Полный текст (4 728 стр.). Показаны 4621–4660 · переход к 4626.
стр. 4621
وَمَنْ أَوْصَى بعِتْقِ عَبْدٍ يُشْتَرَى لِتَطَوُّعٍ أَوْ ظِهَارٍ، وَلَمْ يُسَمِّ ثَمَناً أُخْرِجَ بالاجْتِهَادِ عَلَى قَدْرِ الْمَالِ ...
هو المشهور، وهو مذهب المدونة، قال فيها: وليس من ترك مائة ديناراً كمن ترك ألفاً [٧٧٤/أ].
ابن القاسم في الموازية: وبذلك يحاص في الوصايا.
وقال أشهب في الموازية: لا ينظر إلى قلة المال وكثرته، ولنك يشترى وسطٌ من الرقاب. ولا يُنْظَرُ لقدر المال، وبه يحاصُّ، والقياس أن يحاصَّ بأدنى الرقاب مما يجزئ في الظهار والقتل، والأول أحب إلي. كما قيل فيمن تزوج على خادم، فلأشهب رحمه الله تعالى قياس واستحسان. واختيار اللخمي قريب منه؛ لأنه قال: الوسط حسن مع عدم الوصايا، فأما إذا كانت وصايا وضاق الثلث فإنه يرجع إلى أدنى الرقاب؛ لأن المعلوم من الميت أن يقصد إنفاذ وصاياه جملة، فإذا علم أن المال لا يتسع إلى الأعلى ولا إلى الأوسط رجع إلى الأدنى، ما خلا الرضيع والمعيب؛ لأنهما لا يقصدهما الميت.
فَإِنْ سَمَّى يَسِيراً أَوْ كَانَ الثُّلُثُ يَسِيراً شُورِكَ بهِ فِي عَبْدٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغْ أُعْتِقَ بهِ مُكَاتَبِّ فِي آخِرِ نُجُومِهِ ...
أي: إن سمي ثمناً يسيراً أكان الثلث يسيراً لايبلغ ثمن رقبة - شورك به في عبد، وإن لم يبلغ أعين به مكاتب ي آخر نجومه. وهكذا في المدونة، وهو خاص برقبة التطوع. كذلك ذكر ابن يونس وغيره، وهو ظاهر. ولعل المصنف ﵀ اعتمد على ما قدمه في الظهار من منع الشركة.
اللخمي: ويطعم به في الظهار، فإن فضل منه على الإطعام فضلة فالفاضل لهم.
стр. 4622
وَلَوِ اشْتَرَى فَأَعْتَقَ فَلَحِقَ دَيْنٌ يَغْتَرِقُ الْمَالَ رَجَعَ الْعَبْدُ رِقَّاً، فَإِنْ لَمْ يَغْتَرِقْ فَبحِسَابهِ، وَلا يَضْمَنُ الْوَصِيُّ مَا لَمْ يَعْلَمْ ...
يعني: ولو اشترى الموصَى رقبة فأعتقها عن الميت ثم لحق الميت دين يستغرق المال ففي المدونة: يرجع العبد رقاً كما ذكر المصنف، وإن لم يغترقه أعطي صاحب الدين دينه، ثم عتق من العبد بقدر ما بقي من ثلث الميت. وهذا معنى قوله: (فَإِنْ لَمْ يَغْتَرِقْ فَبحِسَابهِ). ولا يضمن الموصى إذا لم يعلم بالدين؛ لأنه قد اجتهد، ولم يكن عليه سوى ما صنع.
وفي الموازية: يمضي العتق ويغرم الموصى. وهو مقتضى قول غير ابن القاسم في الوصايا الثاني من المدونة؛ لأن فيه في الموصِي أن يُحَجَّ عنه بعوض: لا يجزئ أن يحج عنه عبد أو صبي أو من فيه علقة رق؛ إذ لا حج عليهم؛ فيضمن الدافع، إلا أن يظن أن العبد جر-وقد اجتهد ولم يعلم- فإنه لا يضمن، وقال غيره: لا يزول عنه الضمانب جهله.
ابن عبد السلام: وهذا الذي قاله غيره هو الجاري على ما في كتاب الحج الثاني، وفي كتاب النذور، ولولا الإطالة لجلبناه.
وقال في الواضحة في مسألة المصنف: إذا علم الموصى وكان له مال ضمن، وإن لم يعلم أو علم إلا أنه عديم فلا ضمان، إلا أنه يَرُدُّ العتق حتى يقضي الدين.
فرع:
ولو اشترى الوصي يهودياً أو نصرانياً كان ضامناً، وإن اشترى معيباً لا يجزئ في الواجب، والعتق واجب؛ فإن علم الموصى أنه للكفارة ضمن عمداً كان أو خطأ، وإلا فلا.
وَلَوْ مَاتَ الْعَبْدُ بَعْدَ الشِّرَاءِ وَقَبْلَ الْعِتْقِ اشْتُرِيَ آخَرُ إِلَى مَبْلَغِ الثُّلُثِ، وَلِذَلِكَ لَوْ قُتِلَ وَجَبتْ قِيمَتُهُ ...
يعني: أن المشترى لا يكون حراً بنفس الشراء؛ فلذلك إذا مات بعد الشراء لزمهم شراءٌ آخر إلى مبلغ الثلث وهذا مذهب المدونة، والمشهور، وبه قال أصبغ. ولابن القاسم
стр. 4623
في الموازية: يشترونه من ثلث ما بقي أبداً، كأنه لم يكن مال إلا ما بقي. وقال ابن حبيب: القياس ألا يرجع في بقية الثث بشيء، واستحسن أن يشترى من بقية الثلث.
وقال ابن المواز: إن عزل ثلثه للوصية، وقسم الورثة الثلثين كان عليهم بقية الثلث.
اللخمي: ولا وجه لهذا؛ لأن الميت لم يوص بجزء فيكون عليهم أن يقسموه، وإنما أوصى بشراء رقبة لا غير ذلك، وقولابن حبيب في هذا أحسن.
وقوله: (وَلِذَلِكَ) أي: ولأجل أن العبد لا يكون حراصبنفس الشراء، بل حتى يعتقه الورثة- لمتجب على قاتله الدية؛ لأن أحكامه أحكام العبيد حتى يعتق.
ووقع في بعض النسخ (وكذلك) والأولى أحسن.
محمد: ولو أخرج ثمن العبد فسقط فعليهم أن يشتروا عبداً من ثلث ما بقي ما لم يتلف بعد القسم، وإنما يشترى إن بقي من الثلث الأول شيء. وهذا الكلام قريب مما في المدونة، مخالف لما تقدم عنه.
ولو جنى العبد قبل عتقه خير الورثة؛ فإمَّا أسلموه واشتروا غيره من ثلث ما بقي، أو فدوه فأعتقوه هو أو غيره. فإن أسلموه فكأنه لم يكن، أو مات فيعتقون غيره من ثلث ما بقي. وإن فدوه فمن ثلث ما بقي لا أكثر منه كأنهم ابتدءوا شراءه، وذلك إن لم يكن قسم الثلث.
وقال أصبغ: يرجع في هذا إلى باقي الثلث الأول.
محمد: يريد: إذا كان قد قسم به، وقسم للورثة بالثلثين ينفذ لهم- لا يرجع عليهم بشيء في موت الرقبة ولا إسلامها؛ لأنه صار ضمان كل قسم من أهله. محمد: وذلك بعد اقتسام المال والفراغ منه.
стр. 4624
وَإِذَا أَوْصَى بشَاةٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ ببَعِيرٍ أَوْ أَوْ بعَبْدٍ كَانَ شَرِيكَاً بجُزْئِهَا، صَغِيرِهَا وَكَبيرِهَا، ضَانِهَا وَمَعَزِهَا، ذَكَرِهَا وَأُنْثَاهَا ...
أي: إذا أوصى له بشاة من امله أو ببعير أو بعبد أو نحو ذلك، وفي ماله غنم أو إبل أو عبيد. ويدل على أن مراد المصنف أن في ماله ذلك قوله: (كَانَ شَرِيكَاً بجُزْئِهَا) وَلِذِكْرِهِ مُقَابِلَّهُ بعد ذلك: (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ).
ومعنى: (بجُزْئِهَا) أنه يكون شريكاً بنسبة الشاة من سائر الغنم، فإن توفى عن خمس كان له الخمس، وعن عشر كان له العشر، وعن مائة فله عشر العشر.
خليل: وفي هذه المسألة نظر؛ لأنه يبقى تحجير على الورثة، لا سيما إذا كانت الشياة كثيرة، والأقرب أنه لا يكون شريكاً بل تكون له شاة.
وَلَوْ لَمْ يَبْقَ إِلا شَاةٌ أَوْ عَبْدٌ يَعْدِلُ الْجَمِيعَ؛ فَهْوَ لَهُ إِنْ حَمَلَهُ الثُّلُُثُ، أَوْ مَا حَمَلَ مِنْهُ ...
يعني: ولو لم يبق في المسألة المتقدمة إلا العدد الذي سما الموصي فإنه للموصى له، ولو كان الباقي يعدل جميع المال، بشرط أن يحمل الثلث ما بقي.
وخالف ابن الماجشون في هذا ولم يوجب له إلا الجزء الموصى به من الباقي.
والحاصل أن ابن القاسم اعتبر الشركة بالجزء مع الالتفات إلى العدد على الوجه الذي ذكره المصنف، وابن الماجشون اعتبر الجزئية وألغى العدد.
بخِلافِ: "ثُلُثِ غَنَمِي" فَتَمُوتُ أَوْ تُسْتَحَقُّ كُلَّهَا أَوْ بَعْضُهَا
أي: فلا يكون للموصى له إلا ثلث ما بقي، وهذه المخالفة إنما هي على قول ابن القاسم، وأما على قول ابن الماجشون فلا.
стр. 4625
فَإنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ غَنَمٌ فَلَهُ شَاةٌ وَسَطٌ
يعني: فإن لم تكن له غنم في المسألة المفروضة، وهي ما إذا أوصى له بشاة من ماله ففي الموازية ما ذكره المصنف، لكن إنما قال في الموازية: له قيمة شاة وسط، وظاهر كلام المصنف أنه تشتري له شاة وسط.
فَلَوْ قَالَ: شَاةٌ مِنْ غَنَمِي فَكَذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ غَنَمٌ فَلا شَيْءَ لَهُ
يعني: فإن أوصى له بشاة من غنمه فكذلك، ولا يريد المصنف رحمه الله تعالى بالتشبيه أخذ شاة وسط، بل هو راجع إلى أصل المسألة؛ أي: فيكون شريكاً بجزئها، وإن لم تكن له غنم فلاشيء له.
كَمَا لَوْ أَوْصَى بعِتْقِ عَبْدٍ مِنْ عَبيدِهِ فَمَاتُوا أَوِ اسْتَحَقُّ بَطَلَتْ كَالْعِتْقِ
شَبَّهَ الوصية بشاة من غنمه فتموت في أنه لا شيء عليه وتبطل الوصية، بما إذا أوصى بعتق عبد من عبيده فماتوا أوا ستحقوا أن الوصية تبطل. ويفهم من هذا التشبيه أنه لو استحقت الغنم فيما إذا أوصى له بشاة أن الوصية تبطل أيضاً.
وقوله: (كَالْعِتٌِْ) أي: كالعتق المعين إذا قال: "إذا مت فأعتقوا عبدي فلاناً" ثم مات فلان أو استحق، ويحتمل أن يريد بقوله: (كَالْعِتْقِ) إذا أوصى بعتق عبد من عبيده، وليس له عبيد.
وَلَوْ أَوْصَى بعَدَدٍ سَمَّاهُ فَشَرِيكٌ بالْعَدَدِ الْمُسَمَّى كَشَرِكَةِ الْوَاحِدِ عَلَى الْمَشْهُورِ لا كَشَرِكَةِ الثُّلُثِ ...
أي: إذا أوصى بعشرة-مثلاً من عبيده، وعبيده خمسون - فإنه يكون شريكاً بالعدد المسمى، كشركة الواحد؛ بمعنى أنه يكون شريكاً بالجزء، وإن لم يبق إلا العدد المسمى
стр. 4626
فهو له. وهذا هو المشهور. وقال عبد الملك: يكون كشركة الثلث؛ أي: لا يكون له إلا نسبة العدد الموصى به لغنمه، كما لو أوصى له بالثلث.
ولكن قَصْرُ المصنف الخلاف على العدد يوهم نفيه عن الواحد، وقد تقدم أن عبد الملك خالف في الواحد.
وَإِذَا ضَاقَ الثُّلُثُ قُدِّمَ الْمُدَبَّرُ فِي الصِّحَةِ
هذه المسألة متسعة وقد أفرد لها عبد الحق تأليفاً. ومعنى كلام المصنف أنه إذا ضاق الثلث عما يجب إخراجه منه- سواء كان وصية أو غيرها- فلا يَرِدُ إذن قول من قال: إن المدبر في الصحة ليس من جنس الوصايا لا يذكر معها، ولا قول من قال: لم يذكر مؤنة الدفن وشبهها؛ لأن ذلك من رأس المال.
ولم يتعرض المصنف لصداق المنكوحة في المرض.
والمشهور تقديم المدبر عليه؛ نظراً إلى كونه من تصرف الصحة. وقاله ابن القاسم. ولابن القاسم قولان آران أحدهما تقديم الصداق؛ نظراً إلى كونه معاوضة، ونظراً إلى أن بعضهم يجيزه ويقول: إن الصداق من رأس المال. ويقول: إنهما يتحاصانز
ثم المدبرون في الصحة إن تعاقبوا قُدِّمَ الأول، وإلا فالمشهور أنه يعتق منهم بالحصص، وقيل: يقرع بينهم.
ثُمَّ الزَّكَاةُ الْمُوصَى بهَا، إِلا أَنْ يَعْتَرِفَ بحُلُولِهَا حِينَئِذٍ وَأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا؛ فَمِنْ رَاسِ مَالِهِ ...
يعني: ويخرج بعد تقديم الزكاة الموصى بها، والزكاة تعم زكاة العين والحرث والماشية وزكاة الفطر، وهو مذهب ابن الماجشون، والمشهور خلافه؛ وهو أن زكاة المال مقدمة على زكاة الفطر.
стр. 4627
وَقَدَّمَ المدبر والمنكوحة على الزكاة؛ لأنهما معلومان والزكاة لا يدري أَصَدَقَ في بقائها أم لا؟ ولأنهما لمعين بخلافها. وقدمت زكاة الأموال على زكاة الفطر على المشهور؛ لأن زكاة الفطر قد قيل بسنيتها.
وقوله: (الْمُوصَى بهَا) يعني: وإن لم يوصِ فلا تخرج ولو قال في مرضه: سأخرجها.
قوله: (إِلا أَنْ يَعْتَرِفَ) استثناء من قوله: (ثُمَّ الزَّكَاةُ) أي: إلا أن يعترف بحلول الزكاة وأنه لم يخرجها؛ يريد: ويوصي بها فتكون من رأس ماله. هكذا قال ابن القاسم. ورأى أشهب: أنها حينئذٍ من رأس المال وإن لم يوصِ بها.
ابن عبد السلام: وهو أقرب إلى كلام المصنف. انتهى.
وقد يقال: الأقرب إلى كلامه قول ابن القاسم؛ لأنه استثناء من الزكاة الموصى بها.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه أيضاً أنه يكفي في هذا اعتراف الموصي، سواء عرف ذلك من غيره أو لا. وفي موافقته للرواية نظر؛ أي: لأن في المدونة: فما عرف من هذه فأخرجها في مرضه أو أمر بإخراجها ثم مات فإنها من رأس ماله.
وهذا الذي ذكرنا فيه قول ابن القاسم وأشهب إنما هو في زكاة العين، وأما زكاة الحرث والماشية فإنها تخرج من رأس المال إذا لم يفرط فيها، إلا أن تيبس الثمرة وتطيب أو يجذها ويخلفها في الجرين ببلد لا ساعي فيها، والظاهر على قول ابن القاسم أنه لا يلزم الورثة إخراجها؛ لأنه لو أخرجها لأجزأته، فكان ذلك كزكاة العين المفرط فيها.
وأما إن لم تيبس فيجب على الورثة إخراجها؛ لأنه لو أخرج الزكاة قبل الجذاذ لم يجزأه. ذكره عبد الحق عن ابن مسلمة في المبسوط، قال: وما رأيت خلافه.
ثُمَّ الْمُبَتَّلُ فِي الْمَرَضِ وَالْمُدَبَّرُ فِيْهِ
ظاهر كلامه أن هذ المرتبة بعد ما تقدم، وفيه نظر؛ بل الذي بعدها زكاة الفطر على ما ذكره عبد الحق وصاحب المقدمات.
стр. 4628
ثم العتق في الظهار وقتل النفس؛ لأن الزكاة لا عوض عنها، بخلاف عتق الظهار والنفس فَإِنَّ عنه عوضاً [٧٧٥/أ] عند العدم. فإن لم يحمل الثلث إلا رقبة واحدة عبد الحق: فرأيت لأبي العباس الإبياني أنه يقرع بينهما. وهو معنى المدونة.
وذهب بعض القرويين إلى أن يحاصص، فما وقع للظهار أطعم به، وما وقع للقتل شورك به في رقبة. وقيل: يخير الورثة، فإن اختلفوا رجع إلى القرعة. وقيل: يبدأ بكفارة النفس. وذلك إذا لم يكن في الثلث إلا رقبة واحدة. فإن كان فيه رقبة وإطعام ستين مسكيناً أعتقت الرقبة في القتل وأطعم عن الظهار اتفاقاً. وقيل: إذا لم يكن فيه إلا رقبة واحدة، وما لم يبلغ الإطعام فإنه يبدأ بالظهار ويشرك فيما بقي في كفارة قتل النفس، ثم بعدهما كفارة اليمين؛ لأنها مخير فيها، بخلاف كفارة الظهار والقتل.
ثم كفارة الفطر في رمضان متعمداً؛ لأن كفارة اليمين واجبة بكتاب الله . ثم كفارة التفريط في قضاء رمضان. قال في المقدمات: وهذا دليل ما في كتاب الصيام من المدونة. وقيل: إن الإطعام لقضاء رمضان يُبَدَّى على كفارة اليمين عند ابن القاسم. والأول أظهر.
ثم النذر؛ لأن إطعام رمضان واجب بنص السنة، والنذر أدخله على نفسه.
(ثُمَّ الْمُبَتَّلُ فِي الْمَرَضِ وَالْمُدَبَّرُ فِيْهِ) وفي بعض النسخ: (ثم المدبر فيه معاً) وليست بظاهرة؛ لأن (ثم) منافية للمعية، والنسخة الأولى أصح، وتسويتهما هو ظاهر المذهب. وقيل: يُبدَأُ بالمبتل؛ لأنه لو صح خرج من رأس المال. وقيل: يُبدَأُ بالمدبر. وهذا الخلاف مقيد بما إذا كان في فور واحد.
ابن القاسم: ولو بدأ بأحدهما ثم ذكر الآخر بدئ بالأول؛ لأنه يثبت له ما لا يرجع فيه.
أشهب: والكلام المتصل لا صمات فيه كاللفظ الواحد.
стр. 4629
وقال ابن القاسم: ما كان في كلمة واحدة وفور واحد فهما معاً، وما كان في فور بعد فور فالأول مُبَدَّى.
عبد الملك: وإن بتل المريض عتق عبده، وأعتق من آخر نصفه فالمعتق جميعه يُبَدَّى، ويبدى استتمام ذلك النصف على الموصى بعتقه الذي له أن يرجع فيه، وهذا شيء يلزمه.
ثُمَّ الْمُوصَى بعِتْقِهِ مُعَيَّناً عِنْدَهُ أَوْ يُشْتَرَى
ألحق بهذين عبد الحق وصاحب المقدمات الموصى بعتقه إلى أجل قريب، كالشهر ونحوه، أو على مال فعجله على مذهب ابن القاسم.
وزاد ابن رشد: والموصى بكتابته إذا عجل الكتابة.
وقال أشهب: الموصى بعتقه أو بشرائه للعتق يُبَدَّى على العتق إلى أجل قريب، وعلى الموصى بعتقه على مال وإن عجل المال، وعلى الموصى بكتابته وإن عجل الكتابة.
وقيل: الموصى بعتقه معيناً يُبَدَّى على الموصى بشرائه للعتق.
وحكى عبد الوهاب في المعونة أن الوصية بالعتق المعين تُبَدَّى على الزكاة.
قال في المقدمات: وهو بعيد في القياس، ووجهه إتباع ظاهر الحديث؛ لأنه ﵊ أمر بتبدية العتق على الوصايا، فعم ﷺ ولم يخص.
ثُمَّ الْمُكَاتَبُ بعَيْنِهِ
يعني: أن الموصى بكتابته يلي من تقدم ذكره، وهذا مذهب المدونة، وقدم عبد الملك عليه المعتق إلى أجل، وإن بعد الأجل.
محمد: لأنه لا يخاف عليه العجز.
وقال في الموازية: يتحاصان إذا كان الأجل سنة ونحوها.
стр. 4630
وقام عبد الحق المعتق إلى سنة عليه وجعله يتحاص عم المعتق إلى أجل بعيد كالعشر سنين، ومع المعتق على مال فلم يعجله.
وقال في المقدمات: ويقدم الموصى بعتقه إلى سنة على الموصى بعتقه إلى سنتين.
وقيل: إن الموصى بعتقه إلى سنتين يُبَدَّى على الموصى بعتقه إلى سنة.
ثُمَّ الْمُوصَى بعِتْقِهِ غَيْرَ مُعَيَّنٍ، وَالْحَجُّ مَعَاً، وَقِيلَ: ثُمَّ الْحَجُّ
وقوله: (وَالْحَجُّ) أي: للصرورة، وأما غير الصرورة فيبدأ بالعتق باتفاق، إلا على ما نقله عياض عن أصبغ من التساوي. والقول الأول مذهب المدونة، والقول الثاني أظهر؛ لتشوف الشرع إلى العتق، وكراهة الوصية بالحج عندنا.
عبد الحق: وعليه فإذا كان هناك وصايا تَحَاصَّ الثلاثة، فما ناب الحج كانت القربة به. وزاد ابن رشد قولين آخرين؛ أحدهما: أن الحج يُبَدَّى، ثم يتحاص المال والعتق. وقيل: يُبَدَّى العتق، ويتحاص المال والحج.
ابن عبد السلام: وانفرد ابن وهب فقدم وصية الصرورة على الرقبة المعينة. انتهى.
وحكى ابن زرب أن الشيوخ أجمعوا على أن الوصية بالحج تُبَدَّى على كل شيء؛ المدبر وغيره. حكاه في المقدمات.
وَأَخِرَ عَبْدُ الْمَلِكِ الزَّكَاةَ الْمُوصَى بهَا عِنِ الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ
وجهه أن للموصى بالزكاة أن يرجع، بخلاف المبتل والمدبر في المرض.
وفي المجموعة: أن الزكاة تُبَدَّى على المدبر في الصحة. وقيل: إنها بعد العتق المعين وقبل الوصايا. وقيل: إنها مع الوصايا.
стр. 4631
وَيُقَدِّمُ الْوَاجِبُ عَلَى التَّطَوُّعِ
لما رأى أن ما ذكره المصنف من الفروع لا يعم جميع ما ذكره الشيوخ أراد أن يذكر ما يجري مجرى الكليات.
ابن عبد السلام: وهذا ظاهر إن كان الواجب والتطوع من جنس واحد، كالعتق في رقبتين إحداهما وجبة، والأخرى تطوع. وإن كانا من جنسين فهو خلاف النقل في كثير من المسائل، وقد قدم الأكثرون المدبر في الصحة على الزكاة، وقدم عبد الملك عليها المدبر في المرض. انتهى.
وأجيب بأنا لا نسلم أن المدبر تطوع؛ لأنه وجب بالتدبير.
وَالْعِتْقُ الْمُعَيَّنُ عَلَى الْمُطْلَقِ
هذا مستفاد من قوله: (ثم الموصى بعتقه معيناً عنده، أو يشترى، ثم المكاتب بعينه، ثم الموصى بعتقه غير معين). ولعله ذكره ليرتب عليه [٧٧٥/ب] ما بعده، وهو قوله:
وَفِي الْعِتْقِ الْمُطْلَقِ مَعَ مُعَيَّنٍ غَيْرِ عِتْقٍ قَوْلانِ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَحَاصَّانِ
يعني: إذا أوصى بعتق غير معين، وبمال لرجل معين فقال ابن القاسم: يتحاصان.
ابن يونس: ولم يختلف قوله في ذلك. وقال غيره: يقدم العتق لتشوف الشرع إليه.
وَفِي مُعَيِّنِ غَيْرِهِ مَعَ جُزْءٍ شَائِعٍ ثَالِثُهَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَتَحَاصَّانِ
المراد بـ (المعين): العدد المسمى كعشرة دنانير ونحوها.
(مَعَ جُزْءٍ) أي: كثلث أو ربع. والثلاثة الأقوال روايات حكاها عبد الوهاب وغيره. وقول ابن القاسم هو مذهب المدونة، هكذا مشَّى هذا المحمل ابن راشد وابن عبد السلام وغيرهما، ويحتمل من حيث اللفظ "مع جزء عتق" ويكون الكلام السابق في العتق الكامل، لكن يحتاج إلى نقل يعضده.
стр. 4632
قال في المقدمات: وكان أبو عمرو الإشبيلي رحمه الله تعالى يرى تبدية مال أوصى به في فك أسير على جميع الوصايا؛ المدبر في الصحة وغيره، ويحتج لذلك برواية أشهب عن مالك في كتاب الجهاد.
وحكى ذلك عنه ابن عتاب وقال: إن الشيوخ أجمعوا على ذلك، وهو صحيح.
وهذا الفصل متسع جداً، ولذلك احتمل التواليف، وتعرض الشعراء لنظمه، فمن ذلك قول بعضهم:
صداق المريض في الوصايا مقدم ... ويتلوه ذو التدبير ي صحة الجسم
وقيل: هما سيان حكمهما معاً ... وقيل: بذي التدبير يُبَدَّى في الحكم
وإن ضيع الموصي زكاة فإنها ... تُبَدَّى على ما بد هذين في النظم
وكفارتان بعدها لظهاره ... وللقتل هما لا لعمد ولا جرم
ويتلوهما كفارة الحلف توبعت ... بكفارة الموصى عن الصوم ذي
ونذر الفتى تالٍ لما قد قصصته ... وما بتل الموصى ودَبَّر في السقم
هما تلوان النذر ثم وصية ... بعتق الذي ي ملكه يا أخا الفهم
مع المشترى من ملك زيد معيناً ... ليعتق عنه للنجاة من الإثم
وما أعتَّق الموصي لتوقيت حينه ... كشهر ونحو الشهر من أجل حتم
وإن كان عتق بعد مال مؤجل ... فعجله ذو العتق قبل انقضاء القسم
يساوي بهم عند الحصاص حقيقة ... كذا حكمهم يا صاح في موجب العلم
وبعده ما كان عتقاً مؤجلاً ... ببعد من التأجيل في مقتضى الرسم
فذاك مع الموصى له بكتابة ... ومن كان بعد المال يعتق بالغرم
يُبْدَّون قبل المشترى لعتاقة ... بلا نص تعيين عليه ولا حسم
ومن بعده الحج وموصى بفعله ... وقيل: هما سيان في مقتضى الحكم
وهذه المبادئ نظمها نظم لؤلؤ ... فدونكها نظماً صحيحاً بلا وهم
стр. 4633
ونص ابن زرقون رحمه الله تعالى عل أن زكاة الفطر مبداة على الظهار وقتل الخطأ؛ لأنه قد قيل بفرضيتها، والظهار والخطأ هو الذي أدخله على نفسه. قال: والمشهور أن عتق المريض وتدبيره بعد كفارة فطر الصيام.
وَلَوِ اشْتَرَى ابْنَهُ فِي مَرَضِهِ جَازَ وَعَتَقَ وَوَرِثَ، وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ بُدِّيَ الابْنُ، وَقِيْلَ: يُعْتَقُ الابْنُ مِنْ رَأسِ الْمَالِ ...
خص الابن تبعاً للمدونة على سبيل المثال لا الاختصاص؛ فإن مذهب مالك وابن القاسم أن للمريض أن يشتري في مرضه من يعتق عليه بثلث ماله؛ كان ابناً أو أباً أو أخاً.
وقال أشهب مرة في الولد والأب والأم والإخوة والأجداد: يعتقون من رأس المال، وقال مرة: ذلك إذا لم يكن معهم وارث، فإذا كان له وارث فليس له أن يشتري الولد وغيره إلا بثلث ماله.
ولابن الماجشون قولان آخران:
أولهما في الواضحة: أنه يجوز له اشتراء ابنه خاصة، ولو بجميع ماله ويرثه؛ لأن له استلحاقه، ولا يجوز له أن يشتري غيره لا أباً ولا أماً ولا أخاً؛ لأنه لا يستلحقهم.
ابن رشد: يريد: إلا بثلث ماله، ولا يرثه.
وثانيهما في الثمانية: يشترى الولد وولد الولد خاصة بجميع المال؛ كان له ولد آخر أو لم يكن، ويلحقهم بولده.
وقال ابن وهب في العتبية: إن كان المشترى يَحْجِبُ من كان يرث حتى يصير جميع الميراث له كان أحق أن يشتريه بجميع المال، ويرث إن كان بقي شيء، وإن كان ثَمَّ من يشركه في الميراث لم يشتره إلا بالثلث، ولم يرث؛ لأنه إنما يعتق بعد موت المشتري وقد صار الملك لغيره.
стр. 4634
وقال ابن القاسم: إن اشترى أخاه في المرض ورثه إن حمله الثلث، وإلا عتق منه محمل الثلث معجلاً.
وقال أصبغ: لا يرثه إلا أن يكون له أموال مأمونة.
وقوله: (جَازَ) أي: الشراء. ومذهب ابن القاسم أنه من الثثل، خلافاً لابن الماجشون في كونه من رأس المال كما تقدم.
وقوله: (وَعَتَقَ وَوَرِثَ) أي: من الثلث، وورث. وهذا مذهب ابن القاسم. وقد يقال: إرثه مشكل؛ لأن ما يخرج من الثلث إنما ينظر فيه بعد الموت، فإذن لا يتم العتق إلا بعد الموت، فكيف يرث وهو إنما حدث له شرط الميراث بعد الموت؟! ويجاب عنه بأنا لا نسلم أنه إنما يعتق بعد الوت، بل يعتق ناجزاً إذا كان له مال مأمون، أو يكون موته كشف أن العتق كان وجب له قبل موته؛ لحمل الثلث له، فلذلكورث.
ابن القاسم: وإن لم يحمله الثلث عتق منه محمل الثلث، ولم يرث.
وقال أصبغ: لا يرثه وإن حمله الثلث؛ لأنه لا تتم حريته إلا بعد موت الميت، إلا أن يكون للميت أموال مأمونة من عقار وغيرها فيرث ويورث.
واخترا اللخمي عدم إرثه مطلقاً؛ لأنه إن لم يكن له مال مأمون لم يتم العتق إلا بعد الموت، وإن كان له مال مأمون كان ذلك إخراجاً للأول عن الميراث، أو عن بعضه إن كان ثَمَّ من يشركه. قال: وقد يستخف إرثه إذا كان ماله مأموناً؛ للاختلاف في تزويج المريض، وهو إدخال وارث.
وللإشكال المتقدم استثقل ابن عبد الحكم في الموازية، قال: وكيف يرثه وهو لو أعتق عبداً لم تتم حريته حتى يقوم في الثلث بعد موت السيد، إلا أن يكون له مال مأمون؟! إلا أنه استسلم لقول مالك.
стр. 4635
فإن قيل: فما الفرق [٥٧٦/أ] على قول ابن القاسم بين هذا ونكاح المريض، والجامع بينهما إدخال وارث؟ قيل: سبب الولد مقدم، والزوجة طارئة.
وقوله: (وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ بُدِّيَ الابْنُ) يحتمل أن يريد: فإن اشترى مع الابن غيره ممن يعتق عليه- بُدِّي الابن. وعلى هذا مشَّاه ابن عبد السلام رحمه الله تعالى. ويحتمل أن يكون يريد: فإن كان مع الابن معتق غيره، كما لو أعتق عبداً له في مرضه، واشترى ابنه فأعتقه وقيتمه الثلث. قال في المدونة: فالابن مُبَدّى ويرثه، كما لو اشتراه صحيحاً.
وهذا الثاني أرجح؛ لأن المسألة كذلك في المدونة والجواهر، قال في المدونة في تعليل بداية الابن: لأن مالكاً لما جعله وارثاً كان كمن اشتراه صحيحاً.
ابن يونس: وفي هذا الاحتجاج نظر؛ لأنه إذا كان كعتق في الصحة فيجب أَنْ لو بتل عتق عبده واشترى ابنه أن الابن يُبدَّى، وفي ذلك رجوع عن التبتيل، وهو لا يقدر أن يرجع، وإنما الحجة فيه أنه لو بتل عتقه في مرضه؛ لأنه لو صح لم يكن له الرجوع فيه، وإنما ورثه استحساناً؛ لأنه لم يزل حراً من يوم اشترائه، ألا ترى أن المبتل في أحد القولين إذا اغتل غلة بعد التبتيل أنه يقوم وحده في الثثل، وكأن الغلة لم تكن ملكاً له من يوم التبتيل. انتهى.
وتمشية ابن عبد السلام رحمه الله تعالى أظهر من جهة اللفظ، إلا أن النقل لا يساعدها على إطلاقها؛ لأنه إن كان واحداً بعد واحد، فإنه يبدى بالأول. وإن كان صقة فقال أشهب: على قياس قول مالك يتحاصان.
وفي قوله: (بُدّيَ الابْنُ) فأعتقه وإن كان أكثر من الثلث، وورثه.
ابن يونس: يريد على مذهب الذي يرى أنه يشتريه بجميع المال، إن لم يكن معه وارث.
محمد: بل إن حمله الثلث بدئ به وعتق، وإن بقي من الثلث شيء عتق فيه الأخ أو ما حمل منه. وإن اشترى أخاه أولاً؛ فإن لم يحمله الثلث عتق منه محمل الثلث وعتق الابن في بقية
стр. 4636
ماله، وورثه إن خرج كله، وإن لم يخرج كله لم يعتق منه إلا بقية الثلث بعد الأخ. وقاله أيضاً أشهب. وقال في رواية البرقي: إذا كانا في صفقة واحدة تحاصا.
وقال ابن القاسم: إذا اشترى أخاه في مرضه عتق منه محل الثلث معجلاً ورق ما بقي، وإن صار إلى من يعتق عليه عتق بقيته. انتهى.
وَلَوْ أَوْصَى بشِرَاءِ أَبيْهِ بَعْدَ مَوْتِه اشْتَرِيَ وَعُتِقَ مِنْ ثُلُثِهِ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَأَعْتَقُوهُ
لأن هذا هو مدلول الوصية عرفاً، ولا خلاف أنه لا يرث هنا شيئاً، وقوله: (بشراء أبيه) يريد: وكذلك كل من يعتق عليه، وفرضها في المدونة في الأب، وفي الموازية في الأخ.
وَلَوْ أَوْصَى بعِتْقِ كُلِّ عَبْدٍ لَهُ مُسْلِمٍ لَمْ يُعْتَقْ إِلا مَنْ كَانَ مُسْلِماً يَوْمَ الْوَصِيَّةِ
هذه مسألة المدونة، وأغفل المصنف رحمه الله تعالى منها: "وله عبيد مسلمون ونصارى" ولابد منه؛ إذ لو لم يكن في عبيده يوم الوصية مسلم، لدخل فيها من أسلم من عبيده أو اشتراه مسلماً. قاله محمد، ونصه في المدونة: وإن قال في وصيته: "إن مت فكل مملوك لي مسلم حر" وله عبيد مسلمون ونصارى، ثم أسلم بعضهم قبل موته لم يعتق منهم إلا من كان مسلماص يوم الوصية.
واستشكلت المسألة لمخالفتها لما علم من أصلهم أن المعتبر في الوصية يوم تنفيذها، فيما يطلق عليه الاسم من الخروج من الثلث، ولهذا قال التونسي: لعله فهم منه إرادة عتق هؤلاء بأعيانهم، قال: وإن لم يكن له قصد في ذلك فالأشبه دخول من أسلم في الوصية على الأصل.
واختلف فيمن اشترى من المسلمين بعد الوصية؛ فقال ابن القاسم: يدخلون، وقال أصبغ: لا يدخلون.
стр. 4637
وَإِذَا أَوْصَى بنَصِيبِ ابْنِه أَوْ بمِثْلِهِ؛ فَإِنْ كَانَ لَهُ ابْنٌ وَاحِدٌ فَالْوَصِيَّةُ بالْجَمِيعِ أَوْ بقَدْرِ مَا يَبْقَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ اثْنَانِ فَالنَّصْفُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ ثَلاثَةٌ فَالثُّلُثُ، وَعَلَى هَذَا. وَقِيلَ: يُقَدَّرُ زَائِداً ...
يعني: إذا أوصى بنصيب ابنه أو بمثله فهما سواء. وهكذا ذكر ابن شاس. وفيه نظر. والخلاف إنما هو منقول إذا قال: "بمثل نصيب ابني" فقال مالك وابن القاسم وأشهب وأصبغ: إذا أوصى له بمال ابنه؛ فإن كان واحداً فقد أوصى له بجميع المال، إن لم يكن معه وارث، وإن كان مع الابن وارث فقد اوصى له بما يبقى للابن. وهذا معنى قوله: (فَالْوَصِيَّةُ بالْجَمِيعِ أَوْ بقَدْرِ مَا يَبْقَى لَهُ، وَإِنْ كَانَ لَهُ) وإن كان له ابنان فالوصية بالنصف، وإن كان له ثلاثة أولاد فالوصية بالثلث.
(وَعَلَى هَذَا) أي: فإن كانوا أربعة فالوصية بالربع، أو خمسة فالوصية بالخمس.
وأهل الفرائض يقدرونه زائداً؛ فإذا لم يكن له إلا ولد واحد فتكون الوصية له بالنصف، وإن كان له ابنان فالوصية بالثلث.
والمشهور أقرب إلى لفظ الموصي، والشاذ أقرب إلى قصد الموصي عرفاً؛ إذ القصد من ذلك عرفاً إنما هو التشبيه لا إحرام الوارث.
أما إذا قال: "له نصيب ولدي" فنص أبو الحسن على أن الفرضيين يوافقون مالكاً، وعلى هذا فلا يقدر زائداً باتفاق، ونحوه لابن عبد السلام.
وقال اللخمي: وإذا خلف الميت ثلاثة من الولد وأوصى لرجل بمثل نصيب أحد بنيه كان له الثلث، وإن كانوا أربعة فالربع، أوخمسة فالخمس، وهذا قول مالك.
وقال ابن أبي أويس في ثمانية أبي زيد: له السدس إذا كانوا خمسة.
وإن قال: "أنزلوه منزلة أحد ولدي، أو اجعلوه كأحدهم" كان له السدس قولاً واحداً. وكذلك إذا قال: "له نصيب أحد ولدي" ولم يقل: مثله. انتهى.
стр. 4638
فانظر قوله: (وكذلك) هل أراد التشبهي بالجملة الأخيرة المتفق عليها فيكون عكس كلام أبي الحسن، أو أراد التشبيه بالخلاف فيكون موافقاً لكلام المصنف، ويكون ناقضاً لكلام أبي الحسن، أو يكون تشبيهاً لقول مالك [٧٧٦/ب] الأول فقط؟ ولا إشكال على القولين أن للورثة ألا يجيزوا ما زاد على الثلث.
وَفِي: "أَلْحِقُوهُ بوَلَدِي، أَوِ اجْعَلُوهُ وَارِثاً مَعَ وَلَدِي" وَشِبْهِهِ-يُقَدَّرُ زَائِداً باتِّفَاقٍ
يريد بـ (شِبْهِهِ) فلان من عدد ولدي، أو وارث مع ولدي، أو ألحقوه بميراثي، أو ورثوه من مالي نص عليه محمد.
فرع:
واختلف إذا أوصى بمثل أحد نصيب بنيه، وترك رجالاً ونساء على أربعة أقوال:
الأول قول مالك: يقسم المال على عدد رؤوسهم، الذكر والأنثى سواء، ويعطي حظ واحد منهم ثم يقسما بقي على فرائض الله . لكن إنما فرض المسألة في المدونة إذا قال: له نصيب أحد ورثتي.
الثاني: أنه كرجل من ولده.
الثالث: أنه يزاد سهم على السهام ويكون له.
وقال ابن زياد: يكون له نصف نصيب رجل، ونصف نصيب أنثى. هكذا حكى ابن زرقون هذه الأقوال.
والمعتبر هنا في عدد الأولاد من كان موجوداً يوم موت الوصي، ولا ينظر إلى من زاد فيهم بعد الوصية ولا من مات. رواه أشهب عن مالك.
ابن القاسم: وإن أوصى بمثل نصيب أحد ولده ولا ولد له، وجعل يطلب الولد فمات ولم يولد له فلا شيء للموصى له.
стр. 4639
وَلَوْ أَوْصَى بمِثْلِ نَصِيبِ أَحَدِ وَرَثَتِهِ فَلَهُ جُزْءٌ مُسَمّى بعَدَدِ رُؤُسِهِمْ
تصوره ظاهر؛ فإن كان عدد ورثته عشرة فله العُشْرُ، أو تسعة فله التُسْعُ، ولا التفات إلى اختلاف ما يستحقه كل واحد.
وَإِذَا أَوْصَى بجُزْءٍ أَوْ بسَهْمٍ فَقِيلَ: سَهْمٌ مِنْ فَرِيضَتِهِ، وَقِيلَ: الثُّمُنُ، وَقِيلَ: السُّدُسُ، وَقِيلَ: الأَكْثَرُ مِنْهُمَا ...
يعني: أنه اختلف إذا أوصى بجزء أوسهم على أربعة أقوال:
الأول لأصبغ: أن له سهامً مما تنقسم عليه الفريضة من غير وصية، قَلَّت السهام أو كثرت. واختاره ابن عدب الحكم ومحمد، وذكر أن عليه جل أصحاب مالك.
والثاني لأشهب: له الثمن؛ لأنه أقل سهم ذكره الله تعالى من الفرائض.
والقول الثالث: أنه يعطى السدس، ورأى أنه أقل السهام، والثمن إنما يستحق بالحجب.
والقول الرابع: أنه له الأكثر منهما؛ أي: من السدس أو الثمن، وسهم من سهام الفريضة.
وَنَقَّصَ المصنف من هذا القول؛ لأن الذي نقله صاحب النوادر وغيره أن في المسألة قولاً بأنه يعطى سهماً من سهام الفريضة ما لم يَزِد على الثلث فَيَرُدُّهُ الورثة إلى الثلث، أو يَنقُصُ عن السدس فلا يُنقَصُ من السدس؛ لأنه أصل ما تقوم منه الفرائض.
وعلى القول بأنه يعطى سهماً من سهام الفريضة فلو كان أصل المسألة من ستة وهي تعول إلى عشرة- فله سهم من عشرة، وقيل: يعطى سهماً ما لم يزد على الثلث، وما لم ينقص عن السدس.
стр. 4640
ابن القاسم: يعطى سهماً من الفريضة، فإن لم يكن له وارث أعطي الثلث. ومثله لأشهب إلا أنه قال: إذا لم يكن له وارث أعطي الثمن.
وَلَوْ أَوْصَى بضِعْفِ نَصِيبِ ابْنِه فَلا نَصَّ، فَقِيلَ: مِثْلُهُ، وَقِيلَ: مِثْلاهُ
أي: لا نص عن مالك وأصحابه المتقدمين، وهكذا قال القاضي أبو الحسن: لست أعرف حكمها منصوصاً، غير أني وجدت لبعض شيوخنا: أنه مثل نصيب ولده مرة واحدة، فإن قال: ضعفين، فمثل نصيبه مرتين. ثم حكى عن أبي حنيفة والشافعي رضي الله تعالى عنهما أنهما يقولان ضعف النصيب: مثله مرتين، قال: وهو أقوى من جهة اللغة. انتهى.
وفيه نظر؛ ففي الجوهري: ضِعف الشيء: مثله، وضعفاه: مثلاه، وأضعافه: أمثاله. نعم هو أقوى من جهة العرف، وانظر كيف عده المصنف قولاً، وإنما أشار ابن القصار رحمه الله تعالى إلى قوته فقط من جهة اللغة.
وَلَوْ أَوْصَى بمَنَافِعَ عَبْدٍ وُرِثَ عَنِ الْمُوصَى لَهُ، وَقَالَ أَشْهَبُ: لِوَرَثَةِ الْمُوصِي، أَمَّا إِذَا بَيَّنَ الْمُوصِي أَحَدَهُمَا أُتْبِعَ ...
أي: إذا أوصى بمنافع عبد لفلان، وأطلق ولم يقيدها بِأَجَلِ ولا بحياة الموصى له ولا بحياة العبد فحمله ابن القاسم في المدونة على ظاهره من حياة العبد؛ فلذلك إذا مات الموصى له يكون لورثته ما بقي من خدمته.
قال في المدونة: إلا أن يستدل من قوله أنه إنما أراد حياة المُخدَمِ.
وحمله أشهب على مدة حياة الموصى له، ورأى ان الموصي لو أراد ما قاله ابن القاسم لكانت عطية للرقبة، والفرض عدمه.
стр. 4641
واختار اللخمي وغيره الأول؛ لأن الأصل حمل الكلام على حقيقته، وما اعتقد أنه مانع فليس بمانع؛ لأنه يصح بقاء الرقبة على ملك ربها للجناية وانتزاع المال، أو ليرى صنيعه فيه، أو ببقيه في يده كالحبس لئلا يتلفه.
أما لو بين الموصي أحدهما-أي: حياة العبد أو حياة فلان- فإنه يتبع، ولا خلاف فيه.
ابن المواز: ولو قال في وصيته: يخدم عبدي لاناً، ثم مات ولم يكن وقَّتَ وقتاً فليس بين أصحابنا اختلاف عَلِمْتُهُ أن ذلك حياة الْمخدَمِ، قال: وهو إن شاء الله قول ابن القاسم وأشهب.
وَلَوْ وَقَّتَهُ بزَمَانٍ مَحْدُودٍ كَانَ لِلْوَارِثِ فِي بَيْعِهِ مَا فِي الْمُسْتَاجَرِ
يعني: ولو وقت الموصي الانتفاع. وأعاد رحمه الله تعالى الضمير على ما فهم من قوله: (بمنافع عبد) (بزمان محدود) فأراد وارث الموصي بيعه واستثناء المدة الموصى بها فإن لهم في بيعة ما للمالك في العبد المؤجر. فإن كانت المدة قريبة، او ما بقي منها قريب كاليومين جاز، وإن كانت بعيدة فليس لهم ذلك.
وقوله: (الْمُسْتَاجَرِ) هو بفتح الجيم اسم مفعول.
واحترز بالزمان المحدود مما لو أوصى بخدمته أبداً، أو إلىمر أحدهما فإن الوارث حينئذٍ لا يملك بيعه.
ويحتمل أن يريد المصنف رحمه الله تعالى: كان لورثة الموصى له ما كان للمستأجر - بكسر الجيم- ويكون على هذاشبه بالمستأجر؛ تنبيهاً على الجواز في مسألة الوصية؛ لأن كثيراً من المخالفين منعوا البيع في الوصية ووافقوا عليه في مسألة الاستئجار.
ثم هذه المسألأة على هذا الوجه مقيدة بغير عبد الحضانة، ففي المدونة: وإن أخدمت عبدك رجلاً أجلاً مسمى فمات السيد قبل انقضاء الأجل-خدم العبد ورثته [٧٧٧/أ] بقية الأجل إذا لم يكن من عبيد الحضانة والكفالة، وإنما هو من عبيد الخدمة.
стр. 4642
واحترز (بزَمَانٍ مَحْدُدٍ) مما لو وَقَّتَهُ بزمان غير محدود، كما لو أخدم رجلاً حياته عبداً. قال في المدونة: فليس له أن يبيع من خدمته إلا مدة قريبة كسنة أو سنتين قال: أو أمداً مأموناً، ثم فرق بينه وبين ما أجازه مالك رحمه الله تعالى من كراء العبد عشر سنين بأن السيد إذا مات لزم وارثه بقية المدة في الكراء، بخلاف المخدم يموت فإنه يرجع لورثة المالك.
فإن قلت: الحمل الثاني أقرب لموافقته للمدونة. قيل: لا نسلم ذلك، ب ل الأول أقرب لكلامه؛ أما أولاً: فلأن المسألة في الجواهر عليه، ويغلب على الظن اتباع المصنف له.
وأما ثانياً: فلقول المصنف ﵀: (بَيْعِهِ) وظاهره: بيعه بنفسه لا بيع منافعه.
وأما ثالثاً: فلأنه يكون أخل بتقييده المسألة كما تقدم.
وأما رابعاً: فلأن الورثة في المسألة التي بعد هذه ورثة الموصي، فالمناسبة تقتضي حمل الوارث في المسألتين على شيء واحد وهو قوله:
فَلَوْ قُتِلَ الْعَبْدُ عَمْداً فَلِلْوَارِثِ الْقِصَاصُ أَوْ الْقِيمَةُ، وَلا شَيْءَ لِلْمُوصَى لَهُ
يعني: لو قُتِلَ العبد الموصَى بخدمته عمداً فلوارث الموصي القصاص أو أخذ القيمة؛ لأنه المالك للرقبة، ولا كلام للموصَى له؛ لأن حقه إنما كان في المنفعة وقد ذهبت. وقيده بالعمد وإن كان الخطأ مساوياص له في وجوب القيمة؛ لقوله: (الْقِصَاصُ) والخطأ إنما فيه القيمة فقط، والقصاص مخصوص بما إذا كان قاتل العبد مكافئاً له، وأما لو كان قاتله حراص فتتعين القيمة كالخطأ.
سحنون: ولم يختلف في هذا قول مالك، واختلف فيه قول أصحابه.
وقال محمد: لميختلف فيه قول مالك ولا أصحابه، وإنما اختلف قول مالك وأصحابه في الذي أخدم رجلاً سنة، ثم رجع لفلان بتلاً فقبضه المخدم، ثم قُتِلَ في الخدمة، هل لصاحب البتل أو للسيد؟
стр. 4643
وصحح الأكثرون كلام سحنون؛ لأنه عدل حافظ فيقدم، ولأن المغيرة خالف في ذلك نصاً وأوجب أن يُستَاجَر من قيمة العبد من يخدم الموصى له إلى تلك المدة، إن كان في القيمة وفاء بذلك، حتى أجرى بعضهم من هذا الخلاف خلافاً فيمن أعار رجلاً ثوباً مدة فاستهلكه أجنبي قبل الأجل، وهو مما ينقصه اللبس. وخرج الخلاف إذا استهلكه ربه من الخلاف إذا أخدم السيد أمته رجلاً ثم وطئها سيدها فحملت. وهي في آخر كتاب أمهات الأولاد من المدونة.
وَكَذَلِكَ لَوْ جَنَى الْعَبْدُ فَأَسْلَمَهُ الْوَرَثَةُ، أَمَّا لَوْ فَدَوْهُ اسْتَمَرَّ
يعني: فإن جنى العبد الموصى بخدمته على غيره خير وارث الموصي بين أن يفديه أو يسلمه.
فإن فداه بأرش الجناية استمر على خدمة الموصى له إلى انقضاء الأجل، وإن أسلموه في الجناية بطل حق الموصى له في الخدمة. هذا ظاهر كلام المصنف وابن شاس، وهو خلاف النقل؛ لأنه لا يبطل حق الموصى له بمجرد إسلام الورثة، ب ل يخير الموصى له بعد ذلك في فدائه أو إسلامه.
وما ذكرناه من البداية بتخيير الورثة هو الذي رجع إليه مالك، وكأن أولاً يقول: يبتدأ بتخيير المخدم؛ إذ لا تخيير لصاحب الرقبة إلا بتمامها، فإن فداه خدمة بقية الأجل ثم لا يكون لصاحب الرقبة إليه سبيل حتى يعطيه ماافتكه به، وإلا كان للذي فداه رقاً.
وإن أسلمه المخدم سقط حقه، وقيل لصاحب الرقبة: أسلمه أو أفتكه! فإن أٍلمه استرقه المجني عليه.
وإن فداه صار له وبطلت الخدمة، واختاره سحنون. واختار أشهب قولاً ثالثاً؛ وهو أن يكون فيه كالشريكين؛ يقوم ربع رقبته، فإن قيل: عشرة دنانير قومت خدمته أيضاً، فإن كانت أيضاً عشرة دنانير صار حقهما فيه سواء النصف والنصف.
стр. 4644
فإن فدياه جميعاً دفع كل احد منهما نصف دية الجرح، وكان العبد على حاله. وإن أسلماه رق للمجني عليه.
وإن افتكه أحدهما بنصف دية الجرح وأسلم الآخر، فإن أسلم المخدم لم يكن للمجني عليه غير بقية الخدمة، وإن أسلمه صاحب الرقبة كان للمجني عليه بعد الخدمة. واختار أصبغ قول مالك الذي رجع إليه.
فإن قيل: هذا الخلاف إنما هو في الموهوب خدمته مدة، والمصنف ﵀ إنما كلامه في الموصى بخدمته. قيل: هما سواء؛ لأن الوصية بعد الموت لازمة لزوم الهبة في الحياة، ويدلك على ذلك أن سحنون سأل ابن القاسم في المدونة عن مسألة الموصى بخدمته فأجابه بمسألة العبد الموهوب خدمته.
وَيَجُوزُ بَيْعُهُ مَاشِيَةً أَوْصَى بنِتَاجِهَا لِبَقَاءِ بَعْضِ الْمَنَافِعِ
أي: يجوز بيع الوارث ماشية قد أوصى الميت بنتاجها لرجل معين أو غيره، ويستثنى النتاج الموصى به. وعلل الجواز ببقاء بعض المنافع؛ يعني: من الصوف واللبن، وهكذا في الجواهر.
ابن عبد السلام وغيره: وهو خلاف المذهب؛ إذ لا يجوزبيع الأمهات واستثناء الأجنة، فكيف بما لم يخلق؟ ّ ففي العتق الثاني من المدونة: والذي يعتق مافي بطنها في صحة السيد لا تباع وهي حامل، إلا في قيام دين استحدثه قبل عتقه أو بعده، فتباع إذا لم يكن مال غيرها، ويرق جنينها؛ إذ لا يجوز استثناؤه.
ونقل اللخمي عن ابن حبيب جواز بيعها واستثناء جنينها؛ فيكون حراً. ولعل ما ذكره المصنف هنا يتمشى على قول ابن حبيب.
стр. 4645
وَيُعْتَبَرُ ثُلُثُ الْمَالِ الْمَوْجُودِ يَوْمَ الْمَوْتِ وَلَوْ كَانَ فِي الصِّحَّةِ
أي: كون الموصى به؛ لأنه يتكلم فيه. ولما كانت الوصية إنما تخرج من الثلث بَيَّنَ المصنف أن المعتبر أن يكون ثلث المال [٧٧٧/ب] يوم مات، ولا يعتبر ثلث المال يوم الوصية؛ سواءٌ كانت الوصية في المرض أو في الصحة؛ لأن الوصية عطية بعد الموت يجوز الرجوع عنها في الحياة، فلا يصح الالتفات فيها إلى يوم الوصية.
ابن عبد السلام: وهذا خلاف المهذب، فإن المعتبر على المذهب في الوصية أن تخرج من الثلث يوم تنفيذ الوصية لا يوم الموت؛ حتى لو كانت الوصية يسعها الثلث يوم الموت فطرأت على المال جائحة أذهبت بعضه فصارت لا يسعها ثلث ما بقي كان حكمها يوم القسمة حكم من أوصى بأكثر من الثلث، ولا أعلم في ذلك خلافاً في المذهب إلا في فروع يسيرة لا يتأتى منها إطلاق الخلاف في أصل المسألة.
خليل: وقد يجاب عن المصنف بأن قوله: (يَوْمَ الْمَوْتِ) بمعنى: يوم التنفيذ؛ لأنه إذا هلك شيء من التركة بسماوي فهو من الموصى له والورثة، فكان لا فرق بين كون الموصى له الثلث يوم الموت أو يوم التنفيذ، ولو أتلف الورثة بعض المال قبل تنفيذ الوصية لكان الإتلاف منهم، وكان للموصى له الثلث كاملاً، فكان قول المصنف: (يَوْمَ الْمَوْتِ) أحسن.
وأعاد ابن راشد رحمه الله تعالى الضمير في: (كونه) على العبد المخدم، وهو بعيد.
وَلا مَدْخَلَ لِلْوَصِيَّةِ فِيمَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ إِرْثِ، وَلا فِيمَا أَقَرَّ بهِ- وَلَوْ فِي مَرَضِهِ- مِنْ عِتْقٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ غَيْرِهِ، أَوْ أَوْصَى بهِ لِوَارِثٍ وَلَوْ رُدَّ، بخِلافِ الْمُدَبَّرِ فِي الْمَرَضِ وَمَا يَرْجَعُ إِلَيْهِ مِنْ تَعْمِيرٍ وَحَبْسٍ. وَفِي الْعَبْدِ الآبقِ وَالْبَعِيرِ الشَّارِدِ إِنْ اشْتَهَرَ مَوْتُهُمَا ثُمَّ ظَهَرَتِ السَّلامَةُ بَعْدَ مَوْتِهِ؛ قَوْلانِ، كَغَرَقِ السَّفِينَةِ، بخِلافِ الْمُدَّبَرِ فِي الْمَرَضِ ...
يعني: أن وصايا الميت لا تدخل إلا فيما علم به الميت؛ لأن الميت لم يرد ما لم يعلم به، وهذا هو المعروف. وقال اللخمي والمتيطي: اختلف في ذلك، واختار اللخمي التفصيل؛
стр. 4646
فلا يدخل الموصى لهم فيا لم يعلم به، بخلاف الكفارات والزكوات؛ لأن قصده فيهن براءة الذمة.
قوله: (وَلا فِيمَا أَقَرَّ بهِ) أي: ولا دخول للوصايا فيما أقر به الموصي لغيره وهو يظن أن إقراره عامل، وحكم الشرع بإلغائه، كما لو أقر بدين لمن يتهم عليه، أو أقر أنه كان أعتقه في صحته أو تصدق به.
وبالغ بقوله: (وَلَوْ فِي مَرَضِهِ) لأنه إذا لم يعد فيالمرض الذي يتوهم فيه الرد، فأولى إذا كان في الصحة لكن رد لسبب.
وقوله: (أَوْ أَوْصَى بهِ) أي: ولا مدخل للوصايا فيما أوصى به للوارث ولو رَدَّ الوارث- الموصى له-الوصية؛ لاعتقاد الميت أن الموصى به ليس من ماله، بخلاف المدبر في المرض فإنه يدخل فيما لم يعلم به، وفيما أقر به ورد، وفيما أوصى به لوارث ورد، وهو أحد القولين. لكن الذي ثبت عليه ابن القاسم أنه لا يدخل المدبر في المرض فيما لم يعلم به. وهذان القولان أيضاً في المبتل في المرض.
عياض: والذي حَمَلَ عليه المدونة محققو الشيوخ أنهما لا يدخلان فيما لم يعلم. وحُكِيَ في المقدمات ثالثاً بدخول المدبر في المرض فيما لم يعلم دون المبتل، وهو بعيد. وعكسه أظهر.
أما مدبر الصحة فالذي رجع إليه مالك وثبت عليه أنه يدخل فيما علم به وما لم يعلم. ويستفاد من كلامه دخول المدبر في الصحة من باب أولى وأحرى؛ لأنه إذا دخل المدبر في المرض فيما لم يعلم به، فأحرى مدبر الصحة.
والفرق على ظاهر المذهب بين المدبر في المرض في كونه لا يدخل فيما لم يعلم به، بخلاف المدبر في الصحة-أن الصحيح قصد عتقه من مجهول؛ إذ قد يكون بين تدبره ومته السنون الكثيرةن بخلاف المريض فإنه يتوقع الموت من مرضه وهو عالم بماله، فإنما يقصد أن تجري أفعاله فيما علمه.
стр. 4647
أما لو صح المريض ثم مات فهو كالمدبر في الصحة. وصداق المنكوحة في المرض كالمدبر في الصحة.
وحيث حكمنا للمدبر بدخوله فيما لم يعلم به الميت فاختلف: هل يدخل فيما علم به الميت وما لم يعلم به دخولاً واحداً، أو يبدأ بما علم به؟ فإن بقيت من المدبر بقية لم يسعها ثلث ما علم به تممت من ثلث ما لم يعلم به. وتظهر ثمرة هذين القولين عند ضيق الثلث عن الوصايا.
وما تقدم من حَمْلِ قوله: (بخِلافِ الْمُدَبَّرِ) على ما ذكرناه هو حَمْلِ ابن عبد السلام وغيره.
خليل: والأقرب أن يحمل على أن المدبر في المرض تدخل الوصايا فيه إذا بطل بعضه، ويدل على ذلك قوله (وَمَا يَرْجَعُ إِلَيْهِ مِنْ تَعْمِيرٍ وَحَبْسٍ). وهذا الذي يؤخذ من كلامه في الجواهر؛ لأنه قال في كتاب محمد- وفي المجموعة نحوه-: قال مالك وأصحابه: لا تدخل وصايا الميت لا في ثلث ما علم به من ماله، ولا تدخل في كل ما بطل فيه إقراره في المرض لوارث، وما أقر به في مرضه أنه كان أعتقه في صحته أو تصدق به أو أوصى به لوارث فرده الورثة.
وأما ما كان يعلمه مثل المدبر في المرض، وكل دار ترجع بعد موته من تعمير أو حبس فهو من ناحية التعمير- فالوصايا تدخل فيه؛ فيرجع فيه ما ينقص من وصيته ولو بعد عشرين سنة، وكذلك ما رجع بعد موته نم عبد آبق أو بعير شارد، وإن كان أيس منه.
وأما إن اشتهر عنده وعند الناس غرق السفينة وموت عبده، ثم ظهرت سلامة ذلك بعد موته فروى أشهب فيه عن مالك قولين: فمرة قال: لاتدخل فيه الوصايا. ومرة قال: تدخل، وقد ينعى إليه العبد وهو يرجوه.
стр. 4648
هذا كله فيما عدا المدبر في الصحة، فإنه يخرج مما علم به ما لم يعلم به. انتهى. وبه ظهر بقية كلام المصنف، وظهر أن معنى قوله: (وَحبْسٍ) الحبس الذي بمعنى الْعُمْرَى، وأما الحبس المطلق فلا يرجع إليه أصلاً.
وقوله: (كَغَرَقِ السَّفِينَةِ) تشبيه لإفادة الحكم؛ لأنه قد تبين أنه منصوص في الجميع.
الصِّيغَةُ [٧٧٨/أ] كُلُّ لَفْظٍ أَوْ إِشَارَةٍ يُفْهَمُ مِنْهَا قَصْدٌ الْوَصِيَّةِ
هذا هو الركن الرابع، ومعناه: أنه لا تتوقف صيغة الوصية على لفظ خاص، بل هو كل ماي فهم منه قصد الوصية، وكذلك الإشارة.
قال في الموازية: وإذا قرأ الشهود الوصية على الموصي، وقالوا: أتشهد أنها وصيتك؟ فقال: نعم، أو قال برأسه: "نعم" ولم يتكلم فذلك جائز.
ابن شعبان: وإذا مُنِعَ المريض من الكلام وأشار إشارة مفهومة جاز أن يشهدوا بها عليه بمنزلة الأخرس.
وتُعُقِّبَ عليه تفسير الصيغة بالإشارة. وأجيب بأن المراد بالصيغة: مايدل على مراد المتكلم، ويكون استعمال الصيغة في هذا المعنى مجازاً، أو حقيقة عرفية.
وَيَنْبَغِي تَقْدِيمُ التَّشَهُّدِ
أي: يستحب لمن كتب وصية أن يقدم ذكر التشهُّد قبل الوصية. قال في المدونة: كذلك فعل الصالحون، وما زال ذلك من عمل الناس بالمدينة، وأنه ليعجبني وأراه حسناً.
وروى أشهب في المجموعة: كل ذلك لا بأس به، تشهَّد او لم يتشهَّد، وقد تشهَّد ناس فقهاء صالحون، وترك ذلك بعض الناس ﵃، وذلك قليل.
ابن القاسم: ولم يذكر لنا مالك كيفيته. وقال أنس بن مالك ﵁: كانوا يوصون أنه يشهد ألا إله إلا الله وأن محمداً ﷺ عبده ورسوله.
стр. 4649
وأوصى من ترك من أهله أن يتقوا الله ويصلحوا ذات بينهم إن كانوا مسلمين، وأوصى بما أوصى به إبراهيم بنيه ويعقوب (يَبَنِيَّ إِنَّ اللهَ اصْطَفَى لَكُمُ الْدِينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُم مُسْلِمُونَ) [البقرة: ١٣٢].
وروى أشهب: أن رجلاً كتب في وصيته: أو من بالقدر خيره وشره حلوه ومره. فقال: ما أرى هذا إلا من الصفريةوالإباضية! قد كتب من مضى وصاياهم فلم يكتبوا مثل هذا.
وَلَوْ ثَبُتَ أَنَّهَا خَطُّهُ، بَلْ لَوْ أَقْرَأَهَا لَمْ تُفِدْ مَا لَمْ يُشْهِدْ عَلَيْهَا
أي: لو وجدت وصية مكتوبة وشهد عدلان أنها خطه، فقال مالك في العتبية والمجموعة: لا تجوز حتى يشهدهم عليها، وقد يكتب ولا يعزم. قال في الموازية: بل لو قرأها لم يفد حتى يُشهِدَ عليها. نقله صاحب النوادر.
ابن يونس عن الموازية: وإذا أتى الشهود بوصية وقرأها عليهم لم يفد.
وقيد عياض ما تقدم من أنها إذا وجدت بخطه لا تنفذ بما إذا كتبها ليُشهد فيها، قال: وأما إذا كتبها بخطه وقال: إذا مت فلينفذ ما كتبت بخطي فلينفذ ذلك إذا عرف أنها خطه كما لو أشهد. انتهى.
وانظر قوله: "وقال: إذا مِتُّ" هل المراد: شهد على قوله من غير خطه، أو المراد أنه وجد ذلك بخطه وشهد عليه؟ والأول أقرب إلى حقيقة اللفظ؛ إذ القول حقيقة إنما هو في الملفوظ به.
وَلَوْ أَشْهَدَ وَلَمْ يَقْرَاهَا فَلْيَشْهَدُوا أَنَّهَا وَصِيَّةٌ إِذَا عَرَفُوا الْكِتَابَ بعَيْنِهِ، وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ مَخْتُوماً ...
قال في المدونة: وإن كتبها بغير محضر البينة ولا قرأها عليهم فدفعها إليهم وأشهدهم على ما فيها، فإن عرفوا الكتاب بعينه فليشهدوا بما فيه.
стр. 4650
قال عنه ابن وهب: ولو طبع عليها ودفعها إليهم وأشهدهم على أن ما فيها منه، وأمرهم ألا يفضوا خاتمه حتى يموت- جاز أن يشهدوا بما فيه بعد موته.
قال في البيان: وعلى رواية ابن وهب ليس للشهود أن يشهدوا إلا أن تكون الوصية عندهم.
قال غير واحد: ورواية ابن القاسم يحتمل أن تكون كذلك، فتكون وفاقاً لرواية ابن وهب، ويحتمل أن يجيز عليها الشهادة ولو رجعت إليه، فيكون خلافاً. قاله عياض وغيره.
وقال أشهب: لا يشهد إذا لم يكن الكتاب عنده وشك في طابعها، إلا ألا يشك في الطابع.
وقال عبد الملك: ذلك إذا كانت بطابع الشاهد، وأما بطابع الميت فلا؛ لأنه قد يزيد فيها ثم يعيد طبعه.
وذهب بعض الشيوخ إلى تصويب هذا كله وجواز الشهادة به ولو زاد فيه؛ لأنه إنما أشهدهم على ما فيها وعَيَّنَها، فكأنه أشهدهم على ما يزيد فيها ويستقر عليه أمرها. وإليه نحا اللخمي.
وقال غيره: متى كان فيها بياض قبل الطبع فلا يشهد؛ إذ لا يصح أن يشهد بما لميكتب بعد. وإليه أشار أبو عمران،
صاحب البيان: والذي استحسنه الشيوخ ومضى عليه عمل الناس انه إذا طوى الكتاب من أوله إلى موضع الإشهاد على نفسه وطبعه، وقد أبقى الإشهاد على نفسه خارج الطبع، وكتب الشهود شهادتهم على ذلك، وأمسك الموصي الوصية عند نفسه، فوجدت بد موته خطأ واحداً وعملاً على صفة التقييد الذي كان خارج الطبع، ولم تظهر في
стр. 4651
الكتاب ريبة- جاز للشهود أن يشهدوا عليه، بخلاف ما إذا لم يبقَ من الكتاب خارج الطبع ما يستدل به على أن الوصية كانت مكتوبة على بياض.
وذكر عن الحسن وأبي قلابة أنهما كرها الشهادة في الوصية، حتى يُعلم ما فيها؛ لأنه لا يدري لعل يها جوراً، قال: ولذلك يستحب للعالم إذا أشهده المتعاملان على أنفسهما في ذكر الحق بما تعاملا فيه ألا يكتب شهادته فيه، إذا أشهداه على أنفسهما بما تضمنه حتى يقرأه؛ لئلا تكون المعاملة فاسدة.
ابن عبد السلام: ولعل ما استحبه للعالم لا يخالف ما ذكره الباجي في وثائقه: أن للشاهد أن يضع شهادته، وليس عليه أن يقرأ الكتاب كله، إلا في عقود الاسترعاء، فإنه يلزمه فيها قراءة جميعها؛ لأنه يخبر عن جميعها أنها في علمه.
وقال اللخمي: لا يخلو أن يقر وصيته عنده، أو يودعها أو يسلمها إلى البينة لتكون عندهم، وهي في كل ذلك مختومة أو غير مختومة؛ فإن كانت عنده فأخرجت بعد موته وكانت غير مختومة، وعلمت البينة أنه الكتاب [٧٧٨/ب] بعينه وليس فيه محو ولا لحق- قبلت شهادتهم، وإن كان فيها محو أو لحق لا يغير ما قبله ولا ما بعده لم يثبت ذلك المحو ولا اللحق ويثبت ما قبله. وإن شك هل يغير ما قبله أو يغير موضعاً منها؟ لم ينفذ منها ذلك الموضع خاصة وأنفذ ما سواه.
وأما إن أودعها وجعلها بيد أمين فإنها تنفذ ولم تبطل لما فيها من محو أو لَحْقٍ؛ لأن الميت جعله أميناً عليها، وهو بمنزلة من قال: صدقوا فلاناً فيما يقول: أنه أوصى به.
وإن أسلمها للبينة فجعلاها في موضع وأغلقا عليها فكذلك. وقال أشهب في الموازية: إن غاب عليها أحدهما، فأجوزهم شهادة من كانت عنده.
مالك: ولا أدري كيف يشهد الآخرون.
стр. 4652
وقال أشهب: يشهدون بمبلغ علمهم، ويحملون على ما تحملوا.
اللخمي: ولا أدري أن تجوز إلا أن يعلموا أنه الكتاب بعينه؛ بعلامة أو بغير ذلك مما يتيقن أنه كان مختوماً.
فرع:
أصبغ: سألت ابن وهب عن امرأة أوصت وَدَعَتْ شهوداً فقالت: "هذه وصيتي، وهي مطبوعة، اشهدوا عليَّ بما فيها لي وعلي، وقد أسندتها إلى عمتي، وما بقي من ثلثي فلعمتي" ثم ماتت ففتح الكتاب فإذا فيه: "ومابقي من ثلثي فلليتامى والمساكين والأرامل" قال: أرى أن يقسم بقية الثث بين العمة وبين الصنوف الآخرين نصفين بالسواء كما لو كانت لرجلين. قال: وسألت نها ابن القاسم فقال مثله سواء.
وَلَوْ قَالَ: "كَتَبْتُ وَصِيَّتِي وَجَعَلْتُهَا عِنْدَ فُلانٍ فَصَدِّقُوهُ" صُدِّقَ
هكذا في المدونة، ولكنه زاد قبل قوله: (فَصَدِّقُوهُ) "فأنفذوها". ورأى المصنف رحمه الله تعالى أن قوله: (صدقوه) يغني عن قوله: (أَنْفِذُوهَا) وهو ظاهر، ونحوه لأبي الحسن رحمه الله تعالى.
وقال فضل: لو لم يقل: "أنفذوها" وإنما قال: "وصيتي عند فلان" فلا يمضي منها شيء حتى يقول: أنفذوها.
وقوله: (صُدِّقَ) قال ابن القاسم: بشرط أن يكون عدلاً. وعنه أيضاً: يقبل وإن كان غير عدل، وهو قول سحنون وقول مالك في الواضحة. قيل: وهو ظاهر المدونة، واختاره التونسي واللخمي؛ لأن الميت ائتمنه وأمر أن يقبل قوله، ولأنا لو لم نقبل قوله أدى إلى إبطال الوصية مع علمنا أن الميت مات عن وصيته.
стр. 4653
وَلَوْ قَالَ: "أَوْصَيْتُ فُلاناً بثُلُثِي فَصَدِّقُوهُ" صُدِّقَ
هكذا في المدونة، وهو يدل على أن قوله في المسألة السابقة: (وأنفذوها) ليس بشرط، ومعنى (أوصيت له بثلثي) أجزته بما صنع.
فَلَوْ قَالَ الْوَصِيُّ: "لابْنِي" لَمْ يُصَدَّقْ، وَقَالَ أَشْهَبُ: يُصَدَّقُ
الأول لابن القاسم في المدونة، واستشهد عليه بقول مالك فيمن أوصى أن يَجْعَلَ فلان ثلثه حيث يراه، فإنه إن أعطاه لولد نفسه أو لوارثه فلا يجوز إلا أن يظهر لذلك وجه يظهر صوابه.
واستحسن بعضهم قول أشهب، وفرق بين المسألة وما قاس عليه ابن القاسم بأن مسألة مالك أحال الموصي فيها على نظر الوصي، وصواب ذلك النظر، وخطؤه يظهر للناس. فإذا أعطى لولد نفسه وشبهه ظهر خطؤه وتهمته فيرد، بخلاف مسألة النزاع بين ابن القاسم وأشهب؛ أحال الميت فيها على اختيار الوصي، وذلك أمر لا يعلم إلا من جهة الوصي، ولا يظهر فيه صواب ولا خطأ.
أشهب: في الموازيةوالمجموعة بإثر الكلام الذي ذكره المصنف عنه: وليس هو مثل الذي يشهد لابنه، ولا مثل الذي يوصي إلى فلان أن يجعل ثلثه حيث يراه- فيجعله لنفسه أو لابنه، وهذا ليس له ذلك؛ لأنه فوض إليه ليجتهد، ولو أعطاه لابنه أو أقاربه كما يعطي الناس حسبما يستحق لجاز، وأكره أن يأخذ منه شيئاً، فإن فعل حسب استحقاقه لم آخذه منه.
وقاله ابن القاسم وقال: فإن قال: "لولدي أوصي به" جَعَلْتُهُ كشاهد له، وكمسألة مالك إذا قال: فلان يجعل ثلثي حيث يراه.
محمد: قال مالك في هذه: إنه لا يأخذ هو منه، وإن كان محتاجاً، وإن أعطى منه ولده وكان موضعاً جاز.
стр. 4654
وقال مالك في المجموعة في الذي أوصى أن يجعل ثلثه حيث يراه: أرى أنه لا يجوز أن يعطي ذلك أقارب الميت، ولكن يعطيهم كما يعطي الناس.
مالك: وإن كان قد علم حين أوصاه أن يجعل ثلثه حيث يراه الله تعالى أنه أراد أن يرده على بعض الورثة- فلا يجوز، وليرجع كله ميراثاً.
وَلَوْ قَالَ: "اشْهَدُوا أَنَّ فُلاناً وَصِيِّ" وَلَمْ يَزِدْ كَانَ وَصِيّاً فِي جَمِيعِ الأَشْيَاءِ وَفِي إِنْكَاحِ صِغَارِ الذُّكُورِ وَبَوالِغِ الإِنَاثِ بإِذْنِهِنَّ ...
هكذا في المدونة. وفي الموازية: وإن قال: فلان وصيي قد بالغ في الإيصاء، ويكون وصياً على كل شيء. وفي المجموعة مثله ولا أعلم فيه خلافاً.
ابن رشد: الإيصاء والوكالة إذا قصرا طالا، وإذا طالا قصرا؛ أي: إذا طول بالتنصيص على أشياء اقتصر عليها.
وقوله: (صغار بنيه) يدخل فيه الحفدة. وفي دخولهم خلاف إذا كان الأب محجوراً عليه.
محمد: وإن قال وصيت وصيي على مالي دخل فيه الولد. وإن قال: "على ولدي" دخل المال. ويدخل في قوله: "على ولدي" الذكران والإناث إلا أن يخص فيقول: الذكران، أو بناتي. وقد تقدم الكلام في الناكح على جبر الوصي الصغارَ والإناث.
وَلَوْ قَالَ: "وَصِيِّي عَلَى كَذَا" خُصِّصَ، وَرُوِيَ: كَالطَّلاقِ
الأول: مذهب المدونة والمشهور، وهو الظاهر؛ لأن الوصي يتصرف [٧٧٩/أ] بالنيابة فلا يتعدى نظره الوجه الذي أذن له فيه كالوكيل.
والرواية بأن ذلك كالإطلاق ذكر ابن شاس أن ابن عبد الحكم رواه، ونقله صاحب المعونة.
стр. 4655
لَوْ قَالَ: "وَصِيِّي حَتَّى يَقْدِمَ فُلانٌ" عُمِلَ بهِ
أي: عمل بالإيصاء إلى هذه الغاية، فإذا قدم فلان فهو الوصي. ومفهوم الغاية أن فلاناً لو مات قبل قدومه لاستمرت الوصية، وقاله ابن يونس. ومفهومها أيضاً أنه لو قدم ولم يقبل أن الوصي الأول ينعزل؛ لأنه علق نظره بإتيان فلان، وقاله بعض علمائنا، قال: إلا أن يفهم عن الموصي: إذا جاء فقبل، فإذا لم يقبل وجب أن يبقى الأول على ما جعل له.
ابن عبد السلام: وفي النوادر في الحالف ألا يفعل كذا حتى يقدم فلان فمات قبل قدومه، ما يؤخذ منه؟ قولان؛ هل يحمل على أجل قدومه وينوي في ذلك، أو لا يفعله أصلاً؟ فانظر هل يتخرج منه في الفرع الأول شيء أم لا؟
وَلَوْ قَالَ: "وَصِيِّي عَلَى قَبْضِ دُيُونِي وَبَيْعِ تَرِكَتِي" وَلَمْ يَزِدْ، فَزَوَّجَ بَنَاتِهِ؛ رَجَوْتُ أَنْ يَجُوزَ ...
قوله: (فَزَوَّجَ) أي: الوصي.
وقوله: (رَجَوْتُ) هو عائد على مالك، وهذه مسألة المدونة، قال فيها: وأحب إليَّ أن يرفع إلى السلطان فينظر السلطان في ذلك هلفيه ضرر أو بخس في صداق؟
وقال أشهب: له أن يزوِّج ولا يرفع إلى السلطان.
محمد: وقاله ابن القاسم إن شاء الله. اللخمي: والأول أحسن.
ابن القاسم: وقاله مالك فيمن أوصى بميراث بنت له صغيرة تدفع إلى فلان، أترى أن يلي بضعها؟ قال: نعم، وأراه حسناً لو رفع ذلك إلى الإمام فينظر.
وإن جعل وصيته لثلاثة؛ جلع لأحدهم اقتضاء الدين، وللآخر النظر في الفاضل والتصرف فيه بالبيع والشراء، وللآخر بضع بناته جاز.
стр. 4656
وليس لأحدهم أن يلي غير ما جُعِل له، فإن تعدى من له النظر في الفاضل والتصرف فيه فاقتضى أو قضى مضى ما فعله ولم يُرَدُّ قضاؤه واقتضاؤه، وإن باع أو اشترى من جعل له النكاح رُدَّ فعله، وإن زوَّج من جعل له النظر في المال رد فعله؛ لأنه معزول عن ذلك وقد أقيم له غيره. وليس هو بمنزلة قوله: فلان وصيي على قضاء ديني، وذكر مسألة المصنف.
وَقَبُولُ الْمُعَيَّنِ شَرْطٌ بَعْدَ الْمَوْتِ لا قَبْلَهُ، فَإِنْ قَبلَ تَبَيَّنَ أَنَّهَا مِلْكُهُ مِنْ حِينِ الْمَوْتِ-عَلَى الأَصَحِّ-لا مِلْكَ الْمُوصِي.
أي: وقبول الموصى له- المعين للوصية- شرط في وجوبها له؛ لأنها أحد أنواع العطايا؛ فاشترط فيها القبول كالهبة وغيرها. وبَيَّنَ المصنف أن ذلك القبول لابد أن يكون بعد الموت، وأما قبله فلا؛ لأن للموصي أن يرجع ما دام حياً.
واحترز بـ (الْمُعَيَّنِ) مما لو أوصى لمثل الفقراء والغزاة، فإنه لا يشترط في حقهم القبول.
واختلف إذا قبل بعد الموت، وقد كان تأخر القبول عن الموت؛ فالأصح أن القبول كاشف أن الموصى به مِلْكٌ للموصى له من حين الموت. وقيل: إنما حصل له الملك حين القبول، فيكون الملك قبل القبول لورثة الموصي.
والقولان هنا كالقولين في بيع الخيار، هل هو نحل أم لا؟ فإن قيل: الأصح هنا مبني على أنه منبرم، بلاف المشهور في بيع الخيار، فما الفرق؟ قيل: الملك يَثُبتُ للبائع في الخيار فاستصحب حتى يتحقق الانتقال، والملك هنا قد تحقق زواله بزوال ملك الموصي بموته، والله أعلم.
стр. 4657
وَعَلَيْهِمَا مَا يَحْدُثُ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْقَبُولِ مِنْ وَلَدٍ أَوْ ثَمَرَةٍ
أي: فعلى الأصح يكون للموصى له، وعلى مقابله يكون للورثة، ويتخرج أيضاً على هذين القولين ووب زكاة الفطر وما أفادته الأمة والعبد بعد الموت من المال وغير ذلك، كما لو أوصَى له بزوجته الأمة فأولدها ثم علم فقبل: هل تصير بهذا الولد أم ولد أم لا؟
وحكى المصنف الخلاف في الولد تبعاً لابن شاس، وحكى بعضهم الاتفاق على أنه للموصى له، ويقرب منه كلام التونسي الذي ذكره المصنف في قوله ﵀:
وَعَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَقْوِيمِ الأُصُولِ بغَلاَّتِهَا أَوْ دُونَ غَلاَّتِهَا ثُمَّ يَتْبَعُهَا-قَوْلانِ. قَالَ التُّونُسِيُّ: وَبغَلاِّتِهَا أَشْبَهُ، كَنَمَاءِ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الأَمَةِ ...
أفاد قوله: (وَعَلَى الْمَشْهُورِ) أن الأصح المتقدم مشهور؛ يعني: أنه اختلف إذا قلنا: إن الغلات الحادثة بعد موت الموصي للموصى له، فهل تُقَوَّم الأصول بغلاتها، أو بدون غلاتها ثم تتبعها؟ قولان.
فلو أوصى له بحائط يساوي ألفاً وهو ثلث الموصي، لكن زاد لأَجْلِ ثمرته مائتين؛ فعلى الأول- وهو الذي قال التونسي: إنه أشبه - لا يكون للموصى له إلا خمسة أسداس الحائط، وعلى الثاني يكون جميع الحائط للموصى له.
وقوله: (كَنَمَاءِ الْعَبْدِ وَوَلَدِ الأَمَةِ) ظاهره أنه يتفق على ذلك وإلا لما حسن به استشهاد. وقد يفرق بأن نماء العبد منفصل، وولد الأمة كالجزء منها.
سحنون: وتقويم الأصول بالغلات أعدل أقوال الأصحاب، وهو قول أكثر الرواة، وهو لابن القاسم. وقال أيضاً في المدونة: إنه تُقَوَّم الأصول دون الغلات.
ابن القاسم في المدونة: وإن أوصى لرجل برقبة جنانه فأثمر الجنان قبل موت الموصي بسنة أو سنتين، ومات الموصي، والثلث يحمل الجنان وما أثمر- فالثمرة للورثة دون الموصى
стр. 4658
له، وذلك إذا أُبْرَتِ النخل وأُلقِحَتِ الشجر قبل موت الموصي. ثم ذكر عن مالك: إذا مات الموصي قبل الإِبَارِ أن الغلة للموصى له كالبيع.
ابن يونس: [٧٧٩/ب] وحيث قَوَّمْنَا الأصول وحدها فخرجت من الثلث، وكنات الغلات تبعاً لها، وقد كنا أنفق على الجنان نفقة من مال الميت إلى أن تمت ثمرته- فيجب أن تكون تلك النفقة على الموصى له؛ لأنه لما حمله الثلث كأنه لم يزل ملكاً للموصى له، ولأن الميت لم ينتفع بالغلة ولا كثَّر بها ماله؛ فلذلك تكون النفقة على الموصى له.
وَلا يُفْتَقَرُ إِلَى قَبُولِ الرَّقِيقِ إِذَا أَوصَى بعِتْقِهِ
كان الموصى بعتقه معيناً أم لا؛ لأنه وإن كان معيناً ففيه حق لله تعالى فلا يتوقف على قبوله، كما لو أعتقه في حال الحياة فإنه لا يتوقف على خياره.
ابن عبد السلام: نعم لو خر في عتق نفسه أو ملكه ذلك كان له القبول أو الرد.
وَفِيهَا: إِذَا أَوْصَى ببَيْعِ جَارِيَةٍ لِلْعِتْقِ إِذَا كَانَتْ مِنْ جَوَارِي الْوَطْءِ فَذَلِكَ لَهَا
نسبها للمدونة؛ لأن ظاهرها معارض لما قبلها، ولكن لا معارضة في الحقيقة؛ لما يحصل لجوار الوءط من الضياع غالباً بالعتق.
وقيل: لا خيار لها كانت رائعة أم لا، وتباع للعتق، إلا ألا يوجد من يشتريها بوضيعة ثلث الثمن.
وقال أصبغ: يكون لها الخيار في هذه المسألة وفي المسألة السابقة؛ أعني: إذا أوصى الميت بعتقها فقال: أعتقوها.
اللخمي: وهو أبين؛ لأن العتق لم ينفذ في الموضعين، والضرر في الموضعين سواء.
قال أصبغ: وهذا إذا قال: افعلوا، ولم يقل: هي حرة، وأما إذا قال هذا فلا ينظر إلى قولها وتنفذ لها الوصية.
стр. 4659
وإذا فرعنا على مذهب المدونة فاختارت أحد الأمرين ثم أحبت الانتقال إلى الآخر، فقال ابن القاسم: ذلك لها ما لم ينفذ فيها الذي اختارته أولاً، أو يكون ذلك بتوقيف من سلطان.
وقال أصبغ: إذا شهد على اختيارها أحد الوجهين لم يكن لها الرجوع إلى الآخر.
مالك: وإن أعتقها الورثةقبل أن تختار لم يكن ذلك لهم إن أحبت البيع. وكذلك إن قال: بيعوها ممن أحبت، فأعتقوها وأحبت البيع رُدَّ عتقها.
ابن القاسم: وإن أحبت أن تباع بغير شرط العتق فللورثة حبسها أو بيعها.
محمد: فإن بيعت بغير شرط العتق لم يوضع من ثمنها شيء، وإن بيعت بشرط العتق وضع ثلث ثمنها.
الْوَصِيَّةُ أَرْكَانٌ
أي لها أركان. ومراده الوصية على النظر، والمتقدم ف الوصية بالمال، ولهذا لما كان هذا نوعاً واحداً أفرده.
وقوله: (أَرْكَانٌ) أي: ثلاثة؛ الموصي، والموصى له، والموصى فيه. فإن قلت: هو لم يذكر الموصى فيه. قيل: لما ذكر الموصي اقتضى ذكر موصى فيه. وترك الصيغة لتقدم الكلام عليها في الوصايا.
الْمُوصَى إِنْ كَانَ عَلَى مَحْجُورٍ عَلَيْهِمْ فَيَخْتَصُّ بالأَبِ وَالْوَصِيِّ
قوله: (الْمُوصَى) المراد: الجنس؛ فيدخل وصي الأب، وووصي وصيه وإن بعد، ولا يلحق به مقدم القاضي على المنصوص. نص عليه ابن الهندي وابن أبي زمنين وغير واحد.
ابن راشد: وقال بعض الأندلسيين: إن الذي مضى به الحمك أَنَّ حكم مقدم القاضي حكم الوصي في جميع أموره؛ لأن القاضي أقامه مقام الوصي.
стр. 4660
بعض الشيوخ: وعلى هذا فيكون له أن يوكل في حياته من يقوم مقامه، ويوصي بذلك بعد مماته. انتهى كلام ابن راشد ﵀.
ولا خفاء أن مراد المصنف إذا كان الأب رشيداً، ولو كان محجوراً عليه لم يكن له نظر على ولده، ولا أن يوصي عليهم.
وَلا وَصِيَّةَ لِجَدِّ وَلا لأُمٍّ
لا خلاف أن الجد لا إيصاء له، ومنع في المدونة إيصاء الأخ على أخيه، قال: ولا يقاسم عليه. وأجاز أشهب المقاسمة عليه.
اللخم: فعلي قوله- تجوز وصيته بما يورث عنه، إذا لم يكن له وصي. وأجاز ابن القاسم في اللقيط المقاسمة عليه، فإجازته في الأخ أولى.
وَفِيهَا: تَصِحُّ مِنَ الأُمِّ فِي اليْسِيرِ كَسِتِّينَ دِينَاراً، وَقِيلَ: لا
إجازة ذلك استحسان بثلاثة شروط؛ يسارة المال، وأن يكون موروثاً عنها، وألا يكون لهم أب ولا وصي.
سحنون: وقول غيره: إنها لا تجوز أعدل.
تنبيه:
كل هذا في الوصية بما صار له من مال الميراث، وأما ما تطوع الميت بالوصية به فتجوز الوصية، ويقبض له من وصايا الميت، فلو قال: "لفلان الصغير، ويكون على يد فلان حتى يرشد" لم يكن لأبيه ولا وصيه أن يقبض ذلك، ولا يحجر عليه فيه؛ لأنها هبة من الموصي علىصفة فلا تُغَيَّر. نص عليه اللخمي وغيره.
следующие страницы →