Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3816–3855 · переход к 3821.
стр. 3816
وَعَلَى بَنِي أَبِي إِخْوَتُهُ الذُّكُورُ وَأَوْلادُهُمُ الذُّكُورُ، وَقَالَ التُّونُسِيُّ: هُوَ اخْتِلافٌ
لا إشكال في عدم دخول الإخوة للأم هنا، لأن قوله (بَنِي) يخرجهم. وقوله: (إِخْوَتُهُ الذُّكُورُ) أي سواء كانوا أشقاء أو لأب، وهكذا قال ابن شعبان لأنه قال: على بني أبي دخل فيه إخوته لأمه وأبيه ومن كان ذكراً من أولادهم خاصة مع ذكور ولده لأنهم من ولد أبيه. وفي كلام المصنف نظر من أوجه:
أولها: كان ينبغي أن يزيد بعد قوله (وَأَوْلادُهُمُ الذُّكُورُ) وذكور ولده كما وقع في الرواية.
ثانيها: قوله (وَقَالَ التُّونُسِيُّ) وإنما هو ابن شعبان، وسبب وهمه أن ابن شاس إذا أراد ابن شعبان عبر عنه بالشيخ أبي إسحاق، فتوهم المصنف أنه التونسي.
ثالثها: أن ابن شعبان لم يصرح بالمعارضة وإنما أشار إليه ابن شاس، لأنه لما حكى قول ابن شعبان، قال: وهذا يشعر بأنه لا يرى دخول الإناث تحت قوله بني، وهو خلاف ما تقدم في الرواية.
ابن عبد السلام: ويمكن أن يفرق بينهما من جهة العرف لا من جهة اللغة، لأن لفظ (الابن) يستعمل عرفاً في الجنان والبنت أحق بذلك، بخلاف (بَنِي أَبِي) فإنه يستعمل في المتناصر ولا مدخل للأنثى فيه.
وَآلِي وَأَهْلِي قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: سَوَاءٌ، وَهُمُ الْعَصَبَةُ وَمَنْ لَوْ كَانَ رَجُلاً كَانَ عَصَبَةً، وَقِيلَ: الأَهْلُ مَنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ أَحَدِ الأَبَوَيْنِ قَرُبُوا أَوْ بَعُدُوا كَالأَقَارِبِ
يعني: أن ابن القاسم قال: الآل والأهل سواء، ويدخل في ذلك من النساء من لو كان رجلاً كان عصبة فتدخل الأخوات والبنات وبنات الأبناء.
الباجي: [٦٣٩/ب] وقول ابن القاسم هو المشهور من المذهب.
стр. 3817
وقال ابن شعبان: يدخل في الأهل من كان من جهة الأبوين بعدوا أو قربوا، هكذا روي عن مالك في الأقارب. وقال أشهب في المجموعة: لأنه قال يدخل فيه كل ذي رحم محرم من قبل أبيه وأمه، وقال ابن كنانة لأنه قال: ويدخل فيه من العمات والأخوال والخالات وبنات الأخ وبنات الأخت.
الباجي: ويلزم من أدخل في ذلك بني الأخت أن يدخل بني الخالات إلا أن يكون لجهة الأب مزية، وعلى هذا فيكون قوله كالأقارب استدلال لقول ابن شعبان، ويحتمل أن يقصد بذلك التشبيه في القولين، لأنه روي عن مالك في الموازية والمجموعة في من أوصى للأقارب يقسم على الأقرب فالأقرب بالاجتهاد.
قال مالك: ولا يدخل ولد البنات ولا ولد الخالات. وحكى صاحب المعين وغيره فيما إذا أوصى لقرابته أو ولد قرابته: ثلاثة أقوال؛
الأول: لا دخول لقرابته من قبل النساء بحال، وهو قول ابن القاسم.
الثاني: أنهم يدخلون، وهو قول مطرف وابن الماجشون وروايتهما عن مالك.
ابن حبيب: وهو قول جميع أصحاب مالك.
الثالث: لعيسى أنه لا يدخل في ذلك قرابته من النساء إلا ألا يبقى من قرابته من الرجال أحد، قالوا: وأما إن لم يكن له من قبل الرجال قرابة فلا خلاف أنه لا يكون لقرابته من النساء.
وَعَلَى مَوَالِيهِ رُوِيَ: مَوَالِيهِ الَّذِينَ أَعْتَقَهُمْ فَقَطْ وَأَوْلادُهُمْ، وَرُوِي: وَمَوَالِي أَبِيهِ وَابْنِهِ، وَرَجَعَ إِلَيْهِ، وَرُوِيَ: مَوَالِيهِ وَمَوَالِي مَوَالِيهِ، وَرُوِيَ: وَمَوَالِي الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ وَالأُمِّ وَالأَخِ، وَفِي الْجَمِيعِ يُؤْثَرُ الأَحْوَجُ فَإِنِ اسْتَوَوْا فَالأَقْرَبُ ...
يعني: إذا وقف على مواليه فلا خلاف في دخول من أعتقهم ذكورهم وإناثهم. ثم اختلف فروى ابن القاسم عن مالك في العتبية: لا يدخل غيرهم، (وَرُوِي: وَمَوَالِي أَبِيهِمْ)
стр. 3818
دلت الواو على أنه في الرواية وافق على ما في الأولى، وزاد وكذلك في الثالثة، وهذه الرواية الثانية لابن القاسم في العتبية أيضاً، (وَرُوِيَ: مَوَالِيهِ وَمَوَالِي مَوَالِيهِ) أي: يدخل في هذه الرواية مواليه وموالي أبيه وابنه وموالي مواليه.
وقوله: (وَمَوَالِي الْجَدِّ) تصوره ظاهر وهي لمالك في المجموعة قال فيه: ولا يدخل موالي بني الإخوة والعمومة، ولو دخلت موالي هذه لدخلت موالي القبيلة. قوله: (وَفِي الْجَمِيعِ)؛ يعني في جميع الروايات يؤثر الأحوج وإن كان أبعد، (فَإِنِ اسْتَوَوْا) في الحاجة أوثر الأقرب، وهكذا في المجموعة.
وَعَلَى قَوْمِهِ عَصَبَتُهُ دُونَ النِّسَاءِ
نحوه لابن شعبان. واستدل بقوله: ﴿لا يَسْخَرْ﴾ [الحجرات: ١١] إلى قوله: ﴿خَيْراً مِنْهُنَّ﴾ وبقول زهير:
وما أدري ولسوف إخال أدري ... أقوم آل حصن نساء
وينبغي أن يرجع إلى العرف إن كان هناك عرف.
وَأَطْفَالِ أَهْلِي وَصِبْيَانِهِمْ وَصِغَارِهِمْ- لِغَيْرِ الْبَالِغِينَ
أي: من الذكور والإناث.
وَشُبَّانِهِمْ وَأَحْدَاثِهِمْ: لِمَنْ بَيْنَ الْبُلُوغِ وَكَمَالِ الأَرْبَعِينَ
هو ظاهر، وقاله ابن شعبان.
وَكُهُولِهِمْ لِمَنْ جَاوَزَهَا إِلَى السِّتِّينَ، وَشُيُوخِهِمْ: لِمَنْ جَاوَزَهَا، وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى فِي الْجَمِيعِ سَوَاءٌ ...
يعني: أن يعتمد في جميع هذا على العرف. وقوله: (وَالذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ) أي: من الأطفال إلى الشيوخ، وهو معنى قوله: (فِي الْجَمِيعِ).
стр. 3819
وَأَرَامِلِهِمْ: الذَّكَرُ وَالأُنْثَى
هكذا قال ابن شعبان أنه إذا قال لأراملهم كان الرجل الأرمل الذي لا زوجة له والمرأة الأرملة التي لا زوج لها، واستشهد بقول جرير:
هذي الأرامل قد قضيت حاجتها ... فمن لحاجة هذا الأرمل الذكر
ابن عبد السلام: ومن نسب هذا البيت للحطيئة لم يقل شيئاً.
قال ابن السّكيت: الأرامل: المساكين رجال أو نساء ويقال لهم وإن لم يكن فيهم نساء.
وَحُكْمُ مُطْلَقِهِ: التَّنْجِيزُ مَا لَمْ يُقَيَّدْ بِاسْتِقْبَالٍ، وَهُوَ مِنْ رَاسِ الْمَالِ فِي الصِّحَّةِ، وَالتَّنْجِيزُ فِي الْحَيَاةِ، وَإِلا فَفِي الثُّلُثِ ...
أي: حكم المطلق من الوقف التنجيز في الحال إلا أن يقيد باستقبال، كقوله: أوقف بعد شهر، وهو استثناء منقطع لأنه إذا قيد باستقبال لا يكون مطلقاً. وقوله: (مِنْ رَاسِ الْمَالِ فِي الصِّحَّةِ، وَالتَّنْجِيزُ) لأن الصحيح لا حجر عليه. واحترز بالصحة من المرض فإنه إنما يكون في الثلث، وبالتنجيز بما لو وقع موقوفاً على الموت فإنه إنما يكون في الثلث، وإليه أشار بقوله (وَإِلا فَفِي الثُّلُثِ).
وَيَمْلِكُ الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ الْغَلَّةَ وَالثَّمَرَةَ وَاللَّبَنَ وَالصُّوفَ
يملك الموقوف عليه الغلة بخلاف الرقبة فإنها على ملك الواقف، وعطف الثمرة واللبن والصوف على الغلة من باب عطف الخاص على العام، أو يقال الغلة أراد بها ما ليس عينٌ قائمة.
وَنِتَاجُ الإِنَاثِ وَقْفٌ وَيُبَاعُ فَضْلُ ذُكُورِهَا عَنْ ضِرَابِها في إنَاثٍ، وَمَا كَبُرَ مِنْ إِنَاثٍ كَالذُّكُورِ ...
لمَّا كان المقصود من الحبس بقاء عينه لينتفع به المحبس عليه، والحيوان لا يطول مقامُه كالرّباع، وكان التناسل فيه يقوم مقام عينه، فلذلك قالوا: لا يباع إناثه وما يراد من
стр. 3820
الذكور للضراب ويباع ما لا يُرجى نسله من الإناث وما استغني عنه من الذكور يريد ويجعل في إناث، كذا روى ابنُ القَاسم عن مالك في الموازية ولعله إنما سكت عن ذلك لما سيذكر في الفرس والثوب. وقوله (وَنِتَاجُ الْحَيَوَانِ) أي: الموقوف بحذف الصفة.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا سِوىَ الْعَقَارِ إِذَا ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ الَّتِي وُقِفَ لَهَا كَالْفَرَسِ يَهْرَمُ، وَالثَّوْبِ يَخْلَقُ- يُبَاعُ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لا يُبَاعُ وَقْفٌ وَإِنْ ذَهَبَتْ مَنْفَعَتُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ بِشَرْطٍ ...
ابن عبد السلام: أبقى جماعة قول ابن القاسم على إطلاقه، وقال اللخمي: إن انقطعت منفعة الحبس وصار بقاؤه ضرراً جاز بيعه، وإن لم يكن [٦٤٠/أ] ضرراً أو رجي أن تعود منفعته لم يجز.
واختلف إذا لم يكن ضرر ولا وجبت منفعته، وكذلك صرح صاحب البيان بالاتفاق على الوجهين الأولين.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ بِشَرْطٍ) أي: في أصل الحبس فإنه إن هرم أو فسد بيع فحينئذ يجوز بيعه بالاتفاق.
وَيَتَوَّلَى الْوَقْفَ مِنْ شَرَطَ الْوَاقِفُ لا الْوَاقِفُ وَلَوْ شَرَطَهُ لَمْ يَجُزْ
قال في الجواهر: والنظر في مصالح الوقف إلى من شرط الواقف فإن لم يولِّ تولاه الحاكم ولا يتولاه بنفسه. قال في المختصر الكبير: ولا يجوز للرجلِ أن يحبس ويكون هو ولي الحبس.
وقال في الموازية في من حبس غلة داره في صحته على المساكين فكان ولياً عليها حتى مات وهي بيده أنها ميراث، قال: وكذلك لو شرط في حبسه أنَّ يلي ذلك لم يجزه له ابن القاسم وأشهب.
стр. 3821
خليل: وانظر قوله في الموازية، وكذلك لو شرطه هل المراد أنه يبطل حبسه وهو ظاهر لفظاً ومعنى.
قوله: (أَنَّهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ) أي: لم يجز له هذا الشرط بل يصح ويخرج إلى غيرهم. والأظهر أن معنى ما في الموازية أن المحبس مات ولم يجز عنه ولا إشكال في البطلان مع ذلك، وأما إن كان حياً فإنه يصح الوقف ويخرج إلى يد ثقة ليتم الحوز، وهكذا فسر ابن عبد السلام كلام المصنف.
فقولُه: (لَمْ يَجُزْ) أي: الشرط ويحتمل لم يجز الوقف ويبطل ولَو كانَ حياً، ويؤيده اختلافهم في الفرع الذي بعده، ولاشك أنَّ البطلان هنا أقوى من الفرع الذي بعده، والأول هو القياس كما قدم فيما إذا شرط الخيار أنه يصح الوقف ويبطل الشرط، والضمير في شرطِهِ عائد على (المتولي) المفهوم من يتولى، ولا يصح أن يعود على الواقف لأنه يؤدي إلى تعدي فعل المضمر إلى ضميره المتصل.
فَإِنْ جَعَلَهُ بِيَدِ غَيْرِهِ وَيَتَسَلَّمُ مِنْهُ غَلَّتَهُا وَيَصْرِفُهَا وَعَلَى ذَلِكَ وَقَفَ- فَقَوْلانِ
الضمير في (جَعَلَهُ) عائد على الوقف، وفي غيره يعود على الواقف وفي (مِنْهُ) يعود على الغير، والقول بالجواز لمالك في الموازية وهو قول ابن عبد الحكم.
ابن المواز: وأباه ابن القاسم وأشهب.
اللخمي: وأرى أن يمضي في الوجهين لأنه حبس أنفذ في ما حبس له ولم يعد فيه محبسة وقد تقدم إذا كان الوقف بيد واقفه ويصرف غلته ويخرجه من يده وانتفع به ثم يعود إليه هل يصح الحبس أو لا؟
ابن عبد السلام: القول بالصحة يصح هنا من باب الأولى، وعلى القول بالبطلان تأتي القولان اللذان ذكرهما المصنف هنا والله أعلم.
стр. 3822
وَيَبْدَأُ بِإِصْلاحِهِ وَنَفَقَتِهِ وَلَوْ شَرَطَ خِلافَهُ، لَمْ يُقْبَلْ
ويبدأ الناظر بإصلاحه إن كان عقاراً وبنفقته إن كان حيواناً، لأ، الغرض من الوقف دوام المنفعة، ولذلك قال ابن شعبان: لو شرط خلاف البداية بإصلاحه ونفقته لبدئ بذلك وبطل شرطه، لأنه شرط يؤدي إلى بطلان الوقف وما كان كذلك من الشروط لا يوفى بها.
فَإِنْ كَانَتْ دَاراً لِلسُّكْنَى فَإِمَّا أَصْلَحَ، وَإِمَّا خَرَجَ فَتُكْرَى بِمَا تُصْلَحُ بِهِ
أي: فإن كانت العين الموقوفة داراً للسكنى واحتاجت إلى إصلاح خُيِّر الساكن المحبَّس عليه فإما إن يصلح، وإما أن يخرج فتكرى بما تصلح به ثم يعود، قاله اللخمي، قيل: لأن المحبس لما علم أنها تحتاج إلى إصلاح ولم يوقف لذلك شيئاً فقد أذن في الكراء عند الحاجة.
وَلَوْ شَرَطَ الْوَاقِفُ إِصْلاحَهَا عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ
(عَلَيْهِ) أي: على الموقوف عليه (لَمْ يُقْبَلْ) أي: الشرط؛ أي: ويصح الوقف وهكذا في المدونة وعلل فيها صحة الوقف بأنها فاتت في سبيل الله وبطلان الشرط بأنه راجع إلى الكراء المجهول، قال في المدونة: ومرمتها من غلتها.
يحيى بن عمر: وإن كانت موقوفة للسكنى خير الساكن بين أن يُصلِحَ أو يخرج فتكرى بما تُصلح به وأمضى في المدة الحبس بمجرد العقد.
قال محمد: يرد الحبس ما لم يُقْبَض، قال: ولو اشترط أن يرمَّ ما اغتل منها بغير كراء جاز، نقله اللخمي.
стр. 3823
وَإِنْ كَانَ فَرَساً فِي الْجِهَادِ وَشِبْهِهِ فَعَلَى بَيْتَ الْمَالِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِيعَ وَعُوِّضَ بِهِ سِلاحٌ ...
أي: وإن كان الموقوف فرساً في الجهاد وشِبْهِهِ كالرباط، واحترز بذلك مما لو كانت وقفاً على معين فإنه ينفق عليه من غلته، ويحتمل أن يقرأ (وَشِبْهِهِ) بالنصب؛ أي: وشبه الفرس العبد ونحوه، وعلى ذلك مشاه ابن راشد.
والنفقة على ذلك من بيت المال، وإن لم يكن بيت مال بيع واشتري ما لا يحتاج إلى النفقة كالسلاح ونحوه؛ لأن السلاح ونحوه أقرب من غيرهما إلى قصد الواقف.
وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: تَبْقَى وَلَوْ تَحَقَّقَ هَلاكُهَا
أي: تبقي العين الموقوفة ولو تحقق هلاكها؛ أي: ولا يباع الفرس ونحوه. وكلام المصنف جار على طريقة من نقل عن ابن الماجشون عدم البيع، وأما على ما نقله اللخمي وغيره كما تقدم فلا.
وَمَنْ هَدَمَ وَقْفَاً فَعَلَيْهِ رَدُّهُ كَمَا كَانَ لا قِيمَتُهُ
أي: لأن قيمته كبيعه، وإن كان على من هدم عين وقف إعادته كما كان على قول، وإن كان المشهور خلافه كان ذلك هنا أحرى، هكذا ذكره في النوادر إلا أنه عزاه لابن كنانة، ولا ينقض بنيان الحبس ويبنون فيه حوانيت للغلة وهو ذريعة إلى تغيير الحبس.
ومن سكن حبساً من أهل الحبس أو غيرهم فعليه أن يرد البنيان كما كان قبل أن تؤخذ منه القيمة فتحول الدار عما كان حبسها عليه، وفي اللخمي: ومن تعدى على حبس فقطع النخل وهدم الدار وقتل العبد أو الفرس أو أفسد الثوب أغرم قيمة ما أفسد، وإن كان الحبس في السبيل أو في الفقراء جعل ما أخذ من هدم أو قطع نخل في بناء تلك الدار وغراسة تلك النخلن وفي مثل ذلك العبد والفرس [٦٤٠/ب] والثوب، وعلى قول
стр. 3824
أشهب يصرف فيما يرى أنه أفضل، ويختلف إذا كان الحبس على معين هل يسقط حقه فيما حبس أو يعود حقه في تلك القيمة.
وَمَنْ أَتْلَفَ حَيَوَاناً وَقْفاً فَالْقِيمَةُ وَتُجْعَلُ فِي مِثْلِهِ أَوْ شِقْصِهِ
يجعل في مثله إن بلغ وإن لم يبلغ جعل في شقصه أي في بعضه. ووقع في بعض النسخ بعد النص المتقدم ما نصه: (وَقِيلَ إِنْ لَمْ يَبْلُغْ قِيمَةَ عَبْدٍ قُسِمَ كَالْغَلَّةِ).
ابن راشد: ولم أقف على هذا القول. وفرق في المدونة بين الفرس والثوب، فذكر في الفرس مثل ما ذكره المصنف أنها إذا لم تبلغ فرساً جعله في شقص فرس، وقال في الثوب المحبس: إن لم يبلغ تصدق به في السبيل.
بعض القرويين: وليس بخلاف، ومسألة الفرس محمولة على ما إذا وجد من يشاركه والثوب على ما إذا لم يجد. وقيل: بل لما كان المقصود في الخيل المنفعة بها في الغزو رجعت أثمانها في مثلها والثياب المنفعة بها للغزاة، فإذا بليت ولم ينتفعوا بها بنفسها أعطى ثمن ما يبيع من خلقها لهم.
وَفِي بَيْعِ النَّقْضِ قَوْلانِ
ابن شعبان: لا يباع نقض الوقف إذا خرب. ومن أصحابنا من أجاز بيعه ولا أقول به. وكذلك اختلف في نقل الأنقاض إلى وقف آخر، فقال ابن أبي زمنين: إذا خرب المسجد ولم ترجى عمارته أخذ وبني به في سائر المساجد ويترك منه ما يكون علما لئلا يندرس أثره. وكذلك قال عبد الغفور: لا يجوز بيع مواضع المساجد الخربة، ولا بأس ببيع نقضها إذا خيف عليه الفساد للضرورة إلى ذلك، وتوقف إن رجيت عمارتها وإن لم ترج أعين به في غيره أو صرف النقض إلى غيره، والمنقول عن ابن القاسم المنع.
стр. 3825
ابن عبد السلام: وأهل المذهب منع البيع والنقل والنقض الخشب وما في معناه مما ينتفع به في البنيان.
وَلا يُنَاقِلُ بِالْعَقَارِ وَلَوْ دَثُرَ وَخَرِبَ مَا حَوْلَهُ، وَبَقَاءُ أَحْبَاسِ السَّلَفِ دَاثِرَةً يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ بَيْعِهَا وَمِيرَاثِهَا ...
المناقلة: بيع ربع في آخر. قال ابن شعبان: لا يناقل بالوقف وإن خرب ما حوله، وقد تعود العمارة بعد الخراب. واستدل ابن عبدوس على المنع بما ذكره المصنف من بقاء أحباس السلف داثرة أي مهدومة، وكذلك وقع هذا الاستدلال في نفس المدونة. وفي بعض النسخ: عياض: ورخص في موطأ ابن وهب في بيع داثر ويعوض منه ربع ونحوه، ويكون حبساً.
وفي الرسالة: ولا يباع الحبس وإن خرب، ويباع الفرس الحبس يكف ويجعل ثمنه في مثله أو يعان به في مثله، واختلف في المعاوضة بالربع الخرب بربع غير خرب.
وَعَنْ مَالِكٍ: لا بَأَسَ أَنْ يُشْتَرَىَ مِنْ دُورٍ مُحَبَّسَةٍ لِتَوْسِعَةِ مَسْجِدٍ أَوْ طَرِيقٍ لأَنَّهُ نَفْعٌ عَامٌّ، وَقِيلَ: فِي مَسَاجِدِ جَوَامِعِ الأَمْصَارِ لا الْقَبَائِلِ ...
القول بأن ذلك في كل المساجد نقله في النوادر عن مالك وقاله سحنون في نوازله. والقول بخصوصية ذلك في مسجد جوامع الأمصار لمطرف وابن الماجشون وأصبغ. ودليل الجواز أن مسجد النبي ﷺ زيد فيه دار محبسة والناس متوافرون في ذلك الوقت ولم ينكر ذلك أحد، حكاه ابن الماجشون. وقاس مالك في المبسوط الطريق فأفتى ابن المكوي بالرواية التي في المبسوط. وقال ابن زرب: لا يجوز ذلك إلا في مسجده خاصة.
стр. 3826
ووقع لأبي عمران في مسائله: إذا ضاق الجامع وإلى جانبه حبس المساكين فلا يباع لتوسعة الجامع، وإن اشترى بثمنه مثله لكن يكرى من مال الجامع، وأما البيع فلا. صاحب البيان: واختلف هل يقضى عليهم أن يجعلوا الثمن في حبس مثله، فقال مالك وابن القاسم: ولا يقضى به عليهم ولو استحقت فأخذ فيها ثمناً فعل به ما شاء، قاله مالك وابن القاسم. وقال ابن الماجشون في الثمانية: ويقضى عليهم. واختلف إذا أبوا من البيع هل يجبرون وهو قول الأكثر أم لا؟ وقيل: يجبرون في مساجد الجوامع دون غيرها.
وَيُكْرِي الْمُتَوَلِّي بِنَظَرِهِ للسَّنَةَ وَالسَّنَتَيْنِ كَالْوَكِيلِ، فَإِنْ أَكْرَاهَا لِمَنْ مَرْجِعُهَا إِلَيْهِ جاَزَتِ الزِّيَادَةُ، وَقَدْ أَكْرَى مَالِكٌ ﵀ مَنْزِلَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ عَشْرَ سِنِينَ وَاسْتُكْثِرُتْ ...
معناه إذا كانت الدار على قوم معينين ثم هي على أولادهم وشبه ذلك، وأما إن كانت على الفقراء وشبههم فينبغي أن يجوز أوسع من هذا الأجل؛ إذ لا يتقي في ذلك سوى انهدام الدار، وهذا الاحتمال لا يمنع من طول الأجل في الدار، فإن أكراها ممن مرجعها إليه جازت الزيادة.
ابن الماجشون: ومثل الأربع والخمس، وقيل: يجوز في الأراضي الأربع سنين.
وقوله: (جاَزَتِ الزِّيَادَةُ) يعني لضعف القدر لأن الذي له المرجع إنما يعقد على نفسه بخلاف غيره. وقوله: (سَنَتَيْنِ) ولو أكريت من غير من مرجعها إليه.
قال في البيان: ويجوز كراء الأمد القريب بغير نقد باتفاق، ويختلف هل يجوز بغير نقد في البعيد وبالنقد في القريب على قولين.
ابن عبد السلام: وأجاز جماعة من فقهاء بلدنا وعمل به منذ عشرين عاماً كراء بقعة من أرض الحبس أربعين عاماً أن يبني بها داراً، وليس الحبس فيها على معينين بعد أن بدل
стр. 3827
فيها مكتريها عرضاً خارجاً في الكثرة عن العادة. قوله: (وَقَدْ أَكْرَى مَالِكٌ ﵀ مَنْزِلَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ) أي: مرجعه إليه عشر سنين، واستكثر المغيرة وغيره العشر.
وَلا يُفْسَخُ كِرَاءُ الْوَقْفِ لِزِيَادَةٍ
قيده في الجواهر بما إذا كان الكراء وقع على وفق القبضة في الحال.
ابن عبد السلام: وأما إن كان فيه غبن فتقبل الزيادة فيه حاضراً أو غائباً، وأهل تونس في هذا التاريخ وقبله بسنين كثيرة استمروا على أنه يكرى ربع الحبس على قبول الزيادة فيه ويجعلونه منحلاً من جهة [٦٤١/أ] المكري ومنعقداً من جهة المكتري، وهو قول منصوص عليه في المذهب.
ووقع في المدونة ما يقتضيه وإن كان بعضهم رأى ما في المدونة خارجاً عن أصول المذهب، واعتقد من لقيناه أن ذلك مخالف للإجماع لأن ذلك راجع إلى بيع الخيار ولم يجزه أحد إلى سنة.
وأشار ابن رشد إلى أن المسألة ليست كبيع الخيار الذي جعل أمد الخيار فيه سنة، فإن ذلك ينتقض فيه البيع من أصله إذا أراد حله من جعل له الخيار، وهنا لا ينتقض إلا ما بقي من المدة.
وَلا يُقْسَمُ إِلا مَا وَجَبَ بِالْسُّكْنَى وَغَيْرِهَا؛ لأَنَّ الْمَيِّتَ يَسْقُطُ وَالْمَوْلُودَ وَالْمُتَجَدِّدَ يَسْتَحِقُّ، فَلَوْ قُسِّمَ قَبْلَهُ فَقَدْ يُحْرَمُ مُسْتَحِّقٌ وَيَاخُذُ غَيْرُهُ ...
ولا يقسم الناظر في كراء الوقف إذا كانت كراء عن منافع مستقبلة، وسواء كان الكراء عن سكنى أو زراعة أو غيرهما إلا ما وجب بمضي مدته، لأنه لو قسم قبل الوجوب لزم أن يعطى من لا يستحق إذا مات ولزم أن يحرم المولود والغائب وكلامه ظاهر التصور في هذا. قال ابن الماجشون: لا يكرى الحبس بنقد لأنه يوقف في وقفه
стр. 3828
تعرض التلف ولأن كراءه بالنقد أقل من غيره فيلزم النقض في العرض من غير فائدة، وهذا كله إذا كان الوقف على قوم معينين، وأما إن كان على الفقراء والغزاة وشبههم فيجوز كراؤه بالنقد والصرف للآمر ما أشار إليه المصنف والله أعلم.
وَإِذَا بَنَى الْمَوْقُوفُ عَلَيْهِ فِيهِ أَوْ أَصْلَحَ بِخَشَبٍ أَوْ غَيْرِهِ فَأَمْرُهُ لَهُ، فَإِنْ مَاتَ وَلَمْ يَذْكُرْهُ فَهُوَ وَقْفٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لِوَرَثَتِهِ وَلَمْ يَرَ مَا قَالَ مَالِكٌ ﵀، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ يَسِيراً كَمِيزَابٍ وَنَحْوِهِ فَوَقْفٌ، وَإِلا فَلا ....
أي: في الواقف فأمره له، فإن بين أنه له فهو له يورث عنه وإن بين أنه وقف فهو وقف، فإن مات ولم يذكره فثلاثة أقوال: الأول لمالك في المدونة أنه يوقف لا شيء لورثته فيه. الثاني لابن القاسم في الموازية أنه لورثته ولم ير ما قال مالك، وما كان لأبيهم حيَّاً فهو لورثته ميتأً واستصوبه أكثرهم، لأن نفس البناء لا يكون وقفاً وإنما هو على ملكه بدليل لو أوصى بما كان له فالأصل بقاء ملكه حتى يتبين خلافه. والثالث: للمغيرة الفرق وتصوره ظاهر.
التونسي: وهو الصواب.
وعن ابن القاسم مثل القول الأول، وحمله التونسي على ان العادة جرت عندهم بذلك، ووقع لمالك أيضاً في كتاب الشفعة: وإذا بنى قوم في دار حبست عليهم ثم مات أحدهم فأراد ورثته بيع نصيبه من البناء فلإخوته فيه الشفعة، واستحسنه مالك وقال: ما سمعت فيه شيئاً. واختلف الشيوخ هل ما في الموضعين خلاف أو يقيد ما في الشفعة بما في الحبس ويكونوا معنى أنه أوصى على معينين؟
وَلَوْ خَرِبَ الْوَقْفُ فَأَرَادَ غَيْرُ الْوَاقِفِ إِعَادَتَهُ فَلِلْوَاقِفِ أَوْ وَرَثَتِهِ مَنْعُهُ لِأَنَّ عَيْنَهُ مِلْكٌ، وَإِنِ امْتَنَعَ نَقْلُهُ عَنِ الْوَقْفِيَّةِ ...
تصور كلامه ظاهر، وما ذكره من أن عين الوقف ملك هو المذهب، نص عليه الباجي وغيره. ويستحسن للواقف أو ورثته تمكين غير الواقف من البناء إذا كان وقفاً
стр. 3829
على وجه من وجوه الخير وأراد الباقي إلحاق بنائه بالوقف، لأن ذلك من باب التعاون على الخير، قوله وإن امتنع.
قَالَ مَالِكٌ: وَمَنْ حَبَّسَ عَلَى قَوْمٍ وَأَعْقَابِهِمْ فَلِلْمُتَوَلِّي تَفْضِيلُ أَهْلِ الْحَاجَةِ وَالْعِيالِ وَالزَّمَانَةِ فِي السُّكْنَى وَالْغَلَّةِ بِاجْتِهَادِهِ ...
أي: باجتهاد المتولي، وماذ كره المصنف نص صاحب البيان على أنه المشهور، قال: وقال ابن القاسم: لا يفضل ذو الحاجة على الغني في الحبس إلاب شرط من المحبس، قال: وفرق ابن نافع بين السكنى والغلة فسوى في السكنى الغني والفقير بخلاف الغلة، وعلى الأول روى ابن القاسم: من حبس على الفقراء وفي سبيل الله وابن السبيل وللغرباء وفي قرابته غني فلا يعطى منه، ولكن ذو الحاجة.
وفي المجموعة: من حبس على قوم وأعقابهم ذلك كالصدقة لا يعطى منه الغني شيئاً ويعطى منه المسرد بقدر حاله، فإن كان للأغنياء أولاد كبار فقراء بلغوا أعطوا بقدر حاجتهم.
الباجي: يريد والمسرد الذي له كفاية وربما ضاقت حاله بكثرة عياله، وإذا تساووا في الفقر والغنى أوثر الأقرب وأعطي الفضل من يليه، وإن اختلفوا أوثر الفقير، ذكره ابن عبدوس.
الباجي: وهو إذا كان عدد المحبس عليهم لا ينحصر ولا يفضل على فقرائهم بشيء وإن فضل عن فقرائهم شيء صرف إلى الأغنياء، وقاله ابن القاسم.
وَأَمَّا عَلَى وَلَدِهِ أَوْ وَلَدِ وَلَدِهِ كَذَلِكَ، وَقِيلَ: الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ سَوَاءٌ
أي: كمن حبس على قوم وأعقابهم، وهو لمالك في المجموعة. والقول بأن الغني والفقير سواء لعبد الملك، قال: لأنه تصدق على ولده وهو يعلم أن منهم الغني والمحتاج فلا يفضل أحدهما على الآخر إلا بنص على ذلك.
стр. 3830
أَمَّا إِن عَيَّنَهُمْ سُوِّيَ بَيْنَهُمْ
إذا لم يكن الحبس معقباً وكان على معينين كهؤلاء العشرة فإنه يقسم بينهم بالسواء، واعترضه ابن عبد السلام بأنه أسقط الفاء من جواب أما وهو غير جائز، وأجيب بأنه اختلف إذا وقعت إن بعد أما هل الجواب لـ (أَمَّا) وهو مذهب سيبويه أو لـ (إِنَّ) وهو مذهب الفارسي، أولهما؛ فعلى مذهب الفارسي يكون الجواب لـ (إِنَّ) والماضي إذا وقع جواباً لا يحتاج فيه إلى الفاء والفاء محذوفة مع قول محذوف؛ أي: فقالوا يسوى بينهم على حد قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ [آل عمران: ١٠٦] أي: فيقال لهم: أكفرتم. [٦٤١/ب].
وَمَوَالِيهِ مِثْلُهُ
يعني: بالمثلية التعيين وعدمه.
وَلا يَخْرُجُ السَّاكِنُ لِغَيْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيَّاً
يعني: إذا سكن بعض المحبس عليهم لاحتياجه، ثم استغنى فإنه لا يخرج لغيره إلا أن يكون الواقف شرط ذلك وكان الأصل أن يخرج. ولعل ما ذكره المصنف وغيره إنما هو لأن عودته إلى حالته الأول لا تؤمن.
قوله (وَلا يَخْرُجُ السَّاكِنُ لِغَيْرِهِ) قال في الجواهر: وإن كان الغير محتاجاً ولم يكن في الدار سعة، وهذا إنما إذا سكن باستحقاق، وأما لو بادر أحدهم إلى السكنى فليس له بابتداره ولكن ينظر الإمام أحوجهم وأقربهم، قاله ابن كنانة.
ابن القاسم: وإن تساووا في الغناء أو الحاجة فمن سافر فهو أحق بالسكنى وليس على العدد ولكن بقدر العيال، فليس العزب كالمعيل.
стр. 3831
ابن القاسم ومحمد: وإن كان بعضهم حاضراً فهو أولى بالسكنى من الغائب إذا لم يكن على الحاضر فضل، بخلاف الغلة فإنها تقسم بين الحاضر والغائب بل المحتاج الغائب أولى من الغني الحاضر ثم لا يسقط حق الساكن بسفره إلا أن يسافر سفر انقطاع لبعض ما يعرض للناس كان له أن يكري مسكنه إلى أن يعود، نقله الباجي وغيره. وجعل في البيان السفر البعيد يشبه سفر الانقطاع في انقطاع حقه، ثم أشار في آخر كلامه أنه إذا جهلت حالته أن ظاهر قول مالك في رواية علي أن غيبته محمولة على الانقطاع والمقام حتى يتبين خلاف ذلك. وعلى ظاهر قول ابن القاسم محمولة على الرجوع وعدم الانقطاع حتى يتبين خلافه.
ومن كان يسكن من أهل الحبس مع ابنه فباع فإن كان قوياً يمكنه الانفراد فله مسكنه من الحبس، وإن لم يتزوج وضاق عليه مسكن أبيه، فأما من ضعف عن الانفراد فلا يسكن إلا أن يتزوج فيكون له حقه في السكنى، وأما الإناث فلا سكنى لهن في كفالة الأب، قاله عبد الملك في المجموعة.
وَمَنْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لا يُحَاطُ بِهِمْ فَقَدْ عُلِمَ حَمْلُهُ عَلَى الاجْتِهَادِ
يعني: أن من وقف على من لا يحاط بعدده كالفقراء والغزاة فبالضرورة يقسم على من حضر منهم على الاجتهاد؛ لأن العادة دلت على أن المراد من الواقف إن فارق المحبس عليهم وسد خلتهم.
وَمَنْ خَصَّ مُعَيَّناً مِنَ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ بِشَيْءٍ بُدِئَ بِهِ
لا يريد بالمعين خصوصية الشخص كزيد بل أعم من ذلك، كما لو حبس على الفقراء وخص من له عيال منهم فليبدأ بالمسمى، ولابن القاسم في العتبية: إلا أن يعمل في ذلك عامل فيكون أولى بحقه.
ابن القاسم: وكذلك في غلة المبذور.
стр. 3832
الْهِبَةُ أرْكَانُها ثَلاثَةٌ
الهبة مصدر وهبت له شيئاً وهباً ووهباناً بالتحريك وهبة، والاسم الموهب والموهبة بكسر الهاء فيهما، والاتهاب: قبول الهبة، والاستيهاب: سؤال الهبة، وتواهب القوم إذا وهب بعضهم لبعض، ورجل وهاب ووهابة كثير الهبة؛ لأن الهاء للمبالغة.
صاحب المحكم: ولا يقال وهبك، هذا قول سيبويه. وحكى السيرافي عن أبي عمرو أنه سمع أرعابياً يقول للآخر: انطلق معي أهبك نفلاً.
اللخمي وغيره: وهو نقل الملك بغير عوض. وأحكام الهبة والصدقة متفقة إلا في أمرين: أولهما: منع الاعتصار في الصدقات، وثانيهما: كراهة اشترائها بخلاف الهبة فيهما.
قال في المقدمات: إلا أن تكون الصدقة على الابن فعن مالك في ذلك ثالث روايات: أولهما: أن الرجوع فيها لا يجوز إلا من ضرورة مثل أن تكون أمة فيتبعها نفسه أو يحتاج فيأخذ الحاجة، وهو ظاهر ما في المدونة.
ثانيها: أن الرجوع فيها بالبيع والهبة يجوز وأن الاعتصار يكون له، وهو قول مالك في سماع عيسى؛ لأنه أجاز أن يأكل ما تصدق به على ابنه الصغير، وذلك لا يكون إلا بمعنى الاعتصار وهو لا إذن له، ولا خلاف في شرعيتها.
الصِّيغَةُ وَشِبْهُهَا مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ فِي الإِيجَابِ وَالْقَبُولِ
الركن الأول: (الصِّيغَةُ) وهو لفظ الهبة وما تصرف منها وشبهها. (قَوْلٍ) كأعطيتك، أو بذلت لك، (أَوْ فِعْلٍ) به كالبيع.
وقوله: (فِي الإِيجَابِ وَالْقَبُولِ) أي: التمليك من قبل الواهب والقبول من جهة الآخر.
стр. 3833
ابن عبد السلام: ولا ينتقض ما قاله المصنف في الفعل بها، في كتاب ابن مزين في رجل قال لولده: اجعل في هذا الموضع كرماً أو حيواناً أو ابْنِ فيه داراً، ففعل الابن ذلك في حياة أبيه، والأب يقول: كرم ابني وجنان ابني، أن القاعة لا تستحق بذلك وهي موروثة وليس للابن إلا قيمة عمله منقوضاً، قال: وقول الرجل في شيء يعرف له: هذا كرم ولدي أو دابة ولدي، ليس له شيء ولا يستحق منه الابن شيئاً إلا بالإشهاد بهبة أو صدقة أو بيع صغيراً كان أو كثيراً، وكذلك المرأة فإنا نقول: ليس كل فعل يدل على نقل الملك، فلا يلزم من كون الفعل غير دال في هذا الموضع على نقل ملك الرقبة إلا أن يكون دالاً في غيره، وأيضاً فإنه دل على نقل تلك المنفعة زماناً حتى إن الأب لو طلب كراء أرضه في المدة التي انتفع بها الابن لم يكن له ذلك.
وَمِثْلُهَا: الْعُمْرَى كَقَوْلِهِ: أَعْمَرْتُكَ دَارِي أَوْ ضَيْعَتِي وَهِيَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاتَهُ فَإِذَا مَاتَ رَجَعَتْ لِلْوَاهِبِ أَوْ لِوَرَثَتِهِ كَوَقْفٍ غَيْرِ مُؤَبَّدٍ ...
هي بضم العين وسكون الميم مقصور. الجوهري: أعمرته داراً أو أرضاً أو إبلاً إذا أعطيته إياها، وقلت: هي لك عمري أو عمرك فإذا مت رجعت إلي، قال لبيد:
وما المال إلا معمرات ودائع
والاسم العمرى.
وقوله: (وَمِثْلُهَا) أي: في أن أركانها [٦٤٢/أ] ثلاثة وأنها تنعقد بالصيغة كـ (أَعْمَرْتُكَ) وشبهها من قول كـ "أسكنتك داري مدة حياتك"، أو فعل يدك على ذلك.
وقوله: (وَهِيَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاتَهُ) استدلال على ما ذكره من المماثلة كأنه يقول: العمرى كحقيقة الهبة فوجب استواؤهما في الحكم؛ لأن العمرى هبة المنافع، والهبة هبة الذوات وذلك وصف طردي.
стр. 3834
ثم في قوله: (وَهِيَ هِبَةُ الْمَنْفَعَةِ حَيَاتَهُ) فائدة أخرى وذلك؛ لأنه لما قال: (كَقَوْلِهِ: أَعْمَرْتُكَ دَارِي أَوْ ضَيْعَتِي) خاف أن يتوهم قصرها على العقار فعرَّفها بما يعم العقار وغيره. فقد روى ابن القاسم عنمالك في باب العارية جواز العمرى في الرقيق والحيوان، قال: ولم أسمع من مالك في الثياب شيئاً، وهي عندي على ما أعارها من الشرط، وكذلك نص على أن الحلي عنده كذلك في باب الهبة.
قوله: (حَيَاتَهُ) أي: حياة الآخذ؛ فإذا مات المعمَر بفتح الميم اسم مفعول رجعت إلى ربها أو لورثته إن مات، ولا فرق في المذهب بين أن تكون معقبة كـ (أَعْمَرْتُكَ) أم لا.
وقال أبو حنيفة والشافعي ﵄: لا تعود لربها وهي للمعمر أعقبها أم لا. وقال ابن شهاب: مذهبنا: إن لم يعقبها، وبالثاني إن أعقبها لما رواه وغيره عنه ﵇ أنه قال: "أيما رجل أعمر عمرى له ولعقبه فإنها للذي يعطاها لا ترجع إلى الذي أعطاها". هذا لأنه أعطاها إعطاء أوقعت فيه للمواريث، وجوابه ما قال مالك بإثره: أن العمل ليس عليه وأن المسلمين عند شروطهم. على أن بعض أصحابنا أوَّل الحديث وقال: المراد به أنه أعطى المنافع لرجل وعقبه فإنه لا تكون له ولعقبه، ولا يبطل حق عقبه بموته بل حتى ينقرض العقب.
خليل: وقول مالك في الموطأ: "ليس العمل على هذا" يقتضي أنه فهمه على خلاف هذا التأويل.
صاحب الاستذكار: وسواء عند مالك وأصحابه ذكر ذلك بلفظ العمرى أو السكنى أو الاستغلال أو الإفقار أو الإخبال ونحو ذلك من العطايا.
والرُّقْبَى غَيْرُ جَائِزَةٍ مِثْلُ: إِنْ مِتُّ قَبْلَكَ فَدَارِي لَكَ، فَإِنْ مِتَّ قَبْلِي فَدَارُكَ لِي
هو بضم الراء وسكون القاف مقصور، وهي: إعطاء المنفعة لمدة أقصرهما عمراً وهي المراقبة والانتظار؛ لأن كلاًّ منهما يرقب موت صاحبه.
стр. 3835
وقوله: (غَيْرُ جَائِزَةٍ) هو قول ابن القاسم؛ لأنه قال في رجلين حبَّسا داراً بينهما على أن من مات منهما أولاً فنصيبه حبس على الآخر: لا خير فيه؛ لأنه غرر لأنهما خرجا عن وجه المعروف إلى المخاطرة.
اللخمي: ويختلف في ذلك إذا نزل فعلى القول أن مرجع الحبس إذا كان على معين يعود ملكاً فيبطل هذا الحبس ويصنعان بالدار ما أحبا، وعلى القول بأنه يرجع حبساً يبطل السكنى خاصة وتكون ملكاً لهما حتى يموت آخرهما فتكون على مراجع الأحباس في المدونة بإثر ما تقدم، وسألته عن العبد بينهما يحبسانه على أن من مات منهما أولاً فنصيبه يخدم آخرهما موتاً مدة حياته، ثم يكون العبد حراً بعده فلم يجزه مالك، إلا أنه ألزمهما العتق بعد موتهما.
وإن مات منهما يحرم ورثته دون صاحبه ويبطل ما أوصى به في الخدمة؛ لأنه خطر، وإذا مات أحدهما كان نصيب كل واحد حراً من ثلثه كمن قال: إذا مت فعبدي يخدم فلاناً حياته ثم هو حر. واستشكل جمعه بين إلزامه العتق وخروجه من الثلث؛ لأنه إن كان معتقاً إلى أجل يخرج من رأس المال، وإن كان موصى به فلا يلزمه العتق لكونه له الرجوع عنه. وأجيب بأنه كالمدبر وفيه نظر، فإن أصله في مثل هذا أنه لا يكون مدبراً حتى يقصد به التدبير، وإن لم يقصد به ذلك فهو موصى بعتقه على ما قاله في أول كتاب المحجور، قالوا: على وجه التتميم، فإن مات الأول نظر فإن حمل الثلث نصيبه خدم الورثة بقيمة الأجل، وإن لم يحمله الثلث خير الورثة بين أن يجيزوا أو يعتقوا منهم محمل الثلث بتلاً.
الثَّانِي: الْمَوْهُوبُ: كُلُّ مَمْلُوكٍ يَقْبَلُ النَّقْلَ
أي الركن الثاني، واحترز بقبول النقل من أم الولد والاستمتاع بالزوجة، فإن ذلك لا يقبل النقل شرعاً، واعترض بأنه تجوز هبة ما لا يجوز نقل الملك فيه كجلد الأضحية
стр. 3836
وكلب الصيد. وجوابه أن جلد الأضحية قابل النقل وإنما الممتنع نقله على وجه خاص أعني بالبيع. وظاهر قول ابن شعبان بطلان هبة جلد الأضحية ونحوها؛ لأنه قال: من وهب ما لا يحل بيعه بطلت الهبة كانتل ثواب أو غير ثواب.
فَتَصِحُّ فِي الْمَجْهُولِ وَالآبِقِ وَالْكَلْبِ وَالْمَرْهُونِ
هكذا في بعض النسخ، وفي بعضها بالواو وبالفاء أحسن.
وقوله: (الْمَجْهُولِ) هو المعروف من المذهب وهو ظاهر المدونة وغيرها. وفي النوادر: أعرف لابن القاسم في غير موضع أن هبة المجهول جائز. نقل المتيطي عن جماعة من الموثقين: الآبق من معرفة المتصدق به وقمدره. واستحب اللخمي ألا يفعل إلا بعد المعرفة بقوله وهبته خوف الندم بعد معرفته به. قال: واختلف إن فعل ثم تبين أنه على خلاف ما كان يظن، فقال ابن القاسم في العتبية فيمن تصدق بميراثه من رجل ثم تبين أنه خلاف ذلك أن له أن يرد عطيته، وكذلك في الواضحة.
وقال محمد بن عبد الحكم: لا رجوع له وأرى له مقالاً بردِّ الجميع تارة من غير شركة، وتارة يكون شريكاً، فإن كان الوارث يرى أن للموروث داراً يعرفها في ملكه وبدلها الميت في غيبته بأفضل [٦٤٢/ب] كان له أن يرد جميع العطية إذا قال: كان قصده تلك الدار، وإن خلف مالاً حاضراً ثم طرأ مال لم يعلم به مضت العطية فيما علم خاصة، وإن كان جميع ماله حاضراً أو كان يرى أن قدره كذا ثم تبين أنه أكثر كان شريكاً بالزائد.
ابن عبد السلام: ولا خلاف في جواز هبة الكلب؛ لأنه يورث.
وقوله: (وَالْمَرْهُونِ) تصوره ظاهر. ثم فرع على ذلك فقال:
стр. 3837
وَيُخَيَّرُ الْمُرْتَهِنُ فِي إِمْضَائِهَا؛ فَإِنْ لَمْ يُمْضِ فَفِي جَبْرِهِ عَلَى افْتِكَاكِهِ مُعَجَّلاً إِنْ كَانَ لا يَجْهَلُ أَنَّ الْهِبَةَ لا تَتِمُّ إِلا بِتَعْجِيلِهِ- قَوْلانِ، وَعَلَى النَّفْيِ يَحْلِفُ مَا قَصَدَ التَّعْجِيلَ، وَيَقْضِي فِي الأَجَلِ إِنْ كَانَ مُوسِراً وَيَاخُذُهُ الْمَوْهُوبُ لَهُ ...
إذا وهب الراهن ما رهنه خير المرتهن في إمضاء الهبة وعدم إمضائها، فإن أمضى فلا كلام ولوضوحه تركه المصنف، وإن لم يمضها ففي إجبار الواهب على افتكاك المرهون معجلاً إن كان الواهب لا يجهل أن الهبة لا تتم إلا بتعجيل الدين قولان، مذهب المدونة الإجبار.
اللخمي: وقد قيل في هذا الأصل: ليس عليه أن يعجل، وهذا هو الذي فرعه المصنف على نفي إجبار حيث قال: وعلى النفي يحلف ما قصد التعجيل. وكلام اللخمي يدل على أن هذا القول ليس نصاً في عين المسألة خلاف المصنف وابن شاس.
ومفهوم قوله: (إِنْ كَانَ لا يَجْهَلُ) أنه إن كان يجهل لم يجبر وهو ظاهر؛ لأنه لا يمين عليه؛ لأنه إنما جعل اليمين على القول بنفي الإجبار.
ويحتمل أن يقدر قوله: (وَعَلَى النَّفْيِ) أي: وعلى الحكم بنفي الجبر، فيدخل في كلامه من يجهل ومن لا يجهل على أحد القولين. وقد نص اللخمي وابن شاس على أنه إن كان ممن يجهل ذلك يحلف على ذلك ولا يجبر على تعجيل اتفاقاً.
وظاهر قوله: (فَفِي جَبْرِ الْوَاهِبِ) أنه إن رضي بالتعجيل وأجبر عليه فلا مقال للمرتهن. وقيده بعض القرويين بما إذا لم يكن الدين عروضاً مؤجلة، وأما إن كان عروضاً مؤجلة فلا يجبر المرتهن على أخذها ويبقى العبد ونحوه رهناً وليس له أن يعطيه رهناً آخر.
стр. 3838
وقوله: (وَيَقْضِي فِي الأَجَلِ) هو مفرع على عدم إجباره، وبقي الرهن في يد المرتهن فإنه إذا حل الأجل والواهب موسر قضى الدين وأخذ الموهوب له الرهن، ثم ما ذكره المصنف إنما هو كله إذا كان المرتهن قد قبض الرهن، وأما إن لم يكن قبضه وقبضه الموهوب له فقال ابن المواز: هو أحق به من المرتهن إذا كان الواهب موسراً ولا يعجل للمرتهن حقه؛ لأنه فرط في حيازته، وإن كان معسراً فالمرتهن أولى به إلا أن يكون وهبه لثواب، وإن وهبه ثم مات قبل أن يحوزه واحد منهما فإن كان موسراً جازت الهبة وكان أحق به من المرتهن وحكم للمرتهن بتعجيل حقه، وإن أعسر بعد ذلك أتبعه بحقه.
وقوله: (فَفِي جَبْرِ) صوابه إجبار؛ لأنه من أجبر.
وَتَصِحُّ هِبَةُ الدَّيْنِ، وَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ فِي الرَّهْنِ مَعَ إِعْلامِ الْمِدْيَانِ بِالْهِبَةِ
يعني: وسواء كان الدين أو غيره؛ لأن الدين عام. فإن قيل: قوله: (وَقَبْضُهُ كَقَبْضِهِ فِي الرَّهْنِ ... إلخ) يدل على أنه لم يرد ذلك إلا إذا كان على غير المديان، قيل: تخصيص الضمير لا يقتضي تخصيص الظاهر على الصحيح، وقد سمع إعلام المديان زيادة بيان؛ لأن قوله: (كَقَبْضِ الرَّهْنِ) يغني عنه، ألا ترى أنه قال في كتاب الرهن: (وَقَبْضُ الدَّيْنِ بِالإِشْهَادِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ الْغَرِيمَيْنِ إِنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُرْتَهِنِ) ثم إن إعلام المديان إنما هو مع حضوره، وأما إن كان غائباً ففي المدونة: ويصح القبض إذا أشهد وقبض ذكر الحق، وهكذا تقبض الديون.
ولم يتعرض المصنف لدفع الوثيقة. وفي المدونة في الهبة: وإن كان دينه على غيرك بوهبه لك فإن أشهد وجمع بينك وبين غريمه ودفع إليك ذكر الحق وأحالك عليه كان ذلك قبضاً. وحمله صاحب النكت على ظاهره من أنه إذا لم يدفع ذكر الحق لا تتم الهبة بموت الواهب كالدار المغلقة إذا لم يعطه مفتاحها حتى مات الواهب أنه لا يصلح للموهوب له شيء، وإن أشهد له وجعل دفع الوثيقة في وثائق ابن العطار من شروط الكمال.
стр. 3839
وظاهر قول المصنف: (مَعَ إِعْلامِ الْمِدْيَانِ بِالْهِبَةِ) وقوله في المدونة: "وجمع بينه وبين غريمه" أن ذلك شرط ويجب أن يجعل ذلك على أنه شرط كمال؛ لأنه قد حكى في البيان في الجزء الثاني من الصدقات الاتفاق على عدم اشتراطه، فقال: ولا خلاف في أن الذي عليه الحق حائز لمن تصدق عليه به إن لم يعلم المتصدق عليه غائباً أو حاضراً.
الثَّالِثُ الْوَاهِبُ: مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ
أي الركن الثالث: الواهب. قوله: (مَنْ لَهُ التَّبَرُّعُ) وهي إخراج المال من غير عوض؛ أي من لم يحجر عليه، وقد تقدم بيان المحجور عليهم في باب الحجر.
وَتَصِحُّ هِبَةُ الْمَرِيضِ مِنْ ثُلُثِهِ
ظاهر.
وَشَرْطُ اسْتِقْرَارِهَا لا لُزُومِهَا الْحَوْزُ كَالصَّدَقَةِ
هذا هو المعروف أن الهبة والصدقة يلزمان بالقول ولا يتمان إلا بالقبض.
قوله: (كَالصَّدَقَةِ) تشبيه لإفادة الحكم، وروي عن مالك أنها تلزم بالقول وللواهب الرجوع فيها، وإنما تلزم بالقبض. وحكى أبو تمام أن الصدقة والحبس يتمان بالقول ولا يُفْتَقر إلى حيازة.
وعلى الأول فقال ابن القاسم: يقضى عليه بإخراج الصدقة مطلقاً.
قال أشهب: لا يجبر على إخراجها إلا إذا كانت الصدقة على معين يلي خصومته، ودليل اللزوم بمجرد القول أن هذا عقد هبة حصل بالإيجاب ولاقبول والإشارة يحتمل عودها على قوله: (وَشَرْطُ اسْتِقْرَارِهَا) ويحتمل أن تعود إلى قوله: (إِلا فِي صَدَقَةِ أَبٍ) وكلاهما صحيح على قول ابن القاسم وأشهب في افتقار الهبة إلى القبول وعدمه، فلم يكن
стр. 3840
له رده قياساً على البيع ولقوله أو جواباً لعقده، ولما في الصحيح: "العائد في هبته كالكلب يعومد في قيئه"، فشبه الراجع بالكلب والمرجوع عنه بالقيء، وذلك غاية التنفير المقتضي للمنع.
إِلا فِي صَدَقَةِ أَبٍ عَلَى صَغِيرٍ وَعَلَى ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْمَدِينَةِ
هذا الاستثناء من شرط [٦٤٣/أ] الاستقرار؛ أي إلا في صدقة أب على صغير فلا يشترط في استقرار صدقته أو هبته الحوز؛ ولو قال: إلا في عطيته ليشمل الهبة وغيرها لكان أحسن، وتخصيصه الصغير والأب ليس بظاهر؛ لأنَّ السَّفيه في هذا كالصَّغير والوصي ومقدم القاضي سيان كالأب، إلا أن يقال: إنما خصصهما؛ لأنه محل الدليل أعني موافقة علماء المدينة، فمن ذلك قول عثمان: "من نحل ولداً له صغيراً لم يبلغ أن يحوز نحلته فأعلن ذلك وأشهد عليه فهي حيازة".
وفي الواضحة نحوه عن الخلفاء الأربعة وابن عمر وابن عباس ﵃.
ابن عبد السلام وغيره: واستثناؤه يوهم أن الحيازة تسقط في عطية الأب ابنه الصغير وليس كذلك، وإنما الذي اختص به الأب ومن يتنزل منزلته في حقّ الصَّغير والسَّفيه أن يكون حائزاً لما وهب لهما، فيقال في الإشهاد: رفع يد الملك ووضع يد الحوز، وألحقوا الأب بالأجنبي في سكناه وما يلبسه فشرطوا معاينة الشهود للدار خالية من شواغل الأب ولحوز الملبوس.
ونقل أبو محمد صالح الاتفاق على أنه إذا أشهد الأب على هبته لولده ولم يزيدوا على قوله: اشهدوا أني وهبت له كذا- فهي حيازة، وهذا فيما يعرف بعينه من الأصول والعروض، واختلف فيما لا يعرف بعينه كالذهب والفضة واللؤلؤ والمكيلات والموزونات؛ فروى ابن القاسم عن مالك وبه أخذ المصريون وغيرهم: أنه لا يتم الحوز ولو ختم عليه
стр. 3841
بحضرة الشهود إلا أن يجعل على يد غيره، وذهب المدنيون إلى أنه يتم الحوز فيها بوضعها على يديه إذا أحضرها بحضرة الشهود وختم عليها بخاتمه، قالوا: وتصح أيضاً وإن لم يختمها بحضرة الشهود ولو ختموا عليها كان خيراً وأحسن.
وروي أيضاً عن مالك وقريب منه في الموطأ: أنه يجوز إذا أبرزه وإن لم يخرجه من يده، قيل: وبالأول جرى العمل وهو مذهب الرسالة لقوله: وإنما يحوز له ما يعرف بعينه.
وَتُحَازُ بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ، وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ
الضمير في (تُحَازُ) عائد على الهبة، وفي (بِإِذْنِهِ وَبِغَيْرِ إِذْنِهِ) يعود على الواهب. وقوله: (وَيُجْبَرُ عَلَيْهِ) أي: الواهب على الوز إذا أباه وهذا على أنها لازمة بالقول وهو المشهور من المذهب على ما تقدم.
وفي المدونة والموازية مثل ما ذكره المصنف. وإذا فرَّعنا على المشهور اختلف المذهب في حيازة الرهن هل يشترط فيها إذن الراهن؟ واختلف في اشتراط أمر الأخذ في حيازة الهبة إذا حازها له غيره، فقال مطرف في من تصدق على ابنته وهي ذات زوج بمسكن فخزن الزوج فيه طعاماً حتى مات الأب: أن ذلك حيازة للبنت.
وقال أصبغ: لا يكون حيازة إلا أن توكله، ورواه ابن القاسم في الذي يتصدق على رجل غير سفيه بدراهم وجعلها على يد غيره وهو حاضر أنها حيازة إذا لم يشترط على المدفوع إليه ألا يدفعها إلا بأمره، ولا خلاف أنه إذا اشترط ألا يدفعها إلا بأمره أنها لا تمضي كما لا خلاف إذا قال له: خذها له، أو ادفعها له، وقال الموهوب: أمسكها عندك- أنها تمضي.
واختلف إذا لم يقل: ادفعها، ولا: أمسكها، ولو شرط إمساكها حتى يموت الواهب فلا خلاف أنها وصية ماضية من الثلث، وقاله محمد.
стр. 3842
وَيُشْتَرَطُ حُصُولُهُ فِي صِحَّةِ جِسْمِهِ وَعَقْلِهِ وَقِيَامِ وَجْهِهِ
أي: يشترط في تمام الهبة حصول الحوز في صحة جسم الواهب وعقله وقيام وجهه. واحترز بصحة الجسم من مرض الموت لما في الموطأ أن أبا بكر ﵁ نحل ابنته أحداً وعشرين وسقاً، فلما حضرته الوفاة فقال: "والله يا ابنتي ما من الناس أحب إليَّ غنىً بعدي منك، ولا أعز عليَّ فقراً منك، وإنه كنتُ نحلتك بواحد وعشرين وسقاً، فلو كنت جردتيه واحتزتيه لكان لك، وإنما هو اليوم مال وارث وإنما هم أخواك وأختاك فاقتسموه على كتاب الله".
واحترز بصحة عقله مما لو جن الواهب قبل الحوز توقف، فإن صح الواهب لزمت وإن اتصل ذلك بالموت بطلت كما سيأتي من كلام المصنف، والمراد بقيام الوجه: ألا يفلس.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامهم في غير هذا الموضع أن قيام الوجه هو السلامة من التفليس بالحكم من قيام الغرماء بدين إن أحاط دينهم بمال الغريم ولو لم يحكم القاضي بفلسه، وأما هذا الموضع فإحاطة الدين بمال الواهب مانعة من الحيازة، فقد نص الباجي على أنها لو حيزت وقد كان تداين ديناً يحيط بماله قبل العطية أنها لا تحاز؛ لأنه ليس له أن يعطي ملك غيره.
أصبغ في العتبية: وإن كانت قيمة الموهوب أكثر من قيمة الدين أن يبيع جميعه وإن بيع بقدر الدين قصر عنه فإنه يباع جميعه فيقضي منه الدين ويعطى ما بقي للواهب ولا شيء للموهوب له، كما لو استحقه مستحق؛ لأن الغرماء استحقوه من يده، وأما إن أداه بعد العطية وقبل الحيازة فقال مطرف وابن الماجشون: الدين أولى وتبطل الصدقة والهبة فاعتبر يوم الحيازة، وقال أصبغ: الصدقة أولى من الدين المستحدث وإن لم تقبض، وإنما يراعى يوم الصدقة لا يوم الحيازة.
стр. 3843
الباجي: وإذا قلنا بمراعاة، فقال أصبغ: إذا تقدم الدين وقد كان له وفاء يوم الصدقة أو بعده فالصدقة المقبوضة أولى، وإن كان الأب حازها لولده الصغير حتى يعرف خلاف ذلك، كما لو استغل ما تصدق به عليهم، ولم يدرَ استغل لنفسه أو لهم فالصدقة ماضية حتى يعلم أنه إنما كان استغلها لنفسه دونهم. [٦٤٣/ب].
وروى أبو زيد عن ابن القاسم في الصدقة المقبوضة لا يدري هل الدين قبلها أو بعدها: الصدقة أولى حتى يعلم أن الدين قبل، ونحوه في المدونة.
وَالْعَارِيَّةُ وَالْقَرْضُ كَالْهِبَةِ فِي الْحَوْزِ
يريد: وكل معروف كالعارية والمنحة والعمرى والسكنى والحبس.
ابن عبد السلام: واختلف في الكفالة، والمشهور أنها لا تفتقر إلى حيازة.
فَلَوْ مَاتَ قَبْلَهُ وَهُوَ جَادٌّ فِيهِ أَوْ سَاعٍ فِي تَزْكِيَةِ شُهُودِ الْهِبَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: حَوْزٌ وَصَحَّتْ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: بَطَلَتْ ...
أي: مات الواهب قبل الحوز والموهوب له جاد فيه؛ أي: في القبض، أو في الطلب المفهوم من السياق، والموهوب له ساعٍ في تزكية شهود الهبة لكون الواهب أنكره، فقال ابن القاسم في المدونة والموازية: هي تامة ويقضى بها للموهوب، واستشهد بالمفلس إذا خاطبه الرجل في غير سلعته ثم مات المفلس: أن ربها أحق بها إن ثبت ببينة.
ابن المواز: وليس له إيقافها إلا في البينة القريبة مثل الساعة، وأما ببينة بعيدة فلا يحال بينه وبين ربها إلا بشاهد.
وقوله: (حَوْزٌ وَصَحَّتْ) ويستغنى بأحدهما عن الآخر. وقال ابن الماجشون: وتبطل الهبة، ورأى أن غاية البينة أن يكون كإقرار الواهب، ورأى أن غاية البينة أن يكون كإقرار الواهب، ولو أقر له ومات قبل القبض بطلت.
стр. 3844
وقال أشهب: إذا حال القاضي بينه وبينها حتى لا يجوز حكمه فيها فليقضِ بما ثبت عنده فيها، كما كان يقضي في حياته وإن لم يمنع منها المعطى ولم يطلبها فهي باطلة.
ابن راشد: وينبغي إذا لم يعلم بالهبة- فلمَّا مات الواهب دفع له عقد الهبة وعلم ذلك- ألا تبطل، وقد وقعت بتونس ووقع فيها اضطراب، ووجدت في الطراز أنه معذور بعدم علمه وهو الصواب، والله أعلم.
فَإِنْ مَرِضَ أَوْ جُنَّ بَطَلَ الْقَبْضُ إِنِ اتَّصَلا بِالْمَوْتِ فَإِنْ صَحَّ فَلَهُ الطَّلَبُ الأَوَّلُ
هو ظاهر التصور ولا إشكال في المرض. وأما المجنون فوقع لابن القاسم في العتبية في امرأة تصدقت على رجل بعبد أو دين فلم يحز عنها حتى ذهب عقلها أنه كالموت والتفليس.
الباجي: يريد: فتكون موقوفة فإن برئت فهي على صدقتها، وإن اتصل ذلك بموته بطلت فهذا الحق ما ذكره المصنف.
ابن عبد السلام: وهذا إنما ينبني على الشاذ في أن الهبة لا تلزم بالقول، وأما على المشهور أنها تلزم بالقول بمقتضى القياس كون دفعها للموهوب له، والفرق بين ذهاب العقل وبين المرض والدين أن الحق في ذهاب العقل للواهب، وقد أسقط بالتزامه، والحق في المرض والدين لغير الواهب وهو الوارث والغريم. انتهى. فكأنهم يرون أن الجنون مرض.
وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ قَبَضَ فِيهِمَا فَثَالِثُهُمَا: وَصِيَّةٌ وَلا أَرَى قَوْلَ مِنْ جَعَلَهَا وَصِيَّةً وَلا قَوْلَ مَنْ أَبْطَلَهَا ...
(فِيهِمَا) أي: في المرض والجنون، وأعاد الضمير عليهما؛ لأنهما يفهمان من (مَرِضَ أَوْ جُنَّ).
стр. 3845
قوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ) هو معطوف على ما تقدم؛ وذلك لأنه قدم أن المرض يبطل القبض، ثم قال: (وَقَالَ أَشْهَبُ) فكأنه يقول: المشهور أنه إذا مرض بطلت الهبة وإن قبض في المرض؛ وهو صحيح، وقد نقل الباجي أن ابن القاسم روى عن مالك أنه إذا قبض في المرض لا يجوز وإن كانت من غير وارث، قال: واحتج بحديث أبي بكر ﵁ ثم ذكر قول أشهب، وقوله في الموازية قال: يقضي له الآن بثلثها فإن صح قضى له بباقيها، ولا أرى قول من قال: تجوز كلها من الثلث، ولا قول من أبطلها.
ابن المواز: وأظن جوابه يعني أنه لم يراعِ غيرها فلذلك قال: ثلثها، ونقل عن أشهب أيضاً أنه قال: ذهب ربيعة ﵁ إلى أنه إذا لم يجز المعطي عطيته حتى مات المعطي أن له ثلث العطية. وقال ابن شهاب وغيره: هي للمعطى إن حملها الثلث، ولا أقول ما قالاه.
وَلَوْ فَلَّسَ وَلَوْ بِحَادِثٍ بَطَلَتْ
ولو فلس الواهب ولو بدينٍ بعد الهبة بطلت خلافاً لأصبغ، فإنه قال: تبطل بحادث، وقد تقدم.
وَبَقَاؤُهُ فِي الدَّارِ الْمَوْهُوبَةِ بِاكْتِرَاءٍ أَوْ إِعْمَارٍ أَوْ إِرْفَاقٍ حَتَّى مَاتَ مُنَافٍ لِحَوْزِهِ
أي: بقاء الواهب في الدار الموهوبة بأي وجه كان إلى أن يموت لا يصح معه حوز الهبة وتبطل.
وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ بَيْنَ هِبَةِ الزَّوْجِ لِلزَّوْجَةِ وَالزَّوْجَةِ لِلزَّوْجِ دَارَ سُكْنَاهُمَا؛ لأَنَّ الْيَدَ فِي السُّكْنَى لِلزَّوْجِ ...
هو كالاستثناء من إبقاء الواهب في دار سكناه مبطل؛ أي: إلا في هبة الزوجة للزوج داراً وهي ساكنة معه فيها فإنها في ذلك تصح الحيازة بخلاف العكس.
стр. 3846
وقوله: (لأَنَّ الْيَدَ فِي السُّكْنَى لِلزَّوْجِ) تعليل للفرق، ويعلم به حكم المسألتين وإلا فالمصنف لم يصرح بحكمهما.
(وَفَرَّقَ ابْنُ الْقَاسِمِ) في العتبية، ونسبة التفرقة له مشعرة أن هناك من يخالفه وهو كذلك؛ لأن ابن القاسم روى عن مالك أنه حوز في الوجهين، وروى أشهب أنه حوز ضعيف لا يصح في الموضعين، هكذا حكاه ابن زرقون عن ابن العطار، وإن كان صاحب البيان قال: لا أحفظ فيه كلاماً.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون نسبة هذا الكلام لابن القاسم إشارة إلى أنه كالمناقض لما بعده، وأنه يتخرج في المسألة ثلاثة أقوال من المنصوص في كل واحد منهما.
وَأَمَّا الْخَادِمُ عِنْدَهُمَا وَمَتَاعُ الْبَيْتِ يَهَبُهُ أَحَدُهُمَا لِلآخَرِ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: أَنَّهُ لازِمٌ، وَرَوَى أَشْهَبُ: أَنَّهُ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ بِالْبَيِّنِ ....
ضمير (عِنْدَهُمَا) و (أَحَدُهُمَا) عائد على الزوج والزوجة، فروى ابن القاسم؛ أي: في الموازية والعتبية: أن الهبة جائزة، وروى أشهب في الكتابين أنه ضعيف وما هو بالبيِّن. واعلم أنه لم يذكر في رواية ابن القاسم متاع البيت، وكلام المصنف يوهم ذكره في الرواية، نعم روى محمد [٦٤٤/أ] عن ابن القاسم وابن عبد الحكم أن متاع البيت كالخادم؛ أي على رواية ابن القاسم. محمد: وبه أقول.
ابن رشد وابن زرقون: والأظهر أن يغلب، فأشارا إلى تفرقة ابن القاسم في السكنى ففرقا واستدلا على ذلك باتفاقهم على أن القول قول الزوج إذا اختلفا في متاع البيت فيما يكون للرجال والنساء، قالا: وقد قيل القول قوله فيما عرف من متاع النساء وأنه لا يد له معه.
وقوله: (عِنْدَهُمَا)؛ أي يكون هذا الموهوب مستعملاً بينهما، وكذلك قال الباجي قال: وأما ما يستعمل منفرداً كعبد الخراج ففي العتبية من سماع أشهب عن مالك في امرأة
стр. 3847
نحلت ابناً لها صغيراً عبداً فلم يحزه الأب ولا الولي حتى ماتت الأم أن ذلك مختلف، فأما غلام الخراج فليس بحوز للصبي، وأما غلام الخدمة يخدمه ويختلف معه ويقوم في حوائجه فإنه حوز، وكذلكلو نحله أبوه الغلام وهو مع أبيه لكن اختلافه معه وخدمته للحوز، وإن خدم الأب مع الغلام إلى أن مات الأب.
وَلَوْ حَازَهَا ثُمَّ أَجَّرَهَا أَوْ أَرْفَقَ بِهَا الْوَاهِبُ فَرَجَعَ إِلَيْهَا عَنْ قُرْبٍ بَطَلَتْ بِاتِّفَاقٍ، فَإِنْ كَانَ بَعْدَ سَنَةٍ فَقَوْلانِ ...
أي (لَوْ حَازَهَا) الموهوب الهبة (ثُمَّ أَجَّرَهَا) للواهب (أَوْ أَرْفَقَ بِهَا الْوَاهِبُ) فرجع إلى الهبة عن قرب (بَطَلَتْ) الهبة باتفاق لما دلت عليه القرينة أن ذلك تحيُّل لإسقاط الحيازة، وهكذا صرح الباجي وغيره بالاتفاق. وإن كان عن طول وهو سنة فقولان، وأقربهما أن ذلك لا يضر وهو الذي رواه محمد عن مالك وأصحابه، والقول بأن ذلك يبطلها لمطرف وابن الماجشون.
ووقع في بعض النسخ عوض قول المصنف: (قَوْلانِ) (رِوَايَتَانِ) والأولى أصح؛ لأن الثاني ليس هو رواية.
وقد رجح قول مطرف بالقياس على الرهن، ويجاب أن الرهن على ملك الراهن ولذلك اشترط فيه استدامة الحيازة بخلاف الموهوب، ويدل على هذا اتفاقهم على أنه لو رجع الواهب في الهبة مختفياً أو ضيفاً فمات أن ذلك لا يبطل الهبة وإن كان عن قرب، وهو معنى قوله:
وَلَوْ رَجَعَ مُخْتَفِياً أَوْ ضَيْفاً فَمَرِض فَمَاتَ لَمْ تَبْطُلْ وَلَوْ كَانَ عَنْ قُرْبٍ
أي: ولو بعد يوم، قاله مطرف وابن الماجشون، وهذا بخلاف الرهن فإنه يبطل بذلك.
стр. 3848
قوله في صدر المسألة: (وَلَوْ حَازَهَا ثُمَّ أَجَّرَهَا) يدل على أن الموهوب له يحوز لنفسه، أما إن كان صغيراً فحاز عنه الأب أو غيره ثم رجع الأب إليها قبل أن يكبر ويحوز لنفسه سنة فهي باطلة.
محمد: لا يختلف في ذلك مالك وأصحابه، والفرق بين الصغير والكبير أن الولد الكبير يتصور منه منع الأب من الرجوع في الهبة فلا يعد رجوع الأب إليها رجوعاً في الهبة، والصغير لا يقدر على ذلك فيعد رجوعه رجوعاً في الهبة.
وما ذكره ابن المواز من الاتفاق على بطلانها بذلك إذا سكنها الأب وحده، وأما إن سكن فيها مع الولد فظاهر قول مالك أيضاً البطلان. وحكى أبو محمد مكي في كتاب الاختلاف عن ابن حبيب أنها لا تبطل؛ لأنه إنما سكن بحضانته لهم.
وَلَوْ بَاعَ الْوَاهِبُ فَإِنْ عَلِمَ نَفَذَ وَالثَّمَنُ لِلْمَوْهُوبِ لَهُ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ رُدَّ وَهُوَ عَلَى طَلَبِهِ
يعني: لو باع الواهب الهبة قبل أن يحوزها الموهوب له افترق الحكم بسبب علم الموهوب له وعدم علمه، فإن علم الموهوب له نفذ البيع والثمن للموهوب له، هكذا في المدونة على إحدى الروايتين، وذلك أنه قال في أول كتاب الصدقة: ومن تصدق على رجل بصدقة ولم يقبضها حتى بيعت تم البيع وكان الثمن للمعطي.
وروي بفتح الطاء اسم المفعول وهذا موافق لكلام المصنف، وروي بكسر الطاء اسم فاعل ومقتضى القياس خلاف الروايتين؛ إذ الهبة تلزم بالقول فكان القياس يقتضي أن يجيز الموهوب في إجازة البيع أو رده، إلا أنهم راعوا قول من يقول: إنها لا تلزم إلا بالقبض.
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ)؛ أي: الموهوب له بالهبة رُدَّ البيع والموهوب له على طلبه بالحوز.
وقوله: (رُدَّ) إن أراد الموهوب له ذلك، وإن أراد إمضاءه فله ذلك كبيع الفضولي.
стр. 3849
ابن يونس: وكذلك يكون له رد البيع إذا علم الموهوب له ولم يفرط حتى جاعله؛ يعني المتصدق بالبيع، ونحوه لأصبغ.
وما ذكره المصنف من التفرقة بين علم الموهوب له وعدم علمه هو مذهب المدونة، ولابن القاسم أن البيع أولى؛ لأن البيع عقد معاوضة فكان أولى، ونحوه لأشهب.
وروى أبو زيد عن ابن القاسم يرد البيع ويأخذ المعطي عطيته فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال: ثالثها المشهور: الفرق فإن علم نفذ وإن لم يعلم رد. وزاد المتيطي رابعاً بأن المتصدق عليه أولى إن كان لم يفرط في الحيازة، وإن فرط لم يكن له شيء وهو قوله في العتبية. وخامساً: الفرق بين ألا يمضي من المدة ما لا يمكنه فيه الحوز فيكون أحق وبين أن يمضي ما يمكنه فيه الحوز فلا يكون له إلا الثمن. وسادساً أنه إن مضى ما يمكنه فيه الحوز لم يكن له شيء.
الباجي: وإذا قلنا ينقض فروى محمد عن ابن القاسم إنما ذلك المعطى المعين فيقضى له، وأما إن كان لغير معين مثل أن يجعل داره في السبيل ثم يبيعها فلا يبطل البيع؛ لأنه لا يقضى عليه بها، وإن قلنا بإمضاء البيع فقال أشهب وابن عبد الحكم: تبطل الصدقة ولا شيء للمعطى من الثمن.
وروى ابن حبيب [٦٤٤/ب] عن مطرف: إن كان المعطى حاضراً فلم يقم حين علم بالبيع مضى وله الثمن، فإن مات المعطي على إثر ذلك ولم يفرط بطل البيع لكون العطية ملكاً.
مطرف وابن القاسم: ولو كان المعطي غائباً فقدم في حياة المعطي خير بين رد البيع وأخذ الثمن.
стр. 3850
فَلَوْ مَاتَ قَبْلَ عِلْمِهِ فَفِي بُطْلانِهَا قَوْلانِ. وَاضْطَرَبَ فِيهَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ بِخِلافِ الرَّهْنِ فَإِنَّهُ يَبْطُلُ ...
أي: فإن مات الواهب قبل علم الموهوب بالهبة وقد كان الواهب باعها فقال ابن القاسم في المدونة وغيرها: بطلت.
قال بعض من تكلم هنا: بطلت، والقول بعدم البطلان لا يكاد يوجد؛ لأن الواهب مات قبل حيازة الموهوب له، ولاسيما وقد انضم إلى هذا مبطل آخر وهو بيع الواهب لها وليس وهمه في هذا، والله أعلم أن ابن شاس ذكر مسألة البعي ثم مسألة الموت ثم قال: وقال محمد: اضطرب قول ابن القاسم فظن أن هذا الاضطراب راجع إلى الموت فذكر فيه قولين وليس كذلك، وإنما راجع إلى أول المسألة، وكذلك ذكره الباجي وغيره في مسألة البيع. انتهى.
خليل: ويمكن أن يجعل هذه مستقلة لا مفرعة على التي قبلها ويكون ضمير (مَاتَ) عائداً على الموهوب، ويكون القول بالبطلان معللاً بعدم القبول، والقول بالبطلان معلل بالقبول كما قالوا في من أرسل هدية، والله أعلم.
وقوله: (بِخِلافِ الرَّهْنِ) ابن راشد: يعني لأنه إذا باعه قبل القبض نفذ من غير خلاف. انتهى.
وقد قال بعضهم: معناه بخلاف ما لو رهن العطية فإن الرهن يبطل وتصح العطية، ونحوه للباجي لأنه قال: ولو رهن المعطي العطية قبل القبض فقال ابن القاسم في من حبس على ابنه ثم رهنه فمات: بطل الرهن وثبت الحبس. وفي بعض النسخ بعد قوله: (بِخِلافِ الرَّهْنِ) فإنها تبطل إذا رهنها وهكذا حكى ابن شاس، أما لو رهنها الواهب ثم مات فقال ابن القاسم: ثبت الرهن وتبطل الهبة.
стр. 3851
فَلَوْ كَانَ وَهَبَهَا وَحَازَهَا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لِلأَوَّلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ وَالْحَائِزُ أَوْلَى ...
يعني: فلو وهب الواهب الهبة بعدما وهبها ولم يكن الأول قد حازها وحازها الثاني، فقال ابن القاسم: هي للأول، وقال أشهب- وهو اختيار محمد: الثاني أولى بحيازته؛ وروي أيضاً عن ابن القاسم.
والأول أقيس؛ لأن الهبة عندنا تلزم بالقول فلم يهب إلا ملك الأول، وظاهر هذين القولين أنه لا فرق بين أن يفرط الموهوب له أو لا، وزاد في البيان في الرابع من الصدقات قولين آخرين؛ أحدهما: أن يعلم فيفرط أو لا يعلم، والثاني: الفرق بين أن يمضي من المدة ما يمنكه فيه القبض أم لا، وعلى قول ابن القاسم فقال أصبغ في العتبية: إن علم الموهوب بالهبة وفرط فلا شيء له، وإن لم يعلم أو علم ولم يفرط وقدم المتصدق فعاجله بأن تصدق بها على غيره، فالأول أولى إن أدركها قائمة فله قيمتها على المتصدق، وهذا الفرق يقوي قول أشهب فوقه؛ إذ لم ينزل الهبة منزل البيع.
فَإِنْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ الأَمَةَ أَوِ اسْتَولْدَهَا فَفِي رَدِّهِ وَتَقْوِيمِ الأَمَةِ قَوْلانِ
أي: قبل حوز الموهوب له، والقول بإنفاذ العتق والاستيلاد من غير قيمة لابن القاسم في العتق الثاني من المدونة: وسواء علم المعطي بالهبة أو لم يعلم، وقاله في الموازية والعتبية، والقول برد العتق ولزوم قيمة الأمة في الإيلاد لابن وهب وهو أقيس وله رده- راجع للعتق وتقويم الأمة للإيلاد فهو لف ونشر، وزاد في البيان ثالثاً للمغيرة: أن العتق أولى على كل حال إلا أن يكون بين الصدقة والعتق ما لا يمكن فيه الحوز من المدة.
الباجي: إذا قلنا بقول ابن القاسم فكاتب الواهب العبد أو دبره أو أعتقه إلى أجل فقال أصبغ: يمضي ولا شيء للمعطي في خدمة المدبر ولا كتابة المكاتب ولا رقبته إن عجز.
стр. 3852
ابن القاسم: ولو قتله رجل فالقيمة للموهوب له.
الباجي: لأن قتله ليس بمعنى الرجوع.
وَفِي بَيْعِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهِبَتِهِ قَوْلانِ، بِخِلافِ الْعِتْقِ
سقطت هذه النسخة من نسخة ابن راشد وابن عبد السلام هي ثابتة عندنا؛ أي: إذا وهب الموهوب له الهبة أو باعها قبل أن يقبضها فهل ذلك حوز ولا يضر بعد ذلك موت الواهب قولان؛ والقول بأنه حوز لمطرف ونحوه لمالك من رواية ابن وهب، لكن قال: إن أشهد المعطي على فعله وأعلن. وقال أصبغ: ليس حوزاً.
وروى ابن الماجشون أن البيع حوز وليست الهبة حوزاً؛ لأنها محتاجة إلى حوز، واتفقوا على أن العتق حوز، وإلى هذا أشار بقوله: (بِخِلافِ الْعِتْقِ).
وَمَنْ حَبَسَ دَاراً أَوْ دُوراً وَهُوَ فِي بَعْضِهَا وَحِيزَ الْبَاقِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا حِيزَ لَزِمَ دُونَ الْبَاقِي، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ كَثِيراً لَزِمَ الْجَمِيعُ، وَإِلا فَلا ...
أي: أو وهب أو تصدق، فإن سكن بيتاً صغيراً منها؛ أي من دور كثيرة، أو داراً صغيرة منها؛ أي من دور كثيرة، (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا حِيزَ لَزِمَ) وهذا القول حكاه ابن الجلاب وقال: يبطل ما سكنه قليلاً كان أو كثيراً. واعتبر في هذا القول كل شيء بانفراده، وقيل: إن كان المحاز كثيراً لزم الجميع؛ يعني: ما سكن وما حيز عنه، مثل أن يسكن داراً صغيرة من دور أو بيتاً صغيراً من دار، هكذا حكى ابن شاس هذا القول واعتبر فيه التبعية.
وحكى ابن شاس قولاً ببطلان الجميع بمطلق [٦٤٥/أ] السكنى.
وفي المدونة: ومن حبس على صغار ولده داراً أو دوراً أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم فذلك جائز وحوزه لهم حوز، إلا أن يكون ساكناً في كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها أو تورث على فرائ الله، وأما الدار الكبيرة ذات المساكن سكن أقلها وأكرى لهم باقيها فذلك نافذ فيما سكن وفيما لم يسكن.
стр. 3853
مالك: وقد حبس زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ﵄ وسكنا منزلاً منهما حتى ماتا فنفذ حبسهما في ما سكنا وفي ما لم يسكنا.
وفرق بعضهم بين الحبس والصدقة فلم يجزه في الصدقة.
اللخمي: وإن سكن النصف وحيز النصف بطل ما سكن وصح ما لم يسكن، ونسبه لابن القاسم وأشهب بجعل القليل دون النصف والكثير ما فوقه.
وفي الواضحة: القليل ما دون الثلث. وفي الموازية عن ابن القاسم وأشهب: إن سكن قدر الثلث فأقل جاز الحبس. وفي المتيطية: إن سكن ثلث الحبس أو أقل نفذ الحبس في ما سكن وفي ما لم يسكن، وإن كان أكثر من الثلث لم يجز شيء من الحبس ورد جميعه ميراثاً، هذا مذهب المدونة وبه الحكم. انتهى. ففهم أن الثلث كثير وهو خلاف ما قاله اللخمي.
ولأصبغ قول آخر بالتفصيل بين الدار والدور، فقال في الدور: ما سكن منها من دار فهي باطلة وصح غيرها قل أو كثر، وأما دار واحدة فإن سكن منها يسيراً جازت كلها وإن سكن أكثرها بطلت، ولا يظهر لتخصيص المصنف بالحبس معنى.
وقد نص في المدونة على أن الهبة والصدقة كالحبس كما تقدم ولاسيما والباب إنما هو معقود للهبة. وقيد صاحب البين الإطلاق في سكنى الأب الأكثر من الدور وبما إذا كان هو الحائز، قال: وأما إن سكن الأب الأكثر أو الجل وحاز الكبار بقيتها فيجوز لهم ما حازوه، ولا أعرف فيه نص خلاف.
وَفِي جَعْلِ هِبَةِ الْمَغْصُوبِ كَالدَّيْنِ يَحُوزُهُ بِالإِشْهَادِ قَوْلانِ. وَاخْتَارَهُ سُحْنُونٌ وَأَنْكَرَهُ يَحْيَى ...
يعني: إذا وهب ما تحت يد الغاصب لم يكن الإشهاد حيازة عند ابن القاسم وأصبغ في المدونة. وقال أشهب: هي حيازة كالدين.
стр. 3854
قوله: (يَحُوزُهُ بِالإِشْهَادِ) بيان لحكم الدين المشبه به وهي جملة في موضع الحال من الدين، وذلك لأنه لما شبه هبة المغصوب بالدين في أحد القولين- بَيَّن حكم الدين، وهي زيادةُ إيضاحٍ، وإلا فقد قام ذلك.
قوله: (وَاخْتَارَهُ سُحْنُونٌ) اختار جعله كالدين، وضمير (أَنْكَرَهُ) عائد على الجعل أو على الاختيار المفهوم من (اخْتَارَ).
واختار محمد أيضاً قول أشهب إلا أنه خالفه في الحجة؛ لأنها ليس حوزاً، وغير هذا يرد: لا يقدر على أكثر من هذا، وقال: لأن الغاصب ضامن فهو كالدين.
اللخمي: وتعليل أشهب أحسن؛ لأن الواجب رفع يده ولا يقدر على أكثر من هذا وليس كالدين؛ لأنه إنما وهب عين المغصوب ولم يهب قيمته ولما قال في المدونة: وليس قبض الغاصب قبضاً للموهوب له، قيل له: ولِمَ والهبة ليست في يد الواهب؟ قالت: لأن الغاصب لم يقبض للموهوب ولا أمره الواهب بذلك فيجوز إذا كان غائباً.
قال بعضهم: ظاهره لو أمره جاز، وهذا إذا رضي الغاصب أن يحوز.
وَفِي هِبَةِ الْمُودَعِ لَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وُهِبَ لَهُ فَقَبَضَ لِيَتَرَوَّى ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ ...
يعني: إذا وهب رب الوديعة للمودع الوديعة بأن قال: قبلت تمت الهبة وإن لم يقل قبلت حتى مات الواهب، وفي معنى ذلك: إذا وهب الدين للمديان ولم يقل قبلت حتى مات الواهب فقولان: الأول لابن القاسم في المدونة والموازية: أنها باطلة لأنها لم تنقل إلى ملك الموهوب له قبل موت الواهب؛ إذ من شرط النقل القبول.
والثاني لأشهب: أنها جائزة؛ لأن كونها بيده أحذر للحوز، قال في الموازية: إلا أن يقول: لا أقبل، واستحسنه محمد.
стр. 3855
ومفهوم قوله: (حَتَّى مَاتَ) أنه لو قال: قبلت قبل موت الواهب وبعد مفارقة المجلس أنها تصح، واعترضه التونسي وقال: كان يجب على أصل ابن القاسم: إذا افترقا ألا تصح؛ لأنه كلام يقتضي جوابه على رهنه، كما لو قال: بعتك بكذا، ولم يقل له المبتاع شيئاً فليس له بعد افتراقه أن يقول رضيتها، قال: وإنما اختلفوا في التمليك بعد المجلس؛ لأنه لم يحتج إلى نظر.
قوله: (وَكَذَلِكَ مَنْ وُهِبَ لَهُ .. إلخ) هو ظاهر التصور، ومقتضى كلامه أن القولين جاريان أيضاً، لكن قال ابن راشد: جعل محمد هذه المسألة حجة لقول أشهب في الوديعة، وذلك يقتضي أنها نافذة له وإن لم يقل قبلت بغير خلاف وإلا لما صح الاحتجاج بها. انتها.
وهو كلام ظاهر، والفرق ظاهر؛ لأن إنشاء القبض من الموهوب قوي في الدلالة على الرضا بخلاف الوديعة، فإنه ليس فيها ذلك.
قوله: (لِيَتَرَوَّى) أي: ليرى رأيه.
وَلَوْ تَصَدَّقَتْ بِصَدَاقِهَا فَقَبِلَهُ ثُمَّ مَنَّتْ عَلَيْهِ فَرَدَّ كِتَابَهَا أَوْ أَشْهَدَ لَهَا فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ؛ لأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ تُقْبَضْ ...
هو ظاهر؛ لأن صداقها عليه دين فإذا قبل سقطت فإذا رده إليها أو أشهد على نفسه كان هبة منه لها، فإذا مات لم يكن لها شيء؛ لأنها عطية لم تقبض قبل موت الواهب.
وَإِذَا وَهَبَهُ مَا تَحْتَ يَدِ الْمُودَعِ وَمَاتَ وَعَلِمَ الْمُودَعُ صَحَّتْ، بِخِلافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ مِمَّا تَحْتَ يَدِ وَكِيلِهِ فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ إِلا مَا قَبَضَ ...
صوابه على مذهب سيبويه [٦٤٥/ب] وهب له كما تقدم؛ يعني إذا وهب الوديعة لغير من هي تحت يده (وَمَاتَ) أي: الواهب.
следующие страницы →