← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

له مال، وكذلك إن احتجب السلطان عن الشاهد لم يضره أن ينفق عليه المشهود له ما أقام منتظراً له إذا لم يجد من يشهد على شهادته ثم ينصرف، وقد قيل: تبطل بذلك لتوفير نفقتهم، قال: وهو الأظهر، قال: فانظر على هذا أبداً إذا أنفق المشهود له على الشاهد في موضع لا يلزم الشاهد الإتيان إليه والمقام فيه جاز، وإن أنفق عليه في موضع يلزمه ذلك فلا يجوز إلا فيما يركب إذا لم تكن له دابة ولم يقدر على المشي، فلا اختلاف أنه يجوز للشاهد أن يركب دابة المشهود له إذا لم تكن له دابة وشق عليه جملة من غير تفصيل بين قريب ولا بعيد، ولا موسر ولا معسر، وإنما يفرق ذلك حسبما ذكر في النفقة والركوب إذا كانت له دابة. وَتَثْبُتُ الأَمْوَالُ وَحَقُوقُهَا بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، أَوِ امْرَأَتَيْنِ وَيَمِينٍ لما رواه مالك مرسلاً، ومسلم وغيره مسنداً أنه ﵊ قضى باليمين مع الشاهد. قال صاحب الاستذكار: وقد أسنده جماعة ثقات عن جابر بن عبد الله ﵁ يرفعه، وقد صح من حديث ابن عباس مرفوعاً، وروى ذلك جماعة من الصحابة ﵃، [٦٧٩/ أ] ولم يرو عن واحد مخالفته، وقاله جماعة من التابعين منهم الفقهاء السبعة، وخالف في ذلك أبو حنيفة ويحيى بن يحيى من أصحابنا وزعم أنه لم ير الليث يفتي به، وخصصناه بالأموال؛ لأن عمرو بن دينار راوي الحديث عن ابن عباس ﵄ قال: وذلك في الأموال. وقوله: (وَحَقُوقُهَا) أي: كالغصب والتعدي والجنايات والشركة والإبراء من الدين والمصالحة عليه والإجارة وهبة الرقاب والمنافع.

стр. 4062

وقامت المرأتان مقام الرجل لأن الله تعالى جعلهما عوضه فقال: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ) [البقرة: ٢٨٢]. وَيُطَالَبُ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ بِالشَّاهِدِ فِي النِّكَاحِ وَالطَّلاقِ وَالْعِتْقِ بِأَنْ يُقِرَّ أَوْ يَحْلِفَ فَإِنِ امْتَنَعَ فَالأَخِيرَةُ أَنْ يُحْبَسَ لَهُمَا إِلا أَنْ يُحْكَمَ بِالشَّهَادِةِ، وَقَالَ ابن القاسم: يُحْبَسُ سَنَةً، وَقَالَ سحنون: أَبَداً .. أي: إذا ادعت المرأة على زوجها الطلاق، أو ادعى العبد على سيده العتق لم يطالب بتلك الدعوى إلا أن يقيم كل واحد منهما شاهداً أو امرأتين فحينئذ يكلفه القاضي إما بالإقرار أو بالحلف، فإن لم يقر وحلف برئ، ومساواته النكاح لهذين خلاف المعروف، نعم حكى ابن الهندي في وثائقه قولاً بوجوب اليمين في النكاح كما يجب في غيره؛ لأن النكاح أشب الأشياء بالبيوع، واستقرأ أيضاً مما لابن القاسم في الموازية ومما في الواضحة، أما الموازية فلأن فيها في دعوى الرجل على المرأة نكاحاً، أو دعوى المرأة على الرجل نكاحاً: إن اليمين ساقطة ما لم يقم لذلك شاهد واحد، فظاهره أنه إذا أقام شاهداً حلف المدعى عليه، ولعل المتيطي لما قوي عنده هذا الأخذ نقله صريحاً عن الموازية، وأما الواضحة فلأن فيها فيمن زوج رجلاً أو امرأة وزعم أنه وكله أو وكلته على ذلك فأنكر المدعى عليه الوكالة: إنهما يحلفان، فاستقرأ اللخمي منها وجوب اليمين مع الشاهد، قال: وإذا حلف بدعوى الوكالة مع كون الوكيل يدفع التعدي عن نفسه فلأن يحلف مع الشاهد من باب أولى. ورده المازري بأن المدعى عليه الوكالة لو صدقها لكان النكاح منعقداً؛ لأن النزاع في إذنه في الوكالة؛ لأن العقد قد ثبت بشاهدين بين الوكيل والزوجة. عبد الملك: وإن أقام شاهداً على رجل أنه زوجه ابنته البكر حلف الأب، فإن أبى سجن حتى يحلف، ولا مقال لابنته في ذلك، ولو كانت ثيباً فليس عليه يمين.

стр. 4063

وقال أصبغ: ليس عليه يمين بحال. قوله: (فَإِنِ امْتَنَعَ) أي: امتنع من الإقرار والحلف فلمالك روايتان؛ لأن الأخيرة تستدعي الأولى. (يُحْبَسَ لَهُمَا) أي: للطلاق والعتاق، ويحتمل للمرأة والعبد المفهومين من السياق لا أن يحكم بالشهادة، وأتى بهذا ليعلم أن الرواية الأولى الحكم لهما، ودليل كلامه أن الحكم لهما مستند إلى الشهادة فقط، وليس كذلك، بل على هذه الرواية إنما يثبت الطلاق بمجموع الشاهد والنكول. وبين صاحب الجلاب ذلك حيث فرق بين الشاهد واليمين أنه لا يقضي بهما في الطلاق بخلاف الشاهد والنكول على هذه الرواية؛ لأن الشاهد والنكول من جهتين فقويا لذلك، بخلاف الشاهد واليمين فإنهما من جهة المدعي فقط، وقد يجاب عنه بأن في كلام المصنف ما يقتضي اعتبار النكول؛ لأنه قال: (فَإِنِ امْتَنَعَ) وامتناعه هو نكوله. وقوله: (فَالأَخِيرَةُ أَنْ يُحْبَسَ لَهُمَا) لم يبين أمد الحبس، وقد بين ذلك في المدونة بقوله: فإن طال سجنه دين ويخلى بينه وبينها، والقول بالسنة نقله ابن يونس عن مالك أيضاً أواخر العتق الثاني، وقول سحنون أيضاً لمالك، ولعل المصنف وابن شاس لما رأيا أن الطول في كلام مالك غير محدد واحتمل أن يريد أحد القولين تركاه لذلك. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ عَلَى شِرَاءِ الزَّوْجَةِ، وَالشَّهَادَةُ عَلَى نُجُومِ الْكِتَابَةِ فَتَثْبُتُ وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْفَسْخُ وَالْعِتْقُ. فضل: فإما لأنه ليس بمال محض بل مركب من مال وغيره، ومثل لذلك بمسألتين: الأولى: أن يدعي سيد الأمة أن زوجها ابتاعها منه وأنكر الزوج فأقام السيد على دعواه شاهداً فإنه يحلف معه ويثبت البيع، وهو مال، ويترتب عليه فسخ النكاح، وهو

стр. 4064

ليس بمال، وإنما حكمنا فيها بذلك لأنا لو لم نحكم بذلك لأدى إلى أحد أمرين كل منهما باطل؛ إما رد شهادة الشاهد وقد دل الحديث على قبولها، وإما بقاء الزوجة في عصمة مالكها ولا يصح ذلك إجماعاً. والمثال الثاني: أن يقوم للمكاتب شاهد على أداء نجوم الكتابة فيثبت الأداء وإن ترتب عليه العتق، وقد علمت أن في قول المصنف: (وإن ترتب عليه الفسخ والعتق) لفاً ونشراً. وَأَمَّا الشَّهَادَةُ بِالْقَضَاءِ بِمَالٍ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ لا تُمْضَى. وَلَهُ اسْتِحْلافُ الْمَطْلُوبِ فَإِنْ نَكَلَ لَزِمَهُ بِغَيْرِ يَمِينِ الطَّالِبِ. فصلها بـ (أَمَّا) لأنها عكس ما قبلها؛ لأن الشهادة في اللتين قبلها على مال ويؤول إلى غيره، وهذه بالعكس ومعنى كلامه: إذا ادعى رجل على آخر أن القاضي حكم له عليه بمال فأنكر، فأقام عليه شاهداً بذلك فهل له أن [٦٧٩/ ب] يحلف مع شاهده؟ المشهور لا، وتعقب ابن عبد السلام حكاية الخلاف في الشهادة على حكم القاضي فقال: والذي حكاه الباجي وغيره أن القولين في كتاب القاضي بشاهد ويمين، وذلك لأنه حق ليس بمال ويؤول إلى مال، وأما دعوى أحد الخصمين على الآخر أن القاضي حكم عليه بمال فدعوى مال حقيقة، ولا ينبغي أن يختلف فيها، ورد بأن الخلاف أيضاً موجود في حكم القاضي، حكاه فضل. والقول بقبول الشاهد لمطرف وأصبغ، ومقابله لابن القاسم وابن الماجشون: لا يقبل في ذلك إلا شاهدان؛ لأنه من وجه الشهادة على الشهادة، وأخذ به ابن حبيب ولعل المصنف شهره إما لأخذ ابن حبيب به، وإما لأنه قول ابن القاسم، وإما لكون الشهادة فيه باشتر مالاً وإما للمجموع. خليل: وانظر ما الفرق على قول ابن القاسم بين هذه المسألة وبين ما إذا قامت المرأة شاهداً على النكاح بعد الموت، فإنه قال: تحلف وترث، والجامع بينهما الشهادة على ما ليس بمال

стр. 4065

ويؤول إليه, وقد يفرق بأن يقال: يمكن هنا إثبات المال بنكول المطلوب كما ذكر المصنف، بخلاف النكاح فإن الضرورة داعية فيه إلى القبول، والله أعلم. قوله: (وَلَهُ اسْتِحْلافُ الْمَطْلُوبِ) هو تفريع على المشهور؛ أي: إذا فرعنا على المشهور في أن الشاهد مع اليمين على حكم القاضي لا يمضي؛ فيكون للطالب استحلاف المطلوب إن القاضي لم يحكم عليه بمال. وقوله: (فَإِنْ نَكَلَ) أي: المطلوب. (لَزِمَهُ) أي: المال (بِغَيْرِ يَمِينِ الطَّالِبِ) وفي بعض النسخ: (بَعْدَ يَمِينِهِ) أي: الطالب وهي الصواب. وفي الأول نظر لوجهين. أولهما: كيف يمنع على ما ذكره المصنف الشاهد واليمين، ويقبل فيه النكول واليمين، والثاني أضعف على أصل المذهب. ثانيهما: أنها خلاف المدونة؛ لأن فيها في الأقضية: وللطالب أن يحلف المطلوب بالله أن هذه الشهادة التي في ديوان القاضي ما شهد عليه بها، فإن نكل حلف الطالب وثبتت له الشهادة، ثم ينظر فيها الذي ولي بما كان ينظر المعزول، وفي كتاب ابن سحنون أيضاً عن أبيه: أن المطلوب يحلف على ما في ديوان القاضي من شهادة أو إقرار أو قضاء، فإن نكل حلف الطالب وثبت له ما ادعى. وَالسَّفِيهُ وَالْعَبْدُ كَالرَّشِيدِ لا كَالصَّبِيِّ عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: إذا شهد للسفيه والعبد شاهد فإنهما يحلفان الآن كالرشيد، وليس كالصبي على المشهور، وفهم منه أن الصبي لا يحلف، وهو المعروف، وعن مالك أن الصبي يحلف. ابن رشد: وهو غريب. وقوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) أي: في العبد والسفيه، وظاهره أن الشاذ يراهما كالصبي، وذكر الباجي والمازري الشاذ في السفيه وأخذاه من رواية ابن حبيب عن مطرف، قال: يحلف المطلوب ويؤخر، فإذا رشد السفيه حلف مع شاهده.

стр. 4066

وأنكر ابن زرقون الخلاف في السفيه ابتداءً وقال: لم يختلف ابن القاسم ومطرف أن السفيه يحلف مع شاهده، وإنما اختلفا إذا نكل وحلف المطلوب ثم رشد السفيه؛ فقال مطرف: يحلف بعد رشده ويقضى له، وقال ابن القاسم: قد ينفذ الحكم للمطلوب ولا تعاد اليمين للسفيه، قال: وهكذا هو منصوص في الواضحة. ابن عبد السلام: وأما العبد فلا أعلم فيه خلافاً، وما أظن نقل المؤلف فيه إلا وهماً. انتهى. ولعله خرجه من السفيه، على أن يحتمل على بعد أن يكون قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) راجع إلى الصبي، ويكون إشارة إلى ما حكاه ابن رشد عن مالك. الباجي: وإذا قلنا يحلف السفيه مع شاهده؛ فإنه إن حلف قبض ما استحقه بيمينه الناظر له. ابن شعبان: والاختيار أن يقبض ما حلف عليه، فإذا صار بيده قبضه من الناظر؛ لأنه لا يستحق بيمينه شيئاً إلا من الذي قبضه. وَلَوْ حَلَفَ الْمَطْلُوبِ ثُمَّ أَتَى الطَّالِبُ بِشَاهِدٍ آخَرَ لَمْ يُضَمَّ هَذَا الثَّانِي إِلَى الأَوَّلِ بِاتِّفَاقٍ، وَفِي اعْتِبَارِهِ لِيَحْلِفَ مَعَهُ قَوْلانِ، وَعَلَى اعْتِبَارِهِ فَإِنْ لَمْ يَحْلِفْ فَفِي تَحْلِيفِ الْمَطْلُوبِ قَوْلانِ .. يعني: أن من أقام شاهداً ولم يحلف معه، ثم ردت اليمين على المدعى عليه فحلف، ثم أتى الطالب بشاهد آخر- لم يضم هذا الثاني إلى الأول اتفاقاً؛ لأن شهادة الأول قد بطلت بنكوله ويمين المطلوب. والاتفاق ليس بظاهر؛ فقد روى ابن الماجشون وابن عبد الحكم عن مالك الضم، وبه قال أصبغ، نقله اللخمي وصاحب البيان وغيرهما، لكن قال ابن كنانة: وهو وهم، وقد كان يقول: لا يضم إلى الأول، قال: وإنما هذا في المرأة تقيم شاهداً على طلاق فيحلف الزوج، ثم تجد شاهداً- أنه يضم إلى الأول؛ لأنه لم يوجد منها نكول. وعلى عدم

стр. 4067

الضم فهل للطالب أن يحلف مع هذا الثاني؛ إذ يظهر له الآن ما يقدم معه على اليمين أو لا، وهو قول ابن كنانة، وقول ابن القاسم في المبسوط، لأنه قد ترك حقه بنكوله أولاً؟ وعلى أن الطالب يحلف، فلو نكل فهل يحلف المطلوب مرة ثانية لأنه لم يستفد باليمين الأولى سوى إسقاط الشاهد الأول، أو يسقط حقه بدون يمين المطلوب، لأن يمينه قد تقدمت، فلا تكرر اليمين عليه؟ حكى المصنف وغيره في ذلك قولين: الأول في الموازية والثاني لابن ميسر، وجمع بعضهم المسألة من أصلها مع فرعها فقال: فيهما أربعة أقوال: أولها: إن أتى بشاهد ثان استؤنف له الحكم وهو قول ابن القاسم في الموازية، واختلف إن نكل هل يحلف المطلوب ثانية؟ وثانيها: إن أتى بشاهدين قضى له بهما، وإن أتى بشاهد أضيف إلى الأول، وأخذ حقه بلا يمين، وهو رواية ابن الماجشون عن مالك. وثالثها: أن نكوله أولاً قطع لحقه، فلا يكون له شيء، وإن أتى بشاهدين غير الأول، وهو قول ابن القاسم وابن كنانة في المبسوط. ورابعها: إن جاء بشاهدين غير الأول قضى له بهما، وإن أتى بشاهد واحد لم يقض له بشيء، حكاه ابن رشد ولم يعزه. فَلَوْ كَانَتْ مَرْجُوَّةَ الاسْتِقْبَالِ كَالشَّاهِدِ لِصَبِّي وَحْدَهُ أَوْ مَعَ غَيْرِهِ فَالْمَنْصُوصُ: يَحْلِفُ الْمَطْلُوبْ بِحِصَّةِ الصَّبِيِّ، فَإِذَا حَلَفَ فَفِي وَقْفْ الْمُعَيَّنِ قَوْلانِ .. اعلم أن اليمين على أربعة أحوال: الأولى: أن تكون ممكنة وهي التي تقدم حكمها. والثانية: أن تكون ممتنعة في الحال مرجوة الاستقبال. والثالثة: أن تكون ممتنعة [٦٨٠/ أ] غير مرجوة. والرابعة: أن تكون ممكنة من بعض ممتنعة من بعض.

стр. 4068

وأخذ المصنف يتكلم على هذه الثلاثة؛ يعني: إذا قام شاهد بحق لصبي وحده أو بحق له مع بالغ فلا يحلف الصبي الآن، وهذا على المعروف كما تقدم، لكن رأى الأصحاب أنه لابد للشهادة من أثر ناجز، فالمنصوص في المذهب أن المطلوب يحلف الآن، وأشار بمقابله إلى ما فهمه الباجي من قول مالك في الموازية: أن المدعى عليه لا يحلف الآن، وإنما يوقف للصبي حقه حتى يحتلم فيحلفه كما يفعل في حق المغمى عليه، ويمكن أن يفرق بقرب إفاقة المغمى عليه، أشار إلى ذلك المازري. قوله: (فَإِذَا حَلَفَ) أي: المطلوب، وكان المدعى فيه معيناً كدار وثوب، وزاد اللخمي: أو كان غنياً والمدعى عليه يخشى فقره فاختلف المذهب على قولين: أحدهما: وقف المدعى فيه حتى يبلغ الصبي. والثاني: أنه لا يوقف ويسلم للحالف، وبه قال مطرف وابن الماجشون وابن عبد الحكم وأصبغ، وعليه فإذا بلغ وحلف أخذه بعينه إن كان قائماً، وبقيمته إن كان فائتاً، والأول هو ظاهر الموازية وكتاب ابن سحنون. ابن عبد السلام: وهو ظاهر؛ لأن شهادة الشاهد لم تبطل رأساًن وإنما حلف المدعى عليه ليتأخر الحكم، وبنى المازري الخلاف في الإيقاف على الخلاف في إسناد الحكم إلى الشاهد فقط. واليمين كالعاقد، فيحسن الإيقاف أو إليهما فيضعف الإيقاف. فَإِنْ نَكَلَ الْمَطْلُوبِ فَفِي أَخْذِهِ مِنْهُ تَمْلِيكاً أَوْ وَقْفاً قَوْلانِ لما ذكر الحكم إذا حلف المطلوب ذكره إذا نكل وأشار إلى أنه يؤخذ منه الشيء المنازع فيه لنكوله، ثم اختلف هل يؤخذ منه أخذ تمليك كما لو كانت الدعوى على كبير وقام عليه شاهد ونكل عن اليمين، وهو مذهب الموازية، بل زعم صاحب البيان الاتفاق عليه أو أخذ وقف، وهو منسوب للواضحة لأنه قال: إذا بلغ الصغير ونكل عن اليمين فإن الحق يرد إلى من أخذ منه، وهو ظاهر؟ والفرق بين الصغير والكبير في هذا ما قاله المارزي

стр. 4069

أنه معذور في نكوله هنا؛ لأنه يقول: إنما حملني الآن على النكول أن يميني الآن لا يتم لي بها الحكم لأني لو حلفت لم يفدني ذلك فائدة في مذهب من رأى الوقف ولا كبير فائدة على مذهب من لا يرى الوقف؛ لأن للصبي أن يحلف بعد بلوغه ويتم له الحكم. وَعَلَى وَقْفِهِ أَوْ يَمِينِهِ يُسَجِلُّ الْحَاكِمُ الشَّهَادَةَ لِيَسْتَحْلِفَ الصَّبِيَّ بَعْدَ الْبُلُوغِ أَوْ وَاِرثَهُ قَبْلَهُ .. أي: وإذا حلف المدعى عليه أو نكل ولم يحكم عليه فإن الحاكم يكتب شهادة الشاهد ويثبتها ويسجلها للصغير؛ صيانة لحقه خوفاً من موت الشاهد أو تغيير حاله عن العدالة قبل بلوغ الصبي، ولو مات الصبي قبل بلوغه لحلف وارثه الآن واستحق. فَإِنْ نَكَلَ اكْتُفِيَ بِيَمِينِ الْمَطْلُوبِ الأُولَى عَلَى الْمَشْهُورِ. يعني: فإن بلغ الصبي ونكل عن اليمين أو نكل وارثه، وقد كان المدعى عليه حلف فإنه يكتفي بتلك اليمين التي حلفها على المشهور، وفي بعض النسخ: (نَكَلَا) ليعود على الصبي ووارثه، ومقابل المشهور أنه يستحلف ثانياً، حكاه في البيان صريحاً. وقال الباجي: المشهور مبني على أن يمين المطلوب ليوقف الحق بيده، خاصة لما تعذر يمين الطالب، فإذا حلف الطالب أخذ، وإن نكل حلف المطلوب يمين الاستحقاق؛ إذ لو كانت يمينه أولاً يمين استحقاق لوجب إذا نكل عنها أن ينفذ القضاء عليه ولا يحلف المدعي يميناً بعدها، وهذا أصل متنازع فيه. فَإِنْ كَانَ وَارِثُ الصَّغِيرِ مَعَهُ أَوَّلاً وَكَانَ قَدْ نَكَلَ لَمْ يَحْلِفْ عَلَى الْمَنْصُوصِ؛ لأَنَّهُ نَكَلَ عَنْهَا .. يعني: فإن كان الشاهد شهد بحق لصغير وأخ كبير فنكل الكبير واستؤني الصغير، ثم مات الصغير قبل بلوغه فكان أخوه الكبير وارثه فليس له أن يحلف؛ لأنه قد نكل أولاً

стр. 4070

فلا ترجع عليه يمين، وهذا لبعض شيوخ صاحب النكت: وقال ابن يونس: والذي يظهر لي أن يحلف على نصيبه؛ لأنه إنما نكل أولاً عن حصته، ألا ترى أنه لو حلف أولاً وأخذ مقدار حصته ثم إنه ورث الصغير- لم يأخذ نصيبه إلا بيمين ثانية، ولما حكى المازري فيها القولين للمتأخرين قال: ولا نص فيه للمتقدمين، وعلى هذا فتعبير المصنف على الأول بالمنصوص ليس بظاهر. وَلَوْ كَانَ الأَبُ مُنْفِقاً وَالصَّبيُّ فَقِيراً فَفِي قَبُولِ حَلِفِهِ قَوْلانِ يعني: إذا قام للصغير شاهد بحق ورثه من أمه ونحو ذلك فهل للأب أن يحلف؟ قولان. وقيد الخلاف بقيدين: أولهما: أن يكون الأب منفقاً على الصغير. والثاني: أن يكون الابن فقيراً؛ لأنه إذا كان غنياً فالنفقة عليه من مال نفسه فلا يمكن؛ لأنه يحلف ليستحق غيره من غير فائدة تحصل له، فالقول بالحلف في كتاب المدنيين، والقول بنفيه لمالك في الموازية، قال: لا أظن ذلك. قال في البيان: وهو المشهور المعلوم من قول ابن القاسم وروايته عن مالك، وقيد الخلاف بما إذا لم يل الأب أو الوصي المعاملة، فأما ما وليه فاليمين واجبة عليه؛ لأنه إن لم يحلف غرم. فَلَوْ كَانَتِ الْيَمِينُ مُمْكِنَةً مِنْ بَعْضٍ مُمْتَنِعَةً مِنْ بَعْضٍ كَالشَّاهِدِ عَلَى رَجُلٍ بِوَقْفٍ عَلَى بَنِيهِ وَعَقِبِهِمْ بَطْناً بَعْدَ بَطْنٍ فَرَوىَ مُطَرِّفُ أَنَّهُ [٦٨٠/ ب] إِذَا حَلَفَ وَاحِدُ ثَبَتَ الْجَمِيعُ، وَرَوَى ابن الماجشون: إِذَا حَلَفَ الْجُلُّ، وَقَالَ مُحَمَّدُ وَغَيْرُهُ: كَمَسْأَلَةِ الْفُقَرَاءِ. وَقِيلَ: يَثْبُتُ لِمَنْ حَلَفَ نَصِيبُهُ .. هذه هي الحالة الثانية؛ وهي: أن تكون اليمين ممكنة من بعض دون بعض؛ يعني: فإن قام شاهد بحق لقوم بعضهم معين وبعضهم غير معين كما لو قام شاهد بوقف على بني رجل فاليمين ممكنة من الأولاد الموجودين، ممتنعة ممن لم يوجد من أعقابهم فأربعة أقوال:

стр. 4071

الأول لمالك من رواية مطرف وابن وهب: أنه إذا حلف واحد من البطن الأول مع الشاهد ثبت الحبس للجميع. الثاني لمالك من رواية ابن الماجشون على ما ذكره صاحب النوادر والباجي والمازري: أنه إذا حلف الجل من أهل هذه الصدقة ثبت جميعها. الثالث: نقله ابن المواز عن أصحابنا فقال: الذي يذهب إليه أصحابنا امتناع اليمين مع هذه الشهادة على الإطلاق، ويكون كما لو شهد على وقف للفقراء وهم مجهولون. والحكم في الفقراء على ما نص عليه اللخمي أن يحلف المشهود عليه، فإن نكل لزم الحبس. وفي قول المصنف: (وَقَالَ مُحَمَّدُ) نظر؛ لأن محمداً إنما نقله عن غيره، ولأنه لا يؤخذ من كلام المصنف الحكم؛ لأنه لم يذكر الخلاف في الفقراء. وقول ابن عبد السلام أفاد تشبيه المصنف بالفقراء فائدتين؛ الإعلام بالحكم في مسألة الفقراء، وبيان الحجة في مسألة الحبس ليس بظاهر. القول الرابع لبعض القرويين، ورجحه اللخمي وغيره بمنزلة الشاهد يشهد بحق لحاضر وغائب أو حمل. وسبب الخلاف أن الشهادة اشتملت على ما تصح اليمين معه وما لا تصح، فمن التفت إلى جانب تعذرها أبطل الحبس، ومن التفت إلى جانب الصحة صحح الحبس. ثم اختلف على القول بالتصحيح هل يكتفى بالجل؛ لكونهم يقومون مقام الكل، أو يكتفي بواحد؛ لأن يمينه تنسحب على حق غيره لكون الشهادة بشيء واحد لا تتبعض في الحكم؟ المازري: وربما هجس في خاطري تعليل آخر؛ وهو: أنه إذا حلف واستحق نصيبه طالبه بقية طبقته بنصيبهم مما أخذ؛ إذ حقهم فيه على الشياع وهو مقر لهم، فإذا أخذ منهم شيئاً

стр. 4072

عاد اليمين لإكمال نصيبه، فلا يزال هكذا حتى يؤخذ الحبس كله فاكتفى بيمينه وحده يميناً واحدة؛ لأنه حلف على الجميع لحق نفسه. فَلَوْ مَاتَ فَفِي تَعْيِينِ مُسْتَحِقَّهِ مِنْ بَقِيَّةِ الأَوَّلِينَ أَوِ الْبَطْنِ الثَّانِي أَوْ مَنْ حَلَفَ أَبُوهُ خِلافُ .. هذا تفريع على القول الرابع؛ وهو: أن من حلف من البطن الأول استحق نصيبه، فلو حلف واحد منهم ونكل باقيهم ثم مات الحالف وبقي إخوته الناكلون فذكر المصنف في هذا ثلاثة أقوال، والمازري إنما جعلها كالاحتمالات، وعلى هذا فاستحقاق بقية البطن الأول مبني على أن نكولهم عن نصيبهم لا يمنع من استحقاق نصيب الأخ الصغير إذا مات على أحد القولين، واستحقاق البطن الثاني مبني على بطلان حق الإخوة بنكولهم، وأن البطن الثاني إنما يتلقونه عن جدهم المحبس، واستحقاق من حلف أبوه خاصة مبني على أن استحقاق البطن الثاني له من قبل آبائهم كالوراثة، فمن نكل أبوه بطل حقه. ثُمَّ فِي أَخْذِهِ بِغَيْرِ يَمِينٍ قَوْلانِ يعني: أن من وجب له أخذه من بقية البطن الأول أو من البطن الثاني فقيل: يأخذه بغير يمين بناء على أنه كالوراثة. وقيل: يأخذه بيمين بناء على أنه يستحقه عن جده، وصرح المازري بالخلاف في البطن الثاني، لكن إنما نقل القول باليمين عن الشافعية، وقال إنه القياس، وأجرى الخلاف في يمين بقية البطن الأول، ونقل الباجي القول بسقوط اليمين عن المغيرة. وَفِي وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِي الْجِرَاحِ بِيَمِينٍ وَشَاهِدٍ قَوْلانِ هما في المدونة، ففي الشهادات منها: وكل جرح فيه قصاص فإنه لا يقتص فيه بشاهد ويمين، وكل جرح لا قصاص فيه مما هو متلف كالجائفة والمأمومة وشبههما

стр. 4073

فالشاهد واليمين فيهما جائزة؛ لأن العمد والخطأ فيها إنما هو أموال. وفي الديات: من أقام شاهداً عدلاً على جرح عمداً أو خطأ فليحلف معه يميناً واحدة، ويقتص في العمد ويأخذ العقل في الخطأ، قيل لابن القاسم: لم قال مالك ذلك في جراح العمد وليست بمال؟ فقال: كلمت مالكاً في ذلك فقال: إنه لشيء استحسناه وما سمعنا فيه شيئاً، وقد تبين لك بهذا السياق رجحان ما في الشهادات، وزاد في البيان ثالثاً بأنه يقضى بالشاهد مع اليمين فيما صغر من الجراح لا فيما عظم منها كقطع اليد وشبهه، وهو قول ابن الماجشون وروايته، واختاره سحنون، ونص سحنون على أن المرأتين كالعدل في القصاص، قال: لأن من أصلنا أن كل شيء يجوز فيه شاهد ويمين تجوز فيه شهادة امرأتين، وأجرى صاحب المقدمات على هذا الخلاف خلافاً في حد القذف هل يثبت بالشاهد مع اليمين؟ نص في البيان على أن المعروف عدم ثبوته إلا بشاهدين. وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّهَادَةِ تَجْرِي فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ، وَشَرْطُهُا أَنْ يَقُولَ: اشْهَدْ عَلَى شَهَادَتِي أَوْ يَرَاهُ يُؤَدِّيهَا، وَقَالَ مُحَمَّدُ: يَتَعَيَّنُ الأَوَّلُ .. (فِي الْمَالِ وَغَيْرِهِ) أيك من حد أو طلاق أو عتاق. ونبه على قول أبي حنيفة [٦٨١/ أ] أنها لا تقبل في العقوبات التي هي حق لله تعالى، وتقبل في العقوبات التي هي حق للخلق إلا القصاص، وعن الشافعي القولان. ومنشأ الخلاف هل النقل شبهة تدفع الحد؟ (وَشَرْطُهُا) أي: وشرط تحملها أن يقول شاهد الأصل للفرع: اشهد على شهادتي، أو يراه يؤديها عند الحاكم، وأما لو سمعه يخبر أن فلاناً أشهده بكذا فلا يشهد. قال في البيان: باتفاق؛ لما علم من تساهل الناس في الأخبار ولو كانوا في غاية الورع، وإنما يتحرزون في الإشهاد والتأدية عند الحاكم. وقال محمد: يتعين الأول، فلا يجوز فيما إذا رآه يؤديها عند الحاكم. والأول أظهر، وهو اختيار ابن حبيب وقول مطرف، وبالثاني قال

стр. 4074

أشهب وأصبغ وابن يونس وهو أشبه بظاهر المدونة. واختلف أيضاً إذا سمعه يشهد غيره هل يشهد بذلك أم لا؟ مطرف: ولا يشهد بقول القاضي: ثبت عندي لفلان كذا حتى يشهده، حكاه في المفيد. فرع: من شرط شهادة النقل أن يسمي الناقلون من نقلوا عنه؛ لاحتمال أن يكونوا إذا سموهم حضروا. قاله المازري. فَلَوْ طَرَأَ فِسْقُ أَوْ عَدَاوَةُ أَوْ رِدَّةُ امْتَنَعَتْ يعني: فلو تغير حال شاهد الأصل، وكان يومئذ في النقل عنه عدلاً لا عداوة بينه وبين المشهود عليه ففسق قبل أداء الشهادة عنه أو ارتد أو حدثت بينه وبين المشهود عليه عداوة فلا يجوز للفرع أن يؤديها حينئذ؛ لأن المعتبر حال الشاهد وقت الأداء، وذكر المازري أن بعض الأصحاب أشار في الفسق إلى الفرق بين ما يخفى كالزنى وما لا يخفى كالقتل كما تقدم، وهو كلام صحيح. ولو تغيرت حالة الشاهد الأصل بعد الفسق إلى العدالة فهل للناقل الذي أشهده في حال العدالة الأولى أن ينقل الآن عنه من غير تجديد إذن الأصل في النقل عنه؟ المازري: فيه خلاف بين الناس. ولم يصرح هل هو في المذهب أو خارجه؟! وَالْجُنُونُ مِنْ كُلِّ لا يَمْنَعُ أي: في كل من الأصل والفرع؛ لأن الجنون غير قادح فيما تقدمه، ولا يظهر لذكر الجنون بالنسبة إلى الفرع كبير فائدة؛ لأنه إن جن قبل أداء الشهادة لم يبق نقل، وإن جن بعده فواضح عدم اعتباره كموته.

стр. 4075

وَلا تُسْمَعُ إِلا بِمَوْتِ الأَصْلِ أَوْ غَيْبَتِهِ بِمَكَانٍ لا يَلْزَمُهُ الأَدَاءُ مِنْهُ، قَالَ مُحَمَّدُ: لا يَكْفِي فِي الْحَدِّ مَسَافَةُ الْيَوْمَيْنِ وَالثَّلاثِةِ ... هذا شرط في أدائها والأول في تحملها؛ يعني: شرط النقل تعذر الشهادة من الأصل؛ لأن تأخره مع القدرة ريبة في شهادته، ولأن الظن في شهادة الأصل أقوى؛ فلا يعدل إلى الأضعف مع القدرة على الأقوى والمرض مقيد بأن يشق معه الحضور. واختلف في حد الغيبة فقيل: أن يكون على مسافة لا يلزم الشاهد منها الأداء. اللخمي: وقال ابن القاسم في الموازية: إن كانت الشهادة في الحدود لم تنقل عنهم إلا في الغيبة البعيدة، وأما اليومان والثلاثة فلا، ويجوز ذلك في غير الحدود، وقال سحنون: إن كانت المسافة تقصر في مثلها الصلاة أو الستين ميلاً كتب القاضي إلى رجل تشهد عنده البينة، ولم يفرق بين أن تكون الشهادة في مال أو حد. انتهى. ونقل ابن يونس عن الموازية نحو ما نقله اللخمي. المازري: وأشار في المدونة إلى كون الثلاثة أيام في غير الشهادة بالحدود قريبة فقال: من أراد أن يستحلف خصمه لكون من شهد له على مسافة ثلاثة أيام فإنه لا يمكن من ذلك حتى يسقط القيام بالبينة، وجعلها في حكم الحاضرة، والظاهر أن مراد المصنف بقوله: (وقَالَ مُحَمَّدُ) نظر؛ لأنه إنما رواه، وحمل ابن عبد السلام قول المصنف في الحد على أن المراد حد المسافة، ولم أر نقلاً يساعده. وَيُنْقَلُ عَنِ الْمَرْأَةِ بِحُضُورِهَا، وَقَالَ مُطَرِّفُ: لَمْ أَرَ بِالْمَدِينَةِ امْرَأَةً قَطُّ أَدَّتْ، وَلَكِنْ يُحْمَلُ عَنْهَا .. يعني: أن ما ذكره من اشتراط غيبة شاهد الأصل إنما هو في الرجل، وأما المرأة فينقل عنها مع حضورها؛ لما طلبت به من الستر، ولو فرق بين من عادتها الخروج وغيرها كما قيل في اليمين لما بعد.

стр. 4076

وَلَوْ زَكَّى النَّاقِلُ الأَصْلَ جَازَتِ الشَّهَادَتَانِ أي: شهادة النقل وشهادة التعديل، ولا خلاف فيه، بل شرط أبو حنيفة والشافعي في صحة القضاء بالشهادة المنقولة أن يعدل شاهد الفرع شهود الأصل، والمذهب صحة النقل عمن لم يعرف حاله بجرحة أو عدالة، ويكون البحث في ذلك على القاضي؛ نعم لا ينبغي لهما أن ينقلا عمن لم يعلما جرحته؛ لأن في ذلك تغريراً للقاضي وتلبيساً عليه، قاله المازري وغيره. وَتُنْقَلُ الْمَرْأَتَانِ مَعَ رَجُلٍ فِي بَابِ شَهَادَتِهِنَّ، وَمَنَعَهُ أَشْهَبُ أي: من الأموال وما يؤول إليها كالوكالة والوصية، وما تختص به كالولادة وهذا هو المشهور، ووافق أصبغ إلا فيما يتخصص به، فأجاز فيه نقل امرأتين عن امرأتين. قال في الجواهر: وقال أشهب وعبد الملك: لا يجوز نقلهن للشهادة بوجه لا في مال ولا في غيره؛ إذ النقل لا يجوز فيه الشاهد واليمين، وإنما تجوز شهادتهن حيث يحكم بالشاهد واليمين، ومنشأ الخلاف أن النقل ليس بمال ولكنه يؤدي إلى مال، فهل يعتبر المال أم لا كما تقدم.؟ وَيَشْهَدُ عَلَى كُلِّ شَاهِدٍ اثْنَانِ لا يَكُونُ أَحَدُهُمَا شَاهِدَ الأَصْلِ وَيُكْتَفَي بِشَهَادَتِهِمَا عَلَى الآخَرِ، قَالَ [٦٨١/ ب] عَبْدُ الْمَلِكِ: لابُدَّ مِنْ آخَرَيْنِ. يعني: أنه يكتفي في صحة نقل الشهادة- فيما عدا الزنى- أن يكون الناقلان اثنين شهد كل منهما على كل من الأولين على المشهور، بشرط أن لا يكون أحدهما شاهد في الأصل؛ لأنه إذا كان أحد الناقلين ممن شهد في الأصل كان الحق- كما قال ابن المواز- كأنه إنما يثبت بشاهد واحد، وقال عبد الملك: لا يقبل في النقل أقل من أربعة يشهد على كل واحد اثنان.

стр. 4077

وَأَمَّا الزِّنَى فَيُكْتَفَى بِأَرْبَعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنَ الأَرْبَعَةِ أَوْ عَنْ كُلِّ اثْنَيْنِ اثْنَانِ، فَلَوْ شَهِدَ ثَلاثَةُ عَلَى ثَلاثَةٍ وَوَاحِدُ عَلَى أَرْبَعَةٍ لَمْ تَتِمَّ، وَرَوَى مُطَرِّفُ: لابُدَّ مِنْ سِتَّةَ عَشَرَ، وَقَالَ ابن الماجشون: يَكْفِي أَرْبَعَةً عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، فَإِنْ تَفَرَّقُوا فَثَمَانِيَةُ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ، وَرُوِيَ يُكْتَفَى بِأَرْبَعَةٍ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ .. يعني: وأما الشهادة على الشهادة في الزنى فيحتاط في نقلها كما احتيط في أصلها، وذكر المصنف فيها أربعة أقوال: الأول وهو المشهور: يكتفى بأربعة يشهد كل واحد من الأربعة على كل من الأربعة، أو يشهد على كل اثنين اثنان، فلذلك لو شهد ثلاثة على ثلاثة وواحد على أربعة لم يتم الحكم؛ لأن الرابع لم يشهد على شهادته اثنان. وروى مطرف أنه لا بد من ستة عشر؛ على كل شاهد أربعة غير الأربعة الذين شهدوا على غيره. قوله: (وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ .. إلخ) يدخل في قول ابن الماجشون صورة لا تدخل على المشهور؛ وهي: إذا شهد اثنان على ثلاثة واثنان على واحد، وإنما لا تدخل على المشهور لأنه اشترط أن يكون على كل اثنين اثنان، فإن تفرقوا على قول ابن الماجشون فثمانية وإنما اكتفي في الاجتماع بأربعة لبعد الغلط حينئذ، ويفهم من حكايته عن عبد الملك أنه يعتبر ثمانية من غير تفصيل، والتزكية على رواية مطرف وقول ابن الماجشون تابعة للنقل؛ أي: لا يكتفي بأربعة، وروي عن مالك أنه يكفي في النقل اثنان كغير الزنى. تنبيه: وقع في بعض النسخ إثر قول ابن الماجشون: (وَقَالَ مُحَمَّدُ: يَكْفِي أَرْبَعَةً عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ اثْنَانِ) والظاهر أنه راجع إلى القول الأول، اللهم إلا أن يكون معنى قول محمد أنه لا يقبل أن يشهد كل من الأربعة على كل من الأربعة، لكن لم أر نقلاً يساعده.

стр. 4078

وَيُلَفَّقُ الأَصْلُ مَعَ النَّقْلِ كَاثْنَيْنِ أَوْ ثَلاثَةٍ شَهِدُوا بِالرُّؤْيَةِ، وَاثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ أَوْ وَاحِدٍ .. أما التلفيق فهو متفق عليه. قوله: (وَاثْنَيْنِ عَلَى شَهَادَةِ اثْنَيْنِ) راجع إلى قوله: (كَاثْنَيْنِ بِالرُّؤْيَةِ). وقوله: (أَوْ وَاحِدٍ) راجع إلى قوله: (أَوْ ثَلاثَةٍ) وهو تفريع على قول ابن القاسم لا على قول من اشترط أربعة على كل واحد. وَإِذَا كَذَّبَ الأَصْلُ الْفَرْعَ قَبْلَ الْحُكْمِ بَطَلَتْ، وَبَعْدَهُ ثَلاثَةُ؛ ابن القاسم: يَمْضِي وَلا غُرْمَ، ابْنُ حَبِيبٍ: يُنْقَضُ، مُحَمَّدُ: يَمْضِي وَيَغْرَمُ الأَصْلُ لِرُجُوعِهِمْ. يعني: أن لتكذيب الأصل الفرع حالتين: الأولى: أن يكذب شهود الأصل الفرع قبل أن يحكم القاضي بالشهادة فتبطل. ابن عبد السلام: بلا خلاف؛ لأنه كرجوعهم عن الشهادة قبل الحكم. ومفهوم قوله: (إِذَا كَذَّبَ) أنه إذا لم يكذبوهم بل شكوا عدم البطلان، والذي نص عليه ابن المواز أن الشك كالإنكار، وخرجه في البيان على اختلافهم في الحديث إذا شك الأصل، والفرع جازم. والحالة الثانية: أن يكون التكذيب بعد الحكم فحكى المصنف في المسألة ثلاثة أقوال: أولها: لابن القاسم في العتبية، وبه قال مطرف: أن الحكم ماضٍ ولا غرم؛ لأن الحكم عن اجتهاد ولا قطع بكذب الشهود، فلا ينقض. الثاني: لمالك في الواضحة أن الحكم ينقض؛ لأن بتكذيب الأصل صار الحكم مستنداً إلى غيره شهادة، ولأن شهود الأصل إذا صدقوا بطلت الشهادة، وإن كذبوا بطل أيضاً لتكذيبهم ونسبة المصنف هذا القول لابن حبيب ليست بظاهرة.

стр. 4079

والثالث: أنه يمضي ويغرم شهود الأصل، وهذا ليس نصاً، بل استقرأة اللخمي من قول محمد في رجلين نقلا عن أربعة: إنهم أشهدونا أنهم يشهدون على فلان بالزنى، ولم يحد الناقلان حتى قدم الأربعة فأنكروا أن يكونوا أشهدوهم- قال: يحد الأربعة القادمون حد القذف ويسلم الاثنان؛ لأنهما صارا شاهدين على الأربعة بالقذف. اللخمي: فأثبت النقل وجعل إنكار الأربعة رجوعاً. ولو أن الشهود الذين شهدوا عند القاضي وحكم بشهادتهم أكذبوه بعد أنوقع الحكم فيه ففي المجموعة: ينظر السلطان في ذلك؛ فإن كان القاضي عدلاً أمضى الحكم ولا يلتفت إلى تكذيب من حكى القاضي أنهم شهدوا عنده. وفي الموازية في قاض حكم لزيد على عمرو بمائة، فأتى الشهود فأنكروا ذلك ونسبوا الغلط إليه وقالوا: إنما شهدنا عندك بأن لعمرو على زيد مائة بعكس ما حكمت عنا" فإن القاضي إذا كان على يقين لم ينقض الحكم، ولكن يغرم لعمرو مائة بشهادة هؤلاء عليه أنه أتلف مال من حكم عليه. المازري: ومقتضى قولنا أنه لو رفع إلى غيره والقاضي معسر لا ينزع ممن قضى له به. ابن المواز: ولو أن القاضي شك في صدقهم وجوز كونه غلطاً لنقض الحكم بنفسه. وَلِلرُّجُوعِ ثَلاثُ صُوَرٍ؛ قَبْلَ الْقَضَاءِ فَلا قَضَاءَ لما شبه في القول الثالث بالرجوع حسن أن يأتي بأحكام الرجوع. وقوله: (فَلا قَضَاءَ) أتى بالنفي العام ليعم المال وغيره. فَإِنْ قَالا: وَهِمْنَا بَلْ هُوَ هَذَا فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ: سَقَطَتَا مَعاً يعني: فإن لم يرجعا عن المشهود له وإنما رجعا عن المشهود عليه وقالا: إنما الحق على هذا، فقال ابن القاسم وأشهب في الموازية: لا تقبل شهادتهما على واحد منهما، وهو معنى

стр. 4080

قوله: [٦٨٢/ أ] (سَقَطَتَا) وراه ابن القاسم عن مالك، وعلله أشهب بأنهما أخرجا أنفسهما من العدالة لإقرارهما أنهما شهدا على الوهم والشك. فَإِنْ قَالَ: شَكَكْتُ ثُمَّ قَالَ: زَالَ الشَّكُّ فَقال المازري: هِيَ مِثْلُ الشَّكِ قَبْلَ الأَدَاءِ، ثُمَّ يَقُولُ: تَذَكَّرْتُهَا فَالْوَاضِحُ قَبُولُهَا، وَثَالِثُهَا لِمَالِكٍ: إِنْ كَانَ مُبَرِّزَاً قُبِلَتْ .. قال المازري: إذا وقع بعد أدائها تشكك فعاد إلى القاضي وقال له: توقفت في قبول شهادتي، ثم عاد بعد ذلك وقال: ذهب عني الشك فإن من الناس من ذهب إلى أن ذلك على قولين، ولا يبعد أن يجري في هذا التشكيك بعد الأداء ما كنا حكيناه عن المذهب إذا جرى ذلك من الشاهد قبل الأداء، والذي حكاه المازري قبل ذلك أن مالكاً سئل عمن يسأل عن شهادته فلم يذكرها، ثم عاد فقال: تذكرتها- فقال: تقبل شهادته ولا يضر بشرط التبريز، ويشترط ألا يمضي ما يستنكر فيه صحة ما اعتذر به. المازري: والظاهر قبولها من غير اشتراط التبريز؛ لأن التوقيف يعرض للعالم بالشيء ثم يذهب عنه ويعود إلى اليقين، ثم قال المازري: قال سحنون: وإن قال أنا أتذكر فيها، ثم عاد فقال: تذكرتها فإنها تقبل منه إذا كان بارز العدالة، وإن قال: لا أعلمها، ثم قالت: تذكرت فعلمتها فإن قول مالك اختلف في ذلك. المازري: وكأن سحنوناً أشار إلى أنه من الفرع الأول لما قال: "أنا أتذكر، ثم قال: علمت" لم يأت في قوله ثانياً بما ينافي الأول، بخلاف ما إذا قال: "لا أعلمها" فإنه كالمنافي بعد ذلك لقوله: "قد علمتها". وقول المصنف: (فَالْوَاضِحُ) أي: فيما إذا شك قبل الأداء؛ لأن المازري إنما قال ذلك فيها لا فيما إذا تقدم نفي العلم على الأداء، وعلى هذا فالثلاثة الأقوال إنما هي في الشك بعد الأداء والقولان اللذان حكاهما سحنون والفرق بين المبرز وغيره، وأما إذا شك قبل الأداء فلم يحك المازري وغيره قولاً في ذلك بعدم القبول مطلقاً.

стр. 4081

الثَّانِيةُ: بَعْدَ الْقَضَاءِ وَقَبْلَ الاسْتِيفَاءِ، قَالَ ابن القاسم: يُسْتَوْفَى الدَّمُ كَالْمَالِ، وَقَالَ أَيْضاً وَغَيْرُهُ: لا يُسْتَوْفَى؛ لْحُرْمَةِ الدَّمِ .. هذه الصورة الثانية؛ وهي: أن يرجع الشهود عن شهادتهم بعد أن حكم القاضي وقبل الاستيفاء، فإن كان الحكم بمال مضى اتفاقاً، وإن كان بقصاص أو حد فقال ابن القاسم: لا ينقض الحكم كما في المال، فقوله: (كَالْمَالِ) أتى به للاستدلال، ونقل المصنف هذا القول عن مالك، وقال ابن القاسم أيضاً وغيره: لا يستوفى الدم أيضاً لحرمته، وتجب الدية، هكذا نقل المازري، وكان ابن القاسم يقول أولاً بالأول، ثم رجع واستحسن الثاني، قال: والأول القياس، وحكى المازري عن أصبغ ثالثاً أنه لا ينقض الحكم ولا دية فيه، وعلى وجوب الدية فقال بعض الشيوخ: لم يذكر على من تكون هل هي على الشهود؛ لأنهم أبطلوا الدم؟ وإن أراد ذلك فلم يبين أيضاً هل عليهم دية الذي شهددوا باستحقاق إراقة دمه أو دية الثاني الذي وجب عليه القصاص إن كان القاتل رجلاً والمقتول امرأة أو بالعكس؟ قال: ويمكن أن يريد: أن العقل يجب على القاتل الذي شهدوا أن القصاص يجب عليه حتى لا يبطل الدم عنه قال: وهذا عندي أظهر. وَمِثْلُهُ لَوْ رَجَعَ شُهُودُ الإِحْصَانِ لَجُلِدَ جَلْدَ الْبِكْرِ يعني: ومثل رجوع شهادة القتل رجوع شهادة الإحصان فيمضي رجمه على أحد القولين ولا يمضي على القول الآخر هكذا قال ابن عبد السلام، والأظهر أن المراد: ومثل القول الثاني؛ لقوله: (لَجُلِدَ جَلْدَ الْبِكْرِ). الثَّالِثَةُ: بَعْدَ الاسْتِيفَاءِ فَيَغْرَمَانِ الدِّيَةَ وَغَيْرَهَا إِنْ لَمْ يَثْبُتْ عَمْدُهُمَا عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَلا يُغَرَّمَانِ عِنْدَ ابْنِ الْمَاجِشُونِ .. الصورة الثالثة: أن يرجع الشاهد بعد استيفاء الحكم فلا خلاف أن الحكم تام وإنما النظر في الغرامة، ثم لهما حالتان:

стр. 4082

الأولى أن يقولا: "غلطنا" فقال ابن القاسم وأشهب: يغرم الشاهدان؛ لأن الخطأ والعمد بالنسبة إلى ضمان أموال الناس سواء، وقال ابن الماجشون: لا يغرم الشاهدان؛ لأنهما لو غرما في الخطأ مع كثرة الشهادة عليه لتورع الناس عنهما، وبالأول قال مطرف وأصبغ، قيل: وهو ظاهر المدونة في كتاب السرقة، وبالثاني قال المغيرة وابن دينار وابن أبي حازم، وحكي عن أصبغ قول ثالث أن الدية على عواقلهما. فَإِنْ ثَبَتَ عَمْدُهُمَا فَالدِّيَةُ لابْنِ الْقَاسِمِ، وَالْقِصَاصُ لأَشْهَبَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: لا نَصَّ لِمَالِكٍ فِي التَّغْرِيمِ إِلا أَنَّ أَصْحَابَهُ اتَّفَقُوا عَلَى تَغْرِيمِ مَا أَتْلَفُوهُ بِالتَّعَمُّدِ. تصور المسألة ظاهر، والأقرب قول أشهب؛ لأنهم قتلوا نفساً بغير شبهة، والقاضي والولي معذوران، وقول محمد راجع في المعنى إلى قول ابن القاسم على أن الأولى أن يعاد قول محمد على غير النفس كما لو أتلفوا بشهادتهم مالاً، وإن كان ظاهر كلام المصنف خلافه؛ لأنا لو أعدناه على الدية لم يصح؛ لأن المازري حكى عن مالك روايتين كقول ابن القاسم وأشهب، وقال: الأشهر عند أصحابه الغرم، اللهم إلا أن يقال: إن محمداً لم يطلع على الرواية بعدم الدية. وَلَوْ عَلِمَ الْحَاكِمُ بِكَذِبِهِمْ وَحَكَمَ وَلَمْ يُبَاشِرِ الْقَتْلَ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ هكذا حكى [٦٨٢/ ب] المازري وابن شاس، وظاهره أنه تجب الدية عند ابن القاسم كالأول. وفيه نظر؛ ففي آخر الرجم من المدونة: وإن أقر القاضي أنه رجم أو قطع الأيدي أو جلد تعمداً للجور أقيد منه. وهو ظاهر في لزوم القود له وإن لم يباشر، وعلى ذلك حمله بعضهم. ابن عبد السلام: ولا أظنه يختلف في ذلك، وظاهره أن القود يجب في السوط وهو أحد القولين.

стр. 4083

وَأَمَّا لَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ قَذْفٍ أَوْ شَتْمٍ وَشِبْهِهِ فَالأَدَبُ لا غَيْرُ أي: ولا غرامة هنا، وقد نقل سحنون الاتفاق على ذلك، قال: ولا تقع المماثلة في اللطمة والسوط، وقد يسبق إلى الذهن أن من يرى القود في السوط من أصحابنا يرى أن للمشهود عليه هنا أن يقتص من الشهود، وهذا إنما يتم لو كان أشهب الذي يوجب للمشهود عليه القصاص من الشهود يقول بالقود في السوط. وَقَدْ قال المازري: لا خِلافَ فِي تَعَلُّقِ الْغَرَامَةِ بِهِمْ إِذَا شَهِدُوا عَلَى قَتْلٍ عَمْدٍ فَاقْتُصَّ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ حَيُّ، وَإِنَّمَا الْخِلافُ فِي الْبِدَايَةِ وَفِي الرُّجُوعِ فَقَالَ ابن القاسم: يَبْدَأُ بِالشُّهُودِ فَإِنْ كَانُوا فُقَرَاءَ فَمِنَ الْقَاتِلِ، وَقِيلَ: الْمُسْتَحِقُّ مُخَيَّرُ ليست هذه المسألة من مسائل الرجوع لأن الشاهدين لم يرجعا، وإنما تبين كذبهما من جهة غيرهما، لكنه ذكره في فصل الرجوع لاشتراكه معه في تعلق الغرامة. وقوله: (فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) نحوه في الجواهر وعزاه لسحنون أيضاً، وإنما عزاه المازري لسحنون، وهو الظاهر؛ لأن الذي نقله في النوادر عن ابن القاسم في رجلين شهدا أن هذا الرجل قتل ابن هذا عمداً فقضى بقتله ثم قدم ابن الرجل حياً: أنه لا شيء على الإمام ولا على عاقلة الأب، ويغرم الشاهدان ديته في أموالهما، وقاله أصبغ، ولم يذكر عن ابن القاسم الرجوع على القاتل إذا كانوا فقراء، وإنما قال سحنون: أنه يرجع على القاتل ولا يكون له على الشهود رجوع. المازري: وروي نفي الترتيب، وأن ولي الدم مخير إن شاء تبع الشاهدين بالدية، وإن شاء تبع ولي القاتل، ثم إن بدأ بطلب الشهود لم يكن له العدول عنهم إلا أن يجدهم فقراء فيطلب الأب القاتل، وإن اختار البدأة بالأب فليس له الرجوع عنه ملياً كان أو معدماً.

стр. 4084

وَفِي الرُّجُوعِ قِيلَ: إِنَّمَا يَرْجِعُ الشُّهُودُ بِمَا أَدَّوْا عَلَى الْقَاتِلِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ، وَقِيلَ: لا رُجُوعَ .. قال: (إِنَّمَا) ليفيد أنه على هذا القول لا يرجع القاتل عليهم، وهذا من كمال القول بتخيير المستحق، هكذا ذكر المازري. وقوله: (وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ) لم أره، والقول الثالث ينفي رجوع أحدهما عن الآخر، ذكره ابن شاس وغيره عن سحنون. فَلَوْ كَانَتْ عَلَى قَتْلٍ خَطَأٍ فَأُخِذَتِ الدَّيةُ مِنَ الْعَاقِلَةِ لَرُدَّتْ فَإِنْ أُعْسِرَ فَعَلَى الشُّهُودِ، وَلا رُجُوعَ .. يعني: فإن كانت الشهادة بقتل الخطأ فأخذت الدية من العاقلة ثم قدم المشهود بقتله حياً لردت الدية، فإن أعدم أحدهما غرمها الشهود؛ لأنهم السبب في تمكين أخذه منها، وهذا قول ابن القاسم، وقيل: يبأ بالشهود فتأخذ منهم العاقلة ما أخذه الولي، فإن كانوا فقراء رجعت على الولي بما أخذ منهم ثم لا يرجع الغارم من الشهود على الولي، ولا الولي على الشهود، وقيل: بل العاقلة تخير بين أن ترجع على الشهود أو على الأب، فإن وجدت الشهود فقراء رجعت بما غرمت على الولي، وإن اختارت البداءة بالولي فليس لها الرجوع على الشهود، وإن وجدت الولي فقيراص فأخذت من الشهود رجعوا على الولي، وإن أخذت من الأب لم يرجع على الشهود. المازري: فتخلص من هذه أن المذهب لم يختلف في أن الطلب يتوجه على الأب القابض للدية وعلى الشهود؛ لأنهم هم مكنوا الأب منها، ولكن إن كان أحد الصنفين فقيراً طلب الموسر بغير خلاف، وإن كانا مليين فاختلف هل تخير العاقلة بين طلب الأب أو طلب الشهود أو يقع على الترتيب؟ وعلى الترتيب فاختلف بمن يبدأ؛ فقيل: بالأب، وقيل: بالشهود ثم في رجوع الشهودعلى الأب خلاف، وأما الأب إذا غرم فلا يرجع عليهم.

стр. 4085

وَعَنْ أَشْهَبَ فِيمَنْ رُجِمَ بِالشَّهَادَةِ ثُمَّ ثَبَتَ أَنَّهُ مَجْبُوبُ فَالدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الإِمَامِ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ .. قال أشهب: إلا أن يقولوا رأيناه يزني قبل جبه فتجوز شهادتهم، ولا حد عليهم على كل حال. وقوله: (وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ) أي: عليهم الدية مع وجيع الأدب وطول السجن، هكذا قال في كتاب الرجم، زاد: ولا حد على الشهود؛ إذ لا يحد من قال لمجبوب: يا زان، قال جماعة: يريد إذا جب قبل البلوغ لأن بذلك يظهر كذبهم. ونبه بقوله: (عَلَى أَصْلِهِ) على مخالفة أشهب لأصله، لأن أصله القصاص، ولقصد مناقضة أشهب والله أعلم صدر المصنف المسألة بقول أشهب، وإلا فشأنه تقديم قول ابن القاسم إذا كان في المدونة، وزعم بعضهم وجوب الدية هنا، قال: لأن المشهود عليه قادر على أن يظهر الجب، وأجرى بعض الشيوخ فيها الخلاف المتقدم في مسألة الرجوع عن الشهادة، ووقع في بعض النسخ عوض (وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى أَصْلِهِ) (وَابْنُ الْقَاسِمِ عَلَى عَاقِلَةِ الشُّهُودِ) والأول أصح؛ لموافقته المدونة، ولا يبعد أن يخرج مما في حريم البئر من المدونة قول كالنسخة الثانية، لأن فيها: وأما من حفر بئراً في غير ملكه لماشية فلا يمنع فضلها من أحد وإن منعوه حل قتالهم، وإن لم يقو المسافرون على دفعهم حتى ماتوا عطشاً فدياتهم على عواقل المانعين، والكفارة عن كل نفس منهم على كل رجل من أهل الماء مع وجيع الأدب. فرع: قال محمد بن عبد الحكم في رجل [٦٨٣/ أ] قيد عبده وحلف لا ينزعه شهراً، وحلف أيضاً بحريته إن وزن العبد عشرة أرطال، فشهد شاهدان أن وزنه ثمانية، فحكم القاضي بحرية العبد لأجل شهادتهما بحنث السيد، ثم نزع السيد القيد عند الأجل،

стр. 4086

فوجد كما حلف عليه، أن الحكم ينقض ويرد العبد إلى الرق، وقال أبو حنيفة: الحكم ماض ولا يرد العبد إلى الرق، ويغرم الشهود قيمة العبد كما يغرمان ذلك إذا رجعا عن شهادتهما، وفرق ابن عبد الحكم بأن رجوع البينة محتمل للكذب فلا ينتقض الحكم بالاحتمال، ومسألة العبد تيقن كذبهما فيها. وَيُحَدُّونَ فِي شَهَادَةِ الزِّنَى فِي الصُّوَرِ كَلِّهَا أي: في الثلاث صور، إذا رجعوا قبل الحكم وبعده وقبل الاستيفاء وبعدها. فَلَوْ رَجَعَ أَحَدُ الأَرْبَعَةِ قَبْلَ الْحُكْمِ حُدُّوا، وَبَعْدَ إِقَامَتِهِ حُدَّ الرَّاجِعُ اتِّفَاقاً دُونَ الثَّلاثَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدُ حُدُّوا أَجْمَعُونَ. يعني: إذا رجع أحد الأربعة فإن كان رجوعه قبل الحكم حد الجميع، وإن كان بعد إقامة الحد أو بعد الحكم على المشهود عليه حد الراجع اتفاقاً؛ لاعترافه على نفسه بالقذف دون الثلاثة على المشهور، وهو مذهب المدونة؛ لأن الحكم قد نقل شهادتهم وهم باقون عليها، والشاذ أنهم يحدون أيضاً. قوله: (وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ أَحَدَهُمْ عَبْدُ حُدُّوا أَجْمَعُونَ) نحوه في المدونة والفرق أن الرق وصف ظاهر لا يشك فيه، وأما الرجوع فيحتمل لفسق طرأ أو لميل مع أحد الخصمين أو نحو ذلك، ولهذا ألحقوا بالعبد الكافر والأعمى وولد الزنى والمولى عليه. فَلَوْ رَجَعَ اثْنَانِ مِنْ سِتَّةٍ لَمْ يُحَدَّ الْبَاقُونَ؛ لاسْتِقْلالِهِمْ وَلا الرَّاجِعَانِ؛ لأَنَّهُمَا كَقَاذِفَيْنِ شَهِدَ لَهُمَا أَرْبَعَةُ إِلا أَنْ يُكَذِّبَا الشُّهُودَ .. تصوره ظاهر، واختلف قول ابن القاسم في حد الراجعين فقال مرة هو وعبد الملك: لا يحدان للعلة التي ذكرها المصنف؛ أنهما كقاذفين شهد لهما أربعة بالزنى، وقال مرة: يحدان؛ لاعترافهما على أنفسهما بالقذف.

стр. 4087

المازري: وإن قال: "انفردت أنا بالكذب، ولا أعتقد كذب من شهد معي" لم يحد، وكلام المصنف راجع إلى هذا. فَلَوْ رَجَعَ ثَالِثُ حُدَّ هُوَ وَالسَّابِقَانِ وَغَرِمُوا رُبُعَ الدِّيَةِ وَإِنْ رَجَعَ رَابِعُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ، وَعَلَى ذَلِكَ .. أي: رجع ثالث مع الاثنين اللذين رجعا قبل، ففي الموازية: يغرم هو والراجعان قبله ربع الدية بينهم أثلاثاً. والحد على كل واحد منهم، قال: سواء رجعوا معاً أو مفترقين. قوله: (وَإِنْ رَجَعَ رَابِعُ فَنِصْفُ الدِّيَةِ) أي: على هذا الراجع، وعلى الثلاثة الذين قبله بالسواء، ولذلك إن رجع خامس كان على الراجعين ثلاثة أرباع الدية، وإن رجع السادس كانت الدية على الستة، وهذا معنى قوله: (وَعَلَى ذَلِكَ). فَلَوْ ظَهَرَ بَعْدَ رُجُوعِ اثْنَيْنِ أَنَّ أَحَدَ الأَرْبَعَةِ عَبْدُ فَقَالَ مَالِكُ: يُحَدُّ الرَّاجِعَانِ وَيُغْرَمَانِ رُبُعَ الدِّيَةِ، وَحُدَّ الْعَبْدُ بِغَيْرِ غَرَامَةٍ .. يعني: لو رجع اثنان من الستة، ثم ظهر بعد رجوعهما أن أحد الأربعة الذين لم يرجعوا عبد ففي الموازية ما ذكره المصنف، وفي كتاب الرجم من المدونة: وإن علم بعد الرجم أو الجلد أن أحدهم عبد حد الشهود جميعاً، وإن كان مسخوطاً لم يحد واحد منهم؛ لأن الشهادة قد تمت باجتهاد الإمام في عدالتهم، ولم تتم في العبد، ويصير من خطأ الإمام، فإن لم يعلم الشهود كانت الدية في الرجم على عاقلة الإمام، وإن علموا فذلك على الشهود في أموالهم ولا شيء على العبد في الوجهين. فإن قيل: هل ما في الكتابين متخالف فيتخرج في المسألتين خلاف، أو لا؟ قيل: يحتمل أن يقال: مسألة المدونة انتقض الحكم فيها بظهور كون الرابع من الشهود عبداً، وإذا انتقض وجب حد الثلاثة الباقين، وأما مسألة الموازية فإن الحكم

стр. 4088

ينتقض لأن قصارى الأمر أنه شهد خمسة وأقيم الحد، ورجع منهم اثنان، وذلك غير موجب لنقض الحكم، فلهذا لم يحد الثلاثة الباقون فيها. فإن قلت: فكان ينبغي على ما في الموازية أن يسقط الحد عن العبد. قيل: قذف العبد للمشهود عليه سابق على حد الزنى، فلعله لما كان مطالباً به وقد ظهرت الشبهة في زنى المشهود عليه فرجع بعض الشهود استصحب القذف ووجب حد العبد، والمسألة مع ذلك مشكلة. وَقَالَ مُحَمَّدُ: لَوْ رَجَعَ وَاحِدُ مِنَ السِّتَّةِ بَعْدَ أَنْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ ثُمَّ ثَانٍ بَعْدَ مُوضِحَةٍ ثُمَّ ثَالِثُ بَعْدَ مَوْتِهِ فَعَلَى الأَوَّلِ سُدُسُ دِيَةِ الْعَيْنِ، وَعَلَى الثَّانِي مِثْلُهُ وَخُمُسُ الْمُوضِحَةِ، وَعَلَى الثَّالِثِ رُبُعُ دِيَةِ النَّفْسِ فَقَطْ، وَقِيلَ: مُضَافاً إِلَى السُّدُسِ وَالْخُمُسِ .. يعني: لو شهد ستة على رجل بالزنى فأمر القاضي برجمه لأنه كان محصناً فرجع واحد منهم بعد أن فقئت عين المرجوم، ثم رجع ثان بعد أن أوضحه موضحة فلا غرامة على الراجعين لبقاء أربعة يشهدون بالزنى، ولا حد عليهم على أحد قولي ابن القاسم كما تقدم، ثم إن رجع ثالث بعد قتله وجب على الأول سدس دية العين؛ لأنها فقئت بشهادة ستة هو أحدهم، وكذلك على الثاني مع خمس دية الموضحة، ولا شيء على الأول في الموضحة؛ لأنه رجع قبلها ولم يشارك فيها، واختلف فيما يجب على الثالث؛ فقيل: يجب عليه ربع دية النفس فقط. وقيل: بل يضاف إلى ذلك مثل ما على الأولين. ابن المواز: والأول أصح؛ أي: لأن القتل يندرج تحته الجراح، وهذا الفرع الذي ذكره محمد [٦٨٣/ ب] مبني على مذهبه أن رجوع الشهود بعد الحكم وقبل الاستيفاء يمنع من الاستيفاء، وأما على القول الذي رجع إليه ابن القاسم أنه يستوفي فينبغي أن يكون على

стр. 4089

الثلاثة الراجعين ربع دية النفس دون العين والموضحة لأنه حينئذ قتل بالستة، ودية الأعضاء تندرج؛ فتأمله. وَإِذَا رَجَعَ أَرْبَعَةُ الزِّنَى وَشَاهِدَا الإِحْصَانِ فَفِي اخْتِصَاصِهِ بِالأَرْبَعَةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ .. أي: في اختصاص الغرم، واختار أصبغ وسحنون قول ابن القاسم بالاختصاص؛ لأن شهود الإحصان لم يصفوا الزاني عيناً، وبقول أشهب قال ابن الماجشون وابن المواز، ووجهه أن شهود الإحصان لولاهم لم يجب الحد، ويترجح قول ابن القاسم بأن عبد الملك قال: إن رجوع المزكين عن تزكية من زكي في حق لا يوجب عليهما الغرامة، وهكذا قال سحنون أيضاً، واحتج بأن الحق إنما يثبت بغير المزكين، قال: ولو شاء الشاهدان بالحق لم يشهدا، ثم فرع على قول أشهب فقال: وَعَلَى التَّعْمِيمِ فَفِي تَنْصِيفِهَا قَوْلانِ أي: ففي تنصيف الدية- وهو قول ابن القاسم- وعدم تنصيفها بل تكون بينهم أسداساً- وهو قول أشهب وعبد الملك- بناء على أن القتل مرتب على كل واحد من النوعين، أو يعتبر عدد ما يثبت به الأمران معاً وهو عدد الشهود. وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُمَا رَجِعَا مُكِّنَ مِنْ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ، فَإِنْ طَلَبَ يَمِينَهُمَا أَنَّهُمَا لَمْ يَرْجِعَا فَقَوْلانِ .. خالف أبو حنيفة في إقامة البينة عليهما بالرجوع ولم يمكن المشهود عليه من ذلك، ونقض عليه محمد بن عبد الحكم بأنه يوافق على أنهما لو أقرا بالرجوع لزمهما الغرم، وكل ما صح الإقرار به صحت إقامة البينة عليه، وعلى المذهب فإن طلب المشهود عليه تحليفهما على أنهما لم يرجعا فقال ابن القاسم وعبد الملك وابن المواز وسحنون: يمكن من ذلك بشرط أن

стр. 4090

يأتي بلطخ، فإن لم يأت بلطخ فلا يمين عليهما، فإذا توجهت اليمين عليهما حلفا وبرئا، فإن نكلا حلف المدعي وأغرمهما ما أتلف بشهادتهما، وإن نكلا فلا شيء عليهمأ، وأطلق المصنف نقل هذا القول، وهو مقيد بما ذكرناه من إقامة اللطخ وذلك مما يثقوي القوبل الثاني بعدم سماع هذه الدعوى من غير بينة؛ لأنها لو كانت كسائر الدعاوى ما احتيج في توجيهها إلى اللطخ، وهو قول ابن عبد الحكم، وهو أقيس؛ لأنفي ذلك وهناً على الشهود. وَلَوْ رَجَعَا عَنِ الرُّجُوعِ لَمْ يُقْبَلْ؛ لأَنَّهُ إِقْرَارُ بِإِتْلافٍ الضمير في (يُقْبَلْ) وفي (أَنَّهُ) عائد على (الرُّجُوعِ) أي: لأن رجوعهما إقرار منهما للمشهود عليه بإتلاف ماله فلا يقبل رجوعهما عنه. أَمَّا لَوْ ثَبَتَ كَذِبُهُمْ نُقِضَ إِذَا أَمْكَنَ فصله من (الرُّجُوعِ) لمخالفته له؛ لأن الحكم لا ينقض في الرجوع بخلاف تبيين الكذب فإنه ينقض، ولم يذكروا فيه خلافاً، وهذا كما تقدم في المشهود بقتله ثم يقدم حياً، وفي المشهود بزناه ثم ثبت أنه مجبوب. وقوله: (أَمْكَنَ) ظاهره أنه يعود على النقض المفهوم من: (نُقِضَ) واحترز بذلك من الفوات بالاستيفاء إذ لم يبق حينئذ إلا الغرم، وأعاده ابن عبد السلام على الثبوت المفهوم من: (ثَبَتَ). وَلَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ طَلاقٍ وَأَقَرَّا بِالتَّعَمُّدِ نَفَذَ، ثُمَّ إِنْ كَانَتْ مَدْخُولاً بِهَا فَلا غُرْمَ عَلَيْهِمَا كَشَهَادَةِ عَفْوِ الْقِصَاصِ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَهَا فَفِي تَغْرِيمِهِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ .. لما فرغ من رجوعهما في الدماء شرع في رجوعهما في الأبضاع فقال: (وَلَوْ رَجَعَا فِي شَهَادَةِ الطَلاقٍ) يريد: بعد الحكم؛ لقوله: (نَفَذَ).

стр. 4091

ثم لا تخلو المرأة المشهود بطلاقها إما أن تكون مدخولاً بها أم لا؟ فالمدخول بها لا غرم على الشاهدين؛ لأن الصداق قد استحق عليه بأول وطئه، وإنما فوتا عليه استمتاعاً ولا قيمة له، وشبهه المصنف بشهادة من شهد مستحق القصاص أنه عفا عنه ثم رجعا فإنهما لا غرم عليهما؛ لأنهما إنما فوتا عليه دماً، وشبهه المصنف بالقصاص لإفادة الحكم، فلا يرد عليه أن تشبيهه ليس بجيد؛ لأن التشبيه إنما يكون للخفي بالجلي، والمختلف فيه بالمتفق عليه، والأمر هنا بالعكس فإن البضع ليس بمال البتة، ودم العمد مختلف فيه، هل الواجب القصاص فقط أو التخير بينه وبين الدية؟ ولهذا خالف ابن عبد الحكم في العفو فغرمهما الدية؛ لأنا نقول: إنما يرد هذا لو قصد المصنف بتشبيهه الاستدلال، أما إذا قصد إفادة الحكم فلا، والمشهور أنه لا بأس عليهما إذا رجعا عن شهادتهما أنه عفا عن القصاص. سحنون: ويجلد القائل مائة ويحبس سنة ويؤدب الشاهدان. وأما إن كانت غير مدخول بها فقال ابن القاسم: يغرمان نصف الصداق بناءً على أنها لم تملك بالعقد شيئاً؛ لجواز ارتداداها، فبشهادتهما غرم نصف الصداق، وقال أشهب وابن عبد الحكم: لا غرم عليهما، وأفتى به أصبغ بناء على أن نصف الصداق واجب العقد فلم يوجبا على الزوج شيئاً لم يكن واجباً عليه. واعلم أنه نص في المدونة على أنهما يغرمان النصف، وسكت عمن يستحقه، فمن يقول هو الزوج يعلل بما عللنا به، ومن يقول هي الزوجة يرى أن الصداق كان واجباً لها على الزوج، والشاهدان هما اللذان منعاها الباقي فيغرمانه، وانظر كلامه في المدونة على كل من التأويلين، فإنه مبني على خلاف ظاهر المذهب أن المرأة تملك النصف بالعقد، وأيضاً فإنه لا يلتئم ما في المسألة التي بعد هذه وهي قوله: وَلَوْ رَجَعَا عَنْ شَهَادَةِ الدُّخُولِ فِي مُطَلَّقَةٍ لَغَرِمَا نِصْفَ الصَّدَاقِ يعني: إذا طلق الزوج زوجته وأنكر الدخول فشهد عليه به شاهدان وغرم [٦٨٤/ أ] جميع الصداق بشهادتهما ثم رجعا فعليهما نصف الصداق؛ لأنهما أتلفاه، وإن رجع أحدهما غرم ربعه.

стр. 4092

وَلَوْ شَهِدَ اثْنَانِ بِالدُّخُولِ وَاثْنَانِ بِالطَّلاقِ ثُمَّ رَجَعُوا فَالأَكْثَرُ: لا غَرَامَةَ عَلَى شَاهِدَيِ الطَّلاقِ، وَقِيلَ: كَمَا لَوِ انْفَرَدُوا. يعني: إذا شهد شاهدان بطلاق امرأة ثبت نكاحها بشهادة غيرهما، وشهد آخران أنه دخل بها، فقضى لها بجميع الصداق ثم رجع الأربعة، فأكثر أهل المذهب أنه لا غرامة على شاهدي الطلاق؛ لأن الصداق إنما دفع بشهادة شاهدي الدخول. ابن سحنون: وبعض الرواة على خلافه: يريد- والله أعلم-: أن الصداق يكون على جميعهم. ابن عبد السلام: وكان ينبغي أن يقول: كما لو انفردا. وَيَرْجَعُ شَاهِدَا الدُّخُولِ عَلَى الزَّوْجِ بِمَوْتِ الزَّوْجَةِ إِذَا كَانَ مُنْكِراً طَلاقَهَا يعني: فإن ماتت المرأة في المسألة المفروع منها فإن شاهدي الدخول يرجعان على الزوج بما غرماه؛ لكونه منكراً لشهادتهما، مقراً بوجوب جميع الصداق عليه، لموتها في عصمته. وقوله: (إِذَا كَانَ مُنْكِراً طَلاقَهَا) زيادة بيان؛ إذ لا يحتاج إلى الشهادة إلا مع الإنكار. وَيَرْجِعُ الزَّوْجُ عَلَى شَاهِدَيَ الطَّلاقِ بِمَا فَوَّتَاهُ مِنَ الْمِيرَاثِ دُونَ مَا غَرِمَ لَهَا، وَتَرْجِعُ الزَّوْجَةُ عَلَيْهِمَا بِمَا فَوَّتَاهَا مِنَ الْمِيرَاثِ وَالصَّدَاقِ .. أي: لو شهدا عليه بالطلاق ثم رجعا فماتت الزوجة، فإن الزوج يرجع على شاهدي الطلاق بما فوتاه من ميراثها؛ إذ لو بقيت في عصمته لورثها، ولا يرجع عليها بشيء مما غرم من الصداق لاعترافه بأن جميع الصداق تكمل عليه بالموت. وقوله: (وَتَرْجِعُ .. إلخ) يعني: ترجع هي إن مات الزوج بما فوتاه من الميراث وما أسقطاه من صداقها فيما إذا كانت غير مدخول بها؛ لأنهما حينئذ أغرماها نصف الصداق والزوجان منكران للطلاق.

стр. 4093

وَلَوْ رَجَعَا عَنْ تَجْرِيحٍ أَوْ تَغْلِيطٍ لِشَاهِدَيْ طَلاقِ أَمَةٍ غَرِمَا لِلسَّيِّدِ مَا نَقَصَ بِرَدِّهَا زَوْجَةً .. يعني: إذا شهد رجلان بطلاق أمة من زوجها ففرق القاضي بينهما في شهادتهما، ثم جاء شاهدان آخران فشهدا بأن الأولين كاذبان؛ لغيبتهما مثلاً عن البلد، أو لغير ذلك فقضى القاضي ببقاء الأمة على العصمة، ثم رجع الشاهدان المكذبان للشاهدين الأولين فإن الراجعين يغرمان للسيد ما نقص من ثمنها لما ألحقا بهما من عيب التزويج؛ فيغرمان لسيد الأمة ما بين قيمتها ذات زوج وقيمتها خالية منه. وَلَوْ رَجَعَا عَنْ الْخُلْعِ فِي ثَمَرِةٍ لَمْ يَبْدُ صَلاحُهَا فَقَالَ ابن الماجشون: يَغْرَمَانِ قِيمَتَهَا عَلَى الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ كَمَنْ أَتْلَفَهَا، وَفِي الْعَبْدِ الآبِقِ يَغْرَمَانِ الْقِيمَةِ فَإِنْ ظَهَرَ عَيْبُ عِنْدَ الْخُلْعِ اسْتَرَدَّ مَا يُقَابِلُهُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: يُؤَخَّرُ الْجَمِيعُ إِلَى الْحُصُولِ فَيَغْرَمَانِ مَا يَحْصُلُ .. لا إشكال إن رجعا عن شهادة على امرأة بأن زوجها طلقها بعوض وهي تنكر ذلك أنهما يغرمان ذلك العوض ولو كان الخلع المشهود به على ثمرة لم يبد صلاحها فقضي بذلك للزوج ثم رجعا فقال عبد الملك كما ذكر المصنف: عليهما قيمة الثمرة على الرجاء والخوف قياساً على من أتلف الثمرة قبل زهوها، وقال محمد: لا يرجع عليها بشيء حتى يجد الزوج الثمرة ويقضيها، فيطالب الشاهدان حينئذ بالغرامة، وكذلك اختلف إذا كان الخلع بعبد آبق فقال عبد الملك: يغرمان قيمة الأبق والشارد على أقرب صفاتهما، فإن ظهر بعد أنهما كانا معيبين عند الخلع استردا مما غرماه ما يقابل العيب. ابن شاس: وعلى قول محمد إذا كان حصول الأبق أمداً قريباً أخذت الغرامة إلى حصوله حسبما قاله في الثمرة، وإن كان بعيداً غرم الشاهدان قيمته على الصفة التي أبق عليها، ثم رجع محمد فقال: لا غرامة على الشاهدين لا في هذا ولا في الجنين إذا وقع الخلع به ورجع

стр. 4094

الشاهدان إلا بعد خروج الجنين وقبضه، وبعد وجدان العبد الآبق والبعير الشارد وقبضهما؛ فيغرمان قيمة ذلك يومئذ، وقد كان قبل ذلك تالفاً، وكذلك الجنين، وكذلك الثمرة قبل بدو صلاحها. انتهى. وعلى هذا المصنف إنما ذكر عن محمد ما رجع إليه، وقول عبد الملك أقيس، وإنما يقع الغرم وهو على الصفة التي كان عليها يوم الخلع كالإتلاف، والاعتبار بقول محمد أنه إن كان تالفاً يومئذ؛ لأن ذلك إنما يعتبر في البيع، أما الإتلاف فلا. وَإِذَا كَانَتْ مُنْكِرَةً لِلزَّوْجِيَّةِ بَعْدَ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ طَلَّقَهَا الزَّوْجُ قَبْلَ الْبِنَاءِ فَلَهَا تَكْذِيبُ نَفْسِهَا، وَكَذَلِكَ مُدَّعِيَةُ الْبَيِّنَةِ ثُمَّ يَمُوتُ فَلَهَا تَكْذِيبُ نَفْسِهَا وَتَرِثُهُ هذه المسألة وقعت في بعض النسخ، وليست هي من رجوع البينة، وهي منصوصة في الموازية وكتاب ابن سحنون. وقوله: (بَعْدَ الْبَيِّنَةِ) فيه حذف مضاف؛ أي: شهادة البينة، واحترز بـ (قَبْلَ الْبِنَاءِ) مما لو بنى بها فإنها تأخذ هنا ما شاهدا به، ولو كانت مقيمة على الإنكار؛ لاستباحة بضعها، فلها تكذيب نفسها إذا طلقه قبل البناء وتأخذ نصف الصداق وتقول: "إنما جحدت النكاح كراهية للزوج" ولها أيضاً الميراث. الشيخ أبو محمد: بشرط أن تحلف، ولو شهدا عليه بأنه تزوجها بمائة وصداق مثلها مائتان ثم رجعا فإنها ترجع عليهما بما نقص من صداقها. ولما فرغ [٦٨٤/ ب] من البضع شرع في العتق وما يتعلق به فقال: وَلَوْ رَجَعَا عَنْ عِتْقٍ فَإِنْ كَانَ نَاجِزاً غَرِمَا قِيمَتَهُ، وَالْوَلاءُ لِسَيِّدهِ يعني: وإن شهدا على فلان أنه أعتق عبده فأعتقه السلطان عليه، ثم رجعا عن شهادتهما لم يرد الحكم، وضمنا قيمته لسيده؛ لكونهما منعاه من الانتفاع به ويكون الولاء لسيده؛ لاعترافهما بذلك، وعلى دعوى السيد فيأخذ ميراثه بالرق؛ لإنكاره العتق.

стр. 4095

ابن عبد السلام: وينبغي أن يرد لهما من تركة العبد القيمة التي أخذت منهما؛ لأنه إنما أخذها بمقتضى الملك فيما يزعم لا بمقتضى الولاء، والجمع بين الملك وأخذ القيمة باطل، قيل: وفيه نظر؛ لأن القيمة عوض عما حرمه من منافع الرقبة لا تعلق لذلك بماله، كما لو قتله رجل فإنه يأخذ منه القيمة ويأخذ ماله. وَإِنْ كَانَ إِلَى أَجَلٍ فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ: عَلَيْهِمَا الْقِيمَةُ بَعْدَ إِسْقَاطِ قِيمَةِ مَنَافِعِ مَا قَبْلَ الأَجَلِ عَلَى غَرَرِهَا وَيَسْتَوْفِيهَا السَّيِّدُ، قَالَ مُحَمَّدُ: لَيْسَ بِمُعْتَدِلٍ؛ لأَنَّهُ قَدْ تَكُونُ قِيمَةُ الْمَنَافِعِ أَكْثَرَ فَيَذْهَبُ مَجَّاناً، وَتَعَقَّبَهُ الْمَازِرِيُّ بِامْتِنَاعِهِ عَادَةً؛ لأَنَّهَا دَاخِلَةُ فِي تَقْوِيمِهِ، وَقَالَ سحنون: عَلَيْهِمَا الْقِيمَةُ وَلَهُمَا مَنَافِعُ الْعَبْدِ إِلَى الأَجَلِ إِلا أَنْ يَسْتَوْفِيَا مَا غَرِمَاهُ قَبْلَهُ، فَلَوْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ أَخَذَا مَا غَرِمَاهُ؛ لاعْتِرَافِ السَّيِّدِ لَهُمَا بِذَلِكَ، وَقَالَ مُحَمَّدُ: يُخَبَّرُ السَّيِّدُ فِي تَسْلِيمِ خِدْمَتِهِ كَسُحْنُونِ، وَفِي الاسْتِمْسَاكِ وَدَفْعِ قِيمَةِ الْمَنَافِعِ وَقْتاً بَعْدَ وَقْتٍ كَابْنِ الْمَاجِشُونِ ... يعني: وإن شهدا على رجل أنه أعتق عبده إلى أجل ثم رجعا، وما نسبه لعبد الملك فيه نظر، وإنما نسبه صاحب النوادر والمازري وابن شاس لمحمد بن عبد الحكم. وكان عليهما القيمة؛ لأنهما منعاه من بيعه والانتفاع به، ثم تسقط من تلك القيمة قيمة منافع العبد إلى أجلها. وأشار بقوله: (عَلَى غَرَرِهَا) إلى أن المنافع تقوم إلى الأجل على تجويز أن يموت العبد قبل الأجل أو يعيش إليه، ويستوفي السيد تلك المنافع. والضمير في قوله: (يَسْتَوْفِيهَا) عائد إلى (الْمَنَافِعِ) لا إلى (الْقِيمَةُ) والذي نقله صاحب النوادر عن عبد الملك أن الشاهدين يغرمان القيمة وتسليم إليهما الخدمة يأخذان منها ما يؤديا، واعترض ابن المواز القول الذي ذكره المصنف بأن قيمة منافع العبد إلى الأجل قد تكون مساوية لقيمة العبد فيكونان كأنهما أتلفا عليه العبد ولا يغرمان شيئاً.

стр. 4096

المازري: والذي قال محمد صحيح من جهة الفقه لو أمكن تصوره، لكنه كالممتنع عادة؛ لأن قيمة المنافع المؤجلة داخلة في قيمة رقبته التي تبقى مملوكة بها طول حياته، وما يكون داخلاً في الشيء لا يكون أكثر منه، هذا معنى كلامه، وهذا الذي قاله المازري صحيح ولو كان الناس يلتفتون في تقويم العبد إلى مدة حياته، وأكثرهم يقطعون النظر عن ذلك. وقوله: (وَقَالَ سُحْنُونُ) هو القول الثاني: عليهما قيمة العبد معجلة ويأخذان العبد فيستخدمانه في الأجل، فإن حصل لهما مثل ما دفعاه إلى السيد عند حلول الأجل فقد تم الحكم وخرج العبد حراً، وإن حل الأجل وقد بقي لهما من القيمة شيء فكذلك، ولا شيء لهما مما بقي، وإن استوفيا قبل الأجل رجع العبد يخدم سيده، ثم إن مات في يد السيد قبله؛ أي: قبل الأجل وترك مالاً أو قتل فأخذ ماله قيمة، أو مات بعد الحرية وترك مالاً فليأخذ الشاهدان من ذلك ما بقي لهما، وعلل المصنف هذا الأخذ من ماله أو قيمته بأن السيد معترف أن ما يستحقه من مال العبد عليه فيه دين، وهو مقدار ما أخذ منهما، وقول محمد الذي حكاه المصنف ظاهر التصور، نقله ابن يونس على وجه أتم من المصنف؛ لأنه قال: قال ابن المواز: وإن قال اسليد بعدما أغرمهما قيمته: "أنا لا أسلمه إلى الشاهدين، ولكن أنا استخدمه وأدفع إليهما ما يحل من خدمته" فذلك له، وربما كان ذلك في الجارية النفيسة وذات الصنعة فله ذلك. ويدفع إلى الراجعين كسبهما وعملهما حتى ينتهي ذلك إلى ما غرماه، والسيد في ذلك مخير بين أن يسلمه إليهما ليأخذا من خدمته ما أديا، أو يحسبه ويدفع إليهما كل ما حصل من خدمته إلى مبلغ ما أديا. وإن شهدا بتنجيز عتق إلى أجل فقضى بذلك ثم رجع فعليهما قيمة الخدمة إلى الأجل على غررها ولو كان معتقاً إلى موت فلان فعليهما قيمة خدمته أقصى العمرين عمر العبد وعمر الذي أعتق إلى موته وذهب أصبغ إلى أنه يغرم قيمة الرقبة.

стр. 4097

فَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ تَدْبِيرِ غَرِمَا قِيمَتَهُ نَاجِزاً وَاسْتَوْفَيَا مِنْ خِدْمَتِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَإِنْ عَتَقَ بِمَوْتِ السَّيِّدِ فَلا شَيْءَ لَهُمَا، وَإِنْ رَدَّهُ أَوْ بَعْضَهُ دَيْنُ فَهُمَا أَوْلَى كَالْجِنَايَةِ. يعني: وإن كان الإشهاد عليه بأنه دبر عبده فقضى عليه بذلك ثم رجعا فإنهما يغرمان قيمته ناجزاً؛ لمنعهما سيده من بيعه وهبته، ويقال لهما: ادخلا فيما أدخلتماه فيه فاقتضيا من الخدمة التي أبقيتماها بيده من رقه ما أديتما، ثم ترجع خدمته لسيده، ثم حكمهما في موته في مدة حياة السيد أو بعدها ولم يستوفيا ما غرماه حكمهما في العتق إلى الأجل، ومقتضى كلام المصنف وغيره أنه يتفق على هذا، ويرجح قول سحنون في العتق إلى الأجل. وقوله: (فَإِنْ عَتَقَ) يعني: فإن أخذ منهما ثم مات [٦٨٥/ أ] السيد وحمله الثلث خرج هذا المشهور بتدبيره حراً، ولا يكون للشاهدين عليه شيء، وإن رق منه شيء فهما أولى به حتى يستوفيا منه، وكذلك إن رده دين فهما أولى من صاحب الدين، وهما كأهل الجناية، ثم إذا بيع وفضل منه فضل لم يكن للشاهدين أخذه؛ إذ لا يربحان. محمد بن عبد الحكم: فإن كان الشاهدان عديمين لم يوجد عندهم ما يؤخذ من القيمة التي لزمتهما فالواجب أن يحكم عليهما بما بين قيمة هذا العبد مدبراً ممنوعاً مشتريه من بيعه ومحرز عتق جميعه أو عتق بعضه أو رق جميعه لو جاز في الشرع البيع على هذا فيطلب سيد العبد ذلك من الشاهدين متى أيسر. وقال بعض أهل الحجاز: بل يستخدمه سيده ويحسب عليه في الاستخدام ما لزمهما من قيمة جميع العبد حتى يستوفي ذلك، فيبقى في يده مدبراً أو يموت العبد قبل أن يستوفي القيمة فيطلب الشاهدين بالقيمة أو بما بقي منها متى أيسرا، قال: ولو قال قائل: إن الشاهدين إنما يغرمان ما بين هاتين القيمتين اللتين ذكرناهما كانا موسرين أو معسرين لم أعب ذلك، وهو أقوى في النظر من القول الأول، ولو كان عوض المدبر مدبرة ممن لا حرفة لها ونهي عن استئجارها فإنها إذا قضى على

стр. 4098

الشاهدين بقيمتها نجز عتقها؛ إذ لا فائدة في بقائها إلا أن يلتزما النفقة عليها رجاء رقها بعد وفاة سيدها فذلك لهما، أو يتطوع السيد بذلك رجاء أن ترق له بذلك. وَإِنْ كَانَتْ كِتَابَةً فَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ وَالأَكْثَرُونَ: غَرِمَا قِيمَتَهُ وَاسْتَوْفَيَا مِنْ نُجُومِهِ، فَلَوْ رَقَّ اسْتَوْفَيَا مِنْ رَقَبَتِهِ، وَقَالَ ابن القاسم: تُجْعَلُ الْقِيمَةُ بِيَدِ عَدْلٍ حَتَّى يُسْتَوْفَي مِنَ الْكِتَابَةِ مِثْلُهَا فَتُرَدُّ عَلَيْهِمَا، وَضَعَّفَهُ مُحَمَّدُ: وَقَالَ سحنون: تُبَاعُ الْكِتَابَةُ بِعَرْضٍ فَإِنْ نَقَصَ عَنِ الْقِيمَةِ أَتَمَّاهَا .. الظاهر في: (كَانَ) أنها تامة و (كِتَابَةً) فاعلها، وحذف الصفة لدلالة السياق عليها؛ أي: حصلت كتابة مشهود بها مرجوع عنها، ويحتمل أن تكون ناقصة، واسمها مضمر عائد على الشهادة، وحذف حرف الجر من: (كِتَابَةً) وهو الخبر أو حذف مضاف التقدير، فإن كانت الشهادة المرجوع عنها بكتابة، أو شهادة كتابة ابن راشد: واتفق المذهب على إلزام الشاهدين قيمة المكاتب؛ لمنعها السيد من الانتفاع. محمد: والقيمة يوم الحكم. وإذا كان الحكم في التدبير الغرم فأحرى هنا؛ لأن تصرف السيد في المدبر أقوى من الكتابة، لكن اختلف المذهب؛ فالمشهور على ما صرح به المازري وغيره ما ذكره المصنف عن عبد الملك والأكثرين: أنهما إذا غرما القيمة فأدياها من النجوم فإن كانت النجوم مساوية للقيمة وأداها خرج حراً ولا كلام، وكذلك إن كانت أقل فلا كلام للشهود، وإن كانت أكثر أخذا منها مقدار القيمة وأخذ السيد باقيها، وإن عجز عن الباقي رق له، وإن عجز قبل أن يقبض الراجعان ما أديا بيع لهما بتمام ما بقي لهما، فإن لم يكن فيه تمام ذلك فلا شيء لهما غيره. قوله: (وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ) تصوره ظاهر، ووجه تضعيف ابن المواز ما أشار إليه في كتابه من أن ذلك يستلزم ضررين:

стр. 4099

أحدهما: على السيد؛ لإخراج عبده من يده من غير عوض ناجز مع إقرارهما بإتلافه. وثانيهما: على الشاهدين في أنهما ممنوعان من القيمة ومن الكتابة مع احتمال ضياع القيمة فيضمناها مرة أخرى، ولهذا قال: لو كنت أقول بهذا المذهب لجعلت للشهود أن يستردوا من القيمة الموقوفة مثل ما أخذ السيد، ولا تبقى موقوفة كلها بعد أن وصل إلى السيد بعضها، وما حكاه المصنف عن سحنون ظاهر التصور، لكنه ليس مذهباً لسحنون، وإنما حكاه سحنون على ما في النوادر وابن يونس عن بعض الأصحاب، وحكاه ابن المواز عن عبد الملك، واختيار سحنون هو القول الأول. فَإِنْ كَانَتْ بِاسْتِيلادٍ فَالْقِيمَةُ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَيُخَفَّفُ لِمَا بَقِيَ مِنَ الاسْتِمْتَاعِ وَلا شَيْءَ لَهُمَا إِلا بِجِنَايَةٍ عَلَيْهِا فَلَهَا مِنَ الأَرْشِ مَا غَرِمَاهُ، وَفِي مَالٍ بِاسْتِفَادِةٍ قَوْلانِ .. أي: فإن كان الرجوع عن الشهادة باستلاد، ويحتمل أن تكون الباء بمعنى: عن، كقوله: فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنِّسَاءِ فَإِنَّنِي خَبِيرُ بِأَدْوَاءِ النِّسَاءِ طَبِيبُ ومعنى كلامه: أنهما إذا شهدا على رجل أنه استولد أمته ثم رجعا فعليهما القيمة على المشهور. قال في النوادر: وروي عن بعض أشياخنا أنه لا شيء عليهما، قال: وهو مذهب لا أدري حقيقته. المازري: والأمر كما ذكر؛ لأنه يخرج عن الأصول التي عقدناها في أمثال هذه المسألة ولا يعذر عن ذلك بالخلاف في بيع أم الولد، فإن الخلاف في بيع المدبر أشهر. ابن عبد السلام: وعلى الأول فالمشهور أنه يرجع عليهما بقيمة أمة موقوفة، وكلام ابن عبد الحكم خلاف.

стр. 4100

وقوله: (وَلا شَيْءَ لَهُمَا) يعني: إذا غرما القيمة لم يكن لهما شيء على السيد؛ إذ لا خدمة للسيد في أم الولد حتى يرجعا بها، اللهم إلا أن تخرج أو تقتل فيؤخذ لذلك أرش فلهما الرجوع في ذلك بمقدار ما أديا؛ لأن القيمة عوض رقبتها، فإن فضل من الأرش فضل فهو للسيد. واختلف في رجوع الشاهدين في مال استفادته فقال سحنون: يرجعان فيما استفادت بما أديا، وقال ابن المواز: لا يرجعان فيما أفادته بخدمة أو سعاية. وَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ أُمِّ وَلَدٍ فَالأَكْثَرُ: أَلا [٦٨٥/ ب] غُرْمَ، وَقَالَ ابن القاسم: قِيمَتُهَا كَمَا لَوْ قَتَلاهُا، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: وَيُخَفَّفُ .. الباء تحتمل أن تكون ظرفية وبمعنى عن كما تقدم؛ أي: إذا شهدا على رجل أنه أعتق أم ولده ثم رجعا فقال المازري: الأكثر على أنهما لا يغرمان شيئاً؛ لأنهما إنما أتلفا عليه الاستمتاع بالفرج، وهو لا يقوم كما في الرجوع عن الطلاق بعد البناء، وقال ابن القاسم في الموازية: يغرمان قيمتها كما لو قتلاها، والفرق أن أم الولد بقي فيها أرش الجناية وانتزاع المال، وقال محمد بن عبد الحكم: يخفف عنها، قال في النوادر: بقدر ما بقي له فيها من الرق. ابن عبد السلام: وينبغي أن يكون التخفيف هنا بإسقاط أكثر منه في المسألة التي قبلها؛ لأنه يسقط هنا باعتبار الرقبة وهناك باعتبار المنفعة، وقال أصبغ: لا قيمة على قاتل أم الولد. فَإِنْ كَانَ بِعِتْقِ مُكَاتَبِ غَرِمَا قِيمَةَ كِتَابَتِهِ ما ذكره من غرم قيمة الكتابة ظاهره خلاف المنصوص؛ فإن الذي في الموازية وكتاب ابن سحنون وذكره المازري وغيره أنهما يغرمان للسيد ما أتلفاه عليه مما كان على المكاتب، عيناً كان أو عرضاً، قال في الموازية: ويؤديانه على النجوم، وقاله عبد الملك.
следующие страницы →