Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4096–4135 · переход к 4101.
стр. 4096
المازري: والذي قال محمد صحيح من جهة الفقه لو أمكن تصوره، لكنه كالممتنع عادة؛ لأن قيمة المنافع المؤجلة داخلة في قيمة رقبته التي تبقى مملوكة بها طول حياته، وما يكون داخلاً في الشيء لا يكون أكثر منه، هذا معنى كلامه، وهذا الذي قاله المازري صحيح ولو كان الناس يلتفتون في تقويم العبد إلى مدة حياته، وأكثرهم يقطعون النظر عن ذلك.
وقوله: (وَقَالَ سُحْنُونُ) هو القول الثاني: عليهما قيمة العبد معجلة ويأخذان العبد فيستخدمانه في الأجل، فإن حصل لهما مثل ما دفعاه إلى السيد عند حلول الأجل فقد تم الحكم وخرج العبد حراً، وإن حل الأجل وقد بقي لهما من القيمة شيء فكذلك، ولا شيء لهما مما بقي، وإن استوفيا قبل الأجل رجع العبد يخدم سيده، ثم إن مات في يد السيد قبله؛ أي: قبل الأجل وترك مالاً أو قتل فأخذ ماله قيمة، أو مات بعد الحرية وترك مالاً فليأخذ الشاهدان من ذلك ما بقي لهما، وعلل المصنف هذا الأخذ من ماله أو قيمته بأن السيد معترف أن ما يستحقه من مال العبد عليه فيه دين، وهو مقدار ما أخذ منهما، وقول محمد الذي حكاه المصنف ظاهر التصور، نقله ابن يونس على وجه أتم من المصنف؛ لأنه قال: قال ابن المواز: وإن قال اسليد بعدما أغرمهما قيمته: "أنا لا أسلمه إلى الشاهدين، ولكن أنا استخدمه وأدفع إليهما ما يحل من خدمته" فذلك له، وربما كان ذلك في الجارية النفيسة وذات الصنعة فله ذلك. ويدفع إلى الراجعين كسبهما وعملهما حتى ينتهي ذلك إلى ما غرماه، والسيد في ذلك مخير بين أن يسلمه إليهما ليأخذا من خدمته ما أديا، أو يحسبه ويدفع إليهما كل ما حصل من خدمته إلى مبلغ ما أديا.
وإن شهدا بتنجيز عتق إلى أجل فقضى بذلك ثم رجع فعليهما قيمة الخدمة إلى الأجل على غررها ولو كان معتقاً إلى موت فلان فعليهما قيمة خدمته أقصى العمرين عمر العبد وعمر الذي أعتق إلى موته وذهب أصبغ إلى أنه يغرم قيمة الرقبة.
стр. 4097
فَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرِ غَرِمَا قِيمَتَهُ نَاجِزاً وَاسْتَوْفَيَا مِنْ خِدْمَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ عَتَقَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ فَلا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ رَدَّهُ أَوْ بَعْضَهُ دَيْنُ فَهُمَا أَوْلَى كَالْجِنَايَةِ.
يعني: وإن كان الإشهاد عليه بأنه دبر عبده فقضى عليه بذلك ثم رجعا فإنهما يغرمان قيمته ناجزاً؛ لمنعهما سيده من بيعه وهبته، ويقال لهما: ادخلا فيما أدخلتماه فيه فاقتضيا من الخدمة التي أبقيتماها بيده من رقه ما أديتما، ثم ترجع خدمته لسيده، ثم حكمهما في موته في مدة حياة السيد أو بعدها ولم يستوفيا ما غرماه حكمهما في العتق إلى الأجل، ومقتضى كلام المصنف وغيره أنه يتفق على هذا، ويرجح قول سحنون في العتق إلى الأجل.
وقوله: (فَإِنْ عَتَقَ) يعني: فإن أخذ منهما ثم مات [٦٨٥/ أ] السيد وحمله الثلث خرج هذا المشهور بتدبيره حراً، ولا يكون للشاهدين عليه شيء، وإن رق منه شيء فهما أولى به حتى يستوفيا منه، وكذلك إن رده دين فهما أولى من صاحب الدين، وهما كأهل الجناية، ثم إذا بيع وفضل منه فضل لم يكن للشاهدين أخذه؛ إذ لا يربحان.
محمد بن عبد الحكم: فإن كان الشاهدان عديمين لم يوجد عندهم ما يؤخذ من القيمة التي لزمتهما فالواجب أن يحكم عليهما بما بين قيمة هذا العبد مدبراً ممنوعاً مشتريه من بيعه ومحرز عتق جميعه أو عتق بعضه أو رق جميعه لو جاز في الشرع البيع على هذا فيطلب سيد العبد ذلك من الشاهدين متى أيسر. وقال بعض أهل الحجاز: بل يستخدمه سيده ويحسب عليه في الاستخدام ما لزمهما من قيمة جميع العبد حتى يستوفي ذلك، فيبقى في يده مدبراً أو يموت العبد قبل أن يستوفي القيمة فيطلب الشاهدين بالقيمة أو بما بقي منها متى أيسرا، قال: ولو قال قائل: إن الشاهدين إنما يغرمان ما بين هاتين القيمتين اللتين ذكرناهما كانا موسرين أو معسرين لم أعب ذلك، وهو أقوى في النظر من القول الأول، ولو كان عوض المدبر مدبرة ممن لا حرفة لها ونهي عن استئجارها فإنها إذا قضى على
стр. 4098
الشاهدين بقيمتها نجز عتقها؛ إذ لا فائدة في بقائها إلا أن يلتزما النفقة عليها رجاء رقها بعد وفاة سيدها فذلك لهما، أو يتطوع السيد بذلك رجاء أن ترق له بذلك.
وَإِنْ كَانَتْ كِتَابَةً فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَالأَكْثَرُونَ: غَرِمَا قِيمَتَهُ وَاسْتَوْفَيَا مِنْ نُجُومِهِ، فَلَوْ رَقَّ اسْتَوْفَيَا مِنْ رَقَبَتِهِ، وَقَالَ ابن القاسم: تُجْعَلُ الْقِيمَةُ بِيَدِ عَدْلٍ حَتَّى يُسْتَوْفَي مِنَ الْكِتَابَةِ مِثْلُهَا فَتُرَدُّ عَلَيْهِمَا، وَضَعَّفَهُ مُحَمَّدُ: وَقَالَ سحنون: تُبَاعُ الْكِتَابَةُ بِعَرْضٍ فَإِنْ نَقَصَ عَنِ الْقِيمَةِ أَتَمَّاهَا ..
الظاهر في: (كَانَ) أنها تامة و (كِتَابَةً) فاعلها، وحذف الصفة لدلالة السياق عليها؛ أي: حصلت كتابة مشهود بها مرجوع عنها، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها مضمر عائد على الشهادة، وحذف حرف الجر من: (كِتَابَةً) وهو الخبر أو حذف مضاف التقدير، فإن كانت الشهادة المرجوع عنها بكتابة، أو شهادة كتابة ابن راشد: واتفق المذهب على إلزام الشاهدين قيمة المكاتب؛ لمنعها السيد من الانتفاع.
محمد: والقيمة يوم الحكم.
وإذا كان الحكم في التدبير الغرم فأحرى هنا؛ لأن تصرف السيد في المدبر أقوى من الكتابة، لكن اختلف المذهب؛ فالمشهور على ما صرح به المازري وغيره ما ذكره المصنف عن عبد الملك والأكثرين: أنهما إذا غرما القيمة فأدياها من النجوم فإن كانت النجوم مساوية للقيمة وأداها خرج حراً ولا كلام، وكذلك إن كانت أقل فلا كلام للشهود، وإن كانت أكثر أخذا منها مقدار القيمة وأخذ السيد باقيها، وإن عجز عن الباقي رق له، وإن عجز قبل أن يقبض الراجعان ما أديا بيع لهما بتمام ما بقي لهما، فإن لم يكن فيه تمام ذلك فلا شيء لهما غيره.
قوله: (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) تصوره ظاهر، ووجه تضعيف ابن المواز ما أشار إليه في كتابه من أن ذلك يستلزم ضررين:
стр. 4099
أحدهما: على السيد؛ لإخراج عبده من يده من غير عوض ناجز مع إقرارهما بإتلافه.
وثانيهما: على الشاهدين في أنهما ممنوعان من القيمة ومن الكتابة مع احتمال ضياع القيمة فيضمناها مرة أخرى، ولهذا قال: لو كنت أقول بهذا المذهب لجعلت للشهود أن يستردوا من القيمة الموقوفة مثل ما أخذ السيد، ولا تبقى موقوفة كلها بعد أن وصل إلى السيد بعضها، وما حكاه المصنف عن سحنون ظاهر التصور، لكنه ليس مذهباً لسحنون، وإنما حكاه سحنون على ما في النوادر وابن يونس عن بعض الأصحاب، وحكاه ابن المواز عن عبد الملك، واختيار سحنون هو القول الأول.
فَإِنْ كَانَتْ بِاسْتِيلادٍ فَالْقِيمَةُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَيُخَفَّفُ لِمَا بَقِيَ مِنَ الاسْتِمْتَاعِ وَلا شَيْءَ لَهُمَا إِلا بِجِنَايَةٍ عَلَيْهِا فَلَهَا مِنَ الأَرْشِ مَا غَرِمَاهُ، وَفِي مَالٍ بِاسْتِفَادِةٍ قَوْلانِ ..
أي: فإن كان الرجوع عن الشهادة باستلاد، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى: عن، كقوله:
فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي خَبِيرُ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ
ومعنى كلامه: أنهما إذا شهدا على رجل أنه استولد أمته ثم رجعا فعليهما القيمة على المشهور. قال في النوادر: وروي عن بعض أشياخنا أنه لا شيء عليهما، قال: وهو مذهب لا أدري حقيقته.
المازري: والأمر كما ذكر؛ لأنه يخرج عن الأصول التي عقدناها في أمثال هذه المسألة ولا يعذر عن ذلك بالخلاف في بيع أم الولد، فإن الخلاف في بيع المدبر أشهر.
ابن عبد السلام: وعلى الأول فالمشهور أنه يرجع عليهما بقيمة أمة موقوفة، وكلام ابن عبد الحكم خلاف.
стр. 4100
وقوله: (وَلا شَيْءَ لَهُمَا) يعني: إذا غرما القيمة لم يكن لهما شيء على السيد؛ إذ لا خدمة للسيد في أم الولد حتى يرجعا بها، اللهم إلا أن تخرج أو تقتل فيؤخذ لذلك أرش فلهما الرجوع في ذلك بمقدار ما أديا؛ لأن القيمة عوض رقبتها، فإن فضل من الأرش فضل فهو للسيد. واختلف في رجوع الشاهدين في مال استفادته فقال سحنون: يرجعان فيما استفادت بما أديا، وقال ابن المواز: لا يرجعان فيما أفادته بخدمة أو سعاية.
وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ أُمِّ وَلَدٍ فَالأَكْثَرُ: أَلا [٦٨٥/ ب] غُرْمَ، وَقَالَ ابن القاسم: قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ قَتَلاهُا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَيُخَفَّفُ ..
الباء تحتمل أن تكون ظرفية وبمعنى عن كما تقدم؛ أي: إذا شهدا على رجل أنه أعتق أم ولده ثم رجعا فقال المازري: الأكثر على أنهما لا يغرمان شيئاً؛ لأنهما إنما أتلفا عليه الاستمتاع بالفرج، وهو لا يقوم كما في الرجوع عن الطلاق بعد البناء، وقال ابن القاسم في الموازية: يغرمان قيمتها كما لو قتلاها، والفرق أن أم الولد بقي فيها أرش الجناية وانتزاع المال، وقال محمد بن عبد الحكم: يخفف عنها، قال في النوادر: بقدر ما بقي له فيها من الرق.
ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون التخفيف هنا بإسقاط أكثر منه في المسألة التي قبلها؛ لأنه يسقط هنا باعتبار الرقبة وهناك باعتبار المنفعة، وقال أصبغ: لا قيمة على قاتل أم الولد.
فَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ مُكَاتَبِ غَرِمَا قِيمَةَ كِتَابَتِهِ
ما ذكره من غرم قيمة الكتابة ظاهره خلاف المنصوص؛ فإن الذي في الموازية وكتاب ابن سحنون وذكره المازري وغيره أنهما يغرمان للسيد ما أتلفاه عليه مما كان على المكاتب، عيناً كان أو عرضاً، قال في الموازية: ويؤديانه على النجوم، وقاله عبد الملك.
стр. 4101
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةٍ بِإِقْرَارٍ بِبُنُوَّةٍ لَمْ يَغْرَمَا إِلا بَعْدَ أَخْذِ الْمَالِ بِالْمِيرَاثِ
يعني: إذا ادعى رجل أن فلاناً أبوه فأنكر فشهد له شاهدان بذلك فحكم القاضي بشهادتهما ثم رجعا فلا غرامة على الشاهدين ما دام المشهود له لم يصل إلى شيء من مال الأب؛ لأنهم لم يتلفوا على الأب مالاً، فلو مات المحكوم عليه وله ورثة فحجبهم هذا الولد أو شاكرهم غرم الشاهدان جميع ما أخذه المشهود له، وإن لم يكن للولد مشارك غرما جميع التركة لبيت المال، فإن كان في التركة مقوم غرما قيمته.
فَإِنْ كَانَ الْمَشْهُودُ بِبُنُوَّتِهِ عَبْداً لَهُ غَرِمَا قِيمَتَهُ نَاجِزاً ثُمَّ غَرِمَا بَعْدَ الْمِيرَاثِ مَا فَوَّتَاهُ ..
يعني: فلو كانت المسألة بحالها إلا أن المشهود ببنوته عبداً للمشهود عليه، وكلامه ظاهر التصور.
فَإِنْ مَاتَ وَتَرَكَ ابْنَاً آخَرَ عُزِلَتْ قِيمَةُ الابْنِ الأَوَّلِ؛ لأَنَّ الْمُلْحَقَ أَقَرَّ أَنَّ أَبَاهُ ظَلَمَ فِيهَا الشُّهُودَ، ثُمَّ يَغْرَمُ الشَّاهِدَانِ نِصْفَ مَا بَقِيَ؛ وَهُوَ مَا أَتْلَفَاهُ عَلَيْهِ ..
يعني: فإذا مات الأب وترك هذا الابن المشهود له بالبنوة وولداً آخر ثابت النسب فإنهما يقتسمان التركة، إلا قيمة الولد التي غرمها الشاهدان فتدفع للابن الثابت النسب فقط؛ لأن المشهود له مقر أنه لا حق فيها لأبيه؛ لصحة نسبه على دعواه، فيكون الأب قد ظلم فيها الشهود، ثم يغرم الشهود مثل ما أخذه المشهود له للابن الثابت النسب، وهكذا قال في الموازية.
وَلَوْ ظَهَرَ دَيْنُ مُسْتَغْرِقُ أُخِذَ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ نِصْفُهُ، وَكُمِّلَ مِنْ تِلْكَ الْقِيمَةِ، وَرَجَعَ الشَّاهِدَانِ عَلَى الأَوَّلِ بِمَا غَرِمَهُ الْمُلْحَقُ لِلْغَرِيمِ؛ لأَنَّهُمَا لَمْ يُتْلِفَاهُ بِشَهَادَتِهِمَا ..
يعني: فلو فرضنا المسألة بحالها، ولكن طرأ على الميت دين فإنه يبدأ بما في يد الولدين فيوفى منه، فإن لم يف بالدين فإن بقية الدين تؤخذ من القيمة التي بيد ثابت النسب ما دامت
стр. 4102
القيمة تسعه، ثم يرجع الشاهدان على ثابت النسب بما غرماه له؛ لأنهما إنما غرماه له بسبب إتلافهما له بشهادتهما فلما ثبت الدين على أبيهما وجبت التركة للدين ولم يتلفا عليه شيئاً.
وَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُ الْمُلْحَقِ وَالتَّرِكَةُ مِائَتَانِ وَكَانَتِ الْقِيمَةُ الْمَاخُوذَةُ مَائَةً أَخَذَ الْمُلْحَقُ مِائَةً وَالْعَصَبَةُ أَوْ بَيْتُ الْمَالِ مِائَةً، ثُمَّ غَرِمَا لَهُمَا مِائَةً أُخْرَى؛ الَّتِي فَوَّتَاهَا ..
يعني: فإن لم يترك الميت غير الولد الملحق.
والواو في: (وَالتَّرِكَةُ مِائَتَانِ) للحال وإحدى المائتين القيمة، والمائة الأخرى من كسب الأب، فإن مائة القيمة لا يحل للابن أخذها كما تقدم، فيأخذها العاصب أو بيت المال ثم يغرم الشاهدان للعصبة أو بيت المال المائة التي أخذها الابن، وهو ظاهر.
فَلَوْ طَرَأَ دَيْنُ مِائَةُ أُخِذَتْ مِنَ الْمُلْحَقِ وَيَرْجِعُ الشَّاهِدَانِ بِمِائَةٍ عَلَى مَنْ غَرِمَاهَا لَهُ.
إنما أخذت المائة من الملحق وحده لاعترافه أن أباه لم يترك ما يقضي منه دينه سواها، وأن المائة التي أخذها العصبة أو بيت المال ظلم على المشهود، وإنما رجع الشاهدان بالمائة التي أخذها المستلحق على من غرماها له لأن المستلحق قد أداها في الدين، فكشف الأمر أن الشاهدين لم يفوتاها على العصبة ولا على بيت المال.
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادِةِ عُبُودِيَّةٍ لِمُدَّعِي حُرِّيَّةٍ فَلا قِيمَةَ عَلَيْهِمَا فِي الرَّقَبَةِ، وَيَغْرَمَانِ كُلَّ مَا أَتْلَفَاهُ عَلَى الْعَبْدِ مِنَ اسْتِعْمَالِ وَمَالٍ مَنْزُوعٍ، وَلا يَاخُذُهُ الْمَشْهُودُ لَهُ، وَيُوَرَّثُ عَنْهُ بِالْحُرِّيَّةِ لا بِالرِّقِّ، وَيَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ فِيهِ مِنْ هِبَةٍ وَصَدَقَةٍ وَعِتْقٍ، وَلا يَتَزَوَّجُ؛ لأَنَّهُ يُنَقِّصُ رَقَبَتَهُ ..
يعني: إذا شهدا على رجل أنه عبد لفلان وهو يدعي الحرية فقضى عليه بالرق ثم رجعا فقال محمد بن عبد الحكم ما ذكره المصنف: لا قيمة عليهما؛ لأن الحر لا قيمة له،
стр. 4103
ويتخرج على ما اتفق عليه فقهاء قرطبة في أيام القاضي ابن بشير فيمن باع حراً وتعذر فسخ البيع: "أن عليه الدية" أن يكون هنا عليه الدية، وعلى ما ذكره المصنف فيغرم الشاهدان للعبد من ماله، ثم ليس لمن قضى له بملكه أن يأخذ ذلك؛ لأنهما لم يتلفاه عليه، ولأنه لو أخذه لزمهما غرامته [٦٨٦/ أ] ثانياً وثالثاً ويتسلسل، فإن مات العبد وما أخذه من الشاهدين في يده ورثه ورثته الأحرار؛ لأنه إنما ملكه على تقدير أنه حر، ولذلك كان له الهبة والصدقة والعتق فيه، وليس له التزويج في هذا المال ولا في غيره؛ لأن ذلك يعيب رقبته.
وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةٍ بِمَائَةٍ لِزَيْدٍ وَعُمَرَ ثُمَّ قَالاَ: هِيَ لِزَيْدٍ وَحْدَهُ غَرِمَا لِلْمَشْهُودِ عَلَيْهِ خَمْسِينَ لا لِزَيْدٍ ..
تصور المسألة واضح، وإنما غرما للمشهود عليه خمسين لاعترافهما أنهما أخرجا خمسين من يد المشهود عليه إلى من لا حق له فيها.
وقوله: (لِزَيْدٍ) لأن شهادتهما ثانياً لا تقبل؛ لأنهما مجرحان.
ابن عبد السلام: ولم يضمن أهل المذهب الشاهدين لزيد شيئاً وعذروهما بالنسيان، وقد اختلف في المودع هل يضمن بالنسيان، وقد ضمنوا من أقر بثوب لزيد ثم لعمرو، فألزموا المقر قيمة الثوب لعمرو ولم يعذروه بنسيانه أولاً، وقد يفرق بأن الشاهد يكثر تحمله للشهادة ولو ضمن بالنسيان لكثر تضمينه، وفي ذلك ضرر عظيم، لكنه لو أقر أنه شهد أولاً لمن شهد له متعمداً للزور لانبغى أن يتفق على تضمينه للثاني.
وَمَتَى رَجَعَ أَحَدُهُمَا غَرِمَ نِصْفَ الْحَقِّ، وَعَنْ بَعْضِهِ غَرِمَ نِصْفَ الْبَعْضِ
يعني: إذا قضى بشاهدين ورجع أحدهما غرم نصف الحق الذي شهدا به، ولو رجع أحدهما عن نصف ما شهد به غرم ربع الحق؛ لأن الحق ثبت بهما فكل واحد أتلف نصفه.
стр. 4104
وَلَوْ رَجَعَ مَنْ يَسْتَقِلُّ الْحُكْمُ بِعَدَمِهِ فَلا غَرَامَةَ فَإِذَا رَجَعَ غَيْرُهُ غَرِمَ، وَأُدْخِلَ الأَوَّلُ مَعَهُ، وَعَنْ أَشْهَبَ: يُغْرَمُ الرَّاجِعُ فَقَطْ؛ مِنْ ثَلاثَةْ الثُّلُثَ وَمِنْ أَرْبَعَةٍ الرُّبُعَ ..
تصور كلامه ظاهر، والأول هو المشهور.
فَإِنْ حَكَمَ بِرَجُلٍ وَنِسَاءٍ فَرَجَعُوا فَعَلَى الرَّجُلِ النِّصْفُ، وَعَلَى النِّسَاءِ النِّصْفُ
لأن النساء وإن كثرن فكرجل واحد، فلو رجع رجل وامرأة من ثلاثة نسوة فعلى الرجل نصف الحق؛ لأنه قد بقي على نصف الحق امرأتان.
فَلَوْ رَجَعَ مِنْ عَشْرٍ ثَمَانٍ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِنَّ، فَإِنْ رَجَعَتْ تَاسِعَةُ فَعَلَى التِّسْعِ الرُّبُعُ
هذا جار على المشهور، وأما على قول أشهب: فأي امرأة رجعت غرمت نصف السدس. وقوله: (فَإِنْ رَجَعَتْ تَاسِعَةُ فَعَلَى التِّسْعِ الرُّبُعُ) هو متفق عليه.
وفيه نظر؛ لأن شهادة الواحدة مطروحة في الأموال من كل الوجوه بدليل أنه لو شهد رجلان وامرأة بمال ثم رجعوا كلهم لم يكن على المرأة شيء، وعلى هذا التقدير فالواحدة التي لم ترجع في مسألة المصنف شهادتها مطروحة، فكان ينبغي أن يكون على التسع النصف والله أعلم.
فَلَوْ كَانَ مِمَّا يُقْبَلُ فِيهِ امْرَأَتَانِ كَالرَّضَاعِ وَغَيْرِهِ فَعَلَى الرَّجُلِ السُّدُسُ، وَعَلَى كُلِّ امْرَأَةٍ نِصْفُ السُّدُسِ ..
يعني: فلو كانت المسألة بحالها، وشهد رجل وعشر نسوة على رضاع امرأة مع رجل والنكاح معقود بينهما، ثم رجعوا وغلب الذكر، فعلى الرجل سدس الحق؛ لأنه كامرأتين، وعلى كل امرأة نصف السدس، ونحوه لابن شاس.
وفيما قالاه نظر؛ لأن الرجل هنا كامرأة؛ لأن شهادة امرأتين تقبل فيه، ولم أرها في كلام غيرهما.
стр. 4105
ابن عبد السلام: وإن صحت منقولة للمتقدمين فلعل وجهها أن الشهادة لما آلت إلى المال حكم في الرجوع بحكم الرجوع عن شهادة الأموال، إلا أن في كلام ابن شاس ما يمنع هذا التأويل، وقد ذكر المؤلف بعضه في قوله:
فَلَوْ رَجَعُوا إِلا امْرَأَتَيْنِ فَلا غُرْمَ
يعني: فلو رجع الرجل وثمان نسوة فلا غرم على المرأتين الباقيتين لاستقلالهما.
فَلَوْ رَجَعَتْ أُخْرَى فَالنِّصْفُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ رَجَعَ، وَقِيَاسُ قَوْلِ أَشْهَبَ خِلافُهُ
أي: فلو رجعت- والمسألة بحالها- تاسعة فعلى الرجل والتسع نصف؛ لأن النصف الباقي مما تستقل به المرأة.
وقوله: (فَالنِّصْفُ عَلَى جَمِيعِ مَنْ رَجَع) إن عنى أن الرجل كالمرأة فهو خلاف ما تقدم، وإن عنى أنه كامرأتين فهو مشكل.
وقوله: (وَقِيَاسُ قَوْلِ أَشْهَبَ خِلافُهُ) هو راجع إلى قوله (فَلَوْ رَجَعَ مِنْ عَشْرٍ ثَمَانٍ) وشبهه وهو ظاهر.
وَلِلْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ مُطَالَبَتُهَا قَبْلَ غُرْمِهِ لِيَغْرَمَهُ لِلْمَقْضِي لَهُ
يعني: أن الشاهدين إذا شهدا أن لرجل على آخر حق فقضي عليه ثم رجعا قبل أن يغرم المقضي عليه فله أن يطالبهما بالدفع للمقضي له، ومقتضى كلامه: أن يطالبهما بالدفع إليه ليغرمه للمقضي له، وأصل هذا في النوادر لابن عبد الحكم، والذي فيها: أن للمقضي عليه أن يطالب الشاهدين بالمال حتى يدفعاه عنه إلى المقضي له، قال: وقال بعض أصحاب أبي حنيفة: لا يحكم على الشاهدين بشيء حتى يؤدي المقضي عليه، وفي هذا تعريض لبيع داره وإتلاف ماله، والذين أوجبنا عليهم ذلك قيام، أرأيت لو حبسه في
стр. 4106
ذلك أيترك محبوساً ولا يغرم الشاهدين؟ بل يؤخذان بذلك حتى يخلصاه، فإن لم يفعلا حبسا معه.
ووقع تضعيف ابن عبد الحكم في بعض النسخ إثر المسالة التي بعد هذه، وليس بظاهر؛ لأن تضعيفه إنما هو في هذه على ما في النوادر وابن يونس.
وَلِلْمَقْضِيَّ لَهُ ذَلِكَ إِذَا تَعَذَّرَ مِنَ الْمَقْضِيِّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُمَا إِلا بَعْدَ إِغْرَامِ الْمَقْضِيَّ عَلَيْهِ ..
الإشارة بذلك إلى الطلب المفهوم من مطالبتهما، أي: طلب الشاهدين، وفاعل تعذر يعود على الغرم، وما قاله المصنف هو مقتضى الفقه؛ لأن الشهود غرماء غريمه، إلا أنه خلاف ما في الموازية، ففيها: وإذا حكم بشهادتهما ثم رجعا فهرب المقضي عليه فطلب المقضي له أن يأخذ الشاهدين بما كان يغرمانه لغريمه لو غرم، قال: لا يلزمهما غرم حتى يغرم المقضي عليه.
قوله: (وَقِيلَ: لا يَلْزَمُهُمَا .. إلخ) أي: لا يلزم الشاهدين الغرم، وهذا ظاهر الموازية.
* * *
انتهى المجلد السابع
من كتاب التوضيح
للشيخ خليل بن إسحاق الجندي
ويليه المجلد الثامن وأوله
كتاب الدعوى
стр. 4107
التوضيح
في شرح المختصر الفرعي لابن الحاجب
تأليف
خليل بن إسحاق الجندي المالكي
(المتوفى سنة٧٧٦هـ)
ضبطه وصححه
الدكتور أحمد بن عبد الكريم نجيب
المجلّد الثامن
стр. 4108
منشورات
مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث
www.najeebawaih.net
١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨م
стр. 4109
الناشر
مركز نجيبويه للمخطوطات وخدمة التراث
التوزيع في جمهورية مصر العربية
دار نجيبوبه للبرمجة والدراسات والطباعة والنشر
١٦ شارع ولي العهد - حدائق القبة - القاهرة
ت: ٢٤٨٧٥٦٩٠ - ٢٤٨٧٥٧٠٤
محمول" ٠١٠٦٦٦٩٩١٢
حقوق الطبع محفوظة للناشر
الطبعة الأولى
١٤٢٩هـ- ٢٠٠٨م
رقم الإيداع بدار الكتب والوثائق المصرية ٢٣٤١٠/ ٢٠٠٨
стр. 4110
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
стр. 4111
تَعَارُضُ الْبَيَّنَتَيْنِ: وَمَهْمَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ جُمِعَ، فَإِنْ تَنَاقَضَتاَ فَالتَّرْجِيحُ، فَإِنْ تَعَذَّرَ [٦٨٦/ب] تَسَاقَطَتَا، وَبَقِيَ الْمُدَّعَى فِي يَدِ حَائِزِهِ مِنْهُمَا ...
التعارض بين البينتين: التقابل بينهما على وجه يمنع كلاً منهما صاحبه، ولا إشكال في الجمع بينهما إذا أمكن، كما في تعارض الأثرين عند أهل الأصول. مثال عدم التعارض في الشهادة: لو شهد واحد أنه أقر له بخمسين وآخر بمائة في مجلسين، وإن لم يمكن الجمع صير إلى الترجيح، وسيأتي ما يكون به الترجيح، فإن تعذر - أي: الترجيح- سقطت البينتان وبقي المدعي في يد حائزه؛ لما رواه الدارقطني عن محمد بن الحسن عن أبي حنيفة عن وهب بن حبيب المصري وهو ثقة عن الشعبي عن جابر: أن رجلين اختصما إلى النبي صلى الله عيه وسلم للذي بيده. قال في المدونة: ويحلف الحائز، وهو مبني على قبول بينة المدعي عليه وهو المشهور، وقال عبد الملك: لا ينتفع الحائز ببينة؛ لقوله ﵇: "البينة على المدعي واليمين على من أنكر". فحصول البينة في جانب المدعي واليمين في جانب المدعي عليه. وروى ابن القاسم أن هذا إنما هو إذا لم يأت المدعي عليه بمثل ما أتى به المدعين ودل كلامه على أن المتنازع فيه محوز وأن حائزه أحد الخصمين وأن الحائز يقبل.
وَإِنْ كَانَ بيَدِ غَيْرِهِمَا فَلِمَنْ يُقَرُّ لَهُ مِنْهُمَا. وَقِيلَ: يَبْقَى فِي يَدِهِ
اسم (كَانَ) عائد على المدعي فيه؛ أي: في غير المدعيين اللذين أقام كل منهما البينة على أنه له، وحكى المصنف قولين؛ أولهما: أن ذلك لمن يقر له وهو في يده منهما، وعلى هذا فإن ادعاه من هو في يده فهو له. وثانيهما: أنه يبقى في يده، فإن أراد المصنف أنه يبقى كما كان أولاً قبل قيام البينتين؛ فهو كالقول الأول، وإن أراد أنه يبقى موقوفاً بيده إلى أن يأتي
стр. 4112
أحدهما بشهادة راجحة أو يصطلحان؛ هذا القول غير معروف في المذهب وإنما هو محكي عن الشافعي، وإنما في المذهب رواية ثانية بأنه يقسم بينهما لأن البينتين اتفقتا على انتزاعه من يده، وقيل: يبقى لمن هو تحت يده؛ لأنه يقول: خرج بعضها بعضاً، أو وقف بعضها بعضاً؛ أي: ذلك كان لا ينزع من يدي، وإن اعترف به أحدهما كان على القولين، فمن قال: إن من ادعاه لنفسه يقر في يديه يجعله الآن لمن أقر بيده، ومن قال أنه ينتزع منه يقول هذا كذلك، واختلف أيضاً إذا أقر لغيرهما هل يكون له أو يقسم بينهما؟
وَيُقْسَمُ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِيهِمَا بَعْدَ أَيْمَانِهِمَا عَلَى قَدْرِ الدَّعَاوِي اتَّفَاقاً
يعني: إن لم يكن المتنازع فيه بيد أحدهما، كما لو تنازعا في عفو من الأرض، ويدخل في قوله ما كان بيد ثالث على أحد القولين المتقدمين، وظاهر قوله: (يُقْسَمُ) أنه يقسم في الحال وفي تفصيل، فإن كان يخشى فساده، قال في المدونة: كالحيوان، والرقيق، والطعام؛ فإنه يستأني فإن لم يأتيا بشيء وخيف عيه قسم بينهما، وإن كان مما لا يخشى عليه الفساد كالدور، قال في المدونة: يترك حتى يأتي أحدهما بأعدل مما أتى به صاحبه. ابن القاسم: إلا أن يطول الزمان ولا يأتيان بشيء غير ما أتيا به أولاً؛ لأنه يقسم بينهما لأن ترك ذلك ووقفه ضرر. ابن نافع: إنه قال يوقف إذاً حتى يأتي أحدهما بأثبت مما أتى به صاحبه.
وقوله: (اتِّفَاقاً) راجع إلى قوله: (قَدْرِ الدَّعَاوِي) لا إلى (القسم) للاختلاف في قسم العفو من الأرض، فإن فيه رواية ابن نافع ورواية ابن القاسم المذكورتين آنفاً.
ابن عبد السلام: فإن قلت في نقله لرواية ابن القاسم نظر؛ فإنه في المدونة لم يصرح بذلك. قيل: قد نقل أبو الحسن أن ابن القاسم قال في المدونة: إنه يقسم بينهما، قال: وهو تفسير للمدونة، واختلف إذا أقام أحد المدعيين للعفو بينة أعدل، هل يحلف معها وهو مذهب المدونة، ومذهب سحنون والقرويين ومعظم الأندلسيين لا يرون عليه يميناً.
стр. 4113
وَإِنْ كَانْ فِي أَيْدِيهِمَا، فَقِيلَ: عَلَى الدَّعَاوِي، وَقِيلَ: نِصْفَيْنِ
أي: فإن كان المدعي فيه بأيديهما واختلفت دعواهما فيه- كدعوى أحدهما الجميع والآخر النصف- فأقام بينة على دعواه ولم يرجح أحد البينتين، أو حلف كل منهما، فقال مالك، وابن القاسم، وعبد الملك وغيرهم: يقسم على قدر الدعاوى وهو المشهور. وقال أشهب وسحنون: يقسم بينهما نصفين لتساويهما فيه في الحيازة، وإذا أراد اليمين في هذه المسألة وما يشبهها من سائر هذا الفصل مما تقدم أن يأتي، واختلفا في التبرئة، فقال بعض الشيوخ: يقرع بينهما، والمنصوص للمتقدمين: أن الحاكم يختار، ثم هل يحلف كل منهما على إثبات دعواه وإن نكل؟ أشار بعض الشيوخ إلى أن البحث يقرب فيها من مسائل اختلاف المتبايعين.
وَإِذَا قُسِمَ عَلَى الدَّعَاوِي، فَقَالَ الأَكُءَرُونَ: تَعُولُ عَوْلَ الْفَرَائِضِ. وَقِيلَ: نِصْفَيْنِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الأَكْثَرِ بالزَّائِدِ
إذا فرعنا على المشهور من القسم على الدعاوي، فاختلف في كيفية القسمة، فقال مالك وأكثر أصحابه: يسلك فيها مسلك عول الفرائض؛ لتساوي أقوالهما في التداعي فيه، ولتعذر الترجيح؛ فصار كورثة زادت الأشياء الواجبة لهم على الجميع. وقال ابن القاسم، وابن الماجشون: مبني هذه المسألة [٦٨٧/أ] على التنازع، فمن أسلم شيئاً سقط حقه فيه، بخلاف مسائل العول فإن التنازع فيها منتف؛ لأن الشرع أوجب لكل من الورثة حقاً، فإذا ادعى أحدهم الدار كاملة وادعى الآخر نصفها؛ فعلى الأول يعال لمدعي النصف بمثل حقه اثنين، فيقسم المدعي بينهم أثلاثاً لمدعي اثنان، وعلى الثاني يختص مدعي الكل بالنصف ثم يقسم الآخر بينهما.
стр. 4114
وَعَلَى الاخْتِصَاصِ لَوْ زَادُوا عَلَى اثْنَيْنِ فَقَوْلانِ؛ أَحَدُهُمَا: اخْتِصَاصُ مُدَّعِي الأَكْثَرِ بِمَا زَادَ عَلَى الدَّعْوَيَيْنِ جَمِيعاً وَهُوَ الصَّوَابُ. وَالثَّانِي: اخْتِصَاصُهُ بمَا زَادَ عَلَى أَكْثَرِهِمَا ...
الأول لابن المواز، والآخر لابن القاسم في المجموعة وهو قول أشهب، ولسحنون في كتاب ابنه: ومنشأ الخلاف هل كلام مدعي الأكثر معهما معاً أو مع كل منهما، وصوب المصنف الأول؛ لأن في كلامها منازعة.
وَإِذَا تَدَاعَا اثْنَانِ الْكُلَّ وَالنِّصْفَ؛ فَالأَكْثَرُ تَعُولُ بالنِّصْفِ، وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بالنِّصْفِ وَيُسَمُ الْبَاقِي بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ ....
هذا مثال لقول الأكثرين وابن القاسم وقد تقدم.
فَلَوْ كَانَ ثَالِثٌ يَدَّعِي الثُّلُثَ جَاءَ الْقَوْلانِ، فَعَلَى الأّوَّلِ: يَخْتَصُّ مُدِّعِي الْكُلِّ بالسُّدُسِ، ثُمَّ يَأخُذُ مِنَ الْبَاقِي نِصْفَهُ وَهُوَ رُبُهٌ وَسُدُسٌ، ثُمَّ يَخْتَصُّ مُدِّعِي النِّصفِ بمَا زَادَ عَلَى الثُّلُثِ وَهُوَ نِصْفُ السُّدُسِ وَيَقْتَسِمَانِ الثُّلُثَ. وَعَلَى الثَّانِي: يَخْتَصُّ مُدَّعِي الْكُلِّ بالنِّصْفِ، ثُمَّ يَاخُذُ مِنَ الْبَاقِي نِصْفَ مَا زَادَ عَلَى الثُلُثِ وَهُوَ نِصْفُ سُدُسٍ، وَيَاخُذُ مُدِّعِي النِّصْفِ نِصْفَ السُّدُسِ، ثُمَّ يُقَسِّمُ الْبَاقِي أَثْلاثاً لِلثَّلاثَةِ ....
(أل) في القولين للعهد؛ أي: هل يختص مدعي الأكثر بما زاد على مجموع الدعوتين، أو على أكثرهما؟ فعلى الأول وهو الاختصاص بما زاد على المجموع لو ادعى واحد الجميع وآخر النصف وآخر الثلث؛ اختص مدعي الكل بالسدس لأن الزائد على مجموع الدعوتين، ثم يأخذ نصف الباقي لأنه يدعيه، والاثنان يدعيانه وهو ربع وسدس؛ لأن نصف النصف ربع، ونصف الثلث السدس، ثم يختص مدعي النصف بما زاد على الثلث وهو نصف سدس، ثم يقسم الثلث الباقي بينهما، وجرى في هذه القسمة ذكر الثلث
стр. 4115
والسدس ونصفه فيستغني عنهما بنصف السدس، وجرى أيضاً ذكر النصف والربع، مخرجهما داخل في مخرج نصف السدس، فيستغني بمخرجه وهو اثنا عشر لمدعي أولاً سدس وهو اثنان، ثم نصف الباقي وهو خمسة، ثم يختص مدعي النصف بواحد، ثم يقسم الأربعة بينه وبين مدعي الثلث، وهذه القسمة أحسن مما في الجواهر؛ لأن قسمها من أربعة وعشرين، لكنه تبع في ذلك النوادر.
وقوله: (وَعَلَى الثَّانِي ... إلخ). يعني: وعلى أنه يختص بما زاد على الدعوتين يختص مدعي الأكثر بما زاد على أكثر الدعوتين وهو النصف لا يشاركه خصماً، ويبقى النصف الباقي يسلم قسمه مدعي الثلث ما زاد على دعواه وهو السدس؛ فيقسم بين مدعي الكل والنصف، فيكون لكل منهما نصف سدس، ثم يقسم الباقي بين الثلاثة أثلاثاً، وقد جرى هناك ذكر النصف والسدس، ونصف السدس ومقام النصف والسدس داخل في مقام نصف السدس، فيستغني به وهو اثنا عشر، وجرى أيضاً ذكر الثلث وثلث الثلث، فيستغني بثلث الثلث وهو من تسعة وهو موافق لاثني عشر بالثلث، فتضرب ثلث أحدهما في كامل الآخر؛ إما ثلاثة في اثنا عشر، أو أربعاً في تسعة، كل منهما يؤدي إلى ستة وثلاثين؛ فلمدعي الكل نصفها أولاً، ثم نصف السدس، وذلك أحد وعشرون، ولمدعي النصف نصف السدس ثلاثة، ثم لكل واحد أربعة.
وَالتَّرْجِيحُ بوُجُوهٍ: الْمَزِيَّةُ فِي الْعَدَالَةِ
لما ذكر أولاً أن التعارض حيث لا ترجيح شرع في بابه، وقوله: في (الْمَزِيَّةُ) خبر ابتداء محذوف تقديره الأول؛ أي: المزية، أي: الزيادة في العدالة، وهذا هو المشهور. وروي عن مالك: أنه لا يرجح بزيادة العدالة، وعلى الأول فلابد من حلف من زادت عدالته ببينة. وفي الموازية: لا يحلف، بناء على أن زيادة العدالة هل هي كشاهد واحد أو شاهدين.
стр. 4116
وَفِي زِيَادِةِ الْعَدَدِ قَوْلانِ، إِلا أَنْ يَكْثُرُوا جَمِيعاً.
يعني: وفي الترجيح بزيادة عدد إحدى البينتين قولان؛ عدم الترجيح حتى قال في المدونة: ولو شهد لهذا اثنان ولهذا مائة لا ترجح المائة، وحمله المازري على المبالغة، وأما لو كثروا حتى يقع العلم بصدقهم لقضي بها؛ لأن شهادة الاثنين إنما تفيد غلبة الظن. وروى مطرف، وابن الماجشون: أنه يترجح بذلك، وعلى هذا فتحصل في الترجيح بمزيد العدالة والعدد. ثالثها: المشهور يرجح بالعدالة لا العدد.
وقوله: (إِلا أَنْ يَكْثُرُوا جَمِيعاً) أي: فلا تراعي الكثرة حينئذ بالاتفاق، وفرق القرافي للمشهور بأن المقصود من القضاء دفع النزاع، ومزيد العدالة أقوى في التعدد من زيادة العدد؛ لأن كل واحد من الخصمين يمكنه زيادة العدد في المشهود بخلاف العدالة، واعترضه ابن عبد السلام: بأن من رجح زيادة العدد لم يقل به كيفما اتفق، وإنما اعتبره مع قيد العدالة، ولا نسلم أن زيادة العدد بهذا القيد أسهل الوجود، وقد تقرر في الأصول أن الوصف مهما كان أدخل تحت الانضباط وأبعد عن النقض والعكس كان أرجح، وزيادة العدد وصف منضبط محسوس لا يختلف فيه العقلاء، بخلاف العدالة؛ لأنها مركبة من قيود كما [٦٨٧/ب] تقدم، فقد يكون واحد الشاهدين أشد محافظة على توقي الصغائر، والآخر أشد محافظة على أداء الأمانة، وإن اشتركا في المحافظة المعتبرة في قبول الشهادة، وعلى هذا التقدير فضبط زيادة العدالة متعذر أو متعسر، فلا ينبغي أن يعتبر في الترجيح فضلاً أن يكون راجحاً على زيادة العدد.
وَفِي الشَّاهِدَيْنِ عَلَى الشَّاهِدِ، وَالْيَمِينِ وَالشَّاهِدِ وَالْمَرْأَتَيْنِ قَوْلانِ، وَرَجَعَ عَنْهُ
يعني: وفي ترجيح الشاهدين على الشاهد واليمين قولان، وكذلك القولان في ترجيح الشاهدين على الرجل والمرأتين، ورجع ابن القاسم عنه؛ أي: عن الترجيح. وقال
стр. 4117
أشهب: بالمرجوع إليه، والأظهر الترجيح فيهما، أما الأول: فالاتفاق على قبول الشاهدين والخلاف في الشاهد واليمين. وأما الثاني: فلقوله تعالى: ﴿فَإِن لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأتَانِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] فإنه يدل على راجحية الشاهدين على الرجل والمرأتين؛ لأن جعل مرتبتهم عند عدم الشاهدين، واعلم أنه اختلف في الحق هل هو مستند للشاهد فقط واليمين استظهاراً وهو مستند لهما وأن اليمين كالشاهد، وتظهر فائدة الخلاف في الفرع الأول، فعلى أنها كشاهدين لا حجة للشاهدين، وعلى الآخر رجح الشاهدين، وكذلك تظهر إذا رجع الشاهد هل يغرم نصف الحق أو جميعه.
وَعَلَى التَّسَاوِي لَوْ كَانَ الشَّاهِدُ أَعْدَلَ مِنْ كُلِّ مِنْهُمَا فَقَوْلانِ
أي: على تساوي الشاهدين مع الشاهد واليمين، ومع الشاهد والمرأتين لو قدرنا أن الشاهد الذي يشهد مع اليمين أو المرأتين أعدل من كل واحد من الشاهدين فقولان. وروى أبو زيد عن ابن القاسم: أنه يقضي بالشاهد الأعدل دون الشاهدين. وروى ابن حبيب عن مطرف، وابن الماجشون: أن الشاهدين أرجح. وانظر كيف جعل المصنف هذا مبنياً على التساوي في الفرع السابق، وهو محتمل أن يبقى على الخلاف في الترجيح بالعدد.
وَفِي أَعْدَلِيَّةِ الْمُعَدِّلِينَ فِي الْمُزَكِّيينِ قَوْلانِ
يعني: أنه اختلف إذا تساوت البيِّنات في العدالة، لكن معدلو أحدهما أزيد عدالة، فروى ابن القاسم وابن الماجشون عدم الترجيح بذلك؛ لأن العدالة إنما هي بالبينة، ألا ترى أن المزكين لو رجعوا لم يغرموا. وروى مطرف عن مالك: الترجيح بذلك؛ لقوة النظر بعدالة من زكاة الأرجح.
стр. 4118
وَالْيَدُ مُرَجَّحَةُ عِنْدَ التَّسَاوِي مَعَ الْيَمِينِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَذَهَبَ عَبْدُ الْمَلِكِ إِلَى أَنَّ الْحَائِزَ لا يَنْتَفِعُ بِبَيِّنَةٍ ....
يعني: إذا تعارضت البينتان وتساوتا فإنما تسقطان ويبقى الشيء بيد حائزه ترجيحاً لليد، هذا هو المشهور، ومقابله لعبد الملك أن بينة الحائز لا تسمع وأن البينة بينة الخارج، وتقدم وجهه.
وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع للترجيح باليد لا إلى اليمين. ابن عبد السلام: ويحتمل أن يكون مقابل المشهور قولاً بالاكتفاء باليد من غير بينة وأحفظه منصوصاً، واعترض ابن عبد السلام على المصنف: بأن إيراد هذه المسألة في مسائل الترجيح بين البينتين؛ لأن البينتين تساقطتا عند المساواة فصارتا كالعدم وبقي حوزه على ما كان عليه، وكأن المصنف أتى بها لمناسبتها ما تقدم في مطلق الترجيح.
فَلَوْ تَرَجَّحَتِ الْبَيِّنَةُ سَقَطَ اعْتِبَارُ الْيَدِ، وَفِي يَمِينِ الْخَارِجِ حِينَئِذٍ قَوْلانِ
يعني: فلو ترجحت بينة الخارج سقطت اعتبار اليد، واختلف في يمين الخارج حينئذٍ، أي: حين الترجيح على قولين، ورجح توجيه اليمين لليد، والمراد بالداخل الحائز، فإن قيل: هل يفهم من كلام المصنف أنه لو ترجحت بينة الحائز لا يفتقر إلى يمين. قيل: لا؛ لأن بينة الداخل فيها قولان كما تقدم، فإذا كان يحلف مع البينة المسموعة اتفاقاً؛ فلأن يحلف مع المختلف في سماعها أولى، وإذا ترجحت إحداهما قضى بها، وفي يمين من قضى له قولان.
وَاشْتِمَالُ إِحْدَاهُمَا عَلَى تَارِيخٍ مُتَقَدِّمٍ أَوْ بسَبَبِ مِلْكٍ مُرَجَّحٌ
(اشْتِمَالُ) مبتدأ، و (مُرَجِّحٌ) خبره؛ يعني: إذا شهدت إحداهما أن هذا يملكه من سنة والأخرى يملكه من سنتين؛ فإنه يقضي بأبعد التاريخين، قال في المدونة: وإن كانت
стр. 4119
الأخرى أعدل، قال فيها: ولا يبالي بيد من كانت الأمة منهما، إلا أن يحوزها الآخر من تاريخها بالوطء والخدمة والادعاء لها بمحضر الآخر فتبطل دعواه، وإنما رجح بالملك السابق؛ لأن الملك قد يثبت به والأصل استصحابه.
وقوله: (أَوْ بسَبَبِ مِلْكٍ) كما لو شهدت إحداهما أنه صادها أو نتجت عنده وشهدت الأخرى بالملك المطلق، تقدمت من شهدت بسبب الملك، وهو في المعنى راجع إلى الفرع الأول، بأن يشمل التاريخ المتقدم على الملك، فلو أقام بينة أنه بيده منذ سنين وأقام الآخر بينة أنه له منذ سنين؛ لقدمت بينة الملك وإن كان متأخراً، وخالفه التونسي ورأى أن الواجب رد ما وقع النزاع فيه إلى من تقدم حوزه حتى يثبت ما يوجب خروجه من يده، وقيد أشهب أيضاً اعتبار سبب الملك بضم الملك إليه حتى لو أقام بينة أنها ولدت عنده ولم يقولوا أنها له فلا يقضي له بها، وخالفه أيضاً التونسي وقيد الترجيح بالنتاج إذا لم تشهد البينة الأخرى للآخر أنه اشتراها. ابن القاسم: فإن شهدت بذلك كان صاحب المقاسم أحق إلا أن يدفع إليه الثمن الذي اشتراها به ولو كانت بيد صاحب النتاج، واختلف في الشهادة بنسج الثوب، هل هي كالشهادة بالنتاج فأحرى أن ما في المدونة مجرى النتاج. وفي كتاب ابن سحنون: أن [٦٨٨/أ] بينة الملك مقدمة على بينة النسج، ويقضي لمن شهد له بالنسج بقيمة عمله بعد أن يحلف أنه لم يعمله باطلاً.
المازري: وهذا إذا كان الناسج ينسج لنفسه، وأما إن انتصب للناس فلا تنفع الشهادة له بالنسج وهكذا النسج، وقيد أيضاً مسألة النسج بأن يكون الثوب مما يستحيل في العادة أن ينسج مرتين، فأما إن صح ما يقال أنه ينسج مرتين فلا يقال على شهادة النسج في معارضة شهادة الملك.
стр. 4120
وَفِي مُجَرَّدِ التَّارِيخِ قَوْلانِ
وفي الترجيح بمجرد التاريخ بأن تكون إحدى البينتين أُرِّخت والأخرى لم تؤرَّخ، والقول بتقديم المؤرخة لأشهب، زاد إلا أن يكون في شهادة التي لم تؤرخ أن الحاكم قضى بهذا العبد لمن شهدت له، والقول بنفي التقديم ذكره الشيخ والمازري ولم يعزواه.
وَيُشْتَرَطُ فِي بَيِّنَةِ الْمِلْكِ بِالأَمْسِ مَثَلاً أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ مِلْكِهِ فِي عِلْمِهِمْ
قوله: (بالأَمْسِ) تنبيه منه بالأخف على الأشد؛ لأنه إذا اشترط هذا في أقرب الأيام الماضية بعدم خروج الملك عن يد مالكه في هذا الزمان القريب، فلأن يشترط في أبعد من ذلك من باب أولى، وهذا الشرط الذي ذكره هو ظاهر ما في شهادة المدونة، ففيها: من تمام شهادتهم أن يقولوا ما علمناه باع ولا وهب ولا خرج عن ملكه بوجه من الوجوه، وليس عليه أن يأتي ببينة تشهد على البَتِّ أنه ما باع ولا وهب، ولو شهدت البينة بذلك كانت زوراً وهذا الظاهر. قال ابن القاسم: لأنه قال وإن أبوا أن يقولوا ما علموه باع ولا وهب ولا تصدق فشهادتهم باطلة، وظاهر ما في كتاب العارية من المدونة أنه ليس بشرط، قال: وإن شهدوا أن الدار له ولم يقولوا لا نعلم أنه ما باع ولا وهب ولا تصدق ويقضي له.
ابن عبد السلام: وقد أكثر الشيوخ هل كلامه في المدونة متناقض أو لا؟ وهل تقبل شهادة هؤلاء الذين قطعوا بالملك من إطلاقه عليها الزور، أو يفصل فيهم بين أن يكونوا من العلماء فلا تقبل أو يكونوا من وما الناس فتقبل، وإلى هذا ذهب الشيخ أبو محمد وأبو عمران، والذي قاله الشيخ أبو إبراهيم وأبو الحسن: أن ما في الشهادة شرط كمال.
أبو الحسن: إلا أن تكون الشهادة على ميت فذلك شرط صحة، ومراده بقوله: (كانت زوراً) أنها غير مقبولة.
عياض: ولا يختلف أنهم لايلزمهم ما لزم شهود الزور من العقاب.
стр. 4121
أَمَّا لَوْ شَهِدَتْ بالإِقْرَارِ اسْتُصْحِبَ
يعني: أما لو شهدت عليه بينة أنه أقر بالأمس مثلاً أنه ملك زيداً استصحب الإقرار، ويكتفي بهذه الشهادة وإن لم يزد الشهود: لا نعلم خروج ذلك الشيء عن ملكه إلى الآن، لأن في شهادتهم على ذلك الخصم بأنه أقر لخصمه إسقاط الملك المقر بخصوصيته، فعليه بيان صحة ملكه بعد ذلك بشراء من المشهود له أو بغير ذلك من أسباب الملك.
وَكَذَلِكَ لَوْ قَالَ أَحَدُهُمَا: كَانَ مِلْكاً لَهُ بِالأَمْسِ
(أَحَدُهُمَا) أي: أحد الخصمين أن هذا الشيء المتنازع فيه الآن كان ملكاً بالأمس لخصمه، فهو إقرار منه لخصمه كما في الفرع السابق.
وَكَمَا لَوْ شُهِدَ أَنَّ أَحَدَهُمَا اشْتَرَاهُ مِنَ الآخَرِ
(شُهِدَ) بضم الشين مبني لما لم يسمَّ فاعله؛ أي: ومثل الشهادة بالإقرار في الاستصحاب لو شهد شاهدان أن أحد الخصمين اشتراه من الآخر، فإنها تستصحب ولا يقبل قول المشهود عليه أنها عادت إليه.
وَلَوْ شُهِدَ أَنَّهُ غُصِبَهُ جُعِلَ صَاحِبَ يَدٍ
أي: لو شهد شاهدان أن رجلاً غصب هذا الشيء المتنازع فيه لجعل المغصوب منه صاحب يد، ويقضي على من هو بيده أن يرده إلى المشهود له، ويكون المشهود له صاحب يد فقط، ولا يبعد ذلك بثبوت الملك.
وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمِلْكِ عَلَى الْحَوْزِ
لأن الملك أقوى فتقدم بينته، ولو كانت بينة الحوز متقدمة؛ لأن الحوز قد يكون بملك وبغيره، ولهذا لو لم يعلم شهد مع طول الحيازة بالملك لم يثبت الملك إلا أن يشهدوا
стр. 4122
أنه غنمها من دار الحرب وشبهه. قيل: لسحنون متى يشهد الشاهد أنها ملكه، قال: إذا طالت حيازته إياها وهو يفعل فعل المالك لا منازع له، وقد حضروا دخولها في ملكه أولاً فتشهد بالملك، قيل: فالشاهد يشهد بالملك لطول الحيازة، وإن لم يشهد بالحيازة التي بها شهد م يحكم بها، قال: وهو كذلك، ولابد من أن يكون في شهادتهم أنها لم تخرج عن ملكه في علمهم، وعلى هذا فللشهادة بالملك أربعة شروط: طول الحيازة، وتصرفه تصرف المالك، وعدم المنازع، وأنها لم تخرج عن ملكه في علمهم.
وَالنَّاقِلَةُ عَلَى الْمُسْتَصْحِبَةِ؛ إِذْ لا تَعَارُضَ
لأن الناقلة زائدة.
وَكَذَلِكَ دَعْوَى ابْنِ دَاراً، أَوْ زَوْجَةِ أَنَّهَا أَخَتْهَا صَدَاقاً أَوْ بَيْعاً
يعني: أن من له داراً وتوفى عنها فادعى ولده أنها لم تزل على ملك أبيه إلى الموت وقام على ذلك بينة، وادعت زوجته أنه أعطاها لها في صداقها أو اشترتها منه وأقامت على ذلك بينة، فتُقدَّم بينتُها لأنها ناقلة وبينة الابن مستصحبة، ولو قال المصنف: (كدعوى) لكان أحسن؛ لأنه مثال لتقديم الناقلة على المستصحبة، ولهذا قال ابن عبد السلام: الأولى أن يحمل كلام المؤلف هنا على المعاوضة وقعت بينهما وبين الولد لتقع المغايرة بني هذا وبين ما قبله، [٦٨٨/ب] والظاهر أن المصنف إنما أراد ما قلناه أولاً؛ لأن المسألة كذلك في الجواهر، ويغلب على الظن أن المصنف يتبعه، فإن قيل: أخذ الدار عن الصداق هو أحد أنواع البيع والمصنف قد غاير بينهما؛ قيل: هو وإن كان بيعاً لغة، لكنه في عرف الفقهاء ليس كذلك، والموثقون يسمونه تغييراً.
стр. 4123
وَكَأَخَوَيْنِ مُسْلِمٍ وَنَصْرَانِيِّ، ادَّعَى الْمُسْلِمُ أَنَّ أَبَاهُ أَسْلَمَ ثُمَّ مَاتَ؛ فَالْقَوْلُ قَوْلُ النَّصْرَانِيِّ ...
يعني: أن الولدين اتفقا على أن الأب نصراني، وادعى النصراني أنه مات على ذلك، فالقول قول النصراني؛ لأنه تمسك باستصحاب الحال ولا بينة بينهما.
وَتُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْمُسْلِمِ
لأنها ناقلة.
وَلَوْ شَهِدَتْ بَيِّنَةُ النَّصْرِانِيِّ أَنَّهُ نَطَقَ بالنَّصْرَانِيَّةِ ثُمَّ مَاتَ فَهُمَا مُتَعَارِضَتَانِ
أي: شهدت بينة المسلم أنه نطق بكلمة الإسلام ومات حينئذٍ فهما متعارضتان فيصار إلى الترجيح، فإن لم يكن ترجيح، فيقول المصنف: أنه يقسم بينهما وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة، وقال غيره فيها: إذا تكافأت البينة قضى بالمال للمسلم بعد أن يحلف على دعوى النصراني؛ لأن بينته زادت.
ابن يونس: قال بعض الفقهاء: وقول ابن القاسم أصوب؛ لأن معناه أن الرجل جهل أصله، وإذا جهل فليس ثم زيادة والأمر يرد إليه فوجبت قسمة المال بينهما، وإذا كانت بينة المسلم زادت على تأويل غير ابن القاسم لم يحتج إلى تكافؤ البينة؛ لأن من زاد قضي بزيادته وإن كانت الأخرى أعدل منها. وقال إسماعيل القاضي: يشبه أني كون ابن القاسم أراد بتكافؤ البينة أن تشهد بينة المسلم أن أباه لم يزل مسلماً حتى توفي، وتشهد بينة النصراني أنه لم يزل نصرانيَّاً حتى مات، وكان الأب لا يُعرف حالُه فإن الشهادتان تسقطان، فأما إن شهدت بينة المسلم أن أباه كان نصرانيَّاً فأسلم وشهدت بينة النصراني أنه لم يزل نصرانيَّاً إلى أن مات؛ قضى ببينة المسلم لأنها زادت حدوث الإسلام.
стр. 4124
وَلَوْ كَانَ الْمَيِّتُ مَجْهُولَ الدَّينِ قُسِمَ مَالُهُ بَيْنَهُمَا كَالتَّعَارُضِ
يعني: لو كان الأب مجهول الحال ولم يكن هنا إلا دعواهما، فإن المال يقسم بينهما؛ إذ ليست دعوى أحدهما أولى من الآخر.
وقوله: (كَالتَّعَارُضِ) أي: كما لو أقام كل من المسلم والنصراني بينة على صحة قوله والأب مجهول الحال.
وَلَوْ كَانُوا جَمَاعَةً فَاخْتَلَفَتْ دَعَاوِيهِمْ؛ قُسِمَ الْمَالُ لِكُلِّ جِهَةٍ نِصْفٌ وَإِنِ اخْتَلَفَ عَدَدُهُمْ ...
ولو كان المدَّعُون في هذه المسألة جماعة واختلفت دعاويهم، فادعى بعضهم أنه مات على الإسلام، وبعضهم على النصرانية؛ فالمال يقسم نصفين لكل جهة، ولو كان من أحد الجهتين عدد أكثر من عدد الأخرى.
وَإِنْ كَانَ مَعَ الْوَلَدَيْنِ طِفْلٌ، فَقَالَ سُحْنُونٌ: يَحْلِفَانِ وَيُوقَفُ ثُُلُثُ مَا بأَيْدِيهِمَا، فَإِذَا كَبُرَ فَمَنِ ادَّعَى دَعْوَاهُ شَارَكَهُ وَيُجْبَرُ عَلَى الإِسْلامِ ...
يعني: فإن كان مع الولدين المدعيين في دين أبيهما طفل، فقال سحنون: يحلفان ويوقف ثلث ما بيد كل واحد منهما حتى يكبر الصغير فيدعي دعوى أحدهما فيؤخذ ما أوقف له من سهمه ويرد إلى الآخر ما أوقف من سهمه، وظاهر قول المصنف: (شَارَكَهُ) أي: الصغير شارك من وافقه في الدعوى فيقسم بينهما نصفين، والنقل إنما هو ما ذكرته أن من وافقه يأخذ الموقوف فقط وهو ثلث ما بيد من وافقه ومصيبة الثلث الباقي من الصغير؛ لأن من وافقه ثبت له ثلث المال.
وقوله: (فَإِنْ مَاتَ) أي: الصغير قبل البلوغ حلفاً واقتسما ميراثه. سحنون: وإن مات أحدهما قبل بلوغه وله ورثة يعرفوه فهم أحق بميراثه ولا يرد، وإذا كبر الصغير الصبي
стр. 4125
فادعاه كان له. وقال أصبغ في العتبية: يوقف النصف، قال: لأن كلاًّ منهما يقر بالنصف للصغير فله النصف ويجبر على الإسلام ويقسم النصف الآخر بينهما، هكذا نقل صاحب النوادر قول أصبغ، ونقله المازري على أنه يوقف نصف ما بيد كل واحد من الولدين؛ لأن هذا يجوز إذا كبر أن يدعي دعوى أحدهما فيكون الواجب قسمة المال بينه وبين الصغير، ويكون ما أخذه المخالف له في الدعوى كمال غصبه غاصب من التركة قبل القسمة، وهو مخالف لظاهر نقل أبي زيد من وجهين؛ أولهما: الاتفاق. وثانيهما: أن ظاهره في الآخر المخالف أن يسترجع ما أوقف من نصيبه. والله أعلم.
الدَّعْوَى والْجَوَابُ والْيَمِينُ والنُّكُولُ والْبَيِّنَةُ
أما البينة فقد تقدمت، وأما الأربعة التي قبلها فذكرها في القضاء أنسب، وهي مرتبة في الواقع على نحو ما ذكرها المصنف.
وَمَنْ قَدَرَ عَلَى اسْتِرْجَاعِ عَيْنِ حَقَّهِ بيَدِهِ آمِناً مِنْ فِتْنَةٍ أَوْ نِسْبَةٍ إِلَى رَذِيلَةٍ جَازَ لَهُ
يعني: إنما يحتاج إلى الدعوى من لا يقدر على أخذ متاعه، وأما إن قدر على أخذ شيئه بعينه وأمن من فتنة تترتب على أخذه؛ من قتال، أو إراقة دم ونحو ذلك من غير رفع إلى الحاكم؛ لأن المقصود من الرفع إنما هو الوصول إلى الحق، فإذا أمكن ذلك بدونه فالرفع إليه عناء، وربما لم يجد الرافع بينة فيؤدي إلى ضياع ماله، وهو ضد ما أمر به من حفظه.
وَأَمَّا فِي الْعُقَوبَةِ فَلابُدَّ مِنَ الْحَاكِمِ
يعني: انه إنما يستوفي حقه إذا كان مالاً، وأما إن كان حقه عقوبة فلابد [٦٨٩/أ] من الرفع، وكذلك إذا كان حقاً لله تعالى حدَّا كان أو أدباً.
стр. 4126
وأَمَّا مَنْ قَدَرَ عَلَى غَيْرِه، فَثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِنْ جِنْسِهِ جَازَ
يعني: وأما إن قدر على أن يأخذ غير حقه فثلاثة أقوال، وتصورها من كلامه ظاهر، وقد تقدمت هذه المسألة آخر كتاب الوديعة وتكلمنا عليها بما فيه كفاية، لكنه إنما ذكر الخلاف في المسألة السابقة في مثل حقه، وها هنا عم الجنس وغيره، واختلف على القول بإجازة الأخذ من غير جنس حقه، هل يتولى بيع ذلك وهو اختيار بعض الشيوخ.
المازري: أو يرفع إلى الحاكم ليتولى ذلك وفيه نظر؛ لأن الرفع إلى الحاكم يوجب عدم أخذه، وقد بنينا على القول بجوازه؛ لأن القاضي لا يبيع إلا بعد ثبوت دينه وكون ما يبيع ملكاً لغريمه. واختلف أيضاً هل يكون ضمان هذا الذي يباع من ضمان البائع، أو هو كالوكيل.
وَعَلَيْهِ الْخِلافُ فِي إِنْكَارِ مَنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ إِنْ أَنْكَرَهُ غَيْرُهُ
أي: وعلى هذا الخلاف وهو ظاهر، واشترط في الجواهر أن يكون الحقان حالين.
ابن عبد السلام: واختلف هل له أن يحلف ويؤدي؟
وَالْمُدَّعِي: مَنْ تَجَرَّدَ قَوْلُهُ عَنْ مُصَدِّقٍ. وَالْمُدَّعَى عَلَيْهِ: مَنْ تَرَجَّحَ بمَعْهُودٍ أَوْ أَصْلٍ
لما كان يمين المدعي والمدعى عليه مما يشكل وجرى النظر فيه احتاج إلى تفريقهما، ويقال: إن علم القضاء يرد، وعلى تمييز أحدهما من الآخر فإن العلماء لا يختلفون في حكم كان منهما؛ يعني: أن من تمسك باستصحاب المال هو المدعى عليه، ومن أراد النقل عن ذلك فهو المدعي، والظاهر أن قوله: (أَصْلٍ) يغني عن قوله: (بمَعْهُودٍ) لأن المعهود هو أيضاً أصل فيستصحب، وعرفهما معاً ولم يكتب بواحد؛ لأن القصد من التعريف البيان، وإفراد كل منهما بالتعريف أوضح، ولكنه أشكل على تمييز أحدهما عن الآخر، فقد تكون معرفة كل واحد منهما ظاهرة، وقد تظهر معرفة أحدهما دون الآخر، فإذا كان رسم كل واحد منهما معلوماً عند الفقيه وعرضت عليه مسألة؛ نظر فيها بقول كل واحد من
стр. 4127
الخصمين، فإن انطبق رسم المدعي على أحدهما ورسم المدعي عليه على الآخر فذلك غاية البيان، وإن انطبق رسم المدعي على كلام أحدهما ولم ينطبق رسم المدعي عليه على كلام آخر لم يضره ذلك؛ لأن معرفة المدعي توجب معرفة المدعي عليه وكذلك العكس.
فَلِذَلِكَ كَانَ مُدَّعِي رَدِّ الْوَدِيعَةِ مَقُبُولاً لائْتِمَانِهِ، وَمُدَّعِي حُرِّيَّةِ الأَصْلِ صَغِيراً كَانَ اوْ كَبيراً مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَوْزُ الْمِلْكِ، بخِلافِ مُدّّعِي الْعِتْقِ
يعني: أنه لا عبرة بلفظ المدعي عليه، وإنما المعتبر المعنى المذكور، فلأجل ذلك المعنى كان قول المدعي لرد الوديعة إذا لم يكن أصلها ببينة مقبولاً؛ لأنه ترجح بمعهود عرفي، إذ العرف في ائتمانه يقتضي تصديقه، وكان قول مدعي الحرية في الأصل مقبولاً؛ لأنه ترجح بأصل، إذ الأصل عدم الرق، اللهم إلا أن يثبت عليه حرز الملك فيستصحب، وهكذا نص عليه في كتاب العتق الثاني من المدونة.
قوله: (بخِلافِ مُدَّعِي الْعِتْقِ) أي: فإن قوله غير مقبول؛ لأنه ثبت رقه والأصل استصحابه. ابن عبد السلام: وقد قيل بمسألة الحرية ثلاثة أقوال.
فوائد:
الأولى: أن من تمسك بالأصل فهو المدعي عليه وخصمه هو المدعي، وذلك من قوله: (وَمُدَّعِي حُرِّيَّةِ الأَصْلِ).
الثانية: بين قوله: (مَا لَمْ يَثْبُتْ عَلَيْهِ حَوْزُ الْمِلْكِ) أن الأصل والغالب إذا تعارضا فالحكم للغالب.
الثالثة: إذا ثبت الانتقال عن الأصل ببينة أو إقرار، فمن طلب رفعه فهو المدعي.
وَشَرْطُ الْمُدَّعَى: أَنْ يَكُونَ مَعْلُوماً مُحَقَّقاً، فَلا يُسْمَعُ: لِي عَلَيْهِ شَيْءٌ
أي: شرط المدعي به، واحترز بالمعلوم من المجهول فلا يسمع: لي عليك شيء، وبالمحقق فلو قال: أظن أن لي عنده شيئاً، أو شك فلا يسمع ذلك.
стр. 4128
المازري وغيره: إنه لو قال: لي عنده شيء، جوزنا فيه أن الطالب يقر بعمارة ذمة المطلوب بشيء وجهل مبلغه وأراد أن يجاوبه المطلوب عن ذلك؛ إما بإقرار أنه ادعى به عليه التفصيل وذكر المبلغ، وإما بالإمكان له من أًله؛ ألزم الجواب، قال: وكذلك لو سأله سؤالاً شاكًّا فيما له عليه، هل يستحق قبله شيئاً أم لا، فإن هذا يظن فيه وفي تفصيل القول فيه. وزاد المازري شرطاً آخر للدعوى؛ وهو أن تكون مما لو أقر بها للمدعي عليه للزمه، فإنه لو ادعى رجل على آخر هبة، وقلنا: إنها لا تلزم بالقول، فإن بعض العلماء ذهب إلى أن الجواب لا يلزمه هناك، وكذلك الوصايا إذا رجع عنه وهو شرط ظاهر.
وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ: اشْتَرَيْتُ وَبِعْتُ وَتَزَوَّجْتُ، وَيُحْمَلُ عَلَى الصَّحِيحِ.
يعني: أن من ادعى أمراً معلوماً محققاً من بيع أو شراء أو تزويج فلا يلزمه بيان شروط صحته، ولا يستفصل شروط الحاكم المدعي على ذل، بل يكفيه أن يقول: اشتريت وبعت وتزوجت، وخالفت الشافعي في النكاح فقط ورأى أنه لا يقبل الدعوى فيه حتى يذكر المدعي شروط الصحة، فيقول: عقدت النكاح بصداق وولي وشاهدين، ووافق على أنه لا يلزمه في النكاح انتفاء الموانع؛ إذ لا فرق بين ذكر شروط الصحة وانتفاء موجبات الفساد.
وَلا يَحْلِفُ مَعَ [٦٨٩/ب] الْبَيِّنَةِ إِلا أَنْ يُدَّعَى عَلَيْهِ طُرُوُّ مَا يُبَرِّئُهُ مِنْ إِبْرَاءٍ أَوْ بَيْعٍ
يعني: إذا أقام بينة معتبرة على دعواه فلا يلزمه مع ذلك يمين على صحتها خلافاً للشافعي، ودليله قوله ﷺ :"شاهداك أو يمينه". إلا أن يدعي المدعي عليه على المدعي أنه أبرأه من الحق أو عاوضه: فيحلف المدعي حينئذٍ، لأن البينة لم تتضمن ذلك إثباتاً ولا نفياً، وإذا توجهت اليمين على المدعي فنكل عنه حلف المطلوب وبرئ، قاله في المدونة.
стр. 4129
فرع:
واختلف إذا قال المدعي عليه إن قام عليه بشهادة عدول: احلف لي بأنك لا تعلم فسق شهودك، هل يحلف على ذلك، أم لا؟. ذكر المازري فيه الخلاف عن العلماء، ثم أشار إلى استظهار الوجوب، فكذلك إذاقال له: احلف لي أنك تستحلفني في هذه الدعوى فيما مضى، قال: والذي مر به القضاء والفتيا عندنا لزوم المدعي اليمين للمدعي عليه أنه ما استحلف قبل ذلك، أو يرد عليه قد استحلفه على هذه الدعوى أنه لا يحلف له مرة أخرى.
فَلَوْ قَالَ: أَبْرَأَنِي مُوَكِّلُكَ الْغَائِبُ مِنَ الحَقِّ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَنْتَظِرُ. وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ: إِنْ كَانَ كَالْيَوْمِ، وَإِلاَّ حَلَفَ الْوَكِيلُ عَلَى نَفْيِ الْعِلْمِ ...
أي، إذا قال المدعي عليه لوكيل الغائب: أبرأني موكلك الغائب من الحق، فقال ابن القاسم في المجموعة: لا يحلف الوكيل وينتظر الغائب، وفي بعض النسخ: وينتظر، فيعود على المدعي عليه أن يؤخر حتى يجتمع بالمدعي، وقال ابن كنانة في المجموعة: إن كان الطالب قريباً من مثل اليومين فيكتب إلى الحاكم فحيكم، وإن لم يكن قريباً حلف الوكيل أني ما علمت أنه قبض من الحق شيئاً، أوي قضي له، وقال ابن المواز: يقضي على المطلوب وترجى له اليمين على الموكل، فإذا لقيه حلف المطلوب واسترجعه، وكلام المصنف يقتضي أن قول ابن كنانة خلاف لقول ابن القاسم، وحمل غير واحد قولهما على الوفاق، وأن ابن القاسم يوافق على الانتظار في المدة القريبة، ولهذا قال في البيان: ولا خلاف في الغيبة القريبة أنه لا يقضي للوكيل إلا بعد يمين موكله.
وَمَنِ اسْتَمْهَلَ لإِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ أَوْ دَفْعِهَا أُمْهِلَ جُمُعَةً، وَيُقْضَى وَيَبْقَى عَلَى حُجَّتِهِ، وَلِلْمُدَّعِي طَلَبُ كَفِيلٍ فِي الوَجْهَيْنِ ...
(اسْتَمْهَلَ) أي: طلب أن يمهل، أي لإقامة بينة، هذا في حق المدعي، أو لدفعها، هذا في حق المطلوب أمهل جمعة، هو لغير ابن القاسم في المدونة، قال فيها: وإذا ادعى شهوداً
стр. 4130
حضروا على حقه أوقف الخمسة الأيام والجمعة. ابن عبد السلام: والمذهب لا تحديد في ذلك. قال غير واحد من أهل المذهب: وضرب الأجل مصروف إلى اجتهاد القضاة والحكام، وليس فيه حد محدود لا يتجاوز، وإنما هو بحسب ما يقتضيه الحال، وقد تقدم في الأقضية من كلام ابن راشد: أن العمل على أحد وعشرين يوماً، وذكر ابن سهل وغيره: إذا كان في الأصول أُجِّل المعذر إليه من طالب أو مطلوب خمسة عشر يوماً، ثم ثمانية، ثم أربعة أيام، ثم ثلاثة تتمة الثلاثين يوماً، ذكره ابن العطار.
وقوله: (وَيُقْضَى وَيَبْقَى عَلَى حُجَّتِهِ) ظاهره كان طالباً أو مطلوباً، وهو ظاهر المدونة آخر كتاب الأقضية؛ لقوله: يقبل ما أتى به بعد التعجيز إذا كان لذلك وجه، وقيل: لا تبقى له حجة طالباً كان أو مطلوباً، ونقله ابن عبد السلام عن الأكثر، قال في المدونة: تدل عند الأكثرين عليه، وقيل: تقبل من الطالب دون المطلوب، وقد تقدم هذا المعنى في الأقضية.
وَلِلْمُدَّعِي طَلَبُ كَفِيلٍ فِي الأَمْرَيْنِ
أي: في إقامة البينة وفي دفعها، وأجمل في الكفيل؛ إذ لم يبين هل بالوجه أو بالمال، فأما المطلوب إذا أجل لدفع البينة؛ فللطالب أخذ حميل بالمال. المازري: وكذلك لو أقام عليه شاهداً وطلب ذلك المدعي ليأتي بشاهد آخر، وأما إن طلب الدعي كفيلاً حتى يقيم البينة بالحق، فحكى المازري الاتفاق على أنه لا يلزمه حميل بالمال.
وأما بالوجه ففي الحمالة من المدونة: ومن كان بينه وبين رجل خلطة فادعى عليه حقَّا؛ لم يجب عليه حميل بوجه حتى يثبت حقه، قال غيره: إذا ثبت الخلطة بينهما فله عليه كفيل بنفسه ليوقع البينة على عينه، وفي الشهادات: ومن ادعى قبل رجل ديناً أو غصباً أو استهلاكاً، فإن عرف بمخالطته في معاملته أو علمت تهمته فيما ادعى قبله من التعدي والغصب؛ نظر فيه الإمام، فإما أن يحلفه أو يأخذ له كفيلاً حتى يأتي بالبينة، وإن لم تعلم
стр. 4131
خلطته أو تهمته فيما ذكر لم يعرض له، ثم قيل: ما في الموضعين خلاف، وقال أبو عمران: المراد بالكفيل في الشهادات الوكيل، بمعنى أنه يوكل من يلازمه ويحرسه؛ لأنه يطلق على الوكيل كفيل، وقال ابن يونس: في الحمالة؛ يعني عن ابن القاسم: إذا لم يكن المدعي عليه معروفاً مشهوراً فللطالب عليه كفيل بوجهه ليوقع البينة على عينه، وأما لو كان المدعي عليه معروفاً مشهوراً؛ فليس للطالب عليه كفيل بوجهه، لأنا نسمع عليه البينة في غيبته، [٦٩٠/أ] وكذلك معنى قول ابن القاسم، والله أعلم.
وَإِذَا امْتَنَعَع الْمُدَّعَى عَلَيْهِ مِنْ إِقْرَارٍ أَوْ إِنْكَارٍ، فَرَوَى أَشْهَبُ: يُحْبَسُ، وَقَالَ أَصْبَغُ: هُوَ كَالنَّاكِلِ يَحْلِفُ الْمُدَّعِي وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ، وَإِنْ كَانَ مِمَّا يَثْبُتُ بالْبَيِّنَةِ طُولِبَ بِهَا وَحُكِمَ. وَقَالَ مُحَمَّدٌ: يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ. وَقَالَ اللَّخْمِيُّ: يُخَيَّرُ فِي الثَّلاثَةِ، فَإِنِ اخْتَارَ الْحُكْمَ بِغَيْرِ يَمِينٍ كَانَ عَلَى حُجَّتِهِ ...
يعني: إذا فرغ المدعي من دعواه كلف المدعي عليه بالجواب بأن يقر أو ينكر، فإن لم يفعل؛ فروى أشهب: يحبس حتى يقر أو ينكر واستصوبه محمد. ابن راشد: وهو الظاهر؛ لأن الخصم لم يتوجه عليه غير ذلك.
ابن عبد السلام: وبه جرى العمل ويؤدب. ابن سهل: وأفتى فقهاء قرطبة في مثل هذا بالضرب حتى يقر أو ينكر، فإن تمادى على إنكاره حلف عليه بغير يمين. وقال أصبغ: لا يخلو الذي وقع التنازع فيه إما أن يثبت بالنكول واليمين أو لا؛ فالأول: يقول القاضي إما أن تجيب، وإما أن يحلف ويحكم له عليك. وهذا بشرط أن تكون الدعوى مشبهة ولم يتعرض المصنف لهذا الشرط لكونه شرطاً في مطلق الدعوى، وسيأتي تنبيه المصنف.
والثاني: وهو أن تكون الدعوى مما لا يثبت إلا ببينة، فإنه يطلب خصمه، فإن تمادى هذا على ترك الكلام حكم عليه، وهذه الزيادة أيضاً لا تفهم من كلام المصنف، وقال محمد بن المواز: يحكم عليه ولا يحتاج إلى يمين المدعين وقال اللخمي: مخير في الثلاثة
стр. 4132
المتقدمة؛ فإما أن يحبس له المدعى عليه فيجيب بالإقرار أو الإنكار، وإما أن يحلف ويأخذ ما وقع النزاع عليه ملكاً؛ لأن امتناع المدعى عليه من الجواب امتناع من اليمين في المعنى؛ لأن الجواب سابق على اليمين وشرط فيها، وإما أن يحكم له الآن دون يمين، فإن أجاب خصمه بعد ذلك بالإنكار سمع منه وتمم الحكم بينهما.
وَلِلْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَنْ يَسْأَلَ عَنِ السَّبَبِ، وَيُقْبَلُ دَعْوَى نِسْيَانِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ، وقَالَ الْبَاجِيُّ: الْقِيَاسُ اليْمِينُ ...
يعني: أن المدعي إذا ادعى بألف درهم مثلاً؛ فللمدعي عليه أن يسأله من أي وجه يستحقها عليَّ، فإن بيَّن الطالب وجهه؛ وقف المطلوب عليه ولزمه أن يقر أو ينكر، وإن أبى ولم يدعِّ نسيانه لم يسأل المطلوب عن شيء، قاله أشهب في المجموعة، وهو في كتاب ابن سحنون أيضاً، ووجهه: أن المدعي إذا ذكر السبب يحتمل ان يكون فاسداً فلا يرتب على المدعي عليه غرامة.
وقوله: (وَيُقْبَلُ دَعْوَى نِسْيَانِهِ بغَيْرِ يَمِينٍ) وقال الباجي: القياس بيمين، هذا من تمام قول أشهب، وقول الباجي أظهر.
فرع:
وإن أنكر المطلوب المعاملة كلف الطالب البينة، نقله الباجي.
وَجَوابُ دَعْوَى الْقِصَاصِ عَلَى الْعَبْدِ، وَدَعْوَى الأَرْشِ عَلَى السِّيِّدِ
لأنه إنما يكلف الجواب من يتوجه الحكم عليه، وفي معنى القصاص حدُّ القذف ونحوه.
وقوله: (وَدَعْوَى الأَرْشِ عَلَى السِّيِّدِ) يريد: إلا أن تقوم قرينة توجب إقرار العبد فيها بالمال، كما قال في كتاب الديات: في عبد على برذون مشى على أصبع صبي فقلعها فتعلق
стр. 4133
به وهو يدمي، يقول: هذا فعل فيَّ، فصدقه العبد؛ أن الأرش يتعلق برقبة العبد، وأما على غير هذا من إقرار العبد فلا يقبل إلا بالبينة، وحيث قلنا إقرار العبد في القصاص يعفو عنه من يستحق القصاص على أن يأخذ العبد فليس له ذلك؛ لأن العبد يتهم على أن يكون أراد الفرار من سيده بإقراره على هذا الوجه، قاله في المدونة أيضاً.
وَالْيَمِينُ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا: وَاللهِ الَّذِي لا إِلَهَ إِلا هَوَ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ: يُزَادُ فِي رُبَُعِ دِينَارٍ، وَفِي الْقَسَامَةِ، وَاللِّعَانِ: عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ....
ظاهره أنه لابد من الاسم المعظم ووصفه بالذي لا إله إلا هو.
المازري: والمعروف من المذهب المنصوص عند جميع المالكية أنه لا يكتفي بالله فقط، وكذلك نص عليه أشهب، وكذلك لو قال: وهو الذي لا إله إلا هو، ما أجزأه حتى يجمع بينهما، وقال اللخمي: الذي يقتضي قول مالك الإجزاء إذا اقتصر على أحدهما، واختاره واستدل له بلزوم الكفارة في أحدهما بغير خلاف.
المازري: وإنما تعلق ما نسبه لمالك بما وقع في المدونة في ذكره يمين اللعان في قوله: يقول بالله، وبما قاله في يمين اليهودي والنصراني أنه يقول بالله، وهذا ليس المقصود به عند مالك- ﵁ أنه اللفظ الذي يذكر هنا، وإنما أراد بيان ما وقع فيه الإشكال، وإثبات الزيادة واللعان، وإثبات ذكر الذي أنزل التوراة على موسى- ﵇ في حق اليهودي، وإثبات الذي أنزل الإنجيل على عيسى ﵇ في حق النصراني.
وقوله: (وَرَوَى ابْنُ كِنَانَة ... إلخ) ظاهر التصور، وزيد في القسامة قول ثالث؛ أن يقول: أقسم الله الذي أحيا وأمات. ويتحصل في فهم اللخمي في اللعان أقوال؛ الأول مذهب المدونة: بالله. الثاني في الموازية: أشهد بعلم الله.
стр. 4134
اللخمي: يريد أنه جائز لا أنه لا يجزئ غيره. الثالث: القول الذي قدمه المصنف. الرابع: القول الثاني من كلام المصنف. الخامس: بالله الذي لا إله إلا هو الرحمن الرحيم. ويتحصل فيه أقوال؛ أولها: بالله الذي لا إله إلا هو. الثاني: أن يقول الذي أمات وأحيا. الثالث: أن يقول لا إله [٦٩٠/ب] إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم. الرابع: وذكر ابن رشد أنه مضى به العمل عندهم: عالم الغيب والشهادة، ولم يذكر الرحمن الرحيم، وزاد فيه أن تكون الأيمان إثر صلاة العصر يوم الجمعة.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلا يُزَادُ عَلَى الْكِتَابِيِّ: الْذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ. وَقِيلَ: يُزَادُ
الأول المشهور، والثاني رواه الواقدي عن مالك، ومعناه: يزاد على اليهودي؛ الذي أنزل التوراة على موسى، وعلى النصراني، الذي أنزل الإنجيل على عيسى ﵇، وأطلق المصنف لعدم الإلباس، وإنما جمعها في القول الألو في سياق النفي. قال في المدونة: ويحلفون في كنائسهم حيث يعظمون، وظاهر قول مالك: أن المجوسي يحلف كما يحلف المسلم بالله الذي لا إله إلا هو. وقيل: لا يلزمه أن يقول إلا بالله، ومقتضى كلام المصنف أن الكتابي يقول في يمينه: والله الذي لا إله إلا هو. وفي المدونة: ولا يحلف اليهودي والنصراني في قوله في لعان أو غيره إلا بالله.
عياض: فحمله بعض الشيوخ على ظاهره وأنهم لا يلزمهم تمام الشهادة؛ إذ لا يعتقدونها فلا يكلفون ما لا يدينون به وهو مذهب ابن شبلون، وفرق غيره بين اليهود فألزمهم ذلك لقولهم بالتوحيد وبين غيرهم. وقال غيره: لنا يحلفون بالله فقط هنا، لما سأله عنه: أيزيدون الذي أنزل التوراة على موسى ﵇ والإنجيل على عيسى ﵇، فقال: أن يحلفوا بالله فقط لا يلزمون بما سألت عنه. وذهب بعضهم إلى أن جميعهم يلزمه هذا اعتقده أم لا، رضيه أم كرهه، ولا يعد قولهم ذلك إسلاماً، وإنما هو حكم يجريه عليه الإسلام كما يلزمون فيما تحاكموا فيه مع المسلمين بحكم الإسلام، وإليه ذهب المتقدمون الأصحاب. انتهى باختصار.
стр. 4135
وَتُغَلَّظُ فِيمَا لَهُ بَالٌ بالْمَكَانِ. وَقِيلَ: وَبِوَقْتِ الصَّلاةِ، وَتُغَلِظُ فِي الدِّمَاءِ وَاللِّعَانِ بهِمَا ...
الذي له بال هو ربع دينار فصاعداً، (بالْمَكَانِ) أي: بالجامع. وأما ما دون ذلك فيحلف حيث كان.
قوله: (وَقِيلَ: وَبوَقْتِ الصَّلاةِ) فهم منه شيئان؛ أولهما: أن الأول تغلظ بوقت الصلاة. وثانيهما: أن القول الثاني وافق على التغليظ بالمكان أو لإثبات الدار.
وقوله: (بوَقْتِ الصَّلاةِ) أي: حين يحضر الناس في المساجد ويجتمعون للصلاة وتغلظ في الدماء وفي اللعان بهما؛ أي: بالزمان والمكان، وحاصله: أنه اتفق على التغليظ بهما في الدماء واللعان، واختلف في الأموال، ونزل قوله: (إِنَّ الذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً) [آل عمران:/ ٧٧] فيمن حلف بعد العصر على يمين كاذبة.
فرع:
المازري: المعروف أنه لا ينوب مناب الجامع الأعظم آخر ولو كان مسجد جماعة وقبائل، وأخذ الباجي التحليف في سائر المساجد مما رواه ابن سحنون: في امرأتين ممن لا يخرجن فأمر أن يخرجا من الليل إلى الجامع، فسئل عن تحليفهما في أقرب المساجد ولا يكلفان إلى الجامع، فأجاب إلى ذلك، ورده المازري بكونه ذكر اختصاص من يُستحلف بمعنى يوجب تغير الحكم بكون امرأتين مخدرتين لا يتصرفان، فكما نقلهما من الحلف نهاراً إلى الليل ستراً عليهما كذلك ينقلهما إلى أقرب المساجد.
وَتَخْرُجُ الْمُخَدَّرَةُ مِنَ الْحُرَّةِ وَالأَمَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ لَيْلاً، وَيُجْزِئُ فِي تَحْلِيفِهِمَا الوَاحِدُ، وَالاثْنَانِ أَوْلَى ...
أي: تخرج فيما له بال: لأن كلامه فيه، وظاهره أنه تخرج لربع دينار فصاعداً.
следующие страницы →