Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.
стр. 4271
الدية، (وَفِي أَرْبَعٍ عِشْرُونَ) لرجوعه إلى ديتها، وهي في الموضحة والمنقلة كالرجل بخلاف الأمومة والجائفة.
ولما كان هذا الحكم يستشكله الذهن بأول وهلة أتبعه بالدليل عليه فقال:
وَهُوَ إِجْمَاعُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ رَبِيعَةَ: سَأَلْتُ ابْنَ الْمُسَيِّبِ ﵃: كَمْ فِي ثَلاثَةِ أَصَابِعَ مِنَ الْمَرْأَةِ؟ فَقَالَ: ثَلاثُونَ. فَقُلْتُ: كَمْ فِي أَرْبَع؟ فَقَالَ: عِشْرُونَ. فَقُلْتُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا. فَقَالَ: أَعِرَاقِيٍّ أَنْتَ؟ فَقُلْتُ: بَلْ عَالِمِّ مُتَثَبِّتٌ، أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ، فَقَالَ: هِيَ السُّنَّةُ يَا ابْنَ أَخِي ...
هذا نقله ابن شاس، ونقل ابن عبد البر: جمهور المدينة. وبه قال الفقهاء السبعة، وعمر بن عبد العزيز والليث وعطاء وقتادةوزيد بن ثابت ﵃، ورواه النسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص ﵃ قال رسول الله ﷺ : "عقل المرأة مثل عقل الرجل حتى يبلغ الثلث من ديتها".
عبد الحق: وفيه عياش وهو في غير الشاميين ضعيف.
ابن عبد البر: وقول ابن المسيب: (هيَ السُّنَّةُ) يدل على أنه أرسله عن النبي ﷺ .
وَحَيْثُ اتَّحَدَ الْفِعْلُ أَوْ كَانَ فِي حُكْمِهِ لَمْ يُعْتَبَرِ اتِّحَادُ الْمَحَلِّ، فَضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ تُبينُ أَصَابِعَ مِنْ يَدَيْنِ حُكْمُهَا حُكْمُ الْيَدِ ...
لما بين أنها تعاقله فيما دون الثلث ولا تعاقله في الثلث أخذ يبين ما يضم من الجنايات وما لا يضم، فذكر أن الفعل الواحد أو ما في حكمه يوجب الضم وإن اختلف المحل كما أن اتحاد المحل يوجب الضم وإن افترق الفعل، وخالف عبد العزيز في هذا فرأى أن ما كان مفترقاً لا يضم وإن كان في فور واحد وليس كالضربة الواحدة، وروى المغيرة عن مالك مثله. أشهب: والأول أحب إلينا كالسارق أصل سرقته.
стр. 4272
وقوله: (حُكْمُهَا) أي: حكم اليدين كاليد الواحدة فإن قطع من اليدين ثلاثة أصابع فعليه ثلاثون، وإن قطع أربعاً فعشرون.
فَلَوْ قُطِعَ لَهَا بَعْدَهُ أُصْبُعٌ لَمْ يُضَمَّ بَلْ تَاخُذُ لَهُ عُشْراً إِنْ كَانَ ثَانِياً أَوْ ثَالِثاً أَوَ خَامِساً كَمَا لضوْ كَانَ فِي كُلِّ يَدٍ عَلَى حِيَالِهَا وَكَذَلِكَ الرَّجْلانِ ...
الضمير في (بَعْدَهُ) يعود على الضرب المفهوم من ضربه أوعلى القطع المفهوم من (تُبينُ).
وقوله: (بَلْ تَاخُذُ) ذكَّر الأصبع لأنه يؤنث ويذكَّر، نص عليه الجوهري، ومراده بقوله: (لَمْ يُضَمَّ)؛ أي اليدين معاً، ويضم إليى اليد الواحدة فتأخذ له عشراً إن كان من اليد الأولى أصًبع أو أصبعين، وهو معنى قوله: (ثانياً أَوْ ثَالِثاً) على اختلاف النسخ وخمساً إن كان واق بأن يكون طع من اليد أولاً ثلاثة أصابع، (أوَ خَامِساً) بأن يكون قطع أولاً أربعاً.
وقوله: (كَمَا لَوْ كَانَ ... إلخ) كما لو كان القطع في كل يد بانفرادها، ثم قطعت بعد ذلكمن أحد اليدين فإنها لا تضم إلى اليد المقطوعة، وقوله: (وَكَذَلِكَ الرِّجْلانِ) أي: في جميع ما تقدم، وضابط هذا أنك تضم إذا اتحد المحل وإن تعدد الضرب، وكذلك تضم إذا اتحد الضرب وإن تعدد المحل وإن لم يتحد فلا يضم، واعترض عليه ابن عبد السلام: تذكير الأصبع وهو مؤنث، وقد تقدم ما يجاب عنه، وكذلك بتقديرنا قوله: (لَمْ يُضَمَّ)؛ أي اليدين معاً يندفع قوله ابن عبد السلام أيضاً، فقول المصنف: (لَمْ يُضَمْ) منافٍ لقوله: (وخمساً إن كان رابعاً)، والله أعلم.
وَقِيلَ: لا يُضَمُّ شَيْءٌ إِلَى مَا قَبْلَهُ فِيهِمَا كَالْمَشْهُورِ فِي الأَسْنَانِ وَكَالْمَوَاضِحِ أَوْ الْمَنَاقِلِ الْمُتَعَدِّدَةِ ...
(فِيهِمَا) أي في الصورتين المتقدمتين إذا كان المقطوع في اليدين أو في كل يد على حالها، ويحتمل أن يعود على اليدين او الرجلين على ما إذا تعدد الضرب وقرب الزمان
стр. 4273
بينهما أو بعد، وهذا القول مذهب عبد العزيز بن سلمة، وروى المغيرة عن مالك مثله، وذلك أن هذين الإمامين يقولان: لا يضاف حكم أصبع إلى الآخر إلا أن يقطع من الكف في ضربة واحدة أربع أصابع فتأخذ بحساب عقلها، ثم إن قطع بعد ذلك الأصبع الخامسة يكون خمس، وقال عبد الملك: عشرة. ونحوه عن ابن نافع، فيتحصل في المسألة ثلاثة أقوال. انتهى.
وقوله: (كَالْمَشْهُورِ فِي الأَسْنَانِ) يعني أن المشهور فيها عدم الضم، بل تأخذ لكل سن قطعت بعد غيرها خمساً، والقولان لابن القاسم، ورأى في الشاذ الضم كالأصابع. اللخمي: وعدم الضم أقيس، ولا يصح الضم إلا على قول ابن المسيب أن في جميع الأسنان [٧١٤/ب] دية كالأصابع في جميعها، وأما على قول مالك أنه لا يقتصر على دية وأن في كل واحدة خمس فلا يحسن، ويكون كالمواضح والمناقل فلا يضم بعضها إلى بعض قالوا: باتفاق.
وَلا يُضّمُّ الْخَطَأُ إِلَى الْعَمْدِ-اقْتَصَّتْ أَوْ عَفَتْ-فَتَاخُذُ لِرَابعٍ وَخَامِسٍ عِشْرِينَ
هذا هو المعروف، ولم يختلف فيه قول ابن القاسم وروايته، قال في البيان: وروى أشهب أنه يحسب عليها من أصابعها ما أصيب به عمداً، وهو قول سحنون والبرقي.
وَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ إِذَا كَانَتْ خَطَأً أَوْ فِي حُكْمِهِ مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ وَبَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي أَيْضاً عَلَى الأَشْهَرِ مُنَجَّمَةً ...
لما فرغ من تقدير الديات في النس وأجزائها شرع في بيان من هي عليه فذكر أن الدية على العاقلة بشرط أن تكون الجناية خطأ أو في حكمه، وهو العمد الذي لا قصاص فيه كالمأمومة والجائفة، ولا يريد بما في حكمه الدية على الأب فإنه قد تقدم ان المشهور كونها على الأب.
стр. 4274
وقوله: (مِنْ غَيْرِ اعْتِرَافٍ) يعني: ويشترط في وجوبها على العاقلة أن يثبت القتل ببينة، أو في معناه من اللَّوْث بخلاف الاعتراف، وسيأتي ما فيه من الخلاف.
قوله: (وَبَلَغَتْ ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي) شرط ثالث؛ أي أن الدية لا تجب على العاقلة إلا أن تبلغ الثلث.
أبو عمر: وهو قول الفقهاء السبعة خلافاص للشافعي في حملها القليل والكثير، وقوله: (ثُلُثَ دِيَةِ الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ أَوِ الْجَانِي أَيْضاً) أي أيهما بلغ حملته العاقلة، والأشهر مذهب المدونة فلو وجبت على رجل منقلة حملتها العاقلة، ومقابل الأشهر في العتبية أن العاقلة إنما يحتمل ما بلغ ثلث دية المجني دون الجاني، ويظهر الخلاف في المرأة والكتابي والمجوسي، ولعبد الملك ثالث: أن العاقلة لا تحمل إلا ثلث دية رجل كان الجاني رجلاً أو امرأة، وإنما جعلت الدية على العاقلة؛ لأنه ﵊ كذلك فعل، ولم تجعل على الجاني رفقاً به؛ لأنه معذور بالخطأ، ورفقاً أيضاً بالعاقلة في جعلها عليهم منجمة في ثلاث سنين، وحكى اللخمي عن أشهب أن العاقلة لا تحمل إلا ما زاد على الثلث.
وَأَمَّا فِي الْعَمْدِ وَفِيما لَمْ يَبْلُغِ الثُّلُثَ فَعَلَى الْجَانِي حَالَّةً
هذا بيان ما احترز عنه، وقوله: (حَالَّةً) هو المشهور، وقيل: إن دية العمد منجمة.
وَجِرَاحُ الْعَمْدِ الَّتِي لا قَوَدَ فِيهَا كَالْمَامُومَةِ وَالْجَائِفَة وَكَسْرِ الْفَخِذِ إِنْ بَلَغَ ثُلُثَ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَإِلَيْهِ رَجَعَ بخِلافِ قَطْعِ الْيَدِ وَنَحْوِه مِمَّا لَوْ كَانَ لَهُ لَقَطَعَ لأَنَّ هَذَا يَسْقُطُ لِلْعَدَمِ ...
يعني: أنه اختلف في الجراح التي لا قصاص فيها لكونها متالف فكان مالك أولاً يقول: عقلها في مال الجاني. ثم رجع إلى أنه على العاقلة بناءً علىلنظر العمد أو إلى عدم القصاص فكانت كالخطأ، ولمالك ثالث أنها في ماله إلا أن يكون عديماً فعلى العاقلة.
стр. 4275
وقوله: (بخِلافِ ... إلخ) أي أن القصاص في هذا إنما سقط لعدم وجود مثله للجاني فلهذا يكون عقلذلك في ماله، بخلاف المأمومة ونحوها فإن القصاص قد سقط مع أن موضعها قائم.
وَلَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةٌ خَطَأً فَذَهَبَ عَقْلُهُ وَسَمْعُهُ فَدِيَتَانِ وَنِصْفُ عُشْرٍ عَلَى الْعَاقِلَةِ، وَكَذَلِكَ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً وَمَامُومَةُ بضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ ...
نحوه في المدونة، وهو ظاهر على مذهب مالك الي يرى العقل في القلب، واما على قول عبد الملك فإذا كانت الموضحة في اللحي الأعلى من الوجه فكذلك وإن كانت في الدماغ تسقط دية الموضحة، واحترز بقوله: (خَطَأً) مما لو كانت الموضحة عمداً فإنه يقتص له من الموضحة، فإن ذهب عقل المقتص منه وسمعه فواضح، وإن لم يذهب ذلك فدية ذلك في مال الجاني على المشهور.
قوله: (وَكَذَلِكَ لَوْ شَجَّهُ مُوضِحَةً ومَامُومَةً) إنما مثل مثالين لينبه على أنه لا فرق بين جرح ومنفعة وبين جرحين.
وقوله: (بضَرْبَةٍ) احترازاً من ضربتين فإن العاقلة لا تحمل الموضحة حينئذٍ؛ لأنها دون الثلث.
وَالدِّيَةُ الْمُغَلِّظَةُ عَلَى الْجَانِي عَلَى الْمشْهُورِ
قد تقدم هذا.
وَلا تَحْمِلُ الْعَاقِلَةُ جِنَايَةَ عَمْدٍ وَلا عَبْدٍ وَلا صُلْحَاً ولا قَاتِلاً نَفْسَهُ عَمْداً أَوْ خَطَأً، وَلا اعْتِرَافاً وَلا أَقَلُّ مِنَ الثُّلُثِ ...
أما العمد فلا خلاف أن العاقلة لا تحمله إلا ما تقدم من المتالف، وأما العبد فلأنه إن جنى عمداً اقتص منه، وإن جنى خطأً ففي رقبته، وأما الصلح فإن كان عمن يلزم العاقلة
стр. 4276
من دية الخطأ فمن حق العاقلة أن ترده إن شاءت، وإن كنات عن عمد فلا يلزمها الأصل ولا الفرع، وجمهور العلماء على أنه لا شيء في قتل الإنسان نفسه، ورأى الأوزاعي على عاقلته الدية، وسيأتي الخلاف في الاعتراف بالخطأ. قوله: (وَلا أَقَلَّ مِنَ الثُّلُثِ) تقدم الكلام عليه.
وَالْعَاقِلَةُ هِيَ الْعَصَبَةُ وَالْحِقَ بِالْعَصَبَةِ أَهْلُ الدِّيوَانِ لِعِلَّةِ التَّنَاصُرِ
هذا ما قال مالك أن العاقلة هي العصبة، ابن الجلاب: قربوا أو بعدوا. ابن عبد البر: وكانت الدية في الجاهلية تحملها العاقلة فأقرها رسول الله ﷺ ، وكانوا يتعاقلون بالنصرة فجرى الآن على ذلك، حتى فعل عمر ﵁ الديوان.
قوله: (وَالْحِقَ بالْعَصَبَةِ) مجمل في حمل العقل من حيث الجملة، ويحتمل أنهم يدخلون معهم في الحمل، والأول هو المراد؛ لأن ظاهر كلام مالك وأشهب وأًبغ أن الديوان مقدم على العصبة، وسيصرح المصنف بذلك، وحكى ابن شعبان قولاً بأنه لا مدخل للديوان في [٧١٥/أ] العصبة ولا يعقل على الإنسان إلا قومه.
وَقَالَ أَشْهَبُ: بشَرْطِ قِيَامِ الْعَطَاءِ
هكذا نقله اللخمي عن أشهب وابن القاسم، ومعناه أنه إنما يحمل أهل الديوان بشرط قيام العطاء لهم ليعطوا منه.
أشهب: وإن لم يكنعطاءً قائماً يحمل عنه قومه، وإن لم يكن في أهل الديوان من يحمل ذلك لم يدخل معهم الخارجون من أهل الديوان، ويضم إليهم من أهل الديوان أقرب القبائل إليهم.
وَالْمَوَالِي الأَعْلَوْنَ
أي: اتفقوا على دخول المولى الأعلى؛ لأنه من العصبة، وعصبة النسب مقدمة عليه كما تقدم الأقرب فالأقرب من ذوي الأنساب.
стр. 4277
وَبَيْتُ الْمَالِ
أي: لمن لا عاقلة له؛ لأنهم كام يرثون يعقلون عنه.
وَلِذَلِكَ يُقْسِمُ مَوَالِي أُمِّ الْمُلاعَنَةِ عَلَى ابْنِهَا فِي الْعَمْدِ، فَلَوْ كَانَتْ مِنَ الْعَرَبِ فَلا قَسَامَةَ، وَأَمَّا فِي الْخَطَأ فَوَرَثَتُهُ
ولأجل أن الولى الأعلى من العاقلة، لموالي الملاعنةأن يقسموا علىبنها في العمد والدية في الخطأ، وإن كانت من العرب فلا اسمة في المد لعدم العاصب بخلاف الخطأ فتقسم أمه وإخوته لأمه ويأخذون حظهم من الدية، وإلى هذا أشار بقوله: (وَأَمَّا فِي الْخَطَأ فَوَرَثَتُهُ)، ولو أسقط المصنف (أُمَّ)، وقال: مولى الملاعنة لكان أصوب، ولعله من إضافة الصفة إلى الموصوف؛ أي الأم الملاعنة.
وَالْمُوَالِي وَالْمُحَالِفُ فَلَيْسَ مِنْهَا
أي: من العاقلة.
وَفِي الْمَوَالِي الأَسْفَلِينَ قَوْلانِ
القول بدخولهم رواه أصبغ عن ابن القاسم، وأكثر مسائل أهل المذهب تدل عليه، والقول بعدم دخولهم لسحنون في كتاب ابنه، وهو أقيس؛ لأنهم ليسوا عصبة ولا ورثة.
وَفِي دُخُولِ الْجَانِي فِي التَّحَمُّلِ رِوَايَتَانِ
استظهره ابن القصار وهو الصواب، وذكر صاحب الإشراف عن بعض أصحابنا أن قول مالك بدخوله استحسان وليس بقياس.
стр. 4278
يُبْدَأُ بأَهْلِ الدِّيوَانِ فَإِنِ اضْطُرَّ إِلَى مَعُونَةٍ أَعَانَتْهُمْ عَصَبَتُهُمْ
أي: بأهل الديوان وإن كانوا قبائل شتى، وهكذا في الموازية والعتبية، قال في البيان: وهو خلاف المدونة أن العقل إنما هو على عصبة القاتل فإن اضطر إلى معونة الديوان أعانهم عصبتهم، وفي الموازية: أعانهم من قومه من ليس معهم في الديوان، قال: ما يفعلون ذلك وإني لا أرى ذلك. ابن المواز: ليس ذلك عليهم.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ دِيوَانٍ فَعَصَبَتُهُ وَيُبْدَأُ بالْفَخِذِ ثُمَّ الْبَطْنِ ثُمَّ الْعِمَارَةِ ثُمَّ الْفَصِيلَةِ ثُمَّ أَقْرَبِ الْقَبَائِلِ ....
هكذا ذكر ابن شاس، وحاصله: البداءة بالأقرب فالأقرب، وما ذكره المصنف راجع إلى اللغة، وحكى الجوهري ما حكاه المصنف عن أبي عبيد عن ابن الكاتب عن أبيه قال: الشعب أكبر من القبيلة ثم العصبة ثم العمارة ثم البطن ثم الفخذ، ولنقتصر على هذا فإنه متعلق باللغة لا بالفقه، ونقل ابن كوثر وابن أبي جمرة في وثائقهما عن سحنون أن حد العاقلة سبعمائة منتمون إلى أب واحد، وفي البيان في الديات الأولى أن في رواية سحنون: إذا كانت العاقلة خمسمائة وألف فهم قليل، ويتمم أقرب القبائل إليهم.
فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَصَبَةٌ فَمَوالِي فإَِنْ فَبَيْتُ الْمَالِ إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِماً، وَإِنْ كَانَ ذِمِّياً فَأَهْلُ إِقْلِيِمِهِ مِنْ أَهْلِ دِينِهِ ثُمَّ يَضْرِبُ الأَقْرَبُ الَّذِينَ مِنْ كُوَرِهمْ
أي: الأعلون والأسفلون على الخلاف المتقدم.
وقوله: (إِنْ كَانَ الْجَانِي مُسْلِماً) هذا شرط في بيت المال؛ لأن ما قبلها من المراتب يشترط فيها المسلم والذمي، وما ذكره المصنف ظاهر على القول بأن مال الكتاب الحر لأهل دينه ولورثته، وأما على قول ابن القاسم بأن ماله للمسلمين فينبغي أن يعقل عنه في بيت المال.
стр. 4279
واحترز بقوله: (مِنْ أَهْلِ دِينِه) من اليهودي بالنسبة إلى النصراني وبالعكس.
سحنون: وإذا لزمتهم أي اليهود بمدينة القيروان وإفريقية دخل فيها من إفريقية من اليهود الذين يحملون معهم الخراج فكل من كان يحمل معهم الخراج فكان خراجهم واحداً يأخذون به ويعقلون عنه، وإن لم يكن فيمن معهم الخراج قوة على أداء العقل أسلفهم الإمام ولا يقدحون.
أشهب: وإن دخل إلينا حربي بأمان فقتل مسلماً حبس وأرسل إلى موضعه وكورته فيخبرونهم بما صنع وما يلزمهم في حكمنا فإن أدوا عنه وإلا لم يلزمه إلا ما كان يؤدبه معهم، رواه البرقي عنه، وروي عن سحنون الدية في مال الجاني، وليس على أهل بلده منها شيء، وقال ابن القاسم: ديته على أهل دينه الحربيين، والكُوَر: بضم الكاف وفتح الواو، وجمع كورة بضم الكاف وسكون الواو، الجوهري: وهي المدينة.
فَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِ صُلْحٍ فَأَهْلُ ذَلِكَ الصُّلْحِ
هكذا قال مالك في الموازية.
وَلا يُضْرَبُ عَلَى أَحَدٍ مِنَ الْعَاقِلَةِ إِلا بمَا لا يَضُرُّ بمَالِهِ وَيُؤْخَذُ مِنَ الْغَنِيِّ بقَدْرِه وَمِمَّنْ دُونَهُ بقَدْرِه، وَلا يُضْرَبُ عَلَى فَقِيرٍ وَلا عَلَى مُخَالِفٍ فِي الدَّينِ وَلا على عَبْدٍ وَلا صَبيِّ وَلا امْرَأَةٍ ...
يعني: أنه لا يؤخذ من كل واحد من العاقلة إلا ما لا يضر بماله؛ فذلك يختلف الضرب بحسب الغني والفقر.
قوله: (وَلا يُضْرَبُ) فهذا بيان منه لموانع ضربها، فلا تضرب على فقير؛ لأنها إعانه والفقير ينبغي أن يعان، ولا على مخالف في الدين لأن علتها التناصر، ولا تناصر مع اختلاف الدين، والعبد كالفقير، والصبي والمرأة [٧١٥/ب] لا تناصر فيهم، اللخمي:
стр. 4280
خمسة يعقل عنهم ولا يعقلون: الصبيان والمجانين والنساء والفقير والغارم، وإذا كان عليه من الدين بقدر ما في يديه ويفضل له ما يكون به في عدد الفقراء، ولو كان لا شيء بيده فهو فقير.
فَلَوْ بَلَغَ الصَّبيُّ أو قَدِمَ الْغَائِبُ لَمْ يَدْخُلْ، فَلَوْ أُعْدِمَ مَنْ جُعِلَ عَلَيْهِ لَمْ تُزَلْ
أي: المعتبر من كان موصوفاً بالصفات المتقدمة يوم ضربها؛ فلذلك إن بلغ الصبي أو قدم الغائب لم يدخلا، ولا تزاد على من أيسر، ولو أعدم من جعلت عليه لم تزل.
وَفِيمَنْ مَاتَ قَوْلانِ
الأقرب عدم السقوط لاتفاقهم على العدم، وهو قول ابن القاسم، والقول الآخر لأصبغ، قال: ويرجع ذلك إلى بقية العاقلة.
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: كَانَ يُؤْخَذُ مِنْ أَعْطِيَاتِ النَّاسِ مِنْ كُلِّ مِائَةٍ دِرْهَمٌ وَنَصِفٌ
هذا كالبيان لقوله: ولا تضرب إلا بما لا يضر بماله.
وَلا دُخَولَ لِلْبَدَويِّ مَعَ الْحَضَرِيِّ وَإِنْ كَانَتْ قَبِيلَتَهُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ خِلافاً لأشْهَبَ، كَمَا لا يَدْخُلُ أَهْلُ مِصْرَ مَعَ أَهْلِ الشَّامِ وَإِنْ كَانُوا أَقْرَبَ، وَبُعَدُّ كَالْعْدُومِ ....
يعني: لا تعقل أهل البادية مع الحاضرة ولا بالعكس وإن كانت قبيلة، وهذا مذهب مالك في المدونة، وبه أخذ ابن القاسم بأنه لا يستقيم أن يكون في دية واحدة إبل وعبر، وأجاز ذلك أشهب، قال: ويخرج أهل البادية ما يلزمهم إبلاً وإن كان الجارح ليس منهم، ويخرج أهل القرى حصتهم عيناً وإن كان الجارح ليس منهم، وإنما تؤخذ الإبل من البدوي بقيمتها.
стр. 4281
ابن عبد السلام: وانظر قوله: بقيمتها، وما المانع من أخذها بالجزء من نصف أو ثلث كما لو كان قاتلان أحدهما بدوي والآخر حضري، ولأشهب وعبد الملك قول آخر أن الأقل تبع للأكثر إن كان أهل العمود الأكثر كانت الدية إبلاً ويؤدي معهم أهل القرى ما عليهم إبلاً وبالعكس، وإن كان ما عليهم متناصفاً، زاد عبد الملك أو يقرب بعضهم من بعض فيحمل كل فريق من ذلك ما هم أهله، ورواه ابن وهب عن مالك.
وقوله: (لا يَدْخُلُ أَهْلُ مِصْرَ مَعَ أَهْلِ الشِّامِ) وهو تشبيه لإفادة الحكم، وليس مراده به حجة علىشهب، قال بعض من تكلم على هذا الموضع: ويحتمل الاستدلال؛ لأن ابن القاسم وأشهب اتفقا على ذلك.
وَفِي ضَمَّ مِثْلِ كُوَرِ فَسَطَاطِ مِصْرَ إِلَيْهِا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
يعني: أنه اختلف في مثل ضم أعمال مصر إليها، فقال بالضم ابن القاسم، وقال أشهب بعدمه، وحكى عن أشهب أيضاً الضم، وهو الأقرب لأن البلد الواحد قد يضيق عن حملها، وذهب أن مصر لا يضيق فليس غيرها كهي، والمراد بفسطاط مصر نفس المدينة، وأما مصر إذا أطلقت فقال اللخمي: مراد ابن القاسم بمصر أهل الكورة، ومصر من أسوان إلى الإسكندرية، وقال سحنون في إفريقية: بضم عقلها بعضها إلى بعض من طرابلس إلى طبنة.
خليل: ومن انقطع من أهل جهة فسكن جهة أخرى اختبر الموضع الذي انتقل إليه، وأشار غير واحد إلى أنه بنفس الانتقال يتغير الحكم؛ يعني إذا فرضت الدية ولو في اليوم الذي انتقل فيه، وقال بعضهم: لابد أن تكون تقدمت قبل ذلك بأربعة أيام، وهذا الخلاف أشار بعض الشيوخ إلى تخريجه هنا من مسائل المقدمات.
стр. 4282
وَتُنَجَّمُ الْكَامِلَةُ عَلَى الْمُسْلِمِ وَغَيْرِه ثَلاثَ سِنِينَ أَثْلاثاً وَفِي آخِرِهَا مِنْ يَوْمِ الْحُكُمِ
أي: الدية الكاملة على المسلم؛ أي المأخوذة من قبل المسلم أو غيره، ونبه بذلك حتى لا يتهم أن الكاملة مقصورة على دية المسلم؛ إذ هي أكمل الديات.
وقوله: (ثلاثَ سِنينَ) لا خلاف في ذلك.
ابن عبد البر: وما قيل: في أربع فشذوذ: و (أَثلاثاً) منصوب على الحال؛ أي متساوية، وقوله: (فِي آخِرِهَا) زيادة في البيان؛ إذ لو كان الدفع في أول كل سنة لزم أن تكون في سنتين، وهو مناقض لجعلها في ثلاث.
قوله: (يَوْمِ الْحُكْمِ) أي يوم القتل أو يوم الخصام.
وَفِي حُلَولِ غَيْرِ الْكَامِلَةِ قَوْلانِ
هما روايتان، والمشهور التنجيم، وهو الموافق لقضاء عمر؛ لأنه فرض ثلثي الدية في سنتين، نقله ابن عبد البر، ولأنه إذا قيل بالحلول يكون في غير الكاملة أكثر من الكاملة؛ لأن الثلاثة الأرباع أو الثلثين إذا كانت حالة قد يكون أكثر من قيمة فيسعها مؤجلاً.
وَعَلَى تَنْجِيِهِ فَفِي ثَلاثِ سِنينَ، أَوْ بالنِّسْبَةِ قَوْلانِ
يعني: وإذا فرعنا على القول بتنجيم غير الكاملة فاختلف: هل ذلك في ثلاث سنين أو بالنسبة فيكون الثلث في سنة والنصف في سنة ونصف؟ ومقتضى كلامه أنه لو وجب الثلث على القول الأول نجم في ثلاث سنين، وهذا لا يوجد، وإنما ذلك بشرط أن يزيد الواجب على الثلثين كثلاثة أرباع الدية وخمسة أسداس.
стр. 4283
وَعَلَى النِّسْبَةِ فَفِي مِثْلِ النِّصْفِ وَالرُّبُعِ ثَالِثُهَا: يَنْظُرُ الْحَاكِمُ، وَالْمَشْهُورُ التَّنْجِيمُ بالأَثْلاثِ، وَلِلزَّائِدِ سَنَةٌ فَالنِّصْفُ وَالرُّبُعُ فِي ثَلاثَةٍ ...
يعني: واختلف إذا بنينا على القول بالنسبة في مثل النصف والثلاثة الأرباع، قيل: يجتهد الإمام فيه إن رأى أني جعله في سنتين أو في سنة ونصف، وأخذ ابن القاسم في المدونة بالسنتين، فقال: وفي سنتين أحب إلى لما جاء أن الدية تقطع في ثلاث سنين أو أربع، وقال أشهب: في النصف يؤخذ الثلث إذا مضت سنة، والسدس الباقي [٧١٦/أ] إذا مضت السنة الثانية، وزاد اللخمي عن مالك قولاًآخر في النصف بأن يكون في سنة ونصف، قال في المدونة إثر الروايتين: أو ثلاثة أرباعها في ثلاث سنين، وقال في خمسة أسداسها؛ يجتهد الإمام في السدس الباقي.
عياض: يعني يجتهد حتى يجعل في أول السنة الثالثة أو وسطها أو آخرها، وقيل: يأتي على قوله في ثلاثة أرباع الدية في ثلاث سنين ربع كل سنة أن يقسم خمسة أسداس الدية على ثلاثة سنين. انتهى.
ولم أر ما شهره المصنف فضلاً عن ان يكون شهوراً، ولعله أخذه مما في المدونة أن الثلاثة الأرباع في ثلاث، ثم إن القولين المتقدمين من كلام المصنف. وقوله: (التَّنْجِيمُ بالأَثْلاثِ، وَلِلزَّائِدِ سَنَةً) وفي بعض النسخ (نسبة).
ابن عبد السلام: والثانية هي الصواب؛ لأنه على الأولى يكون تكراراً مع القول المتقدم، وأن غير الكاملة تكن في ثلاث سنين على السواء، وعلى هذا يكون الثلثان في سنتين وللزائد أيضاً سنة.
ثم قوله إثر هذا: (فالنصف والربع في ثلاث سنين) بغير النسخة الأولى.
ابن المواز: إن جاوزت الثلثين فأمر بين فهي كالكاملة، وإن جاوزت بالشيء اليسير فذلك كل شيء.
стр. 4284
الباجي: وإذا قلنا ما زاد على الثلثين يقطع في ثلاثة أعوام، فقال أشهب: يقطع في كل سنة ثلاثة، وإن لم يكن له مال قطع في سنتين، واستحسن أن تكون الزيادة في آخر السنتين، قال: وإن كانت ثلثاً وزيادةيسيرة فهي في سنة، وإن كان له بال ففي السنة الثانية، قال ذلككله ابن سحنون عن أبيه.
وَحُكْمُ مَا وَجَبَ عَلَى عَوَاقِلَ مُتَعَدِّدَةٍ بِجِنَايَةٍ وَاحِدَةٍ فِي التَّنْجِيمِ حُكْمُ الْعَاقِلَةِ كَمَا أَنَّ حُكْمَ مَا وَجَبَ بالْجِنَايَات الْمُتَعَدِّدَةِ خَطَأً فِي حَمْلِ الْعَاقِلَةِ حُكْمُ مَا وَجَبَ بالْجَانِي الْوَاحِدِ ....
أي: أن اتحاد الجناية مع تعدد الجاني يجعل حكم العاقلة الواحدة عشرة رجال حملوا خشبة وقطعت منهم على رجل فإن الدية تنجم على عاقلة كل واحد منهم، ويكون على قبيلة كل واحد منهم عشر الثلث في كل سنة من الثلاث كما أن الجنايتين المتعددتين من قبيلة حكمهما حكم ما وجب بالجاني الواحد فتنجم عليها الجناية وإن تعددت، وهيمصيبة نزلت عليها، ونبه المصنف على هذا دفعاً لتوهم أن الجناية الثانية إنما تنجم على العاقلة بعد وفائهم الأولى.
وَتَجِبُ فِي الْجَنِينِ ذَكَراً أَوْ أُنْثَى عَمْداً أَوْ خَطَأً إِذَا كَانَ حُرّاً مُسْلِماً - حُرّاً كَانَ أَبُوهُ أَوْ عَبْداً-فِي مَالِ الْجَانِي غُرَّةٌ ...
قد تقدم الحديث المقتضي لذلك، ثم لا فرق في الجنين بين أن يكون ذكراً أو أنثى ولا أن يكون بفعل عمد أو خطأ بشرط أن يكون حرّاً، إما أن تكون أمه حملت به وهي حرة، وإما أن تكون أمهُ لأبيه، وبشرط أن يكون محكوماً له بالإسلام. وسيأتي الكلام على الجنين المحكوم له بالرق والكفر.
وقوله: (فِي مَالِ الْجَانِي) متعلق بـ (تَجِبُ)، وهذا مذهب المدونة، وروى أبو الفرج أن العاقلة تحملها؛ لأنها دية شخص قائم بنفسه، والأول مقيد بألا تكون دية الجاني، ففي
стр. 4285
المدونة: وإن ضرب مجوسي أو مجوسية بطن مسلمة خطأ فألقت جنيناً ميتاً حملته عاقلة الضارب، والتخويف حتى تسقط موجب الغرة كالضرب بشرط أن يثبت التخويف أنه أمر يخاف منه وأن يشهد الشهود أنها لزمت الفراش منذ تخوفت إلى أن يسقط، وشهد النساء على السقط.
وَهُوَ مَا تُلْقِيهِ الْمَرْأَةُ مِمَّا يُعْرَفُ أَنَّهُ وَلَدٌ مُضْغَةً كَانَ أَوْ غَيْرَهَا
هذا الباب وما تكون به أم الولد وما تحل به المعتدة واحد، وقد تقدم خلاف ابن القاسم في الدم المجتمع الذي لا يذاب بالماء الساخن، وقد يقال: كلام المصنف هنا يوهم قصر الحكم على المضغة فما بعدها إلا أن يقال: غيرها يعم.
وَفِي جَنِينِ الذَّمِّيِّ نِصْفُهَا
أضاف الجنين للذمي لأنه تابع لأبيه، (نِصْفُهَا) أي نصف دية جنين المسل، ومراده بالذمي الكتابي؛ لأن المجوسي لا تبلغ ديته النصف لأن دية الجنين إما عشر دية أمه أو نصف عشر دية أبيه، فدية جنين المجوسي أربعون درهماً.
وَفِي جَنِينِ الرَّقِيقِ عُشْرُ قِيمَةِ الأُمِّ، وَقِيلَ: مَا نَقَصَهَا
الأصل مذهب المدونة، ولا التفات إلى حرية أبيه لأنه تابع لأمه في الرق، والقول الثاني لابن وهب، ومنشأ الخلاف هل قيمة الأمة كدية الحرة، والأمة مال فكانت كسائر البهائم فإنه ليس فيها إلا ما نقص، ولو تزوج نصراني مجوسية أو بالعكس ففي جنينها قولان: هل على حكم أبيه أو حكم أمه؟ والأول أصح، وكذلك اختلف في العبد المسلم يكون زوج الكتابية، فقال ابن القاسم: تجب في ولده غرة؛ لأن ولدها حر من قبل أمه ومسلم من قبل أبيه، وقال أشهب: فيه عشر دية أمه.
стр. 4286
وَالْغرَّةُ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ مِنَ الْحُمْرِ عَلَى الأَحْسَنِ أَوْ مِنْ وَسَطِ السُّودَانِ
(الْحُمْرِ) هم البيض، قال ﷺ : "بعثت إلى الأحمر والأسود".
وقوله: (عَلَى الأَحْسَنِ) أي الأفضل، وليس المراد على القول الأحسن وإنما استحب الحمر؛ لأنه اختلف: هل للفظ الغرة زيادة على الرقبة بحسب اللغة؟ فقيل: لا زيادة، ولهذا فسرها الباجي بالأسنان وغيره بالسمت، وبعض الشيوخ برقيق الخدمة [٧١٦/ب] لا عليه، وقيل: بل هي مأخوذة من غرة الفرس فلابد عنده أن تكون من البيض، وإلى ذلك ذهب ابن عبد البر، وقيل: هي مأخوذة من الغرة بمعنى الخيار والأحسن؛ لأن الغرة عند العرب أحسن ما يملك، فلهذا الاختلاف استحب مالك الحمر ولم يوجبه، قال في المدونة: وإن قل الحمر بتلك البلد فلتؤخذ من السودان، قال في المجموعة: من وسط السودان.
ابن عبد السلام: ولم أرَ لأصحابنا في سن الغرة حداً، وقال الشافعي: أقله سبع سنين.
وَمَهْمَا بَذَلَ خَمْسِينَ دِينَاراً أَوْ سِتُّمَائَةِ دِرْهَمٍ أَوْ غُرَّةٌ تُسَاوِي أَحَدَهُمَا وَجَب الْقَبُولُ، وَإِلا لَمْ يَجِبْ إِلا أَنْ يَتَرَاضَوْا ...
ظاهره تخيير الجاني وهو موافق لقول اللخمي الذي يقتضيه قول مالك وابن القاسم وأشهب أن الجاني بالخيار، يريد أن يغرم الغرة أو يأتي بعشر دية الأم من كسبهم، إما ذهب أو ورق، وظاهر المدونة خلافه؛ لأن فيها بعد نصه أن ذلك غرة عبد أو وليدة، والقيمة في ذلك خمسون ديناراً أو ستمائة درهم، وليست القيمة بستة مجمع عليها، وإنما أرى ذلك حسناً فإذا بذل الجاني عبداً أو وليدة أجبر على أخذه إن شاء، وأما بذل خمسين ديناراً أو ستمائة درهم، وإن ساوى أقل من ذلك، لم يجبروا على أخذه إلا أن يشاءوا، فلم ينص على الجبر إلا في الوليدة، ولذلك قال أبو عمران: انظر إن أتى الجاني بخمسين ديناراً أوستمائة
стр. 4287
درهم هل يجبرون على أخذها، وهل تجوز أو يواطئه عليها أو يؤخره لها أو يكون ذلك ديناً بدين كما هو في قتل الخطأ إن راضوه على غير العين مؤجلاً؟ واستشكل اللخمي اشتراط أن تكون الغرة تساوي هذا القدر، قال: لأن المذكور فيالحديث الغرة، ولم تعتبر القيمة، وأثمان العبيد تختلف في البلدان، فلو وجبت الغرة بموضع لا يساوي ذلك لم يلزم بأكثر.
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا تُؤْخَذُ الإِبِلُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِهَا خَمْسَ فَرَائِضَ
قال في المدونة: لأنه قد قضى النبي ﷺ بالغرة والناس يومئذ أهل إبل، وإنما تقويمها بالعين مستحسن، واختار محمد وغيره قول أشهب، وحسَّن محمد الخمس بأن تكون بنت مخاض وبنت لبون وابن لبون ذكر وحقة وجذعة، وقاله ربيعة، ونقل ابن شعبان والباجي عن أشهب هذا التفسير أيضاً.
أصبغ: ولا أحسب ابن القاسم إلا قال بالإبل، ورواه عنه ابوزيد، واعترض ابن المواز حجة ابن القاسم بأن الحديث ليس فيه إبل؛ لأنه قد وافق على الورق والذهب.
وَغُرَّةُ الْجَنِينِ مُشْتَرَطَةٌ بانْفِصَالِهِ مَيِّتاً قَبْلَ مَوْتِ أُمِّهِ عَلَى الْمَشْهُورِ
اتفق على وجوب الغرة إذا انفصل في حياة أمه، واختلف إذا انفصل بعد موتها فالمشهور لا غرة فيه كعضو من الميتة، والثاني: لأشهب في الموازية.
فَإِنِ انْفَصَلَ بَعْضُهُ فِي حَيَاتِهَا فَقَوْلانِ
هو فرع على المشهور؛ أي إذا اشترط خروجه في حياتها فهل يقوم مقامه خروج بعضه، والقولان ذكرهما ابن شعبان.
ابن راشد: والظاهر منق ول مالك أنه لا شيء فيه، وفي بعض النسخ: فإن انفصل بعد موتها أو بعضها في حياتها قولان، والنسخة الأولى أصوب لما يلزم على هذه من التكرار.
стр. 4288
فَإِنِ انْفَصَلَ حَيّاً مُطْلَقاً وَالْجِنَايَةُ خَطَأً وَتَرَاخَى الْمَوْتُ فَالدِّيَةُ بقَسَامَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَتَرَاخَ فَفِي الْقَسَامَةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ...
يعني: فإن انفصل الجنين حيّاً قبل موت أمه أو بعده، وهو مراده بـ (مُطْلَقاً) فإن تراخَ موته فالدية بقسامة لاحتمال أن يكون مات من غير ضربة، وإن لم يتراخَ الموت فقال ابن القاسم: لابد من القسامة أيضاً، وقال أشهب: لا يحتاج إلى القسامة، واستحسنه اللخمي، قال: لأن محله إذا مات بالحضرة أن ذلك عن الضربة كغير الجنين، والفرق لابن القاسم أن هذا المولود لضعفه يخشى عليها الموت بأدنى الأسباب، ولو قال المصنف عوض قوله: (حَيّاً) (واستهل) لكان أحسن، فقال ابن المواز: لو خرج حيّاً ولم يستهل حتى قتله رجل لا قود فيه وإنما فيه الغرة، وعلى قاتله الأدب، قال: وقال بعض العلماء: فيه دية كاملة.
فرع:
وإذا اشترطنا القسامة فأبى الأولياء عنها فحكى صاحب النكت عن بعض شيوخه أن لهم الغرة كمن قطعت يده ثم تراخىفمات، فأبوا أن يقسموا فإن لهم دية اليد. عبد الحق: وهو عندي غير مستقيم بل ليس لهم الغرة لأن الجنين لما استهل صارخاً صار من جملة الأحياء، وزالت ديته عن الغرة.
وَإِنْ كَانَتْ عَمْداً فَكَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ؛ إِنْ تَعَمَّدَ هَذَا الْجَنِينَ بضَرْبِ بَطْنٍ أَوْ ظَهْرٍ فَالْقَوَدُ بِقَسَامَةٍ ...
يعني: وإن كانت الجناية عمداً، والإشارة بذلك إلى تراخي موته وعدم تراخيه، والأول هو قول أشهب وقول ابن القاسم الذي جعله شاذاً هو مذهب المدونة والمجموعة، وألحق ابن شاس ضرب الرأس بالظهر والبطن بخلاف الرجل وشبهها، ونص ابن أبي زيد في مختصره على أن ضربها في الرأٍ كالرجل في نفي القصاص
стр. 4289
[٧١٧/أ] ووجوب الدية في مال الجاني، وصرح الباجي بالمشهور كالمصنف فقالا: المشهور قول مالك أنه لا قود فيه وإن كان الضرب عمداً.
وَإِذَا تَعَدَّدَ الْجَنِينُ تَعَدَّدَ الوَاجِبُ مِنْ غُرَّةٍ أو دِيَةٍ
يعني: عن غرة إن لم يستهل، ودية إن استهل.
وَالدِّيَةُ مُطْلَقاً تُورَثُ كَمَالِ الْمَيِّتِ
(مُطْلَقاً) سواء كانت عن عمد أو عن خطأ، وقد قضى عمر ﵁ بتوريث المرأة من دية زوجها لما روي له عن النبي ﷺ ، وهذه المسألة لا تناسب الجنين، وكأنه أراد التوصل إلى الكلام على دية الجنين، ولهذا قال:
وَغُرَّةُ الْجَنِينِ وَدِيَتُهُ كَذَلِكَ
يعني: أنهما موروثان على فرائض الله، وروي عن مالك أنها للأبوين فقط على الثلث والثلثين، فإن لم يكن إلا أحدهما فجميعها له، وهو قول ابن هرمز، ثم رجع مالك إلى الأول، وهو قول ابن شهاب، وقال ربيعة: هي للأم خاصة؛ لأنها ثمن عن عضو منها، اللخمي: وهو أحد قولين ابن القاسم، وانظر قول مالك وابن هرمز: فإن لم يكن إلا أحدهما فهي له، فكيف يتصور أن ينفرد الأب؟ ّ
عبد الحق: وإنما يتصور إذا خرج الجنين بعد موتها على القول الذي يقول: إن فيه الغرة، وأما على قول ابن القاسم في الكتاب فلا.
وَلِِذَلكَ لَوِ اسْتَهَلَّ صَارِخاً بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ وَرِثَهَا وَوَرِثَ مَا أَلْقَتْهُ مَيَّتاً قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ
أي: ولكون الدية تورث عنه، (لَوِ اسْتَهَلَّ صَارِخاً بَعْدَ مَوْتِ أُمِّهِ) يريد: ثم مات ورثها، يريد لأنه حي بعد موروثه، (ووَرِثَ مَا أَلْقَتْهُ َمَيِّتاً) قبل موتها، وسواء ألقته قبل موت المستهل أو بعده، ولا إشكال إن ألقته بعده، وكذلك إذا ألقته قبله لأن الجنين يرث.
стр. 4290
وَإِنِ انْفَصَلَ مِنْهَا مَيِّتاً بَعْدَ مَوْتِهَا فَكَالْعَدَمِ
أي: لا يرث لعدم حياته ولا يورث؛ إذ لا غرة على لمشهور.
الكَفَّارَةُ وَاجِبَةً عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ إِذَا قَتَلَ حُرّاً مُؤْمِناً مَعْصُوماً خَطَأً
هذا هو الموجب الثالث من موجبات الجراح، ودليله قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِناً إِلاَّ خَطَئاً) [النساء: ٩٢] الآية، وقوله: (عَلَى الْحُرِّ) احترازاص من العبد؛ لأن الله تعالى قال: (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ)، والعبد لا يصح له ذلك إذ لا ولاء له، واحترز بـ (الْمُسْلِمِ) من الكافر فلا تجب عليه؛ إما لأنه غير مخاطب، وإما لعدم أهليته للقربة، وقوله: (إِذَا قَتَلَ ... إلخ)، ذكر للمقتول أربعة شروط:
أولها: الحرية فلا تجب الكفارة في قتل العبد، نعم تستحب كما سيأتي، وظاهر الآية أن فيه الكفارة لأنه مؤمن، وهو ظاهر قول أشهب لقوله: فليعتق، نقله عنه ابن راشد.
ثانيها: الإيمان للآية. ثالثها: أن يكون معصوماً. رابعاً: أن يكون خطأً.
ابن عبد السلام: فإن قيل: لِمَ غير المصنف العبارة فذكر الإسلام في حق القاتل والإيمان في حق المقتول؟ قيل: الأصل في الأحكام التي بطلت ظهورها فيما بين الناس أن تكون معلقة على ظاهر مثلها، وهو ههنا الإسلام؛ لأنه ههنا وصف ظاهر، وكفارة القتل من هذا النوع، ولكن أتى المصنف بوصف الإيمان لأنه المطابق للآية، فإن قيل: فهل يظهر لذكر الإيمان في الآية بالنسبة إلى القاتل والمقتول معنى، قيل: نعم؛ لأن الإيمان مستلزم للمراقبة الحاملة على توقي أسباب القتل، وأدعى للتحرز من إذابة الممن لأخيه المؤمن بلسانه فكيف بيده فكيف بقتله؟!
стр. 4291
تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمَنَةٍ سَلِيمَةٍ مِنَ الْعَيُوبِ لَيْسَ فِيهَا شِرْكٌ وَلا عَقْدُ عِتْقِ كَرَقَبَةِ الظِّهَارِ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعِ انْتَظَرَ أَحَدَهُمَا ...
أي: هي تحرير، وقد تقدم الكلام على شروط الرقبة، ومن لم يجدها فعليه صيام شهرين متتابعين بنص الآية، وكلامه ظاهر.
وَتَجِبُ الْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الصَّبيِّ وَالْمَجْنُونِ
جعلوا الكفارة من باب خطاب الوضع؛ لأنها لما كانت عن النفس أشبهت عوض المتلفات، فإن كان لهذا دليل من إجماع أو غيره فيجب التسليم، وإلا فالظاهر سقوطها عنهما، وردها إلى خطاب التكليف.
وَفِي اسْتِحْبَابِهَا فِي الْجَنِينِ رِوَايَتَانِ
أي: وعدم استحبابها، والروايتان معاً في الموازية لأن فيها: أحب إلي أن يُكفِّر، ابن المواز: وقال أشهب: لا كفارة عليه وليست بنفس، وكأنه جرحها جرحاً، وفي المدونة: واستحسن مالك الكفارة في الجنين، قيل: وظاهر قول أشهب: لا كفارة فيه خلاف المدونة.
أبو الحسن: وقوله: استحسن؛ أي: استحب، ولم يرد الاستحسان الذي هو أحد الأدلة، وقول ابن عبد السلام: هذكا عبر غير واحد بلفظ الاستحباب، وعبارة الإمام فيه وفي الرقيق بالاستحسان في الحكم، والاستحسان مدركه ليس بظاهر.
وَتُسْتَحَبُّ فِي الرَّقِيقِ وَالذَّمِّيِّ وَالْعَمْدِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ وَقَاتِلِ مَنْ لا يُكَافِئُهُ كَالْمُسْلِمِ مَعَ الْكَافِرِ وَالْحُرِّ مَعَ الْعَبْدِ ...
أي: وتستحب في جميع هذه الأشياء، والمذهب كما ذكر استحبابها في العمد والشافعي يوجبها فيه، ويرى أنها إذا وجبت في الخطأ فوجوبها في العمد أولى، والخلاف كالخلاف في اليمين الغموس.
стр. 4292
وقوله: (وَقَاتِلِ مَنْ لا يُكَافِئُهُ) هذا محمول على العمد، والكلام الأول في الخطأ ولا يلزم التكرار؛ لأنه حينئذٍ لا يستفاد من قوله: (وَقَاتِلٍ مَنْ لا يُكَافِئُهُ ... إلخ) إلا ما استفيد من قوله: [٧١٧/ب] (وَتُسْتَحَبُّ فِي الرَّقِيقِ وَالذَّمِّيِّ)، وهذا إنام يأتي على تمشية ابن راشد وابن عبد السلام أن قوله: (وَقَاتِلِ مَنْ لا يُكَافِئُهُ) معطوف على (الرَّقِيقِ)، ويحتمل أن يكون (قَاتِلِ) مرفوعاً على الابتداء، (وَمَنْ عُفِيَ عَنْهُ) معطوف عليه، والخبر يضرب ويحبس، وكنا الأحسن على هذا أني قول: يضربان ويحبسان لكنه أفرده باعتبار المذكور، أو حذف خبر قاتل لدلالة خبر (عُفِيَ عَنْهُ)، وعلى هذا مشاه بعض من تكلم على هذا الموضع، وهو أقرب لعدم لزوم التكرار، ولأنه كذلك في ابن شاس، والأول أقرب إلى لفظه، ولا سيما وقع في بعض النسخ: (وقتل) على المصدر.
فرع:
اختلف الصحابة ومن بعدهم في قبول توبة القاتل وعدم قبولها.
ابن عبد السلام: واستحسان مالك الكفارة في قتل العمد مشعر بأن القاتل عنده في المشيئة، وإن كان له ما يدل على خلاف ذلك على ما نقله ابن رشد أنه لا يصلي خلفه وإن تاب.
وَمَنْ عُفِي يُضْرَبُ مَائَةً وَيُسْجَنُ سَنَةً، وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ رَقِيقاً عَلَى الأَشْهَرِ
لما فرغ من الموجب الثالث وهو الكفارةشرع في الموجب الرابع وهو التعزير، وأما الموجب الخامس وهو القيمة فإنما تجب في غير الحر، وقد تقدم ذلك، والأصل في ذلك ما رواه الدارقطني عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده: "أن رجلاً قتل عبده متعمداً فجلده النبي ﷺ مائة جلدة ونفاه سنة ومحا سهمه من المسلمين، ولم يقدْهُ به وأمره أن يعتق رقبة".
عبد الحق: في إسناده إسماعيل بن عياش وهو ضعيف في غير الشاميين، وهذا الإسناد حجازي، وأنكر غيره عليه هذه العلة هنا، وجعل أهل المذهب هذا الحديث أصلاً في
стр. 4293
قاتل النفس عمداً إذا تعذر منه القصاص لوجه ما، وهذا الاستناد حجازي، ومقابل الأشهر لأصبغ، قال: لا يحبس العبد ولا المرأة ولكن يجلدان، قال في الجواهر: وعلىهذا التعزير: في كل من قتل عمداً ولم يقتل كمن قتل من لا يكافئه كالمسلم يقتل الكافر وكالحر يقتل العبد، وفيمن عفي عنه في العمد. انتهى. ولا فرق في العبد بين عبده وغيره، نص عليه ابن القاسم وغيره.
وَكَذَلِكَ مَنْ أُقْسِمَ عَلَيْهِمْ فَقُتِلَ أَحَدُهُمْ
أي: وكمن عفي عنه في الضرب والسجن، وظاهر قوله: (أُقْسِمَ عَلَيْهِمْ) أن الأولياء يقسمونعلى الميع ثم يقتلون واحداً، وهذا خلاف المشهور، فإن المشهور أنهم يعينون أحداً بالقسامة كما سيأتي.
ولو كان العفو قبل القسامة قبل أن يحقق الولي الدم كشف الحاكم عن ذلك، فما كان يحق فيه الدم بالقسامة أو بالبينة جلد مائة وحبس عاماً، وما لا يوجب ذلك لا يكون ضرب ولا سجن؛ لأنه حق لله تعالى فلا يسقطه الأولياء ولو وجب للأولياء القسامة فنكلوا عنها فحلف المدعي عليهم وبرءوا، قال محمد: على المدعي عليه الجلد والسجن، ولم يخالف فيه إلا ابن عبد الحكم فإنه قال: إذا نكلوا فلا سجن ولا جلد، وجمهورهم على هذا الحكم في كل مقتول ولو كان مجوسياً، وروى ابن حبيب عن مالك واختاره: إنما ذلك في المسلم عبداً كان أو حرّاً وأما غير المسلم فإنه يجب به الأدب المؤلم، واختلف في الألطخ فأوجب أشهب فيه ضرب مائة وسجن سنة، وفي الواضحة عن مالك: إذا وقعت التهمة على أحد ولم يتحقق ما تجب به القسامة ولا قتل فإن ذلك لا يجب به جلد ولا سجن سنة، ولكن يطال سجنه السنين الكثيرة.
стр. 4294
فرع:
وهل يبدأ بالجلد قال أشهب: إن شاء بدأ بالجلد أو السجن، وظاهر قول ابن القاسم في العتبية الابتداء بالجلد لقوله: يؤتنف حبس سنة من يوم جلد، ولا يحتسب لما مضى، قال ابن القاسم: يكون أول عام الحبس من يوم الجلد، وحمل الباجي ذلك على الخلاف، عبد الملك: ويعتد ما دام اللاطخ الذي سجن فيه، فإذا لزمه جلد مائة ووجه عليه الحكم أزيل عنه الحديد وسجن سنة.
الْقَسَامَة: سَبَبُهَا قَتْلُ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ فِي مَحَلِّ اللِّوْثِ، فَلا قَسَامَةَ فِي الأَطْرَافِ ولا فِي الْجِرَاحِ ولا فِي الْعَبيدِ والْكُفَّارِ ...
وقال في "المشارق": القسامة طرح يد الأيمان بين الحالفين.
أشهب: القسامة سنة لا رأي لأحد، وكانت في الجاهلية فأقرها ﵊، والأصل فيه ما رواه مالك ومسلم والترمذي وصححه أن عن عبد الله بن سهل ومحيصة خرجا إلى خيبر من جهد أصابهم، فأتى محيصة فأخبر أن عبد الله بن سهل، قد قتل وطرح في قفير بئر أوعين، فأتى يهودي فقال: والله أنتم قتلتموه، فقالوا: والله ما قتلناه، فأقبل حتى قدم على قومه فذكر لهم ذلك، ثم قدم هو وأخوه حويصة وهو أكبر منه وعبد الرحمن، فذهب محيصة ليتكلم وهو الذي كان بخيبر، فقال له رسول الله ﷺ : "كبر كبر" يريد السن، فتكلم حويصة، ثم تكلم محيصة، فقال رسول الله عليه وسلم: "إما أن تودوا صاحبكم وإما أن يؤذنوا بحرب" فكتب إليهم رسول الله ﷺ في ذلك، فكتبوا: إنا والله ما قتلناه، فقال رسول الله ﷺ لحويصة ومحيصة وعبد الرحمن "تحلفون وتستحقون دم صاحبكم"، فقالوا: لا، فقال: "تحلف لكم يهود" فقالوا: ليسوا بمسلمين، [٧١٨/أ] فواده رسول الله ﷺ من عنده،
стр. 4295
فبعث إليهم بمائة ناقة. هذا لفظ الموطأ. وفي رواية: أيقسم خمسون منكم على رجل منهم فيدفع برمته؟، فقالوا أمر لم نشهده فكيف نحلف؟!
وقوله: (سَبَبُهَا)، جعل السبب مركباً من أربعة أجزاء، فاحترز بالقتل من الجراح، وبالحر من العبد، وبالمسلم من الكافر، وبمحل الموت مما لو قتل لا في محله، واشترط هذه الأجزاء لأن الحديث إنما ورد فيها.
وَاللَّوْثُ مَا يَدَلُّ عَلَى قَتْلِ الْقَاتِلِ بأَمْرٍ بَيِّنٍ مَا لَمْ يَكُنِ الإِقْرَارُ، أَوْ كَمَالُ الْبَيِّنَةِ فِيهِ أَوْ فِي نَفْيهِ ...
لما ذكر أن القسامة تكون في محل اللَّوث أخذ يبينه، وحاصله أن اللَّوث أمر ينشأ عنه غلبة الظن بصدق المدعي، ولما كان ما يدل على ثبوت الشيء إقرار المدعي عليه وقيام البينة عليه وهما أبين الدلالات احتاج إلى استثنائهما، فإن كل واحد منهما مستقل في إثبات الحكم بدون القسامة.
وقوله: (كَمَالُ الْبَيِّنَةِ) أي: في العدد والعدالة.
وقوله: (أَوْ فِي نَفْيِهِ)، فيعني أن تقوم البينة بنفي ما دل عليه اللوث، كما لو شهد شاهدان بأن زيداص قتل عمراً، وقال عند موته: قتلني بكراً، واعترض بأن البينة إذا قامت بخلاف ما دل عليه اللوث لم يكن دلالة اللوث بينة، إلا أن يقال إن القسامة لما خرجت عن الأصل قد يتهم فيها أن المعارض لا يعتبر.
كَقَوْلِ الْمَقْتُولِ بَالِغاً حُرَّاً مُسْلِماً- عَدْلاً أَوْ مَسْخُوطاً، رَجُلاً أَوِ امْرَأَةً- قَتَلَنِي فُلانٌ - الْبَالِغُ أَوِ الصَّغِيرُ حُرَّاً أَوْ عَبْداً مُسْلِماً أَوْ ذِمِّيّاً ذَكَراً أَوْ أُنْثَى وَرِعاً أَوْ مَسْخُوطاً- عَمْداً ...
هذا شروع من المصنف في بيان أمثلته وهي أربعة:
стр. 4296
الأول: قول المقتول: دمي عند فلان بشرط أن يكون بالغاً حراً مسلماً، فاحترز بالبالغ من الصبي، والمشهور أن المراهق كالصبي، واحترز بالحر من العبد ونص المذهب نفي القسامة فيه، وإن أقام سيده شاهداً واحداً حلف يميناً واحدة واستحق قيمته، أشهب: ويجلد مائة ويحبس سنة، وإن قال دمي عند فلان، حلف المدعى عليه خمسين يميناً وبرئ، وإن نكل حلف السيد يميناً واحدة واستحق القيمة مع الضرب مائة والسجن سنة، وقال ابن القاسم: يحلف المدعى عليه يميناً واحدة ولاقيمة عليه ولا ضرب ولا سجن، فإن نكل ضرب وسجن وغرم القيمة، وروى أشهب عن مالك مثل قوله إلا ان مالكاً قال: إذا حلف المدعى عليه الأيمان لم يضرب ولم يسجن، وقال أصبغ: يحلف المدعى عليه خمسين يميناً فإن حلف برئ وإن نكل لم يلزمه شيء لا قيمة ولا ضرباً ولا سجناً إلا أن يسجن استبراء، ولابن الماجشون قولان: أحدهما كقول أصبغ هذا إلا أنه قال: ويضرب أدباً ولا يضرب مائة ويسجن سنة إلا من يملك سفك دمه بقسامة أو غيرها، والقول الثاني أنه يضرب مائة ويسجن سنة في قتل المسلم حراً كان أو عبداً، واحترز بالمسلم من الكافر، وحكى ابن زرقون إذا قال المدعي دمي عند فلان المسلم أو أقام أولاً شاهداً أربعة أقوال: ابن القاسم: يحلفون يميناً واحدة ويستحقون الدية، وقال مالكوأشهب وابن عبد الحكم: يحلف المدعى عليه خمسين يميناً ويبرأ، وفي الموازية لابن القاسم: إن لم يكن إلا قوله: دمي فلا قسامة، وإن قام لولاية شاهد بالقتل حلف ولاته يميناً وأخذ الدية وضرب مائة وسجن عاماً، وعن المغيرة أن ولاته يقسمون خمسين يميناً ويستحقون ديته ولو شهد شاهدان على الجرح فبرئ فمات، فإن ولاته يحلفون يميناً واحدة ويستحقون ديته، فإن نكل وليه لمي كن له إلا عقل الجرح إن كان مما فيه عقل، ورواه أصبغ عن ابن القاسم في الواضحة وذكر أنه قول مالك، ولم يوافق المالكية على التدمية إلا الليث، وروى الجمهور أن قبولها يشتمل على قبول قولالمدعي من غير بينة، وقد علم أن الدماء عظيمة
стр. 4297
أعظم من الأموال، وهو لو قال عند موته: لي عند فلان كذا لم يقبل، وفي الصحيحين من حديث ابن عباس ﵄ عنه ﵊: "لو يعطي الناس بدعواهم لادعى الناس دماء رجال وأموالهم، ولكن اليمين على المدعى عليه"، ورأى علماؤنا أن هذه الدعوى لا تشابه دعوى المال ولا غيره، لأن هذا أًل قائم بنفسه، ومن تحقق مصيره إلى الآخرة وأشرف على الموت فلا يتهم في إراقة دم مسلم ظلماً، وغلبة الظن في هذا تتنزل منزلة غلبة الظن في الشاهد، وكيف لا والغالب من أحوال الناس عند الموت التوبة والاستغفار والندم على التفريط ورد المظالم، فكيف يتزود من دنياه بقتل النفس، هذا خلاف الظاهر وغير المعتاد، واحتج علماؤنا أياضً ببقرة بني إسرائيل، واعترض عليهم بأن ذلك شرع من قبلنا، أو بأنها معجزة لموسى ﷺ ، وقتيل بني إسرائيل لم يقسم عليه أحد بيمين واحدة ولا خمسين [٧١٨/ب] وأجيب بأن المختار أن شريعة من قبلنا شرع لنا ما لم ينسخ، وعن الثاني أن المعجزة إنما هي في إحيائه لا في قبول قول، ولم يحتج في قصة بني إسرائيل لليمين لتيقن الصدق وفيه بحث لا يخفى.
وقوله: (حُرَّاً أَوْ عَبْداً) يعني: أنه لا فرق في المدعى عليه بين أن يكون حراً أو عبداً صبياً أو بالغاً رجلاً أو امرأة عدلاً أو مسخوطاً وهذا هو المشهور، ولو كان المدعى عليه القتل أورع من في زمانه قاله في المدونة، وقال ابن عبد الحكم: لا يقبل قول المسخوط على العدل لبعد دعواه، وظاهر المذهب قبول تدمية المرأة على زوجها، وقال ابن مزين لا يقبل قولها على زوجها؛ لأنه أذن له في ضربها، وقد يتصل بالموت، وظاهر قول المصنف قتلني، أنه لا فرق بين أن يكون فيه جرح أو لا، قيل وهو ظاهر المدونة ورواه ابن وهب عن مالك وقاله أصبغ، وعن ابن القاسم: لاتقبل إلا مع الجرح، المتيطي: ويقول ابن القاسم العمل والحكم، زاد صاحب البيان ثالثاً بالقبول في الشاهد دون التدمية بقوله: وعلى قبول قوله فلا يسجن المدعي عليه ما دام المدعي حياً، لأنه يتهم أن يكون أراد سجنه
стр. 4298
بدعواه بخلاف ما إذا ادعى ذلك بجرح ظاهر، وهل يثبت قول المدعي بشاهد واحد في ذلك قولان والأصح عدم القبول.
وَكَذَلِكَ خَطَأً عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: وكذلك يقسم الأولياء إذا قال: قتلني فلان خطأٌ، وطرداً للقاعدة، والشاذ أيضاً مروي عن مالك لأنها دعوى في مال.
فَلَوْ قَالَ الْوَرَثَةُ خِلافَ قَوْلِ الْمَيِّتِ فَلا قَسَامَةَ
إذا قال الميت قتلني فلان عمداً، وقال الورثة بل خطأً أو العكس فلا قسامة، لأنه إذا ادعى العمد فقد أبرأ العاقلة وهم قد أبرؤوا القاتل.
وَفِي قَبُولِ رُجُوعِهِمْ إِلَيْهِ قَوْلانِ
الصحيح عدم القبول لأنهم أكذبوا أنسهم وقد تعلق لخصمهم الحق بقولهم أولاً وهو قول أشهب، والقول الآخر لابن القاسم في المجموعة لقوله: إذا ادعوا خلافه فلسي لهم أن يقسموا إلا على قوله.
فَلَوْ قَالَ: قَتَلَنِي وَلَمْ يُبَيِّنْ فَلِلأَوْلِيَاءِ تَبْيِينُهُ
أي: من عمد أو خطأ ويقسمون عليه، فإن أقسموا على العمد قتلوا وإن أقسموا على الخطأ أخذوا الدية وهذا مذهب المدونة، ابن عبد السلام: وهذا هو المشهور، ووقف ابن القاسم في الموازية في العمد وقال: أحب إلي ألا يقسموا إلا على الخطأ، وقال في موضع آخر يكشف عن حاله وعن جراحاته وعن موضعه وعن حال القاتل وعن الحال التي كانت بينهما من العداوة وغيرها فيستدل بذلك حتى يظهر سبب يقسمون عليه حينئذ ويقتلون، فإن لم يظهر من ذلك عمد ولا خطأ لم يقبل قول الأولياء في عمد ولا خطأ
стр. 4299
كقول المقتول، لأن السنة إنما جاءت في قول المقتول، واستحسنه اللخمي على أن في عد هذا والذي قبله خلاف نظر، ولهذا نقل ابن راشد فيها الاتفاق على ما ذكره المصنف.
فَإِنِ اخْتَلَفُوا فِيهِمَا حَلَفَ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى مَا ادَّعَى وَوَجَبَتْ دِيَةُ الْخَطَأِ لِلْجَمِيعِ
أي: إذا مات ولم يبين واختلف الورثة، فقال بعضهم: عمداً وقال بعضهم: خطأً، ففي المدونة: إن حلفوا كلهم استحقوا دية الخطأ بينهم أجمعون ولا سبيل إلى القتل، وقال أشهب في الموازية: بل لمن أقسم على الخطأ نصيبهم من الدية على العاقلة، ولمن أقسم على العمد نصيبه من القاتل.
اللخمي: وهو أحسن، ولا شيء لمدعي العمد على العاقلة، وينبغي أن يكون نصيبهم من الدية على العاقلة بمنزلة ما لو قال بعضهم خطأً ونكل بعضهم، قيل له فإن رجع الذين قالوا عمداً إلى دية الخطأ، قال مالك: ذلك لهم، وأباه أشهب.
ابن رشد: والقياس أن يبطل الدم ولا قسامة؛ لأن العاقلة تنازع مدعي الخطأ بأن الميت لم يقله، والقاتل ينازع مدعي الدم لأن الميت أيضاً لم يقله.
اللخمي: وهذا إذا استوت منازلهم فكانوا بنين أو إخوة أو أعماماً، واختلف إذا اختلفت منزلتهم، ففي الموازية: إذا اختلفت ابنة وعصبة فقال: عصبته عمداً أو ابنته خطأً، أن دمه هدر ولا قسامة ولا قود ولا دية؛ لأنه إن كان عمداً فذلك للعصبة ولم يثبت لهم ذلك الميت، وإن كان خطأ ففيه الدية ولم يَثْبِت أنه خطأ، ويقسم المدعي عليه ما قتله عمداً أو يحزر دمه، قال محمد: إن ادعى العصبة كلهم أنه عمد فلينظر إلى قول ورثته من النساء لأنه لا عفو للنساء مع الرجال وإن قال العصبة كلهم خطأ، وقال النساء عمداً أقسم العصبة خمسين يميناً وكان لهم نصيبهم من الدية انتهى.
стр. 4300
فَلَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: عَمْداً، وَالْبَاقُونَ: لا نَعْلَمُ بقَتْلِهِ، أَوْ نَكَلُوا-فَلا قَسَامَةً، بخِلافِ مَا لَوْ قَالَ بَعْضُهُمْ: خَطَأً-حَلَفُوا وَأَخَذُوا أَنْصِبَاءَهُمْ مِنَ الدِّيَةِ ...
إذا قال بعضهم قتله عمداً، قوال بعضهم لا نعلم حال القتل من عمد أو خطأ، أو قال جميعهم عمداً ونكلوا أو بعضهم فلا قسامة ويبطل الدم وهذا مذهب المدونة، وفي العتبية لابن القاسم ان لمن قال عمداً أن يحلفوه ويستحقوا نصيبهم من الدية، وجعل ذلك بمنزلة عفو بعضهم بعد ثبوت الدم واختاره [٧١٩/أ] اللخمي.
قوله: (بخِلافِ ... إلخ) أي: قال بعضهم خطأً ونكل الباقون أو قالوا لا علم لنا، وحذف ذلك لدلالة ما قبله، حلفوا أي مدعو الخطأ وأخذوا نصيبهم من الدية، ولا شيء للناكلين أو غير العالمين؛ لأن دعوى الخطأ مال، فلا يبطل حق بعضهم بنكول بعض، وقال الأبهري: القياس ألا يمكنوا من الحلف ويلزموا لو غاب بعض الورثة في قتل الخطأ، فإن المذهب أن من حضر يحلف خمسين يميناً ويأخذ نصيبه من الدية ولو كان زوجاً.
فَإِنْ نَكَلَ مُدَّعُو الْخَطَأِ فَلا قَسَامَةَ لِمُدَّعِي الْعَمْدِ وَلا دِيَةَ
يعني: إذا قال المقتول قتلني فلان ولمي بين، فقال بعضهم عمداً وبعضهم خطأً ثم نكل مدعو الخطأ فلا قسامة لمدعي العمد ولا دية، لأن الدية إنما وجبت لهم إذا حلف مدعو الخطأ بالتبعية؛ لأنهم إنما يدعون الدم، ابن عبد السلام: وهذا يظهر على مذهب ابن القاسم فيما إذا لم ينكلوا لأنه غلب هناك دية الخطأ، وأما على قول أشهب إن نكل واحد من المدعين يأخذ نصيبه على ما ادعاه من عمد أو خطأ بلا تبعية فينبغي أن يقسم مدعو الدم ويأخذوا نصيبه من الدية.
стр. 4301
وَفِي قَتْلِ الأَبِ بالْقَسَامَةِ- إِنْ قَالَ أَضْجَعَنِي وَذَبَحَنِي أَوْ بَقَرَ بَطْنِي-قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، وَإِلا فَالدِّيَةُ ...
يعني: إن قال الابن قتلني أي على صفة يجب معها القصاص، فقال ابن القاسم: يفسخ أولياؤه ويقتلون الأب، وقال أشهب: لا قسامة هنا، والأول أحسن لو ذكر هذا فرعاً على قول ابن القاسم، فيقال وكذلك لو قال الابن أضجعني أبي وذبحني، ولا يتعرض لمذهب أشهب، لأن المصنف قد تقدم عنه أن الأب لا يقتل بابنه بحال ولو مع الإقرار.
وقوله: (وَإِلا فَالدِّيَةً) أي: وإن لم يصف الابن القتل بالصفة التي توجب القتل فلا يقتل الأب، هذا أعم من أن يقول قتلني خطأ أو عمداً، ولا يذكر الصفة ولا يذكر الصفة (وأل) في الدية للعهد، فتجب دية الخطأ في دعوى الخطأ، ودية العمد المغلظة في دعواه العمد، وهكذا نص عليه ابن القاسم.
وَكَثُبُوتِ الْجِرَاحِ أَوِ الضَّرْبِ أَوِ الْقَطْعِ مُطْلَقاً، وَالإِقْرَارِ بذَلِكَ عَمْداً بشَاهِدَيْنِ أَوْ بشَاهِدٍ ثُمَّ يَمُوتُ بَعْدَ أَيَّامٍ، وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ يُقْسِمُ: لَمِنْ ضَرْبِهِ مَاتَ ...
هذا هو المثال الثاني للوث، فإذا ثبت الجرح أو الضرب أوالقطع بشاهدين كان ذلك عمداً أو خطأً، وهو مراده بالإطلاق فلأوليائه أن يقسموا ويقتلوا في العمد ويأخذوا مال الدية في الخطأ، ولهم أن يدعوا القسامةويقتصوا من الجراح في العمد ويأخذوا ديته في الخطأ.
وقوله: (وَالإقْرَارِ) أي: إقرار المقتول بأن يقول جرحني عمداً.
وقوله: (بشَاهِدَيْنِ) راجع إلى الجميع؛ أي: إلى الجرح والضرب والإقرار بذلك عمداً، ويحتمل أن يكون قوله: (بشَاهِدٍ أَوْ بشَاهِدَيْنِ) راجعاً إلى الإقرار به فقط، ويرجح هذا أن الثبوت لا يستعمل غالباً إلا مع شاهدين، ويرجح الأول أنه لو حمل على هذا لزم مخالفة المشهور، لأن مذهب المدونة أن الضرب إذا شهد به شاهد يقسم معه، قال فيها:
стр. 4302
وإن شهد شاهد أنه ضربه وعاش الرجل وتكلم وأكل وشرب ولم يسألوه أين دمك حتى مات ففيه القسامة، وقال ابن الماجشون وابن القاسم في رواية يحيى: لا تجب القسامة بالشاهد الواحد، وما ذكره المصنف من قبول الشاهد على إقرار المقتول عمداً نص عليه أشهب، ونقل عن ابن القاسم في العتبية والموازية أنه لا يقسم م شاهد على قول الميت.
وقوله: (وَلَوْ أَكَلَ وَشَرِبَ) مبالغة؛ أي: ولو أكل وشرب لَمِن ضربه مات، وهو ظاهر في الشاهدين، واما الشاهد الواحد فلابد أن يحلفوا يميناً واحدة ليثبت الضرب ويقسمون خمسين يميناً، لكن هل تفرد اليمين أو لا؟ ومجمع يمينين من الخمسين قد يجري على الحقوق المالية في الاستحقاق بشاهد واحد، هل يجمع بين فصل يصحح شهادة الشاهد وفصل الاستحقاق، أو يحلف لكل واحدة يميناً مستقلة؟ فانظر.
وَالإِقْرَارُ بذَلِكَ أَوْ بقَتْلِهِ خَطَأً بشَاهِدَيْنِ
يعني: وللأولياء أيضاً القسامة إذا أقر بالقتل خطأً بشاهدين، وحاصله أن الإقرار في الخطأ مخالف للإقرار في العمد، لأنه قدم أن الإقرار في العمد يطلب بشاهد، فإن قيل: فما الفرق، قيل: لأن قول الميت في الخطأ يجري عندهم مجرى الشهادة لأنه شاهد على العاقلة، والشاهد لا ينقل عنه إلا اثنان بخلاف العمد، فإن المقتول إنما يطلب بثبوت الحكم لنفسه وهو القصاص، فإن قيل: فلم لم يحمل الإقرار بذلك على إقرار القاتل، قيل لأنه لو حمل على ذلك لزم التكرار في كلامه لأنه سيقول، ولو شهد على إقراره بذلك شاهد واحد كان كالمقتول، والله أعلم.
وَفِيهَا فِي الْعَدْلَيْنِ يَخْتَلِفَانِ فِي صِفَةِ الْقَتْلِ: كُلُّ ذَلِكَ لا يُقْسِمُ عَلَيْهِ، وَقِيلَ: يُقْسِمُ عَلَى أَحَدِهِمَا ...
كما لو شهد أحدهما أنه قتله بالسيف والآخر بالحجر، فلا يقسم على شهادة هذا أو شهادة هذا لتعارض الشهادتين فتسقطان ولا يبقى إلا مجرد الدعوى، وهذه المسألة نص
стр. 4303
عليها في المدونة في الديات وفي كتاب القذف، ففي القذف وإن شهد عليه رجل أنه ذبح فلاناً، والثاني أنه أقر عندي أنه حرقه بالنار فالشهادة باطلة، والقول الثاني لسحنون، قال: هذا إذا ادعى شهادتهما جميعاً، وأما إن ادعى شهادة أحدهما أولاً ففيه القسامة.
فقوله: (يُقْسِمُ عَلَى أَحَدِهِمَا) [٧١٩/ب] مقيد بأن يقوم أحدهما أولاً، والشيخ أبو محمد صالح: وليس له أن يدعي أحدهما بعدما ادعاهما، وهو ظاهر لأن تركهم القيام بإحدى الشهادتين بصير الأخرى كالعدم.
ابن عبد السلام: واختلف قول سحنون في الشاهد يجرحه شاهدان بأمرين مختلفين كالزنى وشرب الخمر، هل تجمع عليه الشهادتان ويحكم بجرحته أم لا؟ ولا يبعد هنا مثل ذلك إذا ترك الأولياء خصوص الوصفين اللذين يشهد بهما الشاهدان وطلب القصاص بالسيف.
وَكَالْعَدْلِ فِي مُعَايَنَةِ الْقَتْلِ لا غَيْرِ الْعَدْلِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَكَذَلِكَ إِقْرَارُهُ عَمْداً، وَقِيلَ: وَالنَّفَرُ غَيْرُ جَائِزٍ فِي الشِّهَادَةِ وَالنِّسَاءُ وَالصِّبْيَانُ، وَقِيلَ: وَالْوَاحِدُ غَيْرُ الْعَدْلِ، وَقِيلَ: وَالْمَرْأَتَانِ، وَقِيلَ: وَالْمَرْأَةُ ...
هذا المثال الثالث من أمثلة اللوث، والمشهور مذهب المدونة أن غير العدل ليس بلوث.
وقوله: (وَكَذَلِكَ إِقْرَارُهُ عَمْداً) يعني: وكذلك لو قام شاهد واحد على إقرار القاتل فإنه لوث إن كان عدلاً وإن لم يكن عدلاً فليس بلوث، هذا مقتضى التشبيه، ولا خلاف أن الشاهد على القتل لوث إذا لم يكن القاتل قتل غيلة، واختلف في الغيلة، فروى ابن القاسم: لا يقسم مع شهادته، ولا يقتل في هذين إلا بشهادتين.
أبو محمد: ورأيت ليحيى بن عمر أنه يقسم معه، واختلف في شهادة الواحد على إقراره، فقال ابن القاسم في الموازية لا يكون الاشهدان على إقراره، وقال أشهب: يقسم الولاة مع الشاهد.
وقوله: (وَقِيلَ ... إلخ) تصوره ظاهر.
стр. 4304
وَكَالْعَدْلِ يَرَى الْمَقْتُولَ يَتَشَحَّطُ فِي دَمِهِ وَالْمُتَّهَمَ بقُرْبِهُ عَلَيْهِ آثَارُ الْقَتْلِ
هذا المثال الرابع من أمثلة اللوث، ويكون في المتهم الرفع على الابتداء والنصب بالعطف على المقتول من التلطيخ بالدم وشبهه، وحكى ابن سهل أن العمل جرى عندهم بأن هذا ليس بلوث، واشتراط المصنف هنا العدالة ظاهر ولم أرى من صرح بذلك، واختلف في القتيل يوجد بين الصفين وفيمن وجد في محلةقوم أو مسجدهم وسيأتي الكلام عليهما، وليس موت الرجل عندنا في المزاحمة لوثاً يوجب القسامة بل هدر، وخلافاً للشافعي في قوله: بل تجب فيه القسامة وتجب الدية.
وَفِي الْعَدْلِ بالْجُرْحِ أَوِ الضَّرْبِ أَوْ بِمُعَايَنَةِ الْقَتْلِ دُونَ ثُبُوتِ الْمَوْتِ لِلْقَتِيلِ قَوْلانِ
أي: في كون العدل يشهد بالجرح أو الضرب أو بمعاينة القتل دون ثبوت الموت بالقتيل قولان، والقول بنفي القسامة لمحمد، وقال أصبغ: ينبغي ألا يعجل السلطان فيه بالقسامة حتى يكشف فلعل سبباً أثبت من هذا، فإذا بولغ في الاستيناء قضى بالقسامة مع الشاهد بموته، وتعتد زوجته وأم ولده، الابجي: بعد القولين، وقد قيل: يقتل قاتله بالقسامة ولا يحكم بالتوريث في زوجته ورفيقه وهو ضعيف، ابن عبد السلام: والأصح أنه لابد من ثبوت الموت لاحتمال بقائه حيّاً.
وَأَمَّا الْعَبْدُ وَالصَّبيُّ وَالذِّمِّيُّ فَلَيْسَ بلَوْثٍ
نقل ابن المواز اتفاق مالك وأًحابه على ذلك، ونقل عبد الوهاب أن من أصحابنا من يجعل شهادة العبيد والصبيان لوثاً، فإن كان مراده الجميع فترجع إلى القول الذي قدمه المصنف بقوله: والنفر غير جائز في الشهادة، وإن كان مراده الأفراد فيكون خلافاً لكلام المصنف، ولهذا الاحتمال لم يذكر الشيخ خلافاً ولا وفاقاً.
стр. 4305
وَإِذَا انْفَرَدَ اللَّوْثُ فَلا بُدَّ مِنَ الْقَسَامَةِ كَمَا لَوْ شَهِدَ شَاهِدٌ عَلَى الْمَوْتِ، وَقَالَ الْمَقْتُولُ: قَتَلَنِي فُلانِّ ...
هكذا في المدونة ولا يعلم فيه خلافاً، ونبه المصنف بذلك على أن قول من يقول من أهل المذهب أن الموت كالشاهد ليس على حقيقته، فلذلك لا يليق ويحكم بالقتل دون قسامة.
وَإِذاَ انْفَصَلَتْ قَبيلَتَانِ عَنْ قَتْلَى لا يُدْرَى الْقَاتِلُ، فَرُوِيَ: الْعَقْلُ عَلَى كُلِّ فَرْقَةٍ لِلْمُصَابِ فِي الأُخْرَى، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمَا فَالْعَقْلُ عَلَيْهِمَا، وَرُوِيَ: الْقَسَامَةُ، وَرَجَعَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِلَى قَوْل مَالِكٍ فِيهِمْ: لا قَسَامَةَ وَلا قَوَدَ؛ يَعْنِي: بِمُجَرَّدِهِ، وَأَمَّا لَوْ ثَبَت لَوْثٌ فَالْقَسَامَةُ ...
الرواية الأولى مذهبه في الموطأ وعليه جماعة خارج المذهب وهي أظهر، لأن الغالب إن كان من طائفة منهما أن القاتل له من غير طائفته، وإن كان من غيرهما فيحتمل أن تقتله الطائفتان أو إحداهما ولا ترجيح، وعلى كل تقدير فتكون ديته عليهما لأنهما قد تظافرتا عليه.
وقوله: (عَلَى كُلِّ فِرْقَةٍ) أي: في أموالهم، قاله مالك ومحمد، وهي مقيدة بما إذا لم يعرف القاتل بعينه، وأما إن عرف فيقتص منه، قاله مالك في الموازية.
والرواية الثانية في الجلاب.
والرواية الثاثلة التي رجع إليها ابن القاسم هي قوله في المدونة وغيرها، واختلف في فهمها ففسرها ابن القاسم في العتبية والمجموعة بما قاله المصنف، يعني: بمجرده فقال: إنما معنى قول مالك لا قسامة فيمن قتل بين الصفين إذا لم يدعِ الميت دمه عند أحد ولا قام بذلك شاهد، وأما إن ادعى أو شهد شاهد فالقسامة، وهو قول أِهب ومطرف وابن الماجشون وأصبغ. أشهب: لأن كونه بين الصفين لم يزد دعواه إلا قوة، وقيل هي محمولة على ظاهرها من نفي القسامة، ولو ادعى أو شهدله شاهد وهو مروي أيضاً عن ابن القاسم وخطأه ابن المواز؛ لأن المدعي قوله: ولا شاهد يقتضي ذلك ولو كان من غير الطائفتين،
стр. 4306
وتأوله صاحب البيان بتأويل لكنه لم يجزم به، بل قال: يحتمل أن يريد إذا كان [٧٢٠/أ] الشاهد من طائفة المدعي وإلا فبعيد أن تنتفي القسامة مع شاهدين من غير الطائفتين وقيل: معناها لا قسام ةفي التدمية لما يقسم من العداوة بخلاف الشاهد، وهذا كله إذا كان القتال بين الصفين بنائرة أو عصبية من غير تأويل كانتا باغيتين، ولم تكن إحداهما زاحفة والأخرى دافعة، فدم الزاحفة هدر ودم الأخرى قصاص، وإن كانت إحداهما باغية والأخرى متأولة، وقتل من الباغية فهو هدر ودم المتأولة قصاص، وإن كانتا متأولتين فدمهما هدر ولا قود ولا دية قاله ابن القاسم، وروي عن مالك معناه، وذهب أصبغ إلى أنه يقتصر منه مطلقاً سواء تاب أو أخذ قبل أن يتوب.
وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ فَقِيلَ: يُسْتَحْلَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِيناً وَيَغْرَمُونَ الدِّيَةَ بلا قَسَامَةٍ، وَقِيلَ: لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ ..
الأول لابن القاسم: وإن نكل بعضهم كانت الدية عليها فقط، وفيه نظر؛ لأن يمين الحالف أنقض عنه الغرم إذا حلف بعضهم ولم تسقطعنه إذا حلف جميعهم، والقول الثاني لسحنون وهو أقرب.
وَلَوْ وُجِد الْقَتِيلُ فِي قَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ فَلَيْسَ بِمُجَرَّدِهِ لَوْثاً
علله مالك في المجموعة بأنه لو أخذ بذلك لم يشأ رجل أن يلطخ قوماً بذلك إلأا فعل؛ لأن الغالب أن من قتله لا يترك بموضع هو به، واختار بعض شيوخنا أن يكون لوثاً في قتل حويصة ومحيصة، هي وجود مسلم ببلد الكفار، وأنه لا ينبغي أن يختلف في ذلك.
وَالْقَسَامَةُ: أَنْ يَحْلِفُ الْوَارِثُونَ الْمُكَلِّفُونَ فِي الْخَطَأِ وَاحِداً كَانَ أَوْ جَمَاعَةً ذَكَراً أَوْ أُنْثَى خَمْسِينَ يَمِيناً مُتَوَالِيَةً عَلَى الْبَتِّ وَلَوْ كَانَ أَعْمَى أَوْ غَائِباً ...
لما انقضى كلامه على سبب القسامة أتبعه بتفسيرها، وبدأ بالخطأ إما لأنه أعم إذ يحلف فيه الرجال والنساء، وإما لأنه الموافق للأصل إذ لا يحلف فيه إلا المستحق.
стр. 4307
وقوله: (الْوَارِثُونَ الْمُكَلِّفُونَ) أي: كل وارث مكلف دل على ذلك قوله: (وَاحِداً كَانَ أَوْ جَمَاعَةً)، واشترط المصنف التوالي كابن شاس لأنه أرهب.
وقوله: (عَلَى الْبَتِّ وَلَوْ كَانَ أَعْمَى) نحوه في المدونة والعمى لا يمنع من تحصيل أسباب العلم مع عشيرة في صاحبه.
وَتُوَزَّعُ الأَيْمَانُ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَيُجْبَرُ كَسْرُ الْيَمِينِ عَلَى ذِي الأَكْثَرِ مِنَ الْكَسْرِ، وَقِيلَ: عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا لَوْ تَسَاوَى الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ ....
أما توزيع الأيمان على الميراث فظاهر؛ لانه سبب لحصوله، فإن انكسرت يمين فإما أن يتساوى الكسر أو يختلف، فإن تساوى حلف واحد يمينان.
ابن الجلاب: ويحتمل أن يحلف واحد فقط، وحكى ابن أبي زمنين قولان بالتساوي بالقرعة، كثلاث بنين فيحلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً، وأشار بقوله: كما لو تساوى الكسر، وإن اختلف فالمشهور أنه يحلفها أكثرهم نصيباً من اليمين المنكسرة، فإذا كان ابن وبنت حلف الابن ثلاثاً وثلاثين، وحلفت البنت سبعة عشرة؛ لأن لها نصيباً من اليمين المنكسرةثلثها، وقيل: يحلف كل واحد كالتساوي، وفي المقدمات ثالث: يحلف صاحب الأكثر من الابنين فيحلفها الأب في المثال المفروض.
ثُمَّ مَنْ نَكَلَ أَوْ غَابَ فَلا يَاخُذُ غَيْرَهُمَا حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِيناً ثُمَّ مَنْ حَضَرَ حَلَفَ حِصَّتَهُ ...
لأن الدية لا تلزم العاقلة إلا بعد ثبوت الدم، فإذا حضر الغائب حلف حصته فقط، وحكى في المقدمات إذا نكل مدعوا الخطأ أو بعضهم خمسة أقوال:
الأول: أن الأيمان ترد على العاقلة، يحلفون كلهم لو كانوا عشرة آلاف والقاتل أجل منهم، فمن حلف لم يلزمه شيء، ومن نكل لزمه ما يجب عليه، وهو أحد قولي ابن القاسم، وهذا أبين الأقاويل وأصحها في النظر.
стр. 4308
والثاني: أنه يحلف من العاقلة خمسون رجلاً يميناً واحدة فإن حلفوا برؤوا وبرئت العاقلة من جميع الدم، وإن حلف بعضهم برئ من حلف منهم، ولزم من بقية العاقلة الدية كاملة حتى يتموا خمسين يميناً وهذا قول ابن القاسم.
والثالث: أنهم إن نكلوا فلا حق لهم، وإن نكل بعضهم فلا حق لمن نكل ولا يمين على العاقلة؛ لأن الدية لم تجب عليهم بعد وإنام تجب عليهم بالفرض، قاله ابن الماجشون.
والرابع: أن اليمين ترجع على المدعى عليه وحده، فإن حلف برئ، وإن نكل لم يلزم العاقلة بنكوله شيء؛ لأن العاقلة لا تحمل الإقرار، والنكول كالإقرار، وإنما هو بنكوله شاهد على العاقلة، رواه ابن وهب عن مالك.
والخامس: أن الأيمان ترد على العاقلة، فإن حلفت برئت، وإن نكلت عن اليمين غرمت نصف الدية، قاله ربيعة، هو على ما روي عن عمر ﵁ في قضائه على السعدين.
وَلا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً
أشار ابن القاسم وأشهب وعبد الملك إلى أن ذلك كالشهادة، ولا يقتل بأقل من شاهدين، ألا ترى أنه لا يحلف النساء في العمد إذ لا يشهدون فيه، ويحتمل أن يعلل المنع بظاهر قوله ﵊: أتحلفون، فأتى بصيغة الجمع وأقل الجع اثنان عند مالك، نقله عنه في البيان.
وقوله: (عَصَبَةً) أي: عصبة القتيل وسواء ورثوا أم لا.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمَوَالِي
المولى الأعلى: واحد العصبة لكن هو أبعد العصبة، وعلى هذا فمراده بالعصبة أولاً العصبة من النسب.
стр. 4309
فَإِنْ لَمْ [٧٢٠/ب] تَكُنْ رُدَّتِ الْيَمِينُ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِيناً
فإن لم تكن عصبة ولا موالي ردت اليمين على المدعى عليه، فإن حلف برئ من الدعوى وضرب مائة وسجن عاماً، وإن نكل حبس حتى يحلف خمسين يميناً، وظاهره تأبيد حبسه وهو كذلك، ابن عبد السلام: وقد وقع في ذلك خلاف على تفصيل تركناه خوف الإطالة، فمن أراده فلينظر المقدمات.
وَلا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي الْعَمْدِ
أي: في قسامة العمد.
فَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ وُزِّعَتْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ اجْتُزِئَ بالْخَمْسِينَ عَلَى الأَصَحِّ ...
كما لو كان له ولدان فيحلف كل واحد خمسة وعشرين.
ابن عبد السلام: فإن طاع أحدهما أن يحلف أكثر من الأيمان لم يجز ذلك، هكذا قالوا، وكذلك إن كانوا ثلاثة حلف كل واحد منهم سبع عشرة، وكذلك يتوزعون الأيمان إلا أن يزيدوا على خمسين فالأصح، وهو قول ابن القاسم والمغيرة وأشهب وابن الماجشون، الاكتفاء بخمسين منهم لأن الزيادة على ذلك زيادة على سنة القسامة، وغير الأصح حكاه ابن رشد عن ابن الماجشون أيضاً إلا أنه قال: رايته في كتاب مجهول أنه لابد أن يحلف كل واحد منهم يميناً وإلا لم يستحقوا الدم، وفي المقدمات: وإن تساوت حظوظهم من الأيمان المنكسرة كثلاثة إخوة أو اثنين وثلاثين أخاً؛ لأنه وجب على كلٍ يمين وثلثان ففيه اختلاف، وذهب ابن القاسم إلى أنه يجبر الكسر كل واحدٍ منهم فيحلف الثلاثون يمينين، ويحلف كل من الثلاثة سبع عشرة يمينان، وخالف أشهب فقال: يحلف الثلاثون أخاً يميناً يميناً، ثم يقال لهم: ائتوا بعشرين رجلاً منكم يحلفون عشرين يميناً، وكذلك إن كان
стр. 4310
بعددهم أكثر من خمسين حلفوا على مذهب ابن القاسم، وحلف كل منهم خمسين على مذهب أشهب.
وَفِي الاجْتِزَاءِ باثْنَيْنِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
ضمير (مِنْهُمَا) يعود على الاثنين؛ أي: إذا كان ولاة الدم أكثر من اثنين سواء كانوا خمسين أو أقل أو أكثر فقال ابن القاسم: يتجزئ بحلف اثنين منهم، وقيده الشيخ أبو محمد بأن يطيعا بذلك، ولم يكن ذلك ممن لم يحلف نكولاً، وقال أشهب والمغيرةوابن الماجشون: لابد أن يحلفاو كلهم، ولا يجوز حلف بعضهم.
فَإِنْ كَانَ وَاحِداً اسْتَعَانَ بوَاحِدٍ مِنْ عَصَبَتِهِ
أي: إن كان ولي الدم واحداً استعان بواحد من عصبته؛ أي: بمن يلقاه في أبٍ معروف يوازيه، قال في المقدمات: فإن وجد رجلاً واحداً حلف كل واحد منهما خمس وعشرين يميناً، وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت الأيمان بينهم على عددهم، فإن رضوا أن يحلفوا عقد منها أكثر ما يجب عنه زاد ما لم يزد على خمس وعشرين، وإن كان للقتيل وليان فأراد أن يستعينا في القسامة بغيرهما من الأولياء الذين دونهم في المرتبة فذلك جائز، وتقسم بينهم على عددهم، فإن رضي المستعان بهم أن يحلف كل واحد منهم أكثر مماي جب عليه فذلك جائز، ولا يجوز لأحدهما أن يحلف أكثر من خمس وعشرين، وإذا حلف كل واحد من الوليين ما يجب عليه من الأيمان إذا قسمت على عددهم، فلا بأٍ أن يحلف بعض المستعان بهم أكثر من بعض، وإن حلف أحدهم خمساً وعشرين ثم وجد صاحبه من يعينه، فإن الأيمان الذي حلف المستعان به لا تكون محسوبة للمستعين بأن تقسم بين الوليين، وإن لم تقسم بينهما وحسبت كلها للمستعين، يحلف ما بقي من الخمس وعشرين فيزاد عليه حتى يستكمل نصف ما بقي من الخمسين يميناً بعد الأيمان التي حلفها المستعان به محسوبة لا تقسم بينه وبين صاحبه.
следующие страницы →