← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

وَفِي كَرَاهَةِ حُكْمِهِ فِي مُرُورِهِ إِلَى الْمَسْجِدِ قَوْلانِ الكراهة لسحنون ومطرف وابن الماجشون وأشهب، والجواز لأشهب أيضاً بشرط ألا يشغله المسير ورحبة الناس والنظر إليهم؛ لأن ذلك يمنع من الفكر التام وليس لمروره إلى المسجد خصوصية، بل كل مسير كذلك. ولا بأس أن يقضي وهو متكئ، نقله ابن زرقون، وقال اللخمي: ولا يحكم متكئاً، لأن فيه استخفافاً بالحاضرين، وللعلم حرمة. واختلف القرويون إذا أراد المسلم خصام اليهودي يوم السب هل يمكن من ذلك أم لا؟ المازري: وألف بعضهم على بعض في ذلك. وَلا يَحْكُمُ فِي حَالِ غَضَبِ وَلا جُوعٍ، وَلا مَا يُدْهِشُ عَنْ الْفِكْرِ لما في البخاري عنه ﵇: "ولا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان". وخرج الدارقطني من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "لا يقضي القاضي إلا وهو شبعان ريان". فذكر الحكم مع وصف مناسب له، ففهم منه أن المقصود ما يشوش الفكر. قال في المدونة: وإذا دخله هم أو ضجر فليقم. وأجاز له أشهب وابن عبد الحكم إجماع نفسه في الحديث في مجلس ضقاته؛ ليرجع إليه فهمه، ومنعه مطرف وابن الماجشون وابن حبيب لظاهر المدونة. اللخمي: والأول أحسن، وهو أحب من قيامه وصرف الناس. فرع: فإن حكم في حال غضب مضى، وفرق ابن حبيب بين القليل والكثير.

стр. 3922

وَيَنْبَغِي أَنْ يَحْكُمَ بِمَحْضَرِ الْعُدُولِ؛ لِيَنْقِلُوا الإِقْرَارَ فَيَحْكُمَ بِهِ، وَيَكْتُبُهُ خَشْيَةَ نِسْيَانِهِ .. ظاهر قوله: (وَيَنْبَغِي) أنه ليس بواجب. وقال المازري: يؤمر بذلك ويتأكد الأمر على القول بأن القاضي لا يحكم بعلمه. وقال اللخمي: لا يجلس للقضاء إلا بمحضر عدول ليحفظوا إقرار الخصوم خوف رجوع بعضهم عن ما يقر به، وإن كان ممن يحكم بعلمه، فإن أخذ بما لا خلاف فيه أحسن. ابن راشد: مذهب مالك وابن القاسم أن القاضي إذا سمع إقرار الخصم لا يحكم بإقراره عليه حتى يشهد بإقراره شاهدان، ثم يحكم بما سمع وإن لم يشهد عنده بذلك. ابن الماجشون: والذي عليه قضاة المدينة، ولا أعلم أن مالكاً قال غيره- أنه يقضي بما سمع منه وأقر به عنده، وأنهم رأوا أن الخصمين لما جلسا للخصومة رضيا أن يحكم بينهما بما أقرا به [٦٥٦/ أ] ولذلك قعدوا، والأول هو المشهور. خليل: وإن كان الأول هو المشهور فيكون إحضاره للشهود واجباً، وإلا فلا فائدة في جلوسه. وقوله: (وَيَكْتُبُهُ) مرفوع مستأنف؛ أي: ويأمر كاتبه أن يكتب الحكم خيفة نسيانه، ويحتمل (ويكتب) بالنصب؛ أي: ويأمر كاتبه بشرح الدعوى والإنكار واسم المسألة وأسماء المتداعبين وأنساب الجميع وما يعرفون به وما بحكم به بينهما، ويحفظه في خريطة أو جراب أو غيره، ويختم عليه حتى لا ينساه، ويكتب عليه خصومة فلان في شهر كذا من سنة كذان ويجعل خصومة كل شهر على حدة.

стр. 3923

وَقَالَ أَشْهَبُ وَمُحَمَّدُ: وَبِمَحْضَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَمُشَاوَرَتِهِمْ كَعُثْمَانَ ﵁، وَقَالَ مُطَرِّفُ وَابن الماجشون: لا يَنْبَغِي أَنْ يُحْضِرَهُمْ وَلَكِنْ يَسْتَشِيرُهُمْ كَعُمَرَ ﵁ .. هذا معطوف على قوله: (بِمَحْضَرِ الْعُدُولِ). وقوله: (كَعُثْمَانَ) إشارة إلى ما حكاه أشهب أن عثمان ﵁ كان إذا جلس للقضاء أحضر أربعة من الصحابة ﵃ ثم استشارهم، فإذا رأوا ما رآه أمضاه. وقال مطرف: فلا ينبغي أن يحضرهم كفعل عمر. وقيده اللخمي بألا يكون مقلداً فلا يسعه القضاء بغير محضرهم. المازري: وقول مطرف وغيره إنما هو إذا كان فكر القاضي في حال حضورهم كعدم حضورهم معه، وأما إن كان حضورهم يكسبه ضجراً حتى لا يمكنه التأمل لما هو فيه فإنه يرتفع الخلاف، وكذلك إذا كان القاضي من البلادة على حالة لا يمكنه ضبط قول الخصمين وتصور مقاصدهما حتى يستغنى عنه- فإنه يرتفع أيضاً الخلاف، ولا يختلف في وجوب حضورهم. وَلا يَنْبَغِي لِقَاضٍ أَنْ يَثِقَ بِرَايِهِ وَيَتْرُكَ الْمُشَاوَرَةَ وَيَسْتَكْبِرَ عَنْهَا، فَقَدْ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى الْمِنْبَرِ عَنِ الْجَدَّةِ، وَعُمَرُ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ﵄ عَنِ الجَدِّ، وَسَأَلَ عَنْ مِيرَاثِ الْمَرْأَةِ مِنْ دِيَةِ زَوْجِهَا .. هو ظاهر التصور؛ لأن الجماعة إذا فكروا كان ما اتفقوا عليه أوثق في النفس، وقد ورد الشرع بها فقال لنبيه ﷺ : ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وهو إن كان المراد منه أمور الحرب فالجميع سواء. وبالغ الشافعي في هذا حتى قال: يجمع المخالفين له في المذهب ويشاورهم كما تقدم.

стр. 3924

ابن عطية في تفسيره: ومن لا يستشير أهل العلم والدين فعزله واجب، هذا ما لا خلاف فيه. سحنون: ولا يستشير من يشهد عنده فيما شهد فيه بعض من تكلم على هذا الموضع، ولم يقع في الموطأ وأبي داود والترمذي والنسائي في قصة عمر أنه سأل، وإنما ذكر عمر أنها لا ترث من الدية فأخبره الضحاك بن سفيان الكلابي أن رسول الله ﷺ ورث امرأة أشيم الضبابي من دية زوجها. وَلا يُفْتِي الْحَاكِمُ فِي الْخُصُومَاتِ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا بَاسَ بِهِ كَالْخُلَفَاءِ الأَرْبَعَةِ ﵃ .. يعني: أن له الإفتاء في غير مسائل الخصام، والمشهور أنه لا يفتي في الخصام؛ لأن إفتاءه في ذلك من إعانة الخصوم على الفجور؛ لأنهم إذا عرفوا مذهب القاضي تحيلوا في التوصل إلى ذلك المذهب أو في الانتقال عنه، وأيضاً فإذا علم مذهبه يكون مشروطاً بشرط، فمن لا يعرف ذلك الشرط اعتقد في القاضي- إذا لم يحكم بذلك المذهب لعدم ذلك الشرط- أنه مال عن الحق، وأجاز له ابن عبد الحكم ذلك بغيرها؛ لأنه لم ينقل عن الخلفاء التوفق في مسائل الخصام. وَلا يَشْتَرِي بِنَفْسِهِ وَلا بِوَكِيلٍ مَعْرُوفٍ ظاهره في مجلس قضائه وغيره، ونحوه ذكر ابن شاس، وبمعناه عن محمد بن عبد الحكم. ابن عبد السلام: ولا تبعد صحته، إلا أن المازري وغيره ذكروا عن المذهب ما يدل على جواز بيعه وشرائه ابتداءً، وحكى المازري عن الشافعي مثل ما حكاه المؤلف هنا. انتهى. أي: لأن المازري نقل عن أصحاب مالك أنهم أجازوا للقاضي الشراء إذا لم يكن في مجلس قضائه، ولم يجيزوا له ذلك في مجلس قضائه؛ لما فيه من شغل باله.

стр. 3925

مطرف وابن الماجشون: ولا يشتغل في مجلس قضائه بالبيع والابتياع لنفسه. سحنون: وتركه أفضل. قال: ولا بأس بذلك في غير مجلس قضائه له أو لغيره. وما باع أو ابتاع في مجلس قضائه فنافذ، إلا أن يكون أكره غيره على هضمه فليس هذا بعدل وهو مردود، كان في مجلس قضائه أو غيره، والذي ذكره المازري هو الذي في النوادر وغيرها. وَيَتَوَرَّعُ عَنِ الْعَارِيَةِ وَالسَّلَفِ وَالْقِرَاضِ وَالإِبْضَاعِ وَالْوَلائِمِ، إِلا وَلِيمَةَ النِّكَاحِ الْعَامَّةَ، وَلا بَاسَ بِأَكْلِهِ فِيهَا .. ظاهر كلامه أن هذه الأمور أخف من المبايعة؛ لتعبيره في الشراء بـ (لا يفعل) وهنا (يَتَوَرَّعُ) والعكس أولى؛ لأن العارية ونحوها انتفاع بمال غيره بغير عوض، وفي التي قبلها إنما يتوهم ذلك ولا يتحقق، لكن هذه الأشياء فلا تناقض على مذهبهما، [٦٥٦/ ب] وإنما الإشكال على ما ذكره المصنف لا يقال: أنت نقلت عنهما أنه ينتزه عن الشراء؛ لأنا نقول: التنزه لا ينافي الجواز. مطرف وابن الماجشون: ولا ينبغي له أن يجيب الداعي إلا في الوليمة وحدها للحديث. ثم إن شاء أكل أو ترك. وقال أشهب: لا بأس أن يجيب الدعوة العامة، كانت وليمة أو صنيعاً عاماً لفرح، فأما أن يدعى مع عامة لغير فرح فلا. وقال سحنون: يجيب العامة دون الخاصة، والتنزه أحسن. ابن المواز: وكره مالك لأهل الفضل أن يجيبوا كل من دعاهم، ولا بأس للقاضي بحضور الجنائز وعيادة المرضى، وتسليمه على أهل المجالس، ورده على من سلم عليه، ولا ينبغي إلا ذلك.

стр. 3926

وَلا يُقْبَلُ هَدِيَّةً مُطْلَقاً وَلَوْ كَافَأَ عَلَيْهَا أَضْعَافَهَا، إِلا مِنْ وَلَدِهِ أَوْ وَالَدِهِ وَأَشْبَاهِهِمْ ظاهر قوله: (وَلا يُقْبَلُ) المنع، وعليه ينبغي أن يحمل قوله. ابن حبيب: لم يختلف العلماء في كراهة قبول الإمام الأكبر وقاضيه وجباة أموال المسلمين الهدايا، قال: وهو مذهب مالك وأهل السنة، وذلك كما قال ربيعة: إنها ذريعة إلى الرشوة، ولهذا قال ﵇ في العامل الذي بعثه على الصدقة فقال: هذا لكم وهذا أهدي لي: "ما بال عامل أبعثه فيقول: هذا لكم وهذا لي، أفلا قعد في بيت أبيه أو بيت أمه حتى ينظر أيهدي إليه أم لا؟ والذي نفس محمد بيده لا ينال أحد منكم منها شيئاً إلا جاء يوم القيامة يحمله على عنقه؛ بعير له رغاء، أو بقرة لها خوار، أو شاة تيعر، ثم رفع يديه حتى رأينا عفرتي إبطيه، ثم قال: اللهم هل بلغت" مرتين وقال ﷺ في مثل هذا: "إنه غلول". وقوله: (مُطْلَقاً) أي: سواء كانت حال الخصام أو قبله، ولو كافأ عليها أضعافها. وعن أشهب جواز قبولها من غير الخصوم إذا كافأ عليها بمثلها. ثم استثنى الولد والوالد، ونحوهم من الخالة والعمة وبنت الأخ؛ لارتفاع التهمة؛ لأنه معلوم أن بينه وبين أبيه وولده من الحرمة وشدة الميل ما لا يحتاج معه إلى تأكيد الهدية، ولأن مثل هؤلاء إنما تطرق التهمة إلى القاضي إذا حكم من جهة القرابة من الهدية، بخلاف الأجانب والأقارب البعداء على عادتهم من إهدائهم له قبل الولاية. ومنعهم على قولين: الجواز لابن عبد الحكم. ابن حبيب: ويأخذ الإمام من قضاته وعماله ما وجد في أيديهم زائداً على ما ارتزقوه من بيت المال، ويحصى ما عند القاضي حين ولايته، ويأخذ ما اكتسبه زائداً، وقدر أن هذا التكسب إنما اكتسبه بجاه القضاء، وتأول أن مقاسمة عمر ﵁ ومشاطرته لعماله كأبي

стр. 3927

موسى وأبي هريرة وغيرهما ﵃ إنما فعل ذلك لما أشكل عليه مقدار ما اكتسبوه بالقضاء والعمالة. وَيَنْبَغِي أَنْ يَمْنَعَ الرَّاكِبِينَ مَعَهُ، وَالْمُصَاحِبِينَ وَالْمُلازِمِينَ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ، وَيُخَفَّفُ مِنَ الأَعْوَانِ مَا اسْتَطَاعَ. ابن عبد السلام: لأن بكثرتهم تعظم عنده نفسه، ويستأكل من معه بذلك أموال الناس، ولأن الأعوان إنما يعيشون غالباً من تجنيب الخصوم وقلب الأحكام، خلاف ما كانوا عليه أيام سحنون أن لهم أرزاقاً من بيت المال. مطرف وابن الماجشون: ولو استغنى عن الأعوان أصلاً لكان أحب إلينا. ويجب عليه أن يؤدب أحد الخصمين إذا أساء على الآخر ما يستحقه. ظاهره أن الحق في ذلك لله تعالى؛ لانتهاك حرمة مجلس الحكم، ونحوه لمطرف وابن الماجشون، قالا: إذا شتم الخصم فقال: يا فاجر، يا ظالم، ونحو ذلك فليزجره وليضربه على مثل هذا ما لم تكن فلتة من ذي مروءة فليتجاف عن ضربه. ابن عبد السلام: ولا يعد الفقهاء تكذيب أحد الخصمين فيما ادعى عليه وشبه ذلك من السباب، ولو كان بصيغة كذب وشبهها من ذلك. انتهى. ومن أحكام ابن زياد: ومن قال للشهود أو لأهل الفتوى: "تشهدون أو تفتون علي، لا أدري من أكلم" كأنه ذهب مذهب التوبيخ لهم، فقال ابن كنانة وابن غالب: يؤدب أدباً وجيعاً. وفي المجموعة: إذا قال للشاهد: "شهدت علي بالزور" وقصده أذاه نكل بقدر حالهما، وإن كان إنما عنى: "أن الذي شهدت به علي باطل" لم يعاقب.

стр. 3928

وَيَنْبَغِي ذَلِكَ إِذَا أَسَاءَ عَلَى الْحَاكِمِ، إِلا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللهِ فِي أَمْرِي وَشِبْهِهِ، وَلا يُعْظِمُ عَلَيْهِ .. عبر في الأول: بـ (يَجِبُ) وهنا بـ (يَنْبَغِي) وكذلك فعل مطرف وابن الماجشون، ووجهه ظاهر؛ لأنه هنا كالمنتقم لنفسه، وليس هو حقيقة، ولهذا قال مطرف وابن الماجشون: إن الأدب في مثل هذا أمثل من العفو. ابن عبد السلام: وظاهر كلام مالك أن هذه المسألة في الوجوب كالتي قبلها؛ لأنه روي عن ابن القاسم: إن قال: "ظلمتني" فذلك يختلف، فإن أراد بذلك أذى القاضي وكان القاضي من أهل الفضل فليعاقبه. قوله: (إِلا فِي مِثْلِ: اتَّقِ اللهِ .. إلخ) هذا لابن عبد الحكم، زاد: ويجيبه جواباً ليناً، نحو: "رزقني الله تقواه، أو ما أمرت إلا بخير، وعلينا وعليك أن نتقي الله". وليس له من أين يحكم عليه من غير أن يظهر لذلك غضباً. وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَّخِذَ مَنْ يُخْبِرُهُ بِمَا يَقُولُ الناسُ فِي أَحْكَامِهِ وَشُهُودِهِ وَسِيرَتِهِ؛ فَإِنَّ فِيهِ تَقْوِيَةُ عَلَى أَمْرِهِ .. هذا لابن [٦٥٧/ أ] عبد الحكم؛ لأنه إذا أخبره بما يكره منه تركه، أو من أعوانه عزله بعد الفحص عن أمره. وَإِذَا صَحَّ عَلَى أَحَدٍ أَنَّهُ يَشْهَدُ بِالزُّورِ وَيَاخُذُ الْجُعْلَ عَزَّرَهُ عَلَى الْمَلأِ، وَلا يَحْلِقُ لَهُ رَاساً وَلا لِحْيَةً .. صح أنه ﵇ عد شاهد الزور من الكبائر. ابن عبد البر: وأجمعوا على أنه إذا لم يكن له مخرج بغفلة أو خطأ أو نسيان أنه يؤدب، وهذا إذا ظهر عليه، وأما إن جاء تائباً فذكر اللخمي قولين:

стр. 3929

الأول لابن القاسم: لو أدب لكان لذلك أهلاً. الثاني لسحنون: لا يعاقب. وما ذكره المصنف هو لابن عبد الحكم في النوادر، قال: إذا ثبت عليه أنه يشهد بالزور، ويأخذ على شهادته الجعل رأيت أن يطاف به، ويشهر في المجالس والحلق وحيث ما يعرف جماعات الناس، ويضرب ضرباً موجعاً، ولا يحلق له رأساً ولا لحية، ويكتب القاضي بشأنه وما ثبت عنده كتاباً، وينسخه نسخاً يرفعها عند الثقات. إلا أن الشيخ أجمل في التعزير، وقد صرح ابن عبد الحكم بأنه على الملأ، وتبع المصنف في قوله: (وَيَاخُذُ الْجُعْلَ) الرواية، ولا مفهوم لذلك؛ لأن العقوبة المذكورة في المذهب سواء أخذ جعلاً أم لا، ولعل ابن عبد الحكم ذكر ذلك على الغالب، ونص مالك على أن التأديب بقدر ما يرى القاضي، وكذلك نص مالك على أنه يجلد، ولم يذكر عدداً. ابن الماجشون: بالسوط. ابن كنانة: ويكشف عن ظهره. مالك: ويطاف به في الأسواق والجماعات ويسجن، ولا أرى الحلق والتسخيم. ورأى ابن العربي أن يسود وجهه. فَإِنْ كَانَ ظَاهِرَ الْعَدَالَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: لا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَبَداً؛ لأَنَّهُ لا تُعْرَفُ تَوْبَتُهُ .. مفهومه: إن لم يكن ظاهر العدالة حين شهد بالزور أنه تقبل شهادته، وفي ذلك قولان: أحدهما: عدم القبول وهو ظاهر إطلاق المدونة ونقله في النوادر عن ابن القاسم.

стр. 3930

وثانيهما: لابن القاسم، قال في النوادر، وأظنه لمالك: القبول، فقيل على هذا: إن كان ظاهر العدالة لم تقبل اتفاقاً، وإن كان غير ظاهر العدالة فقولان، وعكس ابن رشد فقال: إن كان ظاهر العدالة فقولان، وإن لم يكن ظاهر العدالة لم تقبل اتفاقاً. ابن عبد السلام: والطريق الأول أنسب للفقه، والثانية أقرب لظاهر الروايات؛ لأنابن المواز قال: تكعرف توبته بالصلاح والتزيد في الخير. وكذلك أشار إليه ابن الماجشون؛ لأن التزيد في الخير لا يكون إلا في ظاهر العدالة. وفي جواز حكم الحاكم لمن لا تجوز له شهادته ثالثها: قال ابن الماجشون: إلا لزوجته ويتيمه الذي يلي ماله. الجواز لأصبغ إذا لم يكن من أهل التهمة، قال: وقد يحكم للخليفة وهو أقوى تهمة؛ لتوليته إياه. والمنع لأشهب ومحمد ومطرف نظراً للتهمة واختاره اللخمي، قال: ولا فرق في ذلك بين الحكم والشهادة. والتفرقة لابن الماجشون نظراً إلى قوة التهمة في زوجته وفي يتيمه الذي يلي ماله وأحرى ولده الصغير؛ إذ كأنه حكم لنفسه، وأما غيرهم فلا يتوهم فيه. وحكى اللخمي رابعاً عن أصبغ أيضاً بالتفرقة، فإن قال: "ثبت عندي" ولا يدرى أثبت عنده أو لم يثبت لم يجز مطلقاً، وإن أحضر الشهود وكانت الشهادة ظاهرة بحق بين جاز إلا لزوجته وولده الصغير ويتيمه الذي يلي ماله. وأشار اللخمي إلى أنه متى كان الحكم بغير مال وكان مما يتضمن ما تدركه فيه الحمية أو ما تدفع فيه المعرة لم يجز بحال. وَلا يَحْكُمُ عَلَى عَدُوِّهِ. هو متفق عليه، واتفاقهم هنا واختلافهم في الأول يدل على أن مانع العداوة أقوى من مانع المحبة.

стр. 3931

وَلا يَتَعَقَّبُ أَحْكَامَ الْعَدْلِ الْعَالِمِ وَلا يَنْقُضُ مِنْهَا إِلا مَا خَالَفَ الْقَطْعَ أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةُ عَلَى أَنَّ لَهُ فِيهِ رَاياً فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْواً .. تعقب الأحكام هو اختيارها لينظر ما وافق الحق وما خالفه، وعلى هذا فالتعقب سابق للنقض وأعم منه، وقد نفى الأعم فينتفي الأخص بانتفائه. وقوله: (الْعَدْلِ الْعَالِمِ) تقسيم منه للقاضي، وحاصل ما ذكره هو وغيره ثلاثة أقسام: الأول: أن يكون المعلوم من حال القاضي العدالة والعلم فلا يتعقب القاضي الذي يليه أحكامه؛ لئلا يكثر الهرج والخصام، إلا أن يخالف في حكمه القطع فينتقض حينئذ. فإن قلت: لا يعلم ما خالف القطع إلا بعد التعقب، قيل: يجوز أن يرفع إليه فيظهر خطأه من غير تأمل. وقوله: (إِلا مَا خَالَفَ الْقَطْعَ) نحوه في الجواهر وهو يقتضي أنه لا ينقض ما خالف الظن الجلي. وليس بظاهر، بل قالوا: إذا خالف نص السنة غير المتواترة أنه ينقض، ولا يفيد القطع. نقله ابن عبد السلام عن بعضهم. وينقض إذا خالف القياس الجلي، ولهذا قال القرافي: ينقض حكم الحاكم إذا خالف نص كتاب أو سنة أو إجماعاً أو قياساً جلياً. ابن حبيب عن ابن الماجشون: ويرد ما اختلف فيه الناس مما في كتاب الله، أو في سنة قائمة عن رسول الله ﷺ كاستسعاء العبد المعتق بعضه، وشفعة الجار، أو بعد القمسة والحكم بشهادة النصراني أو اليهودي لمثله؛ لأنه على خلاف قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] وقوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢] أو ميراث العمة والخالة والمولى الأسفل، وكذا ما تواطأ عليه أهل المدينة، أو شاع العمل به عن الصحابة والتابعين. وأما ما كان من رأي العلماء أو استحساناً فلا ينقضه وإن كان

стр. 3932

على خلاف رأي [٦٥٧/ب] المدينة. قال: وهذا في كل ما يأخذه الحاكم ويعطيه، فأما ما هو ترك لما فعل الفاعل مثل الذي يخير امرأته فتختار نفسها- فقد قال بعض الناس: إنها واحدة بائنة- فإن تزوجها قبل زوج فرفع إلى حاكم يرى ذلك فأقره ولم يفرق بينهمأ، ثم رفع إلى من ولي بعده فهذا يفسخ نكاحها ويجعله البتة، وليس إقرار الأول حكماً منه وإن أشهد على ذلك وكتب، ومثله من حلف بطلاق امرأة إن تزوجها، ثم نكحها، أو بعتق عبد إن ملكه ثم رفع إلى الحاكم فأقر الملك والنكاح، أو أقام شاهداً على قتل رجل فرفع إلى من لا يرى القاسمة فلم يحكم بها، ثم رفع ذلك كله إلى من يرى الحكم فليحكم ولا يضره ترك الأول لذلك؛ لأن تركه ليس بحكم. قال: وكذلك إن أقام شاهداً عند من لا يرى الشاهد واليمين فلم يحكم به، ثم رفع إلى من يراه فليحكم وإن كان فيه سنة قائمة؛ لأن الأول إنما ترك النظر فيه، وقاله مطرف، وروى أكثره عن مالك، وقاله أصبغ. ونقل ابن عبد الحكم عن مالك فيمن طلق البتة فرفع إلى من يراها واحدة فجعلها واحدة ولم يمنعه من نكاحها، فنكحها الذي أبتها قبل زوج أنه يفرق بينهما، وليس هذا من الاختلاف الذي يقر إذا حكم به. قال ابن عبد الحكم: لا ينقض ذلك كائناً ما كان، ما لم يكن خطأ بينا. فضل: والذي حكاه سحنون عن ابن القاسم ملائم لقول ابن عبد الحكم أنه لا ينقض ما اختلف فيه، وما كان من جور وخطأ بين لم يختلف الناس في خطأه ورده، فإن قلت: فهل يأتي كلام المصنف على هذا؟ قيل: لا؛ لاحتمال أن يتفقوا على ظن جلي. والظاهر أن ما ذكره ابن حبيب من الفرق بين أن يعمل أو يترك لا يأتي على مذهب ابن القاسم، ألا ترى قول المصنف: (وَفِي مِثْلِ تَقْرِيرِ نِكَاحٍ بِلا وَلِيِّ ... إلخ) فاعلمه.

стр. 3933

المازري: والقول بنقض حكمه باستسعاء العبد بعيد؛ لأنه قد روى مسلم وغيره حديث الاستسعاء وكذلك الشفعة للجار مع ورود أحاديث تقتضيها. وقوله: (أَوْ قَامَتْ بَيِّنَةُ) أي: فينقض أيضاً، ومعناه: إذا حضرته البينةوعلمت قصده في الحكم وعدوله عنه على سبيل الخطأ، فإذا شهدت بذلك البينة عند الثاني نقضه، هكذا قال ابن محرز. عياض: وكذلك عندي إذا كان الحاكم يلتزم مذهباً ويحكم بتقليده لا باجتهاده فحكم بحكم من يرى أن مذهبه وغلط فيه فله هو نقضه دون غيره. وَأَمَّا الْجَاهِلِ فَيَتَعَقَّبُهَا، وَيُمْضِي مَا لَمْ يَكُنْ جَوْراً هذا هو القسم الثاني؛ يعني: وأما أحكام العدل الجاهل فيتعقبها، أي: يتصفحها، ويمضي منها الذي لم يكن جوراً، وحكى المازري رواية شاذة أن الجاهل تنقض أحكاه وإن كان ظاهرها الصواب؛ لأنه وقع منه من غير قصد. ابن عبد السلام: وقيد بعضهم ما ذكره المصنف بما إذا كان يشاور أهل العلم في أحكامه، وأما إذا كان لا يشاورهم فتنقض كلها؛ لأنه حكم حينئذ بالحدس والتخمين، وهو صحيح. انتهى. وقال اللخمي: تتعقب أحكام العدل الجاهل، إلا أن يعلم أنه لا يحكم إلا بعد مشاورة أهل العلم، ورأى إذا كان يحكم من غير مطالعة أهل العلم أن يرد من أحكامه ما كان مختلفاً فيه؛ لأن ذلك كان منه تخميناً وحدساً، والقضاء بذلك باطل. وَتُنْبَذُ أَحْكَامُ الْجَائِرِ وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ كَالْجَاهِلِ هذا هو القسم الثالث: ومعنى (تُنْبَذُ) أي: تطرح كلها، وقد تقدم قول أصبغ أول الباب حيث قال: (وَقَالَ أَصْبَغُ: الْعَدْلُ مِنَ الثَّانِي) يريد: كان عالماً أو جاهلاً.

стр. 3934

وَنَقْلُ الأَمْلاكِ وَفَسْخُ الْعُقُودِ وَشِبْهُهُ وَاضِحُ أَنَّهُ حُكْمُ، وَفَتْوَاهُ فِي وَاقِعَةٍ وَاضِحُ لَهُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُكْمٍ، وَفِي مِثْلِ تَقْرِيرِ نِكَاحٍ بِلا وَلِيِّ رُفِعَ إِلَيْهِ فَأَقَرَّهُ قَالَ ابن القاسم: حُكْمُ، وَقَالَ ابن الماجشون: لَيْسَ بِحُكْمٍ، فَلَوْ قَالَ: "لا أُجِيزُهُ" وَلَمْ يَفْسَخْهُ فَفُتْيَا .. لما قدم أن حكم القاضي لا ينقض إلا في مسائل شرع في بيان الحكم، وجعله ثلاثة أقسام: الأول: اتفق على أنه حكم كنقل الأملاك من يد إلى يد، وفسخ العقود من بيع وشراء. والثاني: اتفق على أنه ليس بحكم كفتواه في واقعة باجتهاده أو مذهبه؛ لأن الفتوى لا ترفع الخلاف. والثالث: مختلف فيه كما لو زوجته امرأة نفسها بغير ولي ورفع إلى قاض فأقره ولم يفسخه- فقال ابن القاسم: إقراره له حكم ولا ينقض، واختاره ابن محرز وقال: لأنه لا فرق بين أن يحكم بإمضائه أو فسخه، ورأى ابن الماجشون أنه ليس بحكم وإنما هو ترك لما فعل الفاعل من ذلك، وإمساك عن الحكم عليه. وجملة (رفع إليه فأقره) تفسيرية لقوله: (تَقْرِيرِ نِكَاحٍ بِلا وَلِيِّ) وقوله: (فَلَوْ قَالَ: "لا أُجِيزُهُ" .. إلخ) هو متفق عليه كما قدم. وَالْحُكْمُ بِالْفَسْخِ لِمُعَارِضٍ اجْتِهَادِيُّ لا يَقْتَضِي الْفَسْخَ إِذَا تَجَدَّدَ السَّبَبُ ثَانِياً، بَلْ يَكُونُ مُعَرَّضاً لِلاجْتِهَادِ كَفَسْخِ النِّكَاحِ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ، وَنِكَاحِ امْرَأَةِ فِي عِدَّتِهَا وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ كَمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحاً مَعَ بَيْعٍ أَوْ مَعَ إِجَارَةِ يعني: أن الحكم بالاجتهاد لا يكون كلياً بل هو جزئي، ولا يتعدى الصورة التي هي محل حكمه، وسبب ذلك أن حكم القاضي لا يتعلق إلا بالجزئيات؛ لأن معظم ما ينظر

стр. 3935

فيه القاضي يحتاج فيه إلى بينة، والبينة إنما تشهد بما رأته وشافهته، وذلك جزئي؛ فلهذا إذا فسخ نكاحاً بين زوجين بسبب أن [٦٥٨/أ] أحدهما رضع من أم الآخر- مثلاً- وهو كبير فالفسخ ثابت لا ينقضه أحد، ولكنه إن تزوجها بعد ذلك فرفع أمرها إليه أو إلى غيره ممن ولي بعده لم يمنعه ذلك الفسخ أن يجتهد ويبيحها إذا أداه اجتهاده إلى أن رضاع الكبير لا ينشر الحرمة، وهكذا من تزوج امرأة في عدتها ورفع إلى مالكي يرى مع الفسخ تأبيد التحريم ففسخ النكاح فإن حكمه لا يتعدى الفسخ، وأما تحريمه في المستقبل فمعرض للاجتهاد كغيره، وله أن يبدل اجتهاده. قوله: (وَهِيَ كَغَيْرِهَا فِي الْمُسْتَقْبَلِ) أي: وهذه المرأة التي تزوجها وقد رضع معها، أو في عدتها كامرأة أخرى تزوجها وقد رضع معها أو في عدتها، فذكر أن هذه التي لم يتقدم فيها حكم تكون معرضة للاجتهاد كالتي فيها الحكم. وقوله: (كَمَا لَوْ فَسَخَ نِكَاحاً مَعَ بَيْعٍ أَوْ مَعَ إِجَارَةِ) أشار بهذا إلى أنه لا فرق بين أن يكون الخلاف خارج المذهب كما في الصورتين الأوليين، أو في المذهب كما في النكاح مع البيع أو الإجارة. وَيَجِبُ عَلَيْهِ نَقْضُ حُكْمِ نَفْسِهِ فِيمَا يَنْقُضُ فِيهِ حُكْمِ غَيْرِهِ، وَفِيمَا لَهُ فِيهِ رَايُ فَحَكَمَ بِغَيْرِهِ سَهْواً .. (فِيمَا يَنْقُضُ فِيهِ حُكْمِ غَيْرِهِ) يندرج فيه ما خالف القطع أو قامت البينة على أنه قصد الحكم بشيء فحكم بغيره سهواً. وقوله: (وَفِيمَا لَهُ فِيهِ رَايُ) هذه صورة ثالثة يختص بها في قضاء نفسه، وهو أن يقصد الحكم باجتهاده أو بمذهبه فيحكم بغيره سهواً فإنه يتذكر ذلك وينقض حكمه الأول، ولا يتصور ذلك فيمن تقدمه؛ لأنه لا يطلع على غلط من تقدمه إلا بقيام البينة على ذلك.

стр. 3936

ابن عبد السلام: وظاهر كلامه التسوية في وجوب النقض بين جميع صور هذه المسألة، والذي قاله سحنون فيما له فيه رأي فحكم بغيره سهواً: أن له نقضه، ولم يقل: يجب عليه نقضه، ورد بأن نص قول سحنون في النواد: إذا نسي ثم تذكره أنه يرجع فيه، وكذلك ذكره فضل في مختصره، وظاهر وجوب النقض لقوله: وهذا يرجع فيه. فَلَوْ حَكَمَ قَصْداً فَظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ فَقَالَ ابن القاسم: يُفْسَخُ الأَوَّلُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسحنون: لا يَجُوزُ فَسْخُهُ، وَصَوَّبَهُ الأَئِمَّةُ .. لما ذكر ما ينقض فيه القاضي حكم نفسه باتفاق تكلم على المختلف فيه. وقوله: (فَظَهَرَ أَنَّ غَيْرَهُ أَصْوَبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) هو ظاهر التصور، وهكذا نسبه ابن محرز وغيره لابن القاسم. ابن راشد: وهو المشهور، وظاهر ما روي عن عمر بن عبد العزيز ﵀: "ما فت الطينة عندي أهون من نقض قضاء قضيت به ثم رأيت الحق في خلافه". وقال ابن الماجشون وسحنون: لا يجوز فسخه، وصوبه الأئمة كابن محرز وعياض وغيرهما من المتأخرين بوجهين: بالقياس على حكم غيره، ولأنه لو نقض حكم نفسه في هذا لما كان لأحد وثوق بحكم؛ لاحتمال نقضه، وتبع في نسبة عدم النقض لابن الماجشون وسحنون ابن عبد الحكم، لكن كلام سحنون وقع مطلقاً من غير تقييد، وقال مطرف وابن الماجشون: إنما ينقض حكم نفسه في هذه المسألة ما دام والياً، أما إن عزل ثم ولي مرة أخرى فظهر له الصواب في غير ما كان قضى به فلا ينقضه، وتكون ولايته الثانية كولاية غيره، وتأول على المدونة القولين اللذين ذكرهما المصنف، وليس ما نسبه المصنف لابن القاسم بصريح في أصل المدونة، وإن كان المصنف لم ينسبه إليها.

стр. 3937

خليل: وقال عياض: وقوله في المدونة: "إذا تبين للقاضي أن الحق في غير ما قضى به رجع فيه "حمل أكثرهم مذهبه في الكتاب على أن له الرجوع كيف كان؛ من وهم أو انتقال رأي، وهو قول مطرف وعبد الملك، وقال سحنون: ونقل أيضاً عن عبد الملك أنه إنما يرجع فيما حكم به ذهلاً أو غلطاً لا فيما انتقل فيه اجتهاده، وهو أظهر وأقرب للصواب، وإلا لما استقر حكم حاكم وما كان أحد على وثيقة من الحكم. انتهى باختصار. ونقل أشهب في الموازية: إن كان القضاء بمال نقضه، وإن كان بإثبات نكاح أو فسخه لم ينقضه. ابن عبد السلام: وكلام المصنف بحسب ما تدل عليه صيغة أفعل يوهم أن محل الخلاف مقصور على ما إذا ظهر للقاضي أن ما حكم به أولاً صواب وأن غيره أصوب، وأنه لو ظهر له أن ما حكم به خطأ لنقضه بالاتفاق، وليس كذلك، بل المسألة مفروضة في الرواية إذا ظهر له أن الحق في غير ما حكم به، ولو أخذ من هذا الكلام أن الحكم في مسألة المؤلف عدم النقض لما بعد. انتهى. وفيه نظر؛ فقد قال صاحب البيان: إذا حكم باجتهاد ثم رأى خلافه فالمشهور من المذهب أن القاضي إذا قضى بقضاء ثم رأى ما هو أحسن منه فإنه ينقضه ويرجع إلى ما رأى ما دام على ولايته، وعلى هذا فالخلاف في الصورتين. وَلا يُمْضِي فَسْخَ حُكْمِ غَيْرِهِ حَتَّى يُبَيِّنَ وَجْهَ فَسْخِهِ اتَّفَاقاً، وَفِي فَسْخِ حُكْمٍ نَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ تَبْيِينِ قَوْلانِ .. يعني: أنه إن فسخ حكم غيره فالاتفاق على أنه لابد من بيان وجه الفسخ؛ دفعاً للظنة عنه في حق القاضي المتقدم، ولحق المحكوم عليه أولاً، وهكذا حكى ابن حبيب الاتفاق، وفي اشتراط بيان وجه الفسخ في حكم نفسه قولان: [٦٥٨/ ب].

стр. 3938

أحدهما: اشتراطه دفعاً للتهمة اللاحقة للقاضي من جهة الحكم له أولاً. والثاني: عدم الاشتراط لضعف التهمة، لأن النفس مجبولة على دفع الخطأ عنها، وهو قول أصبغ، قال: إشهاده على الفسخ كاف إذا كان مأموناً، ولكن لو قال مع هذا: قضيت للآخر لم يجز قضاؤه لعدم استيفاء الآجال والجرح والحجج، وعادا جميعاً إلى رأس أموالهما. وَلا يُحِلُّ الْقَضَاءُ حَرَاماً كَمَنْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ عَلَى نِكَاحِ امْرَأَةٍ فَحُكِمَ لَهُ، وَكَذَلِكَ لَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ لِلْمَالِكِيِّ بِشُفْعَةِ الْجِوَارِ .. أي: لا يحل حراماً في الأموال ولا في الفروج ولا غيرهما، والمثال الذي قاله المصنف: (كَمَنْ أَقَامَ شُهُودَ زُورٍ) ظاهر، وكما لو شهد رجلان على رجل أنه طلق امرأته ثلاثاً ففرق القاضي بينهما وانقضت عدتها، فلا يجوز للشاهد أن يتزوجها، وبقولنا قال جمهور العلماء. ووافقنا أبو حنيفة في الأموال وخالف في الفروج، ورأى أن القضاء يحلها، وبه قال كثير من أصحابنا فيما حكاه ابن عبد البر، وعلى هذا فالأموال مجمع عليها، لكن وقع في المذهب قول فيمن شهد على رجل أنه أعتق عبده فرد القاضي شهادته، ثم اشتراه ذلك الرجل الشاهد- أنه لا يعتق عليه ولو تمادى على إقراره بعد الشراء، وكذلك من اشترى أمة واختلف مع البائع بوجه من الوجوه المؤدية في اختلاف المتبايعين إلى فسخ البيع ورجعت الأمة إلى البائع- أنه يجوز له وطؤها، وفيها اعتذارات ضعيفة مع أن الأمر يؤدي فيها إلى خلاف الإجماع؛ لأن ذلك في الأموال. ودليل الجمهور ما رواه مالك وغيره أنه ﵇ قال: "إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع منه فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذن منه شيئاً، فإنما أقطع له قطعة من النار" والحديث عام في الفروج وغيرها.

стр. 3939

وما ذكره من قوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ حَكَمَ الْحَنَفِيُّ .. إلخ) ظاهر التصور، ونقله ابن محرز عن ابن الماجشون فقال: وإن كان حكم باجتهاد وحكم بقول شاذ فذهب ابن الماجشون إلى فسخ حكمه، ومثل ذلك: الحكم بالشفعة من الجار، وتوريث ذوي الأرحام، وترك الحكم بالشاهد واليمين. قال: وخلاف أهل العراق في هذا ظاهر، وهي من المسائل التي شرع فيها الاجتهاد، وقد ذهب جماعة إلى توريث ذوي الأرحام من الصحابة والتابعين، ولا أدري ما هذا. وقد ذكر ابن حبيب عن ابن عبد الحكم أن القاضي إذا حكم بخلاف كائناً ما كان أنه يمضي ولا يرد، وهذا هو الصواب، وكذلك استشكل ابن عبد السلام النقض في مسألة شفعة الجوار، قال: لأن ما تقدم الظاهر فيه مخالف للباطن، ولو علم القاضي بكذب الشهود لما حكم بهم إجماعاً، بخلاف مسألة الشفعة فإنها مختلف فيها، وحكم القاضي يرفع الخلاف فيكون كالمجمع عليه، وما هذا سبيله يتناول الظاهر والباطن، والذي قلناه هو مكان كلام السيوري في بعض مسائله قال: وعلى هذا لو غصب غاصب شيئاً فنقله عن مكان الغصب وكان مما اختلف فيه هل يفوت بنقله أم لا؟ فقضى القاضي لربه بأخذه وكان مذهب ربه أنه يفوت وتجب فيه القيمة فينبغي على هذا أن لا يكون لربه التصرف فيه. وذكر المصنف في أصوله في الاجتهاد: لو قال مجتهد شافعي لمجتهدة حنفية: أنت بائن، ثم قال: راجعتك- أنه يرفع إلى الحاكم فيتبع حكمه، وهذا يدل على أن حكمه يرفع الخلاف. وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَى الْحَاكِمِ أَمْرُ تَرَكَهُ، قَالَ سحنون: لا بَاسَ أَنْ يَامُرَ فِيهِ بِالصُّلْحِ، وَلا يَحْكُمُ بِالتَّخْمِينِ؛ فَإِنَّهُ فِسْقُ وَجَوْرُ .. قد يشكل على الحاكم كلام الخصمين من جهة تصوره؛ فيأمرهما بالإعادة ليفهم عنهما، وقد يفهم عنهما ويشكل عليه وجه الحكم- وهذا هو الذي تكلم عليه المصنف-

стр. 3940

فلا يحل له الإقدام على الحكم باتفاق، وإذا لم يحل للمفتي أن يجزم بما يفتي به هنا فأحرى القاضي؛ نعم المفتي قد يرشد إلى الأخذ بالأحواط بخلاف الحاكم، ثم للحاكم أن يصرفهما عنه، وله أن يرشدهما إلى الصلح. ابن عبد السلام: والأقرب إن كان هناك قاض غيره أن يصرفهما إليه؛ لاحتمال ألا يشكل عليه الحكم، وإن لم يكن غيره أمرهما بالصلح إن كان من الأحكام التي يتأتى فيها الصلح. وإذا ظهر للقاضي وجه الحكم فلا يدعو إلى الصلح إلا أن يرى لذلك وجهاً، مثل أن يرى أن الحكم يوقع فتنة وتهارجاً. قوله: (وَلا يَحْكُمُ بِالتَّخْمِينِ؛ فَإِنَّهُ فِسْقُ وَجَوْرُ) نحوه لابن محرز، قال: ويفسخ ذلك الحكم هو وغيره إذا ثبت عند الغير أنه يحكم على ذلك؛ وظاهر كلامه أنه يفسخ وإن طابق الحق، ونحوه لابن خويز منداد، لكن تعقب القابسي قوله ورأى أن يمضي من أحكام الجاهل ما وافق الصواب، وظاهر كلام بعضهم أنه متفق على ذلك. الجوهري: والتخمين: القول بالحدس. وَلا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ مُطْلَقاً، إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُخَاصَمَةِ فَقَوْلانِ أي: لا يحكم القاضي بعلمه لئلا ينسب إلى الميل، ولقوله ﵇: "فأقضي له على نحو ما أسمع" ولقوله ﷺ في حديث هلال بن أمية لما لا عن زوجته: "إن جاءت به على صفة كذا فهو لهلال، وإن جاءت به على صفة كذا فهو لشريك ابن سحماء" فجاءت به على النعت المكروه، فقال ﷺ : "لو كنت راجماً أحداً بغير بينة لرجمتها".

стр. 3941

وقوله: (مُطْلَقاً) أي: سواء علمه قبل ولايته أو بعدها، علمه في مجلس قضائه أم لا سواء الحدود وغيرها، ثم استثنى من الإطلاق صورة مختلفاً فيها بقوله: (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُخَاصَمَةِ فَقَوْلانِ). والمشهور أنه لا يحكم بعلمه أيضاً، وقال مطرف وابن الماجشون وسحنون: يقضي بما علمه في مجلسه، ولذلك جلس، ووقع في بعض النسخ: (وَلا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ مُطْلَقاً، ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسحنون: إِلا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ [٦٥٩/ أ] الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ) وهو أحسن. واختلف هل يشهد بما سمع منهما عند غيره؟ فقيل: لا يشهد به، وقيل: بل يشهد به. ابن محرز: وهو الصواب؛ لأنه أمر علمه فلا يحكم به، ويشهد به عند غيره كسائر الحقوق، والقولان لمحمد. وعلى القول بقبولهما فقيل: يرفع لمن هو فوقه لا لمن هو دونه، وإليه ذهب سحنون لقوله في السلطان الأعظم الذي ليس فوقه سلطان: إذا رأى أحد هذا حداً لا يقام أبادً، وأراه هدراً، وقيل: يجوز الرفع لمن هو دونه. وظاهر المدونة أنه لا يرفع لمن هو دونه إلا السلطان الأعظم الذي ليس فوقه سلطان للضرورة، وكذلك قال بعضهم: إن مذهب المدونة التفصيل، ففي المسألة ثلاثة أقوال. فَلَوْ حَكَمَ بِعلْمِهِ فِي غَيْرِهِ فَفِي فَسْخِهِ قَوْلانِ. وَأَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْخُصُومَةِ فَحَكَمَ بِهِ فَلا يُنْقَضُ. أي: في غير مجلس حكمه، والقول بالفسخ لابن القصار، ونحوه في الموازية، قال: إن حكم بما عنده من الشهادة قبل أن يلي، ثم ولي غيره نقضه. التونسي: ينقضه هو وغيره. ابن راشد: وهذا القول هو الأصل، والقول بعدم الفسخ حكاه ابن القصار عن بعض الأصحاب.

стр. 3942

ابن عبد السلام: وهو الظاهر مراعاة لقول من أجاز له الحكم بعلمه مطلقاً كأبي حنيفة وغيره، وأما ما أقر به في مجلس الخصومة فحكم به فلا ينقض؛ أي: بالاتفاق، لكن ظاهر كلامه أنه لا ينقضه هو ولا غيره. والذي في الموازية: ولو حكم بما أقر به في مجلس القضاء ثم وليغيره لم ينقضه، وأما ما دام هو قاضياً فينقضه. فَلَوْ أَنْكَرَ بَعْدَ إِقْرَارِهِ فَقَالَ مَالِكُ وابن القاسم: لا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسحنون: يَحْكُمُ .. فهذا هو الخلاف الذي استثناه بقوله: (إِلاَّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُخَاصَمَةِ) فهو تكرار. فَلَوْ أَنْكَرَ أَنَّهُ أَقَرَّ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ لَمْ يُفِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي الْجَلابِ: إِذَا ذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّهُ حَكَمَ فَأَنْكَرَ الْمَحْكُومُ عَلَيْهِ لَمْ يُقْبَلْ إِلا بِبَيِّنَةٍ عَلَى حُكْمِهِ .. يعني: فلو أقر أحد الخصمين فحكم عليه القاضي مستنداً لإقراره مضى ذلك الحكم، ولا يفيد الخصم إنكاره بعد حكم القاضي، هذا بخلاف المسألة الأولى؛ لأن الإنكار فيها قبل تمام الحكم. وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) هكذا صرح اللخمي بمشهورية هذا القول وعبر عنه المازري بالمعروف، وشرط في ذلك أن يكون القاضي باقياً على ولايته، وجعل اللخمي والمازري ما في الجلاب مقابله، وأشار ابن عبد السلام إلى أن كلام ابن الجلاب ليس نصاً في المخالفة؛ لأن مسألة المشهور أن يخالف الخصم في الحكم، وإنما خاف في سببه وهو الإقرار بخلاف مسألة الجلاب فإن الخصم نازع فيها في أصل الحكم، ولو عرضت مسألة المشهور على ابن الجلاب لاحتمل أن يوافق على المشهور. قال: ولهذا لم يكتف المصنف بذكر المشهور عن ذكر مقابله، بل ذكر ما في الجلاب لينبه على ذلك.

стр. 3943

خليل: وهو وإن كان كلاماً ظاهراً إلا أنه خلاف ما فهم اللخمي والمازري وغيرهما. المازري: والأصل الأول؛ لأن الحاكم إذا كان باقياً على قضائه فله أن يقول الآن مستأنفاً لإيقاع الحكم: "أشهوا علي أني قضيت على هذا لهذا بكذا بعد أن استقصيت الواجب" ولا يمكن المحكوم عليه أن يتلقاه بالمدافعة، وكأن الذي في الجلاب بناه على حماية الذرائع ورأى أنه من باب حكم القاضي بعلمه. فَلَوْ حَكَمَ بِأَمْرٍ وَنَسِيَ فَشَهِدَ شَاهِدَانِ أَنَّهُ حَكَمَ بِهِ أَمْضَاهُ عَلَى الأَصَحِّ كَمَا يُمْضِيهِ غَيْرُهُ اتِّفَاقاً .. قال القاضي عبد الوهاب: إذا وجد القاضي في ديوانه حكماً بخطه ولم يذكر أنه حكم به لم يعتمد على خطه؛ لاحتمال التزوير، ولو شهد به شاهدان عنده أمضاه على الأصح، وهو قول مالك، ومقابل الأصح لا يمضيه، وحكاه أبو عمر أيضاً رواية، وبمقابل الأصح قال أبو حنيفة والشافعي، واحتج للأصح بما أشار إليه المصنف أنه حكم شهد به شاهدان؛ فوجب على من رفع إليه من القضاة تنفيذه؛ أصله لو رفع إلى قاض غيره، وفرق بأن أحكام غيره لا يتوصل إلى معرفتها إلا بالنقل بخلاف أحكامه فإنه يعلمها من جهة نفسه، والغالب أنه يعلمها بحيث لم يعلم دل على ريبة فيمن نقله، وألغى هذا الفرق لأن الحاكم قد تكثر أحكامه فينسى فتدعو الضرورة إلى الرجوع فيها إلى الظن. واحتج لمقابل الأصح بالقياس على الشهادة، فإنه لو شهد عدلان بأن فلاناً شهد بكذا وأنكر فلان أو لم يذكر فإنه لا يعمل بشهادتهما، وفرق بأن الشاهد متعبد بأن لا يشهد إلا بما يعلم؛ لقوله تعالى: (وَمَا شَهِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَلِمْنَا) [يوسف: ٨١] بخلاف الحاكم فإنه يبني على شهادة غيره، وهي إنما تفيد غالباً الظن.

стр. 3944

تنبيه: تقييد المصنف الحكم بالنسيان موافق لصاحب التلقين والجواهر، ومفهومه أنه لو لم ينس بل كان منكراً أنه لا يمضي؛ لأن الإنكار أشد، لكن هذا المفهوم غير معمول به، فقد نقل صاحب الجواهر في آخر كلامه ما يخالفه فقال: قال ابن حبيب: أخبرني أصبغ عن ابن وهب عن مالك في القاضي يقضي بقضاء ثم ينكره فيشهد عليه به شاهدان- فلينفذ ذلك، وإن أنكر الذي قضى به معزولاً كان أو لم يعزل، ولذلك فرض ابن الجلاب [٦٥٩/ ب] المسألة في الإنكار. وَلْيُسَوِّ بَيْنَ الْخَصْمَينِ فِي الْمَجْلِسِ وَالنَّظَرِ وَالسَّلامِ وَالْكَلامِ وَغَيْرِهِ مُطْلَقاً، وَقِيلَ: لَهُ رَفْعُ الْمُسْلِمِ عَلَى الذِّمِّيِّ .. الأول ظاهر المذهب وهو ظاهر رسالة عمر، وهو لمالك، والثاني له أيضاً. المازري: وإذا دخل الخصمان فهو بالخيار إن شاء سكت عنهما حتى ينطق أحدهما فيستدعي الجواب من الآخر، وإن شاء سألهما جميعاً بلفظ التثنية فيقول: مالكما؟ وما حاجتكما؟ أو ما في معنى ذلك، ولا يخص أحدهما بالسؤال فيقول: مالك؟ لأن ذلك يشعر بعناية القاضي به. فائدة: رأيت أن أذكر هنا رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄؛ فإنها أصل فينبغي حفظها والاعتناء بها وهي: بسم الله الرحمن الرحيم. من عمر بن الخطاب أمير المؤمنين إلى عبد الله بن قيس، سلام الله عليك، أما بعد؛ فإن القضاء فريضة محكمة، وسنة متبعة، فافهم إذا أدليإليك، وأنفذ إذا تبين لك؛ فإنه لا

стр. 3945

ينفع تكلم بحق لا نفاذ له. آس بين الناس في وجهك وعدلك ومجلسك، حتى لا يطمع شريف في حيفك، ولا ييأس ضعيف من عدلك. البينة على من ادعى، واليمين على من أنكر. والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالا. ولا يمنعك قضاء قضيته اليوم فراجعت فيه عقلك وعدت فيه لرشدك- أن ترجع إلى الحق؛ فإن الحق قديم لا يبطله شيء، ومراجعة الحق خير من التمادي على الباطل. الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما ليس في كتاب ولا سنة. ثم اعرف الأشباه والأمثال فقس الأمور عند ذلك، واعمد إلى أقربها إلى الله تعالى وأشبهها بالحق. واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه، فإن أحضر بينة أخذت له بحقه، وإلا أوجبت عليه القضاء؛ فإنه أنفى للشك وأبلغ للعذر. الناس عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد، أو مجرباً عليه شهادة زور، أو ظنينا في ولاء أو نسب؛ فإن الله قد تولى منكم السرائر، ودرأ عنكم بالبينات والأيمان. وإياك والقلق والضجر والتأذي للخصوم في المجالس؛ فإن الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن عليه الذخر، فمن خلصت نيته وأقبل على نفسه كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين للناس بما يعلم الله منه غيره شانه الله، فما ظنك بثواب الله في عاجل رزقه وخزائن رحمته، والسلام وفي بعض هذه الألفاظ اختلاف بين الرواة والكل متقارب. وَإِذَا سَكَتَ الْخَصْمَانِ أَمَرَ الْمُدَّعِيَ بِالْكَلامِ، فَإِذَا انْتَهَى طَالَبَ بِالْجَوَابِ، فَإِنْ أَقَرَّ فَلِلْمُدَّعِي الإِشْهَادُ عَلَيْهِ، وَلِلْحَاكِمِ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ. قد تقدم أن القاضي مخير إذا حضر بين يديه الخصمان في السكوت، أو يقول لهما: ما بالكما؟ ثم إذا علم الحاكم المدعي أو اتفقا عليه أمره الحاكم بالكلام. أشهب: ويسكت المدعي عليه حتى ينتهي المدعي، ثم يأمره بالسكوت ويستنطق الآخر. وهو معنى قوله: (فَإِذَا انْتَهَى) أي: المدعي- طالب القاضي المدعى عليه بالجواب.

стр. 3946

وظاهر قوله: (طَالَبَ) أن للقاضي أن يسأل المدعى عليه وإن لم يقل المدعي: سله. المازري: وهو ظاهر الروايات؛ لأن شاهد الحال يغني عن هذه الزيادة، فإن أقر؛ أي: المدعى عليه فللمدعي الإشهاد عليه لئلا ينكر. وظاهر قوله: (وَلِلْحَاكِمِ) التخيير، وفي النوادر عن ابن عبد الحكم: وإن أقر له المطلوب بشيء أمره أن يشهد عليه لئلا ينكر، وإنما كان للقاضي التنبيه على الإشهاد ولم يكن من تلقين لأحد الخصمين لأن الإشهاد مع ما فيه من تحصين الحق فيه قطع النزاع وتقليل الخصام، وذلك من شأن القضاة. فَإِنْ أَنْكَرَ سَأَلَ: أَلَكَ بَيِّنَةُ؟ فَإِنْ قَالَ: "لا" وَاسْتَحْلَفَهُ لَمْ تُسْمَعْ بَيِّنَتُهُ عَلَى الأَشْهَرِ إِلا أَنْ يَظْهَرَ عُذْرُهُ مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ غَيْرِهِ .. لما كان للمدعي عليه حالتان: إقرار وإنكار، وقدم الكلام على الأولى- أتبعه بالكلام على الثانية، فإذا أنكر سأل القاضي المدعي: ألك بينة؟ فإن قال: "نعم" أمره بإحضارها وسمع منها وأعذر فيها لخصمه، فإن لم يظهر مدفعاً حكم عليه، وإن ادعى مدفعاً أجله في إثباته، فإن لم يأت به وإلا قضى عليه. وإن قال: "لا بينة لي" أخبره القاضي أنه ليس له إلا يمين المطلوب، فإن استحلفه فحلف ثم أتى المدعي ببينة؛ فإن كان له عذر في تأخيرها من نسيان أو عدم تقدم علم أو ظن أنها ماتت أو بعدت وشبه ذلك قبلت، ولا بد من يمين المدعي على دعوى نسيان البينة أو غيره مما يدعيه. قال ابن الماجشون في الواضحة: فإن لم يكن له عذر فالأشهر أنه لا تسمع البينة، وهو قوله في المدونة في كتاب الشهادات؛ لأنه نفاها وأدخل خصمه عهدة اليمين، ومقابله لمالك أيضاً من رواية ابن نافع وقاله أشهب؛ لما روي عن عمر ﵁: "البينة العادلة خير من اليمين الفاجرة".

стр. 3947

تنبيه: قال المازري: الأصل أن القاضي لا يستحلف المدعى عليه إلا بإذن من المدعي، إلا أن يكون من قرينة الحال ما يدل على أنه أراد من القاضي ذلك، وقد ذكر عن بعض القضاة أن رجلاً ادعى على آخر ثلاثين ديناراً فأنكر المدعي عليه فاستحلفه القاضي، فقال الطالب: لم آذن [٦٦٠/ أ] في هذه اليمين ولم أرض بها، فلا بد من إعادة اليمين، فأمر القاضي غلامه أن يدفع عن المطلوب من ماله الثلاثين ديناراً؛ كراهة أن يكلفه إعادة يمين قضى عليه بها. وَإِنْ تَنَازَعَا فِي الابْتِدَاءِ فَالْجَالِبُ إِنْ عُلِمَ وَإِلا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا فإن تنازعاً في تعيين المدعي فقال كل منهما: "أنا المدعي" قدم الجالب؛ لأن قرينته تدل على صدقه، وإن لم يعرف الجالب فقال ابن شعبان: إن اصطلحا على تقديم أحدهما، وإلا أقرع بينهما. المازري: وهو الأظهر. وقال محمد بن عبد الحكم: إذا لم يدر من جلب أو استعدى لم أبال بأيهما بدأ، وإن كان أحدهما ضعيفاً أحب إلي أن يبدأ به. وحكى ابن المنذر قولين آخرين: أحدهما: أن يصرفهما حتى يصطلحا. وضعفه المازري؛ لأنهما قد لا يصطلحان فيبقيان في المشاجرة. وثانيهما أنهما يتحالفان. وضعفه أيضاً بأنه يعود الكلام فيمن يبدأ بالحلف. وفي بعض النسخ: (فَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ أَمَرَ بِالانْصِرَافِ، فَمَنْ أَبَى إِلَّا الْمُحَاكَمَةَ فَهُوَ الْمُدَّعِي، فَإِنْ أَبَيَا أَقْرَعَ بَيْنَهُمَا) ونحوه في الجواهر وهو في الواضحة لأصبغ، إلاأنه لم يجعل في ذلك قرعة.

стр. 3948

قال في المجموعة: وإن قال أحد الخصمين: أنا المدعي، وسكت الآخر فإن للقاضي أن يسأل المدعي عليه إذا سكت الآخر عن إنكار قوله أنه هو المدعي، قال: وأحب إلي ألا يسأله القاضي حتى يسلم له الآخر ذلك نطقا. وَيَحْكُمُ بَعْدَ أَنْ يَسْأَلَهُ: أَبَقِيَتْ لَكَ حُجَّةُ؟ فَيَقُولَ: "لا" فَإِنْ قَالَ: "نَعَمْ" أَنْظَرَهُ مَا لَمْ يَتَبَيَّنْ لَدَدَهُ، ثُمَّ هُوَ عَلَى حُجَّتِهِ عِنْدَهُ وَعِنْدَ غَيْرِهِ. هذا هو الذي يسميه الفقهاء الإعذار؛ يعني: ويحكم القاضي بعد أن يسأل المدعى عليه أبقيت لك حجة؟ فيقول: لا، فقوله (فَيَقُولَ) منصوب بالعطف على (يَسْأَلَهُ) وكأن المصنف هرب بإفراد الضمير مما في المدونة من تثنيته؛ لأن فيها: وجه الحكم في القضاء إذا أدلى الخصمان بحجتهما ففهم القاضي عنهما وأراد أن يحكم بينهما أن يقول: أبقيت لكما حجة؟ فإن قالا: "لا" حكم بينهما، ثم لا تقبل منه حجة بعد إنفاذه. فاستشكل بأن الحجة إنما تطلب ممن توجه عليه الحكم، وهو المدعى عليه، ولهذا اختصر أبو محمد المدونة بإفراد الضمير، لكن الجواب عما في المدونة أن الحكم تارة يتوجه على الطالب وتارة على المطلوب؛ لأنه قد تقوى حجة المدعى عليه وتضعف حجة المدعي، فيتوجه الحكم عليه بالإبراء أو بغيره فلابد من الإعذار أيضاً، فلما كان مرة يعذر إلى هذا ومرة إلى هذا اختصر في الكلام وأتى بذلك في لفظ واحد، هكذا قال عياض وغيره. وقوله: (فَإِنْ قَالَ: "نَعَمْ") أي: قال المدعى عليه: "نعم لي حجة" أنظره القاضي فضرب له أجلاً، فإن تبين لدده ففي الموازية: يضرب له أجلاً غير بعيد ثم ينفذ الحكم، ولو ادعى بينة بعيدة كما لو قال: "بينتي بالعراق أو بالمغرب" قضى عليه، ومتى حضرت بينته كان على حجته ويقوم بها عند هذا القاضي وعند غيره. ابن يونس وغيره: وينبغي إذا ذكرأن له بينة بعيدة أن يكتب الحاكم في قضيته أنه ذكر أن له بينة بعيدة الغيبة ومتى حضر شهوده كان على حجته، وقاله بعض القرويين.

стр. 3949

تنبيهان: أولهما: ما ذكره من أنه إذا ذكر أن له حجة وتبين لدده يقضي القاضي عليه هو التعجيز، قال غير واحد: ويصح التعجيز في كل شيء إلا خمسة: العتق والطلاق والنسب والأحباس والدماء، وبه قال ابن القاسم وأشهب وابن وهب، وفيه خلاف. ثانيهما: للموثقين في حد أجل الإعذار كلام؛ ففي وثائق ابن القاسم: الآجال تختلف باختلاف الشيء المدعى فيه، ففي ما عدا الأصول ثمانية أيام ثم ستة ثم أربعة ثم ثلاثة تلوماً، وفي الأصول الشهرين والثلاثة، لاسيما إذا ادعى مغيب البينة، وحينئذ يعجز، وفيه خلاف. وفي إثبات الديون ثلاثة أيام. وفي الإعذار في البينات وحل العقود ثلاثون يوماً. وللقاضي جمعها وتفريقها، وبتفريقها جرى العمل. وفي الوثائق المجموعة: يضرب في غير الأصول ثمانية أيام، ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة؛ فيكون إحدى وعشرين يوماً. قال: وليس يضرب لمن ذهب إلى استدفاع يمين واجبة عليه مثل الآجال المذكورة، إنما يؤجل إذا زعم أن عنده ما يدفع اليمين الأجل القريب ثلاثة أيام ونحوها؛ لأن قوله هذا محمول على اللدد، وألآجال في الأصول أوسع من الديون والحقوق، وهي تختلف باختلاف أحوال المضروب. وروى أشهب عن مالك في الرجل يدعى عليه في منزل بيده، ويأتي المدعي ببينة عدل فيقول المدعى عليه: "لي بينة" ويسأل التأجيل فيضرب له الأجل الواسع الشهر والشهرين والثلاثة، ويمضي الأجل ولا يحضر شيئاً، ويذكر غيبة شهوده وتفرقهم؛ هل ترى أن يضرب له أجلاً آخر أم يقضي عليه؟ فقال: أما الصادق المأمون الذي لا يتهم أن يدعي باطلاً فأرى أن يمد له في الأجل، وأما الذي يرى أنه يريد الإضرار بخصمه فلا أرى أن يمكن من ذلك الأمد القريب ثم يقضي عليه بما يرى. انتهى باختصار.

стр. 3950

وفي مفيد الحكام: الأجل في الإعذار موكول إلى اجتهاد الإمام؛ خمسة عشر يوماً، ثم ثمانية، ثم ثلاثة تلوماً هذا في الأموال. وفي غيرها ثمانية أيام، ثم ستة، ثم أربعة، ثم ثلاثة. وفي أحكام ابن سهل: فيمن شهد عليه بما يقتضي قتله فادعى عداوة بينه وبين القاضي تمنع حكمه عليه أنه يؤجل لإثباتها شهرين، اتفق على ذلك فقهاء قرطبة؛ فاعلمه. وَإِذَا حَكَمَ بَعْدَ قَوْلِهِ: "لا حُجَّةَ لِي" فَأَتَى بِبَيِّنَةٍ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا فَفِي الْمُدَوَّنَةِ: لَهُ ذَلِكَ، [٦٦٠/ ب] وَقِيلَ: عِنْدَهُ دُونَ غَيْرِهِ .. يعني: وإذا حكم على المدعى عليه بعد أن قال: "لا حجة لي" ثم أتى بعد ذلك ببينة لم يعلم بها- ففي المدونة: لا تقبل من المطلوب حجة إلا أن يأتي بما له وجه، مثل بينة لم يعلم بها أو يكون أتى بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين، وحكم عليه، ثم وجد شاهداً آخر بعد الحكم وقال: "لم أعلم به" فليقض له. وقيل: إنما يكون له القيام بالبينة التي لم يعلم بها عند هذا القاضي دون غيره؛ لأن القيام بالبينة عند غيره شبيه بنقض الحكم الأول، وهو قول ابن المواز. وقيل: لا يقبلها مطلقاً- لا عنده ولا عند غيره- لأنه أقر على نفسه أولاً بأنه لا حجة له. وصرح في البيان: بأن المشهور إذا عجز المطلوب وقضى عليه أن الحكم يمضي، ولا يسمع منه ما أتى به بعد ذلك، وذكر في تعجيز الطالب والمطلوب قولين، وذكر ثالثاً بالقبول من الطالب دون المطلوب، ورابعاً في الطالب إن عجزه في أول قيامه قبل أن يجب على المطلوب عمل، وبين أن يعجزه بعد أن وجب على المطلوب عمل ثم رجع عليه؛ أي: كما لو ادعى داراً وأقام بينة أنها لأبيه وأثبت المطلوب الحيازة .. ، ثم قال: وقيل هذا في القاضي الحاكم دون من بعده من الحكام، وقيل: بل ذلك فيه وفيمن بعده، وهذا الاختلاف إنما هو إذا أعجزه القاضي بإقراره على نفسه بالعجز، وأما إذا أعجزه السلطان

стр. 3951

بعد التلوم والإعذار وهو يدعي أن له حجة، فلا يقبل منه ما أتى به بعد ذلك من حجة؛ لأن ذلك قد ورد من قوله قبل نفوذ الحكم، فلا يسمع بعد نفوذه. انتهى. وفي المدونة في باب: "القطع" إثر المسألة المتقدمة؛ أعني: إذا قالا: لا حجة لنا، وإن قال: "قد بقيت لي حجة" فأمهله فلم يأت بشيء حكم عليه، فإن أتى بعد ذلك يريد أن ينقض ذلك لم يقبل منه إلا أن يأتي بأمر يرى أن له وجهاً. ابن القاسم: مثل أن يأتي بشاهد عند من لا يقضي بشاهد ويمين، وقال: "لا أعلم لي شاهداً آخر" فحكم عليه القاضي ثم وجد شاهداً آخر بعد الكم فليقض بهذا الآخر، ومثل أن يأتي ببينة لم يعلم بها، وإلا لم يقبل منه. ابن المواز: وإنما ذلك عندنا في القاضي نفسه، فأما لو ولي غيره لم يكن له أن ينظر فيه ولا ينقضه. وقال سحنون: لا يقبل القاضي بعد الحكم من المطلوب حجة وإن أتى بما له وجه. بعض القرويين: وما في المدونة أشبه، وفي المجموعة في الذي يقضي عليه ثم يجد بينة لم يعلم بها أن ذلك له وقد عزل القاضي، أيقضي بها الثاني؟ قال: نعم. ابن يونس: وهو صواب كما لو قال: لي بينة غائبة بعيدة. ابن عبد السلام: وانظر هذا الخلاف حيث يقول المحكوم عليه: "بقيت لي حجة" والمؤلف حكاه حيث يجيب بقوله: "لا حجة لي". انتهى. وكلام المصنف يأتي على كلام ابن رشد؛ فانظر ذلك. وَإِذَا تَزَاحَمَ الْمُدَّعُونَ فَالسَّابِقُ ثُمَّ الْقُرْعَةُ، إِلا الْمُسَافِرَ وَمَا يُخْشَى فَوَاتُهُ يعني: سواء كان الوقت لا يسع إلا بعضهم، أو كان يسع الجميع ولكن كل واحد أراد التقديم- فيقدم الأول فالأول. قيل: وينبغي أن يوكل من يعرف له الأول فالأول،

стр. 3952

فإن لم يعرف الأول أقرع. وصفتها أن تكتب أسماءهم في رقاع ثم تؤخذ إحدى الرقاع بعد خلطها، فمن وجد اسمه في تلك الرقعة قدم. واستثنى المصنف المسافرين لضرورتهم بفوات الرفاق. المازري: إلا أن يكثروا كثرة يلحق منهم المقيمين الضرر، فيصار إلى القرعة. بعض الشافعية: وإنما يبدأ الأول في حق واحد، واختار المازري تقديمه في حقين إذا كان لا يطول ولا يضر بالجماعة، كما لو خاصم الأول وطال خصامه معه، قال: وربما كان خصام الاثنين كخصام واحد يطول معه الخصام. وَيَنْبَغِي أَنْ يُفْرِدَ وَقْتاً أَوْ يَوْماً لِلْنِّسَاءِ هو ظاهر تصوراً وتصديقاً؛ خوفاً من الفتنة في اجتماعهن مع الرجال في المجلس. المازري: وإن كانت شابة لها جمال، ويخاف إن تكلمت أن يؤدي كلامها إلى شغف بها فإنها تؤمر أن توكل من ينوب عنها، ولا يكون من حق الخصم أن يؤتى بها لمجلس القضاء، وإن احتيج إلى أن يبعث إليها وهي بدارها تخاطب من وراء سترها من يبعثه القاضي إليها ممن تؤمن ناحيته لشيخوخته ودينه، أو يكلفه الحكومة في أمرها فعل، وقد حضرت الغامدية مجلسه ﵇، وقال في المرأة الأخرى: "واغد يا أنيس إلى امرأة هذا فإن اعترفت فارجمها .. ". وَالْمُفْتِي كَذَلِكَ أي: في التقديم بالسبقية. زاد ابن شاس: وكذلك المدرس، وجرت العاةد بتقديم قارئ حديث رسول الله ﷺ على قارئ الفقه.

стр. 3953

وَإِنْهَاؤُهُ إِلَى حَاكِمٍ بِالإِشْهَادِ وَالْمُشَافَهَةِ المراد بالإنهاء التبليغ؛ يعني: فتبليغ القاضي حكمه لحاكم آخر يكون بوجهين: أولهما: أن يشهد شاهدان على تفصيل حكمه. أشهب: ولا تفيد شهادتهما أنه كاتبه حتى يشهدا أنه أشهدهما عليه. وقوله: (بِالإِشْهَادِ وَالْمُشَافَهَةِ) أي: ولا يكون بغيرهما؛ فلا يكتفي في ذلك بالشاهد الواحد، أو بالشهادة على أن الكتاب بخط القاضي، أو أن أختم ختمه، وما يفعله أهل زماننا من كتب القاضي خطه في العلامة والاكتفاء بالشهادة على خطه دون إشهاد القاضي عليه خارج عن نصوص المتقدمين، وإن كان وقع لسحنون وابن كنانة الاكتفاء بكتب أمنائه من أعراض البلد فجعل ذلك بعض المتأخرين أصلا ًفي قبول الإعلام إذا شهد على خط القاضي، وسيأتي ما استثني من ذلك في نواحي البلد، وإلى هذا أشار بقوله: فَالإِشْهَادُ يَكُونُ بِشَاهِدَيْنِ مُطْلَقاً، وَقَالَ سحنون: وَبِرَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ إِن كَانَ مِمَّا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَتُهُنَّ .. (مُطْلَقاً) أي: في كل حق، سواء كان الحق المحكوم به مما يثبت في أصله بشاهدين، أو بشاهد وامرأتين، أو بشاهد وامرأة، أو لا يثبت إلا بأربعة كالزنى، فلا يشهد على النقل إلا أربعة. قوله: (، وَقَالَ سُحْنُونُ .. إلخ) تصوره ظاهر، ولعل منشأ الخلاف الاختلاف في الشاهد واليمين فيما ليس بمال ولكنه يؤول إلى المال.

стр. 3954

وَاسْتُحِبَّ أَنْ تَكُونَ بِكِتَابٍ مَخْتُومٍ، وَالْعُمْدَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ حَتَّى لَوْ شَهِدَ بِخِلافِهِ أَمْضَى .. [٦٦١/ أ] بعض من تكلم هنا: ينبغي أن يقرأ: (اسْتُحِبَّ) لما لم يسم فاعله؛ لئلا يتوهم عوده على مالك، ولم ينص على ذلك، وما ذكره من الاستحباب نحوه في الجواهر، قال: ولو شهد بما فيه وهو مفتوح بغير ختم لجاز أيضاً. ابن عبد السلام: ولا يظهر للاستحباب كبير وجه إذا كان المعتمد على ما قاله من الشهادة؛ لأن القبول معها دائر وجوداً وعدماً، وإنما يتصور ما ذكره المصنف من شهادة الشهود بخلاف الكتاب إذا أشهدهما على الحكم وأعطاهما الكتاب ولم يقرأه عليهما، زاد ابن شاس بعد قوله: إنما يعمل بالشهادة ولو خالفت الكتاب إذا طابقت الدعوى. فَلَوْ قَالَ: أَشْهَدْتُكَمَا عَلَى أَنَّ مَا فِي الْكِتَابِ خَطِّي أَوْ حُكْمِي، فَرِوَايَتَانِ وَمِثْلُهُ لَوْ أَقَرَّ مُقِرُّ بِمِثْلِهِ .. هكذا حكى صاحب المعونة هاتين الروايتين. ابن عبد السلام: والصحيح عندي منهما إعمال ما في الكتاب؛ لأنهما أديا عنه ما أشهدهما به، ولا معارض. انتهى. واحتج القاضي إسماعيل للإعمال بأنه ﵇ دفع إلى عبد الله بن جحش كتاباً وأمره ألا يقرأه إلا بعد أن يسير ليلتين، فإذا قرأه فليبلغ ما فيه. ووجه المازري الرواية الأخرى بأنهم إذا لم يعلموا ما تضمنه فالشهادة بمضمونه شهادة بما لم يعلموا، وضعفه بأن ما تضمنه على الجملة قد أقر به من أمرهم بالشهادة، والعلم تارة يقع جملة وتارة يقع تفصيلاً.

стр. 3955

ابن عبد السلام: وقوله: (وَمِثْلُهُ لَوْ أَقَرَّ مُقِرُّ بِمِثْلِهِ) ظاهر أن فيه الروايتين: وكلام ابن شاس أظهر في ذلك، والصحيح قبول هذه البينة، وإنما يحفظ الخلاف في المذهب بالكراهة في شهادة الشاهد، كذلك في الوصايا؛ لاحتمال أن يكون فيها جور، وحكى عبد الوهاب روايتين فيمن دفع إلى شهود كتاباً مطوياً فقال: اشهدوا علي بما فيه. خليل: وعموم ما نقله القاضي يصحح الخلاف الذي أشار إليه المصنف. وَتُؤَدَّى عِنْدَ مَنْ كُتِبَ إِلَيْهِ وَغَيْرِهِ. نحوه في المدونة لأن في باب الأقضية: وإذا كتب قاض إلى قاض فمات الذي كتب إليه الكتاب أو عزل قبل أن يصل الكتاب إلى القاضي المكتوب إليه، أو مات المكتوب إليه أو عزل ووصل الكتاب إلى من ولي بعده فالكتاب جائز، ينفذه من وصل إليه، وإن كان إنما كتب لغيره. أبو إسحاق: ولا ينبغي أن يسمي المكتوب إليه، وإنما يقال: "قاضي فلانة، ابن الحاج" وهو خلاف المدونة؛ لقوله فيها: وإن كان إنما كتب لغيره. المازري: ووقع لابن القاسم في قاضي مصر إذا كتب لقاضي إفريقية في القضاء على غائب بإفريقية فلقي المحكوم له المحكوم عليه بطرابلس أنه لا يحاكمه فيها، وهذا يتأول على أن المحكوم عليه لا يعرف حيث لقيه خصمه، وإنما يعرف بالبلد الذي كتب إلى قاضيه، وإلى هذا أشار سحنون. وَيُمَيِّزُ الْغَائِبَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ وَحِلْيَتِهِ وَحِرْفَتِهِ وَنَحْوِهَا مِمَّا يُمَيَّزُ بِهِ، فَإِنْ وَافَقَهُ آخَرُ حَيُّ أَوْ مَيِّتُ لَمْ يَحْكُمْ عَلَيْهِ إِلا أَنْ يَتَعَيَّنَ بِوَجْهٍ إذا حكم القاضي على الغائب وطلب المحكوم له من القاضي أن يكتب له كتاباً بذلك إلى حاكم بلد المطلوب ليمشي به أو يرسله مع وكيل له- وجب على القاضي أن يجيب لذلك.

стр. 3956

ويعين المحكوم عليه بكل ما يقع به التمييز من اسم ونسب وحلية وحرفة وشهرة وغير ذلك، فإن لم يوجد بتلك البلد على تلك الأوصاف التي وقع التمييز بها إلا واحداً فإن القاضي يؤمر بالكشف ثم يوجه الحكم عليه، وإن وجد على تلك الصفة اثنان فأكثر، لم يحكم على أحدهما إلا بتعيين البينة له أنه الذي أراده القاضي. واختلف إذا عين الطالب واحداً وطلبه بحميل حتى يأتي بالبينة؛ فقال ابن القاسم في المدونة: لا يمكن من ذلك، وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: يمكن إذا لم تؤمن غيبته، ولم يكن من أهل البلد. وإن ترك القاضي الكاتب التمييز ففي المذهب قولان: أولهما: أن القاضي المكتوب إليه لا يعدي الطالب على صاحب الاسم المكتوب حتى يثبت الطالب أنه ليس بتلك الجهة من هو بهذه الصفة، والاسم والشهادة في ذلك على العلم، وهو دليل قول ابن وهب في سماع زونان. وثانيهما: أن يعديه إلا أن يثبت صاحب هذا الاسم أن بالبلد من يوافقه في الاسم والصفة وهو ظاهر قول أشهب في سماع زونان، وقول ابن القاسم في المدنية. قول: (بِوَجْهٍ) وما يتعين به كأن يموت مشاركة في هذا الاسم قبل تاريخ هذا الدين. وَالْمُشَافَهَةُ بِأَنْ يَكُونَا قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ، أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِ وِلايَتِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَسْمَعُ فِي غَيْرِهَا لَمْ يُسْمَعْ، وَلَوْ كَانَ السَّامِعُ فَهِيَ شَهَادَةُ، وَلا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ بِهَا كَغَيْرِهَا .. هذا هو الوجه الثاني من وجهي الإنهاء. وقوله: (أَنْ يَكُونَا قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ) هذا- والله أعلم- إذا عرض للأول عارض يمنعه من التمام كمرض ونحوه، وإلا فللأول أن يتم الحكم، وتردد المازري في هذين

стр. 3957

القاضيين؛ أعني: إذا كانا ببلد واحد وأخبر أحدهما الآخر أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان كذا هل يكتفي بخبر القاضي أم لا؟ قال: فإن قلنا: إن هذا من القاضي كنقل عن شهادة فلا يكتفي هذا القاضي [٦٦١/ ب] المخاطب بتعريفه أنهم شهدوا عنده بكذا؛ لأن الشهود المنقول عنهم حضور، ولا يصح نقل عن شاهد حاضر من غير عذر، وإن قلنا: إن ذلك كقضية؛ فإن القاضي الثاني ينفذ ما قاله الأول من غير أن يطلب إحضار الشهود، وقد يقال: إذا قبلنا قول القاضي وحده فكذلك يصح نقله. قوله: (أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِ وِلايَتِهِ) وذلك إما بأن يكون لكل واحد جهة من البلد، أو يكونا في جهتين متجاورتين. (وَلَوْ كَانَ الْمَسْمَعُ فِي غَيْرِهَا) أي: في غير ولايته (لَمْ يُسْمَعْ) لأنه معزول في تلك الجهة، فصار كقوله بعد العزل: "كنت حكمت بكذا" وأجاز أهل طليطلة أن يخبر القاضي المحل بغير بلده قاضي البلد وينفذ حكمه. ابن سهل: ولو كان السامع للحكم في غير محل ولايته والمسمع في محل ولايته ثم رجع السامع إلى محل ولايته له أن يحكم بما سمعه في غير محل ولايته؛ لأنه حينئذ حاكم بعلمه، وفي أحكام ابن سهل عن أصبغ ما ظاهره أن له أن يحكم، وأجراه مجرى تنفيذ الأحكام في غير ولايته. ابن عبد السلام: وانظر قول المؤلف: (فَهِيَ شَهَادَةُ) فظاهره أن القاضي السامع لو طلب منه أن يؤدي ما سمعه من هذا القاضي إلى قاض ثالثا لكان ذلك له ويكون شاهداً، فيحكم بقوله مع يمين الطالب، أو مع شهادة شاهد آخر، وفي هذا الأصل قولان: هل يكتفي بالشهادة بذلك أو لا بد من السماع من القاضي من زيادة قوله: أشهد علي بكذا؟ ولو قيل: إنه لا يشهد في هذه الصورة من غير خلاف لما بعد، فإن ذلك الخلاف إنما هو إذا

стр. 3958

أشهد القاضي شاهدين على نفسه وحضر مجلسه اثنان غيرهما فهل لهذين الاثنين أن يشهدا بما أشهد به الأولان؟ في ذلك قولان، وفي هذه الصورة لم يقصد القاضي المسمع إلى الإشهاد بوجه، وإنما قصد إلى إعلام قاض آخر مشافهة ولم يتم الحكم بها؛ فتأمله. وَلَوِ اقْتَصَرَ الأَوَّلُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَبَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُنْهَىَ إِلَيْهِ الإِتْمَامُ مِنَ التَّعْدِيلِ وَالْحُكْمِ .. أي: لو اقتصر القاضي الأول على سماع البينة في بلده ولم ينظر في عدالتها، فعلى القاضي الثاني النظر في عدالتها والحكم بمقتضاها، وإن ثبت عند الأول العدالة حكم الثاني، وليس قول القاضي: "ثبت عندي كذا" حكماً منه بمقتضى ما ثبت عنده فإن ذلك أعم منه، وإنما ذكرنا هذا لأن بعض القرويين غلط في ذلك، وألف المازري جزءاً في الرد عليه وجلب فيه نصوص المذهب. وَأَمَّا الْكِتَابُ الْمُجَرَّدُ فَلا أَثَرَ لَهُ أي: عند الإشهاد، وهذا راجع إلى قوله: (بِالإِشْهَادِ وَالْمُشَافَهَةُ). قَالَ مَالِكُ: كَانَ مِنَ الأَمْرِ الْقَدِيمِ إِجَازَةُ الْخَوَاتِمِ حَتَّى حَدَثَ الاتِّهَامُ فَأُحْدِثَتِ الشَّهَادَةُ .. هذا استدلال منه لما ذكر من أن الكتاب المجرد لا أثر له. قوله: (عَلَى إِجَازَةُ الْخَوَاتِمِ) أي: ختم القاضي على كتابه. ابن شعبان: وأول من أحدث الشهادة هارون الرشيد، وقيل: أبوه محمد المعروف بالمهدي. وفي البخاري: إن أول من سأل البينة عن كتاب القاضي ابن أبي ليلى.

стр. 3959

وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: كَذَلِكَ إِلا فِي الْقَرِيبِ كَأَعْرَاضِ الْمَدِينَةِ إِلَى قَاضِيهَا فِي الْحَقِّ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُمْ بَقُوا عَلَى الاجْتِزَاءِ بِالْخَطِّ وَالْخَوَاتِمِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِلا فِي الْقَرِيبِ وَأَطْلَقَ .. أي: وقال ابن كنانة: لا يكتفي بالخواتم، وهو معنى قوله: (كَذَلِكَ إِلا فِي الْقَرِيبِ) ككتاب الأمناء بأعراض المدينة إلى قاضيها، وهي قراها. الجوهري: يقال: أخصبت أعراض المدينة، والأعراض: قرى بين الحجاز واليمن. وقيده بالحق اليسير، ونص قول ابن كنانة في النوادر: والناس اليوم على أنه أرجاء من أعراض المدينة، اجتزوا بمعرفة طابعه وخطه، وجوابه إن كان في الحقوق اليسيرة. (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلا فِي الْقَرِيبِ وَأطْلَقَ) ككتاب الأمناء بأعراض المدينة إلى قاضيها، وهي قراها. مطرف وابن الماجشون وأصبغ: ولا بأس إذا كتب القاضي إلى القاضي في الشيء يسأله عنه من عدالة شاهد أو أمر يستخبره من أمر الخصوم أن يكون كتابه بغير شهود إذا عرف خطه، ما لم يكن فيه قضية قاطعة وكتاب هو ابتدأه به فلا ينفذه إلا بعدلين، قالوا: وأما كتابه إلى قاضي الجماعة أو إلى فقيه يسأله ويسترشده ويخبره، فهذا يقبله إذا عرف خطه وأتاه به رسوله أو من يثق به، إلا أن يأتيه به الخصم فلا يقبله إلا بعدلين. وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ مَا يَرِدُ إِلَيْهِ عَنْ الْحَاكِمِ فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالْعَفْوِ وَغَيْرِهَا إِنْ كَانَ أَهْلاً، وَرَدُّهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ فَإِنْ جَهِلَهُ قَبِلَهُ إِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الأَمْصَارِ، وَكَشَفَ عَنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ. يعني: لا فرق في الحقوق إذا انتهت إلى حاكم بين المالية وغنيرها، إن كان القاضي الكاتب أهلاً؛ أي: للقضاء، بأن تجتمع فيه شروط الولاية.

стр. 3960

(وَرَدُّهُ) معطوف على (قَبُولُ) أي: ويجب رده إذا لم يكن القاضي الأول أهلاً بأن تختل منه شروط القضاء أو بعضها. (فَإِنْ جَهِلَهُ ... إلخ) أي: فإن جهله المنهي إليه قبله؛ أي: المنهي إن كان من قضاة الأمصار؛ لأنه لا يستقضى في الأمصار إلا من كان أهلاً للقضاء، وذلك واضح نص عليه أصبغ في الواضحة. قَالَ ابن الماجشون: الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ تُسْمَعَ الْبَيِّنَةُ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِمْ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْفَعُ وَإِلا قُضِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرَهُ سُحْنُونُ إِلا بِمَحْضَرِهِ إِلا أَنْ يَكُونَ غَائِباً غَيْبَةً بَعِيدَةً ... الذي ذكره ابن الماجشون هو مذهب المدونة، وهو أجري على أصل المذهب في القضاء على الغائب. وقوله: (ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِمْ) هذا لا بد منه، ويعذر إليه في شهادتهم. أما لو شهدوا على إقراره بمحضر القاضي فهل يعذر إليه فيهم أم لا يعذر لكونه سمع إقراره معهم؟ قولان: الأول لابن الفخار، والثاني مذهب الأكثر، وبه مضى العمل. وقال صاحب التحرير: يعذر في كل الشهود إلا في خمسة: أولها هذا، ثانيها: من وهجه الحاكم من قبل نفسه، [٦٢٢/ أ] ثالثها: المزكي في السر، رابعها: المبرز في العدالة، والعمل على أنه يعذر فيه بالعداوة لا غير، خامسها: من قبلت شهادته بالتوسم. خليل: وتزاد سادسة نقلت عن ابن بشير القاضي، وذلك أنه حكم على وزير في قضية وهو غائب، فقال: له الوزير: أخبرني بمن شهد علي، فقال له ابن بشير: مثلك لا يخبر بمن شهد عليه؛ يعني: وإن كان نص في المدونة أنه يخبر بمن شهد عليه وبالشهادة فلعل عنده حجة، وإلا حكم عليه، وعلى هذا فيتخصص الكتاب بهذه الصورة.
следующие страницы →