← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

ويعين المحكوم عليه بكل ما يقع به التمييز من اسم ونسب وحلية وحرفة وشهرة وغير ذلك، فإن لم يوجد بتلك البلد على تلك الأوصاف التي وقع التمييز بها إلا واحداً فإن القاضي يؤمر بالكشف ثم يوجه الحكم عليه، وإن وجد على تلك الصفة اثنان فأكثر، لم يحكم على أحدهما إلا بتعيين البينة له أنه الذي أراده القاضي. واختلف إذا عين الطالب واحداً وطلبه بحميل حتى يأتي بالبينة؛ فقال ابن القاسم في المدونة: لا يمكن من ذلك، وقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: يمكن إذا لم تؤمن غيبته، ولم يكن من أهل البلد. وإن ترك القاضي الكاتب التمييز ففي المذهب قولان: أولهما: أن القاضي المكتوب إليه لا يعدي الطالب على صاحب الاسم المكتوب حتى يثبت الطالب أنه ليس بتلك الجهة من هو بهذه الصفة، والاسم والشهادة في ذلك على العلم، وهو دليل قول ابن وهب في سماع زونان. وثانيهما: أن يعديه إلا أن يثبت صاحب هذا الاسم أن بالبلد من يوافقه في الاسم والصفة وهو ظاهر قول أشهب في سماع زونان، وقول ابن القاسم في المدنية. قول: (بِوَجْهٍ) وما يتعين به كأن يموت مشاركة في هذا الاسم قبل تاريخ هذا الدين. وَالْمُشَافَهَةُ بِأَنْ يَكُونَا قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ وَاحِدٍ، أَوْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِ وِلايَتِهِ، فَلَوْ كَانَ الْمَسْمَعُ فِي غَيْرِهَا لَمْ يُسْمَعْ، وَلَوْ كَانَ السَّامِعُ فَهِيَ شَهَادَةُ، وَلا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ بِهَا كَغَيْرِهَا .. هذا هو الوجه الثاني من وجهي الإنهاء. وقوله: (أَنْ يَكُونَا قَاضِيَيْنِ بِبَلَدٍ) هذا- والله أعلم- إذا عرض للأول عارض يمنعه من التمام كمرض ونحوه، وإلا فللأول أن يتم الحكم، وتردد المازري في هذين

стр. 3957

القاضيين؛ أعني: إذا كانا ببلد واحد وأخبر أحدهما الآخر أنه ثبت عنده بشهادة فلان وفلان كذا هل يكتفي بخبر القاضي أم لا؟ قال: فإن قلنا: إن هذا من القاضي كنقل عن شهادة فلا يكتفي هذا القاضي [٦٦١/ ب] المخاطب بتعريفه أنهم شهدوا عنده بكذا؛ لأن الشهود المنقول عنهم حضور، ولا يصح نقل عن شاهد حاضر من غير عذر، وإن قلنا: إن ذلك كقضية؛ فإن القاضي الثاني ينفذ ما قاله الأول من غير أن يطلب إحضار الشهود، وقد يقال: إذا قبلنا قول القاضي وحده فكذلك يصح نقله. قوله: (أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ فِي طَرَفِ وِلايَتِهِ) وذلك إما بأن يكون لكل واحد جهة من البلد، أو يكونا في جهتين متجاورتين. (وَلَوْ كَانَ الْمَسْمَعُ فِي غَيْرِهَا) أي: في غير ولايته (لَمْ يُسْمَعْ) لأنه معزول في تلك الجهة، فصار كقوله بعد العزل: "كنت حكمت بكذا" وأجاز أهل طليطلة أن يخبر القاضي المحل بغير بلده قاضي البلد وينفذ حكمه. ابن سهل: ولو كان السامع للحكم في غير محل ولايته والمسمع في محل ولايته ثم رجع السامع إلى محل ولايته له أن يحكم بما سمعه في غير محل ولايته؛ لأنه حينئذ حاكم بعلمه، وفي أحكام ابن سهل عن أصبغ ما ظاهره أن له أن يحكم، وأجراه مجرى تنفيذ الأحكام في غير ولايته. ابن عبد السلام: وانظر قول المؤلف: (فَهِيَ شَهَادَةُ) فظاهره أن القاضي السامع لو طلب منه أن يؤدي ما سمعه من هذا القاضي إلى قاض ثالثا لكان ذلك له ويكون شاهداً، فيحكم بقوله مع يمين الطالب، أو مع شهادة شاهد آخر، وفي هذا الأصل قولان: هل يكتفي بالشهادة بذلك أو لا بد من السماع من القاضي من زيادة قوله: أشهد علي بكذا؟ ولو قيل: إنه لا يشهد في هذه الصورة من غير خلاف لما بعد، فإن ذلك الخلاف إنما هو إذا

стр. 3958

أشهد القاضي شاهدين على نفسه وحضر مجلسه اثنان غيرهما فهل لهذين الاثنين أن يشهدا بما أشهد به الأولان؟ في ذلك قولان، وفي هذه الصورة لم يقصد القاضي المسمع إلى الإشهاد بوجه، وإنما قصد إلى إعلام قاض آخر مشافهة ولم يتم الحكم بها؛ فتأمله. وَلَوِ اقْتَصَرَ الأَوَّلُ عَلَى سَمَاعِ الْبَيِّنَةِ وَأَشْهَدَ بِذَلِكَ وَجَبَ بِذَلِكَ عَلَى الْمُنْهَىَ إِلَيْهِ الإِتْمَامُ مِنَ التَّعْدِيلِ وَالْحُكْمِ .. أي: لو اقتصر القاضي الأول على سماع البينة في بلده ولم ينظر في عدالتها، فعلى القاضي الثاني النظر في عدالتها والحكم بمقتضاها، وإن ثبت عند الأول العدالة حكم الثاني، وليس قول القاضي: "ثبت عندي كذا" حكماً منه بمقتضى ما ثبت عنده فإن ذلك أعم منه، وإنما ذكرنا هذا لأن بعض القرويين غلط في ذلك، وألف المازري جزءاً في الرد عليه وجلب فيه نصوص المذهب. وَأَمَّا الْكِتَابُ الْمُجَرَّدُ فَلا أَثَرَ لَهُ أي: عند الإشهاد، وهذا راجع إلى قوله: (بِالإِشْهَادِ وَالْمُشَافَهَةُ). قَالَ مَالِكُ: كَانَ مِنَ الأَمْرِ الْقَدِيمِ إِجَازَةُ الْخَوَاتِمِ حَتَّى حَدَثَ الاتِّهَامُ فَأُحْدِثَتِ الشَّهَادَةُ .. هذا استدلال منه لما ذكر من أن الكتاب المجرد لا أثر له. قوله: (عَلَى إِجَازَةُ الْخَوَاتِمِ) أي: ختم القاضي على كتابه. ابن شعبان: وأول من أحدث الشهادة هارون الرشيد، وقيل: أبوه محمد المعروف بالمهدي. وفي البخاري: إن أول من سأل البينة عن كتاب القاضي ابن أبي ليلى.

стр. 3959

وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: كَذَلِكَ إِلا فِي الْقَرِيبِ كَأَعْرَاضِ الْمَدِينَةِ إِلَى قَاضِيهَا فِي الْحَقِّ الْيَسِيرِ فَإِنَّهُمْ بَقُوا عَلَى الاجْتِزَاءِ بِالْخَطِّ وَالْخَوَاتِمِ، وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: إِلا فِي الْقَرِيبِ وَأَطْلَقَ .. أي: وقال ابن كنانة: لا يكتفي بالخواتم، وهو معنى قوله: (كَذَلِكَ إِلا فِي الْقَرِيبِ) ككتاب الأمناء بأعراض المدينة إلى قاضيها، وهي قراها. الجوهري: يقال: أخصبت أعراض المدينة، والأعراض: قرى بين الحجاز واليمن. وقيده بالحق اليسير، ونص قول ابن كنانة في النوادر: والناس اليوم على أنه أرجاء من أعراض المدينة، اجتزوا بمعرفة طابعه وخطه، وجوابه إن كان في الحقوق اليسيرة. (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلا فِي الْقَرِيبِ وَأطْلَقَ) ككتاب الأمناء بأعراض المدينة إلى قاضيها، وهي قراها. مطرف وابن الماجشون وأصبغ: ولا بأس إذا كتب القاضي إلى القاضي في الشيء يسأله عنه من عدالة شاهد أو أمر يستخبره من أمر الخصوم أن يكون كتابه بغير شهود إذا عرف خطه، ما لم يكن فيه قضية قاطعة وكتاب هو ابتدأه به فلا ينفذه إلا بعدلين، قالوا: وأما كتابه إلى قاضي الجماعة أو إلى فقيه يسأله ويسترشده ويخبره، فهذا يقبله إذا عرف خطه وأتاه به رسوله أو من يثق به، إلا أن يأتيه به الخصم فلا يقبله إلا بعدلين. وَيَجِبُ عَلَيْهِ قَبُولُ مَا يَرِدُ إِلَيْهِ عَنْ الْحَاكِمِ فِي الْمَالِ وَالْقِصَاصِ وَالْعُقُوبَاتِ وَالْعَفْوِ وَغَيْرِهَا إِنْ كَانَ أَهْلاً، وَرَدُّهُ إِنْ كَانَ غَيْرَ أَهْلٍ فَإِنْ جَهِلَهُ قَبِلَهُ إِنْ كَانَ مِنْ قُضَاةِ الأَمْصَارِ، وَكَشَفَ عَنْهُ إِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِمْ. يعني: لا فرق في الحقوق إذا انتهت إلى حاكم بين المالية وغنيرها، إن كان القاضي الكاتب أهلاً؛ أي: للقضاء، بأن تجتمع فيه شروط الولاية.

стр. 3960

(وَرَدُّهُ) معطوف على (قَبُولُ) أي: ويجب رده إذا لم يكن القاضي الأول أهلاً بأن تختل منه شروط القضاء أو بعضها. (فَإِنْ جَهِلَهُ ... إلخ) أي: فإن جهله المنهي إليه قبله؛ أي: المنهي إن كان من قضاة الأمصار؛ لأنه لا يستقضى في الأمصار إلا من كان أهلاً للقضاء، وذلك واضح نص عليه أصبغ في الواضحة. قَالَ ابن الماجشون: الْعَمَلُ عِنْدَنَا أَنْ تُسْمَعَ الْبَيِّنَةُ حَضَرَ الْخَصْمُ أَوْ لَمْ يَحْضُرْ، ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِمْ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ مَدْفَعُ وَإِلا قُضِيَ عَلَيْهِ، وَلَمْ يَرَهُ سُحْنُونُ إِلا بِمَحْضَرِهِ إِلا أَنْ يَكُونَ غَائِباً غَيْبَةً بَعِيدَةً ... الذي ذكره ابن الماجشون هو مذهب المدونة، وهو أجري على أصل المذهب في القضاء على الغائب. وقوله: (ثُمَّ يَعْلَمُ بِهِمْ) هذا لا بد منه، ويعذر إليه في شهادتهم. أما لو شهدوا على إقراره بمحضر القاضي فهل يعذر إليه فيهم أم لا يعذر لكونه سمع إقراره معهم؟ قولان: الأول لابن الفخار، والثاني مذهب الأكثر، وبه مضى العمل. وقال صاحب التحرير: يعذر في كل الشهود إلا في خمسة: أولها هذا، ثانيها: من وهجه الحاكم من قبل نفسه، [٦٢٢/ أ] ثالثها: المزكي في السر، رابعها: المبرز في العدالة، والعمل على أنه يعذر فيه بالعداوة لا غير، خامسها: من قبلت شهادته بالتوسم. خليل: وتزاد سادسة نقلت عن ابن بشير القاضي، وذلك أنه حكم على وزير في قضية وهو غائب، فقال: له الوزير: أخبرني بمن شهد علي، فقال له ابن بشير: مثلك لا يخبر بمن شهد عليه؛ يعني: وإن كان نص في المدونة أنه يخبر بمن شهد عليه وبالشهادة فلعل عنده حجة، وإلا حكم عليه، وعلى هذا فيتخصص الكتاب بهذه الصورة.

стр. 3961

ابن رشد: ولابد من تسمية الشهود في الحكم على الغائب على القول بأن الحجة ترجى له؛ ليجد سبيلاً إلى رد القضية بتجريح الشهود، هذا هو المشهور في المذهب المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وإن لم يسم البينة فالقضية مردودة؛ تفسخ ويستأنف الحكم فيها، وقاله أصبغ في الواضحة وغيرها، وهو الصحيح على القول بأن الحجة ترجى له، وأما الحكم على الحاضر فلا يحتاج إلى تسمية الشهود؛ إذ قد أعذر فيهم إلى المحكوم عليه، إلا أن تسميتهم أحسن. أصبغ: وبذلك مضى العمل. ابن أبي زمنين: وهو الذي عليه الحكام، وأما الغائب والصغير فلابد من تسميتهم، وقد روى سحنون أيضاً أنه لا يلزم ذلك في الغائب وأن ذلك أحسن، وهو إنما يأتي على قول ابن الماجشون أن الغائب إذا حكم عليه لا ترجى له الحجة. انتهى. وَيَحْكُمُ بِالدَّيْنِ وَغَيْرِهِ مِمَّا يَتَمَيَّزُ غَالِباً بِالصِّفَةِ كَالْعَبْدِ وَالْفَرَسِ، وَقِيلَ: مَا لَمْ يَدَّعِ الْحُرِّيَّةَ أَوْ يَدَّعِيهِ ذُو يَدٍ .. يعني: أن ما يحكم به إما أن لا يقبل التمييز قبل الحكم، أو يقبله؛ فالأول: لا يطلب؛ إذ لا معنى لطلب ما يتعذر حصوله، فتقول البينة مثلاً: "غصب له حديداً قيمته كذا". والثاني: وهو ما يقبل التمييز لا يخلو إما أن يكون تحت يد منازع فيه وشبهه كدعوى العبد الحرية، أو لا يكون كذلك، والثاني لا يطلب حضوره؛ لأن الأصل ألا يكلف مدعيه بينة، بل يأخذه بالصفة والأمارة وما في معناهما. والأول المشهور فيه الاكتفاء بالصفة، والشاذ لابن كنانة. قال في المجموعة وكتاب ابن سحنون: فأما من يدعي الحرية أو عبداً أو قربة بيد رجل فلا يدرك ذلك بصفته في كتاب قاض حتى تراه البنية فيثبتونه، ولم أسمع من قضى بذلك.

стр. 3962

وَفِي الْعَقَارِ ثَالِثُهَا: فِي الْغَيْبَةِ الْبَعِيدَةِ كَمَا تَقَدَّمَ هذا الكلام يوهم أنه فرع من المسألة التي قبله، وليس كذلك؛ لأن السابق هل يشترط حضور المحكوم به لتشهد البينة على عينه أو لا؟ وهذه المسألة إنما المراد بها هل يشترط حضور المحكوم عليه ليستوفي حجته أم لا؟ ابن عبد السلام: والقول بأنه يحكم عليه لعبد الملك، والقولان الباقيان في المدونة ما لم تبعد الغيبة جداً مثل الأندلس وطنجة من المدينة فإنه يحكم عليه، وهذا الخلاف إنما هو في الاستحقاق وحده، وأما بيع الربع في الدين على الغائب وشبه ذلك من الحقوق فلا خلاف في المذهب أنه يباع عليه بينة، هكذا قال بعضهم، ووقع في العتبية خلاف في بيع الرباع في الدين. انتهى. وعلى هذا ففي حكاية المصنف الأقوال الثلاثة نظر؛ لأن البعيد جداً يحكم عليه، قال بعضهم: بلا خلاف، والقريب الغيبة كالحاضر، ولم أر جميع الأقوال، وسأذكر لك ما وقفت عليه. وقد قسم ابن رشد الغيبة إلى ثلاثة أقسام: قريبة ومتوسطة وبعيدة جداً أو غيبة انقطاع. أما القريبة كاليومين والثلاثة والطريق مأمونة فالوجه أن القاضي إذا ثبت عنده قرب غيبته مع الأمن وهو من أهل علمه، فإنه يكتب إلى قاضي البلد الذي هو فيه أو إلى عدلين من عدول ذلك الموضع، ويعلمه بمن قام عليه وبما ادعاه وبما ثبت عنده وبتسمية الشهود الذين قبلهم وبتسمية المعدلين لهم، فإذا ثبت عنده إقراره بألا مدفع له، أو ادعى مدفعاً وعجز عنه سجل عليه وقضى عليه في الربع وغيره، ولا يختلف في ذلك، ولا حجة له بعد ذلك، ولا يحكم عليه بشيء قبل الإعذار إليه. والمتوسطة كعشرة أيام ونحوها أو على مسيرة يومين أو ثلاثة والطريق مخوفة فيحكم عليه فيما عدا الأصول، وفيها قولان:

стр. 3963

قال في المدونة في القسم: سمعت من يذكر عن مالك أنه لا يقضي على الغائب في الدور، وهو رأيي، إلا في الغيبة البعيدة مثل الأندلس وطنجة من المدينة، وما بعد فليقض عليه، وما علمت في هذا خلافاً. وكذلك قال مالك في الواضحة وأنكر ذلك ابن الماجشون وقال: إنما يقول ذلك أهل العراق، وعلماء المدينة وحكامها على خلافه، وبه قال سحنون. وحيث قضى عليه فإنه لا يعذر إليه، وترجى له الحجة، واختلف النقل عن سحنون هل ترجى له الحجة أم لا؟ فذكر ابن رشد عنه أنه لا ترجى له، وكذلك ذكر ابن الهندي. والذي ذكره عنه في الجواهر أنه ترجى له. وأما البعيدة كمكة من إفريقية والأندلس من خراسان فهذا يحكم عليه في كل شيء من الديون والحيوان والعروض والرباع والأصول، وترجى له الحجة في ذلك. ابن القاسم في كتاب القسم: ولايقيم القاضي لغائب أو لطفل وكيلاً يقوم بحجته. أبو عمران: لأن الموكل تنقطع حجته بانقطاع حجة وكيله، فلو وكل القاضي لهما لانقطعت حجتهما بانقطاع حجة الوكيل؛ فكان تركهما على حجتهما أنفع لهما. [٦٦٢/ ب]. ابن عبد السلام: وظاهر ما ذكره ابن القاسم أنه سمعه عن مالك عدم القضاء على الغائب ولو بعدت غيبته، وعلى هذا حمله بعضهم. وَيَنْفُذُ الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ بِالْبَيِّنَةِ وَالْيَمِينِ عَلَى عَدَمِ الإِبْرَاءِ وَالاسْتِيفَاءِ وَالاعْتِيَاضَ وَالإِحَالَةِ وَالاحْتِيَالِ وَالتَّوْكِيلِ عَلَى الاقْتِضَاءِ فِيهِ وَفِي بَعْضِهِ، وَقِيلَ: وَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إِلَى الآنَ .. أي: يحكم على الغائب بالدين إذا قامت للطالب بينة أو حلف، والقول الثاني من كلام المصنف يستلزم التكرار؛ لأن قوله: (وَإِنَّهُ بَاقٍ عَلَيْهِ إِلَى الآنَ) يستلزم نفي الاحتيال والإبراء وغير ذلك، وربما زاد الموثقون وغيرهم في فصول هذه المسألة: لم يسقط عليه من

стр. 3964

الدين شيء، وعم هذه الزيادة بعضهم لضعف توجه دعوة الهبة على أحد القولين، وكذلك عم الإبراء الذي ذكره المصنف، وظاهر كلام المصنف أنه لا بد من حلف الطالب، وقد ذكر المازري فيها قولين للعلماء: أحدهما: أن يمين الطالب واجبة على القاضي لا يصح الحكم إلا معها؛ لأن القاضي يبرم القضية ويقول في حكمه: أوجبت على الغائب هذا الحق. وثانيهما: أنه استظهار واحتياط، وعليه فإن لم يحلف الطالب ووصل وكيله إلى المطلوب فادعى أنه قضاه الحق فإنها مسألة فيها إشكال، ووقف فيها حذاف العلماء، وعندنا فيها قولان: أحدهما: أنه لا يلزم المحكوم عليه بتسلم الحق حتى يستحلف له الطالب للحق، فيعود وكيله إليه حتى يتم الحكم باستحلافه من الطالب. وقيل: بل يلزم بدفع الحق وينصرف هو يطلب يمين الغائب، لأن هذا إن لم يفعل وقفت الأحكام على الغائب، ولم يعجزه أحد عن إيقافها بهذه الدعوى. المازري: وهذا إنما يتصور إذا أثبت الحق على الغائب مستحقه، وأما ل وأثبته وكيل المستحق فإنه لا يطلب بهذه اليمين ويرجى الأمر فيها إلى أن يدعيها الغائب إذا ورد الحكم عليه، وأما الميت والصبي والمجنون فإنهم لا يقضى عليهم بالديون إلا بعد استحلاف الطالب؛ لكون الميت يستحيل منه قضاء الدين، وكذلك الصبي والمجنون ما دام الصبي في حال الطفولة، والمجنون في حال جنونه. انتهى. وَكَذَلِكَ إِذَا كَانَ غَائِباً عَنِ الْبَلَدِ أَوْ مُتَوَارِياً أَوْ مُتَعَذِّراً. الإشارة بذلك إلى إنفاذ القضاء على الغائب ولم يحد مقدار الغيبة.

стр. 3965

المازري: وهي مصروفة إلى الاجتهاد، ولم يرد الشرع بحد معلوم، ووقع لسحنون الإعذار إلى من بصقلية، ووقع في رواية أخرى أن الغائب يحكم عليه قربت غيبته أو بعدت، إلا أن تقترب جداً. وقوله: (أَوْ مُتَوَارِياً) أي: مستخفياً. قال في البيان: إن تغيب بعد استيفاء حجته فراراً من القضاء عليه فإنه يقضي عليه ويعجزه كما لو حضر ولا حجة له، إلا على القول بأن المحكوم عليه إذا أتى بحجة لها وجه بعد الحكم أنها تسمع، وإن تغيب قبل استيفاء حجته تلوم له، فإن لم يخرج قضى عليه من غير قطع حجته. وذكر ابن شعبان أنه إذا توارى وأثبت الطالب حقه حكم عليه إن كان له مال ظاهر، وإن لم يكن له مال ظاهر وثبت أنه في منزله فمنهم من يرى أنه يختم على بابه ويبعث رسولاً ثقة ومعه شاهدين؛ ينادي بحضرتهما ثلاثة أيام، كل يوم ثلاث مرات: "يا فلان ابن فلان القاضي فلان يأمرك بحضور مجلس الحكم مع خصمك، وإلا نصب لك وكيلاً فإذا نصب له وكيلاً وسمع البينة قضى عليه إلى أن يقدر على استخراج المال منه. ومنهم من يرى أن يهجم عليه. ومنهم من يرى أن يرسل عدلين ومعهما جماعة من الخدم والنسوان والأعوان فيكون الأعوان بالباب وحول الدار، ثم يدخل النسوان، ثم الخدم بغتة ويعزلن خدم المطلوب في بيت ويفتش المنزل. وقوله: (أَوْ مُتَعَذِّراً) بالذال المعجمة؛ يعني: كتمسكه بجاه ونحوه وفي بعض النسخ: (متعززاً) بزائين، والمعنى قريب.

стр. 3966

وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: إِنْ كَانَ لَهُ بِالْبَلَدِ مَالُ أَوْ حَمِيلُ أَوْ وَكِيلُ، وَإلا نُقِلَتِ الشَّهَادَةُ يعني: أن ابن عبد الحكم قال: إنما يحكم على الغائب بشرط أن يكون له ببلد الحكم مال أو حميل أو وكيل؛ يريد: لأنه إذا لم يكن ببلد الحكم أحد هذه الأشياء صار القاضي حاكماً على من ليس في ولايته؛ فلذلك قال: وإلا تنقل الشهادة مع عدم هذه الأشياء لقاضي بلد المدعى عليه. واختلف إذا كانت الدعوى في بلد والمدعى عليه في غيرها؛ فقال عبد الملك: الخصومة والقضاء حيث يكون المدعي، وأقامه فضل من المدونة. وقال مطرف: حيث يكون المدعى عليه. مطرف: وبه الحكم في المدينة، وبه حكم ابن بشير بالأندلس، قاله أصبغ وسحنون. ابن عبد السلام: واشتراط حضور الوكيل لا تظهر له كبير فائدة؛ لأنه إن كان للمدعى عليه عند الوكيل مال فالمال وحده كاف، وإن لم يكن له عنده مال فلا معنى لنزاعه معه، اللهم إلا أن يكون الوكيل مفوضاً إليه يلزم الموكل إقراره عليه، فحينئذ تظهر لذلك فائدة. وَيُجْلَبُ الْخَصْمُ مَعَ مُدَّعِيهِ بِخَاتَمٍ أَوْ رَسُولٍ إِذَا لَمْ يَزِدْ عَلَى مَسَافَةِ الْعَدْوَى، فَإِنْ زَادَ لَمْ يَجْلِبْهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُ فَيُكْتَبُ إِلَيْهِ إِمَّا أَنْ يَحْضُرَ أَوْ يَرْضَى .. لما تكلم على الحكم الغائب، تكلم على حاضر وما في معناه فذكر أنه يجلب مع خصمه بخاتم أو رسول إذا كان على مسافة يعدى عليه [٦٦٣/ أ] فيها، ولم يحددها. ابن عبد الحكم وابن حبيب: والقريب مثل أن يأتي ثم يرجع ويبيت في منزله والطريق مأمونة، وحدد الباجي القرب في سجلاته بثلاثة أميال. الجوهري: والعدوى: طلبك إلى والٍ ليعديك على من ظلمك؛ أي: ينتقم منه، يقال: استعديت على فلان الأمير فأعداني عليه، أي: استعنت به عليه فأعانني. والاسم منه العدوى وهي: المعونة.

стр. 3967

وقوله: (فَإِنْ زَادَ لَمْ يَجْلِبْهُ مَا لَمْ يَشْهَدْ شَاهِدُ .. إلخ) أي: شاهد بالحق، هكذا هو منصوص لابن عبد الحكم، وفي وثائق ابن هشام: لا يجلب من البعد خصماً ولا شاهداً. سحنون في العتبية: والبعد ستون ميلاً. وَلا يَلْزَمُ مَنْ يُزْرِي بِهَا حُضُورُ مَجْلِسِ الْحَاكِمِ أَنْ تَحْضُرَ لِتَحْلِفَ وَلَوْ كَانَتْ تَتَصَرَّفُ، وَيَبْعَثُ الْحَاكِمُ مَنْ يُحَلِّفُهَا، فَإِنْ كَانَ فِيمَا لَهُ بَالُ فَفِي الْمَسْجِدِ لَيْلاً .. الأصل أن النساء كالرجال، إلا أنه لما كان شأنهن الستر وفي تركه امتهان لهن لم يكلفن بالإتيان إلى مسجد الحاكم، ويبعث الحاكم من يحلفها، ولا مقال للخصم؛ لأن الذي له- إحلافها لا امتهانها. وقوله: (وَلَوْ كَانَتْ تَتَصَرَّفُ) نحوه في الجواهر، وفيه نظر، ويتم ما قالا إلا إذا كانت تحلف في مجلس الحكم، وأما إن كانت تحلف بغيره فلا يزم من الإزراء بها في حضور مجلس الحكم الإزراء بها في حضور الجامع، ثم هو خلاف ظاهر المدونة؛ لأن فيها: وتخرج المرأة فيما له بال من الحقوق فتحلف في المسجد، فإن كانت ممن لا تخرج نهاراً فلتخرج ليلاً، وتحلف في اليسير في بيتها. وأم الولد مثل الحرة، بخلاف المدبرة والمكاتبة؛ اللهم إلا أن يحمل قول المصنف: (وَلَوْ كَانَتْ تَتَصَرَّفُ) على أنها تتصرف ليلاً. وفي الطراز عن المشاور: كل من تخرج من النساء بالنهار إلى خصام أو نزه أو مقابر وشبه ذلك تحلف بالنهار وإن خرجن مستترات، وأما التي لا تحلف بالنهار ممن تختمر فلا تخرج في النهار في شيء، وقريب منه ذكره ابن عبد السلام فقال: الذي مشى عليه العمل ربط هذا الحكم؛ فمن تخرج نهاراً في حوائجها تحلف في الجامع نهاراً، ومن لا تخرج نهاراً تحلف في بيتها أو في الجامع ليلاً، وهكذا قال بعض الأندلسيين.

стр. 3968

قوله: (وَيَبْعَثُ الْحَاكِمُ مَنْ يُحَلِّفُهَا) نص في المدونة على أنه يكتفي بالواحد، وهذا النعت إنما هو فيما لا بال له، فإن كان له بال ففي المسجد ليلاً. المازري: والمشهور أن المال الذي له بال ربع دينار. وقال ابن المواز: بل أكثر منه مما له بال. ابن محرز: وهو أشبه بظاهر الكتاب. وَإِذَا مَسَّتْ يَتِيماً حَاجَةُ وَلَهُ رِبَاعُ فِي وِلايَةٍ أُخْرَى كَتَبَ بِحَاجَتِهِ، وَقُضِيَ بِبَيْعِ أَقَلَّهَا رَدَّاً عَلَيْهِ وَتَنْفِيذِ ثَمَنِهِ .. يعني: إذا كان يتيم في ولاية قاض، وله رباع في ولاية قاض آخر، فإن قاضي بلده يكتب بحاله وحاجته، ويطلب منه أن يبيع من رباعه أقلها رداً عليه- والرد هو المنفعة- وينفذ الثمن إلى القاضي الكاتب، فتنفيذه مخفوض معطوف على بيع، وقد تقدم في الحجر الوجوه التي يباع فيها عقار اليتيم. فروع: الأول: إذا كانت المرأة خارجة عن ولاية القاضي لم يجز له إنكاحها إلا إذا دخلت في محل ولايته، نقله في الجواهر. الثاني: للقاضي النظر في جميع الأشياء إلا في قبض الخراج. ويختص القاضي أو موليه بأمور عشرة؛ التقديم على الأيتام، والنظر في الأوصياء وأموال الغائب من القسمة عليه وغيرها، والأحباس المعقبة، والطلاق، والتحجير، والإثبات، والتسجيل، والدماء، والحدود، والأنساب. الثالث: إذا قام عن الغائب محتسب في شيء تعدى فيه على الغائب أو أخذ له أو في عيب أحدث عليه في داره أو أرضه فهل يمكن القاضي هذا القائم من مخاصمة ذلك المتعدي أو لا؟ خمسة أقوال:

стр. 3969

أولها: أنه لا يمكن من ذلك إلا الأب والابن ومن له قرابة قريبة، ثم إذا مكنه من المخاصمة فلا يخرج الملك من يد حائزه، ولا يزيل العيب الذي أحدث؛ لاحتمال أن يقر به الغائب أو يقر بأنه أعلم بما حدث، وإنما يشهد بذلك خوفاً من موت الشهود ثم ينظر الغائب، ولو أقر من بيده العقار أو غيره أنه للغائب أخرجه عنه وجعله بيد ثقة، ويقطع العيب إن اعترف بإحداثه. ثانيها: أنه يمكن من ذلك القريب والأجنبي، قاله ابن القاسم أيضاً، وذهب سحنون إلى أن القاضي يوكل من ينوب عن الغائب، وهو أحد قولي ابن الماجشون وقاله أصبغ. وثالثها: أنه يمكن من إقامة البينة ولا يمكن من الخصومة. ورابعها: أنه لا يمكن من إقامة البينة ولا من الخصومة إلا بتوكيل الغائب، قاله ابن الماجشون ومطرف في الواضحة. وخامسها: أن القريب والأجنبي يمكن من الخصومة في العبد والدابة والثوب دون توكيل؛ لأن هذه الأشياء تفوت وتحول وتغيب، ولا يمكن من الخصومة في غير ذلك إلا الأب والابن، حكاه ابن حبيب عن مطرف. وعلى القول بالتمكين فهل ذلك في القريب والبعيد، أو في القريب خاصة؟ قولان: قال سحنون: في القريب الغيبة دون بعيدها. وقيل: في البعيد، وهو الظاهر من رواية أشهب وقول ابن الماجشون.

стр. 3970

الشَّهَادَةُ وَشَرْطُهَا أَنْ يَكُونَ حُرّاً مُسْلِماً بَالِغاً عَاقِلاً عَدْلاً مُسْتَعْمِلاً لِمُرُوءَةِ مِثْلِهِ، وَفِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُوَلَّى عَلَيْهِ لِسُوءِ نَظَرِهِ فِي الْمَالِ لا لِجُرْحَةٍ خِلافُ أي: وشرط قبولها؛ لأن تحملها يكون بدونه. واحترز بالحر من الرقيق القن ومن فيه شائبة من شوائب العتق؛ [٦٣٣/ ب] لأن الشهادة مرتبة شريفة فسلب العبد أهليتها لنقصه عن المناصب الشريفة جرياً على ما ألف من محاسن العادات، وعلل بعضهم المنع بأن الرق أثر كفر فمنع كأصله. واحترز بالمسلم من الكافر لقوله تعالى: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢] والكافر ليس بمرض، والإجماع على عدم قبول شهادتهم على المسلمين، وكذلك شهادة بعضهم على بعض عندنا، خلافاً لأبي حنيفة في قبوله شهادة الكفار بعضهم على بعض، وخلافاً للشعبي وقتادة في قولهما: تقبل شهادة كل كافر على من شاركه في كفره. وبالبالغ من الصبي؛ لاحتمال كذبه؛ لعلمه بعدم التكليف. وبالعاقل من المجنون، وبالعدل من الفاسق. وباستعماله مروءة مثله ممن ليس كذلك، وسيأتي تفسيرها، ولم يجعل المصنف المروءة داخله في العدالة تبعاً للمازري وابن محرز وغيرهما، وجعلها عياض داخلة فيها، والأمر في ذلك قريب. وقوله: (وَفِي كَوْنِهِ غَيْرَ مُوَلَّى عَلَيْهِ لِسُوءِ نَظَرِهِ فِي الْمَالِ) القول بإجازة شهادته لمالك من رواية أشهب وابن عبد الحكم. وقال أشهب: لا تجوز؛ لأن المحجور عليه مخدوع، والمخدوع لا تجوز شهادته، وإن كان مثله لو طالب بماله أخذه. محمد: وهو أحب إلي.

стр. 3971

قال في البيان: وهو الذي يأتي على المشهور المعلوم من المذهب من قول مالك وأصحابه أن المولى عليه لا تنفذ أقواله. ابن عبد السلام: وهو ظاهر كتاب الشهادات من المدونة. وَالْعَدَالَةُ: الْمُحَافَظَةُ الدِّينِيَّةُ عَلَى اجْتِنَابِ الْكَذِبِ وَالْكَبَائِرِ، وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ، وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ، وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ، لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةُ؛ فَإِنَّهَا فِسْقُ .. تعرض لتفسير العدالة ولم يتعرض لما قبلها لوضوحها، واحترز بالمحافظة الدينية من المحافظة على ما ذكره المصنف؛ لتحصيل منصب دنيوي ونحوه، كما هو الموجود في كثير من أهل زماننا. والمراد بـ (الدِّينِيَّةُ) أن يكون الحامل على هذه الأوصاف الأمر الديني كخوف الله تعالى وطلب ثوابه، وانظر لو كان فعل الإنسان هذه الأوصاف بجبلته، والأقرب أنه لا يقدح، وقد مدح رسول الله ﷺ أشج عبد القيس بخصلتين جبله الله عليهما، وهما: الحلم والأناة. واحترز بالديني من الدنيوي كالرياء وطلب المنزلة. ابن عبد السلام: وعطف الكبائر على الكذب وإن كان منها لكونه أهم ما يطلب في الشهادة، وغاير بين الصغائر والكبائر على مذهب الأكثرين خلافاً لمن عدها كلها كبائر، وظاهر الأدلة الشرعية مع الأكثرين، ولكن اضطربوا في الطرق التي بها تمتاز إحداهما عن الأخرى فمنهم من عدها. قال المصنف في أصوله: وقد اضطرب في الكبائر فروى ابن عمر ﵄: "الشرك بالله، وقتل النفس، وقذف المحصنات، والزنى، والفرار من الزحف، والسحر، وأكل مال اليتيم، وعقوق الوالدين، والإلحاد في الحرام" وزاد أبو هريرة ﵁:

стр. 3972

"أكل الربا" وزاد علي ﵁: "السرقة وشرب الخمر" ومنهم من سلك طريقة الحصر بالضوابط، ففي الإكمال عن ابن عباس ﵄ أنه قال: كل ما نهي عنه فهو كبيرة. وسئل: أهي سبع؟ فقال: إلى السبعين أقرب، ويروى إلى سبعمائة أقرب. وقال أيضاً: "الكبائر كل ذنب ختمه الله بنار أو غضب أو لعنة أو عذاب" ونحوه عن الحسن، وقيل: هي ما أوعد الله عليه بنار أو بحد في الدنيا، وقال ابن مسعود وجماعة ﵃: هي جميع ما نهى الله عنه من أول سورة النساء إلى قوله: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) [النساء: ٣١] وقيل: ما عظمت مفسدته فهو كبيرة وما لم تعظم فهو صغيرة، وقيل: كل ما أسقط العدالة فهو كبيرة. وفيه نظر؛ لأنه يؤدي إلى الدور؛ إذ سقوط الشهادة فرع عن كونها كبيرة، ثم إن العدالة قد تسقط بصغائر الخسة، وقال ابن عبد السلام: قال الشافعي: إذا أردت معرفة الفرق بين الصغائر والكبائر فاعرض مفسدة الذنب على مفاسد الكبائر المنصوص عليها فإن نقصت عن أقل مفاسد الكبائر فهو من الصغائر، وإن ساوت أدنى مفاسد الكبائر أو أربت عليها فهو من الكبائر. وعد من الكبائر شتم الرب والرسول، والاستهانة بالرسل، أو تكذيب واحد منهم، وتلطيخ الكعبة بالعذرة، وإلقاء المصحف في القاذورات فهذا من أكبر الكبائر، ولم يصرح الشرع بأنه كبيرة. ابن دقيق العيد: وهذا الذي قاله عندي داخل فيما نص الشرع عليه بالكفر، قال: ولابد مع هذا من أمرين: أحدهما: أن المفسدة لا توجد مجردة عما يقترن بها من أمر آخر فإنه قد يقع الغلط في ذلك، ألا ترى أن السابق إلى الذهن أن مفسدة الخمر السكر وتشويش العقل، فإن أخذنا هذا بمجرده لزم منه ألا يكون شرب القطرة الواحدة كبيرة؛ لخلائها عن تلك المفسدة، ومع ذلك فإنها كبيرة؛ لما اقترن بها من مفسدة التجرؤ على شرب الكثير الموقع في تلك المفسدة، فبسبب هذا الاقتران تصير كبيرة.

стр. 3973

الأمر الثاني: أنا إذا سلكنا هذا المسلك فقد تكون مفسدة بعض الصغائر مساوياً لبعض الكبائر وزائداً عليها، فإن من أمسك امرأة محصنة لمن يزني بها، أو مسلماً معصوماً لمن يقتله فهو كبيرة وأعظم مفسدة من أكل الربا وأكل مال اليتيم مع كونهما منصوصاً عليهما في الكبائر، وكذلك لو دل على [٦٦٤/ أ] عورة من عورات المسلمني تفضي إلى قتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم كان ذلك أعظم من فراره من الزحف، وفراره من الزحف منصوص على أنه كبيرة. خليل: وهذا الثاني مندرج في كلام ابن عبد السلام؛ فتأمله. وظاهر قوله: (وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ) العموم، لكنه سيخصصه بقوله: (وَلا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرُ). وقيد المصنف في أصوله الصغائر بصغائر الخسة، وكذلك قال الأبهري: إن العدل: المتوقي لأكثر الصغائر. قوله: (وَأَدَاءِ الأَمَانَةِ) وهو مندرج في الكبائر باعتبار ضده، وهو الخيانة؛ لأن الشارع قد نص عليها فكان الأولى تركها، وأجاب ابن عبد السلام: بأن الكبائر من قبيل ما هو مطلوب الترك، وأداء الأمانة من قبيل ما هو مطلوب الفعل؛ فلا يدخل أحدهما تحت الآخر، ورد بأن الكبائر تعم الأفعال والترك، ولو كانت خاصة بمطلوب الترك لزمه أن يذكر جميع الأفعال التي يكون تركها كبيرة كالصلاة والزكاة ونحوهما. قوله: (وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ) ابن عبد السلام: هو شرط في العدالة؛ لأن الإنصاف من نفسه في ما عليها والاقتصار على مالها من لوازمه. والضمير في قوله: (لَيْسَ مَعَهَا بِدْعَةُ) عائد على العدالة. انتهى.

стр. 3974

ويحتمل عوده على المحافظة واحترز بذلك مما لو كان حافظاً لدينه لكن يصحبه مع ذلك بدعة من الاعتزال ونحو ذلك، وعلل ذلك بأن البدعة فسق، ومن يقول بالتكفير فالمنع على قوله واضح. ابن شعبان: ولا تقبل شهادة المبتدع وإن لم يدع إلى بدعته، وزاد الأبهري في شروط الشاهد: أن يكون متوسط الحال بين البغض والمحبة. ابن محرز: يريد: لأن الفرض في المحبة يقوي تهمة من شهد له كالآباء والأزواج، والفرض في البغض كالعدو والخصم يقوي تهمته، وترك المصنف هذا اكتفاءً بما سيذكره في الموانع. وَلا يُعْذَرُ بِجَهْلٍ وَلا تَاوِيلٍ كَالْقَدَرِيِّ وَالْخَارِجِيِّ لما ذكر أن البدعة تمنع من قبول الشهادة بين هنا أنه لا فرق في البدعة بين أن يكون صاحبها متعمداً أو جاهلاً أو متأولاً، ومثل الجاهل والمتأول بالقدري والخارجي ويحتمل أن يكون القدري مثالاً للجاهل؛ لأن أكثر شبههم عقلية والخطأ فيها يسمى جهلاً، والخارجي مثالاً للمتأول؛ لأن شبههم سمعية فالخطأ فيها يسمى تأويلاً، ويحتمل أن يريد بالجاهل المقلد من الفريقين، والمتأول: المجتهد منهما. وَلا يُشْتَرَطُ انْتِفَاءُ الْمَعْصِيَةِ؛ فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرُ هكذا في الجواهر لأنه قال: قال علماؤنا: وليست العدالة أن يمحض الرجل الطاعة حتى لا تشوبها معصية، وذلك متعذر لا يقدر عليه إلا الأولياء والصديقون، ولكن من كانت الطاعة أكثر حاله وأغلبها عليه وهو مجتنب للكبائر محافظ على ترك الصغائر فهو العدل. وهذا الكلام مخصص لقوله أولاً: (وَتَوَقِّي الصَّغَائِرِ) وعلى هذا فالمراد: لا يشترط انتفاء جميع الصغائر، وإلا فالكبائر لابد من اجتنابها كلها، ويدل على ذلك قوله: (فَإِنَّهُ مُتَعَذِّرُ) لأن تجنب الكبائر لا يتعذر.

стр. 3975

وَلَكِنْ رُبَّ مَعْصِيَةٍ لا يُحَافِظُ مُرْتَكِبُهَا عَلَى دِينِهِ عَادَةً لما ذكر أنه لا يشترط انتفاء جميع المعاصي خشي أن يتوهم أن ارتكاب أي معصية من الصغائر لا ينافي العدالة؛ فاستدرك ذلك بأن بعض المعاصي وإن كانت صغيرة يشترط انتفاؤها لوصف اقترن بها يدل على أن مرتكبها لا يبالي بدينه. المصنف في أصوله: كصغائر الخسة، كسرقة لقمة والتطفيف بحبة. فروع: الأول: اختلف في شهادة القارئ بالألحان. الباجي: وأحب إلي ألا تجوز. الثاني: الباجي: البخيل الذي ذمه الله ورسوله هو الذي لا يؤدي زكاة ماله، فمن أدى زكاة ماله فليس ببخيل ولا ترد شهادته. وقال بعض أصحابنا: شهادة البخيل مردودة وإن كان مرضي الحال يؤدي زكاة ماله؛ لأنه ساقط المروءة. انتهى. الثالث: من ترك واجباً كالصلاة والصوم حتى خرج وقته سقطت شهادته، وهذا ما كان من العبادة على الفور، وأما ما كان على التراخي فلا تبطل شهادته إلا أن يترك ذلك المدة الطويلة التي يغلب على الظن تهاونه بها مع تمكنه من أدائها، فقد قال سحنون فيمن كان صحيح البدن متصل الوفر منذ بلغ عشرين سنة إلى أن يبلغ ستين فلا شهادة له وإن كان من أهل الأندلس؛ يريد: إن ترك الحج. وأما ترك المندوب فما كان منه يتكرر ويتاكد كالوتر وركعتي الفجر وتحية المسجد وما قد واظب عليه الناس فإن كان ذلك مرة أو مراراً لعذر أو لغير عذر فلا تسقط عدالته، وأما من أقسم ألا يفعله أو تركه جملة فإن ذلك يسقط شهادته، قاله الباجي.

стр. 3976

المازري: واختلف المذهب عندنا في التجريح بترك صلاة الجمعة؛ فقيل: لا يجرح به؛ لأن الأعذار القاطعة قد تخفى على الناس فتوكل إلى أمانة الناس، إلا أن يتحقق أنه تركها لغير عذر. وقيل: بل يجرح؛ لأن الظاهر أن تركها معصية، والأعذار نادرة حتى تثبت، ثم حكى الخلاف على هذا القول هل يجرح بالمرة أو لابد من ثلاث؟ انتهى. وعزى الباجي القول بالمرة لأصبغ، ووجهه القياس على سائر الفرائض، قال: وهو ظاهر رواية عيسى عن ابن القاسم. والقول بأن العدالة لا تسقط إلا بتركها ثلاثاً لسحنون ورواه مطرف عن مالك، قال: وأما إن تركها جملة فعدالته ساقطة. وَفِيهَا: لَوْ ثَبَتَ عَلَى الشُّهُودِ أَنَّهُمْ شَرَبَةُ خَمْرٍ أَوْ أَكَلَةُ رِباً أَوْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ، أَوْ أَصْحَابُ قِيَانٍ، أَوْ مُجَّانُ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ وَالشِّطَرَنْجِ فَذَلِكَ يُسْقِطُهُ وَمَا يُشْبِهُهُ. هكذا وقع في [٦٦٤/ ب] التهذيب في باب السرقة، إلا الكذب ففي باب الشهادة: والشربة: جمع شارب، وكذلك الأكلة، وفي معنى الشرب هنا بيع الخمر وعصرها، ولا يشترط أكله الربا، بل يكفي بيعه به وشراءه. (أَوْ مَعْرُوفُونَ بِالْكَذِبِ فِي غَيْرِ شَيْءٍ) الظاهر أن قوله: (مَعْرُوفُونَ) يغني عن قوله: (فِي غَيْرِ شَيْءٍ) ولهذا لم يذكر في المدونة إلا قوله: (فِي غَيْرِ شَيْءٍ) ومقتضى كلامهم أنه لا يجرح بالكذبة الواحدة، وهو الذي في الرسالة لقوله: "أو مجرب في كذب". فإن قلت: ينبغي أن تكفي الكذبة الواحدة؛ لأن الكذب كبيرة فلا تشترط الكثرة قياساً على الشرب وغيره. قيل: لعل الفرق أن التحرز منه عسير إلا على من وفقه الله، والله أعلم. والقينة- عند الفقهاء-: الأمة المغنية، وصرح الجوهري بأنها الأمة مطلقاً، سواء كان مغنية أم لا، قال: وبعض الناس ظنها المغنية خاصة وليس كذلك.

стр. 3977

ثم الغناء إن كان بغير آلة فهو مكروه عندنا، نقله المازري وغيره، وإذا كان مكروهاً فلا يقدح في الشهادة بالمرة الواحدة بل لابد من تكراره، وكذلك نص عليه ابن عبد الحكم؛ لأنه حينئذ يكون قادحاً في المروءة، وفي المدونة: ترد شهادة المغني والمغنية، والنائح والنائحة إذا عرفوا بذلك. المازري: وأما الغناء بآلة فإن كانت ذات أوتار كالعود والطنبور فممنوع، وكذلك المزمار، والظاهر عند بعض العلماء أن ذلك ملحق بالمحرمات، وإن كان محمد أطلق في سماع العود أنه مكروه، وقد يريد بذلك التحريم، ونص ابن عبد الحكم على أن سماع العود ترد به الشهادة إلا أن يكون ذلك في عرس أو صنيع وليس معه شراء يسكر فإنه لا يمنع من قبول الشهادة، قال: وإن كان ذلك مكروهاً على كل حال. وقد يريد بالكراهة التحريم كما قدمنا. وقوله: (أَوْ مُجَّانُ) جمع ماجن. الجوهري: والمجون ألا يبالي الإنسان ما صنع، وقد مجن بالفتح يمجن مجوناً ومجانة فهو ماجن، والجمع مجان. وقوله: (مُجَّانُ يَلْعَبُونَ بِالنَّرْدِ) أحسن منه ما في المدونة: أو مجان، أو أنهم يلعبون بالنرد؛ لأن مجرد المجانة قادحة، وفي مسلم أنه ﵇ قال: "من لعب بالنردشير فكأنما صبغ يده في لحم خنزير ودمه". ابن عبد السلام: وأما الشطرنج فقد جاءت فيه أحاديث غير صحيحة تتضمن ذمه، وقد اختلف العلماء في إباحته ابتداءً إذا كان لعبه من غير قمار؛ فمذهب مالك أنه ممنوع فتارة يعبر عن ذلك بالكراهة، وتارة يقول: هو شر من النرد، وهو نص على التحريم. انتهى. خليل: وقد يقال: في هذا نظر؛ لأن ما ذكره عن مالك من قوله: "هي ألهي من النرد" هو له في المدونة، مع أنه نص فيها على أنه لا يجرح إلا بالإدمان، ولو كان حراماً ما اشترط الإدمان، ولعل مالكاً إنما قال: "هي ألهى" لأنها تفتقر إلى حساب وفكرة بخلاف النرد، لا أنها مثلها في الحرمة.

стр. 3978

وفي الجواهر النص على الكراهة في الشطرنج، وفي إجرائه على ظاهره أو التحريم خلاف، ثم قال: وقيل: الإدمان عليه حرام؛ وقيل: إن لعبت على وجه يقدح في المروءة كالمحترم يلعبها على الطريق ومع الأطراف والأوباش فلا يحل ذلك، وإن لعبت في الخلوة مع الأمثال والنظراء من غير إدمان ولا في حالة تلهي فيه عن العبادات والمهمات الدينية والدنيوية فهي مباحة، وعلى هذا فلا شك أن النرد أشد من الشطرنج؛ لعدم الاختلاف فيه. هذا هو الذي يؤخذ من كلام الأصحاب، وقال المازري: حكم النرد في ظاهر المذهب كحكم الشطرنج، قال: وهو المعروف، وأشار محمد بن عبد الحكم إلى مخالفة حكمهما فقال: إن الشطرنج لا يوجب رد الشهادة إلا إذا ترك اللاعب بها الصلاة في الجماعة، وأما النرد فإنه لا يلعب به في زماننا إلا أهل السفه وتاركوا المروءة. انتهى. قوله: (وَمَا يُشْبِهُهُ) أي: من سائر اللعب المؤذن بترك المروءة. وَيُشْتَرَطُ الإِدْمَانُ فِي التَّجْرِيحِ بِالشِّطْرَنْجِ عَلَى الأَصَحِّ اشتراط الإدمان لمالك في أول شهادات المدونة، وذلك للخلاف في إباحتها ابتداء فقد روي عن جماعة من التابعين أنهم كانوا يلعبون بها، وذكر الشافعي أن سعيد بن جبير كان يلعب بها استظهاراً؛ أي: من غير نظر فيه وإنما يأمر غيره بما يفعل، ولم يقيد اللعب به في المدونة في كتاب السرقة والرجم بالإدمان، واختلف هل هو خلاف لما في الشهادات أو هو مقيد به؟ فعلى الخلاف يكون القولان في المدونة، ونقل ابن يونس وغيره مقابل الأًح عن بعضهم أنه لا تجوز شهادته، وإن لم يكن مدمناً، وقال ابن عبد الحكم: لا ترد به الشهادة إلا أن يكثر اللعب بها حتى يشغله عن الصلاة في الجماعة.

стр. 3979

فرع: إذا اشترطنا الإدمان ففسره أحمد بن نصر بأن يلعب بها في السنة مرة. نقله صاحب النكت، وقال بعض الأصحاب: أن يلعب بها في السنة مرتين. وَالْمُرُوءَةُ: الارْتِفَاعُ عَنْ كُلِّ أَمْرٍ يُرَى أَنَّ مَنْ تَخَلَّقَ بِهِ لا يُحَافِظُ مَعَهُ عَلَى دِينِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَرَاماً كَالإِدْمَانِ عَلَى لَعِبِ الْحَمَامِ وَالشِّطْرَنْجِ، وَكَالْحِرْفَةِ الدَّنِيَّةِ مِنْ دِبَاغَةٍ وَحِجَامَةٍ وَحِيَاكَةٍ اخْتِيَاراً مِمَّنْ لا يَلْيقُ بِهِ، فَأَمَّا أَهْلُهَا أَوْ مَنِ اضْطُرَّ فَلا يُقْدَحُ .. ابن محرز: ولسنا نريد بالمروءة نظافة الثوب وفراهة الركوب وجودة الآلة وحسن الشارة، ولكن المراد بها التصون والسمت والحسن وحفظ اللسان وتجنب السخف والمجون والارتفاع عن كل خلق رديء يرى أن من تخلق به لا يحافظ معه على دينه وإن لم تكن في نفسه جرحة، كالإدمان على لعب الحمام والشطرنج وإن لم يقامر عليها. انتهى. وفي آخر كتاب الرجم: ولا تجوز شهادة لاعب الحمام إذا كان يقامر عليها. واختلف الشيوخ هل يقيد ما قاله في غير هذا الموضوع بهذا القيد؛ أي: [٦٦٥/ أ] المقامرة، أو هو خلاف. أخرج أبو داود عن أبي هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً يتبع حمامة فقال: "شيطان يتبع شيطانة". وما ذكره المصنف في الحرف نحوه في الجواهر، وألحق بعض أهل المذهب وغيرهم بمن اضطر إلى هذه الحرف من قصد باستعمال هذه الصنائع كسر نفسه ومباعدتها عن الكبر، وتخليقها بأخلاق الفضلاء كما قد اشتهر ذلك عن جماعة.

стр. 3980

تنبيه: ذكر المصنف أن الدباغة والحجامة والحياكة ممن لا تليق به تقدح في المروءة، وهذه لا يقال: إن صاحبها لا يحافظ معها على دينه؛ فانظره، وإليه أشار ابن راشد. وَلا يُقْبَلُ عَبْدُ وَلا كَافِرُ مُطْلَقاً قد تقدم هذا. وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُمَيِّزِ مِنَ الصِّبْيَانِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً، وَعَلَيْهِ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَقَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: هِيَ السُّنَّةُ، وَمَا أَدْرَكْتُ الْقُضَاةَ إِلا وَهُمْ يَحْكُمُونَ بِهَا .. هذا كالتقييد لقوله أولاً: (بالغاً) ولما كان قبول شهادتهم على خلاف الأصل ذكر دليله وهو إجماع أهل المدينة، ومن جهة المعنى أنهم يندبون إلى تعليمهم الرمي والثقاف والصراع ليدربهم على حمل السلاح والكر والفر، والغالب أن الكبار لا يحضرون معه فلو لم تقبل شهادة بعضهم على بعض لأدى إلى إهدار دمائهم غالباً. قوله: (فِي الدِّمَاءِ خَاصَّةً) ومراده بالدماء: القتل والجراح، وهذا هو المشهور، وقال ابن عبد الحكم: لا تقبل فيها على الأصل وقال أشهب: تقبل في الجراح دون القتل؛ لعظم أمره. وفي قوله: (إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ) نظر؛ لأن صاحب الاستذكار نقل عن القاسم وسالم أنهما لم يجيزاها. وستأتي شروط قبول شهادتهم. بِخِلافِ النِّسَاءِ فِي الْمَآتِمِ وَالأَعْرَاسِ عَلَى الأَصَحِّ أي: فلا تقبل، والأصح لمالك، ومقابله في الجلاب عن بعض الأصحاب، واعتبرها بشهادة الصبيان بعضهم على بعض، وألحق بالأعراس الحمام. والفرق للمشهور أن

стр. 3981

الصبيان مندوبون إلى الاجتماع بخلاف النساء؛ لأن شهادة الصبيان على خلاف الأصل فلا يصح قياس عليها. و (الْمَآتِمِ) بالتاء المثناة، الزبيدي: هو الجماعة من النساء والرجال في حزن. الجوهري: وهو عند العرب: النساء يجتمعن في الخير والشر، والجمع المآتم، وعند العامة: المصيبة. وَاشْتُرِطَ أَنْ يَكُونُوا أَحْرَاراً مَحْكُوماً بِإِسْلامِهِمُ، اثْنَيْنِ فَصَاعِداً، مُتَّفِقَيْنِ غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ، قَبْلَ تَفَرُّقِهِمْ، إِلا أَنْ يَشْهَدَ الْعُدُولُ عَلَى شَهَادَتِهِمْ ... لما ذكر أن شهادة الصبيان مقبولة في الدماء شرع في شروطها: الأول: أن يكونوا أحراراً فلا تقبل شهادة العبيد. أشهب: ولا من فيه بقية رق؛ لأنه إذا لم تجز شهادة كبارهم فأحرى صغارهم، وهذا هو المعروف، وحكى عبد الوهاب في شرح الرسالة عن بعض متأخري أصحابنا أن شهادة العبيد الصغار جائزة. الثاني: أن يكونوا محكوماً بإسلامهم، قال في البيان: لا أعلم فيه خلافاً. الثالث: أن يشهد منهم اثنان فصاعداً قياساً على الكبار، ولا تجوز شهادة الواحد عند مالك وابن القاسم، ولا تكون معه قسامة، ولذلك قال المغيرة: لا يحلف معه في الجراح، وقال ابن نافع في كتاب ابن مزين: يقسم بشهادة الصبي الواحد في العمد، وقال ابن الماجشون في المبسوط: يحلف ولي الصبي في الجراح مع شهادة الصبي الواحد، قال في البيان: وقيل: يحلف الصبي المشهود له إذا بلغ مع شهادة الصبي. الرابع: أن تكون شهادتهم متفقة.

стр. 3982

وقوله: (مُتَّفِقَيْنِ) مثنى لاثنين؛ لأنهما إذا اختلفا لم يحصل النصاب، ويحتلم أن يكون جمعاً لكنه يكون الاختلاف مقيداً بما تبطل بمثله شهادة الكبار، كما لو شهد اثنان منهم أن فلاناً شج فلاناً، وقال آخران: بل شجه فلان، فقال مالك: تبطل شهادتهم. الباجي: ولو اختلفوا اختلافاً يقتضي في الكبار الأخذ بشهادة أحدهما لم تبطل، وقال ابن الماجشون: لو شهد صبيان أن صبياً قتل صبياً وشهد آخران أنه لم يقتله وإنما أصابته دابة قضى بشهادة من شهد بالقتل، وقال بعض القرويين: بل هو اختلاف يوجب سقوط شهادتهم. وروى ابن وهب عن مالك في ستة صبيان لعبوا في البحر فغرق واحد منهم، فشهد ثلاثة على اثنين أنهما أغرقاه، وشهد الاثنان على الثلاثة أنهم أغرقوه- أن العقل على الخمسة؛ لأن شهادتهم مختلفة، وقال مطرف وابن المواز: لا تجوز لاختلافهم. وقوله: (غَيْرَ مُخْتَلِفَيْنِ) نعت تأكيدي لمتفقين. الشرط الخامس: أن تكون شهادتهم قبل تفرقهم؛ لأن تفرقهم مظنة تخبيبهم وتعليمهم؛ فلا تقبل إلا أن يشهد العدول على شهادتهم قبل تفرقهم. وَفِي اشْتِرَاطِ الذُّكُورِيَّةِ قَوْلانِ الشرط السادس: الذكورية، وهي شرط عند مالك في المدونة، وهو المشهور، وبه قال ابن القاسم في شهادات المدونة، وبه قال ابن الماجشون وأشهب وسحنون، وأجاز المغيرة شهادتهن. أبو عمران: يعني في الجراح والقتل، وقال ابن محرز: الأظهر أنه يجيزها في الجراح فقط، وعلى القبول فروى معن بن عيسى ومطرف عن مالك اشتراط ذكر معهن، فقال: يقبل غلام وجاريتان، وقال ابن الماجشون: لا يجوز غلام وجارية، ولا جوارٍ وإن كثرن. ابن رشد وغيره: عن ابن الماجشون أنه تجوز شهادة الصبيات وحدهن دون صبي. التونسي: وهو ظاهر أحد قولي ابن القاسم.

стр. 3983

وَفِي قَبُولِهَا فِي الْقَتْلِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ قد تقدما على القبول، فقال غير واحد من أصحاب مالك: لا تجوز حتى يشهد العدول على رؤية البدن مقتولاً. وَلا يَقْدَحُ [٦٦٥/ ب] رُجُوعُهُمْ وَلا تَجْرِيحُهُمْ يعني: لا يقدح رجوعهم عما شهدوا به ولو كان قبل الحكم كما يقدح ذلك في شهادة الكبار؛ لأن الظاهر أن ما شهدوا به أولاً هو الواقع وأن الثاني من التعليم، أما لو تأخر الحكم بشهادتهم حتى بلغوا وعدلوا ثم رجعوا فإن رجوعهم يقبل، قاله في الموازية، قال: ولو شكوا بعد بلوغهم لم يضر حتى يوقنوا أنهم قد شهدوا بالباطل. وأما تجريحهم فقال ابن المواز: لم يختلف أنه لا ينظر إلى ذلك؛ أي: لأن رأس أوصاف العدالة قد عدم منهم؛ وهو البلوغ. وَفِي قَدْحِ الْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ قَوْلانِ الشرط السابع: وهو مختلف فيه، وهو أن لا يكون الشاهد قريباً للمشهود له، ولا عدواً للمشهود عليه، والقول بالقدح بالقرابة لابن القاسم. ابن المواز: وعلى قوله فلا يجوز مع العداوة، ونقل ابن يونس القبول فيهما عن ابن المواز، ولعبد الملك المنع بالقرابة فقط؛ فإن القرابة توجب المخالطة والمحاماة من سن الصغر. وأما العداوة فلا يظهر سببها للصغير، واختار جماعة قول ابن القاسم؛ لأنا علمنا بالعادة من حال الأطفال الميل إلى القريب والبغض للعدو.

стр. 3984

وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ عَلَى كَبِيرٍ لِصَغِيرٍ وَلا عَلَى عَكْسِهِ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: أَمَّا عَلَى صَغِيرٍ بِقَتْلِهِ فَتَجُوزُ. الشرط الثامن: أن تكون شهادة بعضهم على بعض؛ فلا تجوز شهادتهم لصغير على كبير ولا بالعكس؛ لاحتمال التعليم من الكبير، وقال مطرف وابن الماجشون: شهادتهم جائزة لصغير على كبير وبالعكس، والأول أظهر، وقول محمد بن المواز له وجه؛ لأن معناه أن شهادتهم مقبولة على صغير أنه قتل كبيراً؛ لأن بموت الكبير يؤمن تعليمه بخلاف العكس فإنهم متهمون بالدفع عن أنفسهم، وقول المصنف في قول محمد بقتله احترازاً مما لو جرحه فإنه لا تقبل عنده، ولهذا زاد في قول محمد: لأنه لم يبق حتى يعلمهم، قال بعضهم: يريد: قتل قصاص. والقصاص: الموت مكانه، ذكره الجوهري. وَلا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ مَعَ حُضُورِ كَبِيرٍ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ الشرط التاسع: أن لا يحضر معهم كبير، ولم يخالف في ذلك إلا سحنون في أحد قوليه. فَإِنْ كَانَ فَاسِقاً أَوْ كَافِراً أَوْ عَبْداً فَقَوْلانِ إذا كان الكبير الحاضر ممن لا تجوز شهادته كالكافر والفاسق والعبد فقال مطرف وابن الماجشون وأصبغ: لا يضر حضورهم شهادة الصبيان. المازري: ولا خلاف منصوص فيه عندنا، وقاله سحنون في كتاب ابنه ثم توقف. فالقول بعدم الإجازة على هذا ليس بمنصوص، إلا أنه لازم في التعليل بالتخبيب، ثم التخبيب في حق هؤلاء أشد، والأول مبني على أن عدم قبول شهادة الصبيان مع حضور الكبير إنما هي لأجل ارتفاع الضرورة بشهادة الكبير، والله أعلم. وبقي عليه من الشروط: أن يكون الشهود والمشهود عليهم في جماعة واحدة.

стр. 3985

المازري: المعروف من المذهب أنه لا تقبل شهادة صغار على صغار لم يكن الشهود في جملتهم، وانفرد ابن مزين فقبل ذلك في المارين بهم، وأن يكون الصغار ممن يعقل الشهادة؛ لأن الشهادة من شروطها الضبط، إلا أن يقال: استغنى المصنف عن هذا الأخير بقوله أولاً: (المميز). فرع: اللخمي: واختلف إذا شهد صبيان أن هذا الصبي قتل صبياً وشهد عدلان أنه لم يقتله هل يؤخذ بقول الصبيين لأنهما أثبتا حكماً، أو بقول الرجلين وهو الأحسن؟ وَيَعْتَمِدُ الْحَاكِمُ عَلَى عِلْمِهِ فِي التَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ اتِّفَاقاً ذكر المازري أنه لا خلاف فيه، وعلى هذا فالمسألة مجمع عليها لا تحتاج إلى دليل، وفرق بينه وبين غيره بأن العدالة وضدها يشارك القاضي فيها غيره فلا تقع تهمة، بخلاف العلم بإقرار رجل وإنكاره فإنه لو لم يحكم بعلمه في عدالة من شهد عنده لافتقر إلى عدلين آخرين وهكذا فيتسلسل، ولا يقال: إن ذلك ينقطع بأن يكون العدلان ظاهري العدالة؛ لأنا نقول: اتفاق مثل هذا نادر، فلو توقفت الأحكام على مثله لكانت تضيع. سحنون: ولو شهد عندي عدلان مشهوران بالعدالة وأنا أعلم خلاف ما شهدا به لم يجز لي أن أحكم بشهادتهما، ولم يجز لي ردها لظاهر عدالتهما، ولكن أرفع ذلك للأمير الذي هو فوقي، وأشهد بما علمت، وغيري بما علم فيرى فيه رأيه. قال: ولو شهد عندي رجلان ليسا بعدلين على أمر أعلم أنه حق فلا أقضي بشهادتهما؛ لأني أقول في كتاب حكمي بعد أن صحت عندي عدالتهما: وإنما صحت عندي جرحتهما. ومثله لابن كنانة وابن الماجشون.

стр. 3986

وَكَذَلِكَ الْمَشْهُورُ الْعَدَالَةُ وَالْجُرْحَةُ، وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الاسْتِزْكَاءُ مَهْمَا شَكَّ الاستزكاء: طلب التزكية، وحاصله إنما يطلب الحاكم التزكية إذا شك في أمره، وأما إن علم عدالته وجرحته فإنه يعمل على ذلك، وهكذا قال في المدونة والعتبية وغيرهما. وشهد ابن أبي حازم عند قاضي المدينة أو عاملها فقال: أما الاسم فعدل، ولكن من يعرف أنك ابن أبي حازم. قال في النوادر: وأعجب ذلك مشايخنا. وقوله: (وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الاسْتِزْكَاءُ) أي: على القاضي، وإذا وجب هذا على القاضي فلا يجوز له أن يقبل المسلم المجهول الحال، خلافاً لأبي حنيفة ﵁. وأجاز [٦٦٦/ أ] ابن حبيب قبول شهادة الغرباء على التوسم فيهم، وأجاز بعض المتأخرين مثل ذلك في أهل البلد في اليسير من الحقوق، واختار ابن عبد البر وجماعة من العلماء قبول رواية طلبة العلم، وجعل الأصل فيهم العدالة حتى يظهر خلافه؛ لقوله ﵇: "يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله" أي: ويقبل الكافر بإثر إسلامه على ظاهر المذهب؛ لأنه محيت عنه الآثام، وتوقف ابن القصار في قبولهما حتى يظهر من حاله ما يوجب قبولها. ابن عبد السلام: ورأيت في بعض التعاليق مما ينسب لأبي عمران أنه ينظر إلى صفات هذا الشاهد قبل إسلامه، فإن كانت لم ينقص منها إلا وصف الإسلام قبلت، وإن كانت على غير هذا أو جهل أمره توقف القاضي عنها. وَلَوْ أَقَرَّ الْخَصْمُ بِالْعَدَالَةِ حُكِمَ عَلَيْهِ خَاصَّةً يعني: إذا أقر المشهود عليه بأن الذي شهد عليه عدل فإن الحاكم يحكم عليه لإقراره بعدالته، وحكى في الكافي عن أصبغ أنه لا يحكم عليه إلا بالتزكية ولو رضي الخصم بعدالته.

стр. 3987

ابن عبد السلام: وينبغي أن يتأول ما ذكره المصنف على أن الخصم أقر بعدالة الشاهد بعد أدائه الشهادة، وأما لو أقر قبل أدائها ففي لزومها له نظر؛ فقد قالوا إذا قال أحد الخصمين: "كل ما شهد به علي فلان حق" فشهد عليه أنه لا يلزمه ما شهد به؛ لأنه يقول: ظننت أنه لا يشهد إلا بحق. انتهى. وفرق بينهما بأنه إذا أقر بعدالته أقر بأمر متقدم بعلمه منه، بخلاف من التزم ما شهد به؛ لأنه يقول: ظننت أنه لا يشهد إلا بالحق. وقوله: (خَاصَّةً) أي: ولا يحكم بها على غيره. ظاهره: ولو تضمنت شهادته هذه حقاً على المشهود له، وفيه نظر؛ لأن ابن لبابة قال في منتخبه: الذي نعرفه من فتيا من أدركنا من الشيوخ أن المشهود له يلزمه ما شهد له به وعليه شاهده إذا كان لا يصل إلى حقه إلا بشهادته. قالوا: ويقال له: إن قلت: "صدق الشاهد" فيلزمك ما شهد به، وإن قلت: "كذب في بعض" فقد جرحته" فلا تعطى بشهادته شيئاً. ابن الماجشون: في اليهودي يشهد المسلمون أنه رضي بشهادة اليهودي فيحكم عليه حكامهم ثم يرجع عن الرضا بهم فذلك له. ابن القاسم: ولو رضي المسلمون بشهادة المسخوطين فيما بينهم لزم، وليس لمن رضي بذلك الرجوع عنه كما لو رضيا بغير شهادة، ولو رفعا ذلك إلى حاكم لم يحكم بينهما بشهادتهما. وفي المتيطية: روي عن مالك في الرجل يشهد لابنه بحق فيدفع المشهود عليه الحق بشهادته بغير حكم، وفي الرجل يقوم له شاهد واحد فيدفع المشهود عليه الحق بشهادته خاصة، وفي الرجل يطلق امرأته- يريد: طلاقاً بائناً- فتدعي عليه حملاً غير ظاهر فينفق عليها ثم ينفش الحمل: إن ذلك كله أصله واحد لا رجوع لواحد منهم، ولو شاءوا لتثبتوا.

стр. 3988

وَلا يُقْبَلُ فِي التَّعْدِيلِ إِلا الْفَطِنُ الَّذِي لا يُخْدَعُ، قَالَ سحنون: وَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ يُقْبَلُ تَعْدِيلُهُ، وَلا يُقْبَلُ إِلا الْعَارِفُ بِوَجْهِ التَّعْدِيلِ وَهُوَ أَنْ يَعْرِفَ عَدَالَتَهُ بِطُولِ الْمِحْنَةِ وَالْمُعَاشَرَةِ لا بِالتَّسَامُعِ، وَقَالَ سحنون: فِي السَّفَرِ وَالْحَضَرِ، قَالَ مَالِكُ: وَإِذَا صَحِبَهُ شَهْراً فَلَمْ يَعْلَمْ إِلا خَيْراً فَلا يُزَكِّيهِ بِهَذَا .. هذا كالمتفق عليه، ووجهه أن التصنع كثير؛ فلذلك لا يقبل في التعديل كل من شهد، بل من يطلع على عور الناس، وكذلك لا يقبل أيضاً إلا بطول المعاشرة، قال سحنون: تقبل تزكية كل من يعرف باطنه كما يعرف ظاهره ممن صحبه طويلاً وعامله في السفر والحضر، وعلى هذا ففي نقل المصنف لقوله نقص. ابن كنانة وسحنون: ومن عدل رجلاً لم يعرف اسمه فليقبل تعديله. مالك: ويجب على من عرف عدالة شخص أن يزكيه؛ لأنه من جملة الحقوق، إلا أن يجد غيره فهو في سعة، ورخص في ذلك ابن نافع؛ لأن العدالة لا يقطع بها بخلاف سائر الحقوق. ويجب التجريح إذا خاف إن سكت أن يحق بشهادة المجروح باطلاً أو يفوت حقاً. وَلا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ سُوقِهِ وَأَهْلِ مَحَلَّتِهِ إِذَا كَانَ فِيهِمْ عُدُولُ لأن ترك أهل محلته وسوقه ريبة، قاله مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، لكنهم قيدوه بما إذا كان غير مشهور العدالة، قالوا إلا أن يكون معدلوه أهل برازة في العدالة والفضل، وإن لم يكن فيها عدول فأقرب البلدان إليهم. وَفِي الْمُدَوَّنةِ: وَلا يُقْبَلُ فِي الْبَلَدِيِّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِخِلافِ الْغَرِيبِ هذه مسألة كتاب اللقطة، ومعناها أنه إذا شهد عند القاضي ولا يعرفه وطلب تعديله فعدله قوم لم يعرفهم القاضي ولكن وجد من يعدلهم ممن يعرفهم القاضي بالعدالة فالشاهد الأول إن كان من أهل البلد فشهادته ساقطة؛ لأن جهل أهل بلده بحاله ومعرفة

стр. 3989

غيرهم به ريبة، والريبة هنا أشد من المسألة السابقة، وإن كان الشاهد الأول غريباً، فإن ذلك جائز لعدم الريبة، وألحق بعضهم بالغريب النساء في هذا. وَلا يَنْبَغِي أَنْ يُجْتَزَأَ بِتَعْدِيلِ الْعَلانِيَةِ بِخِلافِ السِّرِّ يعني: أنه يستحب في التعديل الجمع في ذلك بين السر والعلانية، وهكذا صرح الباجي وغيره بأن الأفضل الجمع بينهما، وإن اقتصر على العلانية جاز، وهذا مذهب [٦٦٦/ ب] المدونة، وقال ابن الماجشون: لا يقبل التعديل في العلانية فقط. اللخمي: وهو أحسن؛ لأن الناس يتقون أن يذكروا في العلانية ما يعلمونه من السر خيفة العداوة. وقوله: (بِخِلافِ السِّرِّ) أي: فإنه يجوز الاكتفاء به، ولا خلاف فيه. قال في الاستذكار: وأول من سأل سراً ابن شبرمة قال: كان الرجل إذا قيل له: هات من يزكيك فيأت القوم فيستحيون منه فيزكونه، فلما رأيت ذلك سألت في السر، فإذا صحت شهادتهم قلت: هات من يزكيك في العلانية. قَالَ مَالِكُ: وَلا أُحِبُّ أَنْ يَسَأَلَ فِي السِّرِّ أَقَلَّ مِنِ اثْنَيْنِ؛ فَلا بَاسَ أَنْ يَقْبَلَ قَوْلَهُ وَحْدَهُ. يعني: أن مالكاً استحب في تزكية السر اثنين، مع أنه أجاز الواحد، وهذا لأن أصل المذهب أن كل ما ابتدأ القاضي فيه بالسؤال اكتفي فيه بالواحد. وفي النوادر: وكل ما يبتدئ القاضي السؤال عنه والكشف من الأمور فله أن يقبل فيه قول الواحد، وما لم يبتدئ به هو وإنما يبتدئ به في ظاهر أو باطن فلابد من شاهدين فيه. وحكى الباجي عن سحنون أنه قال: لا يقبل في السر إلا اثنان.

стр. 3990

ابن رشد: حمل الباجي القولين على الخلاف، وهو أظهر، وذهب غيره إلى أنه ليس بخلاف، وأنه لا خلاف أن الشاهد الواحد يجزأ في تعديل السر، وإن كان الاختيار اثنين. وسكت المصنف عن تزكية العلانية لأنها على الأصل في أنها لا يقبل فيها إلا اثنان. وحكى ابن بطال في أحكامه عن ابن لبابة أن التزكية لا تكون بأقل من ثلاثة، وظاهر المذهب أن شهود الزنى كغيرهم، وهو قول ابن الماجشون ومطرف أنه لا يكفي تزكية شهود الزنى إلا أربعة، وكذلك المشهور قبول التزكية مطلقاً. وقال أحمد بن عبد الملك: لا تكون عدالته في الدماء. ابن زرقون: ولم يصحب هذا القول عمل. وحكى في المتيطية قولاً بقبول تزكية النساء فيما تجوز فيه شهادتهن. مطرف وابن الماجشون: وينبغي للحاكم أن يستكثر من المعدلين، ولا يكتفي باثنين إلا في مثل الثابتين في العدالة والعلم بالتعديل. وَيَسْمَعُ التَّجْرِيحَ فِي الْمُتَوَسِّطِ الْعَدَالَةِ بِاتِّفَاقٍ، وَيَسْمَعُ فِي الْمُبَرِّزِ الْقَدْحَ بِالْعَدَاوَةِ وَالْقَرَابَةِ وَشِبْهِهِ، وَفِي قَبُولِ تَجْرِيحِهِ فِي الْعَدَالَةِ ثَلاثَةُ لِمُطَرِّفٍ وَأَصْبَغَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَانُوا مِثْلَهُ أَوْ أَعْدَلَ قُبِلَ .. يعني: أن القاضي إذا رفعت إليه بينة وزكيت أو قبلها لعلمه بعدالتها فلا يحكم على الخصم إلا بعد الإعذار إليه على ما استمر عليه العمل، ويجب الإعذار في البينة وفيمن زكاها، صرح بذلك ابن القاسم الموثق وصاحب المعين وغيرهما. فإذا أعذر للخصم فأما المتوسط فتسمع فيه المطاعن كلها من تجريح وعداوة وقرابة. وقول المصنف في التجريح يحتمل أن يكون اقتصر على التجريح لأن العداوة والقرابة أولى، ويحتمل أن يكون أطلق الجرح على ما هو أعم.

стр. 3991

وأما المبرز فتسمع فيه القوادح ما عدا التجريح على المعروف، وروي عن مالك أنه لا يباح تجريح المبرز بعداوة وقرابة ولا غيرهما، واستبعدها ابن رشد. وظاهر كلام المصنف أنه يسمع في المبرز القدح بالعداوة والقرابة ممن هو مثله ودونه، وبذلك صرح في البيان. وحكى المصنف في قبول تجريحه ثلاثة أقوال، وقد علمت من قاعدته أن الثالث يدل على الأولين، وأن الأول من الأقوال للأول من القائلين؛ فالقبول لمطرف، وعدمه لأصبغ، والتفصيل لابن عبد الحكم: إن كان المجرحون مثل الشاهد أو أعدل قبل، وإن كانوا دونه لم يقبل، واختار اللخمي وابن عبد السلام قول مطرف، كما لو شهد عليه بموجب حد وغير ذلك، وبقول مطرف قال ابن الماجشون. أحمد بن محمد: ويجرح في العداوة من هو دون الشهود في العدالة ومن يزكي ولا يقبل بفسقه. أحمد بن سعيد: ولا بأس أن يجرح في العداوة والخصومة من لا تقبل شهادته إلا بتعديل، وكذلك أيضاً ذكر صاحب الوثائق المجموعة وغيره، ولم أر ما يخالف ذلك. خليل: وينبغي أن يقيد تجريح من يزكي بأن يكون من يجرح ليست عدالته بينة، فإن بعض الشيوخ أشار إلى أنه يتفق على أنه لا يقبل تجريح من يزكي البين العدالة؛ لأن الحاكم لما نصبه للعدالة كان الاعتماد على قوله أولى. عياض: والمبرز بكسر الراء المشددة؛ أي: ظاهر العدالة سابقاً غيره متقدماً فيها، وأصله من تبريز الخيل في السبق، وتقدم سابقها، وهو المبرز لظهوره وبروزه أمامها. فرع: ما ذكرناه من الإعذار هو المعمول به، وصفة ذلك أن يقول: "شهد عليك فلان، فإن كان عندك مدفع ادفع عن نفسك" ويعلمه أن له التجريح إن كان يجهل ذلك، قيل: وهذا الخلاف فيه.

стр. 3992

واختلف هل يقول له: دونك والجرح؛ فقال مالك: لا يقوله له، وفي ذلك توهين للشهادة. وقال ابن نافع: إذا عدل الشاهد فيقول القاضي للمطلوب: دونك والجرح وإلا حكمت عليك، وبه قال مطرف وابن الماجشون وابن كنانة. وقال أشهب: يقول له ذلك إن قبل الشهود بالتزكية، [٦٦٧/ أ] ولا يقوله في المبرز. وقال ابن القاسم: يقول له ذلك إذا كان ممن لا يدري ذلك كالمرأة والضعيف. ابن راشد: والأول أصوب. ابن عبد السلام: وظاهر المدونة إن طلب ذلك الخصم مكنه وإن لم يطلبه، فإن لم يظن به جهلاً أو ضعفاً دعاه إليه وإلا فلا. وَيُؤَجِّلُ الْخَصْمَ لِلتَّجْرِيحِ ثُمَّ يَحْكُمُ عَلَيْهِ يعني: فإن ادعى المدعى عليه أن عنده تجريحاً أجله في إثباته، ولم يذكر المصنف مقدار الأجل، وهو الأصل؛ لأنه ينبغي أن يوسع لمن لا يعلم منه اللدد، ويضيق على من علم منه ذلك، لكن جرى العمل على أحد عشر يوماً، فمن القضاة من يجمعها، ومنهم من يؤجله ثمانية أيام ثم يرفعه، فإن طلب الزيادة أجله ثلاثة. ابن راشد: وعلى التفرقة جرى العمل. وَقِيلَ لابن القاسم: أَيُجْرَحُ الشَّاهِدُ سِرَّاً؟ قَالَ: نَعَمْ هو ظاهر؛ لما يحصل في الإظهار من العداوة. وَلَوْ سَأَلَ ذُو الْحَقِّ عَنِ الْمُجَرِّحِ فَعَلَى الْحَاكِمِ إِخْبَارُهُ لأنه قد يكون بين المجرح وصاحب الحق عداوة، أو بينه وبين المشهود عليه قرابة. واختلف إذا كان صاحب الحق ممن يتقى شره هل يعلم بالمجرح أم لا؟ حكى المتيطي وغيره في ذلك قولين، وقد تقدم عن ابن بشير أنه عمل بالقول بعد الإخبار.

стр. 3993

ابن عبد السلام: وإنما يلزم عندي الإخبار إذا كان التجريح من بينة، وأما إن كان المعول في القدح على أن القاضي سأل الشاهد عن ذلك سراً فحصل عنده ما يقدح في شهادته فلا يلزمه أن يخبر بذلك الحق؛ إذ لا إعذار في ذلك على أظهر القولين. وَيَكْفِي فِي التَّعْدِيلِ: "أَشْهَدُ أَنَّهُ عَدْلُ رِضاً" وَقِيلَ: أَوْ أَعْلَمُهُ أَو أَعْرِفُهُ، وَقِيلَ: أَوْ أَرَاهُ عَدْلاً رِضاً ... ويكفي: "هو عدل رضا" هو اختيار مالك وأصحابه؛ لأن العدالة تشعر بسلامة الدين، والرضا يشعر بالسلامة من البله والغفلة. واختار الشافعي أن يقول: "عدل جائز الشهادة أرضاه لي وعلي". وليس ذلك بتزكية عندنا. قاله عبد الوهاب؛ لأنه قد يرضى بغير العدل وبالمتهم لغرض له فيه ولا يرضى بالعدل، وقولنا موافق للقرآن لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَى عَدْلٍ مِنْكُمْ) [الطلاق: ٢] وقوله: (مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ) [البقرة: ٢٨٢] وظاهر كلام المصنف أنه لا يكفي أحد اللفظين، وهو الذي صرح به في الجلاب، قال في الكافي: وهو تحصيل مذهب مالك، وقال ابن زرقون: المعلوم من المذهب خلافه، وأنه لو اقتصر على أحد اللفظين من العدالة والرضا أجزأ، وهو معلوم لمالك وسحنون وغيرهما، واختار اللخمي التفصيل: فإن قال إحدى الكلمتين ولم يسأل عن الأخرى فهو تعديل؛ لأن العدل من رضي للشهادة، والرضا عدل، وقد ورد القرآن بقبول شهادة من وصف بإحدى الكلمتين، ولو سأل عن الأخرى فوقف كان ذلك ريبة في تعديله ويسأل عن السبب في وقوفه فقد يذكر وجهاً لا يقدح في العدالة، أو وجهاً يريب فتقف عنه. وقوله: (وَقِيلَ: أَوْ أَعْلَمُهُ أَو أَعْرِفُهُ) يعني: أن القول الأول يشترط أن يقول: "أشهد" وهو القول: يكفي عنده أشهد، أو أعلمه عدلاً رضاً، أو أعرفه" وهو لمالك من

стр. 3994

رواية ابن كنانة، وزاد بعد: "عدل رضا" "جائز الشهادة" ولا يقبل منه: "لا أعلمه إلا عدلاً رضاً". وقوله: (وَقِيلَ: أَوْ أَرَاهُ) ابن عبد السلام: لمطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ أنه يجزيه عندي: "عدل رضا" وليس عليه أن يقول: "هو عند الله رضاً" ولا أن يقول: "أرضاه علي ولي". ورواه أشبه عن مالك ﵀، والأقرب أن مراد المصنف بهذا القول ما لمالك في المجموعة قال: إذا قال المزكي: "لا أعلم إلا خيراً" ليس هذا بتزكية حتى يقول: "أعلمه وأراه عدلاً" لأن قول المصنف: (أَوْ أَرَاهُ) يقتضي أن هذا القائل يوافق على: "أعلمه أو أعرفه" ولم يقع في قول مطرف أعلمه ولا أعرفه. فإن قيل: لم يقع أيضاً في المجموعة "أعرفه" قيل: هي في معنى أعلمه، والله أعلم. وَلا يَجِبُ ذِكْرُ سَبَبِ التَّعْدِيلِ لأن التعديل إنما يكون بعد الصحبة الطويلة واختبار الأفعال الكثيرة وذكر ذلك يطول، وقد تعسر العبارة دونه فيسقط لما فيه من المشقة ولهذا لم يختلف فيه كما اختلف في ذكر سبب الجرح؛ لأن الجرح يكفي فيه الشيء الواحد. وَفِي سَبَبِ الْجَرْحِ ثَالِثُهَا لِمُطَرِّفٍ: إِنْ كَانَ عَالِماً بِوَجْهِهِ لَمْ يَجِبْ، وَرَابِعُهَا لأَشْهَبَ: إِنْ كَانَ غَيْرَ مُبَرِّزٍ لَمْ يَجِبْ .. تصور الأقوال لا يخفى عليك، والأقرب أنه لابد من ذكر سببه؛ لاختلاف العلماء في أسبابه مع غموض بعضها، وقد جرح أقوام من المحدثين ونسبوا إلى أشياءٍ هم منها براء، واستفسر من جرحهم فذكر ما لا يصلح؛ لأن بعضهم قال: رأيته يبيع ولا يرجح في الميزان، وقال آخر: رأيته يغتاب بحضرته ولا ينكر، وقال بعضهم: رأيته يبول قائماً، فقيل: وإذا بال قائماً، قال: يتطاير عليه بوله، فقيل له: فهل رأيته صلى بعد ذلك؟ قال: لا؛ فظهر غلطه في التجريح لما كوشف عن سببه.

стр. 3995

والتفت أشهب إلى حال المجرح بفتح الراء؛ فإن كان غير مبرز لم يجب على من جرحه ذكر السبب، وإن كان مبرزاً وجب. وذكر اللخمي وابن شاس وغيرهما هذه الأربعة. وذكر المازري في شرح [٦٦٧/ ب] البرهان في الأصول له أن الخلاف إنما يحسن إذا وقع ذلك من عالم بالجرح والتعديل، قال: ولا يحسن أن يذهب محصل إلى قبول ذلك مطلقاً من رجل غمر جاهل لا يعرف ما يجرح به ولا ما يعدل، وعلى هذا فلا يبقى في المسألة إلا ثلاثة أقوال. وَلَوْ شَهِدَ فَزُكِّيَ ثُمَّ شَهِدَ فَثَالِثُهَا: إِنْ لَمْ يُغْمَزْ فِيهِ بِشَيْءٍ لَمْ يَحْتَجْ، وَرَابِعُهَا: إِنْ كَانَ الْمُزَكَّي مُبَرِّزاً لَمْ يَحْتَجْ .. يعني: أن الشاهد إذ زكي ثم شهد مرة أخرى، فروى أشهب أن شهادته تقبل بالتزكية الأولى، وقال سحنون: لا تقبل، ويكلف التزكية كلما شهد حتى يكثر تعديله وتشتهر تزكيته. قال في البيان: وهو إغراق في الاستحسان، قال: لأنه قد لا يعرفه غير الذين عدلوه أولاً وقد ماتوا أو غابوا؛ فيبطل حقاً وقد شهد به من قد زكي وثبتت عدالته. والثالث لمالك في الواضحة من رواية مطرف وابن الماجشون: أنه لا يحتاج إلى تعديل آخر إلا أن يغمز فيه بشيء أو يرتاب منه. والرابع لابن كنانة: إن زكاه من هو مشهور بالعدالة في تزكية لم يحتج إلى إعادة التزكية، هكذا نقل ابن راشد هذا القول، وعليه فيضبط المزكي في القول الرابعمن كلام المصنف بالكسر اسم فاعل، وضبطه بعض من تكلم على هذا الموضع بالفتح على أنه اسم مفعول، وهو مقتضى نقل الباجي لأنه قال: وقال ابن كنانة: المشهور بالعدالة يجزئ فيه التعديل الأول حتى يجرح بأمرين، والذي ليس بمعروف يتوقف فيه على تعديل ثان.
следующие страницы →