Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3711–3750 · переход к 3716.
стр. 3711
وَتَنْفَسِخُ بِتَلَفِ الْعَيْنِ الْمُسْتَاجَرَةِ كَمَوْتِ الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ، وَانْهِدَامِ الدَّارِ وَيُحْسَبُ مَا مَضَى ..
لما فرغ من الأحكام المتعلقة بالإجارة شرع في الطوارئ عليها، وهذا كما يقولون: كل عين تستوفي منها المنفعة فهلاكها يفسخ الإجارة.
واحترز بـ (الدَّابَّةِ الْمُعَيَّنَةِ) من المضمونة، ولم يذكر المصنف التعيين في الدار؛ لأن كراء الدور لا يكون إلا معيناً كما تقدم.
(وَيُحْسَبُ مَا مَضَى) أي: فيكون لرب الدار والدابة بحسابه على حسب القيمة.
وَلَوْ سَكَنَ أَلَمُ السِّنِّ أَوْ عَفَا مَنْ لَهُ الْقِصَاصُ انْفَسَخَتْ
هذه المسألة وقعت في بعض النسخ، ومعناها: أن من استؤجر على أن يقلع لرجل سناً أو استؤجر على أن يستوفي القصاص من رجل آخر، فسكن ألم السن أو عفا من له القصاص، فالإجارة تنفسخ، والمعنى فيهما واحد.
وَأَمَّا مَحَلُّ الْمَنْفَعَةِ فَإِنْ كَانَ مِمَّا يَلْزَمُ تَعْيينُهُ كَالرَّضِيعِ وَالْمُتَعَلَّمِ فَكَذَلِكَ، وَإِلا لَمْ تَنْفَسِخْ عَلَى الأَصَحِّ كَثَوْبِ الْخِيَاطَةِ ..
القاعدة هنا أن كل عين تستوفي بها المنفعة، فهلاكها لا يفسخ الإجارة على المشهور، إلا في أربع مسائل؛ وهي صبيان، وفرسان: صبياً للتعليم والرضاعة، وفرساً للنزو والرياضة.
وذكر المازري أن أهل المذهب ألحقوا خامسة، وهي إذا استأجر على أن يحصد أرضه وليس له غيرها، أو يبني له حائطاً كذلك، ثم حل مانع من ذلك.
قال: وزاد الشيخ أيضاً الخياط والحائط إذا دفع إليه ثوباً ليعمله، وكان للباس لا للتجارة وليس عنده غيره، وكذلك أيضاً تنفسخ في المسألتين السابقتين.
стр. 3712
وألحق الباجي بها الطبيب يؤاجر على معاناة العليل مدة فيموت قبلها، والحق أيضاً بعضهم بها ما إذا استؤجر على الجواهر النفيسة ليصنع بها شيئاً ثم هلكت، والعلة فيها كلها تعذر الخلف غالباً.
وقوله: (عَلَى الأَصَحِّ) نحوه في الجواهر قال: ولو هلك الثوب المستأجر على خياطته، كان له أن يبدله بغيره على الظاهر من المذهب، قال عبد الوهاب: والظاهر من مذهب أصحابنا أن محل استيفاء المنافع لا يتعين بالإجارة، وأنه إن عين فذلك بالوصف.
وفي المقدمات: والمشهور انفساخ الإجارة إذا تلف ثوب الخياطة، ولعل مراده إذا كان اللباس كما تقدم.
وَلَوْ اسْتَاجَرَ دَابَّةً إِلَى مَكَانٍ، وَشَرَطَ أَنَّهُ إِنْ وَجَدَ حَاجَتَهُ دُونَهَا حَاسَبَهُ جَازَ؛ لأَنَّ ذَلِكَ كَالْخِيَارِ ..
هكذا قال مالك في العتبية والموازية بشرط أن لا ينقد؛ لأنه إن نقد يؤدي إلى أنه تارة ثمناً وتارة سلفاً.
وهو مثل ما في المدونة في الذي يستأجر الرجل شهراً على أن يبيع له ثوباً، على أن المستأجر متى شاء أن يترك ترك: أن ذلك جائز إذا لم ينقد، ومنعها سحنون للجهل في الكراء والإجارة.
قال في البيان: والجواز هو الأظهر؛ لأنه بمنزلة ما لو قال: أبيعك من صبرتي ما شئت، كل قفيز بدرهم.
ووافق سحنون على الجواز في كراء الدار سنة، على أنه إن خرج قبلها حاسبه.
وقال فضل: إنما منع سحنون مسألة المدونة؛ لأنه كراء بخيار إلى أمد بعيد.
стр. 3713
قال: وليس كما قال: لأن الخيار إنما هو الآن، وكلما مضى من الشهر شيء كان الخيار فيما بقي، وليس كالسلعة التي يشتريها على أنه بالخيار فيها مدة طويلة؛ لأنه يحتاج في توفيتها إلى انقضاء أمد الخيار، فلذلك لا يجوز، وليس ذلك في الإجارة والكراء، إلا أن يكتري الدابة على أن يكريها بعد شهر، أو يستأجر الأجير على أن يخدمه بعد شهر، على أنه بالخيار في الإجارة والكراء.
وقوله: (إِلَى مَكَانٍ) فيه حذف صفة؛ أي: معين.
وَتَنْفَسِخُ بِغَصْبِ الدَّارِ وَغَصْبِ مَنْفَعَتِهَا أَوْ بِأَمْرِ السُّلْطَانِ بِإِغْلاقِ الْحَوَانِيتِ.
الثاني: من الطوارئ الموجبة للفسخ: غصب الدار أو غصب منفعتها، أو بأمر السلطان بإغلاق الحوانيت. ووجهه أن المكتري منع من استيفاء المنفعة، فوجب الفسخ كالنكاح، وكما لو انهدمت الدار، وما ذكره المصنف هو المشهور.
ونقل ابن حارث عن سحنون: أن المصيبة من المكتري، وهو بعيد. ولا يقال: يجري على أن قبض الأوائل كقبض الأواخر لانتقاضه بإجماعهم على الفسخ بالهدم.
ولابن حارث ثالث بالفرق: إن غصبت رقبة الدار فمن المكري، وإن غصبت السكنى فمن المكتري، وهو أيضاً بعيد، وينبغي أن يكون هذا الخلاف مقصوراً على ما إذا غصبت المنفعة أو الرقبة بعد قبض المكتري إياها. وأما لو كان ذلك قبل القبض، فتكون المصيبة من المكري؛ لأن المكتري لم يتمكن من القبض.
تنبيه:
وقع لابن القاسم وعبد الملك في المجموعة: إن اغتصبها منه رجل فالكراء على المكتري، إلا أن يكون سلطان ليس فوقه سلطان لا يمنع منه إلا الله تعالى، وعده في البيان وفاقاً لقدرة المكتري على دفع من دونه.
стр. 3714
وَلا تَنْفَسِخُ بإِقْرَارِ الْمَالِكِ
يعني: أن الإجارة بعد انعقادها لا تنفسخ بإقرار المكري لأجنبي في الرقبة أنه باعها له، مثله: إذا أنكر ذلك المكتري ولا بينة؛ لأنها على قصد الكراء، وسماه المصنف مالكاً باعتبار الحكم؛ لكي يقبل إقراره على نفسه، ثم لا يخلو إما أن يكون إقراره بفور الكراء أو لا، فإن أقر بفور الكراء فالمقر له بالبيع يخير بين [٦٢٣/ب] أربعة أشياء: الفسخ إن كان الثمن أكثر من القيمة، أو أخذ القيمة إن كانت أكثر؛ لأنه حال بينه وبين قبض المبيع، أو أخذ ما أكريت به، أو قيمة الكراء إن كانت أكثر. وإن أقر بذلك بعد انقضاء المدة لم يكن للمشتري مقال في رده البيع، وكان له الأكثر من كراء المثل أو المسمى، هكذا ذكر اللخمي في كراء الرواحل.
وَلَوْ حَبَسَ الثَّوْبَ أَوِ الدَّابَّةَ الْمُدَّةَ الْمُعَيَّنَةَ ثَبَتَتِ الأُجْرَةُ إِذِ التَّمْكِينُ كَالاسْتِيفَاءِ
أي: التمكين من الانتفاع كاستيفائها.
فَلَوْ زَادَ فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ الْمَالِكُ حَاضِراً فَنِسْبَةُ الْمُسَمَّى وَإِلا فَالأَكْثَرُ
يعني: فلو زاد المكتري على مدة الكراء، فاختلف فيما يلزم المكتري على ثلاثة أقوال:
الأول: نسبة المسمى، حضر المالك أو غاب.
الثاني: عليه الأكثر من نسبة المسمى وكراء المثل، وهذا القول حكاه ابن المواز هكذا.
والثالث: إن كان المالك حاضراً معه بالمصر، فيكون له كراؤها في هذه المدة بحسب الكراء الأول، ويعد راضياً به لما كان قادراً على أخذها وتركها، وإن لم يكن حاضراً فعليه الأكثر، وهذا لغير ابن القاسم في المدونة.
ولم يذكر المصنف مذهب ابن القاسم فيها أن عليه كراء المثل مطلقاً.
стр. 3715
فإن قلت: هلاَّ جعلت هذا هو القول الثاني في كلام المصنف كما قال ابن عبد السلام؟
قيل: لأن ذلك يخالف اصطلاحه؛ إذ قاعدته أنه يجعل عجز القول الثالث هو القول الثاني.
وَفِي إِسْقَاطِ بَعْضِهِ بِتَقْدِيرِ الاسْتِعْمَالِ قَوْلانِ
أي: بعض الأجر. وفي بعض النسخ (نَقْصِهِ) أي: نقص الاستعمال.
ومعنى كلامه: أنه إذا لم يستعمل الثوب أو الدابة في الزائد على المدة المعينة، فاختلف في إسقاط بعض الكراء على تقدير الاستعمال على قولين: مذهب ابن القاسم في المدونة: السقوط، واختلف عليه في كيفية التقويم، فقيل: يقال: كم كراء مثل هذا الثوب شهراً ملبوساً؟ فيقال مثلاً: عشرة. فيقال: وكم ينقصه اللبس؟ فيقال مثلاً: خمسة. فيقال: على الذي حبسه خمسة؛ لأنه كأنه استأجره بعشرة رد عليه في الثوب منها خمسة.
ابن يونس: وفيه نظر؛ إذ قد ينقصه اللبس والركوب في مدة حبسه قدر كرائه، فيؤدي إلى أن لا يغرم شيئاً وهو قد حبس تلك المنافع، وإنما يقال: بكم يكرى هذا الثوب على أن لا يلبس، وهذه الدابة على أن لا تركب؟ فما قيل يساوي كراؤه، وجب عليه غرمه.
وللخمي نحو ما اختار ابن يونس، والقول بعدم الإسقاط لعدم الاستعمال هو ظاهر قول غير ابن القاسم في أكرية الرواحل، أن عليه العمل من كراء المثل ونسبة المسمى، عمل عليها شيئاً أم لا.
وَلَوْ كَانَتِ الْمُدَّةُ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ وَحَبَسَهَا فَكَذَلِك وَالْكِرَاءُ الأَوَّلُ بَاقٍ
ولو كانت مدة الإجارة غير معينة، بل اكترى دابة على أن يذهب عليها إلى موضع كذا أو يحمل عليها شيئاً ولم يذكر أياماً بأعيانها، فحبسها المكتري عنده ولم يخرج بها، لزمه في مدة حبسها ما ذكره المصنف فوق هذا على القولين، والكراء الأول باقٍ.
стр. 3716
فإن قلت: فقد قال المصنف أولاً، وإذا لم يعين ابتداء المدة حمل من حين العقد، فينبغي أن ينفسخ في غير المعين كالمعين.
قيل: لعل قوله: "من حين العقد" محمول على الحكم؛ أي: لو رفعه إلى الحاكم فحكم عليه بأخذها والانتفاع بها حتى لو ترك حينئذٍ لزمه الكراء ويصير كالمعين.
ولعله في هذه المسألة لم يرفعه، هكذا ظهر لي، فتأمله.
وَلَوْ أَخْلَفَهُ رَبُّ الدَّابَّةِ لَمْ تَنْفَسِخْ وَلَوْ فَاتَ مَا كَانَ يَرُومُهُ إِلا إِنْ كَانَ اكْتَرَى يَوْماً بِعَيْنِهِ، بِخِلافِ الْحَجِّ لأَنَّ الأَيَّامَ فِي الْحَجِّ مُتَعَيِّنَةٌ ...
(لَمْ تَنْفَسِخْ) هو مذهب المدونة ففيها: قال مالك: في الدابة بعينها يكريها ليركبها إلى غد فيغيب ربها، ثم يأتي بعد اليومين والثلاثة، فليس له إلا ركوبها.
(وَلَوْ فَاتَ مَا كَانَ يَرُومُهُ) أي: يقصده من تشييع شخص أو تلقي رجل أو نحو ذلك.
وعلل ابن المواز ذلك بأنه كاشتراء سلعة بعينها يدفعها من الغد أو مضمونة، فمطله بذلك حتى فاته ما يريد فلا حجة له، وإنما له السلعة. وقاله مالك في الأضاحي: إذا أسلم فيها فيؤتى بها بعد أيام النحر، أنها تلزمه.
قوله: (إِلا إِنْ كَانَ اكْتَرَى يَوْماً بِعَيْنِهِ) يعني: فأخلفه المكتري، فإنه يفسخ.
ابن المواز: ولا يجوز فيه ولا في الحج التمادي، وإن رضيا.
وقوله: (بِخِلافِ الْحَجِّ) راجع إلى قوله: (لَمْ تَنْفَسِخْ).
قوله: (لأَنَّ الأَيَّامَ فِي الْحَجِّ مُتَعَيِّنَةٌ) هو تعليل ابن المواز.
اللخمي: وإذا تغيبت الجمال يوم خروجك إلى الحج فالكراء منفسخ.
وقال في الموازية: لا ينفسخ.
стр. 3717
وقال غيره: في غير الحج ينفسخ، قال: والفسخ في كلا الموضعين؛ فإنه لا يختلف أنه لو رفعه إلى الحاكم لفسخه عنه لما عليه من الضرر في الصبر.
وَلَوْ آجَرَ مُسْتَحِقُّ الْوَقْفِ وَمَاتَ قَبْلَ مُدَّتِهَا فَفِي انْفِسَاخِها قَوْلانِ
إذا أكرى مستحق الوقف بالنقد لم يجز إلا السنة والسنتين، ويجوز له أن يكري لما شاء من السنين وإن طالت المدة إذا كان الكراء منجماً، فكلما حل نجم أخذ كراءه وقدم له كراء نجم آخر، فإن مات قبل انقضاء [٦٢٤/أ] المدة، فقال ابن شاس: إذا مات البطن الأول من أرباب الوقف بعد الإجارة وقبل انقضاء المدة، انفسخت الإجارة في باقي المدة؛ لأنه تناول بالإجارة ما لا حق له فيه. وقيل: إذا أكرى مدة يجوز الكراء إليها لزمه باقيه.
ابن راشد وغيره: والأول أصح.
و (مُسْتَحِقُّ الْوَقْفِ) هو المحبس عليه.
وَلَوْ آجَرَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ مُدَّةً فَبَلَغَ قَبْلَهَا انْفَسَخَتْ فِي الْبَاقِي
الولي يعم الأب والوصي والمقدم.
(فَبَلَغَ قَبْلَهَا) أي: قبل انقضائها، على حذف مضاف.
(انْفَسَخَتْ) الإجارة (فِي الْبَاقِي) أي: في باقي المدة. وهكذا قال في المدونة، وظاهره أن بنفس البلوغ يخرج من الحجر.
عياض: ولا يختلف أن هذا لا يكون في الوصي، ولا في الأب على المعروف كما تقدم، ولهذا قيد ابن القاسم ويحيى بن عمر المسألة بأن يبلغ رشيداً.
إِلا أَنْ يَظُنَّ أَنَّهُ لا يَبْلُغُ فِيهَا فَيَلْزَمُ إِنْ كَانَ الْبَاقِي يَسِيراً كَالشَّهْرِ
يعني: أنها لا تنفسخ إلا باجتماع شرطين: أن يظن أن الصبي لا يبلغ قبلها، وأن يبقى من المدة يسير.
стр. 3718
قال في المدونة: كالشهر ويسير الأيام.
تنبيه:
أخذ من هذه المسألة جواز مؤاجرة الأب والوصي لليتيم.
عياض: وهو المشهور في الأب والمتفق عليه في الوصي.
وفي المتيطية في باب النفقة: للأب أن يؤاجر الصغير للنفقة عليه، كان الأب غنياً أو فقيراً، وبه قال غير واحد من الموثقين.
وقال بعض الفقهاء: إذا كان الأب أو الابن غنياً، لم يجز أن يؤاجره، ونحوه لمالك في الموازية: ويسلَّم لتعليم القرآن أو تجارة ونحوها مما يليق به. وهل للأب أن ينتفع بفاضل خراجه عن نفقته؟
منعه غير واحد من الموثقين، وأجازه أصبغ في الثمانية، ونحوه لابن لبابة في أحكام ابن بطال.
فَلَوْ كَانَ رَبْعَهُ وَدَوَابَّهُ فَقِيلَ: مِثْلُهُ، وَقِيلَ: يَلْزَمُ وَلَوْ كَانَ الْبَاقِي كَثِيراً
القولان في المدونة؛ الأول لغير ابن القاسم، والثاني لابن القاسم.
ونصها: وإن أكرى ربعه ودوابه ورقيقه سنين واحتلم بعد مضي سنة، فإن كان يظن أن مثله لا يحتلم في تلك المدة فحصل الاحتلام وأُنس منه الرشد- فلا فسخ له، ويلزمه باقيها؛ لأن الوصي صنع ما يجوز، وقال غيره: لا يلزمه إلا فيما قل.
قال ابن القاسم: وإن عقد عليه إجارة يعلم أنه يبلغ قبله، لم يلزمه في نفسه إلا فيما يملك من ربع أو غيره، وكذلك الأب. والفرق على قول ابن القاسم بين ربعه ونفسه شدة الضرر في النفس.
стр. 3719
ابن عبد السلام: واختار بعضهم قول ابن القاسم، إلا أنه قيده بشرط أن لا يكون الوصي فعل ذلك من أجل حاجته إلى الإنفاق عليه في زمان إن لم يفعل باع تلك الأرض والدار، فيلزم حينئذٍ ولو طالت المدة.
وَرَبْعُ السَّفِيهِ الْبَالِغِ سَنَتَيْنِ أَوْ ثَلاثاً يَمْضِي وَإِنْ رَشَدَ، وَقِيلَ فِي السَّنَةِ وَنَحْوِهَا فَقَطْ
أي: وفي إجارة ربع السفيه.
وقوله: (وَإِنْ رَشَدَ) أي: قبل انقضائها، وهذا قول ابن القاسم في المدونة، قال: لأن الوصي عقد ما يجوز له، ولأنَّ الرشد لا تعلم له غاية.
وقوله: (وَقِيلَ: فِي السَّنَةِ) أي: أنه لا يمضي إلا في السنة، وهو قول غيره فيها، قال: لأنه جل كراء الناس.
وَلا تَنْفَسِخُ الإِجَارَةُ بِعِتْقِ الْعَبْدِ، وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ عَبْدٍ حَتَّى تَنْقَضِيَ، وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ إِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّهُ حُرٌّ بَعْدَ الْمُدَّةِ ...
يعني: لو آجر عبده سنة، وفي معنى ذلك إذا أخدمه سنة ثم أعتقه قبل السنة، لم تنفسخ الإجارة بسبب عتق العبد لتعلق حق المستأجر والمخدم.
وقوله: (وَأَحْكَامُهُ أَحْكَامُ عَبْدٍ) يريد: في شهادته والقصاص منه وله، ولا يريد أنه يساوي العبيد في جميع أحكامهم. ألا ترى أنه لا يجوز للسيد وطؤها إن كانت أمة؟
وقوله: (حَتَّى تَنْقَضِيَ) أي: الإجارة، قال في العتق الثاني من المدونة: إلا أن يترك المستأجر أو المخدم للعبد بقية الخدمة، فيعجل عتقه.
اللخمي: وقيل في هذا الأصل: لا يعجل عتقه؛ لأن للسيد حقاً في الجناية عليه قبل السنة.
خليل: وهذا إنما يأتي إذا أراد السيد أنه حر بعد السنة، وأما إن أراد أنه ينجز عتقه، فإن الظاهر أن أرش الجناية للعبد والله أعلم.
стр. 3720
قوله: (وَأُجْرَتُهُ لِسَيِّدِهِ ... إلى آخره) فقال أشهب: ويحلف على ذلك، فإن نكل كانت الأجرة للعبد.
وَلا تَنْفَسِخُ بِفِسْقِ الْمُسْتَاجِرِ كَشُرْبِهِ وَسَرِقَتِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُفَّ أَجَّرَهَا الْحَاكِمُ عَلَيْهِ كَبَيْعِهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكاً ...
أي: لا تنفسخ الإجارة بفسق المستأجر.
اللخمي: وأرى أن يخرج إن لم يتيسر كراؤها من يومه أو نحوه، وتخلى حتى يأتي من يكتريها، فإن لم يأتِ مكترٍ حتى خرج الشهر لزمه كراؤها.
وقوله: (كَبَيْعِهَا لَوْ كَانَتْ مِلْكاً) وهو لمالك في الواضحة: أن الفاسق إذا أعلن بفسقه في داره أنه يعاقب على ذلك وإن لم ينته باع الإمام عليه.
اللخمي: وأرى أن يبدأ بعقوبته فإن انزجر وإلا أكريت عليه، وإن لم ينته وكان يؤذي الجيران ويقول: آتي لداري ونحوه، بيعت عليه.
وَيَجُوزُ اسْتِئْجَارُ الْمَالِكِ مِنَ الْمُسْتَاجِرِ
يعني: أنه يجوز للمالك أن يستأجر من المستأجر ما كان استأجره منه من ربع أو حيوان، وعلى هذا فـ (اسْتِئْجَارُ) مصدر مضاف إلى الفاعل.
وَيَقُومُ الْوَارِثَانِ مَقَامَ الْمُسْتَاجِرَيْنَ
يعني أن الإجارة لا تنفسخ بموت المالك ولا المستأجر، بل يقوم ورثة كل واحد منهما مقامه؛ [٦٢٤/ب] لأن من مات عن حق فلورثته.
ابن عبد السلام: وجمع المصنف في تثنية المستأجرين اسم الفاعل واسم المفعول وهو غير جائز؛ إذ ليس ذلك ضم اسم إلى مثله.
стр. 3721
ورد بأن كل واحد منهما مستأجر في المعنى؛ لأن الاستئجار طلب الأجر وكل منهما طالب له.
وَإِذَا عَطِبَتِ السُّفُنُ أَوْ عَرَضَ مَا يَمْنَعُ مِنَ الْبَلاغِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ: هُوَ عَلَى الْبَلاغِ وَلا شَيْءَ لِرَبِّهَا وَلَوْ غَرِقَتْ بِالسَّاحِلِ. ابْنُ نَافِعٍ: حُكْمُهَا حُكْمُ الْبَرِّ مَا سَارَتْ فَلِرَبِّهَا بَحِسَابِهِ، وَقَالَ أَصْبَغُ: إِنْ أَدْرَك مَامَناً يُمْكِنُ السَّفَرُ مِنْهُ وَحَاذّاهُ فَكَالْبَرِّ، وَإِلا فَعَلَى الْبَلاغِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا جِعَالَةٌ أَوْ إِجَارَةٌ أَوْ تَنْقَسِمُ ....
كلام المصنف في هذه المسألة ظاهر التصور؛ لأنه عزى الأقوال ووجهها؛ يعني أن قول مالك مبني على أنها جعالة فلا يستحق الجعل إلا بتمام العمل كغيره من صور الجعل.
وقول ابن نافع على أنها إجارة فيأخذ بحسابِ ما صار كالدَّوَاب.
وروى أَصْبغُ أنها إجارة إن أدرك مأمناً يمكن السفر منه وجعالة إن لم يمكن.
واستشكل بناء المصنف الأول على الجعالة؛ لأن الجعالة لا تلزم بالعقد وكراء السفن يلزم بالعقد عند مالك وابن القاسم، فأولى أن ينبني على أنها إجارة على البلاغ كما في المدونة، وقول مالك مقيد بقيدين:
أولهما: أن لا ينتفع بحمالته، وقد نقل سحنون عن ابن القاسم في من اكترى سفينة من الإسكندرية إلى الفسطاط فغرقت في الطريق، واستخرج نصف القمح وجعله في غيرها، أنَّ لرب السفينة الأولى كراء ما يخرج من القمح بقدر ما انتفع به ببلوغه إلى الموضع الذي غرقت فيه، وقاله سحنون في كتاب ابنه وشبهها بمسألة حفر البئر يحفر بعضها ثم يترك وتكمل فإنه يعطى الأول بقدر ما انتفع به رب البئر.
القيد الثاني: قيد يحيى بن عمر قوله: (وَغَرِقَتْ بِالسَّاحِلِ) بما إذا لم يكن من أرباب المتاع تفريط في نقل المتاع، وأما إن فرطوا لزمهم الكراء، وكذلك لو أخذوا في التفريغ فركبهم الهول ومنعهم منه حتى غرقت لكان الكراء على من سلم متاعه دون من لم يسلم.
стр. 3722
وقوله: (عَرَضَ) بفتح الراء. الجوهري: ومعناه ظاهر؛ أي: من ريح أو قلة ماء أو نحو ذلك وفي المسألة قول رابع: إن كان سيرهم عرضاً فهو البلاغ، وإن كان طولاً فلهم بحساب ما ساروا.
وَإِذَا خِيِفَ عَلَى الْمَرْكَبِ الْغَرَقُ جَازَ طَرْحُ مَا يُرْجَى بِهِ نَجَاتُهَا غَيْرَ الآدَمِيِّ بِإذْنِهِمْ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنِهِمْ وَيَبْدَأُ بِمَا ثَقُلَ جِسْمُهُ وَعَظُمَ جِرْمُهُ ...
(الْمَرْكَبِ) بفتح الميم والكاف ومراده بالجواز الوجوب؛ لأن حفظ النفوس واجب، وعبر المصنف بعبارة الأكثرين هنا؛ وذلك أن إتلاف المال لغير فائدة حرام والجواز هو المقابل للتحريم، فإن أرادوا رفع التحريم رفعوه بالجواز.
قوله: (مَا يُرْجَى بِهِ نَجَاتُهَا) أي من حيوان بهيمي وعرض، ولما كان الطرح واجباً لإحياء نفوسهم لم يحتج إلى إذن المالك.
وقوله: (غَيْرَ الآدَمِيِّ) قد تقدم في باب الجهاد أن اللخمي انفرد بجواز الطرح بالقرعة ويبدأ بما ثقل جسمه وعظم جرمه، وإن لم يثقل كأعدال القطن ونحوه، ويبدأ بهذا؛ لأنه المحتاج إلى طرحه، ولأنه بطرح ذلك يسلم ما هو أرفع.
وَيُوَزَّعُ عَلَى مَالِ التِّجَارَةِ مِمَّا يُطْرَحُ أَوْ مِمَّا لَا يُطْرَحُ عَبِيداً أَوْ نَاضَّاً أَوْ جَوْهَراً
أي: يوزع المطروح فيكون من رمي له شريكاً بما يحاسب له في السالم في النماء والنقص.
ابن القاسم: حتى يكون ما يطرح وما يسلم كأنه لجميعهم.
ابن زيد: فإن كانت قيمة ما رمي كقيمة ما سلم، فلمن رمي متاعه نصف السالم، وإن كانت قيمته نصف قيمة السالم فله ثلث السالم، ولا شركة بين من لم يرم لهم بعضهم على بعض.
стр. 3723
وقوله: (عَبِيداً أَوْ نَاضَّاً أَوْ جَوْهَراً) يعني: يوزع على جميع مال التجارة وإن كان ذلك المال لا يطرح وهو العبيد أو قليل الجرم، وهكذا قال ابن حبيب إن كان معه دراهم أو دنانير يريد بها التجارة فهي داخلة في الشركة.
وقال ابن عبد الحكم وابن أبي زمنين: من كان معه عين فلا يلزمه شيء من قيمة ما طرح.
وَالْمَذْهَبُ أَنَّ الْمَرْكَبَ وَعَبِيدَهُ لا يَدْخُلُ
هكذا قال ابن عبد الحكم: أجمع أصحابنا على أن المركب وعبيده لا يدخل في شيء من حكم الطرح, وقوله: (وَالْمَذْهَبُ) إما تبرِّياً منه، إذ بالطرح سلم الجميع، وإما إشارة إلى الخلاف، ويكون بمنزلة قوله: المنصوص، فابن حبيب نقل عن سحنون أن المركب يدخل فأحرى عبيده.
وسئل ابن أبي زيد عن مركب كان مرسىً بالمهدية فأخذه هول فنقر بقاعه قاع البحر، فخيف عليه أن يهلك فرمى منه التجار بعض ما فيه ليخف ولا يصل إلى قاع البحر فذهب الهول وخلص المركب، فأراد أصحاب المتاع أن يدخلوا المركب في قيمة ما طرح وأبى صاحب المركب، فقال: إذا رمي خوفاً على المركب دخل في القيمة.
وَمَا لَيْسَ لِلتِّجَارَةِ كَالْعَدَمِ طُرِح أَوْ لَمْ يُطْرَحْ
يعني إن طرح فلا شيء لصاحبه، وإن لم يطرح فلا شيء على ربه، ونقل على ذلك الاتفاق.
ابن عبد السلام: ولا يبعد تخريج الخلاف من الخلاف الذي في المركب وعبيده.
وهو قول أهل العراق وهو الذي مال إليه ابن يونس وقال: إنه القياس؛ إنه لا فرق بين عروض التجارة وعروض القنية في التوزيع.
стр. 3724
وَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَطْرُوحِ [٦٢٥/أ] مَتَاعُهُ فِي مَا يُشْبِهُ
لأن ذلك لا يعرف إلا من جهته وظاهره أنه يصدق في ثمنه وفي صفته ومقداره، وفي ذلك تفصيل، أما الثمن فقال ابن القاسم: هو مصدق بيمينه في تلف متاعه المطروح والسالم ما لم يأت بما يستنكر ويتبين كذبه فيه.
وقال سحنون: القول قول بغير يمين إذا ظهر صدقه، إلا أن يتهم فيحلف.
وأما الصفة فقال ابن أبيزيد: إذا ادعى صاحب المتاع أن صفته كذا وكذبه الباقون فالقول قولهم مع أيمانهم، فإن جهلوا فالقول قوله مع يمينه.
وأما قدره فإذا ادعى المطروح له الكثير وقال رب المركب: لم يستحق عندي إلا أقل ما ادعى، فقيل: يرجع إلى ما في التنزيل؛ لأن أمر الناس جرى إليه، وما كان داخل المتاع مما يخفى ذكره في التنزيل فالقول قول صاحب المتاع فيه مع يمينه إذا أتى بما يشبه أن يملك مثله.
وخالفه ابن يونس فيما لم يكتبه في التنزيل ورأى أنه مدعٍّ فيه، قال: وقد ظلم نفسه؛ إذ لم يكتبه فيجب أن لا يصدق.
فرع:
فإن زعم رب السفينة أنه رمى بعض ما فيها لهول أصابه وكذبه أصحابه، فقال أبو سعيد ابن أخي هشام: هو مصدق في العروض في قول ابن القاسم، ولا يصدق في الطعام إلا ببينة.
وَفِي صِفَةِ التَّوْزِيعِ أَرْبَعَةٌ: بِقِيمَتِهِ وَقْتَ التَّلَفِ، وَأَقْرَبِ الْمَوَاضِعِ، وَمَكَانِ الْحَمْلِ، وَمَا اشْتُرِيَ بِهِ ...
القول باعتبار قيمته وقت التلف رواه أشهب؛ أي في موضع طرح فيه في البحر.
стр. 3725
والقول باعتبار قيمته في أقرب المواضع ذكره ابن شاش ولم يعزه، وعلله بأنه لا قيمة له في محل التلف.
ابن عبد السلام: ولعل الأول يرد إليه؛ إذ قد لا تكون له قيمة حين التلف.
والقول باعتبار قيمته في (مَكَانِ الْحَمْلِ) أي: مكان حمل منه لمالك في المختصر.
وقال مالك في موضع آخر من المختصر: قيمته في موضع يحمل إليه.
والقول بـ (مَا اشْتُرِيَ بِهِ) لابن القاسم من رواية أصبغ في الواضحة وقيده في الرواية بأن يكون الشراء لا محاباة فيه، قال: وهذا إن اشتروه من مكان واحد، وأما إن كان اشتراؤه من مواضع شتى أو فيهم من اشترى ومن لم يشتر وقد طال مكث شرائه حتى حالت سوقه قوم الذاهب والسالم بالموضع الذي ركبوا منه يوم يركبوا، ثم يكونون بتلك القيمة شركاء في السالم، قال: وقول جميع أصحاب مالك كذلك في العتبية عن ابن القاسم.
ابن عبد السلام: والأقرب هو الأول مقيد بالقول الثاني، وكيف يكونون شركاء بقيمته يوم حملوه، ولو ضاع مال أحدهم قبل هول البحر لم يضمنوه؟ ولم يحسن أيضاً وأن يضمنون بقيمته في الموضع المحمول إليه مع اتفاقهم أنه إن هلك قبله فمن ربه.
وَالْمُسْتَاجِرُ أَمِينٌ عَلَى الأَصَحِّ
أي: فلا ضمان عليه كان المستأجر عليه مما يغاب عليه أم لا.
ومقابل الأصح أثبته اللخمي وغيره كالمصنف، وذكر اللخمي أنه في كتاب ابن سحنون، وقال أشهب في الجفنة يدعي ضياعها: إنه ضامن، وأنكر ابن المواز أن تكون الرواية هكذا وقال: وإنما الرواية في دعواه الكسر؛ لأنه يقدر على تصديق نفسه بإحضار الفلقتان وأما الضياع فيصدق، ولهذا قال مالك في رواية أخرى: وأين الفلقتان؟
стр. 3726
ابن المواز: إلا أن يقول سرقت مني الفلقتان أو تلفتا.
وحكى صاحب البيان الاتفاق على نفي الضمان قال: فلا أعلم فيه خلافاً إلا ما لابن القاسم في الدمياطية في مكتري دابة يشترط عليه الضمان قال: لا ضمان عليه، قال: والمناجل وآلة الحديد يضمنها، قال: وهو شذوذ، قال: وظاهر كلامه في الدابة أنه كراء فاسد، وعليه في الفوات كراء المثل، وفسر مسألة الدمياطية بأنها كبيع الثنيا يجبر مع القيام ويكون للمكتري في الفوات الأكثر.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَيَلْزَمُهُ جَمِيعُ الأُجْرَةِ مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ، وَقِيلَ: تَسْقُطُ بِحِسَابهَا
(وَيَلْزَمُهُ) معطوف على مفعول القول المحذوف؛ أي قال ابن القاسم: المستأجر أمين ويلزمه جميع الأجرة. قال في المدونة: إلا أن يأتي ببينة على وقت الضياع، وكان معه قوم في السفر فيشهدوا أنه أعلمهم بضياع ذلك وطلبه بمحضرهم، فيحلف فيسقط عنه من يومئذٍ ما بقي من المدة.
وعلى هذا فقول المصنف: (مَا لَمْ تَقُمْ بَيِّنَةٌ) ليس بظاهر؛ لحضرة البينة إلا أن يفهم قوله: (بَيِّنَةٌ) على البينة التي تعرف أنه ذكر الضياع.
قال فيها: وقال غيره: لا يلزمه من الأجرة إلا ما قال أنه انتفع به، وبه أخذ سحنون وقال في قول ابن القاسم أنه يصدقه في الضياع ويغرمه الكراء فيما لم ينتفع به.
ورأى ابن القاسم أن الكراء في ذمته فلا يبرأ منه إلا ببينة بخلاف المستأجر فإنه فيه أمين، وناقض التونسي قول ابن القاسم هنا بقوله في كتاب العارية فيمن استعار دابة وزعم ربها أنه أعارها إلى دون المكان الذي ركبها إليه، وقال ابن القاسم: القول قول المستعير في دفع الضمان.
وأجاب ابن يونس بأن المستأجر مدعٍّ في دفع الأجرة فعليه البيان.
стр. 3727
وَفِي ضَمَانِهِ مَا آجَرَهُ لِغَيْرِهِ ثَالِثُهَا الْمَشْهُورُ: إِنْ كَانَ فِي مِثْلِ أَمَانَتِهِ لَمْ يَضْمَنْ
يعني: واختلف في [٦٢٥/ب] ضمان المستأجر ما آجره لغيره على ثلاثة أقوال:
الأول: عدم الضمان مطلقاً وهو غير موجود، ولا يقتضيه الفقه؛ إذ لا ينتفي الضمان إذا آجره لمن ليس في مثل أمانته.
الثاني: أنه يضمن مطلقاً وهو معترض أيضاً؛ لأنه إذا آجر لغير من هو في أمانته فالضمان ظاهر، وإن كان لمن هو في أمانته فلا، وإنما وقع في المدونة مقيداً بالثوب قال: لاختلاف الناس في اللباس، مع أن سحنون اختار نفي الضمان واحتج بمسألة الفسطاط.
والثالث: ظاهر التصور.
وَأَمَّا الصَّانِعُ كَالْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ فَضَامِنٌ، وَحُكْمُهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ ﵃؛ عَمِلَ فِي بَيْتِهِ أَوْ حَانُوتِهِ، بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ، تَلِفَ بِصُنْعِهِ أَوْ بِغَيْرِ صُنْعِهِ، إِذّا انْتَصَبَ لِلصَّنْعَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِي بَيْتِ رَبِّ السِّلْعةِ وَلَمْ يَكُنْ مُلازِمَهُ، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا- فَأَمِينٌ ...
لما قدم المصنف أن الأجير أمين استثنى الصانع ولهذا أتى بـ (أَمَّا) المقتضية للتفصيل وأشار بـ (الْخَيَّاطِ وَالصَّبَّاغِ) إلى أنه لا فرق في الصانع بين أن يكون التغيير في ذات المصنوع كالخياط أو صفته كالصباغ، ولما كان تضمينهم على خلاف الأصل أشار المصنف إلى الاستدلال عليه بالمنقول عن الخلفاء.
قال في المدونة وغيرها: وقد قضى الخلفاء بالتضمين وظاهر هذا أن عثمان ﵁ منهم، وعلى هذا فسكوت المصنف عنه ليس بظاهر، ثم حكم الخلفاء مستلزم للإجماع؛ إذ لم ينكر حكمهم.
وقد نقل عبد الوهاب وغيره في المسألة الإجماع ولا يقال: قد نقل عن علي ﵁ خلاف ذلك؛ لأن صاحب المقدمات لم يُثبِت ذلك عنه، وضمير (حُكْمُهَا) عائد على المسألة،
стр. 3728
وفي بعض النسخ (حُكْمُهُمَا) بالتثنية وليست بشيء لعودها على الخياط والصباغ، والنقل عن الخلفاء غير مخصوص، ووجه تضمينهم من جهة المعنى ما قاله عبد الوهاب وغيره.
ثم نظرنا فرأينا: من قبض مالاً على المنفعة لربه فقط كالوديعة يكون ضمانه من ربه، وإن كان لمنفعة الأخذ كالمسلف يكون ضمانه من آخذه، فجعلنا المشترك بينهما كالرهن والعارية على هذا التفصيل لقوة التهمة فيما يغاب عليه، وأيضاً فإنهم لم يؤتمنوا وإنما الضرورة دعت الناس إلى الدفع إليهم، ولهذا قال علي ﵁: لا يصلح للناس إلا ذلك. فكان من المصلحة العامة تضمينهم ترجيحاً للمصلحة العامة.
وذكر أبو المعالي أن مالكاً كثيراً ما يبني مذهبه على المصالح، وقد قال أنه يقتل ثلث العامة لمصلحة الثلثين.
المازري: وهذا الذي حكاه أبو المعالي صحيح.
وقوله: (بِأَجْرٍ أَوْ بِغَيْرِ أَجْرٍ) ظاهر، ولو قيل بعدم الضمان إذا كان بغير أجر ما بعد؛ لما تقدم أن عبد الوهاب وغيره نصوا على أن القابض لمنفعة ربه فقط لا يكون عليه ضمان. وقوله: (بِصُنْعِهِ) كما لو ادعى أن سارقاً سرقه.
ابن رشد: الضمان بسبب الصنعة إنما هو إذا لم يكن فيها تغيير، وأما إذا كان فيها تغيير كثقبل اللؤلؤة ونقش الفصوص وتقويم السيوف وإحراق الخبز عند الفران والغزل في قدر الصباغ، فلا، إلا أن يعلم أنه تعدى فيها وأخذها على غير وجه مأخذها، ونحوه لابن المواز.
وقوله: (إِذّا انْتَصَبَ لِلصَّنْعَةِ) شرط في الضمان ثلاثة شروط أو شرطاً مركباً من ثلاثة أجزاء:
الأول: أن ينصِّب نفسه للصنعة بخلاف الأجير الخاص للرجل والجماعة دون غيرهم، والصانع الخاص الذي لم ينصب نفسه للصنعة فلا ضمان على هؤلاء؛ لأن التضمين إنما كنا للمصلحة العامة وقيده بعضهم إذا عمله بغير أجر وإلا فيضمن.
стр. 3729
ابن يونس: وحكى هذا القائل أنه منصوص للمتقدمين، وقد نقل عبد الحق وغيره عن القرويين القولين؛ أعني: هل الضمان على من لم ينصب نفسه للصنعة مطلقاً أو بشرط أن لا يأخذ أجرة؟ ونقل بعضهم الاتفاق على الثاني.
المازري: واختلف إذا كان هذا الصانع الذي لم ينصب نفسه عمل بغير أجر؛ فقال عيسى: لا ضمان عليه، وقيل: يضمن، والصواب أنه يضمن وهي رواية رأيتها للمتقدمين.
الشرط الثاني: أن لا يكون في بيت رب السلعة، وإلا فلا ضمان عليه جلس معه أم لا بأجر أم لا.
ابن حبيب: لأنه هنا أجير خاص.
الشرط الثالث: أن لا يكون رب السلعة ملازمه، وإلا فلا ضمان عليه؛ لأنه بحضوره معه يشبه الصانع الخاص.
وقد حكى اللخمي في هذا خلافاً فقال: اختلف إذا عمله الصانع في حانوته بحضرة صاحبه، فقال محمد: القول قول الصانع في تلفه، وفي الواضحة في مثل ذلك: أنه ضامن، وليس بحسن.
ونوزع اللخمي فيما ذكره عن الواضحة؛ لأن الذي فيها وفي العتبية: إذا جاءه بثوب يكمده له فكمده مع رب الثوب فأصابه خرق، فإن كان مِن فعل ربه لم يضمن وإن كان من فعل الكمَّاد فهو ضامن، وإن جهل بينهما يكون على الكماد نصف ما نقصه، وإن انفرد الصانع بالكمد فعليه الضمان وإن لم يفرط، فقيل: إنما ضمانه هنا بالفساد وتلف مال الغير الذي يستوي في ضمانه العمد والخطأ فلا يكون الصباغ كذلك.
ابن رشد: وقوله: (وَإِنْ جَهِلَ) معناه: أنهما [٦٢٦/أ] قالا: لا ندري مِن عمل من هو، وأما إن ادعى كل واحد منهما على صاحبه فالحكم أن يحلفا، فإن حلفا أو نكلا ضمن الصانع
стр. 3730
النصف، فإن حلف أحدهما ونكل الآخر عمل على قول الحالف. قال: ولابن دحون أن ضمان الكماد بحضرة رب الثوب على ما قال ابن القاسم ولا يستقيم.
قال: وإذا حضر عمل متاعه أينما كان فلا ضمان على الصانع، وإن كان العمل في موضع الصانع.
ابن رشد: وقاسه على حامل الطعام وما أصاب؛ لأن حامل الطعام ضمن للتهمة، فحضور ربه معه رافع لها، وإفساد الثوب قد علم أنه من الكماد.
وقوله: (مَا لَمْ يَكُنْ مُلازِمَهُ) يريد الإفساد مسألة الكماد، وانظر هل يأتي على ما تقدم لأشهب من الضمان مع البينة الضمان هنا، لأن التهمة فيهما منتفية، فإذا ضمنه في إحداهما فكذلك في الأخرى أولى؛ لأن التلف في مسألة الحضور مقطوع به، بخلافه في البينة فإنه مظنون وتردد في ذلك بعض الأشياخ
وقوله: (وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا) إما كون الصانع في بيت رب السلعة، وإما ملازمة ربها.
(فَأَمِينٌ) أي: فالصانع أمين ولا ضمان عليه.
و (كَانَ) تامة، وفي كلامه حذف مضاف تقديره: فإن حصل نقيض أحد الأمرين- بحصول أحدهما، فإن لم يكن في بيت ربها أو لم يكن ربها ملازماً له- مقتضي للضمان، وفي بعض النسخ: (أحدها) فيعود على الثلاثة.
وَالْوَاجِبُ قِيمَتُهُ يَوْمَ دَفْعِهِ
لما ذكر الضمان وشرطه تكلم على زمانه. تصور كلامه ظاهر.
قال في المدونة والواضحة: وليس لربه أن يقول أؤدي الأجرة وآخذ قيمته معمولاً.
стр. 3731
قال في المقدمات: إلا أني قول الصانع أنه تلف بعد العمل، فيكون لربه أن يؤدي إليه أجرة عمله ويضمنه قيمته معمولاً.
قال: وهذا على القول: إن البينة إذا قامت على تلفه معمولاً أنه يلزمه أداء الأجرة وتكون مصيبته منه، وهذا أحد قولي ابن القاسم في الموازية.
وخرج جماعة قولاً بلزوم القيمة لآخر يوم رئي عنده على القول به في الرهن، واختلف في الخياط يقطع الثوب ثم يغيب عليه، ففي الموازية: عليه قيمته صحيحاً قبل قطعه، ولو كانت شقة فقطع منها ثوبين وادعى ضياع أحدهما كان عليه نصف الشقة صحيحة لا قيمة نصف صحيح.
وقال ابن القاسم في مختصر ما ليس في الختصر: يغرم قيمته مقطوعاً.
اللخمي: ويختلف على هذا إذا أفسد الخياط بالخياطة أو القطع، فعلى ما في المدونة: يغرم قيمته صحيحاً في الوجهين، وقال ابن شعبان: إن كان الفساد في القطع غرم قيمته صحيحاً، وإن كان في الخياطة غرم قيمته مقطوعاً.
اللخمي: وهو فقه حسن؛ يعني: فيغرم قيمته على الوجه الذي أفسده عليه.
قال في المدونة: وإذا فرغ الخياط أو الصانع من عمل ما في يده، ثم دعا صاحب المتاع، فقال: خذ متاعك، فلم يأتِ حتى ضاع المتاع عند الصانع، هو ضامن على حاله.
اللخمي: يريد أنه لم يحضره، ولو كان أحضره ورآه صاحبه مصنوعاً على صفة ما شارطه عليه وكان قد دفع الأجرة ثم تركه عنده فادعى ضياعه لصدق؛ لأنه خارج عن حكم الإجارة إلى حكم الإيداع، ونص أبو الحسن على أنه وفاق للمذهب.
وَلَوْ قَامَتْ بَيِّنَةٌ فَفِي سُقُوطِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
أي: فإن قامت بينة على تلفه عند الصانع من غير صنعة، ففي سقوط الضمان على الصانع قولان:
стр. 3732
مذهب ابن القاسم وروايته عن مالك: السقوط، ومقابله لأشهب بناءً على أن الضمان للتهمة وهي زالت بقيام البينة أو بالأصالة.
فرع:
قال في المدونة: ويضمن القصار قرض الفأر؛ إذ لا يعرف ولو علم أن الفأر قرضه من غير تضييع وقامت بذلك بينة لم يضمن.
محمد: إذا لم يضيع.
وقال ابن حبيب: إذا ثبت بالبينة أن الذي أصاب الثوب قرض فأر أو لحس سوس وهو بيد صانع أو مرتهن لم يضمن، ولو قال رب الثوب: إنهما ضيعا، وأنكرا ذلك صُدِّقا، فعلى رب الثوب البينة أنهما ضيَّعا؛ لأن قرض الفأر والسوس أمر غالب والتعدي لا يلزم بالدعوى.
ابن يونس: وظاهر المدونة أن عليه البينة أنه ما ضيع؛ لأن الثوب بيده على الضمان فلا يخرجه إلا البينة، وقد تقدم الكلام على إحراقه أو إحراق بعضه إذا احترق منزله في الرهن.
وَعَلَى سُقُوطِهِ: فَفِي سُقُوطِ الأُجْرَةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَوَّازِ
يعني: ويتفرع على سقوط الضمان إذا قامت البينة بهلاكه مصنوعاً في سقوط الأجرة قولان؛ فابن القاسم يسقطها ومحمد لا يسقطها، وحكاية المصنف الخلاف في الأجرة يستلزم أن تكون البينة قامت على هلاكه مصنوعاً كما قلنا؛ إذ هو المحل الذي يسقط ضمان الصانع، والنقل أيضاً كذلك فرأى ابن القاسم أن الصانع لم يسلم الصنعة لرب السلعة، ولا يستحسن الأجرة إلا بالتسليم.
ورأى محمد أن وضع الصنعة في السلعة كوضعها في يده.
стр. 3733
وزاد في البيان ثالثاً: بالفرق بين قيام بينة وعدمه، ورابعاً: أن عليه الأجرة، سواء قامت بينة على ضياعها قبل العمل أو لا، ويؤدي قيمته معمولاً؛ أخذه من قول ابن القاسم في العتبية: إذا نقص الدقيق فعلى الطحان ضمان ما ينقص مثل قيمته من الدقيق.
ابن رشد: وهو خلاف مذهبه في المدونة ولا يجوز على مذهبه فيها أن يأخذ ما نقصه من الدقيق لما يدخله من التفاضل بين القمح والدقيق؛ إذ الواجب عليه ما نقصه من القمح فإن كان القمح مثلاً ثمانية أقفزة ويزيد بالطحن قفيزاً، فلم يجد إلا ثمانية فعليه ثمانية أتساع قفيز من قمح وعليه طحنه ويأخذ جميع أجرته، وإن لم يطحنه أنقصه تسع الأجرة فلو أخذ منه على هذا دقيقاً لكان قد ابتاع منه قفيز دقيق بثمانية أتساع قفيز من قمح وبتسع الأجرة فيدخله التفاضل.
وَلَوْ شَرَطَ نَفْيَ الضَّمَانِ فَفِي انْتِفَاعِهِ بِهِ رِوَايَتَانِ
ضمير (شَرَطَ) عائد على الصانع، وضمير (انْتِفَاعِهِ) عائد على الضمان، وفي بعض النسخ (وفي انتفائه) فيعود الضمير على الصانع.
(رِوَايَتَانِ) روى ابن القاسم أنه لا ينفعه شرطه وبما قال قال في الجواهر.
وروى أشهب أنه ينفعه ولم يذكر صاحب النوادر والباجي وصاحب المقدمات ذلك على أن أشهب رواه، بل على أنه قاله.
نعم، تقدم في الرهن أن أشهب روى عدم الانتفاع بالشرط فيه والباب واحد ورأيت للخمي وغيره أن هذا الخلاف إنما هو في الصانع الواحد، وأما لو اشترط الصناع كلهم نفي الضمان فيتفق على أنهم لا يوفى لهم بذلك؛ لأن في الوفاء لهم عدم ما تقدم من الدليل.
واعلم أن بعض شيوخنا قال لمن اشترط نقل الضمان من محل إلى محل غيره: فلا يخلو من ثلاثة أقسام: إما أن يكون المحل استقر فيه الضمان لم يختلف فيه أحد من العلماء أنه
стр. 3734
محل له فهذا لا يجوز نقله بلا خلاف، أو يكون فيه خلاف في المذهب كالغائب والمحبوسة بالثمن فهذا لا خلاف في جواز نقل الضمان من أحد المحلين إلى الآخر.
وإما أن يكون متفقاً عليه في المذهب، وفيه خلاف خارجي كالصناع فهذا وشبهه فيه قولان، وعلى هذا فلا يعد أن يختلف في المسألة وإن اشترط الصناع كلهم نفي الضمان، فانظره.
أَمَّا لَوْ بَاعَهُ دَقِيقَ حِنْطَةٍ عَلَى الْكَيْلِ وَعَلَيْهِ طَحْنُهَا فَالضَّمَانُ عَلَى الْبَائِعِ
(فَالضَّمَانُ) أي: على البائع وإن قامت البينة على التلف اتفاقاً، وحاصله: أن ما تقدم من سقوط الضمان إذا قامت البينة على الهلاك إنما هو فيما ليس فيه حق توفية بعد الصنعة وأما ما فيه ذلك فيتفق على أن الضمان منه، ولهذا أتى بـ (أَمَّا) المشعرة بالتفصيل.
ابن عبد السلام: وهذه المسألة إذن لا إشكال فيها وإنما كان ينبغي أن يذكر إذا باع حنطة على أن البائع طحنها، فهذا إذا قلنا بالجواز يمكن أن يقال أنه بيع وإجارة، وهل يضمنه مطلقاً أو يفرق فيه؟ وإن ضاع ببينة سقط الضمان، وإن كان بغير بينة وجب الضمان والمنصوص وجوب الضمان من البائع فهذا هو محل الإشكال والتنصيص عليه أولى.
وَأَمَّا غَيْرُ مَحَلِّهَا بِالْحَاجَةِ كَالْكِتَابِ لْلنَّسْخِ، وَالْجَفْنِ يُصَاغُ عَلَى نَصْلِهِ، وَظَرْفِ الْقَمْحِ- فَقَوْلانِ ...
ضمير (مَحَلِّهَا) عائد على الصنعة والباء سببية؛ أي بسبب الحاجة، واحترز به مما لا يحتاج الصانع إليه في عمله كدفع زَوْجَي خُفٍّ ليعمل في أحدهما فإنه اتفق على أنه لا يضمن إلا المصنوع.
قال في البيان: اختلف في صفة تقويم المضمون فقيل: يقوم وحده، وقيل: يقومان جميعاً، ثم يقوم الثاني وحده فيغرم ما بين القيمتين ومنشأ القولين اللذين ذكرهما المصنف: هل الحاجة إليه تصيره كالمصنوع أو لا؟
стр. 3735
وحكى في البيان ثلاثة أقوال:
الأول: لا يضمن إلا ما فيه عمل وإن كان يحتاج إليه الصانع والمصنوع، وهو قول سحنون.
والثاني: أنه يضمنه فيهما، وهو قول ابن حبيب.
والثالث: أنه لا يضمن ما ليس فيه عمل وإن احتاج إليه الشيء المعمول، إلا أن يحتاج إليه في عمله، وهو قول مالك في سماع أحمد بن خالد، وقول ابن المواز.
وقول المصنف: (يُصَاغُ عَلَى نَصْلِهِ) قيد الصياغة بأن تكون على النصل، فإنها لو كانت على الجفن لكان محلاًّ للصنعة فكان الصانع يضمنه ولا يأتي هذا الاختلاف فيه.
وَالأُجَرَاءُ وَالصُّنَّاعُ تَحْتَ يَدِ الصَّانِعِ أُمَنَاءُ لَهُ
يعني: إذا كان للأجير أجراء أو صناع تحت يده فتلف بأيديهم شيء بغير تعدٍّ فلا ضمان عليهم؛ لأنهم صناع له خاصة. واحترز بقوله: (تَحْتَ يَدِهِ) مما لو غابوا على السلع فإنهم يضمنون.
فقد نص أشهب في العتبية والموازية: أنه لو أكثر الثياب على الغسال، فآجر آخر يبعثه بها إلى البحر فادعى تلفها أنه ضامن.
ابن ميسر: وذلك إذا آجره على غسل أثواب فقاطعه؛ أي كل ثوب بكذا، وأما إن كان في إجارته يوماً أو شهراً فدفع إليه شيئاً يعمله في داره وغاب عليه فلا ضمان عليه.
ابن يونس: وإنما يضمن أجير الصناع هنا؛ لأنه كصانع دفع إلى صانع ما استُعمل عليه. وفي الموازية في الخياط يدفع إلى الصبيان المتاع يمضون به إلى ديارهم ليتموها بالليل فيدعون الضياع أنهم لا ضياع عليهم.
ابن ميسر: معنى ذلك أنهم عملوا جلها في الدكان بحضرة الصانع وبقي اليسير فانسحب عليهم حكم الأكثر في نفي الضمان.
стр. 3736
قال في الموازية والعتبية: وإذا دفع ربُّ الثوب إلى الصانع إجارته فلم يدفع الصانع الأول للثاني إجارته فلرب الثوب قبض الثوب من الثاني بغير إجارة، ويتبع الثاني الأول إذا ثبت دفع رب الثوب إليه.
بعض القرويين: والأشبه في القياس ألا يأخذ رب الثوب ثوبه من الثاني إلا أن يدفع إليه إجارته؛ لأنه ليس مستحقاً لعين الصنعة فيأخذها بغير شيء.
ابن ميسر: وإن لم تقم بينة أنه دفع الأجرة للأول فليحلف الثاني أنه ما قبض أجرته ويكون على ربها الأقل من أجرة مثله أو من [٦٢٧/أ] إجارة الأول، فيتبع هذا الهارب ببينة أجرته.
قال في الموازية: ثم إن قدم الأول فأقر بقبض أجرته فليرجع الغارم على الثاني بما قبض منه.
الشيخ أبو محمد: وهذا غير مستقيم ولا تقبل دعوى القادم على المقيم إذا كان القادم عديماً.
ابن رشد: وقول الشيخ صحيح، ولم ينص ابن المواز على أنه يرجع على الثاني لإقرار القادم إن كان عديماً فينبغي أنيحمل قوله على ما يصح إذا كان مليئاً، قال: وقول محمد: "يحلف الثاني ويأخذ الأقل" صحيح، وكذلك لو أقر صاحب المتاع أنه لم يدفع إلى الأول شيئاً، قال: وهذا إذا علم بما استؤجر له أو أقر بذلك الثاني، وأما إن لم يكن كذلك فلا سبيل إلى أخذ المتاع إلا بعد أن يدفع إليه جميع إجارته إن علمت وإن لم تعلم فيتخرج ذلك على قولين:
أحدهما: أن القول قوله في مبلغها مع يمنيه إذا أتى بما يشبه وإن لم يأت بما يشبه لم يصدقه وله أجرة المثل.
والثاني: أنه لا يكون له إلا أجرة المثل وإن أشبه ما ادعاه.
وهو الذي يأتي على مذهب ابن القاسم، قال: وإنما وجب أن يكون للثاني الأقل على صاحب المتاع؛ لأنه غريم غريمه، لا من أجل أن السلعة رهن له؛ إذ ليست برهن فلا
стр. 3737
يكون له إمساكها ولا يكون أحق بها من صاحبها إن أفلس عند ابن القاسم، ولذلك لا يكون القول قوله إن ادعى أكثر من إجارة مثله.
قال: وإنما وجب أن يكون لصاحب المتاع أخذه معمولاً، بل يغرم الثاني إذا كان دفع للأول؛ لأن العمل على الأول مضمون، ولو كانت الإجارة على عمل الأول بعينه لما وجب لصاحب المتاع. ولو كان قد دفع الأجر للأول إلا أن يعلم الثاني بتعدي الأول. قال: وهو الذي يأتي على أصولهم ولا أعلم فيها نصاً.
وَأَمَّا أَجِيرُ حَمْلٍ- غَيْرِ الطَّعَامِ- فَإِنْ غَرَّ فِيهِ أَوْ فَرَّطَ ضَمِنَ، وَإِلا فَلا
لمَّا فرغ من الصانع شرع في أجير الحمل وغيره، وما ذكره نحوه في المدونة، ففيها: وإن قال المكتري في حمل عرض أنه إن هلك أو سرق أو عثرت الدابة فانكسرت به القوارير فذهب الدهن صُدِّق، إلا أن يغر من عثار أو ضعف حبل فيضمن حينئذٍ.
وقوله: (غَرّ) صَادَق على الغرور بالقول والفعل.
اللخمي: فإن كان بفعل ضمن، وإن كان بقول ففيه قولان: هل يضمن أم لا؟
اللخمي: فإن عرف الحمال ضعف الحبل وربطه فهو غرور بفعل، وإن سمى الحبل للمكتري فربطه وكان المكتري هو الذي سيرها فهو غرور بقول.
وعلى الضمان فقال ابن حبيب: يلزمه المثل أو القيمة بموضع هلك، وله من الكراء بحساب ما سار.
ابن يونس: وهو قول ابن القاسم وعلى قول غيره يخير في أن يضمنه قيمته يوم تعدى؛ أو يوم هلك، وحمل اللخمي قول ابن القاسم على معنى قول الغير؛ لأنه قال: وقال ابن القاسم فيمن حمل دهناً من مصر إلى فلسطين وانكسر بالعريش وكان قد غر من الدواب أن عليه قيمته بالعريش؛ لأنه قال: قيمته بالعريش ضعف قيمته بالفسطاط والإنسان لا يختار إلا الأكثر.
стр. 3738
وَفِي حَمْلِ الطَّعَامِ يَضْمَنُ مُطْلَقاً إِلا بِبَيِّنَةٍ أَوْ يَصْحَبُهُ رَبُّهُ، وَقَالَ بِهِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ
قوله: (مُطْلَقاً) أي: لا فرق في الأقوات والإدام، بل يضمن جميعها على المشهور لسرعة الأيدي إليه خلافاً لابن حبيب كما سيأتي، ويحتمل أن يريد بالإطلاق سواء فرط أم لا؛ يعني: ولا تفصيل فيه كما في غير الطعام، وظاهر قوله: (يَضْمَنُ مُطْلَقاً) لأنه لا فرق في ذلك بين السفر والحضر.
اللخمي: وهو المعروف، وقول ابن كنانة: لا ضمان عليه في المدينة؛ لأنه في المدينة قادر على أن يصحبه من غير ضرورة.
(إِلا بِبَيِّنَةٍ) أي: فإن الضمان يسقط بها.
وقوله: (أَوْ يَصْحَبُهُ رَبُّهُ) ثبت في بعض النسخ وسقط من بعضها؛ لأنه يؤخذ الحكم فيه من باب مفهوم الموافقة، فإن هلاكه بحضرة صاحبه أقوى في البراءة من هلاكه بحضرة البينة.
وحكى اللخمي الخلاف في الضمان إذا حمله في البحر ولو صحبه ربه فقال: واختلف إذا حمله في السفر ببحر وصاحبه معه أو لم يكن معه صاحبه، وليس الطعام مما تدعو الحاجة إليه في الغالب.
فالمعروف من المذهب أنه غير مصدق إذا غاب عليه وإذا حمله في البلد، خلافاً لابن كنانة قال: وإن صحبه في البحر ثم نقص أو ذهب بعضه، صدق عند مالك، وفي أكرية السفن أنه غير مصدق.
ابن عبد السلام: قال بعضهم: إلا أن تلجئ قوماً ضرورة إلى من يخاف على الطعام معه فيستأجروه تقاية لشره وليدفع شر قوم آخرين فيضمن، أو تعلن منه الجناية فيضمن.
اللخمي: وأرى أن يضمن الذي يحمل القمح والشعير والقطاني وما أشبه ذلك وإ، صحبه ربه إذا نقص؛ لأنه قد علم منه السرقة، ونص قول ابن حبيب: وإنما يضمنون من الطعام
стр. 3739
الإدام ما كان قوتاً خاصة فمن ذلك القمح والشعير والدقيق والسلت والذرة والدخن والعلس والكرسنة، وليس الأرز من ذلك لأنه مما يتفكه به.
أبو محمد: لعل هذا في غير بلد الأرز وإلا فبعض البلدان هو جل قوتهم.
قال: يضمن الفول والحمص والعدس واللوبيا والجلبان، ولا يضمون الترمس؛ لأنه متفكه، ولا يضمنون من الإدام إلا الزيت والعسل والخل والسمن، وأما الرُّب والأشربة الحلال والجبن واللبن والزبد وسائر اللحم والأبزار فلا يضمنونه، ولا يضمنون من خضر الفواكه ورطبها ويابسها إلا التمر والزبيب والزيتون، ويضمنون الملح، ولا يضنمون شيئاً من الأدهان وكل ما لا يضمنوه فهم [٦٢٧/ب] مصدقون في تلفه كالعروض. وأنكر هذا التفصيل جماعة.
ابن يونس: وهو استحسان قوله (وَقَالَ بِهِ)؛ أي بالضمان في الطعام (الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةُ).
زاد ابن شاس وربيعة: وذلك لمصلحة العامة لاحتياج الناس إلى حمله وسرعة يد الحامل إليه، فيضمنون كالصناع.
تنبيه:
قوله: (أَوْ يَصْحَبُهُ رَبُّهُ) لا يشترط دوام الصحبة فقد قال أصبغ في الموازية: إذا فارق رب الطعام حامله في بعض الطريق لم يضمن.
وعلله محمد بأن أصل حمله لم يكن على التسليم.
ونقل ابن يونس عن بعضهم أنه فصَّل فقال: إن فارقه على أن يعود فكذلك، وإن كان على أن لا يعود فعليه الضمان.
وَأَمَّا أَجِيرُ الْحِرَاسَةِ فَلا يَضْمَنُ شَيْئاً
أي: ولو كان طعاماً أو مما يغاب عليه هكذا نص عليه ابن المواز وغيره.
стр. 3740
ابن المواز: وكذلك لا ضمان عليه إذا أعطاه طعاماً يبيعه فيضيع أو يضيع ثمنه، إلا أن هذا لا أجر له ولا ضمان عليه.
قال: وإن استؤجر ليحرس بيتاً فينام فيسرق ما فيه، فلا يضمن وإن غاب عليه، وله جميع الأجرة وكذلك حارس النخل.
وقال مالك في العتبية فيمن بعثت معها بخادم يبلغها موضع كذا بأجر مسمى فنام في الطريق فأبقت أو ماتت، فإن أبقت حوسب، وإن ماتت فله الأجرة كلها، وقال ابن القاسم: الموت والإباق واحد وله الأجرة كلها، ويستعمل في مثل ذلك حتى يتم أو يبلغ.
وقال ابن وهب: له من الإجارة حيث بلغ فقط.
فرع:
واختلف قول مالك في ضمان السماسرة.
ابن رشد: والذي أفتى به على طريق الاستحسان مراعاة للخلاف تضمينهم، إلا أن يكونوا مشهورين بالخير.
ابن راشد: ورأيت بعض قضاة الإسكندرية ضمن السماسرة، وكأنه ذهب إلى أن ذلك من مصالح الناس العامة لفساد الزمان.
وَالْحَمَّامِيُّ أَمِينٌ عَلَى الثِّيَابِ، وَقِيلَ: يَضْمَنُ
(الْحَمَّامِيُّ): مكتري الحمام.
ابن راشد: والأول قوله في المدونة، والثاني قوله في الموازية: يضمن إلا أن يأتي بحارس؛ ونحوه في العتبية؛ لأن فيها: وقد أشرت على صاحب السوق أن يضمن أصحاب الحمامات ثياب الناس، أو يأتوا بمن يحرسها.
ابن يونس: ورأيت في بعض الحواشي عن ابن عبد الحكم مثله، وزاد: وألا ضمان على من يحرسها.
стр. 3741
وأما حارس الثياب ففي البيان: إن أكراه صاحب الحمام بأجرة في ذمته فلا خلاف في نفي الضمان إلا أن يضيع أو يفرط، وإن كان بأجرة يأخذها من الناس، فقال مالك: لا ضمان عليه.
ابن لبابة: وما سواه خطأ، وضمنه ابن حبيب، واختار اللخمي نفي الضمان عن الحمامي والحارس ولو دفع له أجرة؛ لأنه حينئذٍ كالمودع يدفع له أجرة على أمانته.
ابن القاسم: ولو قال الحارس: جاءني إنسان فشبهته بك فدفعت إليه الثياب، ضمن.
اللخمي: وكذلك يضمن إن رأى إنساناً يأخذ ثيابك فيتركه ظناً منه أنه أنت.
وَكُلُّ مَنْ أَوْصَلَ نَفْعاً عَنْ عَمَل أَوْ مَالٍ بِأَمْرِ الْمُنْتَفِعِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ مِمَّا لابُدَّ لَهُ مِنْهُ بِغُرْمٍ فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْعَمَلِ وَمِثْلُ الْمَالِ، بِخِلافِ عَمَلٍ يَلِيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَبْدِهِ أَوْ مَالٍ يَسْقُطُ مِثْلُهُ عَنْهُ ..
(أَوْصَلَ) يريد: ولو بغير قصد، كما قالوا في من حرث أرض غيره ظانّاً أنها أرضه. وقوله: (عَنْ عَمَل أَوْ مَالٍ) تبيين للنفع؛ مثال العمل: لو حرث لرجل كرمه أو سقى حرثه أو أرضه أو حصد زرعه أو قطع ثوبه وخاطه أو طحن قمحه بغير أمره، ومثال المال: لو أنفق على زوجته أو ولده أو عبده، وسواء كان ذلك (بِأَمْرِ الْمُنْتَفِعِ أَوْ بِغَيْرِ أَمْرِهِ) بشرط أن يكون ذلك الواصل مما لابد منه للمنتفع به.
وقوله: (بِغُرْمٍ) شرط فيما يرجع به، واحترز به من أن يعمل له عملاً لا يحتاج إليه أو يتولاه صاحبه بنفسه، فلا غرم، أو ينفق على من لا يلزمه الإنفاق عليه، أو ينفق أكثر من القدر المحتاج إليه.
المازري: ولا خلاف فيه إذا كان ربه ممن يتولاه بنفسه، وإلا فقد ذكروا خلافاً فيمن خاط ثوب غيره بغير إذنه.
стр. 3742
فقال سحنون: يأخذه ربه ولا شيء عليه لخياطة هذا الفضولي.
وقيل: لا يأخذه حتى يغرم لهذا الأقل من قيمة خياطته أو ما يخيط به هو.
وقوله: (فَعَلَيْهِ أُجْرَةُ الْعَمَلِ) أي: قيمة المنفعة، ومثال المال هو ظاهر إن كان من ذوات الأمثال.
ابن عبد السلام: وإن كان من ذوات القيم، فيحتمل أن يقال عليه القيمة.
وقوله: (بِخِلافِ عَمَلٍ يَلِيهِ بِنَفْسِهِ أَوْ بِعَبْدِهِ) راجع إلى قوله: (بِغُرْمٍ) أي: بخلاف ما إذا كان المنتفع لا يغرم عليه شيئاً، بل يليه بنفسه أو بعبده، فإنه لا يغرم على ذلك شيئاً.
مسألة:
قوله تعالى: ﴿فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ﴾ [الكهف: ٩٥] إلى قوله: ﴿أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْراً﴾ [الكهف: ٩٦] دليل على جواز الغرم على القبيلة في دفع ضرر يعمهم واستخدامهم في ذلك، وكذلك مصالحهم أجمع.
التَّنَازُعُ: لَوْ قَالَ الْمَالِكُ: سُرِقَ، وَقَالَ: اسْتَصْنَعْتَنِي، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَحَالَفَانِ وَيُقَالُ لِلْمَاِلكِ: ادْفَعْ قِيمَةَ الْعَمَلِ، فَإِنْ أَبَي قِيلَ لِلصَّانِعِ: ادْفَعْ قِيمَةَ الْمَتَاعِ بِغَيْرِ عَمَلٍ، فَإِنْ أَبَى كَانَا شَرِيكَيْنِ بِالْقِيمَةِ وَالْعَمَلِ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَامِلُ مُدَّعٍ ...
لما فرغ من أركان الإجارة وأحكامها شرع في الاختلاف، وتصور المسألة من كلامه ظاهر فرأى ابن القاسم في المدونة: ألا مزية لأحدهما على الآخر، فأوجب التحالف؛ لأن كل واحد مدعٍّ على صاحبه، ورأى غيره أن صاحب المال أقوى؛ لأن المال ماله والأصل عدم الغرم.
قال في المدونة في قول الغير: ولا يكونان شريكين.
стр. 3743
صاحب النكت: وعلى قول الغير يحلف رب الثوب أنه ما دفعه إليه ثم يلزم الصانع غرم قيمة الثوب جبراً على ما أحب أو كره.
واعلم أن صاحب النكت والتونسي واللخمي قيدوا [٦٢٨/أ] قول ابن القاسم بما إذا أراد رب المال تضمين الصانع ولم يرد أخذ ثوبه؛ لأنهم قالوا: إن قال رب الثوب: أريد أن أضمن الصانع فإن أطاع الصانع فدفع قيمة الثوب أبيض فلا يمين على واحد منهما، وإن أبى عن ذلك تحالفاً على ما سيأتي، وأما إن اختار رب الثوب أخذه ويعطي قيمة الصبغ، فإنك تنظر فإنْ كانت قيمة الصبغ مثل ما ادعى الصانع، أو كان ما ادعى أقل أدى ذلك رب الثوب ولا يمين عليه، وإن كانت قيمة الصبغ أقل مما ادعى الصانع حلف رب الثوب ما دفعه إليه وأدى قيمة الصبغ.
قوله: (قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَحَالَفَانِ) الشيخ أبو محمد وغيره: ويحلف رب الثوب أولاً أنه ما استعمله ثم يقال للصانع: ادفع إليه قيمة ثوبه وإلا فاحلف أنه استعملك، فإن حلف قيل لربه: ادفع إليه قيمة عمله وحده.
وهذا معنى قوله: (وَيُقَالُ لِلْمَاِلكِ: ادْفَعْ إِلَيْهِ قِيمَةَ الْعَمَلِ) وبقية قول ابن القاسم من كلام المصنف ظاهرة.
فَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ: أَوْدَعْتُكَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: الْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ وَإِلا ذَهَبَتْ أَعْمَالُهُمْ؛ لأَنَّهُمْ لا يَشْهَدُونَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: الْعَامِلُ مُدَّعٍ ....
يعني: وقال الصانع: بل استصنعتني، فرأى ابن القاسم أن الصانع لما كان جلوسه للصنعة كان القول قوله؛ لأنه أتى بما يشبه، والفرق على قول ابن القاسم بين هذه والتي قبلها أن المالك هنا معترف بأنه أذن في وضع يد الصانع ورأى أن الصانع مدعٍّ؛ لأنه ادعى ملك شيء متصل بملك غيره وأنه باعه من رب الثوب فعليه البينة، وقاله ابن حبيب
стр. 3744
وزاد: وكذلك لو قال ربه: سرق مني، ويحلف ويأخذ ثوبه مصبوغاً أو مغسولاً بغير غرم إلا أن ينقصه الصبغ أو يفسده، فربه مخير في أخذه أو تركه وأخذ قيمته، وإن زاده الصبغ فله أخذه بلا غرم هكذا ذكر ابن يونس.
وذكر في البيان أنه اختلف في تفسير قول الغير، فقيل: كما ذكره ابن يونس، وقيل: إنه مدعٍّ في الأجرة فإن ادعى أكثر من أجرة المثل وحلف على ما ادعى عليه لم يستحق بيمينه ما حلف عليه، ويحلف رب الثوب على ما ادعى فيسقط عنه بيمينه ما زاد على أجرة المثل، وإن نكل عن اليمين أخذ العامل ما حلف عليه، وإن نكل العامل عن اليمين وحلف رب الثوب أخذ ثوبه مصبوغاً ولا شيء عليه.
ونحوه لصاحب النكت وزاد: وليس له أن يضمنه؛ لأنه أقر بوضع يده عليه بخلاف قوله: سرق مني.
وَلَوْ صَاغَ سِوَارَيْنِ فَقَالَ: أَمَرْتُكَ بِخَلْخَالَيْنِ، صُدِّقَ الصَّانِعُ
الخلخالين بفتح الخاء: الجوهري: وخلخل لغة فيه.
(صُدِّقَ الصَّانِعُ) يعني: مع يمينه وكلام المصنف وهو ظاهر الدونة أنَّ الصانع إذا حلف أخذ المسمى.
وقال سحنون في رواية أخرى: القول قول الصنَّاع مع أيمانهم ولهم الأقل من أجرة مثلهم أو مما سموا.
اللخمي: وعلى مذهب سحنون يكون القول قول صاحب الفضة، أنه لم يستأجره ليعمله، والقول قول الصانع أنه لم يتعدَّ، ويكونان شريكين؛ هذا له قدر الفضة والآخر له قدر الصنعة، إلا أن يحب صاحب الفضة أن يعطيه إجارة المثل إذا كانت أقل.
стр. 3745
فَلَوْ قَالَ الْمَالِكُ بِثَلاثَةٍ وَالصَّانِعُ بِأَرْبَعَةٍ صُدِّقَ الصَّانِعُ فِيمَا يُشْبِهُ بِخِلافِ الْبِنَاءِ؛ لأَنَّهُ غَيْرُ حَائِزٍ لِذَلِكَ ....
يعني: وإن اختلفا في قدر الأجرة، فإن كان المصنوع تحت يد الصانع صدق الصانع مع يمينه إذا ادعى ما يشبه لبقاء شبهه تحت يده، فكان بمنزلة من باع سلعة ولم يخرجها فالقول قوله.
وإن لم يأتِ بما يشبه حلف المالك إن أتى بما يشبه، فإن أتى بما لا يشبه فللصانع أجرة مثله، وإن لم يكن المصنوع تحت يده فالقول قول المالك كالبناء؛ لأنه لم يبق المصنوع بيده بل لم يكن بيده أصلاً وهو تحت يد مشتري الصنعة وقد فات، فلذلك كان القول قول المشتري.
وَلَوِ اخْتَلَفَا فِي رَدِّهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ- قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ- وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ قَبَضَهُ بِبَيِّنَةٍ، وَإِلا فَالْقَوْلُ قَوْلُ الصَّانِعِ ...
(الْقَوْلُ قَوْلُ الْمَالِكِ) لأن الصانع اعترف بقبضه وادَّعى رده، وسواء كان قبضه الصانع ببينة أو بغير بينة، وكذلك الرهن والعارية والمبيع على خيار فيما يغاب عليه؛ لأن هذه كلها مقبوضة على الضمان، ورأى ابن الماجشون أن المصنوع كالوديعة والقراض.
***
стр. 3746
الْجِعَالَةُ أَرْكَانٌ
هي الإجارة على عمل مجهول النهاية. والأصل فيه قوله تعالى: ﴿وَلِمَنْ جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ [يوسف: ٧٢] وحديث الرُّقية.
وقوله: (أَرْكَانٌ) أي: لها أركان:
العَاقِدَانِ: أَهْلِيَّةُ الاسْتِئْجَارِ، وَالْعَمَلُ
أي: الأول (العَاقِدَانِ) و (أَهْلِيَّةُ) خبر ابتداء محذوف؛ أي: شرطها أهلية الاستئجار، (وَالْعَمَلُ) أي: من صح له أن يجاعل ومن صح له أن يكون أجيراً صح له أن يكون مجعولاً، فلا يصح أن يكون الذمي مجعولاً على طلب مصحف. ولم يصرح المصنف بشروط العاقدين في الإجارة وإنما أحال ذلك على البيع فقال: (الْعَاقِدَانِ كَالْمُتَبَايعَيْنِ). وعلى هذا فالأحسن أن يشبه المصنف هنا بالمتبايعين، ولعله أحال على الإجارة لينبه على أن الإجارة أصل وأن الجعالة مستثناة من الممنوع للضرورة.
وَلا يُشْتَرَطُ فِي الْمَجْعُولِ لَهُ التَّعْيِينُ وَلا الْعِلْمُ بِالْجِعَالَةِ فَلَوْ قَالَ: مِنْ رَدَّ عَليَّ عَبْدِيَ الآبِقَ فَلَهُ دِينَارٌ فَمَنْ أَحْضَرَهُ اسْتَحَقَّهُ؛ عَلِمَ بِالْجُعْلِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ، تَكَلَّفَ طَلَبَهُ أَوْ لَمْ يَتَكَلَّفْ ....
يعني: لا يشترط في المجعول له وهو العام أن يكون معيناً بخلاف الإجارة فإنه لا يجوز أن يكون الأجير إلا معيناً، ولا يشترط في المجعول له التعيين.
وقوله: (عَلِمَ بِالْجُعْلِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ) بيان؛ لأنه لا يشترط علم المجعول له بالجعالة وهو قول ابن الماجشون وأصبغ وغيرهما، وذكره [٦٢٨/ب] ابن حبيب عن مالك. وقال ابن القاسم في العتبية: إذا قال من جاءني بعبدي الآبق فله عشرة دنانير فجاء به من سمعه فله العشرة، وسواء كان شأنه أو لا، وإن جاء من لم يسمعه لم يكن له ذلك إلا أن يكون ذلك شأنه. فاشترط ابن القاسم سماع الجعالة فيمن لم تجرِ عادته بذلك.
стр. 3747
قال في البيان: وقول ابن القاسم أظهر؛ لأن الجاعل لما أراد بقوله: من جاء بعبده فله عشرة، تحريض من سمع قوله فلا تجب إلا لمن سمع، واستحسن اللخمي قول ابن حبيب إذا قال: علمت على الجعل ولم أتطوع، إلا أنه قال: كان له الأقل من جعل مثله أو ما جعل له سيده.
وقال المازري: إن قال في ملأ من الناس: من جاء به فله عشرة، فأتى به من لم يسمع وهو ممن يطلب الإباق فله جعل مثله، وإن كان ممن لا يطلب الإباق فههنا قولان: قال ابن القاسم: يدخل في الخطاب لسماعه، وقال ابن حبيب: لا يدخل إذا كان ممن لا يطلب الإباق. انتهى باختصاره.
قوله: "وقال بعض الشيوخ" لعله اللخمي فإنه قال: من جاء به من ذلك شأنه، وقال: لم أعلم تلك التسمية لأن لي طلب مثل ذلك من غير قول السيد، وإنما أفادني قول سيده المعرفة أن قد ذهب له عبد حلف على ذلك وكان له جعل مثله إذا كان أكثر من المسمى.
وَعَلَيْهِ نَفَقَتُهُ
يعني: وعلى المجعول له نفقة الآبق والشارد في مدة الإتيان به إلى سيده، وهذا قول ابن القاسم في العتبية. وفي الموازية: ووجهه أن الجعل إنما هو على أن يأتيه به ويوصله إليه فلا يلزم الجاعل عن الجعل.
ابن عبد السلام: وفيه نظر؛ لأن العوض جزء من المعوض وذلك بيع مقترن بالجعالة، إلا أن يقال: إن ذلك من ضروريات هذا العقد، ولا يتصور الانفكاك عنه إلا أن يجعل سلفاً من المجعول له يؤديه عنه الجاعل إلى أن يصل إلى سيده الجعل يرد به إلى قاضي الموضع لينظر لسيده بما رآه من سجنه أو بيعه ويحكم له بجعله، فإن لم يفعله وأرسله بعد أن أخذه ضمن؛ لأنه أتلفه عليه.
стр. 3748
فَلَوْ أَحْضَرَهُ قَبْلَ الْقَوْلِ وَعَادَتُهُ التَّكَسُّبُ بِذَلِكَ فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ بِقَدْرِ تَعَبِهِ، وَإِنْ شَاءَ رَبُّهُ تَرَكَهُ لَهُ وَلا شَيْءَ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ عَادَتَهُ فَلَهُ نَفَقَتُهُ فَقَطْ ...
لما تكلم على ما إذا أتى به بعد التزام رب الجعل تكلم على ما إذا أتى به قبل التزام رب الجعل. وقوله: (فَلَهُ أَجْرُ مِثْلِهِ) يريد إذا كان ربه ممن لا يتولى ذلك بنفسه كما تقدم وكان لربه تركه؛ لأن أجرته قد تزيد على قيمة ربه فلو تكلف دفع الأجرة هنا لتضرر بذلك، وسقطت الأجرة إذا لم تكن عادته طلب الإباق؛ لأن الغالب ممن يفعل ذلك الاحتساب بالله تعالى.
وخرَّج بعضهم فيها خلافاً من الخلاف المتقدم في الإجارة إذا كان ربه لا يتولى ذلك بنفسه، وإنما يستأجر عليه، ولم يحكموا بالاحتساب بالنفقة؛ لأن النفوس لا تخف عليها النفقة بخلاف من المنافع.
فإن قيل: فما الفرق بين النفقة هنا وبين النفقة على اللقيط فإنهم قالوا: لا يرجع بها إذا ظهر له أب؟
قيل: لأن اللقيط لما كان حراً ولا يعلم له أب فالمنفق عليه لا يدخل على العوض غالباً، وأما الآبق فهو مملوك وسيده مليء ولو لم يكن إلا به. وقال ابن الماجشون فيمن ليس شأنه: لا شيء له؛ لا نفقة ولا أجرة.
وَلَوِ اسْتُحِقَّ بَعْدَ أَنْ وَجَدَهُ فَالْجُعْلُ عَلَى الْجَاعِلِ لا عَلَى الْمُسْتَحِقِّ
بعد أن وجده يعني قبل أن يقبضه الجاعل فالجعل على الجاعل؛ لأنه هو الذي أدخله في العمل.
ابن القاسم في العتبية والموازية: ولا شيء به على المستحق. وقال ابن المواز: الجعل على الجاعل ويرجع على المستحق بالأقل من ذلك أو من جعل مثله، قال: وقاله من أرضى.
стр. 3749
اللخمي: وهو أبين إلا أن يكون المستحق ممن يطلب بنفسه أو بشخص عنده بلا أجرة. وقيد صاحب البيان هذا الخلاف بما إذا أخذ المستحق العبد، قال: وأما إن أجاز البيع وأخذ الثمن فالجعل على الجاعل قولاً واحداً.
وَفِي سُقُوطِهِ بِحُرِّيَّةٍ قَوْلانِ
أي: سقوط الجعل، وفي بعض النسخ (سُقُوطُهَا) فيعود الضمير على الجعالة، ومعناه إذا جعل سيد العبد جعلاً على الإتيان به فجاء به شخص فظهر أنه حر؛ فقال أصبغ: يسقط ولا جعل على أحد، وقال ابن القاسم: لا يسقط ويكون على الجاعل، ورأى أن الجاعل هو الذي أدخله في ذلك.
الْجُعْلُ كَالإِجَارَةِ
أي: يشترط فيه نفي الجهالة كالإجارة. وأحال المصنف الجعل على الأجرة مع أنه شبه الأجرة بالثمن، فكل ما جاز بيعه جاز الاستئجار به وجاز أن يكون جعلاً وما لا فلا، وعلى هذا فيشترط في الجعل أن يكون طاهراً منتفعاً به مقدوراً على تسليمه معلوماً. واستثنى ابن القاسم على ما نقله صاحب البيان وغيره من هذا مسألتين بجواز في الجعل دون البيع:
الأولى: أن يجعل على أن يغرس له أصولاً حتى تبلغ حد كذا ثم هي والأصل بينهما، فإن نصف هذا لا يجوز بيعه.
والثانية: أن يقول انفض زيتوني، فما لقطت فلك نصفه.
فَلا يَجُوزُ بِعْهُ وَلَكَ مِنْ كُلِّ دِينَارٍ قِيرَاطٌ، وَلا لَكَ نِصْفُ الآبِقِ
هذا مفرع على ما قبله فلذلك عطفه بالفاء، ولم يجز؛ لأنه لا يعلم بكم دينار [٦٢٩/أ] يباع فصار الجعل مجهولاً، وكذلك نصف الآبق مجهول.
стр. 3750
قال في الموازية: وأجاز مالك في بيع الثياب أن يقول: بعها ولك في كلِّ ثوب درهم، ولم يجز في كل دينار درهم.
فَإِنْ نَزَلَ فَلَهُ جُعْلُ مِثْلِهِ
أي: فإن وقع الجعل في هاتين الصورتين أو في إحداهما على الوجه الممنوع لم يجز ذلك ورد إلى جعل مثله.
وذكر المصنف هذه المسألة ولم يكتفِ بما سيذكره في حكم الجعل الفاسد؛ لأن في هذه المسألة معنى زائد، وهو أنه قال في المدونة في مسألة الإباق: فإن جاء به فله أجر مثله وإن لم يأت به فلا شيء له، وظاهره أن الواجب له أجر المثل.
لكن المحققون على ما قال المصنف أن مرادَهُ جُعل المثل لقوله: "وإن لم يأت به فلا شيء له" لأن الواجب له أجرة المثل، ولو كان المراد حقيقة الأجرة لوجب له إذا عمل سواء ظهر لعمله فائدة أم لا.
ولعل المصنف ذكر هذا إشارة إلى تأويل مسألة المدونة، واستغنى بتعبيره بالجعل عن قوله في المدونة: وإن لم يأتِ به فلا شيء له. على أن صاحب البيان حمل المدونة على ظاهرها واستشكلها.
فرع:
فإن ملك العبد في قوله: ولك نصفه، قبل أن يدفع إلى ربه، ففي النكت للمجعول له على الجاعل قيمة عنائه في رجوعه إلى وقت هلاكه، وللجاعل على المجعول له قيمة نصف عبده يوم قبضه؛ أي: ويقدر أن المجعول له مشترٍ له يوم قبضه شراء فاسداً.
وَلَوْ قَالَ: لِوَاحِدٍ دِينَارٌ وَلآخَرَ دِينَارَانِ فَرَدَّاهُ مَعاً فَقَوْلانِ: يَنْفَرِدَانِ، وَيَشْتَرِكَانِ
تصوره ظاهر. وقوله: (فَرَدَّاهُ مَعاً)؛ أي فجاءا معاً به.
следующие страницы →