: إن اغتصبها منه رجل فالكراء على المكتري، إلا أن يكون سلطان ليس فوقه سلطان لا يمنع منه إلا الله تعالى، وعده في البيان وفاقاً لقدرة المكتري على دفع من دونه.
стр. 3714
وَلا تَنْفَسِخُ بإِقْرَارِ الْمَالِكِ
يعني: أن الإجارة بعد انعقادها لا تنفسخ بإقرار المكري لأجنبي في الرقبة أنه باعها له، مثله: إذا أنكر ذلك المكتري ولا بينة؛ لأنها على قصد الكراء، وسماه المصنف مالكاً باعتبار الحكم؛ لكي يقبل إقراره على نفسه، ثم لا يخلو إما أن يكون إقراره بفور الكراء أو لا، فإن أقر بفور الكراء فالمقر له بالبيع يخير بين [٦٢٣/ب] أربعة أشياء: الفسخ إن كان الثمن أكثر من القيمة، أو أخذ القيمة إن كانت أكثر؛ لأنه حال بينه وبين قبض المبيع، أو أخذ ما أكريت به، أو قيمة الكراء إن كانت أكثر. وإن أقر بذلك بعد انقضاء المدة لم يكن للمشتري مقال في رده البيع، وكان له الأكثر من كراء المثل أو المسمى، هكذا ذكر اللخمي في كراء الرواحل.
وَلَوْ حَبَسَ الثَّوْبَ أَوِ الدَّابَّةَ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ ثَبَتَتِ الأُجْرَةُ إِذِ التَّمْكِينُ كَالاسْتِيفَاءِ
أي: التمكين من الانتفاع كاستيفائها.
فَلَوْ زَادَ فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْمَالِكُ حَاضِراً فَنِسْبَةُ الْمُسَمَّى وَإِلا فَالأَكْثَرُ
يعني: فلو زاد المكتري على مدة الكراء، فاختلف فيما يلزم المكتري على ثلاثة أقوال:
الأول: نسبة المسمى، حضر المالك أو غاب.
الثاني: عليه الأكثر من نسبة المسمى وكراء المثل، وهذا القول حكاه ابن المواز هكذا.
والثالث: إن كان المالك حاضراً معه بالمصر، فيكون له كراؤها في هذه المدة بحسب الكراء الأول، ويعد راضياً به لما كان قادراً على أخذها وتركها، وإن لم يكن حاضراً فعليه الأكثر، وهذا لغير ابن القاسم في المدونة.
ولم يذكر المصنف مذهب ابن القاسم فيها أن عليه كراء المثل مطلقاً.
стр. 3715
فإن قلت: هلاَّ جعلت هذا هو القول الثاني في كلام المصنف كما قال ابن عبد السلام؟
قيل: لأن ذلك يخالف اصطلاحه؛ إذ قاعدته أنه يجعل عجز القول الثالث هو القول الثاني.
وَفِي إِسْقَاطِ بَعْضِهِ بِتَقْدِيرِ الاسْتِعْمَالِ قَوْلانِ
أي: بعض الأجر. وفي بعض النسخ (نَقْصِهِ) أي: نقص الاستعمال.
ومعنى كلامه: أنه إذا لم يستعمل الثوب أو الدابة في الزائد على المدة المعينة، فاختلف في إسقاط بعض الكراء على تقدير الاستعمال على قولين: مذهب ابن القاسم في المدونة: السقوط، واختلف عليه في كيفية التقويم، فقيل: يقال: كم كراء مثل هذا الثوب شهراً ملبوساً؟ فيقال مثلاً: عشرة. فيقال: وكم ينقصه اللبس؟ فيقال مثلاً: خمسة. فيقال: على الذي حبسه خمسة؛ لأنه كأنه استأجره بعشرة رد عليه في الثوب منها خمسة.
ابن يونس: وفيه نظر؛ إذ قد ينقصه اللبس والركوب في مدة حبسه قدر كرائه، فيؤدي إلى أن لا يغرم شيئاً وهو قد حبس تلك المنافع، وإنما يقال: بكم يكرى هذا الثوب على أن لا يلبس، وهذه الدابة على أن لا تركب؟ فما قيل يساوي كراؤه، وجب عليه غرمه.
وللخمي نحو ما اختار ابن يونس، والقول بعدم الإسقاط لعدم الاستعمال هو ظاهر قول غير ابن القاسم في أكرية الرواحل، أن عليه العمل من كراء المثل ونسبة المسمى، عمل عليها شيئاً أم لا.
وَلَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَحَبَسَهَا فَكَذَلِك وَالْكِرَاءُ الأَوَّلُ بَاقٍ
ولو كانت مدة الإجارة غير معينة، بل اكترى دابة على أن يذهب عليها إلى موضع كذا أو يحمل عليها شيئاً ولم يذكر أياماً بأعيانها، فحبسها المكتري عنده ولم يخرج بها، لزمه في مدة حبسها ما ذكره المصنف فوق هذا على القولين، والكراء الأول باقٍ.
следующие страницы →