← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.

стр. 4306

وتأوله صاحب البيان بتأويل لكنه لم يجزم به، بل قال: يحتمل أن يريد إذا كان [٧٢٠/أ] الشاهد من طائفة المدعي وإلا فبعيد أن تنتفي القسامة مع شاهدين من غير الطائفتين وقيل: معناها لا قسام ةفي التدمية لما يقسم من العداوة بخلاف الشاهد، وهذا كله إذا كان القتال بين الصفين بنائرة أو عصبية من غير تأويل كانتا باغيتين، ولم تكن إحداهما زاحفة والأخرى دافعة، فدم الزاحفة هدر ودم الأخرى قصاص، وإن كانت إحداهما باغية والأخرى متأولة، وقتل من الباغية فهو هدر ودم المتأولة قصاص، وإن كانتا متأولتين فدمهما هدر ولا قود ولا دية قاله ابن القاسم، وروي عن مالك معناه، وذهب أصبغ إلى أنه يقتصر منه مطلقاً سواء تاب أو أخذ قبل أن يتوب. وَلَوْ شَهِدَتِ الْبَيِّنَةُ أَنَّهُ قَتَلَ وَدَخَلَ فِي جَمَاعَةٍ فَقِيلَ: يُسْتَحْلَفُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِيناً وَيَغْرَمُونَ الدِّيَةَ بلا قَسَامَةٍ، وَقِيلَ: لا شَيْءَ عَلَيْهِمْ .. الأول لابن القاسم: وإن نكل بعضهم كانت الدية عليها فقط، وفيه نظر؛ لأن يمين الحالف أنقض عنه الغرم إذا حلف بعضهم ولم تسقطعنه إذا حلف جميعهم، والقول الثاني لسحنون وهو أقرب. وَلَوْ وُجِد الْقَتِيلُ فِي قَرْيَةِ قَوْمٍ أَوْ دَارِهِمْ فَلَيْسَ بِمُجَرَّدِهِ لَوْثاً علله مالك في المجموعة بأنه لو أخذ بذلك لم يشأ رجل أن يلطخ قوماً بذلك إلأا فعل؛ لأن الغالب أن من قتله لا يترك بموضع هو به، واختار بعض شيوخنا أن يكون لوثاً في قتل حويصة ومحيصة، هي وجود مسلم ببلد الكفار، وأنه لا ينبغي أن يختلف في ذلك. وَالْقَسَامَةُ: أَنْ يَحْلِفُ الْوَارِثُونَ الْمُكَلِّفُونَ فِي الْخَطَأِ وَاحِداً كَانَ أَوْ جَمَاعَةً ذَكَراً أَوْ أُنْثَى خَمْسِينَ يَمِيناً مُتَوَالِيَةً عَلَى الْبَتِّ وَلَوْ كَانَ أَعْمَى أَوْ غَائِباً ... لما انقضى كلامه على سبب القسامة أتبعه بتفسيرها، وبدأ بالخطأ إما لأنه أعم إذ يحلف فيه الرجال والنساء، وإما لأنه الموافق للأصل إذ لا يحلف فيه إلا المستحق.

стр. 4307

وقوله: (الْوَارِثُونَ الْمُكَلِّفُونَ) أي: كل وارث مكلف دل على ذلك قوله: (وَاحِداً كَانَ أَوْ جَمَاعَةً)، واشترط المصنف التوالي كابن شاس لأنه أرهب. وقوله: (عَلَى الْبَتِّ وَلَوْ كَانَ أَعْمَى) نحوه في المدونة والعمى لا يمنع من تحصيل أسباب العلم مع عشيرة في صاحبه. وَتُوَزَّعُ الأَيْمَانُ عَلَى الْمِيرَاثِ، وَيُجْبَرُ كَسْرُ الْيَمِينِ عَلَى ذِي الأَكْثَرِ مِنَ الْكَسْرِ، وَقِيلَ: عَلَى الْجَمِيعِ كَمَا لَوْ تَسَاوَى الْكَسْرُ عَلَيْهِمْ .... أما توزيع الأيمان على الميراث فظاهر؛ لانه سبب لحصوله، فإن انكسرت يمين فإما أن يتساوى الكسر أو يختلف، فإن تساوى حلف واحد يمينان. ابن الجلاب: ويحتمل أن يحلف واحد فقط، وحكى ابن أبي زمنين قولان بالتساوي بالقرعة، كثلاث بنين فيحلف كل واحد منهم سبع عشرة يميناً، وأشار بقوله: كما لو تساوى الكسر، وإن اختلف فالمشهور أنه يحلفها أكثرهم نصيباً من اليمين المنكسرة، فإذا كان ابن وبنت حلف الابن ثلاثاً وثلاثين، وحلفت البنت سبعة عشرة؛ لأن لها نصيباً من اليمين المنكسرةثلثها، وقيل: يحلف كل واحد كالتساوي، وفي المقدمات ثالث: يحلف صاحب الأكثر من الابنين فيحلفها الأب في المثال المفروض. ثُمَّ مَنْ نَكَلَ أَوْ غَابَ فَلا يَاخُذُ غَيْرَهُمَا حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِيناً ثُمَّ مَنْ حَضَرَ حَلَفَ حِصَّتَهُ ... لأن الدية لا تلزم العاقلة إلا بعد ثبوت الدم، فإذا حضر الغائب حلف حصته فقط، وحكى في المقدمات إذا نكل مدعوا الخطأ أو بعضهم خمسة أقوال: الأول: أن الأيمان ترد على العاقلة، يحلفون كلهم لو كانوا عشرة آلاف والقاتل أجل منهم، فمن حلف لم يلزمه شيء، ومن نكل لزمه ما يجب عليه، وهو أحد قولي ابن القاسم، وهذا أبين الأقاويل وأصحها في النظر.

стр. 4308

والثاني: أنه يحلف من العاقلة خمسون رجلاً يميناً واحدة فإن حلفوا برؤوا وبرئت العاقلة من جميع الدم، وإن حلف بعضهم برئ من حلف منهم، ولزم من بقية العاقلة الدية كاملة حتى يتموا خمسين يميناً وهذا قول ابن القاسم. والثالث: أنهم إن نكلوا فلا حق لهم، وإن نكل بعضهم فلا حق لمن نكل ولا يمين على العاقلة؛ لأن الدية لم تجب عليهم بعد وإنام تجب عليهم بالفرض، قاله ابن الماجشون. والرابع: أن اليمين ترجع على المدعى عليه وحده، فإن حلف برئ، وإن نكل لم يلزم العاقلة بنكوله شيء؛ لأن العاقلة لا تحمل الإقرار، والنكول كالإقرار، وإنما هو بنكوله شاهد على العاقلة، رواه ابن وهب عن مالك. والخامس: أن الأيمان ترد على العاقلة، فإن حلفت برئت، وإن نكلت عن اليمين غرمت نصف الدية، قاله ربيعة، هو على ما روي عن عمر ﵁ في قضائه على السعدين. وَلا يَحْلِفُ فِي الْعَمْدِ أَقَلُّ مِنْ رَجُلَيْنِ عَصَبَةً أشار ابن القاسم وأشهب وعبد الملك إلى أن ذلك كالشهادة، ولا يقتل بأقل من شاهدين، ألا ترى أنه لا يحلف النساء في العمد إذ لا يشهدون فيه، ويحتمل أن يعلل المنع بظاهر قوله ﵊: أتحلفون، فأتى بصيغة الجمع وأقل الجع اثنان عند مالك، نقله عنه في البيان. وقوله: (عَصَبَةً) أي: عصبة القتيل وسواء ورثوا أم لا. فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَمَوَالِي المولى الأعلى: واحد العصبة لكن هو أبعد العصبة، وعلى هذا فمراده بالعصبة أولاً العصبة من النسب.

стр. 4309

فَإِنْ لَمْ [٧٢٠/ب] تَكُنْ رُدَّتِ الْيَمِينُ، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِيناً فإن لم تكن عصبة ولا موالي ردت اليمين على المدعى عليه، فإن حلف برئ من الدعوى وضرب مائة وسجن عاماً، وإن نكل حبس حتى يحلف خمسين يميناً، وظاهره تأبيد حبسه وهو كذلك، ابن عبد السلام: وقد وقع في ذلك خلاف على تفصيل تركناه خوف الإطالة، فمن أراده فلينظر المقدمات. وَلا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِي الْعَمْدِ أي: في قسامة العمد. فَإِنْ كَانُوا أَقَلَّ مِنْ خَمْسِينَ وُزِّعَتْ، وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ اجْتُزِئَ بالْخَمْسِينَ عَلَى الأَصَحِّ ... كما لو كان له ولدان فيحلف كل واحد خمسة وعشرين. ابن عبد السلام: فإن طاع أحدهما أن يحلف أكثر من الأيمان لم يجز ذلك، هكذا قالوا، وكذلك إن كانوا ثلاثة حلف كل واحد منهم سبع عشرة، وكذلك يتوزعون الأيمان إلا أن يزيدوا على خمسين فالأصح، وهو قول ابن القاسم والمغيرة وأشهب وابن الماجشون، الاكتفاء بخمسين منهم لأن الزيادة على ذلك زيادة على سنة القسامة، وغير الأصح حكاه ابن رشد عن ابن الماجشون أيضاً إلا أنه قال: رايته في كتاب مجهول أنه لابد أن يحلف كل واحد منهم يميناً وإلا لم يستحقوا الدم، وفي المقدمات: وإن تساوت حظوظهم من الأيمان المنكسرة كثلاثة إخوة أو اثنين وثلاثين أخاً؛ لأنه وجب على كلٍ يمين وثلثان ففيه اختلاف، وذهب ابن القاسم إلى أنه يجبر الكسر كل واحدٍ منهم فيحلف الثلاثون يمينين، ويحلف كل من الثلاثة سبع عشرة يمينان، وخالف أشهب فقال: يحلف الثلاثون أخاً يميناً يميناً، ثم يقال لهم: ائتوا بعشرين رجلاً منكم يحلفون عشرين يميناً، وكذلك إن كان

стр. 4310

بعددهم أكثر من خمسين حلفوا على مذهب ابن القاسم، وحلف كل منهم خمسين على مذهب أشهب. وَفِي الاجْتِزَاءِ باثْنَيْنِ مِنْ أَكْثَرَ مِنْهُمَا قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ضمير (مِنْهُمَا) يعود على الاثنين؛ أي: إذا كان ولاة الدم أكثر من اثنين سواء كانوا خمسين أو أقل أو أكثر فقال ابن القاسم: يتجزئ بحلف اثنين منهم، وقيده الشيخ أبو محمد بأن يطيعا بذلك، ولم يكن ذلك ممن لم يحلف نكولاً، وقال أشهب والمغيرةوابن الماجشون: لابد أن يحلفاو كلهم، ولا يجوز حلف بعضهم. فَإِنْ كَانَ وَاحِداً اسْتَعَانَ بوَاحِدٍ مِنْ عَصَبَتِهِ أي: إن كان ولي الدم واحداً استعان بواحد من عصبته؛ أي: بمن يلقاه في أبٍ معروف يوازيه، قال في المقدمات: فإن وجد رجلاً واحداً حلف كل واحد منهما خمس وعشرين يميناً، وإن وجد رجلين أو أكثر قسمت الأيمان بينهم على عددهم، فإن رضوا أن يحلفوا عقد منها أكثر ما يجب عنه زاد ما لم يزد على خمس وعشرين، وإن كان للقتيل وليان فأراد أن يستعينا في القسامة بغيرهما من الأولياء الذين دونهم في المرتبة فذلك جائز، وتقسم بينهم على عددهم، فإن رضي المستعان بهم أن يحلف كل واحد منهم أكثر مماي جب عليه فذلك جائز، ولا يجوز لأحدهما أن يحلف أكثر من خمس وعشرين، وإذا حلف كل واحد من الوليين ما يجب عليه من الأيمان إذا قسمت على عددهم، فلا بأٍ أن يحلف بعض المستعان بهم أكثر من بعض، وإن حلف أحدهم خمساً وعشرين ثم وجد صاحبه من يعينه، فإن الأيمان الذي حلف المستعان به لا تكون محسوبة للمستعين بأن تقسم بين الوليين، وإن لم تقسم بينهما وحسبت كلها للمستعين، يحلف ما بقي من الخمس وعشرين فيزاد عليه حتى يستكمل نصف ما بقي من الخمسين يميناً بعد الأيمان التي حلفها المستعان به محسوبة لا تقسم بينه وبين صاحبه.

стр. 4311

وَلا يُنْتَظَرُ الصَّغِيرُ إِلا يُوجَدَ حَالِفٌ فَيَحْلِفُ نِصْفَهَا وَالصَّغِيرُ مَعَهُ فَيُنْتَظَرُ، فَإِنْ عَفَا فَلِلصَّغِيرِ حِصَّتُهُ مِنَ الدِّيَةِ لا أَقَلَّ ... يعني: إذا كان للميت وليان خلاف الصغير الصغير إما في درجة واحدة أو بالاستعانة لم ينتظر الصغير وأقسما وقتلا، وإن لم يكن إلا واحد انتظر بلوغه ويحلف الكبير الآن النصف، ولا يؤخره؛ لأنه قد يموت أو يغيب قبل بلوغ الصغير فيبطل الدم. قوله: (وَالصَّغِيرُ مَعَهُ) أي: حالة اليمين لأنه أرهب والجملة في محل حال، ثم إن عفا الكبير صح عفوه، ووجب للصغير نصيبه من الدية، أي: دية عمد لا أقل منها، وظاهر كلام المصنف انتظار الصغير وإن بعد بلوغه، وهو مذهب المدونة، ابن عبد السلام: وه والمشهور، وكذلك ظاهر المدونة أيضاً انتظار الغائب، وعن سحنون: أن قرب بلوغ الصغير وانتظار الغائب، وإن بعد لم ينتظر، وتأول أبو عمران المدونة على أن الغائب ينتظر بخلاف الصغير، وفيه نظر وعكسه أحسن. وَنُكُولُ الْمُعَيَّنِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ لأنه لا حق له في الدم، ولأنه يتهم أن يرشى، وإذا نكل المعين ولم يكن ولي الدم إلا واحد، فإن وجد من يستعين به غير هذا، وإلا فقد بطل الدم. وَأَمَّا نُكُولُ غَيْرِِ الْمُعَيَّنِ فَإِنْ كَانَ مِنَ الْوَلَدِ أَوِ الإِخْوَةِ سَقَطَ الْقَوَدُ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمْ عَلَى الْمَشْهُورِ ... يعني: وأما نكول غير الأولياء الذين هم في القودسواء، فإن كانوا أولاداً أو إخوة سقط القود بالاتفاق، واختلف في غيرهم كالأعمام وبنيهمومن هو أبعد، فالمشهور سقوط القود أيضاً، وهكذا صرح الباجي بمشهوريته والشاذ [٧٢١/أ] لا يسقط إلا باجتماعهم، وقال ابن نافع: إن كان على وجه العفو حلف من بقي وكنات له الدية، وإن

стр. 4312

كان على وجه التورع حلف من بقي وقتلوا، قال: فمن الشيوخ من يحمله على التقييد ويقول: لا خلاف أن النكول إن كان تورعاً فلا خلاف أن لمن بقي أن يقسم ويقتل، ومنه من يحمله على الخلاف ويقول: إذا نكل أحد الأولياء عن القسامة فلا سبيل إلى القسامة كان نكوله عفواً أو تورعاً وهو الأظهر، وفرق ابن القاسم بين أن يكون العفو قبل القسامة فيبطل القتل والدية، أو بعدها فيبطل القتل ويكون لمن بقي حظهم من الدية، وأبطل ابن الماجشون الدية مطلقاً، والنكلو عن القسامة عند جميعهم كالعفو. وَالرُّجُوعُ بَعْدَ الْيَمِينِ وَقَبْلَ الْقَتْلِ كَالنُّكُولِ يعني: إذا أكذب أحد الأولياء نفسه بعد الأيمان فذلك كالنكول، فإن كان الراجع ابنا أو أخا سقط القود، وكذلك العم وابنه على المشهور، هذا مقتضى التشبيه، وفي المقدمات: إن عفا أحد الأولياء بعد ثبوته بالبينة والقسامة أو أكذب نفسه بعد القسامة فثلاثة أقوال: الأول: لابن الماجشون: أن الدم والدية يبطلان ولا يكون لمن بقي شيء من دية ولا قصاص. الثاني: لمن بقي من الأولياء حظه من الدية. الثالث: إن عفا كان لمن بقي حظوظهم وإن أكذب نفسه لم يكن للباقين شيء من الدية، وإن كانوا قبضوها ردوها، وهومذهب ابن القاسم في المدونة وغيرها، قال: فيأتي علىهذا في بطلان الدية بعفو أحد الأولياء عن الدم ثلاثة أقوال: الأول: لابن الماجشون: أنه يبطل ولا شيء لمن بقي. الثاني: أن لمن بقي حصته من الدية بغير قسامة إن كان العفو بعد ثبوت الدم أو قسامة إن كان العفو قبلها.

стр. 4313

الثالث: تفرقة ابن القاسم بين أن يكون العفو بعد ثبوت الدم او قبله، وساوى ابن القاسم بين العفو والنكول عن اليمين قبل القسامة، وفرق بعد القسامة من عفو أحد الأولياء أو تكذيبه لنفسه، كعفوه عن الدم قبلها لا شيء لمن بقي على ما ذكرناه. وَعَلَى سُقُوطِ الْقَودِ فَفِي رَدِّ اليَمِينِ إِلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ أَوْ أَيْمَانِ الْبَاقِي وَاسْتِحْقَاقِهِمُ الدِّيَةَ-رِوَايَتَانِ .... أي: إذا فرعنا على سقوط القود في النكول والرجوع، فروي عن مالك أن الأيمان ترد على المدعى عليه ويسقط الدم والدية، وروي عنه أن لمن بقي أن يحلف ويأخذ حظه من الدية. ابن عبد السلام: والظاهر الأول. فَإِنْ نَكَلَ فَثَلاثَةٌ: الْحَبْسُ حَتَّى يَحْلِفَ خَمْسِينَ يَمِيناً وَلَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ، وَالدِّيَةُ، وَالْحَبْسُ حَتَّى يَحْلِفَ أَوْ يَطُولَ ... أي: فإن نكل المدعى عليه على القول بتوجيه اليمين عليه ففي المسألة ثلاثأقوال، وتصورها من كلامه ظاهر وأظهرها الأول، لأن طلب منه أمر يسجن بسببه فلا يخرج إلا بعد حصول ذلك المطلوب، وقوله في القول الثاني: (وَالدِّيَةُ) أي: في ماله، والقول الثالث: جار علىمسائل الطلاق والعتق. قوله: (وَلَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ)، اختلف في استعانة المدعى عليه على ثلاثة أقوال: الأول: نفي الاستعانة. ابن عبد السلام: وهو مذهب المدونة ومطرف. والثاني: قول ابن القاسم في المجموعة: أن الأيمان ترد على المدعى عليهم ويحلف معهم المتهم، وهذا القول الذي ذكره المصنف بقوله: وله أن يستعين، وحمل أبو الحسن المدونة عليه، وهو ظاهر الرسالة.

стр. 4314

والثالث: لابن القاسم في العتبية والماوزية: أن ولاة المدعى عليه بالتخيير بين أن يحلفوا الأيمان كلها أو يحلفها المتهم وحده، وليس لهم أن يحلفوا بعضها ويحلف هو بقيتها، والأول أظهر ولا يخفى وجهه. وَكَذَلِكَ لَوْ رُدَّتْ عَلَيْهِ الْيَمِينُ فَنَكَلَ لما ذكر حكم نكول بعض الولاة ذكر نكول الجميع، وأشار بذلك إلى جريان الأقوال الثلاثة. فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ جَمَاعَةً حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خَمْسِينَ يَمِيناً لأن كل واحد منهم على البدل مرتهن بالقتل، وهل لكل منهم الاستعانة؟ يجري على الخلاف المتقدم. وَحُكْمُهَا: الْقَوَدُ فِي الْعَمْدِ وَالدِّيَةُ فِي الْخَطَأِ لما ذكر أسباب القسامة وحقيقتها، أخذ فيما يترتب عليها من الأحكام. وقوله: (الْقَوَدُ) يعني: في العمد لقوله ﵊: "أتحلفون وتستحقون دم صاحبكم" وكلامه ظاهر. وَلا يُقْتَلُ بهَا إِلا وَاحِدٌ خِلافاً لِلْمُغِيرَةِ لأن القسامة فيها ضعف من الإقراروالبينة، ولما في مسلم في بعض طرق الحديث: "يقسم خمسين منكم على رجل منهم"، قال في الموطأ: ولم نعلم قسامة كانت قط إلا علىرجل واحد، وقاس المغيرة ذلك على الشهادة، ابن القاسم في الموازية والمجموعة: وإن وجب لقوم دم رجل بقسامة، فلما تقدم للقتل أقر غيره أنه قتله، إن شاءوا قتلوا المقر بإقراره، وإن شاءوا قتلوا الأول بالقسامة، ولا يقتلوا إلا واحد.

стр. 4315

وَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ مُعَيَّناً بالْيَمِينِ، وَإِنْ كَانَ اللَّوْثُ عَلَى الْجَمَاعَةِ بخِلافِ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ لا يُقْسَمُ إِلا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَتُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ فِي ثَلاثِ سِنينَ، وَقَالَ أَشْهَبُ: أَوْ يَخْتَارُونَهُ بَعْدَ يَمِينِهِمْ عَلَى الْجَمَاعَةِ ... أي: إذا بنينا على أنه لا يقتل بها إلا واحد، فالمشهور أن القسامة لا تكون إلا على معين وهو الذي يريدون قتله، [٧٢١/ب] ابن القاسم عن مالك في الموازية والمجموعة: وإذا أقسموا عليه قالوا: في القسامة لمات من ضربه، ولا يقولون من ضربهم. وقوله: (وَإِنْ كَانَ اللَّوْثُ عَلَى الْجَمَاعَةِ) ظاهره أنه مبالغة وليس بظاهر، لأن فرض المسألة أن اللوث على جماعة. قوله: (بخِلافِ الْخَطَأِ فَإِنَّهُ لا يُقْسَمُ إِلا عَلَى جَمِيعِهِمْ، وَتُوَزَّعُ الدِّيَةُ عَلَى عَوَاقِلِهِمْ فِي ثَلاثِ سِنِينَ) هكذا في المدونة ففيها: والفرق بين العمد والخطأ يقول: الضرب منا أجمعين، فلا تخصوا عاقلتي بالدية ولا حجة له في العمد انتهى. ولا فرق على مذهب ابن القاسم بين أن يكون الضرب واحداً أو متعدداً، وقال سحنون: إن كان الضرب واحداً كقوم حملوا صخرة فالقسامة على جميعهم، والخطأ والعمد في ذلك سواء، وإن كان الضرب مفترقاً فلا يقسم إلا على واحد منهم، إذ لا يمكنه أن يقتله اكثر من واحد. وقوله: (وَقَالَ أَشْهَبُ: أَوْ يَخْتَارُونَهُ) هذا مقابل قوله أول المسألة: (يَكُونُ مُعَيَّناً بالْيَميِنِ)، ودلت (أَوْ) من قول المصنف: (أَوْ يَخْتَارُونَهُ)، على أن أشهب يخير في الأمرين وهو كذلك، وخيره أيضاً في ثالث وهو أن يقسموا على اثنين وأكثر، وفي قول أشهب لأنهم إذا أقسموا على الجميع ثم اختاروا واحداً أيكون من الترجيح فلا رجح؛ إذ ليس أحدهم بأولى من الآخر، وقيد ابن رشد هذا الخلاف بأني حتمل موته أن يكون على أحدهم وإن لم يحتمل ذلك، كما لو رموا عليه صخرة لا يقدر بعضهم على رفعها، فلا اختلفا أنهم يقسمون عليهم كلهم ثم يقتلون من شاءوا منهم.

стр. 4316

أصبغ: فإن رمى بدمه نفراً فأخذ واحد وسجن وتغيب من بقي، فأراد الأولياء بقاؤه حتى يجدوا من غاب فيختارون من يقسموا عليه، وقال المسجون: إما أقسمتم علي أو أطلقتموني فذلك له ويستأنى به بقدر ما يطلبون، ويرجى الظفر بهم ويتلوم لهم في ذلك، فإن تم التلوم وحبس سنة، وإن لم يحلفوا حلف خمسين يميناً، فإن نكل سجن حتى يحلف، قالوا: وإن شاءوا صالحوا المسجون على مال ثم لهم القسامة على من شاءوا وسجن الصالح سنة بعد أن يضرب مائة. وَمَنْ أَقَرَّ بقَتْلٍ خَطَأٍ فَإِنْ كَانَ كَأَخٍ أَوْ صَدِيقٍ مُلاطِفٍ لَمْ يُصَدَّقْ؛ لأَنَّهُ يُتَّهَمُ بإِغْنَاءِ وَرَثَتِِ، وَإِنْ كَانَ بَعِيداً وَكَانَ عَدْلاً فَالدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ، بقَسَامَةٍ فَإِنْ لَمْ يُقْسِمُوا فَلا شَيْءَ لَهُمْ ... تصوره ظاهر والمسألة في المدونة في الديات وفي الصلح، ولا إشكال في عدم قبول قوله: إذا كان يتهم، وأما البعيد فالدية على العاقلة، قال في المدونة: إذا كان ثقة مأموناً ولم يخف أن يرشى، وعبر المصنف عن ذلك بالعدالة، وحكى ابن الجلاب في هذه المسألة أربع روايات: الأولى: مذهب المدونة وهو ما ذكره المصنف أن الدية على العاقلة بقسامة. الاثنية: أنها على المقر له ي ماله بقسامة. الثاثة: أنه لا شيء عليه ولا على العاقلة. الرابعة: يقضي عليه وعلى عاقلته، فما أصابه غرمه وما أصاب العاقلة سقط عنها. وَلَوْ شَهِدَ عَلَى إِقْرَارِهِ بذَلِكَ شَاهِدٌ وَاحِدٌ كَانَ كَالْمَقْتُولِ أي: على إقراره أي: القاتل، ومقتضى التشبيه أنه لا يفيد الشاهد الواحد لأنه قال: والإقرار بذلك أو بقتله خطأ بشاهدين، وقد اختلف في الشاهد الواحد على إقرار القاتل بالتقل عمداً أو خطأ على ثلاثة أقوال: الأول: أنه يقسم في العمد والخطأ، الثاني: لا قسامة فيهما، الثالث: يقسم في العمد دون الخطأ وإليه ذهب سحنون وعليه أصلح المدونة.

стр. 4317

ابن رشد: وهو أظهرها إذ قيل أن إقرار القاتل خطأ ليس بلوث يوجب القسامة، فكيف إذا لم يثبت قوله وإنما شهد به واحد. وَلَوْ شَهِدَ مَعَ إِقْرَارِه شَاهِدٌ وَاحِدٌ فَالْقَسَامَةُ أَيْضاً مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ كَالْمَقْتُولِ يعني: ولو شهد واحد بالقتل فلابد بالقسامة، ومراده إذا أقر القاتل بالقتل خطأ، وأما في العمد فإنه يقتل بإقراره. وقوله: (مِنْ غَيْرِ تَفْصيلٍ) بين أن يكون قريباً أو بعيداً كالمقتول؛ أي: كما إذا تعدد اللوث مع قول المقتول. وَفِيهَا: لا قَسَامَةَ فِي الْجِرَاحِ وَلكِنْ مَنْ أَقَامَ عَدْلاً عَلَى جُرْحِ عَمْدٍ أَوْ خَطَأٍ حَلَفَ يَمِيناً وَاحِدَةً وَاقْتَصَّ أَوْ أَخَذَ الْعَقْلَ، وَقَالَ مَالِكٌ حِينَ اسْتُشْكِلَ الْعَمْدُ: إِنَّهُ لَشَيْءٌ اسْتَحْسَنَّاهُ وَمَا سَمِعْنَا فِيهِ شَيْئاً ... قد تقدم الكلام علىهذا ولعل المصنف أتى به هنا لأحد أمرين: أولهما ليتوصل بذلك إلى الفرع الذي بعده، وإما لأنه لمافرغ مما فيه القسامة شرع فيما لا قاسمة فيه من الجراح والكافر والعبد والجنين تصور كلامه ظاهر. وقوله: (اسْتُشْكِلَ) هو مبني لما لم يسمَّ فاعله؛ لأن المُسْتَشْكِل ابن القاسم، وقال ابن عبد الحكم: لا أرى ذلك في العمد. قوله: (أَوْ أَخَذَ الْعَقْلَ) راجع إلى الخطأ. فَإِنْ نَكَلَ قِيلَ لِلْجَارِحِ: احْلِفْ وَابْرَا، فَإِنْ نَكَلَ حُبِسَ حَتَّى يَحْلِفَ أي: فإن نكل من قام له شاهد بالجرح، قيل للجارح: احلف فإن حلف برئ وإن نكل سجن حتىيحلف، وكان ابن القاسم يقول: يقتص به ثم رجع، وقال ابن القاسم أيضاً: فإن طال حبسه ولم يحلف عوقب وأطلق إلا أن يكون متمرداً فليخلد في السجن.

стр. 4318

وَلَوْ أَقَامَ النًّصْرَانِيُّ عَدْلاً أَنَّ وَلِيَّهُ قَتَلَهُ مُسْلِمٌ أَوْ نَصْرَانِيٌّ حَلَفَ يَمِيناً وَاحِدَةً [٧٢٢/أ] وَاسْتَحَقَّ الدِّيَةَ ... قد تقدم هذا الفرع أول القسامة. وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ قد تقدم أيضاً. وَالْجَنِينُ الرَّقِيقُ وَالْجَنِينُ كَالْجُرْحِ لا كَالنَّفْسِ، وَلِذَلِكَ لَوْ أَلْقَتْ جَنِيناً مَيْتاً، وَقَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِي عِنْدَ فُلانٍ وَمَاتَتْ كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الأُمِّ وَلا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ ... مراده بـ (الْجَنِينُ) ثانياً: الحر. قوله: (كَالْجُرْحِ) أي: فيمن أقام شاهداً واحداً حلف واستحق الغرة في الجرح وعشر قيمة الأم في الرقيق، فقوله: (وَالْجَنِينُ الرَّقِيقُ) مبتدأ، وقوله: (وَالْجَنِينُ) عطف عليه، و (كَالْجُرْحِ) الخبر، وإنام بين هذا وإن كان واضحاص لأن بعض الناس لم يتبين له هذا. وقوله: (وَلِذَلِكَ) أي: ولأجل أن الجنين كالجرح (لَوْ أَلْقَتْ جَنِيناً مَيْتاً، وَقَالَتْ: دَمِي وَجَنِينِ عِنْدَ فُلانٍ كَانَتِ الْقَسَامَةُ فِي الأُمِّ وَلا شَيْءَ فِي الْجَنِينِ)؛ لأنه بمنزلة ما لو قال: جرحني فلان وذلك غير مسموع. وَلَوْ ثَبَتَ الأمْرَانِ بعَدْلٍ وَاحِدٍ فَالْقَسَامَةُ فِي الأُمِّ وَيَمِينٌ وَاحِدَةٌ فِي الْجَنِينِ الأمران موتها وخروج الجنين ميتاً بعدل، فالقسامة في الأم لأنها نفس، ويحلف ولي الجنين فيه يميناً واحدة يوستحق ديته لأنه كالجرح، فلو استهل أقسم عليه أيضاً، وقد تركنا كثيراً من الفروع؛ لأن الغرض حل كلام المصنف ولقلة وقوعه، والله أعلم.

стр. 4319

الْجِنَايَاتُ الْمُوجِبَةُ لِلْعُقُوبِةِ سَبْعَةٌ: الْبَغْيُ ، وَالرِّدَةُ، وَالزِّنَى، وَالْقَذْفُ، وَالسِّرِقَةُ، وَالْحِرَابَةُ، وَالشُّرْبُ ... لما تكلم على القتل والجراح اللذين يكون عنهما إذهاب النفس الذي هو من أعظم الذنوب في حق الآدميين، اتبع ذلك بالجنايات الموجبة إما لسفك الدماء ولما دونه، والجناية هي ما يحدثه الرجل على نفسه أو غيره مما يضر حالاً أو مآلاً، ثم هي منحصرة في الاصطلاح في هذه السبعة، وبدأ فيها بالبغي لأنها أعظمها مفسدة، إذ فيه إذهاب الأموال غالباً، وعقبه بالردة لأنها وإن كانت في الدين إلا ان مفسدها، وعقبه بالزنى؛ لأن مفسدته تقضي إلى إتلاف النفوس بواسطة عدم معرفة الأب الذي يقوم بمصالحه، وأعقبه بالقذف لتعلقه بالأنساب، وأما السرقةوالحرابة فالمفسد فيهما إنما هو إتلاف الأموال وهو أضعف، وكان ينبغي على هذا تقديم الشرب؛ لأن مفسدته ذهاب العقل، إلا أن يقول لم يكن الحد فيه منصوصاً عن الشارع، وقيساً على القذف أخره لذلك. الْبَغْيُ: الْخُرُوجُ عَنْ طَاعَةِ الإِمَامِ مُغَالَبَةً الجوهري: البغي: التعدي، وقال عياض وابن العربي: هو الطلب إلا أنه مقصور على طلب خاص، وهو أن يبتغي ما لا ينبغي ما ابتغاؤه، وهذا معنى كلامهما، وفي اصطلاح الفقهاء: الخروج عن طاعة الإمام يبتغي خلعه، أو يمتنع من الدخول في طاعته، أو يمنع حقاً وجب عليه بتأويل، وأخرج المصنف الخروج عن طاعة غير افمام من غير مغالبة فإن ذلك لا يسمى بغياً، فإن قيل قوله: (الْخُرُوجُ) لا يصدق إلا على من دخل وذلك غير شرط؛ إذ لا يشترط في انعقاد الولاية كل واح، قيل: قد يجاب عنه بأنه أراد الخروج عما وجب عليه شرعاً، وهو أعم من أن يكون دخل فيه أم لا.

стр. 4320

وَالْبُغَاةُ قِسْمَانِ: أَهْلُ تَاوِيلٍ وَأَهْلُ عِنَادٍ يعني: ويقاتلان، وقد أجمع في ذلك في زمان أبي بكر ﵁ حيث قاتل مانع الزكاة، وكان بعضهم متأولاً أن وجوبها قد انقضى بموته ﷺ لقوله تعالى: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِيهِم بِهَا) [التوبة: ١٠٣] وبعضهم معانداً شحَّاً بماله. وَلِلإِمَامِ الْعَدْلِ فِي قِتَالِهِمْ خَاصَّةً جَمِيعُ مَا لَهُ فِي الْكُفَّارِ وَإِنْ كَانَ فِيهِمُ النِّسَاءُ وَالذُّرِّيَّةُ بَعْدَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ ... (خَاصَّةً) يرجع إلى قتالهم دون الاسترقاق وقتل أسيرهم والتذفيف على جريحهم، وأعاد ابن عبد السلام: خاصة للإمام العدل؛ أي: للعدل القتال دون غيره جميعاً؛ أي: الطائفتين أهل التأويل وأهل العناد ماله في قتال الكفار من ضيف سف ورمي نبل أو منجنيق وتغريق وتحريق، ولا يمنعه من ذلك وجود النساء والذرية فيهم. وقوله: (بَعْدَ أَنْ يَدْعُوَهُمْ) إلى الحق، هكذانص عليه سحنون في كتاب ابنه، وإذا كان الكفار يدعون على أحد الأقوال، فهنا أولى لأنهم مسلمون. وَلا يَقْتُلُ أَسِيرَهُمْ، وَإِذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ وَأَمِنُوا فَلا يُذَفِّفُ عَلَى جَرِيحِهِمْ وَلا مُنْهَزِمِهِمْ هكذا قال أصبغ: إذا أٍر منهم أسير فلا يقتل بل يؤدب ويسجن حتى يتوب، وإن ثبت عليه أنه قتل أحداً قتل به، وظاهر كلام أصبغ، وهو ظاهر كلام المصنف عدم القتل ولو كانت الحرب قائمة، وقال عبد الملك: إن كانت الحرب قائمة فللإلمام قتل أسيهرم أو جماعة في قبضته إذا خاف أن تكون عليه دائرة أو حس ضعفا، سحنون: وإذا ظهر الإمام عليهم ظهوراً بيناً وأيس من عودتهم، فلا يقتل منهزمهم ولا يذفف علىجريحهم، وإن لم يتحقق الهزيمة ولا يؤمن رجوعهم فلا بأس أن يقتل منهزمهم، وجريحهم.

стр. 4321

ابن حبيب: ونادى منادي علي بن أبي طالب ﵁ في بعض من حاربه ألا يتبع مدبر ولا يجهز على جريح ولا يقتل أسير، ثم كان موطن آخر في غيرهم فأمر باتباع المدبر وقتل الأسير والإجهاز على الجريح، فعوتب في ذلك، فقال: هؤلاء لهم فئة ينحازون إليها، الأولون لم تكن لهم فئة، ومعنى (أَلاَّ يُذَفَّفَ): لا يجهز، ونقل في النوادر [٧٢٢/ب] عن سحنون أنه قال: سمعت اصحابنا يقولون لا يقتل منهزم العصبية ويقتل منهزم الخوارج على كل حال، ولعله إذا كان لهم إمام وفئة يوافق الأول. وَفِي قَتْلِ الرَّجُلِ أَبَاهُ قَوْلانِ ظاهره أنه من منع ذلك منعه على وجه التحريم، وهذا القول إنما هو منقول عن سحنون، وقال: لا أحب وظاهره الكراهة، وقد صرح سحنون في موضع آخر بالكراهة، وقال: من غيرتحريم، سحنون: وله قتل أبيه وأخيه وجده لأبيه وأمه، والقول بأن له أن يقتل أباه لأصبغ، وسكت عن الأم؛ لأن الغالب عدم قتالها ولا فهي أزيد من الأب برَّاً. وَأَمَّا أَمْوَالُهُمْ فَإِنْ كَانَتْ سِلاحاً أَوْ كُرَاعاً وَاحْتِيجَ إِلَيْهَا اسْتُعِينَ بهَا عَلَيْهِمْ، وَيُرِدُّ بَعْدَ ذَلِكَ هَوَ وَغَيْرُهُ ... ويرد إلى المال المستعان به وغيره من سائر أموالهم لأنهم مسلمون، لم يزل ملكهم عن أموالهم، فُهِمَ من كلامه أن غير السلاح والكراع لا يستعان به عليهم، وأن السلاح والكراع إذا لم يحتج إليها لا يجوز أخذها، وهكذا نقل عن علي ابن أبي طالب ﵁ جواز الاستعانة وإلا فالأصل عدم الجواز لقوله ﵊: <لا يحل مال امرئ مسلم إلا عن طيب نفس". وَمَا أَتْلَفَهُ أَهْلُ التَّاوِيلِ مِنْ نَفْسِ وَمَالٍ فَلا ضَمَانَ يعني: أنهم إن خرجوا متأولين فلاضمان فيما أتلفوه في الفتنة من نفس ومال، واحترز بقوله: (أَتْلَفَهُ) مما لو كان بأيديهم بعينه فإن ربه يأخذه.

стр. 4322

وَإِنْ وَلَّوْا قَاضِياً أَوْ أَخَذُوا زَكَاةً أَوْ أَقَامُوا حَدَّاً، فَفِي نُفُوذِهِ قَوْلانِ القول بالنفوذ لمطرف وابن الماجشون، وعدمه لابن القاسم، وعن أصبغ القولان، والأول أقيس؛ لأن التأويل إذا نفعهم في درأ القصاص والحدود وأخذ المال انبغى أن ينفعهم في هذه الأمور. وَمَا أَتْلَفَهُ أَهْلُ الْعِنَادِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ فَالْقِصَاصُ وَالضَّمَانُ لأنهم غير معذورين. وَحُكْمُ النِّسَاءِ الْمُقَاتِلَةِ مِنْهُمَا حُكْمُ الرِّجَالِ (مِنْهُمَا) أي: من أهل التأويل وأهل العناد من القتل، وعدم قتل الأسير والتذفيف على الجريح، وفي الجواهر: وإذا قاتل النساء مع البغاة بالسلاح فلأهل العدل قتلهن في القتال، فإن لم يكن قتالهن إلا بالتحريض ورمي الحجارة فلا يقتلن إلا أن يكن قتلن فيقتلن، الشيخ أبو محمد: يريد غير أهل التأويل، وقد تقدم ي قتل النساء من أهل الحرب. وَإِذَا سَأَلَ أَهْلُ الْبَغْيِ الإِمَامَ التَّاخِيرَ أَيْاماً أَوْ أَشْهُراً حَتَّى يَنْظُرُوا فِي أَمْرِهِم، وَتَأَوَّلُوا شَيْئاً لَمْ يَجُزْ أَخْذُهُمْ، وَلَهُ أَنْ يُؤَخِّرَهُم مَا سَأَلُوا مَا لَمْ يُقَاتِلُوا فِيهَا أَحَداً أَوْ يُفْسِدُوا ... هذه الجملة وقعت في بعض النسخ، ووقعت في نسختي ونحوها في الجواهر وهو ظاهر التصور. وَأَمَّا أَهْلُ الذِّمَّةِ- فَإِنْ كَانُوا مَعَ أَهْلِ التَّاوِيلِ فَحُكْمُهُمْ حُكْمُهُمْ، وَيُرَدُّونَ إِلَى ذِمَّتِهِمْ، فَإِنْ كَانُوا مَعَ أَهْلِ الْعِنَادِ فَقَدْ نَقَضُوا عَهْدَهُمْ ... لأن التأويل صيرهم كاهل الفتنة وكلامه ظاهر.

стр. 4323

الرِّدَّةُ: الْكُفْرُ بَعْدَ الإِسْلامِ، وَتَكُونُ بصَرِيحٍ، وَبِلَفْظٍ يَقْتَضِيهِ، وَبفِعْلٍ يَتَضَمَّنُهُ حد المصنف الردة ظاهر التصور، ونسأل الله العظيم بجاه النبي الكريم أن يعصمنا منها، وأن يميتنا على الإسلام وهو راض عنا، وأن يقلع من قلوبنا رعونات البشرية. قوله: (وَتَكُونُ) أي: الردة، ويجوز أن تقرأ بالياء المثناة من تحت، تعود حينئذٍ على الكفر الصريح كالكفر بالله وبرسوله، واللفظ الذي يقتضيه كجحد الصلاة والصوم وما علم من الدين ضرورة، أو ادعى أن للنجوم تأثيراً، والفعل المضمن قالوا: كإلقاء المصحف في القاذورات، وتلطيخ الكعبة بها وشد الزنار ببلاد الإسلام، والسجود للصنم، ونقل ابن عبد السلام، وابن راشد عن القرافي، أن الخطيب إذا جاءه من يريد النطق بكلمة الإسلام، فقال: اصبر حتى أقرأ خطبتي أنه يحكم بكفر الخطيب، لأن ذلك يقتضي أنه أراد بقاءه على الكفر، ولم أرَ ذلك، ووقعت في أيام القرافي مسألة وهي: أن رجلاً قال لآخر أمات الله البعيد كافرا، فأفتى الكركي بكفره، قال: لأنه أراد أن يكفر بالله، وقال القرافي: إرادة الكفر لم تكن مقصودة، وإنما أراد التغليظ في الشتم، والكفر شيء يتول إليه الأمر. ابن راشد: وما قاله هو الصواب. وَتُفَصَّلُ الشَّهَادَةُ فِيهِ لاخْتِلافِ النَّاسِ فِي التَّكْفِيرِ يعني: لا يقبل من الشاهد أن يقول فلان كفر وارتد عن الإسلام حتى يبين الذي كَفَر به، لأن من الناس من كفَّرَ بلازم المذهب ومنهم من لم يكفر به، ولا يقال يجري هنا الاختلاف الذي في التعديل والتجريح، لأن المفسدة هنا أشد، وظاهر كلام المصنف وجوب التفصيل، ولفظ الجواهر: ينبغي ولعل مراده أيضاً الوجوب.

стр. 4324

وَمَنْ تَنَصَّرَ مِنْ أَسِيرٍ حُمِلَ عَلَى الاخْتِيَارِ حَتَّى يَثْبُتَ إِكْرَاهً فَكَالْمُسْلِمِ هذا هو المشهور، ووجهه أن الغالب في أحوال المكلف الاختيار وهذا صحيح، إلا أن يشتهر عن جهة من جهات الكفار أنهم يكرهون الأسير على الدخول في دينهم، ويكثرون من الإساءة إليه، فإذا تنصر خفف عنه، فينبغي عندي أن يتوقف في إجراء حكم المرتد عليه في ماله وزوجاته حتىي يثبت ذلك، وقيل: بل يحمل على الإكراه لأنه الغالب من حال المسلم. وقوله: (فَكَالْمُسْلِمِ) أي: فكما أن الكافر إذا أسلم ثم زعم أن إسلامه كان عن [٧٢٣/أ] إكراه، فإنه يحمل على الاختيار ولا يقبل منه دعوى الاضطرار، هكذا قال ابن عبد السلام، قال: ولم يثبت. قوله: (فكَالْمُسْلِمِ)، أنه إذا ثبت إكراهه فكالمسلم في جميع أحكامه، ويكون أعاد بذلك إلى قوله في المدونة: وإن ثبت إكراهه فكالمسلم في جميع أحكامه، ويكون أعان بذلك ببينة لم يطلق عليه في نسائه وماله، ويرث ويورث. وَمَنْ أَسْلَمَ ثُمَّ ارْتَدَّ عَنْ قُرْبٍ، فَقَالَ: أَسْلَمْتُ عَنْ ضِيقٍ أَوْ خَوْفٍ أَوْ غُرْمٍ، فَفِي قَبُولِ عُذْرِهِ بَعْدَ ظُهُورِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ، إِلا أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ ... يعني: إذا أسلم كافر ثم ارتد وقيد المصنف ذلك بالقرب كما في الرواية لأنه الغالب، ومفهوم قوله بعد ظهوره أنه لو لم يظهر ما ادعاه ما سمع منه، وحكم فيه بحكم المرتد وهو صحيح، وقول ابن القاسم بعد ظهور عذره، وروي عن مالك، أصبغ: وهو أحب إليَّ إلا أن يقيم على الإسلام بعد ذهاب الخوف فهذا لا يقبل، وقاله ابن وهب وابن القاسم، وإلى هذا التقييد أشار بقوله: (إِلا أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ زَوَالِ الْعُذْرِ)، والخلاف مبني على أنه هل يجوز إكراه الكافر على الإسلام أو لا؟ فروى أشهب وغيره أنه إكراه بحق، وإنما لا يعتبر المكره

стр. 4325

عليه إذا كان باطلاً، وروي في القول الأول أن الإكراه لا يجوز لأن الشرع قد أقر الذمي على دينه فلا يكره على الخروج منه، وإذا لم يجز إكراهه بإكراه لم يلزمه والله أعلم. فرع: المتيطي: إذا أجاب إلى الإسلام جملة، وتشهد وأقر بالرسالة ووقف على شرائع الإسلام من وضوء وصلاة وزكاة وحج البيت إن استطاع إليه سبيلا، فإن أجاب إلى ذلك تم إسلامه وقبل إيمانه، وإن ابى من التزام ذلك لم يقبل منه إسلام ولا يكره على التزامها، ولم يجبر على الإسلام وترك دينه ولا يعد مرتداً برجوعه، وكان الله غنياً عنه، وكان ينبغي عند دخوله في الإسلام أن يوقف على دعائم الإسلام المبني عليها المذكورة أولاً، قال وإن لم يوقف على شرائع الإسلام، فالمشهور من المذهب أنه يشد ويؤدب، فإن تمادى على ارتداده ترك في لعنة الله تعالى ولم يقتل؛ لأن الإسلام قول وعمل، وقاله مالك وابن القاسم وغيرهما، وبه أخذ ابن عبد الحكم وعليه العمل والقضاء، وقال أصبغ في الواضحة: سواء رجع عن إسلامه عن قرب أو بعد ولو طرفة عين إذا تلفظ بالشهادتين ثم رجع قتل بعد استتباة. انتهى. وقد تقدم في كتاب الجهاد من كلام اللخمي أنه إذا أقر بالشهادتين ثم رجع أن حكمه كالمرتد. وَمِثْلُهُ مَنْ تَوَضَّأَ وَصَلَّى ثُمَّ أَمَّهُمْ ثُمَّ اعْتَذَرَ أي: ومثل من أسلم، وظاهره دخول الخلاف المتقدم، ويحتمل أن يكون مثله في أصل الحكم وهو قبول عذره مع ظهوره وعدم قبوله مع نفي العذر. ابن عبد السلام: وهو أظهر ويعزى الخلاف لأشهب، وحكى إسحاق بن راهويه، الإجماع على أن الصلاة دليل على الإسلام، وجعل هذا الإجماع حجة في محل الخلاف وهو كفر تارك الصلاة ويستظهر لهذا الخلاف، ففي الموازية: إذا صحب النصراني قوماً وأظهر

стр. 4326

الإسلام وتوضأ وصلى وراءه القوم فلما أمن أخبرهم وقال: صنعت ذلك تحصناً بالإسلام لئلا يؤخذ ما معي أو ثيابي، فله ذلك إذا أشبه، قال: وفي البيان: قالمالك: لا يقبل ما أظهر من الصلاة وإن كان في موضع هو فيه آمن على نفسه، ووجهه انه رأى صلاته بهم مجوناً وعبثاً، ويجب عليه بذلك الأدب المؤلم، وفي الواضحة لمطرف وابن الماجشون أن ذلك منه إسلام، ولا حجة إن قال: لم أرد به الإسلام، وسواء على قولهما كان في موضع هو فيه آمن على نفسه أو لا، مثل قول أشهب أي في المسألة السابقة، وفَرقٌ لسحنون بين أن يكون في موضع هو فيه آمن فيعرض عليه الإسلام فإن لم يسلم قتل، أوخائف فلا سبيل إليه وهو أظهر الأقوال. خليل: وعلى هذا فالأظهر بقاء كلام المصنف على ظاهره من التشبيه في ظهور الخلاف ولا يلزم أن يكون القائل واحداً. ابن عطاء الله: فإن أذن الكافر كان أذانه إسلاماً، وإن أذن مسلم ثم ارتد بعد فراغه جرى على الخلاف المتقدم في الردة هل يبطل العمل بمجردها أوحتى يموت عليها. انتهى. فانظر هل يأتي على ما قاله اللخمي دون ما ذكره المتيطي أو عليها. وَعَلَى قَبُولِ عُذْرِهِ يُعِيدُ مَامُومُهُ، وَعَلَى رِدَّةٍ فِي إِعَادَتِهِمْ قَوْلانِ: أَسْلَمَ أَوْ قُتِلَ على القول بقبول عذره يعيد من صلى خلفه لأنه صلى خلف كافر، وعلى القول بعدم قبول عذره وأن حكمه كالمرتد، فقال مطرف وابن الماجشون: يعيدون أيضاً أبداً، وظاهر كلامه أنه لا فرق بين أن يسلم أو يقتل والقول بعدم إعادته سواء أسلم أو قتل لم أقف عليه، نعم قال صاحب البيان: أنه القياس إذا حكمنا بإسلامه، والظاهر هو الأول لأنا وإن حكمنا بإسلامه فهو غير موثوق به في شروط الصلاة، والصلاة لابد فيها من نية جازمة، وإسلامه إنما حكم به في الظاهر، وقال سحنون: إن كان في موضع يخاف فيه على

стр. 4327

نفسه فلا يقبل ويعيد القوم صلاتهم، وإن كان آمناً فإنه يعرض عليه الإسلام فإن أسلم فصلاتهم تامة، وإن [٧٢٣/ب] لم يسلم قتل وأعادوا. وَحُكْمُ الْمُرْتَدِّ إِنْ لَمْ تَظْهَرْ تَوْبَتُهُ الْقَتْلُ لما في البخاري وغيره عنه ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه"، وقال في المرتد للجنس يشمل الذكر والأنثى خلافاً للحنفية في إخراج الأنثى، ولنا العموم المتقدمز فرع: فإن كانت متزوجة لم تقبل حتى تستبرأ، قال في الموازية: بحيضة. فَلِذَلِكَ لا يُقْتَلُ الزِّنْدِيقُ إِذَا جَاءَ تَائِباً وَظَهَرَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى الأَصَحِّ، بخِلافِ مَنْ ظُهِرَ عَلَيْهِ، قَالَ مَالِكٌ: لأَنَّ تَوْبَتَهُ لا تُعْرَفُ؛ يَعْنِي أَنَّ التَّّقِيَّةَ مِنَ الزَّنْدَقَةِ أي: لأجل أنَّا لا نقتل المرتد إلا إذا لم يظهر توبته، لأنه إنما قتل على ما أسر، وما أظهره لا يدل على ذلك وهذا هو المعهود، وذهب ابن لبابة إلى استنابته كالمرتد، وأما إذا جاء تائباص فظاهر الحال ان توبته صحيحة لاعترافه قبل أن يطلع عليه، ومقابل الأصح ذكره ابن شاس، فقال: ومن أصحابنا من قال لا تقبل توبته إذا جاء تائباً وصلى قبل الظهور عليه، وقوله: شاذ بعيد عن المذهب. وَيَجِبُ عَرْضُ التَّوْبَةِ عَلَى مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ، وَفِي وُجُوبِ إِمْهَالِهِ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ رِوَايَتَانِ، وَلا يُجَوَّعُ وَلا يُعَطَّشُ وَلا يُعَاقَبُ ... لعله قال قوله: (مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ) على الأمر ليشمل كلامه المرتد والزنديق على الشك، وإلا فالمشهور أن التوبة إنما تعرض على المرتد، وظاهر المذهب وجوب إمهاله ثلاثة أيام، ففي الرسالة: ويؤخر للتوبة ثلاثاً، وحكى ابن القصار إجماع الصحابة عليه لتصويبهم قول عمر ﵁ بالاستنابة من غير إنكار، ففي الموطأ لما بلغه أنهم قتلوه من غير استنابة أنه قال ﵁: أفلا حبستموه ثلاثاً وأطعمتموه كل يوم رغيفاً

стр. 4328

واستنبتموه ولعله يتوب، ثم قال عمر: اللهم إني لم أحضر ولم أرضَ إذ بلغني، ويعرض عليه الإسلام كل يوم. ابن راشد: والنص أنه يمهل، وإنما الخلاف في كونه واجباص أو استحباباً في ذلك روايتان، وعلى هذا فكلام المصنف ليس بظاهر؛ لأنه لا يؤخذ منه الاستحباب، لكن حكى ابن القصار عن مالك ما ظاهره عدم استحباب التأخير ثلاثاً؛ لأنه روي عنه أنه يستناب فإن تاب وإلا قتل. قوله: (وَلا يُجَوَّعُ وَلا يُعَطَّشُ) نحوه لمالك لكلام عمر ﵁ السابق. قوله: (وَلا يُعَاقَبُ) ظاهره في الثلاثة، وهكذا نقل الباجي عن مالك، ونقل عن أصبغ أنه يخوف أيام استنابته بالضرب ويذكر بالإسلام، ويحتمل أن يردي لا يعاقبه إذا تاب وكذلك ذكره في الجواهر، قاله أشهب عن مالك. وَالسَّاحِرُ كَالزِّنْدِيقِ حُرَّاً أَوْ عَبْداً ذَكَراً أَوْ أُنْثَى، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ مُسْتَسِرَّاً بسِحْرِهِ وُرِّثَ ... حد ابن العربي السحر بأنه كلام مؤلف يعظم به غير الله وتنسب إليه المقادير والكائنات، وفي الترمذي عنه ﵊: "حد الساحر ضربه بالسيف"، وفي الموطأ: "أن حفصة ﵂ أمرت بقتل جارية لها أسحرتها". ولأنه كفر فيجب قتله، أما أنه كفر فلقوله تعالى: (وَمَا يُعَلِمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ) [البقرة: ١٠٢]، وأما الكافر يقتل لقوله ﵊: "من بدل دينه فاقتلوه"، ولقوله ﵊: "لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: كفر بعد إيمان، أو زنا بعد إحصان، وقتل نفس بغير نفس"، ولا يقال هذا الحديث مخصص؛ لأن المسلم يقتل بغير هذا كالحرابة، وإذا كان مخصاصً فلا يحتج به؛ لأن الصحيح عند علماء الأصول خلافه، ولهذا قال مالك إن لم تعلم كفر وإن لم يعمل به، وإذا

стр. 4329

ثبت أن حده القتل، فقال أصبغ: فلا يقتل حتى يثبت أن ما فعله من السحر الذي وصفه الله تعالى بأنه كفر، قال ويكشف عن ذلك من يعلم حقيقته، وحكاه الطرطوشي عن قدماء الأصحاب. الباجي: يريد ويثبت ذلك عند الإمام. وقوله: (كَالزِّنْدِيقِ) أي: فإن ظهر عليه قتل ولم يستتب، وإن جاء تائباً ترك على الأصح، هذا مقتضى التشبيه، ونحوه في الجواهر لأنه قال في الساحر: إذا اطلع عليه فقيل: لا يقبل منه ما يدعيه من التوبة التي لا يعرف صدقه في دعواها إلا أن يأتي تائباً منه قبل أن يطلع عليه، وهو اختيار القاضي أبي محمد، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ: وهو كالزنديق إن ظهر سحره، قبلت توبته وإن كان مستتراً به قتل ولم يستتب، فظاهره أن المستسر بسحره لا تقبل منه التوبة باتفاق، وإنما الخلاف إذا ظُهر على سحره كالزنديق، وظاهر ما في الموازية موافق لاختيار القاضي؛ لأن فيها لمالك أن الساحر يقتل ولا يستتاب وأن السحر كفر، وعلى هذا فلا يورث، وقال ابن عبد الحكم وأصبغ يورث إن كان مستسراً بسحره، ولا يردي إذا كان مضمراص له وقتل، وماله لبيت المال وإلى هذا أشار بقوله: وقيل إن كان مستسراً بسحره ورث وفهم منه أنه لا يورث على الأول مطلقاً. وقوله: (حُرَّاً أَوْ عَبْداً ذَكَراّ أَوْ أُنْثَى) يعني: لا فرق في الساحر بين أن يكون حرَّاً أو عبداً، ولا فرق بين أن يكون ذكراً أو أنثى والمعروف من المذهب قتل الساحر، ورو ابن نافع عن [٧٢٤/أ] مالك في المبسوط في المرأة تقر أنها عقدت زوجها عن نفسها أو غيرها أنها تقتل، قال ولو سحر نفسه لم يقتل بذلك وهذا كله إنما هو فيمن يباشر السحر، وأما من ذهب إلى من يعهد به، ففي الموازية: يِؤدب إذا باشر يداً ولا يقتل. فرع: وإذا كان الساحر ذميَّاً، فقال الباجي عن مالك أنه لا يقتل إلا أن يدخل بسحره ضرراً على المسلمين، فيكون ناقضاً للعهد، فيقتل لنقض عهده، ولا تقبل منه توبة غير

стр. 4330

الإسلام، وأما إن سحر أهل ملته، فليؤدب إلا أن يقتل أحداً فيقتل به، وقال سحنون في العتبية: في الساحر من أهل الذمة يقتل إلا أن يسلم فليترك، كمن سب النبي ﷺ . الباجي: فظاهر قول سحنون أنه يقتل على كل حال إلا أن يسلم، بخلاف قول مالك أنه لا يقتل إلا أن يؤذي مسلماً، ونقل في البيان قولاً بأن الذمي إذا تزندق أو سحر يقتل وإن أسلم. وَوَلَدُ الْمُسْلِمِ الْمُرْتَدِّ يَرْتَدُّ - كَالْمُرْتَدِّ يُجْبَرُ عَلَى الإِسْلامِ يعني: أن المسلم إذا ارتد وكان له ولد فارتد أيضاً، فإن الولد حكمه كحكم المرتد، لكن لا يقتل إلا أن يبلغ، فقوله: (الْمُرْتَدِّ) صفة للوالد، وكلام المصنف يتناول المولود قبل الردة، وقد تكلم في الجواهر على المولود قبلها أو بعدها، فقال: وأما ولد المرتد فلا يلحق به في الردة إذا كان صغيراً، إذ تبعية الولد لأبيه في الدين إنما تكون في دين يقر عليه، فإن قتل الأب على الكفر بقي الولد مسلماً فإن أظهر خلاف الإسلام أجبر على الإسلام، فإن غفل حتى بلغ ففي إجباره على الإسلام خلاف إذا ولد قبل الردة، ثم في كونه بالسيف أو بالسوط خلاف أيضاً وإن ولد بعدها أجبر وإن بلغ، وقيل: إن بلغ ترك كمن ارتد، وفهم من قول المصنف: (يَرْتَدُّ) أن الولد لو لم يرتد لم يتبع أباه كما صرح به في الجواهر، ومفهوم قوله إلى أن يبلغ، أنه إذا بلغ يقتل، وهو أحد القولين اللذين حكاهما ابن شاس، وحكاهما ابن حبيب عمن كاتب من أصحاب مالك، وذكر في الباين عن ابن القاسم أنه لا يجبر بالقتل مطلقاً سواء ولد قبل الردة أو بعدها، وعن ابن كنانة: أنه إ لم يرجع الذي ولد له بعد الردة يقتل، ووقع في نسخة ابن عبد السلام: وولد المسلم المرتد كالمرتد، وجعل المرتد صفة للولد، قال: وهو خلاف ما تكلم عليه في الجواهر، وهذا لأنه لم يقع في نسخة يرتد وهي ثابتة عندنا في النسخ، فليس كلامه خلافاً لابن شاس.

стр. 4331

وَلاَ يُقْتَلُ إِلَى أَنْ يَبْلُغَ وَلا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ وَلا يُصَلِّى عَلَيْهِ أي: إذا جعلنا حكم المرتد لم تؤكل ذبيحته ولا يصلي عليه، ووقع في بعض النسخ: (فلا تؤكل) بالفاء وهي أحسن لأنها لم تشعر بالعلة. وَلَوْ غُفِلَ عَنْهُ حَتَّى بَلَغَ اسْتُتِيبَ عَلَى الأَصَحِّ الظاهر أن هذا مرتب على كلام هالسابق فيكون في الولد إذا ارتد لارتداد أبيه وكان قد ولد قبل الردة، وقد تقدم فيه من كلام صاحب الجواهر خلاف، ومقابل الأصح لابن القاسم أيضاً في العتبية فيمن ارتد وله ولد صغار أو أبوا أن يسلموا وقد كبروا، فليجبروا بالضرب ولا يبلغ بهم القتل. وَأَمَّ مَالُُهُ فَيُوقَفُ فَإِنْ تَابَ فَلَهُ عَلَى الأَصَحِّ، وَإِلا كَانَ فَيْئاً قوله: (وَإِلا) أي: وإن لم يثبت بل قتل على ردته فماله فيء بالاتفاق، وأما إن تاب فالأصح مذهب المدونة أنه له، ومقابله أنه أيضاص فيء وتعقبه. ابن عبد السلام: فإن ظاهره أنه يتفق على الإيقاف، قال: ولا فائدة في إيقافه على القول بأنه لا يرجع إليه. خليل: والنقل كما قال المصنف، فقد قال ابن شعبان: ومن أصحابنا من يقول إذا وقف مال المرتد بارتداده ثم مات أنه لا يرد إليه لأنه شيء وجب لغيره بردته، وكلام ابن شاس ككلام المصنف، وفائدة الإيقاف على هذا القول لما قد يطرأ عليه من دين سابق والتأليف على الإسلام؛ لأنا إذا أوقفنا المال يتوهم هأنا إنما وقفناه له فيسلم لذلك. وَمَالُ الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ أي: إذا قتل؛ لأنه يأخذه بالملك لا بالميراث.

стр. 4332

وَحُكْمُ الزَّوْجَةِ تَقَدَّمَ يعني: في النكاح. وَأَمَّا جِنَايَتُهُ عَلَى الْحُرِّ الْمُسْلِمِ عَمْداً فَإِنْ لَمْ يَتُبْ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ إِلاَّ الْفِرْيَةُ وَيُقْتَلُ لأن القتل يأتي على ذلك كله، وحكى صاحب البيان الاتفاق على ذلك كله، قال في المدونة: إلا القذف وإليه أشار المصنف بالفرية، واستثنى لما يلحق المقذوف من الفرية وقيد هذا في الموازية بأن يقذفه في بلاد الإسلام، وأما في دار الحرب فإنه إذا أسر يسقط عنه حد القذف. وَإِنْ تَابَ قُدِّرَ جَانِياً مُسْلِماً فِي الْقَوَدِ وَالْعَقْلِ، وَقِيلَ: قُدِّرَ جَانِياً مِمَّنِ ارْتَدَّ إِلَيْهِمْ القولان لابن القاسم بناء على اعتبار النظر في الجناية يوم الحكم ويوم الوقوع، والقياس عند اعتبار يوم الجناية، وزاد في البيان ثالثاً: اعتبار العقل يوم الحكم والقود يوم العقل، وقد تقدمف ي موجبات الجراح هذا المعنى. وَلَوْ قَتَلَ حُرَّاً مُسْلِماً وَهَرَبَ إِلَى بَلَدِ الْحَرْبِ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا شَيْءَ لَهُمْ مِنْ مَالِهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لَهُمْ-إِنْ عَفَوْاً- الدِّيَةُ ... خلافهما مبني على أن الواجب في العمد هل هو القود فقط أو التخيير؛ لأنه قد يعترض على أشهب بأن الخيار إنما هو حيث لا مانع، والقاتل هنا لو حضر كان محبوساً بحكم الارتداد ولم يكن لأولياء [٧٢٤/ب] الدم معه كلام. أَمَّا لَوْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أُخِذَ مِنْ مَالِهِ هذا قسيم قوله أو لا حراً مسلماً، وإنما أخذ من ماله لأنه ترتب علهي فلا يسط عنه، وهذا مذهب ابن القاسم في الموازية وبه أخذ محمد وقاله أصبغ، قال في البيان: وعلى

стр. 4333

قياس قول سحنون الذي يرى أنه محجور عليه في ماله بنفس الارتداد، لا يكون ذلك في ماله وإليه ذهب الفضل. وَلَوْ قَتَلَ حُرَّاً مُسْلِماً خَطَأً فَإِنْ لَمْ يَتُبْ فَالدِّيَةُ فِي بَيْتِ الْمَالِ، وَإِنْ تَابَ فَالدِّيَةُ عَلَى تَفْصِيلِهَا كَالْمُسْلِمِ ... لأنه إذا لم يتب يرثه بيت المال فكذا يعقل عنه، لكن تقييده بالمسلم ليس بظاهر لأنه لو قتل ذمياً لكان كذلك نص أصبغ. قوله: (وَإِنْ تَابَ فَالدِّيَةُ عَلَى تَفْصيلِهَا) يحتمل أن يريد بالتفصيل دية المسلم واليهودي والمجوسي، ويحتمل أن يريد في النفس والجراح ويكون إشارة إلى أن ما دون الثلث في ماله والثلث فما زاد على العاقلة، ولا يقال يرد هذا أن المسألة مفروضة في القتل، ودية الحر المسلم لا تقبل النقصعن الثلث، لأنا نقول يجوز الكلام على أعم من فرض المسألة، لقوله ﵊: لما سئل عن ماء البحر "الطهور ماؤه الحل ميتته"، وفي البيان يتحصل ف يدية من قتل المرتد خطأً إذا أسلم ثلاثة أقوال: الأول: أن ذلك على عاقلته، والثاني: أن ذلك على جماعة المسلمين، والثالث: أن ذلك في ماله، وفي المسألة قول رابع، وروى أشهب أن ديته على أهل الدين الذي ارتد إليه. وَالْجَنَايَةُ عَلَيْهِ تَقَدَّمَتْ أي: أول الديات في قوله: (وَفِي الْمُرْتَدِّ ثَلاثَةٌ). وَعَقْلُهَا إِنْ لَمْ يَتُبْ لِلْمُسْلِمِينَ، وَإِنْ تَابَ فَلَهُ، وَعَمْدُهَا كَالْخَطَأِ، وَلَوْ كَانَ الْجَانِي عَبْداً أَوْ ذِمِّيَّاً ... عقل الجناية إذا لم يتب للمسلمين كما يرثوا سائرها، وإن تاب فله كمالِهِ وهذا على المشهور في رجوعه ماله له إذا تاب، وجرحه عمداً كالخطأ إلا ما ذكرناه من عدم القصاص؛ لأن العاقلة تحمل ذلك وغير ذلك.

стр. 4334

وَتُسْقِطُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنَ الْعِبَادَاتِ حَقًّا للهِ تَعَالَى مِنْ صَلاةٍ وَصِيَامٍ وَزَكَاةٍ وَنَذْرٍ وَيَمِينٍ وَظِهَارٍ كَالْكَافِرِ الأَصْلِيِّ بخِلافِ حَقِّ الآدَمِيِّ ... يعني: أن الردة تُسقِط ما فرَّط فيه من صلاة وصيام وغير ذلك من حقوق الله تعالى حال الردة أو قبلها، فلذلك إذا تاب لا يؤمر بقضاء ذلك وهو في ذلك كالكافر الأصلي. وقوله: (وَظِهَارٍ) ينجز وأما اليمين بالظهار فسيأتي من كلام المصنف أنه يسقط، وكذلك اختصر ابن أبي زيد المدونة على سقوطها، عياض: واختلف قول ابن القاسم في يمين الظهار عند محمد، قال: وقال بعض شيوخنا وكذلك لفظ الكتاب: لوكان الظهار حنث فيه فوجب عليه الكفارة لا يسقطها ارتداده، وتأول على ذلك مسألة الكتاب بخلاف ما لو كان لزمه مجرد الضمان ولم يحنث فيه فلا يسقطه ارتداده، قال: ومثله في الموازية. قوله: (بخِلافِ حَقِّ الآدَمِيِّ) فإنه لا يسقطه بل يؤخذ بما كان الناس من قذف أو سرقة أو قتال أو قصاص أو غير ذلك. وَتُزِلُ الإِحْصَانَ فَيَاتَنِفَانِهِ إِذَا أَسْلَمَا أي: تزيل الردة إحصان الرجل والمرأة فيأتنفانه إذا أسلما، ولذلك إذا زنيا بعد الردة لجواز حد البكر وإن تقدم منهما تزويج صحيح. وَرِدَّةُ الْمَرْأَةِ تُبْطِلُ إِحْلالَهَا يعني: إذاطلق الرجل امرأته البتة فتزوجت غيره فحلت للأول، ثم ارتدت لسقط ذلك الإحلال كما يسقط الإحصان. ابن يونس: لأنها بطلت فعلها في نفسها وهو نكاحها الذي أحلها، كما أبطلت نكاحها الذي أحصنها.

стр. 4335

بخِلافِ الْمُحَلَّلِ لأَنَّهُ أَثَرُهُ فِي غَيْرِهِ أي: بخلاف ارتداد المحلل فإن ردته لا يبطل إحلالها مطلقاً (لأَنَّهُ أَثَرَهُ) أي: الإحلال في غيره إلى المطلق وهو المرأة. كَالْيَمِينِ باللهِ وَبالْعِتْقِ وَالظِّهَارِ هذا تشبيه لأصل المسألة وهو قوله (وَتُزِيلُ الإِحْصَانَ)، وكأنه والله أعلم قصد الاستدلال أن ردة المرأة تزيل الإحصان والإحلال كي تبطبل اليمين بالله وبالعتق وبالظهار، وهكذا في المدونة وقيده ابن الكاتب بالعتق غير المعين، قال: وأما المعين فقد انعقد في ماله حق لمعين فلا يسقط كالمدبر. سحنون: ولا تسقط الردة حد الزنى لو يشاء من وجب عليه حد أن يسقطه إلا أسقطه بالردة. ابن يونس: وظاهر هذا خلاف المدونة، قال: وإنما استحب أنه إن علم منه انه إنما ارتد ليسقط الحد قاصداً لذلك فإنه لا سقط عنه ذلك، وإن ارتد لغير ذلك سقط عنه، علي بن زياد عن مالك: وإن ارتدت امرأة تريد بذلك فسخ النكاح لايكون ذلك طلاقاً وتبقى على عصمته. ابن يونس: وأخذ به بعض شيوخنا، قال: وهو كاشترائها زوجها بقصد فسخ نكاحها. وَقِلَ: لا تُزِيلُ الإِحْصَانَ وَلا الإِحْلالَ كَطَلاقِهِ إِذْ لا يَتَزَوَّجُ مَبْتُوتَةً قَبْلَهَا إِلا بَعْدَ زَوْجِ، وَأُجِيبَ بأَنَّ أَثَرَهُ فِي غَيْرِهِ، وَلِذَلِكَ لَوِ ارْتَدَّتِ الْمَبْتُوتَةُ مَعَهُ حَلَّتْ ... هذا مقابل قوله أولاً: وتزيل الإحصان، وقوله: (وَرِدَّةُ الْمَرْأَةِ تُبْطِلُ إِحْلالَهَا) يعني: أن ما تقدم هو المشهور، وقيل: لا تزيلها كما لا تزيل حكم الطلاق الثلاث، وبين ذلك بقوله [٧٢٥/أ]: (إِذْ لا يَتَزَوَّجُ مَبْتُوتَةً قَبْلَ الرِّدَّةِ إِلا بَعْدَ زَوْجٍ)، وأجيب عن هذا القياس بأن أثر الطلاق في الزوجة وهي غير المطلق كالإحصان والإحلال لأنهما قائمان بها خلاف

стр. 4336

أثر الطلاق فنه قائم بالزوجة، ولأجل أن أثر الطلاق فيها لو ارتدت المبتوتة ومطلقها معاً ثم رجعا إلى الإسلام لحلت لمطلقها، لأن أثر الطلاق قد بطل بالردة، وما ذكره من عدم إزالة أثر الطلاق الثلاث. عياض: ذهب أكثرهم إلى حمل قول ابن القاسم عليه وذهب ابن زرب إلى أن مذهب ابن القاسم أن الردة تسقط الثلاث، ويجوز للمطلق ثلاثاً قبل ارتداده تزويجها دون زوج، وحكى إسماعيل عن ابن القاسم نحوه. أبو عمران: وهو الأشهر عنه، وحكى الدمياطي عنه خلافه. وَتَبْطُلُ وَصَايَاهُ قَبْلَ الرِّدَّةِ وَبَعْدَهَا هكذا قال في النكاح الثالث من المدونة، وقال في أمهات الأولاد: وإن قتل على ردته عتقت أم ولده من رأس ماله وعتق مدبره في الثلث وسقطت وصاياه، ابن يونس: وعلى قول أشهب لا تبطل وصاياه إذا رجع إلى الإسلام إلا أن يرجع عنها، أصبغ: وإن ارتد سقطت وصاياه فإن رجع إلى الإسلام ثم مات فإن كانت هذه الوصايا مكتوبة جازت وإلا لم يجز، ووقع في بعض النسخ زيادة: (يعتق بعد موته قبل الردة وبعدها)، وليس للتقييد بالعتق معنى. وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْحَجُّ وَإِنْ تَقَدَّمَ لأنه لما ارتد حبط عمله وهذا هو المشهور لقوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٣٥] وقيل: لا تجب عليه إن كان قد حج بناء على أن الردة إنما تبطل العمل بشرط الوفاة على الكفر، لقوله تعالى: ﴿وَمَن يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَن دِيِنِه، فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الْدُّنْيَا وَالأَخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْنَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [البقرة: ٢١٧] والأول أظهر لأن هذه الآية رتبت شيئان على شيئين، والإحباط مرتب على

стр. 4337

الردة، والخلود مرتب على الموت على الكفر، وأيضاً فإن قوله تعالى: (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) [الزمر: ٣٥] نص على البطلان لمجرد الردةن والآية الأخرى نص في الإحباط بالموت على الكفر، وهي إنما تنعي الإحباط بمجرد الردة بطريق المفهوم، والمفهوم إنما يعمل به إذا لم يعارضه ما هو أقوى منه. وَمَنِ انْتَقَلَ مِنْ كُفْرٍ إِلَى كُفْرٍ أُقِرَّ عَلَيْهِ هو المشهور وروي أنه يقتل لخروجه عن العهد الذي عقد إلا أن يسلم، وذكر صاحب البيان في الذمي يتزندق ثلاثة أقوال: الأول: أنه يترك، الثاني: يقتل، الثالث: يقتل إلا أن يسلم. وَيُحْكَمُ بإِسْلامِ الْمُمَيِّزِ عَلَى الأَصَحِّ تكلم على إسلامه وليس من باب الردة ليرتب على ذلك ردته، ولما كان الإسلام تارة يكون بالاستقلال وتارة يكون بالتبعية، تكلم أولاً بالاستقلال والأصح، ذكر ابن شاس في اللقيط أنه ظاهر المذهب، وذكر في البيان في باب الجنائز أنه مشهور وقول ابن القاسم؛ لأن المعرفة بالله تعالى تصح من المميز، ومقابل الأصح لابن القاسم أيضاً وسحنونأنه لا يحكم له بحكم الإسلام وإن عقله وأجاب إليه ما لم يبلغ. وَيُجْبَرُ إِنْ رَجَعَ هذا مفرع على الأصح؛ أي: إذا حكمنا بإسلامه. وَيُحْكَمُ بإِسْلامِهِ تَبَعاً كَغَيْرِ الْمُمَيِّزِ وَكَالْمَجْنُونِ للإِسْلامِ الأَبِ دُونَ الأُمِّ، وَقِيلَ: وَالأأُمُّ، وَقِيلَ: إِلا أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقاً كَاثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَيُتْرَكُ ... يعني: أن الأب إذا أسلم حكم بإسلام ولده مميزاً كان أو غيره تبعاً له، وكذلك يحكم على ولي المجنون بالتبعية، والظاهر أن مراده بالمجنون البالغ، وتقييد ابن عبد السلام له بأن

стр. 4338

يكون قبل البلوغ ليس بظاهر؛ لأنه يلزم منه التكرار؛ إذ هو صبي غير مميز ولا تبعية للأم، وقال ابن وهب: يتبع من كان من الأبوين أحسن ديناً وإليه أشار بقوله: والأم فالواو بمعنى أو. ابن عبد السلام: وقيل الأم كالردة. وقوله: (إِلا أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقاً) هو استثناء من قوله: (وَيُحْكَمُ بإِسْلامِهِ) تبعاً أو أدبه، قول مالك: ومن أسلم وله ولد مراهق من أبناء ثلاثة عشر عاماً وشبه ذلك، ثم مات الأب وقف ماله إلى بلوغ الولد، فإن أسلم ورث وإلا لم يرث وكان المال للمسلمين، ولو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل أخذ ذلك حتى يحتلم لأن ذلكليس بإسلام، ألا ترى أنه لو أسلم ثم رجع إلى النصرانية أكره على الإسلام ولم يقتل، ولو قال الولد لا أسلم إذا بلغت لم ينظر إلى ذلك، ولابد من إيقاف المال إلى احتلامه. انتهى. خليل: انظر قوله في المدونة: ولو أسلم الولد قبل احتلامه لم يتعجل ... إلخ. خلافُ ما صححه المصنف من الحكم بإسلام المميز، لكن قد أخذ غير واحد القولين من المدونة، وعلى الحكم بإسلامه له الميراث لأنه لو رجع إلى النصرانية أجبر بالضرب حتى يسلم أو يموت. وَلِذَلِكَ يُوقَفُ مِيرَاثُهُ مِنْهُ، وَلَوْ أَسْلَمَ حَتَّى يَبْلُغَ لأَنَّهُ لَوْ رَجَعَ لَمْ يُقْتَلْ قد تقدم هذا في نص المدونة. وَلَوْ أَقَرَّ بَعْدَ إِسْلامِهِ حَتَّى رَاهَقَ فَقَوْلانِ هما في المدونة ونصها: ومن أسلم وله ولد صغار فأخرهم حتى بلغوا اثنتي عشرة سنة وشبه ذلك فأبوا الإسلام فلا يجبرون وهومسلمون، وهو أكثر مذاهب المدنيين. وَتَبَعاً لِلسَّابِي الْمُسْلِمِ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَبُوهُ نحوه في الجواهر وهو خلاف المدونة لقوله: ومن اشترىصغيراً من العدو أو وقع في سهمه من المغنم فمات صغيراً لم يُصلَّ عليه، وإن نوى به سيده الإصلاح إلا أن يجيب

стр. 4339

إلى الإسلام بأمر يعرف أنه عقله، وهذا إذا كان كبيراً [٧٢٥/ب] يعرف ما أجاب إليه، وفي البيان في باب المرتدين: وأما إن سُبِيَ وقد عقل دينه فلا أذكر نص خلافه أنه لا يجبر، قال: ويدخل فيه الاختلاف بالمعنى على بعد وهو لا يعتبر بكونه ممن يعقل دينهم، على قياس القول بأنه لو أسلم حينئذٍ لم يعتبر إسلامهم، فيكون لسيده أن يجبره على الإسلام، وحصل فيه إذا لم يعقل ستة أقوال: الأول: أن يجبر مطلقاً، الثاني: لا يجبر مطلقاً، الثالث: أنه يخير إن لم يسب معه أحد أبويه، الرابع: إذا لم يكن معه في ملك واحد، الخامس: يجبر إن لم يُسْبَ معه أبوه ولا يلتفت إلى أمه، السادس: أن يسب معه أبوه إّا لم يكن معه في ملك واحد. وَتَبَعاً لِلدَّارِ فَيُحْكَمُ بإِسْلامِ اللَّقِيطِ كَمَا تَقَدَّمَ أي: في باب اللقيط وحاصل كلام المصنف للتبعية ثلاثة أسباب: إسلام الأب وإسلام السَّابِي وإسلام الراد. الزِّنَى: وَهُوَ أَنْ يَطَأَ فَرْجَ آدَمِيٍّ لا مِلْكَ لَهُ فِيهِ باتِّفَاقٍ مُتَعَمِّداً الزنى مقصور عند أهل الحجاز، قال الله العظيم: (وَلا تَقْرَبُوا الزِنَى) [الإسراء: ٣٢] ونقل الجوهري عن أهل الحجاز أنهم يمدونه. عياض: فمن ذهب إلى أنه من فعل اثنين كالمقابلة، ومن قصره جعله اسم الشيء نفسه، ولا خفاء في تحريمه كتاباً وسنة وإجماعاً بل في كل ملة. وعرفه المصنف بقوله: (وَهُوَ أَنْ يَطَأَ ... إلخ)، فـ (أَنْ يَطَأَ) كالجنس، واحترز بالفرج من الوطء في الفخذين ونحوذلك، وبالآدميين من البهيمة كما سيأتي، وسيتكلم المصنف على ما احترز عنه بالتفصيل، وأورد أن قوله: (أَنْ يَطَأَ) لا يصدق إلا على الرجل فلا يناول الزانية، وأجيب بأن (الوطء) مصدر لا يمكن وقوعه إلا بين اثنين فذكر إحداهما

стр. 4340

مستلزم للآخر، وأورد أنه غير مانع لأنه لا يدخل تحته شيء من أفراد المحدود؛ إذ قوله: (آدَمِيٍّ) حقيقة في الذكر وذلك إنما يسمى لواطاً، وأجيب بأن المراد بالآدمي الجنس، والزنى يعم اللواط وغيره، ولا يمتنع أن يكون لبعض أنواع الماهية اسم يخصه، وأورد أيضاً أنه لا يناول ما إذا وطء الإنسان مملوكه الذكر؛ لأنه لا يصدق عليه قوله: (لا مِلْكَ لَهُ)؛ لأن له فيه ملكاً، وأجيب بأن الملك لاسليط الشرعي أو شبهه، ولأن قوله (فِيهِ) عائد على الفرج، وفرج الذكر لا ملك له فيه باعتبار هذا الفعل، وأورد أيضاً أنه غير مانع لدخول وطء الأب جارية ابنه؛ إذ لا ملك للأب فيها، وأجيب بالمنع لأن الملك كما ذكرناه هو التسليط أو شبهه، والأب له شبهة الملك ولذلك لا يحد. فَيَتَنَاوَلُ اللِّوَاطَ وَإِتْيَانَ الأَجْنَبيِّةِ فِي دُبُرِهَا، وَفِي كَوْنِهِ زِنّى أَوْ لِوَاطاً قَوْلانِ أي: فيتناول الترعيف اللواط وإتيان الأجنبية في دبرها؛ لأنه وطء فرج آدمي، ويكون إتيان الأجنبية في دبرها زنى فيجلد البكر ويرجم المحصن، وهو مذهب المدونة والموازية والواضحة، أو لواطاً فيرجمان وهو قول ابن القصار، ومنشأ الخلاف النظر إلى كونه دبراً. وَلا يَتَنَاوَلُ الْمُسَاحَقَةَ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ذَلِكَ إِلَى اجْتِهَادِ الإِمَامِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: خَمْسِينَ خَمْسِينَ .... لأن اللواط عبارة عن إيلاج ولا إيلاج هنا، واختلف في حكمه، والأظهر قول ابن القاسم أن ذلكموكول إلى اتجهاد الإمام لعدم الدليل على التحديد، ووجه قول أصبغ- والله أعلم- أنه فعل كملت به لذتها فكان في منى الزنى الحقيقي، وهو بالنسبة إليها سواء إليها بقيمة المائة بينهما.

стр. 4341

وَيَتَنَاوَلُ إِتْيَانَ الْمَيْتَةِ فَيُحَدُّ وَاطِئُهَا ابن عبد السلام: لانطباق رسم الزنى عليه، وقال ابن شعبان: لا حد عليه يريد وعليه الأدب إذ لا يحصل به من اللذة كما يحصل بالحية، وهذا إنما هو في الأجنبي، وأما الزوج ففي التنبيهات: الأكثرون من محققي أصحابنا: لا يحد الزوج لتقدم الإباحة فكان ذلك شبهة. وَالصَّغِيرَةِ يُوطَأُ مِثْلُهَا أي: ويتناول التعريف واطئ الصغيرة التي يوطأ مثلها، وقيدها بأن يوطأ مثلها كما في المدونة. اللخمي: يريد إن عبث بصغيرة لا يوطأ مثلها لا يحد، وفي مدونة أشهب مثل ذلك: أنه لا يحد إذا زنى بصغيرة لا يجامع مثلها. ابن عبد الحكم: لا يكون محصناً حتى يزوج من يطيق الوطء، وإن كان مثلها ممن يطيق الوطء فعليه الرجم، وقال ابن القاسم: يحد وإن كانت بنت خمس سنين. بخِلافِ الْمُرَاهِقِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَجْنُونِ فَيُحَدُّ الْمُكَلَّفُ مِنْهُمَا ظاهره أن التعريف لا يتناولهم وفيه نظر؛ لأنه يصدق على المراهق والمجنون أنهما وطئا فرج آدمي، لكن هذا الكلام يبين أن فاعل يطأ بالتعري عائد على (الْمُكَلِّفُ)، ما ذكره من عدم المراهق هو المشهور. ابن عبد السلام: وضمير (مِنْهُمَا) راجع إلى كل اثنين تقدم ذكرهام كالكبير مع الصغيرة والعكس والمجنون مع العاقلة والعكس.

стр. 4342

خليل: وفيه نظر؛ لأن قوله الصغيرة يطأها الكبير وعكسها ليس بظاهر، لأنه يلزم على كلامه إذا وطء الكبيرة صغير أن الكبيرة تحد وليس كذلك، بل ضمير (مِنْهُمَا) عائد على المجنون والمجنونة؛ أي: يحد المكلف إذا وطء مجنونة والمكلفة إذا مكنت من نفسها مجنوناً. وَلا يَتَنَاوَلُ الْبَهِيمَةَ، فَلا يُحَدُّ عَلَى الأَصَحِّ وَيُعَزَّرُ، وَالْبَهِيمَةُ كَغَيْرِهَا فِي الذَّبْحِ وَالأَكْلِ باتِّفَاقٍ. لأنه لا يصدق عليه أنه وطء فرج آدمي ولا شك في تعزيره، ومقابل الأصح في كتاب ابن شعبان، ورأى [٧٢٦/أ] أنه أتى فرج مشتهى، وفي الترمذي أنه عليه الصلاة والسالم قال: "من أتى بهيمة فلا حد عليه" وهو أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم، وأشار بالحديث الأول إلى ما رواه ابن عباس ﵁ أنه ﷺ قال: "من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة"، فقيل لابن عباس ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله ﷺ في ذلك شيئاً ولكن أرى رسول الله ﷺ كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها، فالاتفاق الذي حكاه المصنف على أن البهيمة كغيرها في الذبح والأكل نقله الطرطوشي. "لا مِلْكَ لَهُ فِيهِ" يُخْرِجُ الْحَلالَ وَالْحَائِضَ وَالْمُحْرِمَةَ وَالصَّائِمَةَ وَالْمَمُلُوكَةَ الْمُحَرَّمَةَ بنَسَبٍ لا يُعْتِقُ، أَوْ صِهْرٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ شِرْكَةٍ، أَوْ عِدَّةٍ، أَوْ تَزْوِيجٍ ... لما تكلم على قوله في التعريف: (أَنْ يَطَأَ فَرْجَ آدَمِيٍّ) أتبعه بالكلام على قوله: (لا مِلْكَ لَهُ فِيهِ)، وذكر أنه خرج بهذا من وطؤها له حلال من زوجة أو أمة، ولكن عارض فيها عارض كالحيض والإحرام والصيام، ويخرج أيضاً من وطئ مملوكته المحرمة عليه وذلك التحريم إما لنسب لا يعتق كالخالة والعمة، وإما بصهر أو رضاع أو شركة فإنه لا حد عليه في ذلك كله ولو كان عالماً بالتحريم، نعم يؤدب وإن حملت وهي محرمة

стр. 4343

عليه عتقت عليه، ومن سماع عيسى: لا تعتق عليه وتستخدم بالمعروف، أما إن لم تحمل وروي عن ابن القاسم، أنها تباع خوفاً أن يعاود. قوله: (لا يُعْتِقُ)، وهو بضم الياء وكسر التاء في محل صفة لنسب، واحترز من النسب الذي يوجب العتق فإن فيه الحد كما سيأتي، ورأى ابن راشد: أن قوله: (لا يُعْتِقُ) كالصفة التأكيدية ولو حد فيها لاستغنى عنها؛ لأن البنت مثلاً تعتق بنفس الملك، ولا يصدق على واطئها أنه وطء مملوك، وقد يجاب عنه بأنه إنما يمتنع من دوام الملك لأنه أًله بدليل ثبوت أولاً، لأنها لا تعتق عليه إلا بالحكم على أحد القولين، وسيأتي. وقوله: (بعِدَّةٍ) أي: ملكها وهي في عدة من زوج. وقوله: (أَوْ تَزْويجٍ) يعني: إذا تزوج أمته حرمت عليه؛ لأنه إن وطئها لم يجد. وَالْمُتَزَوَّجَ بهَا هُوَ فِي عِدِّتِهَا عَلَى الأَصَحَّ أي: ويخرج فرج المرأة التي تزوجها، فحذف الموصوف وأبرز الضمير لجريان الصفة على غير من هي له؛ لأنها أجريت على المرأة وهي في المعنى الرجل للرجل والأصح هو المشهور: لا حد على من تزوج معتدة ويلحق به الولد، ومقابل المشهور رواية وجوب الحد ونفي الولد ورآه زنى، وناقض اللخمي المشهور هنا بأن المذهب حد متزوج الخامسة وكل منهما محرمة في وقت دون وقت وربما قيل: إن تحريم المعتدة أشد؛ لأن تمنعها من نكاح كل أحد وتحريم الخامسة مقصور على من في عصمته أربع، وأجيب بأن نكاح المعتدة ينشر التحريم، فلاتحل لآبائه ولا لأبنائه لشبهة النكاح بخلاف المطلقة ثلاثاً والخامسة لا ينشر فيها تحريم. خليل: وفيه نظر؛ لأن نشر التحريم مبني على ثبوت الشبهة المسلطة للحد فلا يحسن التفريق بذلك.

стр. 4344

أَوْ عَلَى أُمِّهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ أُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا هذا أيضاً معطوف؛ يعني: ويتزوج التي تزوجها على أمها قبل الدخول بالأم، وأما لو دخل بالأم فإنه يحد، وكذلك أيضاً يخرج ما إذا تزوج المرأة على أختها أو عمتها أو خالتها، وما ذكره في الأخت إن أراد به الأخت من الرضاع فصحيح، لكن المبادر إلى الذهن خلافه، وإن أراد به من النسب فهو مذهب أصبغ وخلاف ما في الموازية وما نقله صاحب النكت عن بعض شيوخه، قال في النكاح الثالث: تحريم الأختين من الرضاع بالسنة وتحريمها بالنسب بالقرآن، قال: وأما في تزويجه المرأة على عمتها أو على خالتها فلا يحد؛ لأنه تحريم بالسنة، وهذا أًل كل ما كان من تحريم السنة فلا حد فيه، وما اكن محرماً بالكتاب ففيه الحد إذا لم يعذر بجهل. انتهى، وذهب التونسي إلى ما ذكره المصنف، فقال: لا فرق عندنا بين تزويج أخت على أخت سواء كانت الأخت بالنسب أو الرضاع؛ لأن الآية قد عمت تحريم الأخت بالنسب والرضاع. وَيُخْرِجُ الأَمَةَ يُحَلِّلُهَا سَيِّدُهَا وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَبَيَا ويخرج قولنا في التعريف: (لا مِلْكَ لَهُ فِيهِ) الأمة المحللة فلا يحد واطئها؛ لأن له شبهة ملك بالتحليل عالماً كان أو جاهلاً، وهذا هو المشهرو مراعاة لقول عطاء فإنه التحليل ابتداء، وقال الأبهري: إن كان عالماً حد ولا يلحق به الولد لأن وطئه من ليست له زوجة ولا ملك يمين ولا هو جاهل بتحريم الوطء. وقوله: (وَتُقَوِّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَبَيَا) ليس هذا من هذا الباب ولكن ذكره تكميلاً للفائدة، وإنما قومت لتتم له الشبهة، ويعذر لأنه إنما وطئ بملكه، زاد في القذف من المدونة: وتلزم قيمتها حملت أو لم تحمل وليس لربها التمسك بها بعد الوطء. أبو عمران: ويعد القيمة عليها لأنه لا يصدق مع القيمة أنه لم يطأ، قال في المدونة: بخلاف الشريك.

стр. 4345

ابن يونس: لأن وطء الشريك وطء عدوان وهذا قد أذن له، فإذا تماسك بها صح ما قصداه من عارية الفروج، وقيل: وحكم الذي ينكح ابنته رجلاً [٧٢٦/ب] ويدخل عليها أمته على أنها ابنته حكم من أجل جارية لرجل في جميع وجوهها، بخلاف من تزوج أمته رجلاً وقال: هي ابنتي فالولد حر وعليه قيمته يوم الحكم. بخِلافِ تَزْوِيجِهَا عَلَى أُمِّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، أَوِ الْبِنْتِ مُطْلَقاً هذا مقابل قوله: (أَوْ عَلَى أُمِّهَا قَبْلَ الدُّخُولِ) يعني: وأما لو تزوج البنت بعد الدخول بالأم فإنه يجبر، وكذلك لو تزوج الأم على البنت سواء دخل بالبنت أو لا، وهو معنى قوله: (مُطْلَقاً)؛ لأن العقد على البنت يحرم الأم، وما ذكره من الإطلاق، فهو ظاهر المدونة في النكاح الثالث لأنه نص على الحد وأطلق، وفصل اللخمي في باب القذف فقال: وكذلك إن تزوج أم امرأته فإن كان دخل بالأمة حد، وإن لم يدخل بها لم يحد، لاختلاف الناس في عقد الابنة هل يحرم أم لا؟ بخِلافِ الْمُسْتَاجَرَةِ لِلْوَطْءِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ يعني: ولا يكون عقد الإجارة شبهة. وقوله: (أَوْ لِغَيْرِه) أي: لو استؤجرت لخدمة وشبهها والأمة المودعة، والرهن عندنا كالمستأجرة. وَفِي ذَاتِ نَصِيبهِ مِنَ الْمَغْنَمِ قَوْلانِ المشهرو وجوب الحد، والشاذ لعبد الملك سقوطه؛ لأن له فيها نصيباً، وقيد ابن يونس هذا الخلاف بالجيش العظيم، وأما السرية فلا يحد واطئها اتفاقاً، وكهذه المسألة سرقته من المغنم، والمشهور القطع خلافاً لعبد الملك في أنه لا يقطع إلا أن يسرق فوق نصيبه بربع دينار.
следующие страницы →