← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

فَلَوْ كَانَ وَهَبَهَا وَحَازَهَا الثَّانِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: هِيَ لِلأَوَّلِ، وَقَالَ مُحَمَّدٌ: لَيْسَ هَذَا بِشَيْءٍ وَالْحَائِزُ أَوْلَى ... يعني: فلو وهب الواهب الهبة بعدما وهبها ولم يكن الأول قد حازها وحازها الثاني، فقال ابن القاسم: هي للأول، وقال أشهب- وهو اختيار محمد: الثاني أولى بحيازته؛ وروي أيضاً عن ابن القاسم. والأول أقيس؛ لأن الهبة عندنا تلزم بالقول فلم يهب إلا ملك الأول، وظاهر هذين القولين أنه لا فرق بين أن يفرط الموهوب له أو لا، وزاد في البيان في الرابع من الصدقات قولين آخرين؛ أحدهما: أن يعلم فيفرط أو لا يعلم، والثاني: الفرق بين أن يمضي من المدة ما يمنكه فيه القبض أم لا، وعلى قول ابن القاسم فقال أصبغ في العتبية: إن علم الموهوب بالهبة وفرط فلا شيء له، وإن لم يعلم أو علم ولم يفرط وقدم المتصدق فعاجله بأن تصدق بها على غيره، فالأول أولى إن أدركها قائمة فله قيمتها على المتصدق، وهذا الفرق يقوي قول أشهب فوقه؛ إذ لم ينزل الهبة منزل البيع. فَإِنْ أَعْتَقَ الْوَاهِبُ الأَمَةَ أَوِ اسْتَولْدَهَا فَفِي رَدِّهِ وَتَقْوِيمِ الأَمَةِ قَوْلانِ أي: قبل حوز الموهوب له، والقول بإنفاذ العتق والاستيلاد من غير قيمة لابن القاسم في العتق الثاني من المدونة: وسواء علم المعطي بالهبة أو لم يعلم، وقاله في الموازية والعتبية، والقول برد العتق ولزوم قيمة الأمة في الإيلاد لابن وهب وهو أقيس وله رده- راجع للعتق وتقويم الأمة للإيلاد فهو لف ونشر، وزاد في البيان ثالثاً للمغيرة: أن العتق أولى على كل حال إلا أن يكون بين الصدقة والعتق ما لا يمكن فيه الحوز من المدة. الباجي: إذا قلنا بقول ابن القاسم فكاتب الواهب العبد أو دبره أو أعتقه إلى أجل فقال أصبغ: يمضي ولا شيء للمعطي في خدمة المدبر ولا كتابة المكاتب ولا رقبته إن عجز.

стр. 3852

ابن القاسم: ولو قتله رجل فالقيمة للموهوب له. الباجي: لأن قتله ليس بمعنى الرجوع. وَفِي بَيْعِ الْمَوْهُوبِ لَهُ وَهِبَتِهِ قَوْلانِ، بِخِلافِ الْعِتْقِ سقطت هذه النسخة من نسخة ابن راشد وابن عبد السلام هي ثابتة عندنا؛ أي: إذا وهب الموهوب له الهبة أو باعها قبل أن يقبضها فهل ذلك حوز ولا يضر بعد ذلك موت الواهب قولان؛ والقول بأنه حوز لمطرف ونحوه لمالك من رواية ابن وهب، لكن قال: إن أشهد المعطي على فعله وأعلن. وقال أصبغ: ليس حوزاً. وروى ابن الماجشون أن البيع حوز وليست الهبة حوزاً؛ لأنها محتاجة إلى حوز، واتفقوا على أن العتق حوز، وإلى هذا أشار بقوله: (بِخِلافِ الْعِتْقِ). وَمَنْ حَبَسَ دَاراً أَوْ دُوراً وَهُوَ فِي بَعْضِهَا وَحِيزَ الْبَاقِي فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا حِيزَ لَزِمَ دُونَ الْبَاقِي، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ كَثِيراً لَزِمَ الْجَمِيعُ، وَإِلا فَلا ... أي: أو وهب أو تصدق، فإن سكن بيتاً صغيراً منها؛ أي من دور كثيرة، أو داراً صغيرة منها؛ أي من دور كثيرة، (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: مَا حِيزَ لَزِمَ) وهذا القول حكاه ابن الجلاب وقال: يبطل ما سكنه قليلاً كان أو كثيراً. واعتبر في هذا القول كل شيء بانفراده، وقيل: إن كان المحاز كثيراً لزم الجميع؛ يعني: ما سكن وما حيز عنه، مثل أن يسكن داراً صغيرة من دور أو بيتاً صغيراً من دار، هكذا حكى ابن شاس هذا القول واعتبر فيه التبعية. وحكى ابن شاس قولاً ببطلان الجميع بمطلق [٦٤٥/أ] السكنى. وفي المدونة: ومن حبس على صغار ولده داراً أو دوراً أو وهبها لهم أو تصدق بها عليهم فذلك جائز وحوزه لهم حوز، إلا أن يكون ساكناً في كلها أو جلها حتى مات فيبطل جميعها أو تورث على فرائ الله، وأما الدار الكبيرة ذات المساكن سكن أقلها وأكرى لهم باقيها فذلك نافذ فيما سكن وفيما لم يسكن.

стр. 3853

مالك: وقد حبس زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر ﵄ وسكنا منزلاً منهما حتى ماتا فنفذ حبسهما في ما سكنا وفي ما لم يسكنا. وفرق بعضهم بين الحبس والصدقة فلم يجزه في الصدقة. اللخمي: وإن سكن النصف وحيز النصف بطل ما سكن وصح ما لم يسكن، ونسبه لابن القاسم وأشهب بجعل القليل دون النصف والكثير ما فوقه. وفي الواضحة: القليل ما دون الثلث. وفي الموازية عن ابن القاسم وأشهب: إن سكن قدر الثلث فأقل جاز الحبس. وفي المتيطية: إن سكن ثلث الحبس أو أقل نفذ الحبس في ما سكن وفي ما لم يسكن، وإن كان أكثر من الثلث لم يجز شيء من الحبس ورد جميعه ميراثاً، هذا مذهب المدونة وبه الحكم. انتهى. ففهم أن الثلث كثير وهو خلاف ما قاله اللخمي. ولأصبغ قول آخر بالتفصيل بين الدار والدور، فقال في الدور: ما سكن منها من دار فهي باطلة وصح غيرها قل أو كثر، وأما دار واحدة فإن سكن منها يسيراً جازت كلها وإن سكن أكثرها بطلت، ولا يظهر لتخصيص المصنف بالحبس معنى. وقد نص في المدونة على أن الهبة والصدقة كالحبس كما تقدم ولاسيما والباب إنما هو معقود للهبة. وقيد صاحب البين الإطلاق في سكنى الأب الأكثر من الدور وبما إذا كان هو الحائز، قال: وأما إن سكن الأب الأكثر أو الجل وحاز الكبار بقيتها فيجوز لهم ما حازوه، ولا أعرف فيه نص خلاف. وَفِي جَعْلِ هِبَةِ الْمَغْصُوبِ كَالدَّيْنِ يَحُوزُهُ بِالإِشْهَادِ قَوْلانِ. وَاخْتَارَهُ سُحْنُونٌ وَأَنْكَرَهُ يَحْيَى ... يعني: إذا وهب ما تحت يد الغاصب لم يكن الإشهاد حيازة عند ابن القاسم وأصبغ في المدونة. وقال أشهب: هي حيازة كالدين.

стр. 3854

قوله: (يَحُوزُهُ بِالإِشْهَادِ) بيان لحكم الدين المشبه به وهي جملة في موضع الحال من الدين، وذلك لأنه لما شبه هبة المغصوب بالدين في أحد القولين- بَيَّن حكم الدين، وهي زيادةُ إيضاحٍ، وإلا فقد قام ذلك. قوله: (وَاخْتَارَهُ سُحْنُونٌ) اختار جعله كالدين، وضمير (أَنْكَرَهُ) عائد على الجعل أو على الاختيار المفهوم من (اخْتَارَ). واختار محمد أيضاً قول أشهب إلا أنه خالفه في الحجة؛ لأنها ليس حوزاً، وغير هذا يرد: لا يقدر على أكثر من هذا، وقال: لأن الغاصب ضامن فهو كالدين. اللخمي: وتعليل أشهب أحسن؛ لأن الواجب رفع يده ولا يقدر على أكثر من هذا وليس كالدين؛ لأنه إنما وهب عين المغصوب ولم يهب قيمته ولما قال في المدونة: وليس قبض الغاصب قبضاً للموهوب له، قيل له: ولِمَ والهبة ليست في يد الواهب؟ قالت: لأن الغاصب لم يقبض للموهوب ولا أمره الواهب بذلك فيجوز إذا كان غائباً. قال بعضهم: ظاهره لو أمره جاز، وهذا إذا رضي الغاصب أن يحوز. وَفِي هِبَةِ الْمُودَعِ لَمْ يَقُلْ: قَبِلْتُ حَتَّى مَاتَ الْوَاهِبُ قَوْلانِ، وَكَذَلِكَ مَنْ وُهِبَ لَهُ فَقَبَضَ لِيَتَرَوَّى ثُمَّ مَاتَ الْوَاهِبُ ... يعني: إذا وهب رب الوديعة للمودع الوديعة بأن قال: قبلت تمت الهبة وإن لم يقل قبلت حتى مات الواهب، وفي معنى ذلك: إذا وهب الدين للمديان ولم يقل قبلت حتى مات الواهب فقولان: الأول لابن القاسم في المدونة والموازية: أنها باطلة لأنها لم تنقل إلى ملك الموهوب له قبل موت الواهب؛ إذ من شرط النقل القبول. والثاني لأشهب: أنها جائزة؛ لأن كونها بيده أحذر للحوز، قال في الموازية: إلا أن يقول: لا أقبل، واستحسنه محمد.

стр. 3855

ومفهوم قوله: (حَتَّى مَاتَ) أنه لو قال: قبلت قبل موت الواهب وبعد مفارقة المجلس أنها تصح، واعترضه التونسي وقال: كان يجب على أصل ابن القاسم: إذا افترقا ألا تصح؛ لأنه كلام يقتضي جوابه على رهنه، كما لو قال: بعتك بكذا، ولم يقل له المبتاع شيئاً فليس له بعد افتراقه أن يقول رضيتها، قال: وإنما اختلفوا في التمليك بعد المجلس؛ لأنه لم يحتج إلى نظر. قوله: (وَكَذَلِكَ مَنْ وُهِبَ لَهُ .. إلخ) هو ظاهر التصور، ومقتضى كلامه أن القولين جاريان أيضاً، لكن قال ابن راشد: جعل محمد هذه المسألة حجة لقول أشهب في الوديعة، وذلك يقتضي أنها نافذة له وإن لم يقل قبلت بغير خلاف وإلا لما صح الاحتجاج بها. انتها. وهو كلام ظاهر، والفرق ظاهر؛ لأن إنشاء القبض من الموهوب قوي في الدلالة على الرضا بخلاف الوديعة، فإنه ليس فيها ذلك. قوله: (لِيَتَرَوَّى) أي: ليرى رأيه. وَلَوْ تَصَدَّقَتْ بِصَدَاقِهَا فَقَبِلَهُ ثُمَّ مَنَّتْ عَلَيْهِ فَرَدَّ كِتَابَهَا أَوْ أَشْهَدَ لَهَا فِي غَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ لَهَا شَيْءٌ؛ لأَنَّهَا عَطِيَّةٌ لَمْ تُقْبَضْ ... هو ظاهر؛ لأن صداقها عليه دين فإذا قبل سقطت فإذا رده إليها أو أشهد على نفسه كان هبة منه لها، فإذا مات لم يكن لها شيء؛ لأنها عطية لم تقبض قبل موت الواهب. وَإِذَا وَهَبَهُ مَا تَحْتَ يَدِ الْمُودَعِ وَمَاتَ وَعَلِمَ الْمُودَعُ صَحَّتْ، بِخِلافِ مَا لَوْ وَهَبَهُ مِمَّا تَحْتَ يَدِ وَكِيلِهِ فَإِنَّهُ لا يَصِحُّ إِلا مَا قَبَضَ ... صوابه على مذهب سيبويه [٦٤٥/ب] وهب له كما تقدم؛ يعني إذا وهب الوديعة لغير من هي تحت يده (وَمَاتَ) أي: الواهب.

стр. 3856

(وَعَلِمَ) جملة في موضع الحال، زاد ابن القاسم في فرض المسألة رواية سحنون: ولم يأمر الواهب الموهوب بقبض الهبة، ولم يذكر ابن المواز هذه الزيادة، بل ذكر إذا جمع بينهما واشترط العلم ليكون حائزاً للموهوب له ولو دفعها الواهب كان رضا بخلاف ما وهب له ما تحت وكيله فإنه لا شيء له إلا ما قبضه، فلو وهبه مائة فقبض خمسين ثم مات الواهب لم يكن له إلا الخمسون؛ لأن يد الوكيل كيد الموكل، ومسألة الوكيل رواها عيسى عن ابن القاسم في العتبية، ورواها أبو حنيفة عن مطرف وأصبغ. وَمَا تَحْتَ يَدِ الْمُخْدَمِ وَالْمُسْتَعِيرِ كَالْمُودِعِ. وَلَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْقَاسِمِ عِلْمَهُمَا بِخِلافِ الْمُودَعِ لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ لا يَحُوزَ لِلْمَوْهُوبِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ الإِخْدَامُ وَالْهِبَةُ دُفْعَةً وَاحِدَةً فَهُوَ حَوْزٌ لَهُ، وَإِلا فَلا ... (كَالْمُودِعِ) فيه حذف مضاف؛ أي كوديعة المودع فيكتفي بعلم من هما بيده إذا أشهد الواهب، وكذلك قال ابن شاس، وحيازة المخدم والمستعير حيازة للموهوب له إذا أشهد. ونقل في النكت عن بعض شيوخه أنه اعتبر علم المخدم ورضاه كما في فضلة الرهن. اللخمي: ويشترط أن يبتل له الرقبة الآن وتكون المنفعة على المخدم على الواهب ولا على الموهوب له، قال: وإن وهب إليه المرجع بعد انقضاء الخدمة ليس الآن لم يكن له حوز. انتهى. وعلى هذا فلا تشبيه بين المخدم والمستعار وبين المودع في حصول الحيازة بالعلم. قوله: (وَلَمْ يَشْتَرِطِ ابْنُ الْقَاسِمِ عِلْمَهُمَا) هكذا قال في المدونة. وقوله: (لِقُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ لا يَحُوزَ لَهُ) أي: المودع لما كان قادراً على رد ما تحت يده إلى من دفعه له صار كالوكيل لمن استحفظه على ذلك، والموهوب له هو المالك الآن فلابد من علم المودع بمن هو حافظ، والمخدم والمستعير غير قادرين على رد ما قبلاه من المعطي فليسا بوكيلين لأحد فلا يشترط عملهما، وهذا القول للتونسي. وقوله: (وَقِيلَ .. إلخ) نص في الجواهر. وقال عبد الملك: إذا تقدم الخدمة لم يكن المخدم حائزاً للموهوب، وإن أخدم ووهب في مرة واحدة كان ذلك حيازة للموهوب.

стр. 3857

عبد الملك: ولو كانت الهبة والإخدام في عبد فقتل بعد ذلك كان قيمته لمن وهبت له الرقبة. وَمَا تَحْتَ يَدِ الْمُرْتَهِنِ وَالْمُسْتَاجِرِ لَيْسَ بِحَوْزٍ، إِلا أَنْ يَهَبَ الإِجَارَةَ، فَقَالَ أَشْهَبُ: الْمُسْتَاجِرُ كَالْمُودَعِ ... الأول مذهب ابن القاسم: أن المرهون لا يتم حوزه إلا بافتكاكه كما تقدم في بابه، وأما المستأجر فلا يتم إلا أن يهب الإجارة. وقيده ابن زرقون وغيره بأن تكون الإجارة غير مقبوضة ليكون اقتضاء الموهوب منه الإجارة حيازة، وأما قبض الواهب الأجرة فلا. والفرق بين المخدم والمرتهن والمستأجر أن المخدم محوز عن ربه والمستأجر والمرهون محوز له. قوله: (فَقَالَ أَشْهَبُ: الْمُسْتَاجِرُ كَالْمُودَعِ) ظاهره أنه لا يفتقر إلى علم المستأجر وفيه نظر؛ لأن الذي له في الموازية أن ذلك نافذ إذا أشهد وإن لم يسلم الإجارة معه، هكذا نقل اللخمي وغيره. ابن عبد السلام: والأحسن لو زاد المؤلف فيما حكاه عن أشهب التشبيه بالمستعير فيقول كالمودع والمستعير، هكذا في الرواية عن أشهب؛ لأن اقتصاره على التشبيه بالمودع يوهم موافقة لابن القاسم في تفريقه بين المودع والمستعير من غير حاجة لذلك. وَالْمُرْسِلُ هَدِيَّةً يَمُوتُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ وُصُولِهِ، فِي الْمُدَوَّنَةِ: تَرْجِعُ إلى الْمُهْدِي أَوْ لِوَرَثَتِهِ، وَعُلِّلَ بِفَوَاتِ الْحَوْزِ أَوْ بِعَدَمِ الْقَبُولِ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: إِنْ مَاتَ الْوَاهِبُ بَطَلَتْ بِخِلافِ مَوْتِ الْمَوْهُوبِ لَهُ، وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ كَانَ لِمَنْ حَوْزُهُ حَوْزٌ لَهُمْ كَصِغَارِ بَنِيِه وَأَبْكَارِ بَنَاتِهِ مَضَتْ إِنْ أَشْهَدْ ... أي: إذا أرسل هدية لغائب عنه ثم مات الواهب أو الموهوب له قبل وصول الهدية ففي المدونة ترجع إلى المهدي أو إلى ورثته. وتبع المصنف في التعليل بفوات الحوز راجع إلى موت الواهب، وبعدم القبول راجع إلى موت الموهوب.

стр. 3858

وفي المدونة: مقيد بما إذا لم يشهد، وأما إذا أشهد فهي للمعطى أو لورثته، وتبع المصنف في التعليل الذي ذكره ابن شاس ونسبه المؤلف للمدونة لإشكالها، أما أولاً: فلأنه أبطلها بموت الموهوب والمؤثر في بطلان الهبة إنما هو موت الواهب. وقد نص في المدونة في باب الهبة على خلاف هذا فقال: وإن وهبت هبة لحر أو عبد ولم يقبضها حتى مات فلورثة الحر ولسيد العبد قبضها وليس لك أن تمتنع من ذلك. وإلى هذا الإشكال أشار التونسي وغيره، ولهذا قال عياض: ولعل ما في المدونة أن يقول الباعث: أنا إنما قصدت بها صلة للمبعوث إليه بعينه إن وجد حياً، ويكون مصدقاً؛ إذ لا يلزمه إلا ما أقر به من معروفه إذا لم يشهد على أصله فيلزمه بظاهر فعله وقوله. وأما ثانياً: فلأنه قد أمضاها بالإشهاد وهو مبطل للتعليل، ولهذا قال ابن عبد السلام: الصواب عندهم في تعليل المسألة أنه مع الإشهاد قد فعل غاية المقدور في الحوز. قوله: (وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ .. إلخ) هو كما حكيناه عن المدونة في الهبة. قوله: (وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ .. إلخ) هذا تأويله [٦٤٦/أ] عن مالك في رواية يحيى عنه، قال: سألت ابن القاسم عن قول مالك في الرجل يشتري المتاع في الحج لبعض أهله ثم يموت قبل أن يبلغهم ذلك المتاع أنهم لهم، قال: وإنما أراد أن يكون اشتراه لأصاغر ولده، ومثله روى علي بن زياد عن مالك أن الإشهاد لا ينفع في ذلك لمن يحوز عليه من ولده الصغير، وأما الكبير والأجنبي فلا يحوز لهم إلا أن يحوزه غيره. ورده محمد بأن الإشهاد في مثل هذا هو الحوز، ورآه أيضاً عياض بأنه لو لم يحز إلا للصغار لم يختص ذلك إلا بالحج والسفر دون الإقامة، ولا معنى لما قاله بعض الصقليين، إنما يعني ذلك إذا وهب العين ثم اشترى به فعجل الشراء يقوم مقام الحوز؛ لأن مسألة الذي وجه صلته وهبته قد جعلها حوزاً، والعلة في ذلك كله عدم التفريط في الحوز. واعترض كلام المصنف بأن ظاهر كلامه أن تأويل ابن القاسم في المسألة إنما هي في موت المهدي إذا كانت الهدية بيده، ولو أخر تأويل ابن القاسم إلى مسألة الحاج كان أولى؛ وهي قوله:

стр. 3859

وَمَا يَسْتَصْحِبُهُ الْحَاجُّ وَغَيْرُهُ مِنَ الْهَدِيَّةِ لأَهْلِهِ وَغَيْرِهِمْ كَذَلِكَ أي: المشهور فيه الاكتفاء بالإشهاد؛ لأن غاية المقدور عليه، وتصور هذا الكلام ظاهر. فرع: قال مالك: وإن حلى الأب صبياً بحلي ثم مات فهو للصبي دون الورثة؛ لأنه مظنة الحوز. فائدة: لا تعتبر حيازة أخ ولا غيره من غير الموهوب إلا في أربع مسائل: المتصدق بثوب في السفر، والحاج يشتري لأهله شيئاً ويشهد عليه ثم يموت، والحبس الذي لا غلة له كالسلاح إذا أخرجه مرة ثم رجع له، والدار يتصدق بها فتحاز عنه سنة ثم يكريها فيموت فيها. وَالْهِبَةُ قِسْمَانِ: مُقَيَّدٌ بِنَفْيِ الثَّوَابِ، وَمُطْلَقٌ وقسم مطلق، وبقي عليه قسم آخر وهو مقيد بالثواب وذكره آخر الباب. الأَوَّلُ: قِسْمَانِ: لِلْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ فَلا رُجُوعَ إِلا لِلأَبِ والأُمِّ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَحُزْهُ الْمُتَوَلَّى عَلَيْهِ ... يعني: أن القسم الأول وهو المقيد ينقسم إلى قسمين: الأول: أن يراد به وجه الموهوب له وهو معنى قوله: (لِلْمَوَدَّةِ وَالْمَحَبَّةِ)، والثاني: أن يريد به وجه الله. وما ذكره من أنه لا رجوع للواهب للمودة والمحبة إلا للأب أو للأم هو مذهب مالك، ودليله ما رواه أبو داود عن حسين المعلم عن عمرو بن شعيب عن طاوس عن ابن عمر وابن

стр. 3860

عباس ﵃ عنه ﵇ قال: "لا يحل لرجل أن يعطي عطية أو يهب هبة فيرجع فيها إلا الوالد فيما يعطي لولده، ومثل الذي يعطي العطية ثم يرجع فيها كمثل الكلب يعود في قيئه" ورواه النسائي أيضاً، وقال أبو عمر: وصله حسين المعلم وهو ثقة. وتقاس الأم على الأب. وقيل: هو لعبد الملك قال: لا تعتصر الأم إذا حاز الهبة عنها له أبوه أو وهبه أو وهو إن كان يلي نفسه، قال: ويعتصر الأب؛ لأن أصل العصرة له، قال: وإنما تعتصر ما وهبت له إذا كانت هي التي تليه ولم تخرج الهبة عن يده. اللخمي: واختلف في اعتصار الأب إذا كان فقيراً، فقيل: له ذلك، ومنعه سحنون قال: وإنما يعتصر إذا كان الأب في حجره أو بائناً عنه وله مال كثير، وصح اعتصار الأم إذا كان للولد أب سواء كان الأب موسراً أو معسراً أو الابن موسراً، ويختلف إذا كان الابن والأب فقيرين قياساً على اعتصار الأب من الولد الفقير، ويصح اعتصار أم مع عدم الأب إن كان الاب موسراً، قاله أشهب في الموازية. ولا يصح إذا كان صغيراً فقيراً؛ لأنها حينئذٍ على وجه الصدقة، ويختلف إذا كان كبيراً فقيراً فعلى قول سحنون لا تعتصر، والمعروف من المذهب أنها تعتصر وإن كان صغيراً فقيراً ثم أيسر قبل البلوغ أو بعده لم يعتصر؛ لأن المراعى حين العطية هل كان على وجه الهبة أو الصدقة إن كان له أب يوم العطية، ولم تعتصر الأم حتى مات الأب كان لها أن تعتصر؛ لأنه لم تكن على وجه الصدقة، وفي الموازية: لا تعتصر، والأول أحسن؛ لأن المراعى يوم العطية. انتهى مختصراً. وَفِي إِلحَاقِ الْجَدِّ وَالْجَدَّةِ بِهِمَا رِوَايَتَانِ الإلحاق لمالك في الموازية؛ لأن الجد يطلق عليه أب، وعدم الإلحاق رواه ابن القاسم في المدونة؛ لأن الأصل عدم الرجوع ولا يتحقق دخولها تحت الحديث.

стр. 3861

وَلَوْ تَلِفَ الْمَوْهُوبُ أَوْ زَالَ مِلْكُهُ عَنْهُ أَوْ تَزَوَّجَتِ الْبِنْتُ أَوِ ادَّانَ الابْنُ لأَجْلِ الْهِبَةِ- وَقِيلَ: مُطْلَقاً- فَاتَ الرُّجُوعُ .... لما ذكر الاعتصار شرع في موانعه، وامتنع مع تلف الموهوب لفوات محل الاعتصار، وكذلك إن زال ملكه عنه؛ أي ببيع أو هبة أو غير ذلك. قوله: (أَوْ تَزَوَّجَتِ الْبِنْتُ) لعله خصصه للاتفاق عليها لما تعلق للزوج من الحق في مالها، وظاهر المذهب أن تزويج الابن كذلك، وهو مذهبه في الموطأ وبه قال ابن القاسم في العتبية من رواية عيسى، وهو ظاهر المدونة لقوله: كذلك إن بلغ الصغار ما لم ينكحوا. وقال ابن دينار: نكاح الذكر لا يمنع الاعتصار؛ لأنه دخل في أمر مخرجه بيده بخلاف الأنثى، والأظهر أن الأنثى أيضاً تعلقاً بمال الزوج بسبب النفقة والكسوة والسكنى؛ إذ ذلك كله على قدر ماله. وقوله: (أَوِ ادَّانَ الابْنُ) لعله خصصه؛ لأنه الذي يتصرف غالباً وإلاف لا فرق بين الابن والبنت في هذا. وقوله: (لأَجْلِ الْهِبَةِ) مفهومه أنه لو داينوه، لا لأجلها جواز الاعتصار كما لو كان الابن [٦٤٦/ب] موسراً أو يعلم أنه لم يداين للهبة، وهذا مذهب الموطأ ورواه مطرف وقال به، وبه قال ابن القاسم وأصبغ ومحمد. وقوله: (وَقِيلَ: مُطْلَقاً) وقيل الدين مطلقاً سواء كان لأجل الهبة أم لا يمنع الاعتصار، ونسبه صاحب البيان لابن الماجشون، والظاهر أن المراد بقوله: (أَوِ ادَّانَ لأَجْلِ الْهِبَةِ) أن يكون رب الدين قد قصد ذلك ولا يكفي قصد الولد، هذا مقتضى كلام اللخمي وغيره لقوله: وإن دويِن أو تزوج أو تزوجت البنت لأجل الهبة امتنع الاعتصار. قال محمد: ويمتنع الاعتصار إذا داينه الناس لأجلها، وإن كان أبو الحسن قال: انظر لو

стр. 3862

كانت الهبة كثيرة ولم تعلم الزوجة ولا الذي داينه بها هل يصح الاعتصار إذا لم ينكح لذلك ولا داين له؟ وَلَوْ مَرِضَ أَحَدُهُمَا فَكَذَلِكَ وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ مَرِضَ الأَبُ فَلَهُ، وَقَالَ أَيْضاً: فَلَيْسَ لَهُ، وَقَالَ: وَأَمَّا الابْنُ فَلا أَدْرِي ... أي: الواهب أو الموهوب له (فَكَذَلِكَ) أي: يفوت الاعتصار عند مالك وابن القاسم. قال في البيان: وهو المشهور؛ لأنه لو مرض الواهب فاعتصاره لغيره وهو الوارث، وإن مرض الموهوب له فقد تعلق حق ورثته به. وروى أشهب: إن مرض الأب فله الاعتصار دون العكس؛ لأن الاعتصار له قبل المرض فلا يزول به عملاً بالاستصحاب. ابن نافع: وللسيد أن ينتزع مال مدبره وأم ولده أقرَّا عنه على مال ولده وإن كان قد وهبه؛ لأن العبد ملك على ترقب والولد ملك حقيقة، وقدرة الأب على الاعتصار لا توجب ضعفاً في ملكه، فانظره. وَعَلَى إِفَاتَتِهِ لَوْ زَالَ، فَفِي عَوْدِ الرُّجُوعِ قَوْلانِ الضمير في (إِفَاتَتِهِ) وفي (زَالَ) يعود على المرض، والقول بعود الاعتصار لابن القاسم وأشهب والمغيرة وابن دينار وابن الماجشون. ابن القاسم: لأن المرض أمر لم يعامله الناس عليه فهو بخلاف النكاح والمداينة، والقول بعدم الاعتصار لمالك في الواضحة وقاله أصبغ. واختار اللخمي الأول، ولسحنون ثالث بعود الاعتصار بزوال ملك الأب دون الابن، أما لو حصل تزويج ثم زال فلا يعود الاعتصار، ولم يحكِ اللخمي في ذلك خلافاً. والفرق ما أشار إليه ابن القاسم كما ذكرناه؛ لأن مانعية النكاح والدين مانعية محققة، ألا ترى كيف اتفق عليها دون المرض.

стр. 3863

وَلَوْ وُهِبَ له عَلَى هَذِهِ الأَحْوَالِ فَفِي إِفَاتَتِهَا الرُّجُوعَ قَوْلانِ أي: لو وهب له وهو مزوج أو مديان أو مريض فقال ابن الماجشون: لا رجوع لها. وقال أصبغ: له الرجوع. اللخمي: قول ابن الماجشون ليس بحسن، وهكذا قال ابن عبد السلام: الأقرب صحة الاعتصار؛ لأن الموهوب له لم يدخل أحداً في عهدته بسبب الهبة. وَتَغَيُّرُ الأَسْوَاقِ لا يُفِيتُ هكذا نقل الباجي عن مطرف وابن الماجشون وأصبغ. ابن راشد: ولا يختلف فيه. وَفِي زِيَادَةِ عَيْنِهَا وَنُقْصَانِهَا قَوْلانِ أي: وفي تفويت الرجوع في الهبة بزيادة عينها ككبر الصغير وسمن الهزيل وانقضائها بعيب قولان. مطرف وابن الماجشون: لا يفيت، وأصبغ: يفيت. الباجي: وهو القياس من قول مالك وابن القاسم. واختار اللخمي أنه لا يفيت في النقص، قال: لأن مضرته على الواهب بخلاف الزيادة إلا أن يكون الأب هو المنفق على العبد وبماله نما. اللخمي: فإن كانت أمة فزوجها كان له أن يعتصرها على أحد القولين؛ لأن التزويج عيب. مالك وابن القاسم: وإن كانت العطية دنانير فضربها حلياً فليس له اعتصاره، وكذلك قال ابن الجلاب إذا خلط الدنانير بمثلها، واستقرأ من المدونة خلافه. وَلَوْ وَلدَتِ الأَمَةُ لَمْ يُعْتَصَرِ الْوَلَدُ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: إِلا بِفَوْرِ الْوِلادَةِ (لَمْ يُعْتَصَرِ) أي: وتعتصر الأم، وقد تقدم أن اللخمي ذكر أن مجرد التزويج يمنع الاعتصار على أحد القولين، وقال اللخمي: (إِلا بِفَوْرِ الْوِلادَةِ) أي: فيعتصر الولد، وما

стр. 3864

ذكره من اعتصار الأم بعد الولادة وقع لمالك في كتاب المدنيين. اللخمي: ولم يبين هل الولد من زوج أو من زنى. وَالْحَمْلُ مِنْهُ يُفِيتُ، وَفِي مُجَرَّدِ الْوَطْءِ قَوْلانِ أي: وإذا ولدت من الولد فات الرجوع؛ لأنها صارت أم ولد، وفي معنى ذلك لو كاتبها أو دبرها أو أعتقها إلى أجل. واختلف في مجرد الوطء، فمذهب المدونة وهو قول مالك وابن القاسم وأكثر الأصحاب يفيت وإن كان ثيباً. وقال المغيرة: لا يفيت وبه قال ابن الماجشون، قال: وتوقف حتى تستبرأ فإن حملت بطل الاعتصار، وعلى الأول فلو خلا الابن وادعى الوطء لم يعتصر، قاله يحيى بن عمر. ابن عبد السلام: والأقرب أن الخلاف مقصور على وطء الثيب وأن وطء البكر يتفق على التفويت به. الثَّانِي: مَا يَقْصِدُ بِهِ التَّقَرُّبَ إِلَى اللهِ مِنْ صِلَةِ رَحِمٍ أَوْ لِفَقِيرٍ أَوْ يَتِيمٍ أَوْ نَحْوِهِ فَلا اعْتِصَارَ فِيهِ لأَبٍ وَلا لأُمٍّ وَلا لِغَيْرِهِمَا لأَنَّهُ صَدَقَةٌ ... أي: الثاني من قسمي القسم الأول وهو المودة؛ يعني: ما قصد به التقرب إلى الله تعالى من صلة الرحم أو صلة أو صلة لفقير أو يتيم ونحوهما مما يدل على قصد التقرب إلى الله تعالى به، فلا رجوع في ذلك لأب ولا لأم؛ لأنه صدقة، وقد ورد النهي عن العود في الصدقة. واختلف إذا اشترط الرجوع في الصدقة، فقيل: لا رجوع؛ لأن سنتها عدم الرجوع، والذي قاله الباجي في وثائقه وابن الهندي: أن له ذلك. ابن الهندي: قال فضل: سنة الصدقة عدم الرجوع، قيل: وسنة الحبس عدم الرجوع وإذا اشترط المحبس بيعه كان له شرطه.

стр. 3865

فرع: ويلحق في الصدقة في عدم الارتجاع ما لو وهب هبة لوجه الله الكريم، قاله ابن الماجشون [٦٤٧/أ] مثل أن يكون له ابن أو ابنة محتاجاً فقيراً في حجره أو كبيراً بائناً عنه. وقال مطرف: من وهب هبة لله أو لوجه الله فله الاعتصار، وبالأول جرى العمل وبقول مطرف تعلم أن ما حكاه بعضهم من الاتفاق على عدم الرجوع في الهبة إذا أريد بها وجه الله ليس بجيد. وَلا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بِوَجْهٍ إِلا بِمِيرَاثٍ الضمير في تملكها عائد على الصدقة. وظاهر قوله: (وَلا يَنْبَغِي) الكراهة وهو ظاهر المدونة لقوله في الزكاة: (وأكره للرجل شراء صدقته)، والأصل فيه قوله ﵇ لعمر في الفرس الذي تصدق به: "لاَ تَشْتَرِهِ وَلَوْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ". اللخمي: ومشهور المذهب حمل النهي على الندب، وحمله الداودي على التحريم. وتخصيصه الصدقة يدل على الجواز في الهبة وهو قول مالك في الموازية، وكره ذلك عبد الوهاب في الصدقة وأنه لا يشتريها ممن حصلت له من المتصدق عليه. وَلا يَاكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَلا يَرْكَبُهَا قال في المدونة: ومن تصدق على أجنبي بصدقة لم يجز له أن يأكل من ثمرها ولا يركبها ولا ينتفع بشيء منها، وأما الأب والأم إذا احتاجا فينفق عليهما ما تصدقا على الولد. وفي المدونة أيضاً: ومن تصدق على ابنه الصغير بجارية تبعها نفسه فلا بأس أن يقومها على نفسه ويشهد ويستقصي للابن، وفرض المسألة في العتبية في العبد. ابن رشد: وهو في الجارية أعذر. وقال ابن المواز: للرجل أن يأكل من لحم غنم تصدق بها على ابنه ويشرب من لبنها ويكتسي من صوفها إذا رضي الولد وكذلك الأم.

стр. 3866

محمد: وهذا في الولد الكبير، وأما الصغير فلا يفعل، قاله مالك. وقوله: (وَلا يَاكُلُ مِنْ ثَمَرِهَا وَلا يَرْكَبُهَا) ظاهره أنه لا ينتفع مطلقاً. وفي الرسالة: ولا بأس أن يشرب من لبن ما تصدق به. أبو الحسن: وظاهره خلاف المدونة. وفي المعونة: إلا أن يشرب من ألبان الغنم يسيراً أو يركب الفرس الذي جعله في السبيل وما أشبه ذلك مما يقل خطره. وقيل: معنى ما في الرسالة إن كان بحيث لا ثمن له، وقيل: يحمل ما في الرسالة على ما ذكره ابن المواز وقد تقدم. وقال ابن عبد السلام: يعني لا ينتفع بما تصدق برقبته، وأنه إذا تصدق بحائط فلا يأكل من ثمره وإذا تصدق بدابة فلا ينتفع بركوبها، وفي ذلك قولان أشهرهما الجواز لحديث العرايا، وقال عبد الملك: لا ينتفع بذلك. خليل: وفيه نظر؛ لأن الجواز خلاف ظاهر المدونة. وَأَمَّا الْمُطْلَقُ فَيُحْمَلُ عَلَى مَا يَتَّفِقَانِ عَلَيْهِ هذا هو القسم الثاني منأصل تقسيم الهبة حيث قال: (وَالْهِبَةُ قِسْمَانِ). وسمي مطلقاً؛ لأنه لم يقيد بنفي ثواب ولا بوجوده فيحمل على ما يتفقان عليه، فإن اتفق الواهب والموهوب له على الثواب أو على عدمه عمل عليه. وَإِذَا اخْتَلَفَا حُكِمَ بِالْعُرْفِ مَعَ الْيَمِينِ فَإِنْ أَشْكَلَ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الْوَاهِبِ مَعَ يَمِينِهِ نحوه في الجواهر والجلاب، ولفظ الجلاب: ومن وهب هبة مطلقة وادعى أنه وهبها للثواب نظر في ذلك وحمل على العرف فيه، فإن كان مثله يطلب الثواب على هبته قبل قوله مع يمينه، وإن كان مثله لا يطلب الثواب على هبته فالقول قول الموهوب له مع

стр. 3867

يمينه، وإن أشكل ذلك واحتمل الوجهين فالقول قول الواهب مع يمينه وألزمه اليمين سواء شهد العرف أم لا. عياض: وهكذا في بعض نسخ المدونة ذهب ابن زرب وأبو عمران إلى نفي اليمين إذا شهد له العرف. وفي المقدمات: وإن لم يتبين أنه أراد بهبته مجرد الثواب دون مكافأة أو قصد الوجهين جميعاً، وذلك مثل هبة النظراء والأكفاء من أهل الوفر والغنى. ففي المدونة: القول قول الواهب. واختلف الشيوخ في تأويلها هل بيمين أو بغيرها، قال: وأرى أنه على ثلاثة أوجه: إن قال الواهب: أردت الثواب ولم أشترط، فعلى الخلاف في يمين التهمة وله الثواب، وأما على القول الذي لا يوجب عليه اليمين في التهمة فلا يحلف بوجه، وإنقال: اشترطت عليك الثواب، وقال الموهوب له: بل بينت ألَّا ثواب، فالقول للواهب مع يمينه بنفي الثواب وذلك راجع إلى الموهوب أو الموهوب له، فالأولى كهبة الدنانير والدراهم فالهبة مردودة. وقال في المختصر: لا ثواب له إلا أن يكون لذلك وجه كالسبائك والحلي المكسور فإن ابن القاسم نص على نفي الثواب فيهما، وجعل ابن القاسم الحلي الصحيح مما يثاب عليه خلافاً لأشهب، والثاني كهبة أحد الزوجين للآخر فإنه لا ثواب بينهما على مذهب المدونة، ففيها: ولا يقضي بين الزوجين بثواب ولا بين ولد ووالده إلا أن يظهر ابتغاء الثواب بينهم؛ كالزوجة تهب لزوجها جارية فارهة تسألها إياه لما تستجلبه من صلته، أو الزوج يهبها والابن لما يستقر من أبيه، فلذلك حكم بنفي الثواب ولو اشترطا ثواباً لزمهما، وكذلك نص فيه على الهبة في حق الأقارب أنه لا رجوع إذا علم أنه لا يريد الثواب، وأنَّى له الثواب إن علم أنه أراده.

стр. 3868

وحكى في المقدمات في الأقارب والزوجين قولين: الأول: أنه لا يصدق في الثواب إلا أن يشترطه، وروي عن مالك أيضاً وبه قال ربيعة والليث، والثاني: أنه يصدق وإن لم يظهر ما يدل على صدقه، حكاه صاحب [٦٤٧/ب] المعونة وكهبة الطعام، ونحوه للقادم في سفر، ففي المدونة: وإذا قدم غني من سفره فأهدى له الفقير الفاكهة والرطب وشبهه ثم قام يطلب الثواب فلا شيء له، ولا له أخذ هبته وإن كانت قائمة بعينها. وقال ابن عبد الحكم: يجب الثواب في المهدى للمسافر. اللخمي: وهو أبين والشأن الثواب؛ لأن الناس على ضربين: منهم من لا يتكلم على ذلك وإن لم يطلب فهما إن وقع بينهما بعد ذلك مقابحة على الهبة لم يكن له شيء. ومنهم من يتكلم على الثواب فيقضى له به. ونص ابن العطار على أنه يقضى بالثواب فيما يهدونه في إعسارهم من الجزاف ونحو ذلك. الباجي: قضى قضاة بلدنا: فيقضى للمهدي بقيمة الكباش وبوزنها إن علم وزنها ويقاصه بما أكل عنده ومن جاء معه، وكهبة غني لفقير أو فقير لغني فلا يصدق في الثواب إذا لم يشترطه، بخلاف هبة الغني لغني أو فقير لفقير فيصدق في الثواب، قاله في المدونة. وَلا يَلْزَمُ الْمَوْهُوبَ إِلا قِيمَتُهَا قَائِمَةً أَوْ فَائِتَةً. وَقَالَ مُطَرِّفٌ: لِلْوَاهِبِ أَنْ يَابَى إِنْ كَانَتْ قَائِمةً ... يعني: أن هبة الثواب إن فاتت لم يلزم الموهوب إلا قيمتها، وإن كانت قائمة فالمشهور أن الموهوب له إذا دفع قيمتها لزم الواهب قبولها. وقال مطرف: له أن يمتنع من قبول القيمة وأكثر؛ لأنه لو أراد قيمته أو أكثر لباعها في السوق، وللموهوب له أن يردها إلا أن تفوت.

стр. 3869

واختلف بما تفوت في حق الموهوب له حتى تلزمه القيمة على أربعة أقوال: أولها: القبض، رواه ابن الماجشون عن مالك. ثانيها: حوالة الأسواق، وهو قول ابن القاسم في الموازية. ثالثهاً: الزيادة أو النقصان، قاله ابن القاسم في المدونة. الباجي: وهو المشهور. ورابعها: النقص فقط، رواه عيسى عن ابن القاسم في العتبية. واختلف أيضاً في فواتها بالنسبة إلى الواهب حتى تلزمه القيمة على خمسة أقوال: أولها: مجرد الهبة على قول محمد الذي يقول: إنه يلزمه دفع الهبة وإن لم يقبض الثواب. ثانيها: القبض وهو المشهور. ثالثها: التغيير بالزيادة والنقصان في كتاب الشفعة من المدونة. رابعها: النقصان فقط، قاله أشهب. خامسها: لا تفوت إلا بذهاب عينها أو العتق ونحوه، فإن تلف بعضها فللآخذ الباقي، قاله مطرف. ومن هذا المعنى اختلافهم متى تكون القيمة؟ فلمالك قولان: يوم القبض، ويوم الهبة، ومذهب محمد واختيار محمد يوم القبض، فعلى أن ضمانها من البائع تكون القيمة في السلعة الموهوب يوم القبض، وعلى القول بأن ضمانها من المبتاع تكون القيمة قيمتها يوم الهبة، وهو اختيار ابن القاسم وابن المواز، وهذا على القول بأن للواهب أن يمسك هبته حتى يأخذ الثواب وعلى القول بأنه ليس له أن يمسكها ويلزمه دفعها بخلاف البيع بضمانها بعقد الهبة من الموهوب له ولا يدخلها ما يدخل الحبوسة بالثمن. انتهى. والقول بأنه يحبسها حتى يأخذ الثواب هو مذهب المدونة، ومقابله لمحمد وعلل ذلك بأنها مبنية على المكارمة.

стр. 3870

وَفِي تَعْيِينِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ ثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: إِلا فِي الْحَطَبِ وَالتِّبْنِ وَشِبْهِهِ القول بتعيين الدنانير والدراهم لأشهب، والقول بأنها لا تتعين ويلزم الواهب قبول ما دفعه الموهوب له مما فيه وفاء بالقيمة لسحنون. والثالث لابن القاسم: لا تتعين ولا أن يثيبه ما شاء إلا ما كان كالحطب والتبن والعبد والمخدم ما لم تجر العادة أن يثاب بمثله وهو الأقرب؛ لأن العرف كالشرط. وهل يعتبر فيما بين الهبة وعرضها السلامة من الربا؟ اعتبر ذلك في المدونة فمنع أن يعرض من الحلي دراهم ومن الطعام طعاماً مخالفاً ومن الثياب ثياباً أكثر منها من نوعها، وأجاز في الموازية كثيراً من هذا المعنى. وَلَيْسَ لَهُ الرُّجُوعُ فِي الثَّوَابِ بَعْدَ تَعْيِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَقْبِضْ لأنه التزمه بعينه. وَإِذَا صَرَّحَ بِالثَّوَابِ فَإِنْ عَيَّنَهُ فَبَيْعٌ كما لو قال: أهبها لك بمائة دينار، ولا خفاء فيه. وقال: (بَيْعٌ) ولم يقل بـ "حائز"؛ ليعلم أنه يشترط في ذلك شروط البيع كالرد بالعيب. وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ فَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ، وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ لِلْجَهْلِ بِالثَّمَنِ أي: وإن وهبه بشرط الثواب ولم يسمِّه فأجازه ابن القاسم في المدونة وقاله أصبغ. الباجي: وهو أولى؛ لأن العرف كالشرط، ولأنه مبني على المكارمة، فملا أخذ شبهاً من ناحية المعروف لم يحتج إلى حيازة. وقوله: (وَمَنَعَهُ بَعْضُهُمْ) هو ابن الماجشون؛ أي: لأنه كبائع سلعة بقيمتها، وذلك جهل بالثمن.

стр. 3871

اللُّقَطَةُ: كُلُّ مَالٍ مَعْصُومٍ مُعَرَّضٍ لِلضَّيَاعِ فِي عَامِرٍ أَوْ غَامِرٍ اللقطة- بفتح القاف وضم اللام- ما التقط، هكذا استعمله الفقهاء. وقياس هذا أن يكون ممن يكثر منه الالتقاط كالهمزة والضحكة، وفسرها الزبير على الأصل: اللقطة- بفتح القاف وسكونها- ما التقط. وحكى ابن الأثير القولين، قال: والأول أصح. عياض: الالتقاط وجود الشيء من غير طلب. وقول المصنف: (كُلُّ مَالٍ .. إلخ) كلية تعرف به اللقطة، واحترز بالمعصوم من غيره كمال الحربي وبمعرض للضياع مما هو في حفظ، والغامر- بالغين المعجمة- ضد العامر، ولا يقال تخرج منه الشاة الملتقطة في الصحراء لأنها غير معصوم، إذ لآخذها [٦٤٨/أ] أكلها من غير ضمان، لأنا نقول: المراد بالمعصوم في الأصل والشاة كذلك، ولأن إطلاق اللقطة عليها مجاز. وَلا يَلْتَقِطُ الإِبلَ فِي الصَّحْرَاءِ لما في الموطأ والصحيحين: سئل ﵇ عن لقطة الذهب والفضة فقال: "اعرف عفاصها ووكاءها ثم عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستبقها ولتكن وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر فأدِّها إليه". وسئل عن ضالة الإبل فقال: "ما لك ولها، دعها فإن معها حذاءها وسقاءها ترد الماء وتشرب الماء حتى يجدها ربها". وسأله عن الشاة فقال: "خذها فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب" وفي رواية حماد بن سلمة عند مسلم: "فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ووكاءها فأعطها إياه، وإلا فهي لك" وعنده أيضاً من حديث سفيان وزيد بن أنيسة وحماد بن سلمة في حديث آخر: "فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها فأعطها إياه". وقوله: "وسقاءها" هي استعارة لصبرها عن الماء كمن حمل معه سقاء. والحذاء- بالحاء المهملة والذال المعجمة ممدوداً- ما وطأ عليه البعير من خف والفرس من حافر. قاله الجوهري وعياض. وهي استعارة لصبرها على المشي كمن لبس الحذاء.

стр. 3872

وأشار ابن شهاب إلى أن الإبل لم تزل على ما ذكره في الحديث من عدم التقاطها إلى زمان عثمان ﵁ فأمر بتعريفها ثم تباع، فإن جاء صاحبها أعطي الثمن لفساد الناس حينئذ. واختلف هل تلتقط حين لا يؤمن عليها السباع؟ مالك وابن القاسم وأشهب: إن كان الإمام عدلاً أخذت ودفعت إليه ليعرفها، وليس للملتقط أكلها ولا بيعها، فإن لم تعرف ردها حيث وجدها. ابن القاسم: وهو رأي على ما روي عن عمر ﵁. قال مالك مرة فيمن وجد بعيراً ضالاً: فليأت به الإمام يبعه ويجعل ثمنه في بيت المال. وقال في مدونة أشهب: يباع ويوقف ثمنه حتى يأتي ربه، فإن يئس منه تصدق به عنه كما جاء عن عثمان ﵁. قالوا: وإن كان الإمام غير عدل لم تؤخذ وتركت مكانها. انتهى. وفي المقدمات بعد أن ذكر عدم التقاط الإبل: قيل: إن ذلك في جميع الأزمان. وهو ظاهر قول مالك في المدونة والعتبية. وقيل: بل هو خاص بزمان العدل وصلاح الناس، وأما في الزمان الذي فسد فيه الناس فالحكم فيه أن تؤخذ وتعرف، فإن لم تعرف بيعت ووقف ثمنها لصاحبها، فإن لم يأت ويئس منه تصدق به عنه على ما فعله عثمان ﵁. ابن عبد السلام: وصحيح مذهب مالك عدم التقاطها مطلقاً. وقوله: (فِي الصَّحْرَاءِ) نحوه في المدونة فيحتمل ألا يكون له مفهوم، وأنه خرج مخرج الغالب، ويحتمل أن يكون له مفهوم وهو محتمل للموافقة؛ لأنه إذا امتنع التقاطها حيث يتوهم ضياعها فامتناعها حيث لا يتوهم ضياعها أولى، ومحتمل للمخالفة فيكون معناه أنها تلتقط في العمران لسهولة وجدان ربها له بخلاف ما إذا نقلها من الصحراء إلى العمارة فلا يتأتى معرفة ربها، ولأنها في العمران لا تجد ما تأكل فتهلك. ابن عبد السلام: والأول أسعد لظاهر المذهب، والثاني أقرب إلى لفظه، وإلا لقال لا تلتقط الإبل وسكت عن الصحراء.

стр. 3873

وَفِي إِلْحَاقِ الْبَقَرِ وَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ ثَالِثُهَا لابْنِ الْقَاسِمِ: تُلْحَقُ الْبَقَرُ دُونَهَا القول بالإلحاق لأشهب، قال: لا تؤخذ البقر والبغال والحمير، وإن أخذها عرفها سنة ثم تصدق بها. وقال ابن شعبان: لا تلحق البقر وتؤكل، وعلى هذا فتلتقط الخيل والحمير ويعرف ما قاله في المدونة. والثالث مذهب المدونة، قال فيها: وضالة الإبل إن كانت بموضع يخاف عليها فهي كالشاة وإن كانت بموضع لا يخاف عليها من السباع والذئاب فكالإبل، فإن وجد الخيل والبغال والحمير فليعرفها، فإن جاء ربها أخذها، وإن لم يأت تصدق بها. وَيُلْتَقَطُ الْكَلْبُ، وَالْمَتَاعُ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ، وَالْمَطْرُوحُ خَوْفَ الْغَرَقِ، وَبِالْفَلاةِ لِعدْمِ الرَّاحِلَةِ لأَرْبَابِهَا وَعَلَيْهِمْ أُجْرَةُ مِثْلِهِ ... يريد: المأذون في اتخاذه، وأما غيره ففي المدونة: لا شيء على قاتله فكيف يلتقط. وقوله: (لأَرْبَابِهَا) قد تقدم في هذا خلاف في باب الزكاة وعليهم أجرة حمله إن شاءوا أخذه وإن شاءوا تركه لواجده لم يلزمهم شيء. وَالالْتِقَاطُ حَرَامٌ عَلَى مَنْ يَعْلَمُ خِيَانَةَ نَفْسِهِ، وَمَكْرُوهٌ لِلْخَائِفِ، وَفِي الْمَامُونِ الاسْتِحْبَابُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالاسْتِحْبَابُ فِي مَا لَهُ بَالٌ، والوُجُوبُ إِنْ خَافَ عَلَيْهَا الْخَوَنَةَ يعني: أن حكم اللقطة يختلف بحسب الملتقط، وجعل الأقسام ثلاثة: أولها: أن يعلم من نفسه الخيانة إن أخذها فيكون التقاطه عليه حراماً. وثانيها: أن يخاف على نفسه أن يستقرئ الشيطان أن يأخذها ولا يتحقق ذلك فيكون التقاطه له مكروهاً. وثالثها: أن يتق بأمانة نفسه. ثم قسم هذا على قسمين:

стр. 3874

الأول: أن تكون بين ناس لا بأس بهم ولا يخاف عليه الخونة. والثاني: أن يخاف عليها، فإن خافهم وجب عليه الالتقاط لقدرته على حفظ مال أخيه. وحكي على ذلك الاتفاق، وإن لم يخف فثلاثة أقوال وهي كلها لمالك: الاستحباب لأن تعريفها ينبه لها ربها، والكراهة لأن صاحبها قد يأتي إليها ويذكر موضعها فيأتي إليه فإذا لم يجدها لا يطلبها. وقوله في القول الثالث: (الاسْتِحْبَابُ فِي مَا لَهُ بَالٌ) [٦٤٨/ب] فتركه أفضل. وقيد ابن رشد هذا الخلاف بأن يكون الإمام عدلاً، وإن كان الإمام غير عدل وكانت بين قوم مأمونين فالاختيار ألا يأخذها اتفاقاً، وإن كانت بين قوم غير مأمونين فيخير بين أخذها وتركها بحسب ما يغلب على ظنه من أحد الطرفين. فَإِنْ أَخَذَهَا لِيَحْفَظَهَا ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَ قال: (لِيَحْفَظَهَا)؛ لأنه لو أخذها ليسأل عنها من بين يديه لم يضمن كما في المدونة في واجد الكساء بأرفقة فأخذها وصاح: أهذا لكم؟ فقالوا: لا. فرده، قال: قد أحسن في رده ولا يضمن. عياض: ولا خلاف في مسألة الكساء إذا ردها في الحين. وقوله: (ثُمَّ رَدَّهَا ضَمِنَ) ظاهره سواء ردها في القرب أم لا، أما إن لم يردها عن قرب فمذهب ابن القاسم أنه يضمن وإليه ذهب عبد الوهاب، وقال أشهب: لا ضمان عليه وإن مكث في يده، وأما إن ردها بالقرب ففيه أيضاً خلاف. لكن اختلف تأويل الشيوخ هل يوافق ابن القاسم قول أشهب هنا أو يقال بالضمان مطلقاً؟

стр. 3875

وَهِيَ أَمَانَةٌ مَا لَمْ يَنْوِ اخْتِزَالَهَا فَتَصِيرُ كَالْمَغْصُوبَةِ يعني: فيضمن ولو فاتت بسماوي، ويصدق ولا يلزمه الإشهاد عليها حالة التقاطها خلافاً لبعض الحنفية. وَيَجِبُ تَعْرِيفُهَا سَنَةً عَقِبَهُ فِي مَظَانِّ طُلابِهَا فِي الْجَوَامِعِ وَالْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ، أَوْ يَسْتَاجِرُ مِنْهَا إِنْ كَانَ مِثْلُهُ لا يُعَرِّفُ ... (عَقِبَهُ) أي عقب الالتقاط، وظاهره لو أخر التعريف لضمن، وفي اللخمي: إن أمسكها سنة ولم يعرفها ثم عرفها فهلكت ضمنها. انتهى. وينبغي ألا يتقيد بالسنة. وقوله: (فِي الْجَوَامِعِ)؛ هو بدل من قوله: (فِي مَظَانِّ طُلابِهَا) وظاهره أن التعريف يكون فيها، ولعل ذلك مع خفض الصوت، ويحتمل أن يكون على حذف مضاف، أي في باب الجامع والمساجد وهو أحسن، أما أولاً فلأنه كذلك في المدونة وغيرها؛ وأما ثانياً فلأن في مسلم عنه ﵇: "من سمع رجلاً ينشد ضالة في المسجد فليقل: لا ردها الله عليك، فإن المساجد لم تبن لهذا" ولهذا قال مالك في العتبية: لا أحب تعريف اللقطة في المساجد. فرع: وإن وجدها بين مدينتين عرفها فيهما. ابن القاسم: وإن وجدت بقرية ليس فيها إلا أهل الذمة فليدفع لأحبارهم. وقوله: (فِي كُلِّ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ) أي: مرة. هكذا روى ابن نافع عن مالك. ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون أكثر من ذلك في أول تعريفه. اللخمي: واختلف عن مالك هل يسمي جنس اللقطة إذا أنشدها أو لا يسمي أحسن، ويلفق ذكرها مع غيرها؟

стр. 3876

وهو مخير بين أربع: بين أن يعرفها بنفسه أو يدفعها إلى السلطان إذا كان عدلاً، أو إلى مأمون يقوم مقامه أو يستأجر منها من يعرفها فجائز أن يعرفها للحديث. وأجاز له في المدونة أن يدفعها إلى السلطان، وأجاز ابن القاسم في العتبية أن يدفعها إلى المأمون يعرفها، وأجاز ابن شعبان أن يستأجر منها عليها يريد إذا لم يلزم تعريفها وكان مثله لا يلي مثل ذلك، يعني فإن كان مثله ممن يتولى ذلك لم يستأجر عليها إلا من مال نفسه لأنه بالتقاطه كالملتزم لتعريفها، وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (بِنَفْسِهِ أَوْ بِمَنْ يَثِقُ بِهِ إِنْ كَانَ مِثْلُهُ لا يُعَرِّفُ). فإن قلت: لم جاز له هنا أن يستنيب فيها ولم يجز في الوديعة والمقصود فيهما الحفظ؟ قيل: رب اللقطة لم يعن الملتقط الحفظ بخلاف المودع. ابن كنانة: وإذا دفعها لغيره وقال له اعمل بها ما شئت. الباجي: وقد أعلمه أنها لقطة فإن ادعى الملتقط ضياع اللقطة فقال ابن القاسم: لا شيء عليه. وقال أشهب وابن نافع: عليه اليمين. أشهب: وإن ادعى صاحبها أنه التقطها ليذهب بها فالقول لملتقطها أنه أخذها للتعريف بلا يمين، والله أعلم. وَلَهُ أَنْ يَتَمَلَّكَهَا بَعْدَهَا أَوْ يَتَصَدَّقَ بِهَا ضَامِناً لَهَا. قَالَ الْبَاجِيُّ: إِلا مَكَّةَ فَلا تُمْلَكُ لُقَطَتُهَا لِلْحَدِيثِ، وَالْمَذْهَبُ خِلافُهُ، أَوْ يُبْقِيَهَا أَمَانَةً أي: وللملتقط أن يتملك اللُّقَطَة بعد سنة أو يتصدق بها ضامناً لها، أي إن جاء صاحبها فظاهر كلامه أنه مخير، وبذلك صرح في الجلاب. ابن عبد السلام: ونصوص المذهب على رجوحية التمليك، وربما وقع المنع من ذلك؛ لأن المراد من الملتقط أن يتصرف فيها. انتهى.

стр. 3877

قيل: وظاهر المدونة الكراهة لقوله: لا آمره بأكلها قلَّت أو كثرت ولا يتجر باللقطة بالسنة ولا بعد السنة أيضاً كالوديعة. وقال ابن القصار: يكره أن يملكها غنياً أو فقيراً فإن أكلها جاز. اللخمي: وقال ابن شعبان: له ذلك إن كان غنياً بمثلها. وقال ابن وهب: إن كانت قليلة وكان فقيراً أكلها. والذي يقتضيه قول ابن القاسم في المدونة أن له أن يستمتع بها غنياً كان أو فقيراً. وذكر في الاستذكار أن تحصيل المذهب جواز الأكل للفقير والغني، وقال: وعليه يناظر أصحابه للحديث: "شأنك بها بعد السنة" ولم يفرق بين الفقير والغني. وقوله: (وَقَالَ الْبَاجِيُّ: إِلا مَكَّةَ) ابن عبد السلام: نحوه للّخمي وابن رشد وابن العربي ومذهب الداودي. والحديث المشار إليه في الصحيحين أنه ﵇ قال: "لا تحل لقطتها إلا لمنشِد" يعني: على الدوام، وإلا فلا فائدة لتخصيصه، قاله الباجي. وحفظ هؤلاء للمذهب معلوم، غير أن ابن القصار حكى عن المذهب كما حكى المصنف، وأياً ما كان [٦٤٩/أ] فموافقة الحديث واجب لصحته، وهو خاص وغيره من أحاديث هذا الباب عام. خليل: وفيما حكاه اللخمي نظر؛ لأن الذي فيه بعد ذكر نقل ابن القصار: ومذهب الشافعي أبين للحديث وللقياس وليس في هذا الاختيار مذهب الغير فاعلمه. وقوله: (أَوْ يُبْقِيَهَا أَمَانَةً) هو معطوف على أول المسألة وهو قوله وله أن يتملكها بعد أن يتصدق بها. وَأَمَّا التَّافِهُ فَلا يُعَرَّفُ يعني: أن التعريف بالسنة يختص بالكثير، وأما القليل الذي لا يفسد فإن كان تافهاً لا قدر له بحيث يعلم أن صاحبه في العادة لا يتبعه لقلته فلا يعرف أصلاً. قال في البيان:

стр. 3878

كالعط والسوط وشبه ذلك لما صح من حديث أنس ﵁ أنه ﵇ مر بثمرة بالطريق فقال: "لولا أني أخاف أن تكون من الصدقة لأكلتها". وقال المصنف: لا يعرف؛ لأنه يؤخذ منه أنه لا ضمان عليه، ولم يقل فله أكله لأنه لا يلزم من الأكل نفي الضمان. وَأَمَّا مَا فَوْقَهُ مِنْ نَحْوِ مِخْلاةٍ وَدَلْوٍ فَقِيلَ: يُعَرَّفُ أَيَّامَ مَظَنَّةِ طَلَبِهِ، وَقِيلَ: سَنَةً كَالْكَثِيرِ .... (فَوْقَهُ) أي: فوق التافه ودون الكثير مما يشح به صاحبه ويطلبه. ابن رشد: ولا خلاف في وجوب تعريفه، إلا أنه يختلف في حده فقيل: سنة كالذي له بال وهو ظاهر رواية ابن القاسم في المدونة. وقيل: لا يبلغ به الحول وهو قول ابن القاسم من رأيه في المدونة، وروى عيسى عن ابن وهب في العتبية في مثل الدريهمات والدينار أنه يعرف بذلك أياماً، وقال: ظاهر رواية ابن القاسم لقوله من التقط دنانير أو دراهم أو حلياً مصوغاً أو عروضاً أو شيئاً من متاع أهل الإسلام فليعرفه سنة وإن جاء صاحبها، وإلا لم آمره بأكلها كثرت أو قلت درهماً فصاعداً. ابن عبد السلام: وتأوله بعضهم على القول الأول من كلام المصنف وهو الذي عليه الأكثر من أهل المذهب وغيرهم. وَأَمَّا مَا يَفْسُدُ كَالطَّعَامِ فَإِنْ كَانَ فِي قَرْيَةٍ أَوْ فِي رُفْقَةٍ فِيهِ قِيمَةٌ فَثَالِثُهَا: يَضْمَنُ إِنْ أَكَلَهُ وَلا يَضْمَنُ إِنْ تَصَدَّقَ بِهَا، وَإِلا أَكَلَهُ بِغَيْرِ شَيْءٍ يعني: إن التقط ما يفسد بالتأخير كالفاكهة واللحم، فإن كان هذا الطعام في قرية أو رفقة له فيه قيمة فثلاثة أقوال: الأول: يضمنها سواء أكله أو تصدق به وهو ظاهر قول أشهب لأنه قال يبيعه ويعرف به.

стр. 3879

الثاني: لا ضمان عليه مطلقاً قاله صاحب المقدمات وغيره وهو ظاهر المدونة لقوله يتصدق به أعجب إلي فإن أكله فلا شيء عليه. والثالث: يضمن إن أكله لانتفاعه به ولا يضمنه إن تصدق به قاله مطرف في الواضحة. وإن لم يكن في قرية ولا رفقة- وإليه أشار بقوله وإلا أكله غنياً كان أو فقيراً ولا ضمان عليه قياساً على الشاة. وَالشَّاةُ بِمَكَانٍ يُخْشَى عَلَيْهَا وَيَعْسُرُ حَمْلُهَا كَذَلِكَ أي: الشاة كالطعام في التفصيل، والخلاف بشرطين: أولهما: أن تكون بمكان يخشى عليها كالفوات بخلاف ما إذا كانت بقرية أو بالقرب منها فإنها تعرف في أقرب القرى إليها، قاله في المدونة. وثانيهما: أن يعسر حملها إلى العمارة لقوله ﵇: "هي لك أو لأخيك أو للذئب" وعلى هذا فحكم الشاة والطعام متفق إذا وجد بالبعد مختلف إذا وجد بالقرب من العمارة إذ بها تعرف الشاة. وتقدم أن ظاهر المدونة نفي الضمان. وقال سحنون: إن أكل الشاة واجدها بالفلاة أو تصدق بها ثم جاء صاحبها ضمنها. واختاره ابن عبد البر واستدل بقول مالك فيمن اضطر إلى طعام غيره أنه يأكله ويضمنه، وقال: والشاة الملتقطة أولى بذلك. وإذا فرعنا على المشهور فلو ذبحها بالفلاة ثم أتى بلحمها أكله غنياً كان أو فقيراً. أصبغ: ويصير لحمها وجلدها مالاً من ماله ولا ضمان عليه في ذلك إلا أن يجده صاحبه بيديه فيكون أحق به، وإن أتى بالشاة من الفلاة إلى العمارة فلها حكم اللقطة يعرفها وإن أتى ربها أخذها. اللخمي: يريد ويعطيه أجر نقله. قال في المدونة: ويغرم ما أنفق عليها وعلى الفقر والقياس ألا شيء له في الشاة وإن كانت حية لأنه نقلها بعد أن ساغ له تملكها ولولا ذلك لم ينقلها.

стр. 3880

ووقع في العتبية فيمن قدم بالطعام والإدام إلى العمران أنه يضمنه. ابن يونس: فعلى هذا يضمن اللحم إن أكله خلافاً لأصبغ. وَأَمَّا مَنَافِعُهَا وغَلَّاتُهَا وَحِلابُهَا فَقَالَ مَالِكٌ: لَهُ الْحِلابُ وَلا يُتْبَعُ إِلا بِهَا وَبِنَسْلِهَا، وَقِيلَ: إِلاأَنْ يَكُونَ لَهُ ثَمَنٌ ... هكذا في بعض النسخ وسقط من بعضها أو غلاتها، وعلى النسختين فعطف الحلاب من باب عطف الخاص على العام. وما نسبه لمالك رواه عنه ابن نافع في الرجل يكون في غنمه وباديته فيجد شاة بفلاة من الأرض فلاه حلابها ولا يتبع إن جاء ربها إلا بها وبنسلها. قال: ويحبسها سنة فإن ذبحها قبل السنة ضمنها لربها إلا أن يخاف فوتها فيذبحها فلا شيء عليه إلا أن يقدر على بيع لحمها. والقول الثاني لمطرف قال: أما اللبن والزبد فإما بموضع يكون لذلك ثمن فليبع ويصنع بثمنه ما يصنع بثمن لبنها، وإن كان لربها قيام وعلوفة فله أن يأكل منها بقدر ذلك، وإما بموضع لا ثمن له فليأكله. مطرف: وأما الصوف والسمن فليتصدق به أو بثمنه. وَلَهُ أَنْ يُكْرِيَ الْبَقَرَ وَغَيْرَهَا فِي عُلُوفَتِهَا كِرَاءً مَامُوناً، وَلَهُ أَنْ يَرْكَبَ الدَّابَّةَ إِلَى مَوْضِعِه، ثُمَّ إِنْ رَكِبَهَا بَعْدُ ضَمِنَهَا ... هكذا روى ابن حبيب عن مطرف [٦٤٩/ب] وأصبغ، وكان له أن يكري لأن علفها غير واجب عليه وبقاؤها كذلك يضر بها وكان من المصلحة كراؤها، ولهذا لا يكريها إلا بقدر ما يدفع به الضرورة لا أزيد، ويشترط أن يكون ما تكرى فيه من العمل مأموناً وكان له أن يركبها لموضعه، لأ، قوده يعسر وضمن إذا ركبها بعد ذلك لتعديه.

стр. 3881

وَلَهُ بَيْعُ مَا يَخَافُ ضَيْعَتَهُ بِغَيْرِ إِذْنِ الْحَاكِمِ بِخِلافِ مَا لا مُؤْنَةَ فِي بَقَائِهِ قوله: (بِخِلافِ) يحتمل وجهين: أولهما: فليس له بيعه مطلقاً. ثانيهما: فله البيع بإذن الحاكم. ففيه احتمال، على أن ما ذكره المصنف لا يوجب قولاً مستقلاً بل بالتلفيق لأن مذهب ابن القاسم في المدونة أن اللقطة إذا بيعت بعد السنة فليس لربها إذا جاء أن يفسخ البيع ولو بيعت بغير إذن الإمام، ولربها أخذ الثمن ممن قبضه، ولم يفصل مذهب أشهب في العتبية إن باعها بغير أمر السلطان بعد السنة فلربها نقض البيع، والآن لم يقدر فلا شيء له إلا الثمن إن باعها خوفاً من الضيعة. وإن باع الثياب وما لا مؤنة في بقائه ولا ضرورة له إلى ذلك فربه أحق به إن وجده بيد المبتاع، فإن لم يجده فله إن شاء الثمن من البائع أو القيمة يوم بيعه. قال: وكلما بيع من هذا بأمر السلطان مضى البيع وليس لربه إلا الثمن. فذكر المصنف حكم ما يخاف عليه الضيعة على مذهب ابن القاسم وما لا يخاف عليه على مذهب أشهب، وليس بسديد. وَلَيْسَ لِحَبْسِهِ إِيَّاهَا حَدٌّ إِلا عَلَى اجْتِهَادِهِ أي: لحبس اللقطة إن كانت تحتاج نفقةً حد بل ذلك على قدر الاجتهاد وصبره على ذلك، وهكذا قال مطرف وأصبغ في الواضحة، وظاهره قبل السنة وبعدها، وليس لحبسه بعد السنة حد. وَربُّهَا مُخَيَّرٌ بَيْنَ غُرْمِ النَّفَقَةِ وَإِسْلامِهَا فِيهِ فَيَكُونُ كَالْبَيْعِ يعني: أن ربها ليس له أخذها بغير شيء وإنما هو مخير بين أخذها ودفع نفقتها وبين إسلامها ولا يكون عليه شيء، وهكذا في المدونة وغيرها. أشهب: وإن أسلمها ثم بدا له أن يطلبها فليس له ذلك، وهذا معنى قوله: (فَيَكُونُ كَالْبَيْعِ) أي فليس له الرجوع. قال في المدونة: والملتقط أحق بالنفقة من الغرماء كالرهن.

стр. 3882

وَيَجِبُ رَدُّهَا بِالْبَيِّنَةِ أَوْ بِالإِخْبَارِ بِصِفَتِهَا مِنْ نَحْوِ عِفَاصِهَا وَوِكَائِهَا وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ ... أما ردها ببينة فلا خلاف فيه، ويجب أيضاً ردها عندنا بالإخبار بصفتها من نحو العفاص والوكاء للحديث المتقدم، ثم فسرهما بقوله: (وَهُمَا الْمَشْدُودُ فِيهِ وَبِهِ) فالأول للأول والثاني للثاني، وهذا هو المعلوم في اللغة وعليه أكثر الفقهاء. بل نقل صاحب الاستذكار الإجماع عليه. ونقل الباجي عن أشهب عكسه. والوكاء ممدود وقيل مقصور، قيل وهو غلط. وأشار بقوله ودفع الثياب بالصفة نحو عفاصها إلى أن ما لا عفاص له ولا وكاء من اللقطة يدفع بالإخبار بصفتها الخالصة المحصلة للعلم. اللخمي: واختلف في دواب هل تدفع بالصفة أو لابد من البينة، ودفع الثياب بالصفة أبين لأن الصفة فيها كالعفاص والوكاء في العين. وَفِي اعْتِبَارِ عَدَدِ الدَّنَانِيرِ وَالدَّرَاهِمِ قَوْلانِ القول باعتباره لابن القاسم وأشهب، والآخر لأصبغ وعلله بأن ذكر العدد في حديث أُبي وأضرب عنه في حديث زيد بن خالد، والأول أظهر لأن المختار زيادة قبول العدل. وَفِي إِلْزَامِهِ الْيَمِينَ مَعَ الصِّفَةِ قَوْلانِ المشهور سقوطها خلافاً لأشهب واستقرأ من المدونة مثل قوله، والأول أظهر لأن اليمين لم يرد في الحديث. واستحسن اللخمي أن يحلف، فإن نكل دفعت إليه. وَيُجْتَزَأُ بِبَعْضِ الصِّفَاتِ الْمُغَلِّبَةِ لِلظَّنِّ عَلَى الأَصَحِّ. وَيُسْتَانَى فِي الْوَاحِدَةِ أي: يكتفي ببعض الصفات اثنتين فصاعداً، يدل على ذلك قوله بعد ويستأنى في الواحدة والأصح لأشهب، قال: إن عرف وصفين ولم يعرف الثالث دفعت إليه، ومقابله

стр. 3883

لابن عبد الحكم قال: أصاب تسعة أعشار الصفة لم يعطها إلا بمعنى واحد أن يذكر عدداً فيصاب أقل منه لاحتمال أن يكون قد اغتل فيه، وماذ كره المصنف في الصفة الواحدة نحوه لأصبغ قال: فإن عرف العفاص وحده فليستأن فإن جاء أحد وإلا أعطى. الباجي: ولا يبعد أن يكون ابن عبد الحكم يوافق أصبغ لأنه إنما امتنع من دفعها إليه إذاً خطأ بأن وصف شيئاً بغير صفته فيكون ابن عبد الحكم على ما إذا أخطأ وأصبغ على ما إذا أجهل. الباجي: وقد اختلف على هذا قول أصبغ فقال: إن قال في خرقة حمراء وخيط أصفر فوجدت الخرقة حمراء والخيط أسود يستبرأ أمره. ثم رجع فقال: هذا أكذب نفسه بادعائه المعرفة فلا يصدق وإنما يصدق لو أصاب في بعض وادعى الجهل في بعض. وفي المقدمات: إن وصف مدعي اللقطة بعض اللقطة وجهل بعضها أو غلط فيه ففي ذلك اختلاف وتفصيل؛ فأما جهله بالقدر فلا يضره، وإذا عرف العفاص والوكاء فاختلف فيه على قولين، وكذلك اختلف أيضاً إذا جهل صفة الدنانير وعرف العفاص والوكاء، وإذا غلط في صفة الدنانير فلا أعلم خلافاً أنه لا شيء له، وأما العفاص والوكاء إذا وصف أحدهما وجهل الآخر أو غلط فيه ففي ذلك ثلاثة أقوال: أحدها: لا شيء له إلا بمعرفتهما جميعاً. والثاني: يستبرأ أمره فإن لم يأت أحد بأثبت مما أتى به دفعت. والثالث: أنه [٦٥٠/أ] إن ادعى الجهالة استبرأ أمره وإن غلط لم يكن له شيء. وهو أعدل الأقوال عندي. واختلف في الاعتماد على السكة وحدها، فقال سحنون: لا يستحقها بذلك حتى يذكر علامة غيرها. وقال يحيى بن عمر: لا يتبين لي قول سحنون، وأراد إذا وصف السكة وذكر بعض الدنانير إن كان فيها نقص فأصابه أن يأخذها. اللخمي: يريد يحيى بن عمر إذا كانت دنانير البلد سككاً فإن كانت سكة واحدة لم تدفع إليه اتفاقاً. وأشار الباجي إلى أنه ينبغي أن يكون قول سحنون مقيداً بما إذا ذكر سكة البلد، وأما لو ذكر سكة شاذة ليست منهما فينبغي أن تدفع إليه.

стр. 3884

وَلَوْ وَصَفَهَا اثْنَانِ بِمَا يَاخُذُهَا بِهِ الْمُنْفَرِدُ تَحَالَفَا وَقُسِمَتْ بَيْنَهُمَا كَمَا لَوْ حَلَفَا، وَإِنْ نَكَلَ أَحَدُهُمَا أَخَذَهَا الْحَالِفُ ... هذا بيِّن إذا وصف كل منهما ما وصفه الآخر، وأما لو اختلفا فعرف أحدهما العفاص والوكاء والآخر العدد والوزن فهي لمن عرف العفاص والوكاء. قال: واستحسن أن تقسم بينهما فإن نكل أحدهما وحلف الآخر فهي للحالف. وإن نكلا فقال أشهب: لا تدفع إليهما؛ واختار اللخمي أن تقسم بينهما كما لو حلفا، ونقله في البيان عن ابن حبيب. وَلَوْ دَفَعَهَا بِصِفَةٍ أَوْ بِبَيِّنَةٍ ثُمَّ وَصَفَهَا ثَانٍ أَوْ أَقَامَ بَيِّنَةً فَلا شَيْءَ عَلَى الْمُلْتَقِطِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: إِنْ لَمْ يُشْهِدْ بِالْقَبْضِ عَلَى الْوَاصِفِ ضَمِنَ فلا شيء على الملتقط؛ هو مذهب ابن القاسم وأشهب. ووجهه أنه فعل ما أمر به في الحديث سواء دفعها بصفة أو ببينة بصفة أو غيرها. أشهب: وإذا أقام الثاني البينة وكان الأول أخذها بالوصف أخذها الثاني من الأول. وقال ابن الماجشون: إن دفعها للأول بصفة وأقام الثاني البينة ضمن الملتقط- إذا قال: دفعتها لمن لا أعرفه- ولم يشهد لتفريطه. هكذا نقل قول ابن الماجشون جماعة، ونقص المصنف منه وقال: ودفعتها لمن لا أعرفه. وساق صاحب الجواهر قول ابن الماجشون على أنه خلاف وهو ظاهر كلام ابن يونس. ابن عبد السلام: والظاهر أنه خلافه ويحتمل الموافقة. فإن قيل: ما قاله ابن الماجشون هنا بخلاف أصله في الوكيل المخصوص أن القول قوله في الدفع بغير بينة. قيل: لم يأذن له مالك اللقطة وإنما الإذن عموماً من جهة الحكم، وأيضاً فلأن الدافع قال دفعتها لمن لا أعرفه ولو كان الوكيل مثل لضمن، والله أعلم.

стр. 3885

أشهب: وإن دفعها للأول ببينة ثم أقام الثاني أيضاً بينة فهي لأولهما إذا كانت بتاريخ، فإن لم يكن تاريخاً فهي لأعدلهما بينة، فإن تكافآ كانت لمن هي في يده وهو الأول بعد يمينه أنها له ما لم يعلم لصاحبه فيها حقاً، فإن نكل حلف الثاني وأخذها فإن نكل فهي للأول بلا يمين. ابن يونس: ويحتمل على أصل ابن القاسم أن تقسم بينهما وإن حازها الأول لأنه قال: قد عرف أصله كقوله فيمن عرف رجلاً مولى يدعيه وأقام على ذلك بينة وأقام الآخر بينة أنه مولاه وتكافأت فالمال يقسم بينهما لأنه مال قد عرف أصله. قال غيره: لمن هو في يده؛ وهو نحو قول أشهب هنا، وكذلك الحكم لو أخذ الأول بالصفة فأتى آخر بحضرة دفعها وتحقق أنه لم يسمع صفة الأول لا نبغي أن تكون للأول على قول أشهب هنا، ويقسم بينهما على قول ابن القاسم. وأما لو دفعت للأول ثم أتى الثاني بعد حين وصفها فلا خلاف أنها للأول لاحتمال أن يكون الثاني سمع صفة الإمام. وَلِصَاحِبِهَا أَخْذُهَا بَعْدَ السَّنَةِ حَيْثُ وَجَدَهَا (بَعْدَ السَّنَةِ) يؤخذ منه أن الحكم كذلك قبل السنة من باب أولى؛ لأنه إذا كان أخذها حيث يكون للملتقط شبهة كان له حيث لا يكون له شبهة أولاً، ولما كان هذا الاستلزام ظاهراً في قوة النظر وحسن من المصنف أن يقول أيضاً. وقوله: (حَيْثُ وَجَدَهَا) أي: سواء وجدها بيد الملتقط أو بيد المبتاع منه، سواء نوى الملتقط تملكها أو لا تصدق على نفسه أو عن ربها. فَإِنْ وَجَدَهَا بِيَدِ الْمُبْتَاعِ مِنَ الْمُلْتَقِطِ لا الْمَسَاكِينِ بَعْدَ السَّنَةِ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَاخُذُ الثَّمَنَ لا غَيْرُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ بَاعَ بِإِذْنِ الْحَاكِمِ .... يعني: فإن وجدها بيد المشتري لها من الملتقط بعد السنة فقال ابن القاسم: البيع ماض ولا يأخذها وإن بيعت بغير أمر الحاكم. وقال أشهب: كذلك إن باعها بإذن الإمام

стр. 3886

وإلا فله نقض البيع، وإن لم يقدر عليها فلا شيء له غير الثمن إن باعها خوفاً من الضيعة، وأما إن باع الثياب ولا مؤنة في بقائه ولا ضرورة بدا لي ذلك فربها أحق بها إن وجدها بيد المبتاع، وأما إن لم يجدها فله إن شاء الثمن من البائع أو القيمة يوم بيعها. هذا نص قوله، والمصنف نقص منه فوائد كما ترى. وقوله: (لا الْمَسَاكِينِ) يحتمل أن يكون التقدير لا بيد المبتاع من المساكين، وهكذا قال ابن القاسم فإنه قال: وإن وجدت بيد من ابتاعها من المساكين فله أخذها منه ثم يرجع المبتاع على من تصدق بها عليهم. وقال غيره: يرجع بالأقل من الثمن الذي دفع للمساكين أو من قيمتها يوم تصدق بها. ابن يونس مفرعاً على قول ابن القاسم: وإن أخذها من المبتاع من المساكين رجع المبتاع بالثمن على المساكين إن كان له بأيديهم كما يأخذ منهم عينها وإن أكلوه فأولى أن يرجع على الملتقط الذي سلطهم عليها كما لو أكلوها، وينبغي أن يرجع عليه [٦٥٠/ب] بالأقل من ثمنها أو قيمتها يوم الصدقة بها ويرجع بتمام ثمنها على المساكين لأنهم البائعون منه. والفرق بين بيع الملتقط والمساكين أن الملتقط جعل له الشارع التصرف بقوله "فشأنك بها" ولأنه يبيعه خوفاً من الضياع، والمساكين إنما يأخذونها على أنها ملك فللمستحق نقض بيعهم كنقض بيع المشتري في الاستحقاق. وهذه المسألة على قول ابن القاسم مخصصة لقوله أولاً لصاحبها أخذها بعد السنة حيث وجدها، ويحتمل أن يكون في كلامه أولاً حذف معطوف دلت عليه هذه الصورة تقديره وله أخذها أو أخذ ثمنها، ويحتمل أن يكون أطلق أخذها على المعنى الحقيقي- وهو أخذ عينها- وعلى المجاز- وهو أخذ ثمنها- وهو المختار عنده في كتاب الأصول أن ذلك جائز بطريق المجاز.

стр. 3887

فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ تَمَلُّكِهَا أَوْ تَصَدُّقِهَا فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا يَوْمَ ذَلِكَ أَوْ مِثْلُهَا يعني: بأن أتى ربها بعد أن تلفت كلها وبعد أن تملكها أو تصدق بها فعليه قيمتها إن كانت مقومة أو مثلها إن كانت مثلية يوم ذلك أي يوم التمليك أو يوم التصدق، وضمانه في التمليك صحيح على القول بتأثير النية مع بقاء اليد، وأما التصدق فهو تصرف بالفعل، قال في المدونة: لربها أخذها من المساكين إن كانت قائمة بأيديهم، وإن أكلوها فليس له تضمينهم إن شاء. فَإِنْ وَجَدَهَا نَاقِصَةً بَعْدَهُمَا خُيِّرَ: أَخَذَهَا نَاقِصَةً أَوَ قِيمَتَهَا مِنَ الْمُلْتَقِطِ فلما فرغ من الكلام على الأولين تكلم على الثالث. وقوله: (بَعْدَهُمَا) أي بعد التملك والتصدق. وحكى في البيان في هذه المسألة إذا نقصها بالاستعمال ثلاثة اقوال: أولها: كما ذكر المصنف. ثانيها: أنه بالخيار بين أن يضمنه قيمتها أو يأخذها وقيمة ما نقصها. وَلِلْمُلْتَقِطِ الرُّجُوعُ عَلَى الْمَسَاكِينِ فِي عَيْنِهَا إِنْ أَخَذَ مِنْهُ قِيمَتَهَا إِلا أَنْ يَكُونَ تَصَدَّقَ عَنْ نَفْسِهِ ... يعني: فإن اختار مالك اللقطة في المسألة المتقدمة أخذ القيمة من الملتقط لأجل ما دخلها من النقص، وإن كان تصدق بها فللملتقط أن يرجع على المساكين فيما بقي من عينها إن كان تصدق بها عن نفسه فليس له أن يأخذ ما بقي. وَإِنْ كَانَتْ قَائِمَةً بِأَيْدِيهِمْ فَلَيْسَ لِرَبِّهَا سِوَاهَا أي: قائمة بيد الفقراء ولم يدخلها نقص فليس لربها غيرها سواء تصدق بها عن نفسه أم لا، أي ليس لصاحبها أن يضمنه قيمته إن شاء.

стр. 3888

وَإِذَا كَانَ الْمُلْتَقِطُ عَبْداً فَمَا وَجَبَ بِالتَّعَدِّي فَفِي رَقَبَتِهِ كَالْجِنَايَةِ، وَبِغَيْرِهَا فَفِي ذِمَّتِهِ ... لما قدم أن للملتقط التصرف فيما بعد السنة لا قبلها علم أن بيعها بعد السنة لا يكون تعدياً وأن قبلها تعدياً، فلذلك إذا استهلك العبد الملتقط قبل السنة تعلقت برقبته لتعديه، وإذا استهلكها بعد السنة لا تتعلق إلا بذمته كالحر. ***

стр. 3889

اللَّقِيطُ: طِفْلٌ ضَائِعٌ لا كَافِلَ لَهُ (اللَّقِيطُ) فعيل بمعنى مفعول، وقوله: (طِفْلٌ) أراد الجنس، فيشمل الذكر والأنثى، وإلا فاللقيط إنما هو الذكر. ابن سيده: وأما الأنثى فلقيطة. وكلامه ظاهر. والمنبوذ مرادف للقيط على مقتضى كلام الجوهري والمتقدمين من أصحابنا. عياض في المشارق: وقيل المنبوذ ما طرح صغيراً أول ما ولد، واللقيط ما التقط صغيراً، والشرائد في الخلاء وشبه ذلك. وقيل: اللقيط إذا أُخذ، والمنبوذ ما طرح- مطروحاً- ولا يسمى لقيطاً إلا بعد أخذه. وَالالْتِقَاطُ فَرْضُ كِفَايَةٍ لأن حفظ النفوس واجب، وكان على الكفاية لأن المعنى المقصود يحصل بواحد، وذلك فرض الكفاية. وَيَنْبَغِي الإِشْهَادُ أي: ظاهره الاستحباب. وقال ابن عبد السلام: ظاهره الوجوب خوف الاستغراق. انتهى. وَلَيْسَ لَهُ رَدُّهُ بَعْدَ أَخْذِهِ هكذا لمالك في المدونة؛ لأن فرض الكفاية يتعين بالشروع فيه كالنافلة.

стр. 3890

وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ لِيَرْفَعَهُ إِلَى الْحَاكِمِ فَلَمْ يَقْبَلْهُ. قَالَ الْبَاجِيُّ: يَعْنِي إِنْ كَانَ مَوْضِعاً مَطْرُوقاً وَيُوقِنُ أَنَّ غَيْرَهُ يَاخُذُهُ يعني: وقال أشهب: ليس له رده إلا أن يكون أخذه ليرفعه للحاكم ولم يقصد تربيته، ولم يقبله الإمام لأنه لم يلزم تربيته. وتقييد الباجي ظاهر لأنه إذا لم يكن الموضع مطروقاً فلا يرده لأنه يعرض للتلف غالباً. وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ وَالْمُكَاتَبِ الالْتِقَاطُ إِلا بِإذْنِ السَّيِّدِ لأنه يشتغل بتربيته ونفقته عن سيده، ومراده بالعبد الغني ومن فيه شائبة من الرق. وإنما نص على المكاتب لأنه قد يتوهم لما أحرز نفسه وماله أن له ذلك، ووُجِّه أنه ليس له ذلك فإن اللقيط يحتاج إلى حضانة والحضانة تبرع وليس من أهله. وَوَلاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ قال مالك في الموطأ: الأمر عندنا في المنبوذ أنه حر وولاؤه لجميع المسلمين يرثونه ويعقلون عنه، لكن في الموطأ عن عمر ﵁ أن قال للملتقط طفلاً: اذهب فهو حر ولك ولاؤه وعلينا نفقته. وَيُنْزَعُ اللَّقِيطُ الْمَحْكُومُ بِإِسْلامِهِ مِنَ الذِّمِّيِّ خشية أن يربيه على دينه أو يطول الزمان فيسترقه، قاله مطرف وأصبغ. ولو لم يفطن إلى ذلك حتى كبر الصبي أو الصبية على دين ملتقطه [٦٥١/أ] لم يلتفت غلى ذلك وحكم بإسلامه وإلا فهو مرتد. هذا ظاهر كلامهم. انتهى. لأنه قد سئل سحنون عن نصرانية التقطت صبية فربتها حتى بلغت على دينها، قال: إن ثبت أنها لقطة فتردها إلى الإسلام وهي حرة. واحترز بقوله المحكوم بإسلامه مما لا يحكم بإسلامه، وسيأتي تفصيل ذلك.
следующие страницы →