Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4341–4380 · переход к 4346.
стр. 4341
وَيَتَنَاوَلُ إِتْيَانَ الْمَيْتَةِ فَيُحَدُّ وَاطِئُهَا
ابن عبد السلام: لانطباق رسم الزنى عليه، وقال ابن شعبان: لا حد عليه يريد وعليه الأدب إذ لا يحصل به من اللذة كما يحصل بالحية، وهذا إنما هو في الأجنبي، وأما الزوج ففي التنبيهات: الأكثرون من محققي أصحابنا: لا يحد الزوج لتقدم الإباحة فكان ذلك شبهة.
وَالصَّغِيرَةِ يُوطَأُ مِثْلُهَا
أي: ويتناول التعريف واطئ الصغيرة التي يوطأ مثلها، وقيدها بأن يوطأ مثلها كما في المدونة.
اللخمي: يريد إن عبث بصغيرة لا يوطأ مثلها لا يحد، وفي مدونة أشهب مثل ذلك: أنه لا يحد إذا زنى بصغيرة لا يجامع مثلها.
ابن عبد الحكم: لا يكون محصناً حتى يزوج من يطيق الوطء، وإن كان مثلها ممن يطيق الوطء فعليه الرجم، وقال ابن القاسم: يحد وإن كانت بنت خمس سنين.
بخِلافِ الْمُرَاهِقِ وَالْمَجْنُونَةِ وَالْمَجْنُونِ فَيُحَدُّ الْمُكَلَّفُ مِنْهُمَا
ظاهره أن التعريف لا يتناولهم وفيه نظر؛ لأنه يصدق على المراهق والمجنون أنهما وطئا فرج آدمي، لكن هذا الكلام يبين أن فاعل يطأ بالتعري عائد على (الْمُكَلِّفُ)، ما ذكره من عدم المراهق هو المشهور.
ابن عبد السلام: وضمير (مِنْهُمَا) راجع إلى كل اثنين تقدم ذكرهام كالكبير مع الصغيرة والعكس والمجنون مع العاقلة والعكس.
стр. 4342
خليل: وفيه نظر؛ لأن قوله الصغيرة يطأها الكبير وعكسها ليس بظاهر، لأنه يلزم على كلامه إذا وطء الكبيرة صغير أن الكبيرة تحد وليس كذلك، بل ضمير (مِنْهُمَا) عائد على المجنون والمجنونة؛ أي: يحد المكلف إذا وطء مجنونة والمكلفة إذا مكنت من نفسها مجنوناً.
وَلا يَتَنَاوَلُ الْبَهِيمَةَ، فَلا يُحَدُّ عَلَى الأَصَحِّ وَيُعَزَّرُ، وَالْبَهِيمَةُ كَغَيْرِهَا فِي الذَّبْحِ وَالأَكْلِ باتِّفَاقٍ.
لأنه لا يصدق عليه أنه وطء فرج آدمي ولا شك في تعزيره، ومقابل الأصح في كتاب ابن شعبان، ورأى [٧٢٦/أ] أنه أتى فرج مشتهى، وفي الترمذي أنه عليه الصلاة والسالم قال: "من أتى بهيمة فلا حد عليه" وهو أصح من الحديث الأول، والعمل على هذا عند أهل العلم، وأشار بالحديث الأول إلى ما رواه ابن عباس ﵁ أنه ﷺ قال: "من وجدتموه وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة"، فقيل لابن عباس ما شأن البهيمة؟ قال: ما سمعت من رسول الله ﷺ في ذلك شيئاً ولكن أرى رسول الله ﷺ كره أن يؤكل من لحمها أو ينتفع بها، فالاتفاق الذي حكاه المصنف على أن البهيمة كغيرها في الذبح والأكل نقله الطرطوشي.
"لا مِلْكَ لَهُ فِيهِ" يُخْرِجُ الْحَلالَ وَالْحَائِضَ وَالْمُحْرِمَةَ وَالصَّائِمَةَ وَالْمَمُلُوكَةَ الْمُحَرَّمَةَ بنَسَبٍ لا يُعْتِقُ، أَوْ صِهْرٍ، أَوْ رَضَاعٍ، أَوْ شِرْكَةٍ، أَوْ عِدَّةٍ، أَوْ تَزْوِيجٍ ...
لما تكلم على قوله في التعريف: (أَنْ يَطَأَ فَرْجَ آدَمِيٍّ) أتبعه بالكلام على قوله: (لا مِلْكَ لَهُ فِيهِ)، وذكر أنه خرج بهذا من وطؤها له حلال من زوجة أو أمة، ولكن عارض فيها عارض كالحيض والإحرام والصيام، ويخرج أيضاً من وطئ مملوكته المحرمة عليه وذلك التحريم إما لنسب لا يعتق كالخالة والعمة، وإما بصهر أو رضاع أو شركة فإنه لا حد عليه في ذلك كله ولو كان عالماً بالتحريم، نعم يؤدب وإن حملت وهي محرمة
стр. 4343
عليه عتقت عليه، ومن سماع عيسى: لا تعتق عليه وتستخدم بالمعروف، أما إن لم تحمل وروي عن ابن القاسم، أنها تباع خوفاً أن يعاود.
قوله: (لا يُعْتِقُ)، وهو بضم الياء وكسر التاء في محل صفة لنسب، واحترز من النسب الذي يوجب العتق فإن فيه الحد كما سيأتي، ورأى ابن راشد: أن قوله: (لا يُعْتِقُ) كالصفة التأكيدية ولو حد فيها لاستغنى عنها؛ لأن البنت مثلاً تعتق بنفس الملك، ولا يصدق على واطئها أنه وطء مملوك، وقد يجاب عنه بأنه إنما يمتنع من دوام الملك لأنه أًله بدليل ثبوت أولاً، لأنها لا تعتق عليه إلا بالحكم على أحد القولين، وسيأتي.
وقوله: (بعِدَّةٍ) أي: ملكها وهي في عدة من زوج.
وقوله: (أَوْ تَزْويجٍ) يعني: إذا تزوج أمته حرمت عليه؛ لأنه إن وطئها لم يجد.
وَالْمُتَزَوَّجَ بهَا هُوَ فِي عِدِّتِهَا عَلَى الأَصَحَّ
أي: ويخرج فرج المرأة التي تزوجها، فحذف الموصوف وأبرز الضمير لجريان الصفة على غير من هي له؛ لأنها أجريت على المرأة وهي في المعنى الرجل للرجل والأصح هو المشهور: لا حد على من تزوج معتدة ويلحق به الولد، ومقابل المشهور رواية وجوب الحد ونفي الولد ورآه زنى، وناقض اللخمي المشهور هنا بأن المذهب حد متزوج الخامسة وكل منهما محرمة في وقت دون وقت وربما قيل: إن تحريم المعتدة أشد؛ لأن تمنعها من نكاح كل أحد وتحريم الخامسة مقصور على من في عصمته أربع، وأجيب بأن نكاح المعتدة ينشر التحريم، فلاتحل لآبائه ولا لأبنائه لشبهة النكاح بخلاف المطلقة ثلاثاً والخامسة لا ينشر فيها تحريم.
خليل: وفيه نظر؛ لأن نشر التحريم مبني على ثبوت الشبهة المسلطة للحد فلا يحسن التفريق بذلك.
стр. 4344
أَوْ عَلَى أُمِّهَا قَبْلَ الدُّخُولِ أَوْ أُخْتِهَا أَوْ عَمَّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا
هذا أيضاً معطوف؛ يعني: ويتزوج التي تزوجها على أمها قبل الدخول بالأم، وأما لو دخل بالأم فإنه يحد، وكذلك أيضاً يخرج ما إذا تزوج المرأة على أختها أو عمتها أو خالتها، وما ذكره في الأخت إن أراد به الأخت من الرضاع فصحيح، لكن المبادر إلى الذهن خلافه، وإن أراد به من النسب فهو مذهب أصبغ وخلاف ما في الموازية وما نقله صاحب النكت عن بعض شيوخه، قال في النكاح الثالث: تحريم الأختين من الرضاع بالسنة وتحريمها بالنسب بالقرآن، قال: وأما في تزويجه المرأة على عمتها أو على خالتها فلا يحد؛ لأنه تحريم بالسنة، وهذا أًل كل ما كان من تحريم السنة فلا حد فيه، وما اكن محرماً بالكتاب ففيه الحد إذا لم يعذر بجهل. انتهى، وذهب التونسي إلى ما ذكره المصنف، فقال: لا فرق عندنا بين تزويج أخت على أخت سواء كانت الأخت بالنسب أو الرضاع؛ لأن الآية قد عمت تحريم الأخت بالنسب والرضاع.
وَيُخْرِجُ الأَمَةَ يُحَلِّلُهَا سَيِّدُهَا وَتُقَوَّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَبَيَا
ويخرج قولنا في التعريف: (لا مِلْكَ لَهُ فِيهِ) الأمة المحللة فلا يحد واطئها؛ لأن له شبهة ملك بالتحليل عالماً كان أو جاهلاً، وهذا هو المشهرو مراعاة لقول عطاء فإنه التحليل ابتداء، وقال الأبهري: إن كان عالماً حد ولا يلحق به الولد لأن وطئه من ليست له زوجة ولا ملك يمين ولا هو جاهل بتحريم الوطء.
وقوله: (وَتُقَوِّمُ عَلَيْهِ وَإِنْ أَبَيَا) ليس هذا من هذا الباب ولكن ذكره تكميلاً للفائدة، وإنما قومت لتتم له الشبهة، ويعذر لأنه إنما وطئ بملكه، زاد في القذف من المدونة: وتلزم قيمتها حملت أو لم تحمل وليس لربها التمسك بها بعد الوطء.
أبو عمران: ويعد القيمة عليها لأنه لا يصدق مع القيمة أنه لم يطأ، قال في المدونة: بخلاف الشريك.
стр. 4345
ابن يونس: لأن وطء الشريك وطء عدوان وهذا قد أذن له، فإذا تماسك بها صح ما قصداه من عارية الفروج، وقيل: وحكم الذي ينكح ابنته رجلاً [٧٢٦/ب] ويدخل عليها أمته على أنها ابنته حكم من أجل جارية لرجل في جميع وجوهها، بخلاف من تزوج أمته رجلاً وقال: هي ابنتي فالولد حر وعليه قيمته يوم الحكم.
بخِلافِ تَزْوِيجِهَا عَلَى أُمِّهَا بَعْدَ الدُّخُولِ، أَوِ الْبِنْتِ مُطْلَقاً
هذا مقابل قوله: (أَوْ عَلَى أُمِّهَا قَبْلَ الدُّخُولِ) يعني: وأما لو تزوج البنت بعد الدخول بالأم فإنه يجبر، وكذلك لو تزوج الأم على البنت سواء دخل بالبنت أو لا، وهو معنى قوله: (مُطْلَقاً)؛ لأن العقد على البنت يحرم الأم، وما ذكره من الإطلاق، فهو ظاهر المدونة في النكاح الثالث لأنه نص على الحد وأطلق، وفصل اللخمي في باب القذف فقال: وكذلك إن تزوج أم امرأته فإن كان دخل بالأمة حد، وإن لم يدخل بها لم يحد، لاختلاف الناس في عقد الابنة هل يحرم أم لا؟
بخِلافِ الْمُسْتَاجَرَةِ لِلْوَطْءِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّهُ يُحَدُّ
يعني: ولا يكون عقد الإجارة شبهة.
وقوله: (أَوْ لِغَيْرِه) أي: لو استؤجرت لخدمة وشبهها والأمة المودعة، والرهن عندنا كالمستأجرة.
وَفِي ذَاتِ نَصِيبهِ مِنَ الْمَغْنَمِ قَوْلانِ
المشهرو وجوب الحد، والشاذ لعبد الملك سقوطه؛ لأن له فيها نصيباً، وقيد ابن يونس هذا الخلاف بالجيش العظيم، وأما السرية فلا يحد واطئها اتفاقاً، وكهذه المسألة سرقته من المغنم، والمشهور القطع خلافاً لعبد الملك في أنه لا يقطع إلا أن يسرق فوق نصيبه بربع دينار.
стр. 4346
وَفِي الْحَرْبِيَّةِ قَوْلانِ
قيد اللخمي الخلاف بما إذا زنى بها في دار الحرب لأنه قال: وإذا زنا مسلم بحربية في أرض الإسلام حد، واختلف إذا زنا بها في دار الحرب فقال ابن القاسم: يحد، وقال عبد الملك في الموازية: لا حد عليه، وهو أقيس لأن له أن يأخذ الرقبة ويتملكها، فإذا لم يقدر إلا على المنافع فله أخذها. انتهى. قال بعضهم: ولا خلاف أنه لو خرج بها إلى أرض الإسلام ووطئها في سقوط الحد، وهو ظاهر لأنه حينئذ ملكها، وعلى هذا فيكون معنى كلام اللخمي: إذا وطئها في أرض الإسلام حد، معناه إذا دخلت بنفسها.
وَفِي الْمُكْرَهِ ثَالِثُهَا: إِنِ انْتَشَرَ حُدَّ، بخِلافِ الْمُكْرَهَةِ فَإِنَّهَا لا تُحَدَّ
ذكر عياض أن على القول بحده أكثر أهل المذهب، وأن على القول بسقوطه المحققون كاللخمي وابن رشد وابن العربي؛ لأنه وإن انتشر فذلك أمر تقتضيه الطبيعة، والقول الثاني لابن القصار.
وقوله: (بخِلافِ الْمُكْرَهَةِ) يعني: فإنها لا تحد اتفاقاً.
وَأَمَّا لَوْ وَطِئَ بالْمِلْكِ مَنْ يَعْتِقُ عَلَيْهِ، أَوْ نَكَحَ الْمُحَرَّمَةَ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صِهْرٍ مُؤَبَّدٍ وَوَطِئَهَا، أَوْ طَلِّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثاً ثُمَّ وَطِئَهَا فِي الْعِدَّةِ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا قَبْلَ زَوْجٍ وَوَطِئَهَا، أَوْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ وَاحِدَةً ثُمَّ وَطِئَهَا بغَيْرِ تَزُوِيجٍ أَوْ أَعْتَقَ أَمَةً ثُمَّ وَطِئَهَا فَإِنَّهُ يُحَدُّ ...
قوله: (فإنه يحد) هو جواب (أما) يعني: لو ملك من يعتق عليه وهم الآباء وإن علوا والأبناء وإن سفلوا أو الإخوة والأخوات ووطئها بحد إذا أتى ذلك عالماً.
اللخمي: يريد وهو من أهل الاجتهاد ورأيه أنها حرة بنفس الشراء، وإن كان رأيه ألا تعتق، أو كان مقلداً لمن يرى العتق لم يحد.
стр. 4347
محمد: ولو وطئ المرأة من تملكه هي حدت، واستشكل شيخنا وجوب الحد هنا وقال: ينبغي سقوطه للاختلاف الذي عندنا في أن العتق إنما يكون بالحكم.
وقوله: (أَوْ نَكَحَ الْمُحَرَّمَةَ بنَسَبٍ ... إلخ) كمال ونكح أخته من النسب، قال في المدونة: إذا كان عالماص بالتحريم كذلك قيده في المحرمة بالرضاع.
وقوله: (أَوْ صِهْرٍ مُؤَبَّدٍ) كما لو نكح البنت بعد الدخول بالأم.
ابن عبد السلام: وليس لوصف تحريم إلى الأب، والكلام إنما هو إذا حصل التحريم. انتهى بمعناه، وقد يقال أنا لا نسلم أن التحريم لا يحصل بالعقد على الأم لأنه لا يجوز له حال عقده على الأم نكاح البنت، نعم التأبيد لم يحصل. وقوله: (وَوَطِئَهَا) زيادة بيان.
وقوله: (أَوْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلاثاً) ظاهره سواء كان بلفظة البتة أو الثلاث، وسواء كانت الثلاثة مجتمعات أو مفترقات وهو ظاهر المدونة، قوال أصبغ في البتة: لا يحد عالماً كان أو جاهلاً لقوة الخلاف في البتة هل هي واحدة أم لا، وقال في املطلقة ثلاثاً مثل ما في المدونة، إلا أ، هـ قال في الجاهل أنه لا يحد استحساناً، وتأوله صاحب تهذيب الطالب.
قوله في الثلاث على أنها مفترقات أو مجتمعات أضعف قول من قال بإلزامه الواحدة بالثلاث، وهذه المسائل كلها مقيدة بما إذا كانعالماً بالتحريم، وأما الجاهل بالحكم فلا كما سيأتي من كلام المصنف.
وَكَذَلِكَ الْخَامِسَةُ عَلَى الأَشْهَرِ
أي: يحد فيها والأشهر مذهب المدونة بشرط أن يكون عالماً بالتحريم، ومقابل الأشهر لم أره منصوصاً وهو ضعيف لشهرة التحريم الثابت بالكتاب.
стр. 4348
"باتِّفَاقٍ" يُخْرِجُ النِّكَاحَ بغَيْرِ وَلِيِّ بغَيْرِ شُهُودٍ، وَمِثْلُهُ الْمُتْعَةُ عَلَى الأَصَحِّ
أي: قولنا في التعريف (باتِّفَاقٍ) يخرج النكاح بلا ولي فلا حد فيه؛ لأن أبا حنيفة يجيزه، وبهذا يعلم أن مراده بالاتفاق، العلماء، لا اتفاق [٧٢٧/أ] المذهب.
وقوله: (أَوْ بغَيْرِ شُهُودٍ) يعني: إذا دخل فيه ولم يشهد؛ لأن العقد عندنا صحيح، و (مَمِثْلُهُ) أي: في سقوط الحد، والأصح مذهب المدونة وغيرها، قال في المدونة: ويعاقب، قال في الواضحة: والعالم أعظم عقوبة من الجاهل ومقابله لابن نافع، ولعل منشأ الخلاف في المحرم بالسنة.
ابن عبد السلام: وهذا الخلاف- إما وجد الولي والشهود والصداق على نحو ما كذر - معتبر في غير نكاح المتعة، هكذا قال بعض كبار الشيوخ.
"مُتَعَمِّداً" يُخْرِجُ الْمَعْذُورَ بجَهْلِ الْعَيْنِ مُطْلَقاً أَوْ بجَهْلِ الْحُكْمِ فِي مِثْلِ مَا ذَكَرَ إِذَا كَانَ يُظَنُّ بهِ ذَلِكَ ...
يعني: وقولنا في التعريف: (مُتَعَمِّداً) يخرج المعذور بجهل العين؛ أي: ظن أنها زوجته أو أمته، (مُطْلَقاً) أي: سواء كانت من المحرمات المذكورة فيما تقدم أو من غيرها، وهذا إذا قدم معتقداً لذلك.
ابن عبد السلام: وأما إن قدم عليها وهو شاك ثم تبين له بعد الفراغ أنها أجنبية، فظاهر كلامهم وإن لم يكن صريحاً سقوط الحد، ولعل مراد المؤلف مفهوم مطلقاً انتهى.
وقوله: (فِيمَا ذَكَرَ) أي: في الصور المتقدمة، يعني أن ما ذكرنا من وجوب الحد إنما ذلك إذا كان عالماً بالتحريم، وأما إذا جهل التحريم فلا حد ويقبل قوله بشرط أن يظن به ذلك الجهل كما قاله أصبغ بعد أن ذكر كثيراً من مسائل هذا الفصل إذا كان مثل الأعمى وشبهه.
стр. 4349
فَلَوْ كَانَ زِنَّى وَاضِحاً، فَفِي قَبُولِ عُذْرِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَصْبَغَ
لو قال في نفي عذره لكان أحسن؛ لأن الذي نقله اللخمي عن ابن القاسم وغيره وجوب الحد، وعن أصبغ ثبوته لأنه قال: واختلف إذا كان أعجمياً أو حديث عهد بالإسالم ولا يعرف تحريم الزنى، فقال في الكتاب: يحد، وقال أصبغ: لا يحد، والأول أشهر والثاني أقيس؛ لأن الحدود إنما تقام على من قصد مخالفة النهي، وقد اختلف فيمن أسلم بدار الحرب ثم خرج إلى أرض الإسلام، فقال سحنون: لا قضاء في ما ترك من الصلاة قبل خروجه إذا كان غير عالم بفرض الصلاة، وإذا سقط عند الخطاب بالصلاة سقط عند الخطاب بموجب الزنى انتهى، ورأى ابن القاسم أن الزنى اشتهر تحريمه في جميع الأديان فلا يعذر بجهل التحريم.
وَيُخْرِجُ الْمَبيعَةَ فِي الْغَلاَءِ تُقِرُّ بالرِّقِّ عَلَى الأَصَحِّ
أي: ويخرج قيد التعمد الحرة المبيعة في الغلاء في حال كونها مقرة بالرق؛ لأنها معذورة بالجوع، وهذا قول مالك رواه ابن القاسم فيمن باع زوجته للغلاء وبه قال ابن القاسم، ومقابل الأصح لأصبغ ولا تعذر بجوع وغيره.
أصبغ: وقد بانت من الزوج بثلاث وطئها المشتري أم لا، وقال أصبغ: لا يكون طلاقاً ولكن إن طاوعته على البيع وأقرت أن مشتريها أصابها طائعة رجمت، وإن قالت: استكرهت فلا حد عليها، والخلاف هنا كالخلاف في حد السارق إذا سرق لجوع.
ابن عبد السلام: وذكر هذا الفرغ في الإكراه أحسن.
وَيَثْبُتُ الزِّنَى بالإِقْرَارِ وَلَوْ مَرَّةً وَبالْبَيِّنَةِ وَبظُهُورِ الْحَمْلِ
شرع ﵀ فيما يثبت به الزنى، ولثبوته أسباب: الأول: الإقرار ولو مرة خلافاً لأبي حنيفة وأحمد في اشتراطهما أربع مرات لحديث ماعز حيث رده حتى أقر أربع مرات،
стр. 4350
وأجيب أنه إنما رده؛ لأنه إنما استنكر عقله، مع أن في بعضها مرتين وفي بعضها ثلاثاً قاله أبو عمران، وعمدتنا حديث العسيف الذي في الصحيح: "اغْدُ يا أنيسُ على امرأةِ هذا فإن اعترفتْ فارجمها"، ولم يذكر عدداً. والثاني: البينة. والثالث: ظهور الحمل خلافاً لأبي حنيفة والشافعي، ولما في الموطأ عن عمر ﵁: الرجم في كتاب الهل حق على من جنى من الرجال والنساء، إذا أحصن، إذا قامت البينة، أو كان الحمل أو الاعتراف.
فَإِنْ رَجَعَ إِلَى مَا يُعْذَرُ بهِ قُبلَ، وَفِي إِكْذَابِ نَفْسِهِ فِي حَدِّهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ ...
يعني: أنرجوع المقر بالزنى إلى ما يعذر به كما لو قال: أصبت امرأتي أو جاريتي حائضاً فظننت ذلك زنَّى أو جاريتي وهي أختي من الرضاعة.
ابن المواز: ولم يختلف فيه أصحاب مالك، وحكى الخطابي عن مالك قولاً بعدم قبول رجوع المقر واستغربه ابن زرقون.
قوله: (وَفِي إِكْذَابِ نَفْسِهِ) يعني: لو قال: كذبت ولم يبد عذراً، فقال ابن القاسم وابن وهب وابن عبد الحكم لا يحد، وروي عن أبي بكر وعمر وعلي وأبي هريرة وابن مسعود ﵃، ورأوا أن ذلك شبهة لاحتمال صدقه ثانياً، وقال أشهب: لا يعذر إلا بما يعذر به، وروي عن مالك وبه قال عبد الملك.
فرع:
اختلف قول مالك في المقر بالزنى وشرب الخمر يقام عليه بعض الحد فيرجع تحت الجلد قبل التمام، فقال مرة، إن أقيم عليه أكثر الحد أتم عليه؛ لأن رجوعه ندم، ومرة قال: لا يقتل ولا يضرب بعد رجوعه، وهو قول ابن القاسم، قيل: وهو قول جماعة العلماء، وقد هرب ماعز لما رجم فاتبعوه، فقال لهم رسول الله ﷺ ، هلا تركتموه لعله يتوب فيتوب الله عليه.
стр. 4351
وَفِي ثُبُوتِ الإِقْرَارِ باثْنَيْنِ قَوْلانِ
هذا الفرع مرتب على قول أشهب الذي لا يقبل رجوع المقر بالزنى إذا كان لغير شبهة، وأما على قول ابن القاسم فإنكاره كتكذيب نفسه، ومنشأ الخلاف هل هو معنى يرتب عليه [٧٢٧/ب] حد الزنى فلا يكون إلا بأربعة كالشهادة، أو معنى يثبت به سبب الحد، فيثبت باثنين كالإحصان.
وَلَوْ أَقَرَّ بالْوَطْءِ وَادَّعَى النِّكَاحَ وَلَيْسَا غَرِيبَيْنِ حُدًّا
الصواب تثنية فاعل (أَقَرَّ) لقوله: (حُداًّ) وشرط في الحد ألا يكونا غريبين، يعني وأما الغريبان فلا لأنهما لم يدعيا ما يكذبهما للعرف بخلاف الحضريين.
قوله: ولا بينة: في معناها الفشو قاله ابن القاسم، قالوا: ويأتنفان حينئذ نكاحاً جديداً بعد الاستبراء.
ابن القاسم: ولا تقبل في البينة شهادة أبيهما وأخيهما وفرض المصن المسألة في إقرارهما بالوطء يريد وكذلك إذا قامت بينة به.
وقوله: (حُدَّا) هو مذهب المدونة. ابن القاسم: وسواء وجدا في بيت أو طريق، وأٍقط عبد الملك الحد عنهما وإن كان غريبين، فيقال فيمن قال عند قوم: وطئت فلانة بنكاح، واشتريت أمة فلان ووطئتها، فلا يكلف بينة بالنكاح ولا بالشراء ولا يحد لأنه لم يوجد مع امرأة يطأها، ولو وجد كذلك كلف بالبينة إن لم يكن طارئ، قال: وقاله علماؤنا، وقد غلط فيها بعض من يشار إليه وقاله مطرف وأصبغ وابن الماجشون، ولو شهدت بينة عليه أنهم رأوا فرجه في فرج المرأة غائبة عنا لا ندري من هي، فقال هو: كانت زوجتي وطلقها أو أمتي وقد بعتها وهو معروف وهو غير ذي زوجة أو أمة فهو مصدق لا يكلف ببينة، ولو وجد معها كلف بالبينة إن لم يكن طارئاً.
стр. 4352
وَالْبَيِّنَةُ تَقَدَّمَتْ
لما تكلم على الإقرار وكان حقه أن يتكلم على السبب الثاني وهو البينة، فبين أن الكلام على ذلك تقدم في كتاب الشهادات.
وَلَوْ شَهِدَ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ ببَكَارَتِهَا لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ
هذا فرع من فروع البينة، تكلم عليه هنا لأنه لم يتقدم، ومعناه: إذا شهد أربعة عدول بزناها فقالت هي: أنا عذراء أو رتقاء أو نظر إليها النساء فصدقنها لم ينظر إلى قولهن وحدّت، وهذا مذهب المدونة. ورأى اللخمي سقوط الحد؛ لأن شهادة النساء بذلك شبهة، ولأنه يمكن صدقها بأن ينظر إليها جماعة من النساء ويقع بقولهن العلم، ولو قالت: أنا أكشف لأربع رجال فينظرون إلي ولا أجلد، لكان ذلك لها، وإذا جاز نظر الرجال أولاً لإقامة الحد جاز ... أولاً، وفي العتبية ما يشبه هذا ففيها: فالذي يحلف بالعتق أو بالطلاق أن بفلانة عيب بموضع كذا مما لا يراه إلا النساء وهي حرة أو أمة، فنظرت امرأة فقالت: ليس بها ما قال- إنَّ نَظَر النساء ليس بشيء. يريد ولا حنث عليه.
وَأَمَّا الْحَمْلُ فَيُعْتَبَرُ فِي الأمَةِ لا يُعْلَمُ لَهَا زَوْجٌ وَسَيِّدُهَا مُنْكِرٌ لِلْوَطْءِ، وَفِي الْحُرَّةِ لَيْسَتْ غَرِيبَةً ...
هذا هو السبب الثاني، يعني: إذا ظهر حمل الأمة وليس لها زوج وسيدها منكر للوطء حدت، ورأى اللخمي سقوط الحد إذا ادعت على سيدها، ويحلف ما أصابها إن أنكر الإصابة أو لقد استبرأتها، إن ادعى ذلك ثم لا حد عليها؛ لأن دعواها على السيد شبهة ويمينه مظنونة، وله أن يجبرها على القول بأن له ذلك بعلمه، ويعتبر في الحرة إذا لم تكن غريبة، يعني ولم يعلم لها زوج، وحذف ذلك للدلالة عليه بذكره في الأمة.
стр. 4353
وَلَوْ قَالَتْ: غُصِبْتُ لَمْ يُقْبَلْ إِلا بأَمَارَةٍ مِنْ صُرَاخٍ أَوْ أَثَرِ دَمٍ بمَا يَظْهَرُ بهِ صِدْقُهُا، وَاخْتَارَ بَعْضُهُمْ قَبُولَهُ ...
يعني: لو قالت الأمة أو الحرة المتقدمتان غصبت لميصدقا إلا أن تظهر أمارة تدل على صدقهما كما لو جاءت إحداهما تدمي أو مستغيثة عند النازلة، واختار بعض الشيوخ قبوله وإن لم تظهر أمارة، لاحتمال أن تكون غصبت وكتمت رجاء ألا يكون عنه حمل، ولعل المصنف يريد ببعضهم اللخمي فإنه قال ذلك، لكن شرط في المرأة أن تكون معروفة الخير ولا يطعن عليها شيء، وكذلك الباجي: سقوط الحد عنها إلزاماً على قول مالك أن الوطء بين الفخذين يكون عنه بسيلان الماء إلى الفرج.
وَشَرْطُ مُوجَبِهِ الإِسْلامُ وَالتَّكْلِيفُ
لما عرف الزنى وذكر ما يثبت به، شرع فيما يرتب عليه بقوله: (مُوجَبِ) بفتح الجيم اسم مفعول؛ أي: الذي يوجبه الزنى وفي بعض النسخ: وشرط موجب الحد الإسلام بكسر الجيم، وشرط الزنى هو الذي سبب الحد: الإسلام، فلا يقال على الكافر إذا زنى بمسلمة طائعة وهذا هو المشهور.
مالك وابن القاسم: ويرد إلى أهل ملته ويعاقب على ذلك العقوبة الشديدة.
أشهب: ويجب أن يتجاوز بذلك الحد، وقد أخبرني مالك عن ربيعة أنه يقتل ورآه ناقضاً للعهد، وقال لغيره في المبسوط: يحد حد الكفر وإن كانت ثيباً.
اللخمي: والأول أحسن، وإنما تقام الحدود في فروع الإسلام لمن تقدم منهم إسلام، وإنما حكم ﷺ بين اليهود بما في التوراة لأنهم رضوا بذلك.
واعلم أن الجنايات السبع تقام على الكافر إلا الزنى والشرب والردة، أما الزنى فكما ذكرنا، وأما الشرب فإنهم يعتقدون حله، أو لأنا أخذنا منهم الجزية على ذلك، وأما الردة
стр. 4354
فهو المشهور أن الكافر إذا انتقل من كفر إلى [٧٢٨/أ] كفر أنه يعذر ولا يقتل وعلى الشاذ أنه يقتل هو كالمسلم.
وقوله: (وَالتَّكْلِيفُ) أي فلا حد على مجنون ولا صبي وإن كان مراهقاً على المشهور.
وَهُوَ ثَلاثَةٌ: رَجْمٌ، وَجَلْدٌ مَعَ تَغْرِيبٍ، وَجَلْدٌ مُفْرَدٌ، فَالرَّجْمُ عَلَى الْمُحْصَنِ مِنْهُمَا
يعني: والموجَب ثلاثة أنواع والرجم على المحصن، ولا يجمع معه الجلد وهذا مذهب كافة الفقهاء بخلاف الظاهرية لحديث ماعز وحديث العسيف.
وقوله: (مِنْهُمَا) أي: الزاني والزانية.
وَيَحْصُلُ لِكُلِّ مِنْهُمَا بالتَّزْويجِ الصَّحِيحِ اللَّازِمِ وَالْوَطْءِ الْمُبَاحِ المُحِلِّ الْمَبْتُوتَةِ بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ، وَالإِسْلامِ وَالْبُلُوغِ، وَفِي التَّكْلِيفِ خِلافٌ ...
ويحصل لكل واحد من الزاني والزانية (بالتَّزْوِيجِ) فلا يحصل بالملك.
وقوله: (الصَّحِيحِ) يخرج النكاح الفاسد إن كان مما يفسخ قبل البناء وبعده، وإن كان مما يمضي بعده فهو كالإحلال، وقد قدمنا الكلام على ذلك في النكاح.
وقوله: (اللازِمِ) فلا يحصل بالنكاح الذي فيه خلاف حكم، كنكاح العبد وذي العيب، واحترز بالوطء المباح من الوطء في حيض أو في عدة فلا يحصل به الإحصان.
وقوله: (المُحِلِّ الْمَبْتُوتَةِ) نعت الوطء، ولو استغنى به عن جميع ما تقدم كفى؛ أي: لأنه قال في الإحلال: لا تحلحتى تنكح زوجاً غيره نكاحاً صحيحاً لازماً ويطأها وطئاً مباحاً على المشهور، والمشهور مذهب ابن القاسم، مقابله لعبد الملك وزاد اللخمي ثالثاً للمغيرة وابن دينار: أن الوطء الفاسد يحصن ولا يحل.
اللخمي: وهو ضعيف ولو قيل بعكسه لكان أشبه.
стр. 4355
وقوله: (بَعْدَ الْحُرِّيَّةِ) لقوله: (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى المُحْصَنَاتِ مِنَ العَذَابِ) [النساء: ٢٥] وقوله: (وَالإِسْلامِ وَالْبُلُوغِ) ظاهر.
وقوله: (وَفِي التَّكْلِيفِ خِلافٌ) سلامة العقل من الجنون؛ لأنه قد ذكر أن البلوغ شرط، وكأنه اعتمدعلى ما قدمه من الخلاف في فصل الإحلال وقد ذكر ثلاثة أقوال، واختلف إن تزوج عبد حرة بغير إذن سيدها ووطئها ثم زنت، فقال ابن القاسم: ليس بإحصان مطلقاً، وقال أشهب: إن أجاز سيده النكاح كان ذلك الوطء إحصاناً ورجمت لا إن رده، ولعل المصنف إنما قال: (وَفِي التَّكْلِيفِ) ولم يقل وفي الجنون ليشمل غير الجنون من موانع العقل، وقد نظم بعضهم شروط الإحصان فقال:
شروط الإحصان ستة أتت فخذها على النظر مستفهماً
بلوغ وعقل وحرية ورابعها كونه مسلماً
وعقد صحيح ووطء مباح متى اختل شرط فلن يرجما
فَلِذَلِكَ يُحْصِنُ مَنْ عَتَقَ مِنَ الْعَبيدِ مِنَ الزَّوْجَيْنِ بالْوَطْءِ بَعْدَهُ دُونَ الآخَرِ
أي: فلأجل اعتبار الحرية لو أعتق أحد الزوجين ونكاحهما صحيح ثم وطئ بعد العتق منهما دون الآخر.
وَوَطْءُ الرَّجُلِ بَعْدَ إِسْلامِهِ الْكِتَابِيَّةَ تُحْصِنُهُ وَلا يُحْصِنُهَا
هذا راجع إلى الإسلام وهو ظاهر ولم يشبهه بمن أعتق من العبيد؛ لأنه لا يحصل في الإسلام من الطرد ... والعكس والعتق وإنما يحصل بإسلام الزوجة خاصة.
وَوَطْءُ الصَّغِيرِةِ يُحْصِنُ الرَّجُلَ ولا يُحْصِنُهَا
هذا راجع إلى البلوغ، ويشترط في الصغيرة أن تطيق الوطء لأنه الذي يحصل من البالغة، فإن كانت الصغيرة لا تطيق الوطء لم تحصن، قاله ابن عبد الحكم، وقال ابن القاسم: إذا وطئها وإن كانت بنت خمس سنين.
стр. 4356
وَوَطْءُ الصَّغِيرِ لَغْوٌ وَإِنْ قَوِيَ عَلَيْهِ
يعني: إذا وطء الكبيرة، ومعنى (لَغْوٌ) أنه لا يثبت الإحصان لواحد منهما، أما هو فلعدم بلوغه، وقد تقدم في الراهن خلاف، وأما هي فلأن وطأه لا يحصل لها كمال اللذة فكان كالأصبع.
وَفِي وَطْءِ الْمَجْنُونَةِ خِلافٌ تَقَدَّمَ
أشار به والله أعلم إلى ما قدمه في فصل الإحلال حيث قال: ويشترط علم الزوجة خاصةب الوطء، وقال أشهب: علم الزوج، وقال ابن الماجشون: لو كان مجنونين حلت.
ابن عبد السلام وغيره: يدل على أنه أراد الخلاف المتقدم في الإحلال قبل هذا.
وَكُلُّ وَطْءٍ يُحْصِنُ أَحَدُهمَا يُحِلُّ، وَلَيْسَ كُلُّ وَطْءٍ يُحِلُّ يُحْصِنُ
وإلا فأي فائدة في ذكر هذه الكلية، فإن قيل: فكيف يفهم من الكلية أنه أراد الإحلال؟ قيل: لأنها أشعرت بأن الإحصان أخص لكثرة شروطه؛ إذ يشترط فيه الحرية وأن الإحلال أعم، وعلى هذا التقدير فكل ما يمنع من الإحلال يمنع قطعاً من الإحصان لاستلزام نفي الأعم نفي الأخص، ويصدق حينئذٍ: كل ما أحصن أحل؛ لأنه يلزم من وجودالتقدير، فكل ما يمنع من الإحلال يمنع قطعاً من الإحصان لاستلزام نفي الأعم، واختلف الشيوخ في نقل الخلاف في المجنون باعتبار الإحصان، والصواب- والله أعلم- ما نقله اللخمي وغيره أنه إن كان أحدهما مجنوناً كان إحصاناً للعاقل منهما خاصة عند مالك وابن القاسم، وقال أشهب: المراعي الزوج فإن كان عاقلاً كان إحصاناً لها وله، وإن لم يكن عاقلاً لم يكن إحصاناً لها ولا له، وقال عبد الملك: إذا صح العقد منهما أو ممن يلي عليهما كان إحصاناً لهما ولو كانا مجنونين في حين البناء إذا كان الزنى في حين الصحة، وعلى هذه الطريقة في النقل لاتتم الإحالة على الإحلال لمخالفة ما بينهما فتأمله. انتهى.
стр. 4357
والمخالفة [٧٢٨/ب] إنما هي في القول الأول وإلا فقول أشهب وعبد الملك فيهام متحد، وقد يقال إنما اشترط ابن القاسم علم الزوجة لأن الإحلال قائم بها، فها هنا الإحصان قائم بكل منهما، فيلزم عليه أن يشترط في حقها لكن في أخذ هذا من لفظه نظر.
فَفِيهَا: وَإِذَا ادَّعَى أَنَّهُ غَيْرُ مُحْصَنٍ بوَطْءِ سَقَطَ
يعني: أن الزاني إذا أنكر الإحصان قبل قوله وسقط عنه الرجم؛ لأن الوطء لا يعلم إلا من جهته.
وَلَوْ أَنْكَرَتِ الوَطْءَ بَعْدَ أَنْ أَقَامَتْ عِشْرِينَ سَنَةً، وَالزَّوْجُ مُقِرٍّ بِالْوَطْءِ لَمْ يَسْقُطِ الْحَدُّ، وَعَنْهُ فِي الرَّجُلِ: يَسْقُطُ مَا لَمْ يَثْبُتْ بِإِقْرَارِهِ أَوْ بِوَلَدٍ، وَقِيلَ؛ لا مُخَرَّجاً ...
جلب مسألتي المدونة لتعارضهما ولينبه على بعض ما فيها، فالأولى: في الزوجة ذكرها في النكاح، فقال: وإن أقامت مع زوجها عشرين سنة فزنت فقالت: لم يكن الزوج جامعني، والزوج مقر بالجماع فهي محصنة والحد واجب ولا يزيله إنكارها، وقال غيره لدفعه حداً قد وجبولم يكن منهما قبل ذلك دعوى.
والثانية: في الزوج ذكرها في الرجم، فقال: ومن تزوج امرأة وطال مكثه معها بعد الدخول فشهد عليه بالزنى، فقال: ما جامعتها قد دخلت بها فإن لم يعلم ... يظهر، أو بإقرار بالوطء ولم يرجع درء الحد بالشبهة، وإن علم منه إقرار بالوطء قبل ذلك رجم، واختلف فيهما، فقال يحيى بن مر وسحنون وأبو عمران وغيرهم هما متعارضتان، لكونه قبل قول الزوج دون الزوجة، وذهب جماعة إلى التفريق بينهما، واختلف الأولون هل تقيد مسألة النكاح بما في الرجم ويطرح ما في النكاح وهو قول يحيى بن عمر لقوله أن مسألة الرجم خير مما في النكاح، أو بالعكس وإليه ذهب سحنون، واختلف الآخرون في كيفية الجمع على أوجه:
стр. 4358
أحدها: أن الطول الذي قبل فيه قول الزوج لم يبلغ عشرين سنة ونحوها ولو بلغ ذلك لم يقبل قوله كالزوجة.
ثانيها: أن الزوج إذا عرض له ما يمنعه من الوطء الغالب عليه إخفاؤه بخلافها، فإن العادة الإظهار من جهتها، ورد بأنه لو لم يكن وطئها لم تسكت.
ثالثها: أنه قبل قول الزوج؛ لأن الزوجة لمتدع عليه أنه وطئها ولم يقبل قول الزوجة؛ لأن الزوج مقر بجماعها، ذكر هذه الثلاثة صاحب النكت واختار ابن يونس الثالث، واختار اللخمي وابن يونس حملها على الخلاف، وذكر ابن رشد في مقدماته أن الفروق التي ذكرها عبد الحق وغيره لا تصح لأنه قال: إن تزوج الرجل امرأة فأقر بالوطء قبل الزنى أو بعده فذلك منهما الإحصان، وأما إن أنكراه بعد الزنى ولم يعلم منهما إقرار قبله، فهل يصدقان في إنكاره ثلاثة أقوال: الأول: لا يصدقان وإن كان ذلك بقرب البناء، الثاني: مذهب جمهور أصحاب مالك أنهما يصدقان ولا يرجمان، وذهب بعضهم إلى أن ما في الرجم ليس بخلاف لما في النكاح، وفرق بينهما بتفاريق ذكرها عبد الحق وغيره لا تصح، وأما إن ادعاه أحدهما لى صاحبه وأنكره الآخر قبل الزنى فلا يلزم المنكر الإحصان باتفاق ولا المقر به على سبيل الدعوى بالاتفاق أيضاً، وله أن يرجع عن إقراره قبل أن يؤخذ في زنا أو بعد أن يؤخذ فيه كالرجل والمرأة، وأما إن أقر أحدهما بالوطء في غير سبيل الدعوى والآخر منكر، فأما المنكر فلا يكون محصناً باتفاق، واما المقر فقال ابن القاسم: يكون محصناً لإقراره على نفسه، وقال ابن عبد الحكم: لا يكون محصناً لأن الحدود تدرأ بالشبهات، وأما إن كان اختلافهما في الوطء بعد الزنى، فأما المقر فيلزمه الإحصان بإقراره بالوطء، ويجب عليه الرجم باتفاق، وأما المنكر فاختلف هل يصدق أم لا؟ علىلثلاثة التي تقدمت في إنكارهما جميعاً الوطء بعد الزنى، وذهب بعضهم إلى أن هذا الاختلاف غير داخل في هذه المسألة، وأنه يحد ولا يصدق في إنكاره الوطء بعد الزنى
стр. 4359
لإقرار صاحبه عليه، وليس هذا بشيء لأن إقرار أحدهما على صاحبه شهادة منه عليه بالإحصان، ولا تجوز شهادة واحد بالإحصان. انتهى باختصار، ومراده على سبيل الدعوى أي ادعت الوطء ليكمل لها الصداق، وادعى الرجل ذلك استثبت له الرجعة في العدة والله أعلم. وقول المصنف: (وَقِيلَ: لا) أي: لا يخرج مسقط؛ أي: من المسألة السابقة بناء علىقول من حملها على الخالف.
وَاللائِطَانِ مُطْلَقاً كَالْمُحْصَنِ فَالرَّجْمُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا الْعَبْدَيْنِ وَالْكَافِرَيْنِ فَيُجْلَدُ الْعَبْدُ خَمْسِينَ، وَيُؤَدَّبُ الْكَافِرُ ...
قوله: (مُطْلَقاً) يعني: ولا يستثنى من استثناء أشهب، وروى أبو داود والترمذي، قال رسول الله ﷺ : "من وجدتموه يعمل عمل قوم لوط فاقتلوا الفاعل والمفعول به"، قال مالك: ولم أزل أسمع أنهما يرجمان أحصنا أو لميحصنا، وقول أشهب ضعيف؛ لأنه لو كان من باب الزنى لاعتبر الإحصان ولا يأدب الكافر إلابشرط أن يظهره.
وَالْجَلْدُ مَعَ التَّغْرِيبِ عَلَى الْحُرِّ الذَّكَرِ غَيْرِ الْمُحْصَنِ
هذا هو النوع الاثني، ولا خلاف في الجلد والتغريب ثابت عندنا وعند جمهور أهل العلم لما في الصحيحين من حديث العسيف: "وعلى ابنك مائة وتغريب سنة"، ونفاه أبو حنيفة ﵀؛ لأن الزيادة عنده [٧٢٩/أ] على الآية نسخ، ولا ينسخ القرآن بخبر الواحد لكون الزيادة على النص متنازع فيها.
وقوله: (الْحُرِّ) يعني: ولا تغريب على العبد لما علىسيده من الضرر خلافاً للشافعي في أحد قوليه لعموم قوله ﵊: "والبكر بالبكر جلد مائة وتغريب"، وأجيب بعد تسليم العموم، فإن عطفه ﵊ الثيب عليه مع دخول الرقيق فيه قرينة دالة على أن المراد بالبكر من هو حر، ولأن العبد إنما يجلد
стр. 4360
خمسين لا مائة. وقول المصنف: (الذَّكَرِ) يعني: ولا تغريب على الأنثى لما يخشى عليها في التغريب من الزنى.
وَالْجَلْدُ وَحْدَهُ عَلَى الْحُرَّةِ غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ وَالْعَبْدِ
هذا هو النوع الثالث: وأراد بالعبد الجنس فيشمل الذكر والأنثى، أو أراد بالعبد الذكر والأنثى ليشمل الحرة والأمة وهذا أقرب.
وقوله: (غَيْرِ الْمُحْصَنَةِ) يعني: وأما المحصنة فترجم.
وَيُتَشَطَّرُ الْجَلْدُ بالرِّقِّ وَإِنْ كَانَ جُزْءاً أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ
قوله: (بالرِّقِّ) علم متناول الذكور والإناث لقوله تعالى: (فَعَليْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) [النساء: ٢٥] والعبد مقيس عليها من باب لا فارق وإن كان جزءاً؛ أي: وجزءاً بأن يكون معتق البعض وما في معناه أي في معنى الرق وهو ما فيه شائبة من شوائب الحرية من أم ولد ومكاتب ومدبر ومعتق لأجل.
وَالتَّغْرِيبُ: نَفْيُهُ إِلَى بَلَدٍ آخَرَ كَفَدَكَ وخَيْبَرَ مِنَ الْمَدِينَةِ
تصوره ظاهر وفدك بالدال المهملة. الجوهري: اسمقرية بخيبر، وقال عياض في المشارق: مدينة بينها وبين المدينة يومان، وقيل ثلاثة مراحل.
أبو عمران: وروي أنه عليه الصلاة والسلامنفى إلى خيبر، ونفى عمر إلى فدك، ونفي من المدينة إلى البصرة وإلى خيبر، ونفى علي من الكوفة إلى البصرة، وقال الشافعي: من عمله إلى عمل غيره، وقال مالك في الموازية: من مصر إلى الحجاز، وقال ابن القاسم: من مصر إلى أسوان وأدن منها ولا يبعد كل البعد، وربما ضاع وبعد عن أن تدكره منفعة أهله وماله.
стр. 4361
وَكِرَاؤُهُ فِي مَالِهِ، وَإِلا فَبَيْتُ الْمَالِ
أي: في مسيره وهكذا قال أصبغ وابن المواز وكذلك المحارب.
وَيُسْجَنُ فِيهِ سَنَةً مِنْ حِينِ سَجْنِهِ
قال ابن القاسم: يكتب إلى ولي البلد أن يقبضه ويسجنه سنة عنده وتحسب السنة من يوم سجن، وروى نحوه ابن حبيب عن مطرف.
فَلَوْ عَادَ أُخْرِجَ ثَانِياً
الظاهر أن المراد لو عاد المغرب إلى بلده أخرج ثانياً قبل تمام السنة، وهو الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر، وقال: (أُخْرِجَ) ولم يقل أعيد لأن الإعادة تقتضي تغيير الموضع الذي كان به أولاً، و (أخرج) لا يقتضي ذلك وهو أولى إذا قوى الإمام سجنه في غيره أولاً، والظاهر يبنى على ما تقدم أو يستأنف، والظاهر البناء، ويحتمل أن يريد فلو عاد على الزنى، فإنه أيضاً يجلدويغرب وعليه اقتصر ابن راشد، وإنام قلنا الأول أولى لاقتصاره على الإخراج فقط وأنه لا كبير فائدة في الحل الثاني، وانظر لو زنا في المكان الذي نفي فيه أو زنا المغرب بغير بلده، هل يكون سجنه في الكان الذي زنا فيه تقريباً؟
وَلا يُقْتَلُ بصَخْرَةٍ وَلا بِحَصَاةٍ خَفِيفَةٍ بَلْ بمَا بَيْنَ ذَلِكَ، وَيُتِّقَى الْوَجْهُ، وَلا يُؤَخَّرُ لِمَرَضٍ بخِلافِ الْجَلْدِ ...
لأن العظام تشوِّه والصغار تعذب وهذا هو المشهور، قال ابن شعبان يرجم بأكبر حجر يقدر الرامي على رفعه ويتقي الوجه، لما رواه أبو داود عن النبي ﷺ أنه قال: "إذا ضرب أحدكم فليتق الوجه"، ونص مالك على اتقاء الفرج، والمشهور أنه لا يحفر له، وفي الموازية يحفر له، ووقع في الحديث ما يدل على كلا الأمرين، وقيل: يحفر للمرأة فقط، وقيل: للمشهود عليه دون المقر به؛ لأنه إن رجع ترك.
стр. 4362
اللخمي: ولا يضرب رجليه إذا لم يحفر له ولا ساقيه؛ لأنه تعذيب، وليس بقتل ويجرد على الرجل ولا تجرد المرأة، وإنما لم يؤخر لمرض لأن الغرض قتله بخلاف الجلد وهو واضح.
ويُنْتَظَرُ بهَا وَضْعُ الْحَمْلِ مُطْلَقاً، وَالاسْتِبْرَاءُ فِي ذَاتِ الزَّوْجِ
(مُطْلَقاً) أي: سواء كان رجماً أو جلداً لئلا يقتل ما في بطنها، فإذا وضعت أخرت في الجلد لنفاسها؛ لأنها مريضة، ولا تؤخر في الرجم إلا ألا يوجد من يرضع الطفل كما قدمه المصنف آخر كتاب الجراح، ولا تؤخر بدعواها الحمل بل ينظرها النساء، فإن صدقتها لم يعجل بذلك وإلا حدت، وهذا ظاهر إذا كان بعد الأربعة أشهر ونحوها، وأما في الشهرين فلا، فإن ابن القاسم قد أجاز في المدونة إذا مر لها منذ زنت شهران ترجم إذا قال النساء لا حمل بها.
اللخمي: وليس بالبين؛ لأن النبي ﷺ أخبر أنه يكون نطفة أربعين يوماً وأربعين علقة وأربعين مضغة ثم ينفخ فيه الروح في الشهر الخامس، وأما إذا كان كذلك يمكن أن يكون في الشهور علقة، ولا يجوز أن يعمل حينئذ عملاً يوصل إلى إسقاطه ولا إلى فساد، كما لا يجوز للمرأة أن تشرب ماء يطرح به حينئذ، وأجاز اللخمي العمل على قول مالك.
ابن القاسم: بعد ثلاثة أشهر، قال: وإن لم يمض لها أربعين يوماً جاز إقامة الحد عليها الجلد أو الرجم إلا أن تكون ذات زوج، فإنه يسئل الزوج فإن قال: كنت استبرأتها أقيم عليها الحد ورجمت إن كانت ثيباً، [٧٢٩/ب] وإن قال لم تستبرأ كان بالخيار بين أن يقيم بحقه في الماء الذي له فيها، فتؤخر حتى ينظر هل تحمل منه أم لا؟ أو يسقط حقه فتحد انتهى.
وقوله: (وَالاسْتِبْرَاءُ فِي ذَاتِ الزَّوْجِ) قد قدمنا كلام اللخمي الآن فيه.
ابن عبد السلام: انظر هل هي حيضة وهو الأقرب أو ثلاثة.
خليل: بل القاعدة أن الحرة لا تستبرأ إلا بثلاثة.
стр. 4363
وَيُنْتَظَرُ بالْجَلْدِ اعْتِدَالُ الْهَوَاءِ، وَرُوِيَ: لا يُؤَخَّرُ فِي الْحَرِّ
أي: يؤخر في الجلد دون الرجم للحر والبرد المفرطين اللذين يخشى فيهما الهلاك، ونص مالك على البرد، وألحق به ابن القاسم في المدونة الحرَّ إذا كان يعرف خوفه، والرواية أنه لا يؤخر في الحَرَّ للموازية ورآه ليس بمتلف، وعلى هذا فالخلاف مبني على تخفيف العلة.
وَلا يُقِيمُ الْحَدَّ إِلا الْحَاكِمُ، وَالسَّيِّدُ فِي رَقِيقِهِ فِي حَدِّ الزِّنَى وَالْخَمْرِ وَالْقَذْفِ بالإِقْرَاِرِ، وَبالْبَيِّنَةِ، وَبظُهُورِ الْحَمْلِ
قوله: (إِلا الْحَاكِمُ) أي: في الأحرار والعبيد، قال في المدونة آخر كتاب الرجم: ولا ينبغي أن يقيم الحد ولاة المياه ليجلب ذلك إلى قضاة الأمصار ومصر كلها لا تقام فيها الحدود إلا بالفسطاط، أو يكتب إلى الفسطاط فيكتب إليه بأمره بإقامة ذلك. وقوله: (ولا ينبغي) الظاهر أنه على المنع، وقد عبر بعضهم بلا يجوز ولاة المياه السعاة لأنهم يسألون عن المياه، ويستثني في ذلك عبد للإنسان فإن لسيده أن يقيم عليه الحد لعدم التهمة في حقه؛ لما في الصحيحين سئل رسول الله ﷺ عن الأمة إذا زنت ولم تحصن، قال: "إن زنت فاجلدوها ثم إ زنت فاجلدوها ثم بيعوها ولو بضفير"، ابن شهاب: لا أدري بعد الثالثةأوا لرابعة، والضفير الحبل، وروى أبو داود ع علي ﵁ في جارية لآل رسول الله ﷺ فجرت، فقال له: "أقم عليها الحد وأقيموا الحدود على ما ملكت أيمانكم"، قوله: (فِي حَدِّ الزِّنَى وَالْقَذْفِ وَالْخَمْرِ) عائد على (السَّيِّدُ)، ويجلده في الخمر والفرية رجلين، وفي الزنى أربعة عدول، واحترز من السرقة وغيرها بألايقيمها إلا الوالي، قال في المدونة: لأن ذلك ذريعة إلى أن يمثل بعبده ويدعي أنه سرق.
وقوله: (بالإِقْرَارِ ... إلخ) يعني: أن السيد يقيم على عبده بالطرق المذكروة في الحر.
وَفِي حَدِّهِ برُؤْيَةٍ قَوْلانِ
وفي حد السيد لعبده والقولان روايتان، مذهب المدونة أنه لا يقيمه بعلمه،
стр. 4364
ومنشأ الخلاف هل هو حكم فلا يجوز بعلمه أو لا تهمة هنا، ولا خلاف ان له تأديبه في الجنايات بعلمه.
فَإِنْ كَانَ مُتَزَوِّجاً بِمَا لَيْسَ مِلْكاً لَهُ فَالإِمَامُ
يعني: فإن كان الرقيق متزوجاً بما ليس لسيده سواء كان متزوجاً بحرة أو بملك غير سيده، فليس حينئذ الإقامة لحق الآخر من الزوجين، وحق لسيده إن كان رقيقاً، ولا فرق بين أمته متزوجة بعبد الغير أو بالعكس، نص على الأولى في المدونة، ونص على الثانية التونسي، وفهم من كلامه أنه لو زوج أمته بعبده لكان له أن يقيم الحدودوهو كذلك.
وَيُقْتَلُ الْكَافِرُ يُكْرِهُ الْحُرَّةَ الْمُسْلِمَةَ لِنَقْضِ العَهْدِ، وَفِي الأَمَةِ قَوْلانِ
المشهور أنه لا يقتل في الأمة، نعم يؤدب الأدب الشديد لأنه جنى على مال، والشاذ أظهر لأن الأمة تستغيث بالإسلام وهو منتهك لحرمته، ومقتضى تعليل المصنف بنقض العهد أن قتله مباح.
ابن عبد السلام: والذي يقول أهل المذهب ظاهره تحتم قتله، وهو ظاهر ما روي عن عمر ﵁، واختلف قول ابن القاسم هل يثبت هنا بشاهدين كغيره لما ينقض به العهد أو بأربعة؟ وإليه رجع ابن القاسم، قال: لا يقتل حتى يشهد عليه بالفعل أربعة شهود أنهم رأوه كالمرود في المكحلة لأنه لا يستوجب القتل إلا بالوطء وهو إنما يثبت بأربعة.
فائدة: لنقض العهد أسباب:
أولها إكراه النساء على الزنى. ثانيها: القتل. ثالثها: منع الجزية. رابعها: التمرد على الأحكام. خامسها: التطلع على عورات المسلمين، فإن أسلملم يقتل إذ قتله لنقض العهد لا للجلد، أما قطعهم الطريق أو القتل الموجب للقصاص فحكمهم فيه كالمسلمين.
وَأَمَّا فِي الطَّوْعِ فَالْعُقُوبَةُ
أي: في طوعها ولا إشكال في حدها وقد تقدم فيه ثلاثة أقوال.
стр. 4365
الْقَذْفُ: وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَى الزِّنَى وَاللَّوَاطِ وَالنَّفْيِ عَنِ الأَبِ أَوِ الْجَدِّ لِغَيْرِ الْمَجْهُولِ بخِلافِ نَفْيِهِ عَنِ الأُمِّ ...
هو بالذال المعجمة وأصله الرمي إلى بعد، فكأنه رماه بما يبعد ولا يصلح، ومنه قيل للمنجنيق القاذف، وقد سماه الله رمياً فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ﴾ [النور: ٤] ويسمى أيضاً فرية؛ لأنه من الافتراء والكذب، وهو من الكبائر بإجماع. ومفهومه في الشرع أخص منه في الفقه، ورسمه المصنف بالرسم المذكور وأتى بما يتناول اللفظ وما يقوم مقامه كالإشارة في حق الأخرس.
وقوله: (مَا يَدُلُّ) يحتمل بالصريح وعليه اقتصر ابن عبد السلام، ويحتمل ما يدل مطلقاص فيشمل التعريض ويكون التشبيه لبيان التعريض إن كان دالاً فكالصريح، وعطف اللواط على الزنى من عطف الخاص على العام لأنه نوع منه.
وقوله: (وَالنَّفْيِ عَنِ الأَبِ أَوِ الْجَدِّ) احترازاً من الأم كما سيأتي، أو لتنويع لا للشك؛ لأن الجد لا يقبل الشك.
وقوله: (لِغَيْرِ [٧٣٠/أ] الْمَجْهُولِ)، وقع في بعض النسخ بالجيم والهاء، وكذلكقوع في نسخة ابن راشد، واحترز بذلك من المجهول كالمنبوذ، ففي العتبية عن مالك نفي الحد عمن قال لمنبوذ يا ابن الزانيةويؤدب. قال في البيان: لأن أمه لا تعرف، ولا حد على من قذف مجهولاً. قال: وكذلك لو قال له يا ابن الزاني. قال: وكذلك قال في الواضحة: لا حد على من قذف منبوذاً بأمه أو بأبيه، وأام إن قال له ولد زنى، فيجب عليه لاحتمال أن يكون أشده وإن كان قد نبذ. ووقع في بعض النسخ: (المحمول) بالحاء المهملة والميم ليحترز من المستبين، فإنه لا حد على من نفاه من أبيه، وقال: يا ولد زنى. قال أشهب، قال: لأن المجهولين لا يثبت أنسابهم ولا يتوارثون بها، وسئل في العتبية عن الرجل
стр. 4366
الغريب يقال له يا ابن الزانية وهو لا يعرف أمه، قال مالك: أرى أن يضرب الحد إذا كان رجلاً مسلماً. وقد يقدم الرجل البلد فيقيم بها سنين من أهل خراسان فيقدمه الرجل ويقال له أقم البينة أن أمك حرة أو مسلمة.
مالك: ما أراد ذلك عليه ولكن أراد أن يضرب على قذفه، والظالم هو الذي يحمل عليه. قال في البيان: وهذا بين لأن أم الحر المسلم محمولة على الإسلام والحرية حتى يعلم خلافه، وإنما يحد إذا قال له: يا ابن الزانية إذا كانت أمه قد ماتت أو غائبة بعيد ةالغيبة، فلا حد عليها إلا بعد الإغرار. انتهى. وهذا أظهر مما قاله أشهب لأنا منعناهم التوارث لجهلنا بأنسابهم لا أنهم أولاد زنى، والمشهور أن توءمي المجهولة يتوارثان أشقاء، وزعم ابن عبد السلام أن النسخة الأولى تصحيف وليس بظاهر، لا يقال التعريف غير مانع لصدقه على المخاطب إذا كان غير عفيف أو عبد أو كافر، وليس بقذف لسقوط الحد؛ لأنا نقول كل هذا قذف وانتفاء الحد لانتفاء الشرط لا لانتفاء ماهية القذف.
بخِلافِ نَفْيِهِ عَنِ الأُمِّ
أي: بخلاف نفي المقذوف عن الأم، نحو لست لأمك، فهذا لا حد عليه، قاله مالك وأصحابه، وعلله بأن الأمومة منتفية فيعلم كذبه في نفيه عنها، فلا غضاضة عليه فيه، والأبوة ثابتة بالحكم وغلبة الظن، فلا يعلم كذبه في نفيه فتلحقه بذلك معرة، وأشار التونسي إلى استشكاله بأن فيه قذف الأب لن معناه أن غيرأمك وإلى ترك محمل أباه على غير أمه.
وَالتَّعْرِيضُ بذَلِكَ إِنْ كَانَ مَفْهُوماً كَالتَّصْرِيحِ مِثْلُ: أَمَّا إّذَا فَلَسْتُ بزَانٍ
(بِذَلِكَ) أي: زَنَّى أو لواطاً أو نفي عن أب أو جد كالتصريح في وجوب الحد، والمثال الذي ذكره خاص ببعض أنواع التعريض، وترك المصنف غير اختصار لأن ذلك
стр. 4367
يفهم منه كقوله: أما أنا فلست بلائط وأنا معروف. واحترز المصنف بقوله: (إِنْ كَانَ مَفْهُوماً) ممن لا يفهم منه القذف.
عبد الوهاب: واختلف في اللفظ المحتمل للقذف والشتم إلى أيهما يرد على القولين. وفي اللخمي: إن صرح بالقذف أو عرض به حد، وإن شتم بلفظ القذف أو عرض به عوقب ولم يحد، وإن أِكل الأمر هل يراد بذلك القذف أم لا؟ حلف أنه لم يرد به قذفاً وعوقب، واختلف إذا نكل هل يحد أم لا؟ فأجراه مرة مجرى النكول عن أيمان التهم أنه يغرم ما نكل عنه، فقال هنا يحد، ورأى مرة أنه بخلاف المال ولا يؤخذ منه الحد. قال في المدونة: وإن قال لرجل يا فاسق يا فاجر نكل، وكذلك يا حمار، يا ابن حمار، يا ابن ثور، يا خنزير، فإن قال له يا خبيث، أحلف أنه لم يرد قذفاً ثم ينكل، فإن نكل عن اليمين لم يحد ونكل.
اللخمي: يريد ويزاد في نكاله وإن قال يا ابن الفاسقة ويا ابن الفاجرة نكل وإن قال يا ابن الخبيثة أحلف أنه ما أراد قذفاً، فإن نكل عن اليمين حبس حتى يحلف، فإن طال حبسه نكل ولم يره من التعريض. وقال أشهب في الموازية: إن قال: يا فاجر، يا فاسق، يا خبيث، فإن نكل حد.
محمد: ويحلف أنه لم يرد نفيه من أبيه ولا قذفاً لأبيه فإن نكل حد. وقال ابن الماجشون: يا ابن الفاسقة، يا ابن الفاجرة، يا ابن الخبيثة، ونكل حد. ومضى في ذلك على أصله أن قول ذلك للنساء أشد، إلا أنه عنده من الأمر المتردد ما يراد به القذف أم لا، وروى ابن القاسم أن قوله: يا ابن الخبيثة أشد من قوله: يا ابن الفاسقة؛ لأن الفسق الخروج عن الطاعة جملة ولا يختص بالفاحشة، والخبث يراد به الفاحشةن قال الله تعالى في قوم لوط ﴿الَّتِي كَانَت تَعْمَلُ الْخَبَئِثَ﴾ [الأنبياء: ٣٧] ولم يحمل القائل على أنه أراد ذلك لأن العامة لا تعرفه، فلذلك استظهر عليه باليمين، قال في البيان: أما إن قال: يا خبيث الفرج فلا إشكال أنه يحد.
стр. 4368
فرع: ويستثنى من سقوط الحد بالتعريض الأب فإنه لا حد عليه فيه، نص عليه مالك. وفي المدونة: إذا عرض بزوجته ففيه الحد. واختلف في ذلك، وأما الشاعر أعرض في شعره فلمالك في العتبية: لا حد عليه إلا ان يكون بيناً جدًّا. قال في البيان: ورأيت لأبي بكر بن محمد أنه يعتبر شعره فإن كان فيه تعريض حد. وكأنه تأول ما لمالك في العتبية على سقوط الحد مطلقاً، وليس بتأويل صحيح لأنه نص على أنه الحد إذا كان [٧٣٠/ب] الشيء إليه، وإنما يشترط ألا يحد إلا أن يكون ذلك قولاً بيناً، فليس قول مالك مخالفاً لأصله في إيجاب الحد بالتعريض، وأسقط أبو حنيفة والشافعي الحد في التعريض مطلقاً لجواز التعريض في النكاح، وفيه نظر؛ لأنه كان يلزم عليه جواز التعريض بالقذف، ودليلنا ما روي في الموطأ أن رجلين تسابَّا في زمان عمر ﵁، فقال أحدهما للآخر: والله ما أنا بزان ولا أمي زانية. واستشار في ذلك عمر، فقال قائل: مدح أباه وأمه. وقال آخرون: وقد كان لأمه وأبهي مدح غير هذا، نرىن نجلده الحد. فجلده عمر الحد ثمانين. وروي أن عمر ﵁ جلد في التعريض وقال ﵀: لا تداعى جوانبه. وبه قال ابن مسعود وعمر بن عبد العزيز. ولسنا إنا نحن متعبدون بالمعاني، ولو تسابَّ رجلان فقال أحدهما: ابن الفاعلة الصانعة العفيفة التي لم تزن قط. لفهم منه نطقاً فيهما بالزنى، بل هو أ [لغ من قوله: يا ابن الزانية.
اللخمي: ويجب الحد إذا قال: ما يطعن في فرجي بشيء وإني لعفيف الفرج أو أنك لعفيف الفرج، وإن لم يذكر الفرج، وقال: إني عفيف أو ما أنت عفيف أو عفيفة، افترق الجواب، فإن قال ذلك لرجل أحلف أنه لم يرد قذفاً ولم يحد. وهو قول مالك وعبد الملك، واختلف إذا قال ذلك لامرأة، فقال مالك: يعاقب ولا يحد. وقال عبد الملك: ولو قال ذلك لرجل إلا أن يدعي أنه عفيف في المكسب والمعظم، فيحلف ولا حد عليه وينكل. قال: لأن المرأة لا يعرض عليها بالعقاب إلا بالفرج، والرجل يعرض له في غيره.
стр. 4369
يحيى بن عمر: وإن قال لامرأته يا مخبث فعليه الحد.
ابن الماجشون: وإن قال لرجل يا مأبون وهو رجل في كلامه تأنيث ويضرب بالكبر ويلعب في الأعراس ويتهم بما قيل له فيما يخرجه عن الحد، واختلف إذا قال لرجلٍ يا مخنث، قال مالك في المدونة: احلف ما أراد قذفاً وينكل، فإن نكل حد. وفي الموازية: إن كان في المقول له تصنع في يديه أو من عمل النساء شيء أو لين الكلام، أحلف ما أراد غيره إن كان بريئاً من ذلك ولا شيء فيه منه حد القائل. وحمل اللخمي ما في الموازية على الخلاف وحمله غيره على التفسير بما في المدونة. وإن قال: يا ابن منزلة الركبان. ففي الواضحة: يحد. وكذلك إن قال يا ابن ذات الراية، وإن قامت فلانة في أعكانها حد عند ابن القاسم خلافاً لأشهب. وفي الموازية: من قال لرجل: يا ابن زانٍ، جلد لزوجته إن طلبت لأن القرنان عند الناس زوج الفاعلة، وقاله ابن القاسم في غير الموازية، ولم يرمِ فزعم فيه الحد، وقال يجلد عشرين سوطاً.
وَالْكِنَايَةُ كَذَلِكَ مِثْلُ: يَا نَبَطِيُّ، أَوْ مَا أَنْتَ بحُرٍّ، أَوْ يَا رُومِيُّ، أَوْ يَا فَارِسِيُّ لِعَرَبِيِّ بخِلافِ الْعَكْسِ ...
الجوهري: الكناية أن يتكلم بشيء ويريد به غيره. وفي تلخيص المفتاح: الكناية: لفظ أريد به لازم معناه مع جواز إرادته معه. والمصنف ﵀ لما رأى أن التعيرض خلاف الكناية عند علماء البيان، ورأى أن أهل المذهب لم يفرقوا بينهما لكونهم لم يقسموا القذف إلا إلى صريح وتعريض، تبع في ذلك علماء البيان، وأِعر ذلك بمعرفة هذا الفن وبعدم ارتضائه قول الفقهاء، وليس ذلك بمجرد مخالفتهم أصحاب علم البيان، فإن هذا يرجع إلى الخلاف في الاصطلاح وطائل تحت، ولكن لأن دلالة التعريض أقوى من الكناية، والوارد عن عمر ﵁ إنما هو في التعريض وهو أصل هذا الباب، فلا يصح قياس الكناية عليه. ومثل المصنف بقوله: (أَنْتَ بحُرَّ، أَوْ يَا رُومِيُّ، أَوْ يَا فَارِسِيُّ لِعَرَبِيٍّ)؛
стр. 4370
لأنه قطع نسبه بخلاف العكس- أعني: إذا قال للرومي والفارسي يا عربي- فإن العرب في هذا ليس قطع النسب بل الثناء على المغلظ بصفات العرب مثل الشجاعة والسخاء وغير ذلك.
فرع: ولو قال يا ابن اليهود أو النصراني، فقال ابن القاسم: يحد إلا أن يكون في آبائه أحد كذلك. وقال أِهب: لا حد عليه إذا حلف أنه لم يرَ نفيه.
اللخمي: وحمل قوله أن أباك الذي تنسب إليه الآن يهودي أو نصراني. وكذلك إذا قال: يا ابن الأقطع، يا ابن الأعور، يا ابن الأحمق، يا ابن الأزرق، يا ابن الآدم، وليس أبوه كذلك، فقال ابن القاسم: يحد لأنه حمل أباه على غير أمه. وعلى قول أشهب لا يحد إذا حلف، واختلف إذا قال يا ابن الحجام او يا ابن الخياط أو غير ذلك من الصنائع وليس في آبائه من يعمل ذلك، فلمالك في المدونة من رواية ابن القاسم: إن كان المقول له ذلك من العرب حد، وإن كان من الموالي فلا حد عليه، ويحلف بالله ما أراد قطع نسبه ويعزر. وروى ابن حبيب عنه يحد فيهما. وقال أشهب: لا حد فيهما إذا حلف أنه لم يرد نفيه من آبائه. قال: وإنما ذلك كقوله: أبوك الذي ولدك حجام أو حائك
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي مِثْلِ: يَا فَارِسِيُّ وَشِبْهِهِ لِرُومِيِّ وَشِبْهِهِ
الضمير في (قَوْلُهُ) عائد على مالك والخلاف في المدونة، لكن إنما حكاه فيمن نسب جنساً من البيض إلى جنس من السودان، واختار ابن القاسم نفي الحد، وزاد: إلا أن يقول يا ابن الأسود وليس في آبائه الأسود. وفي الجواهر: فيمن قال لرومي يا فارسي، ولفارسي يا رومي أن عليه الحد. وفيه نظر؛ فقد حكى في البيان [٧٣١/أ] الاتفاق على أنه لا حد على من نسب أحداً من البيض من البربر والفرس والقبط إلى غير جنسه من البيض كلهم، أعني في غير العرب ولذلك إذا نسب جنساً من أجناس السودان إلى غيره
стр. 4371
من أجناس السود كالحبس والنوبة باتفاق؛ لأن غير العرب لا يحفظون أنسابهم كالعرب، قال: واختلف إذا نسب أحداً من أجناس البيض إلى جنس من أجناس السودان أو بالعكس على ثلاثة أقوال:
الأول: نفي الحد، وهومذهب مالك الذي أخذ به ابن القاسم في المدونة.
والثاني: أن عليه الحد في ذلك كله إلا أن يكون المقول له أسود أو ابن أسود، وإن كان من جنس البيض فيقول له يا ابن النوبي، أو يا ابن الحبشي، وهذا مذهب ابن الماجشون في الواضحة.
الثالث: أنه لو قال البربري يا فارسي، أو قبطي يا حبشي أو يا نوبي، فعليه إلا أن يكون أسود أو في أقاربه أسود، وإن قال لحبشي أو نوبي يا بربري أو يا فارسي أو قبطي أو يا نبطي فلا حد عليه، وهذا يأتي على أحد قولي مالك في المدونة في وجوب الحد على الذي يقول لبربري أو رومي يا حبشي، أن عليه الحد، قال وأما العرب فإنها تحفظ أنسابها، فمن نسب أحداً من العرب إلى غير العرب، أو نسب أحداً منهمإلى غير قبيلته فعليه الحد قولاً واحداً، أو قريش من العرب والعرب ليست من قريش، فمن قال لقرشي: يا عربي لم يحد، ومن قال لعربي: يا قرشي حد. وكذلك كل قبيلتين يجمعهما أب واحد يحد من نسب أحداً من القبيلة الأعلى إلى القبيلة الأدنى، ولا يحد من نسب أحداً من القبيلة الأدنى إلى القبيلة الأعلى. انتهى.
وَفِي مِثْلِ: زَنَتْ عَيْنُكَ، أَوْ يَدُكَ، أَوْ رِجْلُكَ، الحَدُّ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ لاَ عِنْدَ أَشْهَبَ
فقول ابن القاسم في المدونة وجوب الحد، والخلاف مبني على أنه هل هو من التعريض أم لا؟ واستحسن اللخمي قول ابن القاسم، قال: إلا أن يكون بإثر ما تكلم بباطل أو يظن بذل أو سعى فيه، وادعى أنه إنما أراد ذلكفإنه يحلف ولا يحد. واختار
стр. 4372
جماعة قول أشهب لإضافته عليه الصلاةوالسالم الزنى إلى هذه ثم قال: "والفرج يصدق ذلك أو يكذبه" فأخبر أن زنا هذه الأعضاء كالزنى، لكن الشاتم لم ينفِ الزنى عن الفرج كما في الحديث، واتفق ابن القاسم وأشهب على الحد إذا قال: زنى فرجك.
وَفِي مَالِكٍ أَصْلٌ وَلا فَصْلٌ ثَالِثُهَا: إِنْ كَانَ مِنَ الْعَرَبِ حُدَّ لَهُ
والحد لأصبغ وهو مقتضى اللفظ؛ لأنه أصله هذا أبوه وقد نفاه عنه ونفيه لمالك، ورأى ان المقصود نفي الشرف فقط، والقول الثالث جنس لأن غير العرب لايحافظ على نسبه. وقال ابن الماجشون: إن قاله في مشاتمة فإن لم يكن من العرب ففيه الأدب الخفيف مع السجن، وإن قال العربي حد إلا أن يعذر بجهالة، فيحلف ما أراد قطع نسبه وعليه ما على من قاله لغير عربي، وإن لم يحلف حد.
وَلَوْ قَالَ ابْنُ عَمِّ أَوْ مَوْلَى لِعَرَبِيٍّ: أَنَا خَيْرٌ مِنْكَ - قَوْلانِ
أي: ولو قال ابن عم لابن عمه أنا خير منك، أو قال ذلك من العرب فقولان، وقد ذكرهما ابن شعبان واختار الوجوب فيهما والأقرب خلافه؛ لأن الأفضلية قد تكون في الدين والخلق أو الجميع إلى غير ذلك، إلا أن يدل البساط على إرادة النسب، وحكى في البيان ثالثاً: إن قال: خير منك نسباً حد، وإن لم يقل نسباً وقال: حسباً عليه الأدب فقط، وهو مذهب أبي حازم، وفيه نظر. وقال مطرف وابن الماجشون: يحد. قالا: وكأنه قال لست من العرب إلا أن يريد: خير منك عند الله، ومثله يشبه فيحلف ولا يحد. وقاله أصبغ، ولمالك في العتبية في مولى قال لعربي أنا خير منك وأقرب نسباً برسول الله ﷺ : لا حد في هذا.
وَقَوْلُ: "لا أَبَ لَكَ" مُغْتَفَرٌ إِلا فِي الْمُشَاتَمَةِ فَيَحْلِفُ
نحوه لمالك في العتبية والموازية أنه لا شيء عليه. قال: إلا أن يريد النفي وهو مما يقوله الناس في الرضا. قال في الموازية: وأما في المشاتمة والغضب فذلك شديد ويحلف ما أراد نفيه.
стр. 4373
وَلَوْ نَسَبَهُ إِلَى جَدِّهِ فِي الْمُشَاتَمَةِ لَمْ يُحَدَّ إلا ببَيَانِ الْقَذْفِ، بخِلافِ عَمِّهِ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُحَدُّ فِيهِمَا. وقَالَ أَصْبَغُ: لا يُحَدُّ فِيهِمَا، بخِلافِ خَالِهِ وَزَوْجِ أُمَّهِ
(جَدِّهِ) يشمل الجد للأب والأم، ونص في المدونة عليهما.
وقوله: (فِي الْمُشَاتَمَةِ) يؤخذ منه أن الحكم في غيرها من باب أولى.
وقوله: (إِلا ببَيَانِ الْقَذْفِ) هذا، قال في الموازية: قال مثل أن يتهم الجد بأمه.
وقوله: (بخِلافِ عَمِّهِ) أي: فيحد، وهذا في الموازية، والفرق بينهما أن الجد أب، وقال أشهب: يحد في جده وعمه بشرط أن يكون في مشاتمة لا إن لم يكن فيهما. ولا يؤخذ من كلام المصنف تقييد قول أشهب بالمشاتمة، إلا أن يقال هو فرض المسألة في المشاتمة. صاحب النوادر والباجي واللخمي وابن يونس وابن شاس، قاله أصبغ، واحتج بقول الله تعالى: ﴿نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَءَابَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَعِيلَ وَإِسْحَقَ﴾ [البقرة: ١٣٣] وأظن أن ما نسبه المصنف لأصبغ وهم.
وقوله: (بخِلافِ خَالِهِ وَزَوْجِ أُمِّهِ) أي: فإنه يحد اتفاقاً وهذا كله إذا نسبه لغير أبيه لا على وجه الاستفهام، وأما إن كان على وجه الاستفهام فلا إشكال في نفي الحد.
فَلَوْ قَالَ: يَا زَانِيَةُ. فَقَالَتْ: [٧٣١/ب] بكَ زَنَيْتُ. فَقَالَ مَالِكٌ: عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَى وَالْقَذْفِ دُونَهُ لأَنَّهَا صَدَّقَتْهُ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلا أَنْ تَقُولَ: قَصَدْتُ الْمُجَاوَبَةَ فَعَلَيْهِ حَدُّ الْقَذْفِ دُونَهَا. وَقَالَ أَصْبَغُ: يُحَدَّانِ حَدِّ الْقَذْفِ، كَمَا لَوْ قَالَتْ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي ...
الأول: مذهب المدونة قال: إلا أن ترجع عن حد الزنى فعليها حد القذف؛ لأنها صدقته. وقال أشهب: عليها حد الزنى وحد القذف إلا أن تقول: قصدت المجاوبة، فيحد الرجل للقذف ولا تحد هي لقذف ولا زنا. وقال أصبغ: يحدان للقذف وليس لأحدهما الرجوع؛ أن قولها ليس بتصديق لكن ذلك رد عليه.
стр. 4374
وقوله: (كَمَا لَوْ قَالَتْ: أَنْتَ أَزْنَى مِنِّي) هي حجة ظاهرة لأصبغ إن وافقوه على الحكم فيها. وقد نقل في الموازية عن مالك مثل قول أصبغ، وقاله ربيعة وخالفهما ابن شهاب، وقال ذلك قذف وإقرار على نفسه بالزنى كالقول المتقدم.
وقول المصنف: (يَا زَانِيَةُ) تقديره قال لامرأة يا زانية وهكذا قال في المدونة، وظاهره أنه لا فرق مع ذلك بين زوجة ولا أجنبية، وفرق بينهما ابن القاسم في رواية يحيى في العتبية، فقال في الأجنبية كما في المدونة، وقال في الزوجة لا أرى عليها شيئاً لأنها تقول أردت إصابته إياي بالنكاح، فيدرأ عنها الحد ولا يد منها إقراراً بالزنى. قال عنه عيسى: أو يجلد الزوج الحد إلا أن يلاعن.
ابن رشد: وهو مبني على أحد القولين في اللعان بمجرد القذف. وقال عيسى: لا حد ولا لعان. واختلف فيمن قال لرجل يا ابن الزانية، فقال الآخر: أخزى الله ابن الزانية. فقال ابن القاسم: يحلف المجاوب ما أراد قذفاً وإن لم يحلف سجن حتى يحلف. وقال أصبغ: تعريض، ويحدان جميعاً. وفي المدونة: إذا قال حر لعبد يا زاني، فقال له العبد بل أنت، نكل الحر وجلد العبد جلد الفرية أربعين. ولابن القاسم في غير المدونة: من قال لنصراني: يا ابن الفاعلة، فقال له النصراني: أخزى الله ابن الفاعلة، فيحلف النصراني ما أردت قذفه، فإن نكل سجن حتى يحلف. وقال أصبغ: يحد النصراني لأنه جواب المشاتمة ويعاقب المسلم. قال: ومن قال لجرل يا حمق فقال له: أحمقنا ابن الزانية، فهو قذف من قائله لأنه جواب الشتم واستتاراً عن القذف بذكر الحمق، وسواء كان المقول له أحمق أو حليماً.
وَلَوْ قَالَ: زَنَيْتِ مُسْتَكْرَهَةً حُدَّ، وَلاعَنَ فِي الزَّوْجَةِ فَإِنْ أَتَى ببَيِّنَةٍ عَلَى الإِكْرَاهِ لَمْ يُحَدَّ ...
أي: حد في الأجنبية ولاعن في الزوجة، فإن أقام بينة على الإكراه سقط الحد، هذا مذهب المدونة. وفي الموازية: يحد وإن أقامت البينة لأنها ليست بذلك زانية وإنما يقال زنى
стр. 4375
بها. ورأى أن ذلك تعريض لها بالزنى طوعاً، والأول أبين لأن ذلك مما لا تميزه العامة، وإن قال لزوجته: زنيت وأنت صبية أو كافرة، أو قال يا زانية، وقال أردت أنها فعلت ذلك قبل البلوغ والإسلام، فقال ابن القاسم في الكتاب: يحد قائل ذلك أثبت ما قاله ببينة أم لا. وقال عبد الملك: إن أثبت ذلك ببينة لم يحد وإلا حد. وقال أشهب مثل ذلك، إذا قال لزوجته يلاعن لأنه قاذف أو معرض. وعلى قول أشهب وعبد الملك كاللعان عليه إذا أثبت ما رماها به وهو أحسن، ولم يذكر ابن القاسم صفة لعانه، ويشبه أن يكون لعانه أن يشهد أربع شهادات أنه لم يرد تعريضاً ولم يرد إلا ما أثبت أنه كان في الصبا أو في الكفر، لا علم لهذه بغير ذلك ثم لا يكون عليها لعان لأنها لم تثبت أنه كان منها وهي في عصمته شيء ولا ادعاه لها إن قال لعبد أو أمة قد عتقا قد زنيتما في حال رقكما، أو قال لهما يا زانيان، ثم أقام بينة أنهما زنيا في الرق لم يحد القاذف، وحدًّا لأن اسم الزنى في الرق لازم لهما ويلزم فاعله الحد، بخلاف قوله زنيت وأنت نصرانية أو صبية.
وَلَوْ قَالَ لِجَمَاعَةٍ: أَحَدُكُمْ زَانٍ لَمْ يُحَدَّ وَلَوْ قَالَ الْجَمِيعُ
هكذا ذكر ابن المواز ولم يعين قائله. بل قال: قيل: واستبعده.
ابن رشد: إذا قام عليه الجميع لأنهيعلم أنه قال لأحدهم ولا حج له، قال وجهه على بعد أن المقذوف لما لم يعلم من هو منهم لم يحد؛ لأن الحد إنما هو إسقاط المعرة عن المقذوف، والمعرة لم تلحق واحداًمنهم فيحد له، ولا بجميعهم إذا لم يقذف واحداً.
وَلَوْ قَالَ: يَا زَوْجَ الزَّانِيَةِ. وَلَهُ امْرَأَتَانِ فَعَفَتْ إِحْدَاهُمَا وَقَامَتِ الأُخَرَى حَلَفَ مَا أَرَادَهَا، فَإِنْ نَكَلَ حُدَّ، فَقِيلَ: اخْتِلافٌ، وَقِيلَ: بالْفَرْقِ بَيْنَ الاثْنَيْنِ وَمَا قَارَبَهُمَا، وَبَيْنَ الْكَثِيرِ ...
هكذا قال في العتبية والواضحة، قال في البيان: وهكذا لو كانت له امرأة واحدة وقامت لكان القول قوله مع يمينه أنه إنما أراد البينة، وعارض الباجي هذه المسألة بالمسألة
стр. 4376
التي قبلها، قال: ويحمل أن تكون الجماعة في المسألة الأولى خرجوا بكثرتهم من ذها التعيين، وأن الاثنين في مسألة العتبية وما قارب من ذلك في حيز العين، ويحتمل أن يكون اختلافاً، وعلى هذا فقول المصنف فقيل ليس بظاهر؛ لأن الباجي إنما ذكر احتمالين، وقد نقل ابن شاس كلام الباجي نقلاً حسناً، والله أعلم.
وَلَوْ قَالَ: أَنَا نَدْلٌ أَوْ نَغِلٌ أَوْ وَلَدُ زِنّى لَقَذَفَ أُمَّهُ
الجوهري: الندالة: [٧٣٢/أ] السفالة، وقد ندل - بالضم- فهو ندل، ونديل فهو خسيس، وعلى هذا فيكون ندل من باب التعريض، ونغل- بكسر الغين المعجمة-:
الجوهري: وفلان نغل أي فاسد النسب، والعامة تقول نغل. وقال الزبيدي: النغل هو ولد الزانية. وهذهالمسألة نقلها ابن شاس عن القاضي أبي عبد الله بن هارون المالكي البصري وهي ظاهرة.
ابن عبد السلام: وطرد التعليل يقتضي أن من قال لرجل ولد زنا وأنت ولد زنا، ثم عفا المقول له ذلك عن القاذف فإن للأم القيام بحقها.
وَيُحَدُّ الأَبُ لِوَلَدِهِ، وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ، وَقَالَ أَصْبَغُ: لا يُحَدُّ، وَعَلَى الْحَدِّ يُفَسَّقُ
الأول: نقله الباجي عن مالك وأصحابه، ويقول أصبغ قال ابن حبيب، وهو كقول أشهب أن الأب لا يقتل بابنه.
فقال: وقوله: (وَاسْتَثْقَلَهُ مَالِكٌ) ظاهره الكراهة ويحتمل المنع لقوله في تمام الرواية ليس ذلكمن البر، فيكون كقول أصبغ على الحد فيفسق وتسقط عدالته. واستشكل ذلك؛ لأن تفسيقه يقتضي أن يكون معصية، وكيف يحكم له الحاكم بالمعصية. وقيل: بالتحليف أن له أن يحلفه ولا يكون جرحة، فانظر هل يأتي هذا القول هنا.
стр. 4377
وَلَوْ قَالَ فِي مُنَازَعَةٍ: لَسْتَ بابْنِي حَلَفَ بخِلافِ غَيْرِهِ
هذه المسألة في المدونة وغيرها ففيها: وإن قال أنه ليس بولدي وقبلت الأم أو غيرها الحد، وقد كان فارقها أبوه، فإن حلف أنه لم يرد قذفاً وأنه أراد قلة طاعته لهم لم يحد، وإن نكل حد، وإن كانت الأم حيث كان القيام لها دون بنيها، وأخذ الباجي منها أن الحد ثابت إن لم تحلف.
خليل: وقد نص عليه في المدونة كما ذكر الباجي، ولو عفا بعضهم لكان لبقيتهم القيام، والمذهب كذلك بخلاف الدم؛ لأن الدم عوضاً وهو المال فلا يبطل حق من لم يعف مطلقاً؛ لأنه وإن بطل في الدم لم يبطل في عوضه، وأما الحد فلا عوض عنه.
قال: وقوله: (بخِلافِ غَيْرِهِ) أي: بخلاف غير الأب إذا قال في منازعة لست بابن فلان سواء كان من الأقارب أم لا كالجد والعم والخال، قال في الموازية: فإنهم يحدون، قال في المدونة والعتبية: وأما إن شتموه فلا شيء عليهم إذا كان على وجه الأدب، وكأنه لم يرى الأخ مثلهم إذا شتمه، قال في البيان: يريد إذا قرب منه في السن، وأما إن كان له عليه من الفضل والسن والعقل والسواد ما يشبه أن يكون شتمه إياه أدباً فهو كالجد والعم والخال.
ابن عبد السلام: ويحتمل أن يعود قوله: (بخِلافِ غَيْرِهِ) على التنازع؛ أي: إنما تقبل منه اليمين وسقط عنه الحد في التنازع لأنه قرينة في عصيان الابن لأبيه، وأما إن لم يكن تنازع فلا يقبل منه ذلك ويحد، وظاهر المدونة سقوط الحد عنه مطلقاً.
وَالْمُلاعَنَةُ وَابْنُهَا كَغَيْرِهِا
أي: لو قال للملاعنة يا زانية حد كغيرها، ولو قال لولدها يا ابن زنى حد له؛ لأن الملاعنة لم يثبت زناها.
стр. 4378
وَمُوجَبُهُ ثَمَانُونَ جَلَدَةً عَلَى الْحُرِّ وَنِصْفُهَا عَلَى الرَّقِيقِ
أي: الذي يوجبه القذف ثمانون بنص القرآن ونصفها على الرقيق، يعني كاملة ومبعضة، لقوله تعالى: ﴿فَعلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتٍ مِنَ الْعَذَابِ﴾ [النساء: ٢٥] وألحق الذكر بالأنثى بقياس ألا فارق، وفي كتاب ابن شعبان على العبد ثمانون إذا قذف حرَّاً؛ لأن الحد للمفعول له، واختاره اللخمي.
وَشَرْطُهُ فِي الْقَاذِفِ التَّكْلِيفُ، وَفِي الْمَقْذُوفِ الإِحْصَانُ؛ وَهُوَ الْبُلُوغُ، وَالإِسْلامُ، وَالْحُرِّيَّةُ، وَالْعَفَافُ، وَيُخْتَصُّ الْبُلُوغُ وَالْعَفَافُ بغَيْرِ الْمَنْفِيِّ، وَإِطَاقَةُ الْوَطْءِ فِي الْمَقْذُوفَةِ كَالْبُلُوغِ ...
قال في التلقين: يراعى في ذلك تسع خصال؛ اثنان في القاذف وخمسة في المقذوف واثنان في الشيء المقذوف به، فما يراعى في المقذوف فالعقل والبلوغ والإسلام والحرية والعفة عما رمي به، ويختلف حكم البلوغ في المقذوف بالذكورة والأنوثة، فيراعى في الذكر بلوغ التكليف، وفي الأنثى إطاقة الوطء، وأما ما يراعى في المقذوف به فشيئان أن يكون القاذف بالوطء يلزمه الحد وهو الزنى واللواط أو نفي نسب للمقذوف عن أبيه فقط. انتهى.
فقوله: (وَشَرْطُهُ فِي الْقَاذِفِ التَّكْلِيفُ) أي: أن يكون بالغاً عاقلاً فلذلكيحد الكافر؛ لأنه وإن لم يكن مكلفاً بالفروع على أحد القولين فهو مكلف بالإيمان إجماعاً، وروي أن الكافر ينكل من غير تحديد.
ابن عبد البر: والأول أصح. واختلف في الحربي، فقال ابن القاسم: يحد. وقال أشهب: لا حد عليه.
(وَفِي الْمَقْذُوفِ الإِحْصَانُ ... إلخ) ظاهر التصور، ومنه تعلم أن الإحصان هنا خلاف الإحصان المشترط في الرجم، إذ لا يشترط العقد الصحيح اللازم والوطء المباح.
стр. 4379
وقوله: (وَيُخْتَصُّ الْبُلُوغُ وَالْعَفَافُ بغَيْرِ الْمَنْفِيِّ) إذا رمي بزنّى أو لواطن وأما إذا نفي فلا فرق بين أن يكون بالغاً أو لا، عفيفاً أو لا، والظاهر أنه إنما يشترط البلوغ في اللواط إذا كنا فاعلاً، وأما إذا كن مفعولاً به فلا، وهو أولى من الثيب في ذلك. قاله أبو محمد صالح وغيره، وما ذكره [٧٣٢/ب] المصنف من إطاقة الوطء في المقذوفة كالبلوغ هو المشهور، وقال محمد بن عبد الحكم وابن الجهم: لا حد.
ابن عبد البر: ولا يكلف المقذوف إقامة البينة على حرابة أمه ولا عفافها، فإن أقام القاذف البينة على ما يسقط به الحد من رق المرأة أو كفرها أو أنها زانية وإلا حد حدَّ القذف. ونفي المصنف في المقذوف اشتراط العقل وأن تكون معه آلة الوطء، فلا حد على من قذف مجنوناً إذا كان جنونه من حين بلوغه إلى حين قذفه لا تتخلله إفاقة.
اللخمي: لأنه معرة عليه لو صح فإن ذلك منه. وأما إن بلغ صحيحاً ثم جن أو كان يجن ويفيق، فإن قاذفه يحد، وكذلك المجبوب إذا كان جبه قبل بلوغه لأنه مما يعلم كذب قاذفه فلم تلحقه معرة، وإن كان حبه بعد البلوغ حد، وكذلك الخصي الذي ليس معه آلة النساء.
وَيُشْتَرَطُ فِي الْمَنْفِيِّ شَرْطُ مَنْ يُحَدُّ قَاذِفُهُ إِلا فِي أَبَوَيْهِ لأَنَّ الْحَدَّ لَهُ؛ وَلِذَلِكَ لَوْ فُرِّقَ بَيْنَ يَا ابْنَ الزَّانِي أَوِ الزَّانِيَةِ وَبَيْنَ يَا ابْنَ زَنْيَةٍ ...
شرط من يحد قاذفه إنما يشترط فيه الإسلام والحرية، وأما البلوغ والعفاف فقد ذكر أنهم يختصان بغيره، وذكرنا نحن أن العقل مساو لهما، فلذلك إذا قال لحر مسلم وهو ابن كافرين أو رفيقين يا ابن الزاني أو الزانية لا حد عليه لأنه لم ينفه، وإنما قذف عبدين أو كافرين، وحد القائل له يا ابن زنية لأنه نفاه عن نسبه وهو حر مسلم، ويستثنى من هذا الصحابي. قيل: قال ابن شعبان أن من قذف أم أحدهم وهي كافرة حد حد الفرية لأنه سب له، فإن كان أحد من ولد هذا الصحابي حياً قام بما يجب له وإلا ممن قاربه من المسلمين، فعلى الإمام قبول قيامه. قال: لويس هذا لحقوق غير الصحابة لحرمة هؤلاء
стр. 4380
بينهم. قال: وإن قال في واحد منهم أنه ابن زانية وأمه مسلمة، حد عند بعض أصحابنا حدين؛ حداً له وحداً لأمه، ولا أجعله كقاذف الجماعة في كلمةٍ لفضل هذا على غيره.
اللخمي: وإن كان الأبوان حرين مسلمين والولد كذلك، فقال رجل للولد لست لأبيك، حد للولد لقطع نسبه، وللأم لأنه قذفها، فإن عفا أحدهما فإن الآخر علىحقه، ويجزئ في ذلك حد واحد على قول مالك، وهو بمنزلة من قذف رجلاً وقطع نسب آخر، وإن كان الابن وحده حد القائل لقطع النسب وحده، وإن كان عفا لم يكن لأحد أبويه قيام ونكل لهما، وإن فات قبل أن يقوم، أو قيل ذلك له بعد موته كان الحق لأبيه يقوم بحده، وإن كانت الأم وحدها حرة كان الحق له خاصة لقذفها، وإن كان الأب وحده حراً لم يكن لواحد منهما قيام؛ لأنه قطع نسباً عنه وقذف ابنه، وإن كان الأب وحده حراً لم يكن لواحد منهما قيام؛ لأنه قطع نسباً عنه وقذف ابنه، وإن كان الابن والأم حرين حد لهما، وإن كان الابن والأب حرين حد لقطع النسب خاصة، وإن كان الأبوان حرينحد لقذف الأم خاصة، وإن عفت لم يكن للأب في ذلك مقال. قال: وهذا هو الصحيح من المذهب. وقداختلف في الوجه الذي يقصده القاطع النسب ما هو، فقيل: ذلك لأن الأم زنت به، وألحقته بهذا الأب. وقيل: لأن الأب زنى به مع غيرها التي يقول أنها ولدته وقيل: إن ذلك من غير زنَّى، ويحتمل أن يكون أتى به ولم تلده. ثم تمادى اللخمي في هذا الكلام واقتصرنا على هذا لئلا نبعد عن كلام المصنف.
وَالْعَفَافُ أَنْ لا يَكُونَ مَعْرُوفاً بمَوَضِعِ الزِّنَى بخِلافِ السَّارِقِ وَالشَّارِبِ وَشِبْهِهِ
هكذا نقل في الجواهر عن الأستاذ، فقال: ومعنى العفاف ألا يكون معروفاً بالعلل ومواضع الفساد والزنى، فلو قذف معروفاً بالظلم والغصب والسرقة وشرب الخمر وأكل الربا والقذف يحد له إذا كان غير معروف بما ذكرنا ولم يثبت عله ما رمي به، فإن ثبت أو كان معروفاً بذلك لم يحد قاذفه.
ابن عبد السلام وغيره: ومقتضى مسائل المذهب خلافه، وأنه لا يخرجه من الحد إلا أن يكون ممن حد في الزنى أو ثبت عليه في الزنى وإن لم يحد له. واختلف إذا أقام شاهدين
следующие страницы →