← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4411–4450 · переход к 4416.

стр. 4411

وَلا يُقْطَعُ الْعَبْدُ فِي مَالِ سَيِّدِهِ يعني: وإن سرق من موضع محجور وهذا هو المشهور، وقال أبو مصعب: يقطع إذا سرق من موضع حجب عنه، وفي مختصر الوقار نحوه، والأول مذهب الجمهور، وقاله عمرو ابن مسعود ﵄. ابن عبد البر: ولا أعلم لهما مخالفاً من الصحابة والتابعين، ورجح أيضاً بأن للعبد شبهة في مال سيده بالاتفاق عليه منه، وليس معاوضة كالزوجة، ولأن القطع حفظ المال، فوي القطع هنا زيادة عليه في المال، قال في الموازية: كذلك لا يقطع العبد المشترك إذاسرق من أحد سيديه، والمكاتب كالعبد نص عليه في المدونة. وَلا يُقْطَعُ الضَّيْفُ، وَلا مَنْ دَخَلَ فِي صَنِيعٍ هذه هي الدار الرابعة المتقدمة من كلام ابن رشد، الصنيع: الطعام يعمل سواء كانلقوم مخصوصين أم لا. وَلا قَطْعَ فِي تَمْرٍ مُعَلَّقٍ حَتَّى يُؤْوِيِيهِ الْجَرِينُ قد تقدم هذا في الحديث، وظاهر كلامه أنه لا فرق بين أن يكون في حائط عليه غلق أم لا، وهو قول ابن الماجشون قال: إذا كان الحائط محصناً مغلقاً على ما فيه، وفيه التمر والودي واللَّقَط، فما سرق من تمر علىلنخل أو دي أو لقط فلا قطع فيه، ويقطع فيما كان من المربد من قبل أن اللَّقط بمنزلة ما في رؤوسها، وقال ابن المواز: إنما يريد بالحديث في التمر الحرز، قال: ولو دخل السارق داراً فسرق من تمرها المعلق في رأس النخلة، أو كان مجدوداً في منزله لقطع، إذا بلغت قيمته على الرجاء والخوف ربع دينار، وألزمه اللخمي إذا كان النخل والكرم وغيرها عليه غلق، وعلم أنه احتيط عليه من السارق أنه يقطع؛ لأنه جعل الوجه وجود الحرز وعدمه، وظاهر قوله: (حَتَّى يُؤْوِيهَا الْجَرِينُ) أنه

стр. 4412

لا قطع فيه حتى يؤويه الجرين، واختلف إذا سرق منه بعد حصاده، وهو في موضع لينقل منه إلى الجرين على ثلاثة أقوال، يفرق في الثالث بين أن يضم بعضه إلى بعض فيجب القطع أو لا فلا قطع، لا خلاف في القطع إذا كان عليه حارس، وأيضاً لا خلاف في القطع إذا سرق منه في حال نقله من أجل أنه حامله، وهل لا يقطع في الجرين إلا أن يكون قريباً من البيوت أو يقطع مطلقاً قولان. وَلا فِيمَا عَلَى صَبيِّ أَوْ مَعَهُ مِنْ حُلِيِّ أَوْ ثِيَابٍ إِلا بحَافِظٍ هذا مقيد بقيدين: أولهما: ألا يضبط الصبي ما بيده أو معه، وقال في المدونة: وإذا كان مثله يحرز ما عليه، قطع سارقه مستسراً. وثانيهما: ألا يكون في حرز كدار أبويه، فإن كان في دارهما قطع، إلا أن يكون السارق أذن له في الدخول. وقوله: (إِلا بحَافِظٍ) ظاهر، ولا خلاف فيه، ابن القاسم: وإن أخذ ذلك على وجه الخديعة كسرقة الصبي أو كافر، كان فيه الأدب، والمجنون كالصبي، وجعل اللخمي النائم مثله، قال: وليس في حديث صفوان حيث توسد رداءه فسرق أنه كان نائماً. وَلَوْ نَقَلَهُ وَلَمْ يُخْرِجُهُ لَمْ يُقْطَعْ هذا راجع إلى قوله: (مُخْرَجاً)؛ يعني: ولو نقل السارق المتاع في الحرز من مكان إلى مكان، أو عقده ليرفعه ثم أخذ لم يقطع، ولا نعلم في ذلك خلافاً. وَلَوْ نَقَبَ وَأَخْرَجَ غَيْرُهُ فَإِنْ كَاناَ مُتَّفِقَيْنِ قُطِعاَ وَإِلا فَلا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا إذا تعاونا فإن فعلهما كفعل واحد، ولا يبعد أن يخرج فيها قول بقطع الخارج فقط، كما قيل: إذا ربطها أحدهما وأخرجها الآخر، واما إذا لم يتعاونا فقال ابن شاس وغيره: لا قطع

стр. 4413

على واحد منهام كما قال المصنف، ووجهه: أن مجرد النقب لا يوجب القطع، ولما حصل النقب لم تبقَ حرزاً، والظاهر أنه خلاف ما في المدونة، ففيها: ولو قربه أحدهما إلى باب الحرز أو النقب فتناوله الخارج، قطع الخارج وحده؛ إذ هو أخرجه ولا يقطع الداخل. اللخمي: وقال أشهب في الموازية: يقطعان جميعاً، فإن قيل مسألة المصنف؛ لأنه قال في المدونة: ولو قربه قيل: التقريب وصف طردي لا تأثير له بالنسبة إلى الخارج. وَلَوِ اتَّفَقَا فِي النَّقْبِ خَاصَّةً فَالْقَطْعُ عَلَى مَنْ أَخْرَجَ إن تعاونا في النقب خاصة، وإن تولى أحدهما بعد ذلك الإخراج قطع وحده؛ لأن الإخراج لم يحصل منه إلا النقب. فَلَوْ نَاوَلَهُ الآخَرُ خَارِجَهُ فَالْقَطْعُ عَلَى الدَّاخِلِ لا إشكال في قطع الخارج لإخراجه المتاع من حرزه، وفي الداخل قولان، قال ابن القاسم في المدونة وغيرها: لا يقطع لإعانته في الحرز، وقال أشهب: يقطعان، واختلف إذا ناول من هو في أسفل الدار من هو في أعلاها: هل يقطع الأسفل؟ واختار [٧٣٨/ب] اللخمي: عدم القطع. كَمَا لَوْ رَبَطَهُ بحَبْلٍ فَجَذَبَهُ أي: فجذبه الخارج، ومذهب المدونة أنهما يقطعان، وقال اللخمي عن مالك: إنه يقطع الخارج. اللخمي: والصواب في هذين السؤالين يعني في هذا والذي قبله، والذي حمل على ظهره وما أشبه ذلك من كل معونة كانت داخل الحرز لا قطع عليهن وأن القطع على الخارج وحده.

стр. 4414

وَلَوِ الْتَقَيَا وَسَطَ النَّقْبِ قُطِعَا هكذا قال في المدونة: إذا التقت أيديهما في المناولة وسط النقب، أنهما يقطعان، اللخمي: وكان الأصل على قول ابن القاسم، ألا يقطع الداخل؛ لأن معونته في الحرز، والنقب من الحرز ونحوه للتونسي. فَلَوْ أُخِذَ دَاخِلَهُ بَعْدَ رَمْيِ الْمَتَاعِ خَارِجَهُ تَوَقَّفَ فِيهِ مَالِكٌ، وَالْمَشْهُورُ: يُقْطَعُ عبر في المدونة بلفظ الشك لا بلفظ الوقف، ولهذا يقال: إن مالكاً شك في المدونة في مسألتين: الأولى: هذه والثانية: إذا خلف ألا يكلمه الدهر ففيها: وأخذ في الحرز بعد إلقاء المتاع خارجه فقد شك فيه مالك بعد أن قال يقطع، وأنا أرى أن يقطع، وروى عنه أشهب وابن عبد الحكم القطع، وهو الذي في الجلاب، فلذلك شهره المصنف، وهو الأظهر؛ لأنه قد أخرج المال من حرزه. اللخمي: واختلف إذا رمى المسروق فوقع في نار أو كان زجاجاً فتكسر، هل لا يقطع كما لو هلك في الحرز أو يقطع؟ اللخمي: وهو أحسن، ونقل ابن يونس عن عبد الملك أنهإن قصد إتلافه فلا قطع عليه، وما اكن على غير هذا يرى ليخرج فيأخذه، فإنه يقطع هلك أو بقي في الحرز. وَلَوِ ابْتَلَعَ دُرَّةً وَخَرَجَ قُطِعَ وهكذا الدينار ونحوه لأن ابتلاعه ليس استهلاكاً له، بخلاف الطعام يأكله في الحرز قيمته ربع دينار فأكثر، فلاقطع لاستهلاكه في أمرين وكذلك لو دهن رأسه ولحيته بدهن يساوي ربع دينار لا قطع عليه إلا أن يساوي بعد سلته ربع دينار، وكذلك الشاة يذبحها ثم يخرجها مذبوحة.

стр. 4415

وَلَوْ أَشَارَ إِلَى شَاةٍ بالْعَلَفِ فَخَرَجتْ مِنَ الْحِرْزِ فَقَوْلانِ القطع لمالك واختاره اللخمي وابن رشد، وبه قال ابن القاسم وأشهب في العتبية، قال عبد الملك: لأنه في معنى من دخل فأخرجها، ونفى القطع لمالك في العتبية، واختاره ابن المواز وأنكر الأول؛ لأنه لا يتحقق أنه المخرج لها، في معنى هذه المسألة من أشار إلى صبي أو أعجمي. وَلَوْ حَمَلَ عَبْداً غَيْرَ مُمَيِّزٍ أَوْ خَدَعَهُ فَأَخَذَهُ قُطِعَ بخِلافِ الْمُمَيِّزِ قال في البيان: لا خلاف في الصبي الصغير الذي لا يعقل إذا دخل إليه فأخرجه من حرز أنه يقطع إذا كان عبداً. وقوله: (أَوْ خَدَعَهُ) ظاهره أنه عائد على الصغيرِ والأعجميُّ مساوٍ له في ذلك، ففي المدونة أن من سرق عبداً كبيراً فصيحاً لم يقطع وإن كان أعجمياً قطع، وكذلك لو أخدعه؛ أي قال له مثلاً: سيدك أرسلني، وفي الموازية: لا يقطع إذا أخدعه، ابن نافع: وإن راطنه بلسان حتى خرج إليه طوعاً لم يقطع. اللخمي: يريد إذا دعاه ليخرج إليه ويذهب به فأطاعه، ولو غره فقال له: سيدك بعثني لآتيه بك، لقطع، وكذلك قال أبو مران: إذا راطنه فقال: إني اشتريتك، قطع. وَلَوْ أَخَذَ اخْتِلاساً أَوْ مُكَابَرَةً عَلَى غَيْرِ حِرَابَةٍ فَلا يُقْطَعُ هذا راجع إلى القيد الآخر وهو الاستسرار، والمكابرة إذا كانت على غير وجه المحاربة راجعة إلى الغصب والغاصب لا يقطع. وَلَوْ أُخِذَ فِي الْحِرْزِ فَهَرَبَ بمَا مَعَهُ لَمْ يُقْطَعْ وسواء علم أهل البيت بما سرقه أم لا، سواء أمسك السارق، وقد كان اتَّزر بإزار ثم هرب وهو عليه؛ لأنه لم يخرج به على وجه السرقة، وإنما خرج به على وجه الاختلاس.

стр. 4416

وَلَوْ تَرَكَهُ وَأَحْضَرَ مَنْ يَشْهَدُ عَلَيْهِ وَلَوْ شَاءَ لَمَنَعَهُ فَثَالِثُهَا: قَالَ مَالِكٌ: إِنْ شَعَرَ بهِ فَهَرَبَ لَمْ يُقْطَعْ، وَإِلا قُطِِعَ ... فقد أخذ المتاع مستسراً لا يعلم أن أحداً أبداه، لكن في نسبته لمالك نظر، ولم أره وإنما نسبه ابن شاس لبعض المتأاخرين لعله ابن يونس، فإنه قال: إن رآهم السارق فهرب فهو مختلس، وإن خرج من الدار وهو لم يرَهم فهو سارق يجب قطعه. ابن عبد السلام: وهو التحقيق. وَأَمَّا غَيْرُ الْمَالِ فَسَرِقَةُ الْحُرِّ الصَّغِيرِ إِذَا أَخْرَجَهُ عَنْ حِرْزِ مِثْلِهِ وَقَالَ بهِ الْفُقَهَاءُ السَّبْعَةَ .... المشهور ما ذكره بشرط ألا يعقل مثل الصغير ما يراد منه، وروى الدارقطني أن النبي ﷺ أتى برجل يسرق الصبيان ثم يخرج بهم فيبيعهم في أرض أخرى، فأمر به رسول الله ﷺ فقطعت يده، فقال: انفرد به عبد الله بن محمد بن يحيى عن هشام عن أبيه عن عائشة ﵂، وهو كثير الخطأ على هشام ضعيف الحديث، وإذا وجب القطع لحفظ المال فحفظ النسب أولى، ورد الأبهري قول من قال أن النبي ﷺ إنما أوجب القطع في المال، فوجب ألا يقطع إلا فيما له قيمة؛ لأن الحر له بدل وهي الدية، وقال عبد الملك من أصحابنا: لايقطع لأنه ليس بمال، وبه قال أبو حنيفة وأحمد ﵄. الباجي: ومعنى الحرز هنا أن يكون في دار أهله، رواه ابن وهب [٧٣٩/أ] عن مالك. محمد: وكذلك إذا كان معه من يخدمه، واستشكل اللخمي كون الدار حرزاً؛ لأنه لا يقصد بها حفظاً إلا أن يكون البلد يخشى فيها سرقة الأطفال، ويقصد بمكانه في الدار حفظه.

стр. 4417

وَهُمْ: سَعِيدُ بنُ الْمُسَيِّبِ، وَعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وَالْقَاسِمُ بنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبي بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرِ بنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ، وَخَارِجَةُ بنُ زَيْدٍ، وَعُبَيْدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ، وَسُلَيْمَانُ بنُ يَسَارٍ ﵃ ... هكذا في بعض النسخ. وَشَرْطُ السَّارِقِ: التَّكْلِيفُ فَيُقْطَعُ الْحُرُّ، وَالْعَبْدُ، وَالذَّمِّيُّ، وَالْمُعَاهَدُ وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ لِمِثْلِهِمْ وَإِنْ لَمْ يَتَرَافَعُوا إِلَيْنَا ... لما فرغ من الركن الأول وهو المسروق شرع في الثاني وهو السارق، وشرط في مؤاخذته التكليف، والمراد به العقل والبلوغ فلهذا يقطع الحر والعبد والذمي والمعاهد لأنهم مكلفون، وما ذكره في المعاهد هو مذهب ابن القاسم، وقال أشهب: لا قطع عليه إن سرق، ولا على من سرق منه وإن سرق ثم جُنَّ لم يقطع حتى يفيق، وكذلك لو طرأ له سكر، وقال اللخمي: لو قطع في سكره لكان له وجه، وليس القطع كالضرب؛ لأن المقصود في الضرب الألم، والطافح لا يجد الألم بخلاف القطع فإنه يقصد به النكال والعظة لغيره وفيه نظر، فإن الألم أيضاً مقصود فيه. وقوله: (وَإِنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ لِمِثْلَهِمْ) يعني: أن العبد يقطع وإن سرق العبد، وكذلك الذمي، وكذلك المعاهد، وفي بعض النسخ: (لمثلهما) فيعود على المعاهد والذمي، وفي بعض النسخ: منهما وهي بمعناها، وأما إن كان قطع السارق من باب دفع الفساد لم يشترط في سرقة بعضهم من بعض المرافعة؛ لأن ذلك إنما يشترط في الأحكام. وَتَثْبُتُ بالإِقْرَارِ وَبالشِّهَادَةِ أعاد الباء مع الشهادة ليعيد استقلال كل واحد منهما بالثبوت.

стр. 4418

فَإِنْ رَجَعَ إِلَى شُبْهَةٍ ثَبَتَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ، وَفِي غَيْرِ شُبْهَةٍ رِوَايَتَانِ هذا كما تقدم في الإقرار بالزنى، واختلف فيمن أقر بتهديد على أقوال: الأول: لا يقطع وهو مذهب المدونة ففيها: ومن أقر بشيء من الحدود بوعيد أو سجن أو قيد أو ضرب، قيل: وذلك كله إكراه، وإن تمادى على إقراره بعد زوال الإكراه حبس حتى يستبرأ أمره، فإن تمادى على إقراره بعد أن أمن أو أتى بما يعرف صدقه، مثل: أن يعين المسروق ونحوه فإنه يحد وإلا لم يحد في قطع ولا غيره كأن الذي كان من إقراره أول مرة قد انقطع، وهذا كأنه إقرار حادث، وإن أخرج السرقة والقتيل في حال التهديد لم أقتله ولم أقطعه حتى يقر بعد ذلك آمناً، زاد اللخمي عن ابنا لقاسم أن يضاف إلى ذلك من أخباره ما يدل على صحة ذلك مثل أن يقول: اشتريت وفعلت كذا على صفة كذا، فيذكر من بساط الأمر كذا وابتدائه كذا وانتهائه ما يعلم أنه خارج عن إقرار المكرَه، وقال مالك في الموازية: يقطع إذا عين السرقة إلا أن يقول دفعها إليَّ فلان، وإنما أقررت لَمِا أصابني من الألم، قال: ولو أخرج دنانير لم يقطع؛ لأنها لا يقر بعينها، وقال أشهب: إذا أخرج السرقة قطع وإن بَعد سجن وقيد ووعيد، وإن نزع لم يقبل نزوعه، وأما إن لم يعين فلا يحد أبداً، وإن ثبت على إقراره؛ لأنه يخاف أن يعاد إلى مثل الأول، وقال سحنون: إذا أقر في السجن أو حبسه السلطان في حق وكان من أهل العدل لزمه إقراره، وقال: وليس من حبس في حق أو باطل سواء، فإن عدد كالزيادة التي زادها. اللخمي: وعن ابن القاسم وفاقاً له لو لم يكن في المسألة إلا أربعة، وإلا فهي خمسة وإليه ذهب اللخمي وغيره. وَلَوْ رُدَّ الْيَمِينُ فَحَلَفَ الطَّالِبُ ثَبَتَ الْغُرْمُ يعني: لو رد المدعى عليه السرقة اليمين التي توجهت عليه بسبب دعوى السرقة، فحلف المدعي لزم المدعى عليه الغرم دون القطع، ولم يبين المصنف الذي تجب فيه اليمين

стр. 4419

على المدعى عليه، وفي المدونة: ومن ادعى علىرجل أنه سرقه لم أحلفه إلا أن يكون متهماً متصفاً بذلك، فإنه يحلف ويهدد ويسجن والألم يعرض له، فإن كان من أهل الفضل وممن لا يشار إليه بهذا أدب المدعي، ومتهم معروف بمثل هذا فيحلف ويهدد ويسجن على قدر اجتهاد الحاكم، ومتوسط الحال بين هذين فعليه اليمين فقط، وقال ابن يونس في كتاب الغصب: لا يمين على المتوسط، قيل: وهو أظهر. وَإِقْرَارُ الْعَبْدِ يُثْبِتُ الْقَطْعَ دُونَ الْغُرْمِ لأن الحد لله ولا يتهم العبد فيه بخلاف المال، فإنه حق للسيد، ومتهم البد في إخراجه عن السيد والمكاتب والمدبر وأم الولد كالعبد إذا عينوا السرقة بعض القرويين، وكذلك إذا لم يعينوه وتمادوا على الإقرار، ولعل المصنف أراد بالعبد ما هو أعم من القن، وإن كذبهم وقال: بل ذلك متاع، فالقول قول السيد مع يمينه، إلا في المكاتب والعبد الأذون له، وما ذكره من إعمال قول العبد في القطع. اللخمي: هو المعروف، ولأشهب في الموازية: إذا أقر العبد بالقتل وعينه، وقال: ها هو ذا وأنا قتلت، أنه لا يقبل قوله، وإن عين إلا أن يكون معه أو يرى يتبعه ونحوه. وَيَثْبُتُ بشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ، فَإِنْ كَانَ برَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ أَوْ بشَاهِدٍ وَيَمِينٍ ثَبَتَ الْغُرْمُ دُونَ الْقَطْعِ ... يحتمل أن تكون تثبت [٧٣٩/ب] بالتاء السرقة، أو بالياء القطع، ولا تقبل الشهادة مجملة، بل لابد أن يسأل الشهود عن السرقة وما هي ومن أين أخرجها وإلى أين، وكلامه ظاهر؛ لأن المرأتين أوا لرجل واليمين لا يفيدون في الحدود.

стр. 4420

وَمُوجَبُهُ: الْقَطْعُ وَالْغُرْمُ مَعَ قِيَامِهِ، فَإِنْ تَلِفَ وَهُوَ مُوسِرٌ مِنْ حِينِ السِّرِقَةِ إِلَى حِينِ الْقَطْعِ غَرِمَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: إِلَى حِينِ الْقِيَامِ وَإِلا لَمْ يَغْرَمْ. وَقِيلَ؛ يَغْرَمُهُ مُطْلَقاً ... أي: موجب الثبوت، وفي بعض النسخ: (وموجبها)؛ أي: السرقة القطع بنص الآية، ورد المال مع قيامه بالإجماع، نقله صاحب المقدمات. قوله: (فَإِنْ تَلِفَ) أي: المال المسروق، والسارق متصل اليسار من حين السرقة إلى حين القطع غرمه، وإن كان عديماً أو عدم في بعض المدة سقط عنه الغرم؛ لأنه لا تجتمع عليه عقوبتان قطع يده وإتباع ذمته، بخلاف اليسار المتصل فإنها كالقائمة وليس ثم عقوبة ثانية، ورأى أشهب أنه لا غرم عليه إلا أن يتساوى يسره بعد القطع إلى يوم يحكم عليه بالقيمة، فإن كان متصل اليسار إلى القطع ثم أعسر بعده وقبل الحكم لم يغرم؛ يعني: وإن لم يتصل اليسار إلى حين القطع على قول ابن القاسم، ولا إلى حين القيام على قول أشهب لم يقطع، وقيل: يغرم مطلقاً؛ أي: اتصل يساره أم لا؛ لأن القطع حق لله تعالى، والغرم حق للآدمي، فلا يسقط أحدهما الآخر، وهو مذهب الشافعي وأحمد وعبد الوهاب، وقال بعض شيوخنا: والقيمة م لاقيمة استحسان، والقياس لا يلزمه شيء؛ لأنه لو لزمه مع اليسر للزمه مع العسر، وإنما استحسن ذلك لجواز أن يكون أخذ لها ثمناً واختلط بماله وهذا القياس، قال أبو حنيفة: وله ما خرجه النسائي عن عبد اله بن عوف ﵁ أن رسول الله ﷺ ، قال: "لاَ يَغْرَمُ السَّارِقُ إِذَا أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ". أبو عمر: إلا أنه حديث ليس بالقوي. فروع: الأول: اعتبار اتصال اليسر، لو سرق لجماعة واتصل يسره لتحاصَّ الجميع فيما بيده وإن تخلل ذلك عسر، سقط حق من سرق ماله قبل العسر.

стр. 4421

الثاني: لو لم يقم للطالب إلا شاهد واحد، وقال: سرقت من حرز، وقال السارق: بل من غيره، أو ذهبت يمين السارق بأمر من الله تعالى، فقال ابن القاسم: يضمن السارق ضمان الغاصب، وقال أشهب: يضمنها على ما تقدم. اللخمي: وكذلك إن اعترف أنه سرق من حرز ثم رجع وسقط عند الحد، فيها القولان أيضاً، إن كانت السرقة من غير حرز أقل من ربع دينار لأتبع بها في الإعسار باتفاق. الثالث: لو باع السارق السرقة فاستهلكها المشتري، فإن أجاز بها البيع لم يتبع السارق بالثمن إلا أن يتصل يسره كما تقدم، وإن لم يجزه وأخذ قيمة المبيع من المشتري وكالاستحقاق، فللمشتري أن يرجع على السارق، فإن كان المشتري عديماً رجع بها على السارق؛ لأنه غريم غريمه، ولو كانت القيمة التي لزمت المشتري أقل من لاثمن الذي باع به السارق وأخذ المسروق منه القيمة، وكان الفاضل للمشتري تبيعه هو به، وإن كانت القيمة أكثر من الثمن؛ لأنه الذي لغريمه عنده واتبع المشتري بفاضل القيمة. وَتُقْطَعُ الْيُمْنَى مِنَ الْكُوعِ وتُحْسَمُ بالنَّارِ ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ يَدُهُ الْيُسْرَى، ثُمَّ رِجْلُهُ الْيُمْنَى، ثُمَّ يُغَرَّبُ وَيُحْبَسُ ... الإجماع على قطع اليمنى أولاً وحسمت بالنار خوف الهلاك وكلامه ظاهر، وذكر المصنف أنه في الخامسة يعزر ويحبس وهو المشهور، وقال أبو مصعب: يقتل، وروى النسائي حديثاً كقوله إلا أنه ضعيف، وقال: لا أعلم في ذلك حديثاً. وَلَوْ كَانَتْ شَلاءَ أَوْ نَاقِصَةَ الأَصَابِعِ أَوْ أَكْثَرِهَا فَكَالْعَدَمِ، فَيَنْتَقِلُ، وَقِيلَ: إِنْ سَقَطَ الانْتِفَاعُ ... أي: كانت اليمنى شلاء أو ناقصة، وجمع المصنف مسألتين وأجاب بأنها كالعدم، فلا يقطع وينتقل إلى غيرها، وفهم من قوله: (أَوْ أَكْثَرِ) وهو ثلاثة أصابع أنها لو كانت

стр. 4422

ناقصة الأقل لقطعت، وهو صادق على صورتين: إذا نقصت أصبعاً أو أصبعين والمنقول في الأصبع القطع، واختلف قول مالك في الأصبعين. وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ سَقَطَ الانْتِفَاعُ) خاص باليد الشلاء وهو لابن وهب؛ لأنه قال في مختصر ما ليس في المختصر: تقطع اليد الشلاء إن كنات ينتفع بها، وعن أبي مصعب: تقطع اليد الشلاء مطلقاً. وَعَلَى الانْتِقَالِ فَقِيلَ: يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقِيلَ: رِجْلُهُ الْيُسْرَى وإذا فرعنا على الانتقال، وفي معنى ذلك إذا سرق ولا يمين له، والقولان في المدونة قال: تقطع رجله اليسرى ثم أمر بمحوه، وقال: اقطع يده اليسرى. ابن القاسم: وأراه تأول قوله تعالى: (فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا) [المائدة: ٣٨] وبالأول أخذ، وعارض اللخمي ما أخذ به ابن القاسم هنا بقوله في الموازية: إذا قطعت اليمنى في قصاص أو غيره أنه يقطع يده اليسرى، والأول أليق؛ لأن اليد الجانية، وهذه إحدى ممحوات الأربع. وَلَوْ قَطَعَ الْجَلادُ أَوِ الإِمَامُ الْيُسْرَى عَمْداً فَلَهُ الْقِصَاصُ وَالْحَدُّ باقٍ، وَخَطَأً يُجْزِئُهُ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَهُ عَقْلُهَا وَالْحَدُّ بَاقٍ ... يعني: إذا كان [٧٤٠/أ] قطع اليمنى فأمر الإمام بقطع اليسرى متعمداً مع علمه بأن سنة القطع في اليمنى، أو قطعها الجلاد أيضاً متعمداً، لم يرفع القطع عن السرقة وتقطع اليمنى، ويكون له أن يقتص منهما، وإن كان خطأ فقال: تجزئ ولا تقطع يمينه ولا شيء على الإمام والجلاد، وقال ابن الماجشون: لا تجزئ، قال: وليس خطأ الإمام بالذي يزيل القطع عن العضو الذي أوجب الله فيه القطع، ويكون عقل الشمال في مال السلطان خاصة إن كان هو المخطئ، أو في مال القاطع دون عاقلته إن كان هو المخطئ، قال: وإليه

стр. 4423

رجع مالك وهو الأقرب؛ لأن تقديم اليمنى على اليسار إن كان واجباً فقد تم المطلوب، وإن كان مستحبًّاً لزم الإجزاء في مسألة العمد، ولو تعمد ذلك السارق ودلس على الإمام والجلاد، ففي الموازية يجزئ. اللخمي: وعلى ما في الواضحة لا يجزئه. وَعَلَى الإِجْزَاءِ لَوْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَالْيُسْرَى عِنْدَ ابْنِ نَافِعٍ ... أي: وإذا فرعنا على القول الأول فلو سرق ثانياً، فقال ابن القاسم في المدونة: تقطع رجله اليمنى لطلب المخالفة؛ لأن سنة القطع الخلاف، وقال ابن نافع: تقطع رجله اليسرى؛ لأن قطع اليد اليسرى أولاً كان على وجه الخطأ فلا يتعمد موافقته. وَلَوْ سَقَطَتِ الْيُمْنَى بآفَةٍ سَقَطَ الْحَدُّ إذا ذهبت اليمنى بأمر من الله تعالى، زاد اللخمي: أو تعمد من إنسان، فقال مالك: لا يقطع منه شيء؛ لأن القطع قد كان وجب فيها. اللخمي: وعلىقياس قوله أن الشمال تجزئه ألا يسقط عنه القطع وتقطع شماله أو رجله، وكذلك لو أخطأ الإمام فقطع رجله اليسرى مع وجود اليمنى فإنها لا تجزئه. وَمَا تَكَرَّرَ مِنَ السَّرِقَةِ قَبْلَ الْحَدِّ فَكَمَرَّةٍ، كَتَكَرُّرِ الزِّنَى، وَالشُّرْبِ، وَالْقَذْفِ واحترز بقوله: (قَبْلَ الْحَدِّ) مما لو تكرر بعده فيجب تكرره كما تقدم، وسواء كان من ملك واحد أو متعدد. وقوله: (فَكَمَرَّةٍ) أي: فلا يقطع إلا عضو واحد. أبوعمر: ولا أعلم فيه خلافاً ثم قاس ذلك على تكرار الزنى أو الشرب والقذف، وفهم منه أيضاً الحكم في المسائل.

стр. 4424

وَتَتَداخَلُ الْحُدُودُ الْمُتِّحِدَةُ وَإِنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا كَحَدِّ الشُّرْبِ وَالْقَذْفِ، بخِلافِ الزِّنَى وَالْقَذْفِ أَوِ الشُّرْبِ ... وقوله: (وَإِنْ تَعَدَّدَ مُوجِبُهَا) بكسر الجيم أي سببها كحد الشرب والقذف، وحاصله أنه إن اتحد ولا التفات إلى تعدد السبب، وإن اختلف الحد تعدد كحد الزنى م القذف أو مع الشرب، وخرج اللخمي تعدد الحد في القذف والشرب من أحد القولين إذا قذف جماعة. ابن عبد السلام: وهو تخريج صحيح. ابن عبد السلام: وقد يقال إنما قيل بالتعدد بالقذف لما يلحق كل واحد من المعرة بخلافه هنا، ونقل عن عبد الملك أنه إذا زنى وشرب وقذف يحد مائة، ويدخل القذف والشرب في الزنى. وَيَاتِي الْقَتْلُ عَلَى حَدِّ الزِّنَى وَالقَطْعِ وَالشُّرْبِ وَلا يَاتِي عَلَى حَدِّ الْقَذفِ يعني: إذا لزمه قتل وحدود فالقتل يأتي على ذلك كله إلا القذف، فإنه يحد له أولاً ثم يقتل لعار المقذوف إن لم يحد له. وَلا تَسْقُطُ الْحُدُودُ بالتَّوْبَةِ وَلا بالْعَدَالَةِ وَلا بطُولِ الزَّمَانِ مَعَهَا هذا مخصوص بما سيذكره في الحرابة حيث قال: تسقط الحرابة بالتوبة قبل الظفر، لا يقال: الحد لم يثبت في الحرابة حتى يسقط فلا يحتاج إلى استتابة؛ لأنا نقول: الحرابة هي سبب وجود الحد وقد وجد، ويدل على ما ذكره المصنف حديث الغامدية، فإن النبي ﷺ أخبر عن توبتها وأقام الحد عليها.

стр. 4425

الْحِرَابَةُ: كُلُّ فِعْلِ يُقْصَدُ بهِ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى وَجْهٍ تَتَعَذَّرُ الاسْتِغَاثَةُ عَادَةً مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ أَوْ حُرَّ أَوْ عَبْدٍ أَوْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَأَمَنٍ ... عبر بالحرابة إشارة إلى أن الأصل هنا الآية الكريمة وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جَزَؤُا الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ ..﴾ [المائدة: ٣٢] الآية. وهذا مذهب المحققين أن الآية محمولة على هذه الجناية، وقيل: نزلت في المشركين الحربيين، وقيل: في قوم كان بينهم وبين النبي ﷺ عهد فنقضوه، وال في العربيين ارتدوا في زمانه ﵊ والصحيح الأول، ولو كان المقصود الكفار ما شرط في توبتهم كونها قبل القدرة عليهم، والمرتد ليس حده القطع والنفي. وقوله: (كُلُّ ... إلخ)، ليس هو حداً ولا رسماً؛ لأن الحد للماهية من حيث هي، ولفظة (كُلُّ) فيها تعرض للأفراد. وقوله: (تَتَعَذَّرُ الاسْتِغَاثَةُ) أي: معه، والكلية يلزم اطرادها ولكن يرد عليه غصب من لا يقدر علىدفعه من سلطان أو غيره أيضاً، فليس شرط المحاربة المال فقد قال ابن القاسم فيمن منع قوماً يخرجون إلى الشام أو مصر أو مكة: إنه محارب، ويجاب عن الأول بأن الغاصب ولو كان سلطاناً لا تتعذر الاستغاثة عليه، فإن العلماء أهل الحل والعقد يأخذون عليه، وعن الثاني أنه تكلم على الغالب، على أنه سيتكلم على ذلك بقوله: (وَمُخِيفِهَا ... إلخ)، والغيلة تدخل تحت هذه الكلية؛ لأن حقيقتها أن يخدع غيره ليدخله موضعاً ويأخذ ما معه، ولا يقبل قوله: (تَتَعَذَرُ مَعَهُ الاسْتِغَاثَةُ) ليس بجيد؛ لأن المسلوب يستغيث [٧٤٠/ب] سواء وجد مغيثاً أو لم يجد، فكان ينبغي أن يقول: تتعذر معه الإغاثة لأن استغاثة المعدوم ومن لا تنفع إغاثته كالمعدوم. وقوله: (مِنْ رَجُلٍ أَوِ امْرَأَةٍ) صفة لفعل؛ أي: فعل كائن من رجل أو امرأة، ونبه بقوله: (أَوْ ذِمِّيٍّ أَوْ مُسْتَامَنٍ) على من قال: إنها لا تكون إلا بين المسلمين، والله أعلم.

стр. 4426

وَمُخيفِهَا وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ وَإِنْ لَمْ يَاخُذُ مَالاً، وَالْمَاخُوذُ بحَضْرَةِ الْخُرُوجِ كَذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يُخِفِ السَّبيلَ ... أي: ومخيف الطريق؛ لأنها تفهم من السياق، (وَإِنْ) في كلامه في الموضعين للمبالغة في كل واحد منهما على الاستقلال؛ إذ لو قال: وإن لم يقتل ولم يأخذ، لأفاد ترتيب الحكم على المجموع، ولا يلزم منه ترتيبه على كل من الجزأين، ومعنىكلاهم أن مطلق إخافة الطريق موجب لكونه محارباً سواء قتل أم لا، سواء أخذ مالاً أم لا، وكذلك أيضاً المأخوذ بحضرة الخروج وإن لم يخف الطريق، وهذا مذهب المدونة ففيها على اختصار ابن يونس: وكذلك إن لم يخفوأخذ مكانه قبل أن يتقادم أمره، أو أخرج بعضاً وأخذ مكانه فهو مخير فيه وله أن يأخذ في هذا بأيسر الحكم، وكذلك النفي والضرب والسجن. أبو الحسن: وظاهرها أنه مخير فيمن أخذ بالحضرة، ولم يحصل منه الإخافة، وكذلك قال اللخمي: إن أخذ قبل الإخالة لا يجري عليه شيء من أحكام المحارب وإنما يعاقب، وهو بمنزلة من خرج ليسرق أو يزني ولم يفعل، واستدل على ذلك لمالك في الموازية: في رجل خرج بسيفه قاصداً لقتل رجل أنه لا يقتل ولا يقطع، وكلام اللخمي ظاهر في المعنى إلا أن النص على كلامه كما تقدم، وفي بعض النسخ: (وإن لم يخف القتل)؛ يعني: أن المأخوذ بحضرة الخروج محارب وليس للإمام قتله، وهو يأتي على بعض القرويين واللخمي كما تقدم. فَقَاطِعُ الطَّرِيقِ عَلَى الْمُسْلِمِ أَوِ الذِّمِّيِّ مُحَارِبٌ لأن الذمي معصوم المال كالمسلم وعطفه بالفاء ليرتبه على ما قبله. وَمُشْهِرُ السِّلاحِ لِذَلِكَ مُحَارِبٌ وَإِنْ كَانَ مُنْفَرِداً فِي مَدِينَةٍ (لِذَلِكَ) أي لأخذ المال (وَإِنْ كَانَ) أي: المحارب واحداص في مدينة، وهذا قول ابن القاسم، وقال ابن الماجشون: ولا يكون محارباً في القرية إلا أن يريد بذلك القرية كلها، فأما المختفي في القرية لا يؤذي الواحد والمستضعف فلا.

стр. 4427

وَالذي يُسْقِي السَّيْكَرَانَ لِذَلِكَ مُحَارِبٌ أي: لأخذ المال، ونحوه في المدونة. عياض: وظاهر الموازية إنما يكون حرابة إذا كان ما سقاه يموت منه، ولعله يريد ما نقله اللخمي عنها في رجل أطعم قوماً سويقاً وأخذ متاعهم فمات بعضهم وليط بعضهم فلم يفيقوا إلى الغد، فقال الفاعل: ما أردت قتلهم، إنما أعطانيه رجل وقال: إنه يسكر، فأردت إخدارهم وأخذ أموالهم، لا يقبل قوله ويقتل، ولو قال: ما أردت إخدارهم ولا أخذ أموالهم وإنما هو سويق في شيء فيه، إلا أنه اخذ أموالهم حين ماتوا، فلا شيء عليه إلا الغرم، وفي العتبية نحوه على قصد الإسكار وأخذ المال لا على قصد الموت. وَالسَّارِقُ فِي اللَّيْلِ أَوْ النَّهَارِ فِي دَارٍ أَوْ زُقَاقٍ مُكَابَرَةً تَمْنَعُ الاسْتِغَاثَةَ مُحَارِبٌ لأنه لماكابر على وجه يمنع الاستغاثة كان محارباً؛ لأن السرقة أخذ المال خفية، ولو أخذ السارق المال فلما نوزع فيه قاتل حتى خرج به، فنص اللخمي وغيره على أنه سارق؛ لأن قتاله حينئذٍ ليدفع عن نفسه. اللخمي: وإن علم به قبل أن يأخذ المتاع فقاتل حتى أخذه فهو محارب عند مالك، وليس بمحارب عند عبد الملك، وأما الغاصب فيقتل المغصوب منه بإثر الغصب خشية أن يطلبه، فقال اللخمي: ليست بحرابة وإنما هي غيلة وفي كونها غيلة نظر، فقد قال مالك فيمن لقي رجلاً فسأله طعاماً فأبى وأخذه وعنفه، ونزع منه الطعام وأخذ ثيابه، قال: هذا يشبه المحارب إلا أن حكمه الضرب والنفي، وكذلك الذي توجد معه الدابة فيقر أنه وجد عليها رجلاً فأنزله عنها وأخذها، فإنه يضرب وينفى، وقال في الذي يجد الرجل في الصحراء وعند العتمة فينزع عنه ثيابه: أنه لا يقطع إلا أن يكون لصاً أو محارباً، قال: والذي يلقى الرجل في الليل فيكابره على ثوبه حتى يزيله عنه فإنه لا يقطع أيضاً، قال: وإنما المحارب من حمل على غير ثائرة ولا عداوة فأخاف السبيل وضر بالمسلمين.

стр. 4428

وَمُخَادِعُ الصَّبِّي حَتَّى أَدْخَلَهُ مَوْضِعاً فَيَاخُذَ مَا مَعَهُ مُحَارِبٌ لأنه أخذ ما عليه على وجه تتعذر منه الاستغاثة، ومخادعة الصغير كمخادعة الكبير، وقد تقدم أن الغيلة تدخل في الحرابة. وَيَجُوزُ قِتَالُهُمْ باتِّفَاقٍ، وَفِي دُعَائِهِ إِلَى التَّقْوَى قَبْلَهُ إِنْ أَمْكَنَ قَوْلانِ هذا نقل ابن المواز اتفاق مالك وأصحابه على جواز القتال، وفي المدونة: وجهاد المحاربين جهاد، وفي العتبية: من أعظم الجهاد وأفضل أجراً، ولمالك في أعراب قطعوا الطريق: جهادهم أحب إليَّ من جهاد الروم. ابن عبد السلام: وظاهر قول أهل المذهب أنه لا مزية عل ىجهاد الكفار، وقال ابن شعبان: جهاد المحاربين أفضل من جهاد الكفار. قوله: (وَفِي دُعَائِهِ) المشهور أنهم يعدعون، مالك في الموازية: ويناشده الله ثلاثاً، وقال عبد الملك وسحنون: لا يدعوه وليبادر لقتله، ولاإشكال في سقوط الدعوى إذا عاجلونا، عن ذلك احترز المصنف بقوله: (إِنْ أَمْكَنَ). مالك: وإن طلبوا مثل الطعام أو النوع وما خف [٧٤١/أ] فليعطوه ولا يقاتلوا، وقال سحنون: لا يعطون شيئاًوإن قلَّ. ابن عبد السلام: وينبغي قصر هذا الخلاف على ما إذا طلبوه من الرفاق والمارة بهم، ولو طلبوه من الوالي لم يجز أن يجيبهم إليه؛ لأن فيه وهناً على المسلمين. وَمُوجَبُهَا: إِمَّا الْقَتْلُ أَوِ الصَّلْبُ ثُمَّ الْقَتْلُ مَصْلُوباً، أَوْ قَطْعُ الأَيْدِي وَالأَرْجلِ مِنْ خِلافٍ مُوَالاةً، أَوِ النَّفْيُ ... (مُوجَبُهَا) بفتح الجيم؛ أي: الذيتوجبه الحرابة أحد أمور الأربعة للآية الكريمة، والصلب مختص بالرجل نص عليه اللخمي وكذلك النفي. اللخمي: واختلف عن مالك في العقوبات الأربع التي ذكرها هل هي على التخيير في المحارب الواحد يوقع به الإمام أيها شاء، أو على الترتيب، أو على قدر جرم المحارب، فقيل إذا أخذ ولم يخف ولا قتل ولاأخذ مالاً يؤخذ بأيسره.

стр. 4429

ابن القاسم: وأيسر أن يضربه وينفيه، وإن كان قد أخاف ولم يأخذ مالاً أو أخذ المال ولم يخف، أو جمع أخذ المال والإخافة كان فيه بالخيار بين القتل والقطع ولا يؤخذ بيسره. وإن كان قد طال زمانه على أمره وأخذ المال إلا أنه لم يقتل فإنه يقتله ولا تخيير له فيه، وروي عن ابن وهب أن الإمام مخير وإن قتل الناس وعظم فساده، وقال عياض: اختلف تأويل الأشياخ على مذهب الكتاب إذا طالت إخافته وعظم شره ولم يقتل، وأكثرهم يرون الإمام يخير فيه فيما شاء لكن يستحبون له النفي، وعليه اختصر أكثرهم، وتأول بعض الأندلسيين أن حكم هذا حكم الذي قتل لابد من قتله، وصحح الأول، وحكى المازري عن مالك خلاف مذهبه وأن العقوبات عنده على الترتيب بحسب اختلاف صفاته، فيقتله لكل حال إذا كان ذا رأي وتدبير، ويقطعه إذا كان ذا بطش، وإن كان على خلاف ذلك عزره وحبسه، فجعل ما استحسن مالك مع إباحة التخيير مستحقاً مرتباً، ولا يقوله مالك ولا أصحابه. انتهى. فانظره مع حكاية اللخمي الخلاف. وقوله: (الصَّلْبُ ثُمَّ الْقَتْلُ)؛ يعني: لا يكفيه الصلب وحده بل لابد بعده من القتل، ووقع لمالك في بعض المواضع أنه قال: يقتل أو يصلب أو يقطع أو ينفى مثل ظاهر القرآن، وفهم من قول المصنف تقديم الصلب على القتل وعلى هذا فقوله: وَيُقَدَّمُ الصَّلْبُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ، وَيُؤَخَّرُ عِنْدَ أَشْهَبَ إنما أتى به ليبين قول أشهب، على أن أشهب لم يوجب تقديم الصب، ونصه في النوادر: إنما يصلب ثم يقتل، ولو صلبه ثم قتله مصلوباً فذلك له. اللخمي: ويقتل على الوجه المعتاد والمعروف بالسيف والرمح، ولا يقتل على صفة تعذيب ولابحجارةن ولا يرمى من شيء عالٍ وإن رأى صلْبه صَلَبَه قائماً ولا يصلبه منكوساً، وينبغي أن تطلق يداه؛ لأن فيه بعض الراحة إلى أن يموت فإن لم يطلق فلا بأس.

стр. 4430

وهل يصلي عليه أم لا؟ أما على مذهب من يرى الذي يقتل ثم يصلب فيصلي عليه قبل الصلب، واختلف في الصلاة عليه على مذهب من يرى أنه يقتل على الخشبة، فقال ابن الماجشون في الواضحة: لا ينزل من أعلى الخشبة حتى تأكله الكلاب والسباع، ولا يترك لأحد من أهله ولا من غيرهم ينزله ليدفنه ولا يصلي عليه، وقال أصبغ: لا بأس أن يخلَّى بينه وبين أهله يغسلونه ويصلون علهي ويدفنونه، ولابن الماجشون في الثمانية: يُصَفُّ خلف الخشبة ويصلى عليه وهو مصلوب، خلاف ظاهر قوله في الواضحة، وقال سحنون: إذا قتل على الخشبة أنزل عنها وصلي عليه. واختلف قوله: هل يعاد إليها ليرتدع بذلك أهل الفساد أم لا؟ على قولين، هذا نقل صاحب المقدمات، ونقل ابن عبد السلام: أنه اختلف قوله: إذا مات هل ينزل من ساعته ويدفع إلى أهله للصلاة عليه أو الدفن، أو إذا صلوا عليه يعيده الإمام إلى الخشبتين اليومين والثلاثة ليرتدع به أهل الفساد؟ فانظره. محمد: ولو حبسه الإمام لقتله ثم مات في الحبس لم يصلبه بعد موته، ولو قتله إنسان في الحبس فإن الإمام يصلبه. وَأَمَّا النَّفْيُ فَلِلْحُرِّ لا لِلْعَبْدِ كَمَا ذُكِرَ فِي الزِّنَى إِلَى أَنْ تَظْهَرَ تَوْبَتُهُ، وَقِيلَ: يُحْبَسُ ببَلَدِهِ، وَقِيلَ: النَّفْيُ طَلَبُهُمْ إِلَى أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُقَطَّعُوا ... أي: للحر الذكر لا للعبد، وهذا على قول أن النفي إخراجه إلى بلد آخر، وأما على القول بأنه حبسه بمكان فيحبس، وكذلك المرأة وقاله اللخمي، قال: ولو قال سيد العبد: أنا أرضى أن ينفى ولا يقطع وأن يكون على الأحرار بذلك، وكذلك في المرأة إذا قالت: أنا أخرج إلى بلد آخر أسجن فيه حتى تظهر توبتي وردت رفقة ثقة، أن يكون ذلك لها؛ لأنه أهون عليها من القطع من خلاف ومن القتل.

стр. 4431

قوله: (كَمَا ذُكِرَ فِي الزِّنَى) في المسافة ولزوم الأجرة، ابن القاسم: ورواه عن مالك، وأقل البلد المنفي إليه ما تقصر فيه الصلاة، ثم بين أن الغاية هنا ليست كالزنى بل يحبس هنا حتى تظهر توبته، اللخمي: ولا يكفي في ظهور توبته مجرد ظاهره؛ لأنه كما ذكره لكونه في السجن فإنه يُظهر التوبة والنسك والخير ليخلص مما هو فيه، قال: ولو علمت منه التوبة حقيقة قبل أن يطول سجنه لم يخرج؛ لأن طول سجنه أحد الحدود الأربعة، فإخراجه قبل أن يطول سجنه بمنزلة من أقيم عليه بعض الحد. قوله: (وَقِيلَ: يُحْبَسُ ببَلَدِهِ) هذا رواه مطرف عن مالك في الواضحة، والقول الثالث لابن الماجشون قال: وليس النفي [٧٤١/ب] عندنا الذي ذكر الله تعالى أن ينقل من قرية إلى قرية يسجن بها، ولا يكون هذا مثلاص لما جزاؤه القتل والقطع، وإنما النفي أن تنفيهم من الأرض بطلبكم إياهم لتقيموا عليهم الحد يشردون ويحبسون وأنتم تطلبونهم إلى أن تأخذوهم فتقيموا عليهم الحد. وَالتَّعْيينُ لِلإِمَامِ لا لِمَنْ قُطِعَتْ يَدُهُ أَوْ فُقِئَتْ عَيْنُهُ فَإِنَّهُ لاَ يُقْتَصُّ لَهُ، فَيُعَيِّنُ لِذِي الْبَطْشِ وَالتَّدْبيرِ الْقَتْلَ، وَلِذِي الْبَطْشِ الْقَطْعَ، وَلا يَضْرِبُهُمَا، وَلِغَيْرِهِمَا وَلِمَنْ وَقَعَتْ مِنْهُ فَلْتَةٌ النَّفْيَ وَيَضْرِبُهُمَا إِنْ شَاءَ .... أي: التعيين في العقوبات الأربع للإمام وليس لغيره في ذلك حق، وما يفصل به عوض عن كل ما صدر منه من إخاة طريق وقتل أحد، وهو وإن كان ظاهراً في التفصيل وموافقة الترتيب ونحوه في المقدمات، إلا أنه تأول على استحباب ذلك لما تقدم من كلام عياض، وفي ترتيب المصنف القتل على ابطش والترتيب نظر، بل نص صاحب المقدمات وغيره على التدبير فقط. وقوله: (لِذِي الْبَطْشِ) أي: دون التدبير بين القطع من خلاف، (وَلِغَيْرِهِمَأ)؛ أي لغير من حصل فيه أحد الوصفين وهو من كثرت منه التردد وليس له أحد

стр. 4432

الوصفين ولمن وقعت منه فلتة النفي، (وَيَضْرِبُهُمَا) الضمير عائد على غيرهما، ومن وقعت منه فلتة. وقوله: (إِنْ شَاءَ) ظاهر المدونة أنه لابد من ضربه لقوله: الذي يؤخذ بحضرة الخروج ولم يخف السبيل ولم يأخذ المال، فهو لو أخذ بأيسر الحكم لم أرَ به بأساً، وكذلك الضرب والنفي، وما ذكره أشبه بمذهب أشهب، فقال: إن جلده مع النفي ضعيف، وإنما استحسن لماخفف عنه من غيره ولو قاله قائل لم أعبه. وقوله: "وإنما استحسن" أي: زيادة على النص، ابن القاسم في الموازية: وليس لجلده حد إلا الاجتهاد من الإمام. وَيُقْتَلُ الْمُحَارِبُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَتَلَ، وَيَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ إِذَ قَتَلَ وَلَوْ غَيْرَ كُفْءٍ، وَقَتَلَ عُثْمَانُ ﵁ مُسْلِماً قَتَلَ ذِمِّياً حِرَابَةً، وَلَيْسَ لِوَلِيِّ الدِّمِ عَفْوٌ ... يعني: أن الإمام يخير فيه على ما تقدم إذا لم يكن قد قتل، وأما إن قتل ولو غير كفؤ كما لو قتل كافراً أو عبداص فيتحتم قتله تناهي فساده، وهذا هو المشهور، وقال أبو مصعب: بل له فيه التخيير أيضاً، وقد تقدم أيضاً الخلاف في تحتم قتل من طال زمانه وامتدت إذايته، واستدل المصنف بفعل عثمان ﵁، وقد يقال: لا حجة فيه؛ إذ لا يدل على التحتم وفعله لأنه أحد الوجوه، ولو سلمفيحتمل أن يكون مذهبه قتل المسلم بالكافر قصاصاً. قوله: (ولَيْسَ لِوَلِيِّ الدَّمِ عَفْوٌ) يعني: لأن القتل ليس للقصاص وهو كالتأكيد لقوله: (يَتَحَتَّمُ قَتْلُهُ). ابن عبد السلام: فإن قلت: فإذا اختار الإمام قطعه أو نفيه على قول أبي مصعب ففعل ذلك فحل للولي قصاص. قلت: لا. انتهى. وَيُقْتَلُ مَنْ أَعَانَ عَلَى الْقَتْلِ وَمَنْ لَمْ يُعِنْ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: وَلَوْ كَانُوا مِائَةَ أَلْفٍ أي: من أعان في القتل بضرب أو إمساك أو لم يُعن بهما لكن أعان بممالأة وهكذا في المدونة وغيرها.

стр. 4433

ابن عبد السلام: ولابد من الممالأة الذي ذكرها عمر ﵁، وهو أن يكون ممن لم يضرب حضوراً بحيث إذا احتيج إلى إعانته أعان، وبذلك يفهم قول ابن القاسم: ولو كانوا مائة ألف. وَيَسْقُطُ حَدُّ الْحِرَابَةِ بالتَّوْبَةِ قَبْلَ الظَّفَرِ لا بَعْدَهُ وَيَكُونُ الْقِصَاصُ لِوَلِيِّ الدَّمِ وَلِلْمَجْرُوحِ كَغَيْرِ الْمُحَارِبِ ... (قَبْلَ الظَّفَرِ) أي: قبل أن يقدر عليه لقوله تعالى: ﴿إِِلا الَّذِينَ تَابُوا مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [المائدة: ٣٤]. اختلف في صفة توبته على ثلاثة أقوال حكاها في المقدمات: الأول: لابن القاسم أن يترك ما هو عليه وإن لم يأتِ الإمام او يأتِ الإمام طائعاً. الثاني: لابن الماجشون أن يترك ما هو عليه ويحبس في موضعه ويظهر لجيرانه، وأما إن ألقى سلاحه وأتى الإمام طائعاً فإنه يقيم عليه حد الحرابة. الثالث: أن توبته إنما تكون بالمجيء إلى الإمام، ول وترك ما هو عليه لم يسقط ذلك عنه حكماً من الأحكام ولا يدل فراره على توبته، فإذا فر في القتال فقال ابن القاسم: إن كان قتل أحداً فليتبع، وإن لم يكن قتل أحداً فلا أحب أن يتبع ولا يقتل. وقال سحنون: يتبعون ولو بلغوا برك الغماد، وروي عنه أنه يتبع منهزمهم ويقتلون مقبلين ومدبرين ومنهزمين، وليس هروبهم توبة، وأما التذفيف على جريحهم فإن لم تتحقق هزيمتهم وخيف لحدتهم دفف عليه وإلا فهو أسير يحكم فيه افمام بماي راه، وفي الموازية: قال ابن القاسم: لا يجهز على جريحهم ولم يره سحنون، ولا يسقط حد الحرابة بتأمينه إذا سأل الإمام بخلاف المشرك؛ لأن المشرك يقر إذا امن على حاله وبيده أموال الناس، ولا يجوز تأمين المحارب على ذلك ولا أمان له قاله عبد الملك.

стр. 4434

محمد: وإن امتنع المحارب بنفسه حتى أعطي الأمان فاختلف فيه، فقيل: يتم له ذلك، وقيل: ليس له ذلك وبهذا قال أصبغ. وقوله: (وَيَكُونُ القِصَاصُ ... إلخ) يعني: إذا سقط حد الحرابة بالتوبة لم يسط حق الآدميين وما هو المعروف، وروى الوليد بن مسلم عن مالك: أنه يسقط عنه أيضاً ما أخذ من الأموال إلا ما كان قائماً جنسه، أو يكون قتل [٧٤٢/أ] فللأولياء الخيار، ونظر ابن عبد السلام قولاً بسقوط حق الله تعالى وحق الآدميين إلا أ، هـ يرد عين المال إن وجد، وقال: وهو الصحيح وظاهره سقوط القصاص عنه. فَيُقْتَلُ الرَّبيئَةُ وَمَنْ أَمْسَكَ لِلْقَتْلِ وَمَنْ تَسَبَّبَ لَهُ عياض: الربيئة بفتح الراء وكسر الباء بواحدة مهموز: الطليعة التي تحرص المحاربين وتنظر لهم من الأماكن العالية. وقوله: (وَمَنْ أَمْسَكَ) ظاهر التصور، فإن قيل: ما تقدم من قوله: (وَيُقْتَلُ مَنْ أَعَانَ عَلَى الْقَتْلِ وَمَنْ لَمْ يُعِنْ) يغني عن هذا، قيل: المتقدم فيمن ظفر به وهذا فيمن جاء تائباً، وقاله ابن عبد السلام وغيره. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَتَسَبَّبُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُقْتَلُ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُضْرَبُ مِائَةً ويُحْبَسُ سَنَةً ... أي: لم يتسبب في قتله ولكن التقوي به حاصل، ووافق أشهب ابن القاسم إذا أخذوا قبل التوبة، وأما إنتابوا قبل أن يقدروا عليهم فقط سقط عنهم حكم الحرابة، لا يقتل منهم إلا منولي القتل ومن أعان عليه ومن أمسك له، وهو يعلم أنه يريد قتله ولكن يضرب كل واحد منهم ويحبس عاماً.

стр. 4435

وَأَمَّا الْغُرْمُ فَكَالسَّارِقِ، وَقَالَ سُحْنُونُ: إِنْ أُقِيمَ عَلَيْهِ حَدُّ الْحِرَابَةِ وَإِلا فَفِي ذِمَّتِهِ ظاهر قوله: (كَالسَّارِقِ) جريان قولي ابن القاسم وأشهب، وأما القول الذي قدمه من القوم مطلقاص فلا يحد هنا، نعم وجد عكسه وهو عدم الغرم إلا أن يكون ما أخذه قائماً بعده. وقوله: (وَقَالَ سُحْنُونُ) فيه نظر؛ لأنه يوهم أنه مخالف وليس كذلك هو موافق، ويوهم أن السرقة ليس الحكم فيها كذلك وهو كذلك كما تقدم، فلو أسقط قول سحنون لكان أحسن؛ لأنه هو عين قول ابن القاسم وأشهب. وَيَغْرَمُ الْوَاحِدُ عَنِ الءجَمِيعِ تَائِباً أَوْ غَيْرَ تَائِبٍ هذا قول مالك وابن القاسم وأشهب؛ لأن كل واحد إنما قوي بهم فكانوا كالحملاء. (تَائِباً أَوْ غَيْرَ تَائِبٍ) حال من الواحد، وقال ابن عبد الحكم: لا أرى على كل واحد إلا ما أخذه، وكلامه يشعر بأن حمك المحاربين في ذلك مخالف لحكم السراق، وأن الواحد من السراق لا يضمن ما سرقه وأصحابه معه. ابن عبد السلام: وهو ظاهر ما حكاه بعض الشيوخ، وحكى ابن رشد: أن في سماع عيسى أن السراق إذا تعاونوا والغاصب يضمنون ما أخذوه ضمان المحاربين. أبو محمد صالح: معناه حيث يقطعون كلهم بالتعاون، وحكى اللخمي عن ابن الماجشون: إن كانوا لا يقدرون على ذلك إلا بالتعاون والكثرة، فمن أخذ منهم كان عليه جميع ما ذهب، وإن كان موضعاً يقوى عليه الواحد والاثنان فيلزمه ما يلزم جماعتهم. وَمَا بأَيْدِيِهِمْ مِنَ الْمَالِ الَّذِي سَلَبُوهُ إِنْ طَلَبَهُ طَالِبٌ دُفِعَ إِلَيْهِ بَعْدَ الاسْتِينَاءِ وَالْيَمِينِ ظاهره بغير حميل وهو مذهب المدونة، وقال سحنون: بلبحميل، وفي مختصر الوقار: إن كان من أهل البلد فبحميل وإن كان من غره فبغير حميل أي لأنه يجد حميلاً.

стр. 4436

وقوله: (بَعْدَ الاسْتِينَاءِ) قال مالك: من غير تطويل. اللخمي: وإنما تدفع إليه إذا وصفه كما في اللقطة، وأما إن تداعاه رجلان قسم بينهما بعد أيمانهما، فإن حلف أحدهما فقط فهو له، وإن نكلا فليس لهما شيء إلا أن يقر المحاربون أنهم أخذوه من هذه الرفقة، أو كان أحدهما منهما والآخر ليس منهما فإنه لمن هو في الرفقة قاله اللخمي. وقوله: (وَالْيَمِينِ) لا إشكال فيه وإذا دفعت لغير بينة ثم أثبت أحد أنها له، فإن على الأول الضمان إذا هلكت عندهم، قاله بعض الأصحاب. ابن يونس: وأما أخذ المتاع ببينة يريد: أو بشاهد ويمين، ثم يثبت ما هو أقطع من ذلك وقد هلك بأمر الله تعالى فإنه لا يضمن شيئاً. وَيَثْبُتُ بشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَلَوْ مِنَ الرُّفْقَةِ لا لأَنْفُسِهِمَا، وَلَوْ كَانَ مَشْهُوراً بالْحِرَابَةِ فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ فُلانٌ الْمَشْهُورُ ثَبَتَتِ الْحِرَابَةُ وَإِنْ لَمْ يُعَايِنَاهَا .... قال في المدونة: وتجوز على المحاربين شهادة من حاربوه إن كانوا عدولاً؛ إذ لا سبيل إلى غير ذلك شهدوا لقتل وأخذ مال أو غيره، ولا تقبل شهادة واحد منهم لنفسه، وهذه الشهادة خارجة عن الأصل؛ إذ فيها العداوة، ولأن فيها: اشهد لي وأشهد لك، وإنما جازت للضرورة، ولما فيها من حق الله، والأموال تبع لها، وعورضت هذه المسألة بمسألة المتحملين؛ لأنه لم يجز هناك شهادة بعضهم لبعض إلا أن يكونوا نفراً كثيراً عشرين فأكثر، وأباه سحنون في العشرين وعارضوها أيضاً بما في سماع أبي زيد في رجلين شهد كل واحد منهما للىخر فقال: لا تجوز شهادتهما، وفرق ابن سهل بينهما بأن مسألة المتحملين ليس فيها حق الله تعالى فلذلك ردت؛ لأنهم تدركهم حمية البلدية وإن كان فيها الضرورة، ومسألة أبي زيد لا ضرورة فيها ولا حق الله فيها.

стр. 4437

قوله: (لا لأَنْفُسِهِمَا) أي: لا تجوز شهادة الشخص لنفسه. اللخمي: ولا لابنه قال: وتقبل شهادته إذا كان معه غيره أنه قتل ابنه أو أباه؛ لأنه إنما يقتل بالحرابة لا بالقصاص لا عفو فيه، ولو شهد بذلك بعد أن تاب المحارب لم تقبل شهادته؛ لأن الحق عاد إليه وله العفو والقصاص. سحنون: فلو قالوا كلهم عند الحاكم: قتل كذا وكذا رجلاً وسلب منا كذا وكذا جارية والأحمال لفلان والثياب لفلان والجواري لفلان، فذلك جائز، ويجب به حد الحرابة، قاله مالك وابن القاسم وأِهب. قوله: [٧٤٢/ب] (وَلَوْ كَانَ مَشْهُوراً ... إلخ) تصوره ظاهر ونحوه في الجواهر، ابن عبد السلام: وظاهره أن الإمام يكتفي بمجرد علمه بالشهرة وإن لم تقم بها بينة، والذي حكاه الباجي عن سحنون إذا توارت شهرة المحارب باسمه، فأتى من يشهد أن هذا فلان، وقالوا: لم نشاهد قطعه على الناس وما اشتهر به من القتل وأخذ الأموال، قتل بهذه الشهادة، وهذا آكد من شاهدين على العيان. خليل: والظاهر أن كلام المصنف للمخالفة فيه لهذا؛ لأن قوله: (فَشَهِدَ اثْنَانِ أَنَّهُ فُلانٌ الْمَشْهُورُ) يقتضي أن الشهادة نصت على المجموع؛ لأنه لا يشتهر عند الإمام إلا بعد شهادة عند غيره غالباً، ونقل اللخمي عن سحنون إذاحبس الإمام المحاربين بشهادة عدل وشهد معه قوم غير عدول، ومن هؤلاء المحاربين من اشتهر اسمه بالفساد لا يعرفه بعينه، فليخرجه الإمام ويرقبه وبشهره حيث ينظر إليه المسافرون ثم يتم ذلك بنحو ما تقدم، وقال محمد: إن استفاض ذلك الذكر عنهم وكثر أدَّبهم الإمام وحبسهم.

стр. 4438

الشُّرْبُ الْمُوجِبُ: شُرْبُ الْمُسْلِمِ الْمُكَلِّفِ مَا يُسْكِرُ جِنْسُهُ مُخْتَاراً مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ وَلا عُذْرٍ ... هذه هي الجناية السابعة. قوله: (الْمُوجِبُ) أي: للحد، واحترز بالمسلم من الكافر وبالمكلف من الصبي والمجنون، وأسند السكر للجنس؛ ليدخل القليل؛ لأنه وإن لم يسكر فجنسه سيسكر، واحترز بالمختار من المكره، ولغير ضرورة من المضطر إلى إساغة، وبلا عذر ممن يشرب خمراً يسقى ماءً ونحو ذلك. فَيَجِبُ بالْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ الضمير في (يَجِبُ) يعود على الوجب وهو الحد؛ لأن الموجب المتقدم يدل عليه، ونبه بهذا على قول الحنفية أنه لا يحرم القليل الذي لا يسكر إلا من ماء العنب، ولنا ما رواه مسلم أن عمر ﵁ خطب على منبره ﵊ وأثنى عليه ثم قال: أما بعد: ألا وإن الخمر نزل تحريمها يوم نزل وهي من خمسة أشياء: من الحنطة، والشعير، والتمر، والزبيب، والعسل، والخمر ما خامر العقل. وفي الترمذي: قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ"، وقال: حسن غريب، وفي مسلم عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٌ حَرَامٌ، مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ مُدْمِنُهَا لَمْ يَتُبْ لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الآخِرَةِ". فإن قيل: المسكر حقيقة ما حصل عنه السكر، قيل: لا نسلم، وما يذكر في أصول الفقه من اشتراط حصول المعنى في كون المشتق حقيقة إنما هو إذا كان المشتق يحكم به، وأما إذا كان متعلق الحكم فلا، ولوسلم فينقض بالخمر، وأما استدلالهم بما رواه البزار

стр. 4439

عن ابن عباس ﵄: قال: حرمت الخمر بعينها قليلها وكثيرها سواء، والمسكر من كل شراب. فهو إن صح إسناده وروي مرفوعاً من حديث جماعة من الصحابة ﵃، لكن قال عبد الحق: رواته كلهم ما بين ضعيف ومجهول. وَلا حَدَّ عَلَى مُكْرَهٍ وَلا مُضْطَرٍّ إِلَى الإِسَاغَةِ وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَرَامٌ لما رواه ابن ماجه: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ"، وذكر ابن شاس في باب الأطعمة أنه لا تحل الإساغة للغصة بها على خلاف فيها، وإلى القول بالتحريم أشار المصنف بقوله: (وَإِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ حَرَامٌ)، وفي الجلاب عن أبي الفرج: لا بأس أن يشربها ليدفع بها غصة وهو الظاهر ولا يبعد الوجوب. ابن عبد السلام: والظاهر أن الضمير في (إِنَّهُ حَرَامٌ) على الإساغة وحدها دون الإكراه، والخلاف في الصورتين، ولكن التحقيق أنه ليس بحرام فيهما، وربما أنكر بعضهم عدم الخلاف في الغصة، والمنصوص عدم شربها للجوع وللعطش. مالك: ولا يزيده إلا عطشاً، وقيل: بجوازه وهو اختيار ابن العربي وغيره، فإن ذلك تخفيفاً على الجملة ولو لحظة. وَالصَّحِيحُ أَنُّهُ لا يَجُوزُ التَّدَاوِي بمَا فِيهِ الْخَمْرُ وَلا بنَجِسٍ الباجي وغيره: إنما هذا الخلاف في ظاهر الجسد؛ يعني: ويمنع في الباطن اتفاقاً، وما عبر عنه المصنف بالصحيح عبر عنه ابن شاس بالمشهور. ابن عبد السلام: وأجاز مالك لمن عثر أن يبول على عثرته، وفي مسلم: أنه ﵊ سئل عن جعلها في الدواء، فقال ﷺ :"إِنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ"، وكره مالك أن يداوي بها دبر الدواب.

стр. 4440

وَفِي الْبَدَوِيَّ يَدَّعِي جَهْلَ التَّحْرِيمِ قَوْلانِ، بخِلافِ مُدَّعِي الْجَهْلِ الْحَدُّ أي: مع كونه يعلم التحريم فإنه يحد اتفاقاً، والقول بالحد لمالك وأصحابه إلا ابن وهب فإنه قال: لا حد عليه. مالك: وقد ظهر الإسلام وفشا فلا يعذر جاهل في شيء من الحدود. وَالصَّحِيحُ: أَنَّهُ لا حَدَّ عَلَى الْمُجْتَهِدِ يَرَى حِلِّ النَّبيذِ، وَمُقَلِّدِهِ المحكي عن مالك وأصحابه وجوب الحد عليه، وعدم قبول شهادته إلا أن الباجي تأوله، فقال: لعل هذا فيمن ليس من أهل الاجتهاد والعلم، فإن كان من أهل العلم والاجتهاد، فالصواب أنه لا حد إلا أن يسكر منه، قال: وقد جالس مالك سفيان الثوري وغيره من الأئمة، ممن كان يرى شرب النبيذ مباحاً، فما أقام على أحد منهم الحد ولا دعا إليه مع إقراره بشربه، وظاهرهم وناظرهم عليه، وصحح هذا [٧٤٣/أ] القول غير واحد من المتأخرين؛ لأنا إن قلنا كلمجتهد مصيب فواضح، وإن كان المصيب واحداً فلا أقل من أن يكون هذا شبهة. وقوله: (عَلَى الْمُجْتَهِدِ وَمُقَلِّدِهِ) فهو بكسر اللام، وأورد على قول مالك بحده أنه قد نفى الحد عن المتزوج بال ولي، وأجيب بأن مفسدة النكاح يمكن تلافيها بالصلاح وردها إلى العقد الصحيح كغير هذه الصورة من النكاح الفاسد، ولا يمكن مثل ذلك في الأشربة من الزجر عنها وهو الحد، وفيه نظر. وَمَنْ ظَنَّ مُسْكِراً شَرَاباً آخَرَ فَلا حَدَّ كما عذر من وطئ الأجنبية يظنها زوجته. وَيَثْبُتُ بشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ وَبالإِقْرَارِ أي: لا خلاف في ذلكفإن رجع عن الإقرار؛ فإما إلى شبهة، أو لا وهو كالزنى.

стр. 4441

وَالشَّهَادَةُ عَلَى الشَّمِّ مِمَّنْ يعْرِفُهَا كَالشُّرْبِ، وَحَكَمَ بهِ عُمَرُ ذكر أبو عمر ان هذا قول مالك وجمهور أهل الحجاز، خلافاً للشافعي وجمهور أهل العراق لاحتمال أن يكون يتمضمض بها، ورأى مالك أن هذا مرجوح. وقوله: (مِمَّنْ يعْرِفُهَا) ظاهره سواء تقدم شربه لها كالكافر والعاصي ثم يتوب أولاً، وهو قول الباجي وغيره، واشترط ابن القصار تقدم الشرب. ابن عبد السلام وغيره: الأول هو الصحيح إذ لاتخفى رائحتها على كثير من الناس وإن شهد شاهدان علىرائحة الخمر وخالفهما غيرهما، فقال ابن عبد السلام: قالوا يحد وهومشبه باختلاف القولين في المسروق، ومذهب المدونة إعمال شهادة من شهد بأن قيمته ربع دينار، ورأى بعضهم أن ذلك الاختلاف شبهة، هكذا ينبغي أن يكون هنا وإن شك شهود بالرائحة فالمنصوص أن يسلم إلى حال المشهود عليه، فإن كان من أهل السفه نكل وإن كان من أهل الخير ترك، ثم إن جاء الشهود من غير طالب أو أقام محتسب فلابد أن يكونوا اثنين أو أكثر، وإن أمر القاضي بالاستنكاه فاستحب أصبغ اثنين وأجاز الاكتفاء بواحد وهو بعيد؛ لأنه يئول إلى حكم القاضي بعلمه في الحدود وإن شهد عليه بالعمد وجب الحكم عندنا، وحكم به عمر وعثمان ﵄ وهو أقوى من الشم. انتهى كلام ابن عبد السلام. اللخمي: ويستدل عند الشك بالرائحة تخليط عقله فإن حصل ذلك حد وإلا فلا. عبد الملك: وقد يختبر بالقراءة التي لا شك في معرفته من الصور القصار فإن ذلك يحسن عند الإشكال.

стр. 4442

وَمُوجَبُهُ: ثَمَانُونَ جَلْدَةً بَعْدَ صَحْوِهِ، وَيُتَشَطَّرُ بالرِّقِّ لما في الموطأ أن عمر ﵁ استشار في الخمر يشربها الرجل، فقال علي ﵁: نرى أن تجلده ثمانين جلدة، فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، فجلد عمر ﵁ في الخمر ثمانين. أبو عمر: وقد انعقد إجماع الصحابة ﵃ في حد الخمر على الثمانين ولا مخالف لهم منهم، وعلى ذلك جماعة التابعين وجمهور فقهاء المسلمين، والخلاف في ذلك كالشذوذ المحجوج بالجمهور. وقوله: (بَعْدَ صَحْوِهِ) هكذا نص عليه ابن القاسم وغيره. اللخمي وصاحب البيان: فإن جلد في حال سكره اعتد بذلك إن كان عنده ميز، فإن كان طافحاً أعيد علهي الحد، وإن لم يحس بالألم في أول الحد ثم حس في أثنائه حسب له من أول ما أحس به. (وَيُتَشَطَّرُ بالرِّقِّ) أي: كله أو بعضه. وَالْحُدُودُ كُلُّهَا بسَوْطٍ وَضَرْبٍ مُعْتَدِلَيْنِ يعني: حد الزنى والقذف والشرب، والأصل في هذا ما في الموطأ: أن رجلاً اعترف على نفسه بالزنى على عهد رسول الله صلى الله علهي وسلم، فأتى بسوط مكسور فقال: "فَوْقَ هَذَا"، وأتي بسوط جديد لم تقطع ثمرته فقال: "دُونَ هَذَا"، فأتي بسوط قد ركب به ولان فأمر به رسول الله ﷺ ، والمشهور ما ذكره المصنف من تساوي الضرب في الحدود، وقال ابن حبيب: ضرب الخمر أشدها.

стр. 4443

قَاعِداً غَيْرَ مَرْبوطٍ مُخَلِّى الْيَدَيْنِ عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا أي: ويضرب قاعداً، قال في المدونة: ولا يقام وتخلى له يداه، وروي عن علي ﵁ أنه قال للجلاد في الخمر: اضرب ودع له يديه يتَّقي بهما. وإذا اضطر بأن لا يصل الضرب معه إلى موضعه فإنه يربط. قوله: (عَلَى الظَّهْرِ وَالْكَتِفَيْنِ دُونَ غَيْرِهِمَا) هو قول مالك في الموازية، وقال ابن شعبان: يعطى كل عضو حقه من الجلد إلا الوجه والفرج، واستحسن اللخمي الأول لما أخرجه البخاري ومسلم من قوله ﷺ لهلا بن أمية فيمن قذف زوجته: "وَإِلاَّ حَدُّ فِي ظَهْرِكَ". وَيُجَرَّدُ الرَّجُلُ، وَيُتْرَكُ عَلَى الْمَرْأَةِ مَا لا يَقِيهَا، وَاسْتُحْسِنَ أَنْ تُجْعَلَ فِي قُفًّةٍ هكذا قال مالك في المدونة: أن يجرد الرجل. قوله: (وَيُتْرَكُ) أي: يترك عليها من الثياب ما يسترها ولا يقيها الضرب، ابن القاسم: ولا بأس بثوبين وينزع ما سوى ذلك. ابن الجلاب: وتنزع الجبة والفرو، وبلغ مالكاً أن بعض الأمراء أقعد المرأة في القفة فأعجبه. اللخمي: ويجعل عليها تراب وماء للستر. وَيُؤَخَّرُ حَيْثُ يُخْشَى الْهَلاكُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الزَّانِي أي: حد المحدود وهو ظاهر، فإن كان هرماً أو شبهه ويخشى عليه الهلاك بسبب ولا ترجى له صحة فإنه يفرق عليه الضرب في أوقات، فإذا أقيم الحد على الشارب أطلق، ووقع في بعض الأقوال: المشهور بالفسق فطاف به ويلزم السجن [٧٤٣/ب]

стр. 4444

وَمَنْ جَنَى مَعْصِيَةً مِنْ حَقِّ اللهِ تَعَالَى أَوْ حَقِّ آدَمِيِّ عَزَّرَهُ الْحَاكِمُ باجْتِهَادِهِ بقَدْرِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ وَالْقَوْلِ ... لما فرغ من الجنايات التي رتب الشارع عليها عقوبة معلومة أخذ فيما لم يرتب عليه عقوبة معلومة، ولهذا يقع في بعض النسخ (التعزير) على وجه الترجمة، وبيَّن أنه لا فرق في المعصية بين حق الله تعالى وحق الآدمي، ومعنى حق الله تعالى؛ أي الذي لا يتعلق به للآدمي حق كالأكل في رمضان، وحق الآدمي أن يتعلق به للآدمي كشتمه وضربه، وهو أيضاً لا يخلو عن حق الله تعالى؛ لأن من حقه تعالى على كل مكلف ترك أذاه، ولما كان هذا القسم إنما ينظر فيه باعتبار حق الآدمي جعل قسماً للأول، فإن الحاكم يعزره باجتهاده وإن عزر بجهل فهو أخف، ولا يسمى حق الله تعالى، وقد يعتبر أيضاً ما ينزجر به غيره من أن يقع في مثل ما وقع فيه هذا العاصي. وقوله: (بحَسَبِ الْقَائِلِ وَالْمَقُولِ لَهُ وَالٌَْوْلِ) فيه قصور؛ لأنه لا يتناول إلا المعصية القولية. فَيُخَفِّفُ وَيُتَجَافَى عَنِ الرَّفِيعِ وَذِي الْفَلْتَةِن وَيُثَقَّلُ عَلَى ذِي الشَّرِّ هذا نظراً إلى جانب القائل، وكذلك ينظر إلى جانب القول، وجانب المقول فيه، فإن كان القول عظيماً من ذي الشرف المخاطب برفيع القدر بالغ في الأدب وخفف في العكس. وقوله: (وَيُتَجَافَى) خاص بحقوق الآدميين، وأما في حق الله تعالى فنقل في البيان عن بعض العلماء: فيه التجافي، قال: ولم يره مالك. وَيَكُونُ بالضَّرْبِ وَالْحَبْسِ، وَبالإِقَامَةِ وَبنَزْعِ الْعِمَامَةِ وَبغَيْرِ ذَلِكَ لأن القصد الانزجار ولهذا لا يتخصص بسوط ولا يد جنس ولا غيره.

стр. 4445

ابن رشد: ومن قال: لرجل يا كلب، إن كانا من ذوي الهيئة عوقب القائل عقوبة خفيفة يهان بها ولا يبلغ به السجن، وإن كانا من غير ذي الهيئة عوقب القائل أشد عقوبة من الأولى يبلغ فيها السجن، وإن كان القائل من ذي الهيئة والمقول له عكسه عوقب بالتوبيخ، ولايبلغ به الإهانة ولا السجن وبالعكس عوقب بالضرب. وَقَدْ يُزَادُ عَلَى الْحَدِّ وَلا يَنْتَهِي إِلَى الْقَتْلِ هذا هو المشهور عن مالك وابن القاسم. وقوله: (وَلا يَنْتَهِي إِلَى الْقَتْلِ) أي: لا يكون الأدب بالقتل، ويحتمل لا ينتهي في الأدب بالضرب إلى ما يخشى منه القتل، وقد قال مطرف: يضربه وإن أتى على النفس، وروي عن مالك في العتبية: أنه أمر بضرب شخص وجد مع صبي في سطح المسجد وقد جرده وضمه إلى صدره أربعمائة سوط، وانتفخ ومات ولم يستعظم ذلك مالك، وقال ابن مسلمة: لا يتجاوز ثمانين، وقد روى القعنبي عن مالك: لا يجاوز خمسة وسبعين سوطاً، وروى أصبغ: أقصاها ما ينتهي إليه جرم الفساد مائتان، وقال مطرف في الواضحة: أقصاها ما يبلغ به الأدب في الجرم ثلاثمائة، لا يزاد السلطان في الأدب على عشرة أسواط ولا المؤدب على ثلاثة، وكذا قال سحنون: لا يزيد المدب أزيد من ثلاثة أسواط فإن اد عليها اقتص منه، واستشكله غير واحد، وحجة أشهب ما في الصحيح عن أبي بردة الأنصاري ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "لاَ يُجْلَدُ أَحَدٌ فَوْقَ عَشْرَةِ أَسْوَاطٍ إِلاَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللهِ تَعَالَى". وَيُؤَدِّبُ الأَبُ وَالْمُعَلِّمُ بِإِذْنِهِ الصَّغِيرَ لا الْكَبيرَ هكذا قال ابن شاس، وظاهر قول مالك في الذي شتمه خاله أو عمه أو جده: لا أرى عليه في ذلك شيئاً إذا كان على وجه الأدب ونحوه تأديب الكبير، وقد طعن أبو بكر

стр. 4446

في خاصرة عائشة رض الله عنهما ورأٍه صلىلله عليه وسلم في حجرها، وكذلك في مخاطبته لعبد الرحمن في حديث الضيفان. وَالسَّيِّدُ رَقِيقَهُ أي: في حقه وحق الله تعالى بشرط ألا يكون مبرحاً. وَالزَّوْجُ بمَا يَتَعَلَّقُ بمَنْعِ حَقِّهِ أي: في النشوز للآية، ووقع لابن رشد أنه يؤدب زوجته في تركها الصلاة. وَالتَّعْزِيرُ جَائِزٌ بشَرْطِ السَّلامَةِ، فَإِنْ سَرَى فَعَلى الْعَاقِلَةِ بخِلافِ الْحَدِّ أي: شرط السلامة غالباً في الذهن، وفي هذا الشرط نظر؛ لأنه مخالف لقول ابن الماجشون وغيره: وإن أتى على النفس. والظاهر الحكاية المنقولة عن مالك، ولكن الحاكم وغيره إذا جازت له العقوبة- يعني- ألا يكون عليه ضمان وتضمينهم مع أمرهم كتكليف ما لا يطاق. وذكر في الإكمال: أنهم اختلفوا فيمن مات من التعزير، فقال الشافعي: عقله على عاقلة الإمام وعليه الكفارة، وقيل: علىبيت المال، وجمهور اللماء: ولا شيء عليه، وفي الموطأ في الرجل يضرب امرأته بالحبل والسوط فيصيبها من ضربه ما لم يرد ولم يتعمد فإنه يعقل ما أصابه منها على هذا الوجه، وفي المجموعة لمالك في معلم الكتَّاب والصنعة إن ضرب صبياً ما يعلم أنه من الأدب فمات فلا يضمن، ظاهره خلاف الموطأ إلا أن يحمل ما في الموطأ أنه خطأ بالزيادة في الأدب، أو يريد بما في المجموعة: لا يضمنه في ماله بخلاف الحد؛ أي: فلا يضمن مما سرى منه ونقل في ذلك الإجماع، فإن علم أن التعزير لا يحصل به زجر فلا يفعل لكن سجن الكبير حتى تحقق توبته ولا يعرض للصغير، هذا أشار إلي ابن عبد السلام والشافعي وهو ظاهر.

стр. 4447

مَنْ فَعَلَ فِعْلاً يَجُوزُ لَهُ مِنْ طَبيبٍ وَشِبْهِهِ عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ فَتَوَلَّدَ مِنْهُ هَلاكٌ أَوْ تَلَفُ مَالٍ فَلا ضَمَانَ عَلَيْهِ ... [٧٤٤/أ] الضمان ترجمة، وهذه المسألة أجري على القواعد التي قبلها، وشبه الطبيب الخادم والحجام ونحو ذلك، واحترز بقوله: (عَلَى وَجْهِ الصَّوَابِ) لهما لو لم يفعله على وجه الصواب كما سيأتي. (فَتَولَّدَ مِنْهُ هَلاكٌ أَوْ تَلَفُ مَالٍ) يكون في الرقيق، وفي مثل فعل البيطار، ما ذكره من نفي الضمان مفيد بما إذا لم يكن السلطان قد تقدم إلى الأطبة والحجامين ألا يقدموا على شيء مما فيه ضرر إلا بإذنه، ففعلوا ذلك بغير إذنه فعليهم الضمان فيما تلف في أموالهم، رواه أشهب في ابن رشد، وقال ابن دحون: هو على العاقلة إلا فيما دون الثلث، وهو خلاف الراوية. فَإِنْ كَانَ جَاهِلاً أَوْ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ أَوْ أَخْطَأَ فِيهِ، أَوْ فِي مُجَاوَزَةٍ أَوْ تَقْصيرٍ فَالضَّمَانُ كَالْخَطَأِ ... يعني: إن لم يكن له بذلك علم وفعل ذلك على وجه الجرأة، وتولى الطبيب ذلك من غير أن يؤذن له، فآل إلى التلف أو أخطأ فيه، كما لو أراد قلع سن فقلع غيرها، أو في مجاوزة بأن أخذ من مأخذه، ولكن تجاوز حده، أو قصر فالضمان كالخطأ؛ أي: فتحمل العاقلة الثلث فأكثر، ولا تحمل الأقل، وهكذا قال عيسى ابن دينار، وهو ظاهر ما رواه أصبغ عن ابن القاسم، وقيل: الدية عليه في ماله دون العاقلة. ابن رشد: وهو ظاهر قول مالك في العتبية، وشبه المصنف المسألة بالخطأ؛ لأن بعض وجوه المسألة كالجهل، وعدم الإذن قد يظن أنه من العمدن وينفرد الجاهل بالأدب. ابن رشد: والغرب والسجن، ولا يؤدب المخطئ، وهل يؤدب من لم يؤذن له؟ فيه نظر.

стр. 4448

وقيل بعدم ضمانه لكأن له وجه والله أعلم؛ لأنه كالمأذون له بالعرف إذا كان من المشهورين بالطب وخيف الفوات في العلاج، ولو ادعى على الطبيب العمد فيما زاد أو قصر، وادعى هو الخطأ فالقول قوله، واختلف قول سحنون في الزوج والسيد يفقأ عين زوجته، فيقول السيد أو الزوج: فعلت ذلك أدباً، وتقول المرأة أو العبد فعل ذلك عمداً على الخطأ أو على الأدب، وإليه رجع، وفرق في القول الأول بين الطبيب وبين الزوج والسيد؛ لأن فعل الطبيب ابتدأ على الإذن ولم يثبت الإذن في حق الزوج والسيد. ابن رشد: الأظهر في السيد أن يحمل أمره على الخطأ إلا أن يعلم أنه قصد به التمثيل فيباع عليه إن قصد العبد ذلك، وأما الزوج فالذي أراه في ذلك أن يحمل أمره على الخطأ، لا على العمد، ولكن يكون كشبه العمد، وتكون فيه الدية على الجاني، وإن طلبت المرأة فراقه، وقالت: أخافه على نفسي، طلقت عليه طلقة بائنة. وَإِذْنُ الْعَبْدِ لَهُ أَنْ يَحْجِمَهُ أَوْ يَخْتِنَهُ غَيْرُ مُفِيدٍ فيضمن الفاعل ولا يفيده إذن العبد، وهكذا نص عليه في المجموعة، وزاد: وكذلك إذا أذن له ان يقطع عرقه، وهذا ظاهر في الختان، وأما الحجامة والفصد فالعرف مطرد بعدم الاحتياج إلى إذن السيد، لا سيما إذا كان موجب الحجامة ظاهراً. وَمَنْ أَجَّجَ نَاراً عَلَى سَطْحٍ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ ضَمِنَ، وَلَوْ بَغَتَتْهُ الرِّيحُ لَمْ يَضْمَنْ ظاهر كلام المصنف أن للسطح تأثيراً في الضمان، والذي في المدونة في حريم الآبار، في من أرسل في أرضه ماء أو ناراً، فوصل إلى أرض جاره، فأفسد زرعه، فإن كان أرض جاره بعيدة يؤمَن أن يصل ذلك إليها، فتحاملت النار بريح أوغيرها، فلا شيء عليه، وإن لم يؤمَن وصول ذلك إليها لقربها فهو ضامن، ما قتلت النار من نفس فعلىعاقلة مرسلها، وكذلك الماء، فالعبرة على هذا إنما هي بالأمن وعدمه، وروى اللخمي: الضمان

стр. 4449

في البعيد إذا كانت الريح لتلك الأرض، إلا أن تكون بعيدةجداً، وعدمها إن لم يكن وقت أرسلها ريح، ثم جدثت، أو كانت وتغيره إلى الناحية المحترقة، قال غير واد: يضمن إن كانت الأعشاب متصلة وإن بعدت. وقوله في المدونة: وما قتلت النار من نفس فعلى عاقلة مرسلها؛ أي: إذا كان لا يؤمن أصولها، وأما مع الأمان فلا ضمان في النار، كما لابن كنانة ما ظاهره خلاف مذهب المدونة، قال فيمن أشعل ناراً في حائط رجل فتعدت النار على غيره فتحرقه من زرع أو حائط عليه غرم ما أشعل فيه دون ما عدت عليه. وَسُقُوطُ الْمِيزَابِ هَدَرٌ يعني: إذا اتخذ ميزاباً للمطر فوقع على إنسان أو مال فلا شيء في ذلك؛ لأنه اتخذته حيث يجوز له اتخاذه، وينبغي أن تقيد هذه المسألة بالتي بعدها؛ وهي قوله: وَفِي سُقُوطِ الْجِدَارِ الْمَائِلِ وَأُنْذِرَ صَاحِبُهُ وَأَمْكَنَهُ تَدَارُكُهُ -الضَّمَانُ قوله: (الْمَائِلِ) أي: بعد بنائه مستقيماً، وأما لو بني مائلاً لضمن من غير تفصيل هكذا، قال ابن شاس: ومراده بالإنذار الإشهاد، كما نص عليه في المونة. ابن عبد السلام: ومعناه عند القاضي، أو من له النظر في ذلك، ولا ينفع الإشهاد إذا لم يكن كذلك، إذا كان رب الحائط منكراً لميلانه بحيث يخشى عليه السقوط؛ أنه لو كان مقراً فإنه يكتفى بالإشهاد، وإن لم يكن عند حاكم قاله بعض القرويين، وفي البيان في أدب السلطان الثاني: وقول يحيى- أنه ضامن لما أفسد الحائط إن انهدم بعد التقدم إليه والإشهاد عليه [٧٤٤/ب] وإن لم يكن ذلك سلطاناً-مفسر لقول ابن القاسم: ومثل ما في المدونة. وقال عبد الملك وابن وهب: لا ضمان عليه إلا ما أفسد بانهدامه بعد أن قضى عليه السلطان بهدمه ففرط في ذلك، وقال أشهب وسحنون: لا يشترط الإشهاد بل يكتفى أن يبلغ إلى حالة لا يكون لصاحبه أن يتركه لشدة ميله.

стр. 4450

قوله: (وَأَمْكَنَهُ تَدَارُكُهُ) أي: رب الحائط إزالة الضررن إما بهدم الحائط، وأما بتدعيمه، وتراخى، وأما إذا لم يمكنه فبادر إلى رفع الأذى فسقط؛ فلا ضمان، ولو تقدم إليه في ذلك. وَيَجُوزُ دَفْعُ الصَّائِلِ بَعْدَ الإِنْذَارِ لِلْفَاهِمِ مِنْ مُكَلَّفٍ أَوْ صَبيِّ أَوْ مَجْنُونٍ أَوْ بَهِيمَةٍ عَنِ النَّفْسِ وَالأَهْلِ وَالْمَالِ ... قوله: (مِنْ مُكَلَّفٍ) يتعلق بالصائل، وفي الكلام تقديم وتأخير، وتقديره: ويجوز دفع الصائل من مكلف أو صبي أو مجنون أو بهيمة عن النفس والأهل والمال بعد الإنذار للفاهم، وإلا فغير الفاهم لا يمكن إنذاره، وقد تقدم في إنذار المحارب خلاف، فانظر هل يأتي هنا، وروى عيسى عن ابن القاسم: إن قتل الرجل الجمل الصول بعد التقدم إلى صاحبه فذكر أنه أراده وصال عليه، لا غرم عليه، ويقبل قوله في ذلك ابن رشد، يريد مع يمينه إذا كان بموضع لا يحضره الناس، واختلف في التقدم لأرباب البهائم هل لابد من السلطان أم لا، وعلى قول سحنون إذا بلغ الحائط مبلغاً يجب عليه هدمه، يضمن ولا يحتاج إلى التقدم. ابن رشد: وهذا الخلاف إنما هو إذا اتخذ حيث يجوز له، وإلا فهو ضامن اتفاقاً، ومذهب أشهب في الكلب العقور والجمل الصول أنه لا ضمان على صاحبها، وإن تقدم إليه فهو قول رابع، وحيث ضمناه، قال ابن القاسم: في ماله، وقال ابن وهب: على العاقلة، ويثبت بالشاهد واليمين عند ابن القاسم، وقال أصبغ: لا يثبت إلا بشاهدين. ابن رشد: ويأتي على قول ابن وهب في إلزامه العاقلة أنه يحبس بما يستحق به دم الخطأ من قسامة وغير ذلك.
следующие страницы →