Полный текст (4 728 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.
стр. 561
ويَجِبُ الإِنْصَاتُ لِلْخُطْبَةِ وإِنْ لَمْ تَسْمَعْ
تصور كلامه ظاهر، ولا أعلم فيه خلافاً. وهل يجب على من هو خارج المسجد؟ حكي في البيان عن مطرف وابن الماجشون أنه لا يجب الإنصات حتى يدخل المسجد. قال: قيل: يجب عليه منذ يدخل رحاب المسجد التي تصلي فيها الجمعة.
المازري: وروى ابن المواز عن مالك أنه قال: ينصت من هو في المسجد، ومن هو خارج عنه. والكلام عندنا يحرم بكلام الإمام لا قبل ذلك كما في الموطأ عن ابن شهاب: خروج الإمام يقطع الصلاة، وكلامه يقطع الكلام. قال في المدونة: وإذا قام يخطب فحينئذ يجب قطع الكلا، واستقباله والإنصات إليه لا قبل ذلك. ويجوز الكلام بعد فراغه من الخطبة وقبل الصلاة، ومن أقبل على الذكر شيئاً يسيراً في نفسه والإمام يخطب فلا بأس، وأحب إلى أن ينصت، ويستمع. ثم قال: ولا بأس بالاحتباء والإمام يخطب، ولا يتكلم أحد في جلوس الإمام بين خطبتيه. انتهى.
فرع:
واختلف في الإمام إذا لغى فلمالك في المجموعة: إذا شتم الناس وألغى فعليهم الإنصات ولا يتكلمون. أشهب: ولا يقطع ذلك خطبته. ولمالك في العتبية، وابن حبيب: إذا خرج الإمام من خطبته إلى اللغو واشتغل بما لا يعني من قراءة كتاب فليس على الناس الإنصات إليه، والإقبال إليه.
ولا يُسَلِّمُ ولا يَرُدُّ ولا يُشَمِّتُ
أي: الداخل والإمام يخطب لا يسلم، وإن سلم لم يرد عليه. قاله مالك في المدونة. ومن عطس والإمام يخطب حمد الله تعالى سراً في نفسه، ولا يشمته غيره. ونقل ابن هارون عن مالك جواز رد السلام بالإشارة على المسلم في حال الخطبة، كالمسلم على
стр. 562
المصلي، ولم أر ما ذكره في كتب الأصحاب. قال مالك في العتبية: ولا يشرب الماء والإمام يخطب، ولا يدور على الناس يسقيهم حينئذ.
فرع:
وأما الإمام فيسلم إذا خرج على الناس اتفاقاً. والمشهور: لا يسلم إذا رقى المنبر. ابن يونس: لأنه لم يرد ذلك في شيء من الروايات الثابتة عن النبي ﷺ . وقال ابن حبيب: إذا دخل فرقى المنبر سلم عن يمينه وشماله ركع أو لم يركع، وإن كان مع الناس فلا يسلم إذا جلس للخطبة. هكذا نقله الباجي.
ولا يُصَلِّي التَّحِيَّةَ عَلَى الأَصَحِّ
أي: لا يبتدئ الداخل التحية بعد خروج الإمام على الأصح، وأما لو ابتدأها قبل خروجه لم يقطعها وخففها. قال المازري: قال مالك في المجموعة: وإن دخل الإمام وقد بقي على الرجل آية في آخر ركعة فواسع أن يتمها. وعنه في العتبية: وإن كان في تشهد النافلة فليسلم ولا يتربص يدعو لقيام الإمام.] ٩٢/ب [وقال ابن حبيب: لا بأس أن يطيل في دعائه ما أحب. وقال في مختصر ابن شعبان: إذا جلس الإمام على المنبر بعد أن دخل في النافلة فليتم ركعتين، ويقرأ في كل ركعة بأم القرآن وحدها، ومن خرج عليه الإمام وهو قائم في آخر ركعة من نافلة فواسع أن يتم ذلك، وإن كان يتشهد فليسلم، ولا يمكث حتى يفرغ من دعائه. انتهى. ومقابل الأصح للسيوري أن الركوع أولى، وهو مذهب الشافعي، لحديث سليك الغطفاني وفيه: أنه أمره ﷺ بالركوع لما دخل وهو يخطب ورواه البخاري ومسلم. وفي رواية لمسلم أنه قال له ﵇ لما جلس: "إذا جاء أحدكم الجمعة والإمام يخطب فليصلِّ ركعتين خفيفتين، ثم ليجلس". ودليلنا قوله ﷺ : "إذا قلت لصاحبك أنصت والإمام يخطب يوم الجمعة فقد لغوت" معناه: فقد أثمت. واللغو: الإثم، نص عليه جماعة من أهل المذهب. وإذا
стр. 563
كان يأثم بمجرد قوله: أنصت. وهو أمر بمعروف لاشتغاله عن سماع الخطبة فالصلاة أولى. وما خرجه أبو داود والنسائي: أن رجلاً تخطى رقاب الناس والنبي ﷺ يخطب فقال له: "اجلس فقد آذيت" فأمره ﷺ بالجلوس دون الركوع. قال ابن العربي: وحديثنا أولى؛ لاتصاله بعمل أهل المدينة. وتأول حديثهم على أن سليكاً كان مملوكا ودخل ليطلب شيئاً، فأمره ﷺ أن يصلي ليتفطن له، فيتصدق عليه. ومن جهة القياس أن الإسماع واجب، والتحية ليست بواجبة، فالاشتغال بالواجب أولى.
فرع:
إذا ثبت أن الداخل والإمام جالس لا يركع، فأحرم جاهلاً أو غافلاً، فإنه يتمادى ولا يقطع على قول سحنون. ورواية ابن وهب عن مالك: وإن لم يفرغ حتى قام إلى الخطبة. وقال ابن شعبان في كتابه: يقطع. وكذلك لو دخل المسجد والإمام يخطب وأحرم لتادى على الأول دون الثاني. قال في البيان: إذ لا فرق بين أن يحرم والإمام يخطب، أو هو جالس على المنبر والمؤذنون يؤذنون؛ لقول ابن شهاب: وذلك لا يكون من قائله رأياً. قال: وهذا عندي في الذي يدخل المسجد تلك الساعة فيحرم، وأما من أحرم تلك الساعة من كان جالساً في المسجد لوجب أن يقطع قولاً واحداً، إذ لم يقل أحد بجواز التنفل له بخلاف الداخل، فإن بعض العلماء أجاز له التنفل لحديث سليك.
والتَّعَوُّذُ، والصَّلاةُ عَلَى مُحَمَّدٍ ﷺ . والتَّامِينُ عِنْدَ أَسْبَابِهَا جَائِزٌ، وفِي الْجَهْرِيَّة قَوْلانِ ...
إنما جازت هذه الأشياء؛ لأنها كالمجاوبة للخطيب، ألا ترى أنه لو كلم الخطيب أحداً لأجابه، ولم يعد لاغياً. نص عليه ابن القاسم. وقوله: (عِنْدَ أَسْبَابِهَا جَائِزٌ) أي: يتعوذ عند ذكر النار، ويصلي على النبي ﷺ عند ذكره، ويؤمن إذا دعى.
стр. 564
ونقل الباجي الاتفاق على إجازة ذلك، قال: وإنما اختلفوا في صفة النطق به هل يؤمن سراً أو جهراً. وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف. والقول بإسرار ذلك لمالك، وصححه بعضهم. والقول بإجازة الجهر لابن حبيب، قال: ويجهر به جهراً ليس بالعالي.
اللخمي: وسئل مالك عن التفات الرجل يوم الجمعة والإمام يخطب، فقال: لا بأس به. ولم ير على من كان في الصف الأول أن يستقبل الإمام.
وَيحْرُمُ الاِشْتِغَالُ عَنِ السَّعْيِ عِنْدَ أَذَانِ جُلُوسِ الْخُطْبَةِ وهُوَ الْمَعْهُودُ. قِيلَ: مَرَّةً وَقِيلَ: مَرَّتََيْنِ. وَقيل ثَلَاثاً. فَلَمَّا كَانَ عُثْمَانُ ﵁ وكَثُرُوا أََمَرَ بِِأَذَانٍ قَبْلَهُ عَلَى الزَّوْرَاء ثُمَّ نَقَلَهُ هِشَامٌ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَجعَلَ الأَخِيرَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَرَّةً ...
قد تقدم ما يتعلق بوجوب السعي عند الأذان، وذكرنا الاختلاف هل يجب بالأذان أو بالزوال، وذكرنا أن ذلك خاص بالقريب، وأما البعيد فيجب عليه أن يسعى بقدر ما يلحق ذلك. وقوله: (الاِشْتِغَالُ) أي: بالبيع وغيره. فإن باع ففي فسخه خلاف. سيأتي ذلك في البيوع إن شاء الله تعالى. قال ابن بشير: قال الأشياخ: ومما ينخرط في سلك البيع الشرب من السقاء بعد النداء إذا كان بثمن، وإن لم يدفع إليه الثمن في الحال. قال: وهذا الذي قالوه ظاهر ما لم تدعُ إلى الشرب ضرورة.
فرع:
قال في النكت: وإذا انتقض وضوء الرجل يوم الجمعة وقت النداء عند منع البيع فلم يجد ما يتوضأ به إلا بثمن، فحكى ابن أبي زيد أنه يجوز شراؤه ليتوضأ به، ولا يفسخ شراؤه. انتهى. ونقله ابن يونس أيضاً. وقوله: (وهُوَ الْمَعْهُودُ) أي: في زمانه ﷺ ، ولم يكن في زمانه ﷺ يؤذن على المنار وبين يديه كما يفعل اليوم. واختلف النقل، هل كان يؤذن بين يديه ﵇، أو على المنار؟ والذي نقله أصحابنا أنه كان على المنار. نقله ابن القاسم عن مالك في المجموعة، ونقله في النوادر، وذكر في
стр. 565
هذه الرواية أن المؤذن] ٩٣/أ [واحد. ونقل في النوادر عن ابن حبيب أنه كان المؤذنون ثلاثة، يؤذن واحد بعد واحد. نقله ابن يونس وابن شاس، وكذلك نقل صاحب المعونة، وكذلك نقل ابن عبد البر في كافيه، ولفظه: قال مالك: الأذان بين يدي الإمام ليس من الأمر القديم. وقال غيره: هو أصل الأذان في الجمعة. وكذلك نقل صاحب تهذيب الطالب، والمازري. وهو الذي يؤخذ من كلام المصنف؛ لقوله: (وَجعَلَ الأَخيرَ بَيْنَ يَدَيْهِ). ففي الاستذكار أن هذا اشتبه على قول بعض أصحابنا، فأنكر أن يكون الأذان يوم الجمعة بين يدي الإمام، كان في زمانه ﵇، وأبي بكر، وعمر، وأن ذلك حدث في زمان هشام. قال: وهو قول من قل علمه. ثم حكي حديث السائب الذي سيأتي. قال: وقد رفع الإشكال فيه ابن إسحاق عن الزهري عن السائب قال: كان يؤذن بين يدي رسول الله ﷺ إذا جلس على المنبر يوم الجمعة، وأبي بكر، وعمر. انتهى.
ابن عبد السلام: إن الصحيح أنه كان بين يدي النبي ﷺ . قال: وهو الذي ركن إليه بعض أهل المذهب. قوله: (قيل: مَرَّةً ... إلخ) أي أنه اختلف في الذي كان على عهد رسول الله ﷺ ، فقيل: كان مؤذن واحد. وقيل: اثنان. وقيل: ثلاثة. وفي البخاري، والترمذي، وصححه عن السائب بن يزيد: كان النداء أولاً يوم الجمعة إذا جلس الإمام على المنبر على عهده ﷺ ، وأبي بكر، وعمر، فلما تولى عثمان زاد الأذان الثالث، فأذن له على الزوراء فثبت الأمر على ذلك. فقوله: الثالث؛ يقتضي أنهم كانوا ثلاثة. وفي طريق آخر الثاني بدل الثالث، وهو يقتضي أنهما اثنان. زاد البخاري: ولم يكن للنبي ﷺ غير مؤذن واحد. والعمل الآن ببلاد المغرب على الثلاثة. والزوراء هو: مكان على السوق، وأمر عثمان بالأذان هناك ليأتي الناس من السوق. وما حكاه المصنف عن هشام لا يعترض عليه بأن سكنى هشام إنما كان بالشام؛ لجواز أن يكون أخره أو قدم المدينة وفعل ذلك. قوله: (ثُمَّ نَقَلَهُ هِشَامٌ إِلَى الْمَسْجِدِ) أي: نقل الذي كان على الزوراء إلى المسجد.
стр. 566
فرع:
قال ابن حبيب: وينبغي للإمام أن يوكل وقت النداء من ينهي الناس عن البيع والشراء حينئذ، وأن يقيمهم من الأسواق من تلزمه الجمعة، ومن لا تلزمه للذريعة.
وَتسْقُطُ بِمَرَضٍ أَوْ تَمْرِيضٍ قَرِيبٍ أَوْ لِكَوْنِهِ مُشْرِفاً أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ أََوْ لِجِنَازَةِ أَخٍ. وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: ولِغُسْلِ مَيِّتٍ عِنْدَهُ، فَإِنْ حَضَرُوهَا وَجَبَتْ ....
قوله: (بِمَرَضٍ) أي: يتعذر معه الإتيان، أو لا يقدر إلا بمشقة شديدة. قال شيخنا رحمه الله تعالى: وإن قدر على مركوب بما لا يحجب به فينبغي أن يلزمه كالحج. قوله: (أَوْ تَمْرِيضٍ قَرِيبٍ) قيد المصنف التمريض بالقريب كابن شاس، قال: وفي معناه الزوجة والمملوك. ونحوه لابن بشير. والذي حكاه الباجي بغير تقييد، ولفظه: قال مالك، أو مريض يخاف عليه الموت. وهو ظاهر، إذا لم يكن له أحد وتكفل به، وقد صرح اللخمي بذلك. قوله: (أَوْ لِكَوْنِهِ مُشْرِفاً) أي: على الموت. والضمير في (كَوْنِهِ) عائد على القريب، وهذا ليس لأجل التمريض بل لما علم مما يوهم القرابة من شدة المصيبة. على أن كلامه في العتبية يقتضي أن هذا الحكم لا يختص بالقرابة؛ لأنه لما سئل مالك عن الرجل يكون معه صاحبه فيمرض مرضاً شديداً، أيدع الجمعة؟ قال: لا، إلا أن يكون على الموت. وقوله: (أَوْ لِدَفْعِ ضَرَرٍ عَنْهُ) ابن عبد السلام: أي عن القريب. وقال شيخنا: بل عن المكلف كخوف ظالم يؤذيه في ماله أو نفسه، وهو أولى ويلزم.
ابن عبد السلام: التكرار لأن ما ذكره داخل في التمريض.
قوله: (أََوْ لِجِنَازَةِ أٍَخ) لا يريد من القرابة فقط، بل وأخوة الصداقة. ففي العتبية قال مالك في الرجل يهلك يوم الجمعة، فيختلف عليه الرجل من إخوانه: ينظر فيه أمره مما يكون من شأن الميت. قال مالك: لا أرى بذلك بأساً أن يتخلف في أموره، ورآه سهلاً. قال في البيان والمقدمات: ومعناه: إذا لم يكن له ما يكفيه أمره، وخاف عليه التغيير.
стр. 567
انتهى. ونص سحنون على أنه يحضر الجمعة إذا لم يخف تغيراً، وهل يسقط الدين حضور الجمعة؟ فلمالك في العتبية: لا أحب أن يترك الجمعة من دين عليه يخاف في ذلك غرماءه. قال في البيان: معناه عندي: إذا خشي إن ظفروا به أن يبيعوا عليه ماله بالغاً ما بلغ وينتصفوا منه، ولا يؤذوه، وهو يريد بتغييبه أن يتسع في ماله إلى القدر الذي يجوز تأخيره إليه عند بعض العلماء. وأما إن خشي من أن يسجنه غرماؤه وهو عديم. فقال سحنون: لا عذر له في التخلف. وفيه نظر، وقد تعقبه بعض الشيوخ. وأما إن خشي أن يتعدي عليه الحاكم فيسجنه في غير موضع سجن، أو يضربه، أو يخشى بأن يقتل فله أن يصلي في بيته ظهراً أربعاً ولا يخرج.
فرع:
قال ابن وهب في المبسوط: الذي يأكل الثوم يوم الجمعة- وهو ممن تجب عليه الجمعة- لا أرى أن يشهد] ٩٣/ب [الجمعة في المسجد، ولا في رحابه. نقله الباجي.
وقوله: (فَإِنْ حَضَرُوهَا وَجَبَتْ) أي: فإن حضرها من ذكر سقوطها عنهم وجبت عليهم؛ لأن هذه الأوصاف كانت مانعة من الحضور، فإذا حصل الحضور لم يبق مانع، ولا تسقط عن العروس على المشهور، على أن عبد الحق تأول الشاذ، ورأى أنه إنما هو في صلاة الجماعة لا الجمعة، وأنها متفق على وجوبها عليه. وفي الأعمى الذي لا يجد قائداً قولان، أما الواجد فتلزمه اتفاقاً. وفي سقوطها بالمطر الشديد روايتان. قال في المقدمات: وعندي أن ذلك ليس باختلاف قول، وإنما هو على قدر حال المطر. انتهى. واختلف في الأجذم، فقال سحنون: تسقط. وقال ابن حبيب: لا تسقط. والتحقيق: الفرق بين ما تضر رائحته فتسقط وبين ما لا تضر فلا تسقط. واختلف في الخوف على المال. النظر: التفرقة بين ما يجحف وغيره.
стр. 568
وَالسَّفَرُ بَعْدَ الزَّوَالِ لا يُسْقِطُ، وفِي جَوَازِهِ وكَرَاهَتِهِ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَبَيْنَهُ قَوْلاَنِ
حاصله أن السفر على ثلاثة أقسام: يحرم، ولا تسقط الجمعة به، وذلك بعد الزوال لمخاطبته بها، وهذا هو المعروف. وحكى اللخمي قولاً بالكراهة فقط، وأنكره عليه ابن بشير. وانظر على الأول من كان في بلاد الفتن، وحصلت له رفقة في ذلك الوقت، ولا يمكنه السفر دونهم، وانتظار أخرى لا يدري متى يمرون به مما يشق.
خليل: والظاهر الإباحة. ومباح وهو السفر قبل الفجر، ولا خلاف في إباحته، وتختلف فيه بالإباحة والكراهة، وهو ما بين الفجر وبين الزوال، فقيل يباح لعدم الخطاب، وقيل يكره إذ لا ضرورة في تحصيل هذا الخير العظيم. والإباحة لمالك في الواضحة، والكراهة رواية ابن القاسم، وابن وهب، وهو ظاهر المدونة، واختيار ابن الجلاب، وجماعة من أصحابنا، وروى عن ابن عمر.
وَيلْزَمُهُ الرُّجُوعُ إِذَا أَدْرَكَهُ النِّدَاءُ قَبْلَ انْقِضَاءِ ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ
أي: إذا فرعنا على الجواز والكراهة. وما ذكره قال الباجي: هو ظاهر المذهب. ابن بشير: وفيه نظر. لأنه قد رفض الإقامة وحصل له حكم السفر نية وفعلاً. انتهى. وينبغي أن يقيد الرجوع بأن يدرك ركعة منها فأكثر، وإلا مضى لعدم الفائدة حينئذ في رجوعه.
والْمُسَافِرُ يَقْدَمُ مُقِيماً كَالْحَاضِرِ، فَإِنْ كَانَ قَدْ صَلَّى الظُّهْرَ فَثَالِثُهَا لِسَحْنُونٍ: إِنْ صَلاهَا وَقدْ بَقِيَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ فَأَقَلُّ لََزِِمَتْهُ ...
قوله: (يَقْدَمُ مُقِيماً) أي: يدخل وطنه أو غيره ناوياً إقامة أربعة أيام كالحاضر، فتلزمه الجمعة. وإن كان قد صلى الظهر، فثلاثة أقوال: تلزمه لتبين استعجاله؛ وهو قول مالك في الموازية. الثاني: لا تلزمه؛ لأنه فعل ما خوطب به ويؤمر أن يأتي الجمعة، فإن لم يفعل فلا شيء عليه. وعزاه في البيان لابن نافع. والثالث لسحنون، وهو ظاهر المناسبة.
стр. 569
الباجي: وقال أشهب: إن كان قد صلى الظهر في جماعة فالأولى فرضه، وينبغي له أن لا يأتي الجمعة، وإن كان قد صلى الأولى فذاً فله أن يعيدها جماعة، ثم الله أعلم بصلاته. انتهى. واعلم أنه إذا علم أنه يدرك الجمعة ببلده فإنه يؤخر الصلاة اتفاقاً، وإنما هذا الخلاف إذا عجل، والله أعلم.
وغَيْرُ الْمَعْذُورِ إِنْ صَلَّى الظُّهْرَ مُدْرِكاً لِرَكْعَةٍ لَمْ تُجْزِهِ عَلَى الأَصَحِّ
لم تجزه الظهر؛ لأن الواجب عليه الجمعة ولم يأت بها. والأصح لابن القاسم وأشهب. وقال عبد الملك: زاد أشهب: وسواء صلاها وهو مجمع على ألا يصلي الجمعة أم لا. ومقابله لابن نافع، قال: وكيف يعيد أربعاً، وقد صلى أربعاً. ولأنه قد أتى بالأصل، وهو الظاهر. ومفهوم كلام المصنف أنه لو صلى الظهر وكان لا يدرك منها ركعة لم يعدها، وهو كذلك. قال أشهب: وسواء صلاها والإمام فيها، أو قبل أن يحرم.
ولِلْمَعْذُورِ غَيْرِ الرَّاجِي التَّعْجِيلُ، فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ وَجَبَتْ عَلَى الأَصَحِّ، وَمِثلهُ الصَّبِيُّ إِذَا بَلَغَ وَقدْ صَلَّى الظُّهْرَ ....
أي: ولمن لم يرج زوال عذره قبل صلاة الناس الجمعة تعجيل الظهر كالمريض والمحبوس والآيس من الماء. ومفهوم كلامه أن الراجي ليس له ذلك، فإن كان على الاستحباب فهو المنصوص، وإن كان على الوجوب فهو خلاف المنصوص. ابن هارون: ويمكن إجراؤه على الخلاف في راجي الماء يجب عليه التأخير أو يستحب؟ وأشار إليه ابن عبد السلام. وقوله: (فَلَوْ زَالَ الْعُذْرُ) يعني: كالعبد يصلي أول الوقت والمريض، ثم يعتق العبد ويصح المريض قبل صلاة الجمعة، وجبت على الأصح لإسفار العاقبة أنه من أهلها. ورأى مقابله أنه أدى ما عليه. (وَمِثلهُ الصَّبِيُّ) أي: في الخلاف. ولا ينبغي أن يختلف في وجوبها في حقه؛ لأن ما أوقعه أولاً نفل، فإذا بلغخوطب ولم يقع منه أداء الواجب بخلاف غيره، فإن أوقع واجباً.
стр. 570
وَلَا يُصَلِّي الظُّهْرَ جمَاعَةً إِلا أَصْحَابُ الْعُذْرِ
في هذه المسألة ثلاثة أقوال: قيل: لا يجوز الجمع مطلقاً. وروى عن ابن القاسم؛ لأنه قال: لا يجوز للمرضى والمحبوسين. قال في البيان:] ٩٤/أ [وهو غير معروف من قوله، وإن جمعوه على هذه الرواية فلا إعادة عليهم. والجواز مطلقاً لابن كنانة، ورواه أشهب عن مالك. والثالث وهو المشهور: إن حصل العذر جمعوا وإلا فلا؛ لئلا يتخلف أهل البدع ثم يجمعون. واختلف إذا جمع من لا عذر له، أو له عذر غير غالب، هل يعيدون أم لا؟ والأظهر عدم الإعادة. قاله في البيان.
وَيُسْتَحبُّ الْغُسْلُ مُتَّصِلاً بِالرَّوَاحِ. قَالَ ابْنُ وَهْبٍ: وَغيْرُ مَوْصُولٍ. ولا يُجْزِئُ قَبْلَ الْفَجْرِ بِخِلافِ الْعِيدَيْنِ ....
المشهور أنه سنة. وقيل: مستحب. وحكى اللخمي ثالثاً بالوجوب. ورده ابن بشير بأنه ليس في المذهب، قال: وإنما عول اللخمي على إطلاقات وقعت. وفي كلام المصنف نظر؛ لأنه إن كان الاستحباب راجعاً إلى نفس الغسل فهو خلاف المشهور، وإن كان راجعاً إلى وصله فكذلك؛ لأنهم نصوا على أن من فرق بين الغسل والمضي تفريقاً كثيراً كالغداء أنه بمنزلة من لم يغتسل.
ابن يونس: ولعل قول ابن وهب بالإجزاء إذا اغتسل في الفجر محمول على أنه راح حينئذ. وقد اختلف هل يجزئه غسله وإن راح حينئذ أو لا يجزئه ويعيده. انتهى.
الباجي: ويلزم الغسل من تلزمه الجمعة، وكذلك من لا تجب عليه من مسافر، أو عبد، أو امرأة إذا نوى الجمعة. هذا هو المشهور. وفي المختصر عن مالك في ذلك تفصيل؛ لأنه قال: إنما يلزم الغسل من يأتيها لفض الجمعة كالمرأة والعبد والمقيم وكذلك المسافر يأتيها للفضل، فإن لم يأتها المسافر للفضل وإنما شهدها للصلاة أو لغير ذلك فلا غسل عليه، والأول أبين.
стр. 571
ويَتَجَمَّلُ بِالثِّيَابِ والطِّيِبِ
لما في الموطأ أن رسول الله ﷺ قال: "ما على أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته". وفي حديث آخر: "من كان عنده طيب فلا يضره أن يمس منه".
ابن حبيب: ويستحب له أن يتفقد فطرة جسده من قص شاربه، وأظفاره، ونتف إبطه، وسواكه، واستحداده إن احتيج إليه. الباجي: لأن ذلك كله من التجمل المشروع.
وَيسْتَحَبُّ فِي الأُولَى الْجُمُعَةِ وَفِي الثََّانِيَةِ هَلْ أَتََاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ أَوْ سَبِّحْ أَوِ المُنَافِقُونَ ....
ولم يتردد مالك في استحباب الجمعة في الأولى لمواظبته ﵊ عليها في الغالب. وفي الصحيح أيضاً أنه ﵊ قرأ بسبح، وهل أتاك حديث الغاشية. وقيل لمالك: أقراءة سورة الجمعة سة؟ قال: لا أدري ما سنة، لكن من أدركنا كان يقرأ بها، وكذلك من فاتته الأولى يقرأ بها. وظاهر قوله: (هَلْ أَتََاكَ، أَوْ سَبِّحْ) للتخيير. وكذلك قال من يوثق به في النقل كابن عبد البر وغيره. ولفظ ابن عبد البر في كافيه: ويقرأ في الثانية بسبح اسم ربك الأعلى، وهل أتاك حديث الغاشية، أو إذا جاءك المنافقون كل ذلك مستحب حسن. انتهى. وقال الباجي: لا خلاف أن الركعة الثانية لا تختص بسبح ولا بهل أتاك. قال: ولا تختص عندنا بالمنافقين خلافاً للشافعي. قال المازري: قال مالك في المجموعة: كان من أدركنا يقرأ في الأولى بالجمعة، وفي الثانية بالأعلى- وفي رواية أشهب بالغاشية- وذلك أحب إليهم، وهم يقرؤون اليوم بالتي تلي سورة الجمعة. وفي مختصر ابن شعبان: رأيت الأئمة عندنا يقرؤون بسبح مع سورة الجمعة. وقال أبو مصعب عنه: يقرأ بها. فهذه ثلاث روايات يشير بها إلى سورة معينة في الثانية. والذي حكي بعض أصحابنا أنها تختص بإحدى السورتين المشار إليهما بسبح والغاشية، ولا بغيرهما من السور. انتهى.
стр. 572
وَأوَّلُ وَقْتِهَا كَالظُّهْرِ، وَآخِرُ وَقْتِهَا آخِرُهُ الْمُخْتَارُ. وَقِيلَ: مَا لَمْ تَصْفَرَّ. وَقِيلَ: الضَّرُورِيُّ عَلَى الْقَوْلَيْنِ. وقِيلَ: مَا لَمْ تَغْرُبْ، وَذَلِكَ بَعْدَ قَدْرِ الْخُطْبَةِ ...
نبه بقوله: (وَأوَّلُ وَقْتِهَا كَالظُّهْرِ) على خلاف أحمد في إجازتها قبل الزوال. ولا يجوز عندنا أن يخطب قبل الزوال ويصلي بعده، وإن فعل فهو كمن لم يصل. ونقل بعض من صنف في الخلاف عن مالك إجازة ذلك، ووهمه المازري. وما صدر به المصنف من أن آخر وقتها آخر وقت الظهر المختار معزو في البيان والتنبيهات للأبهري. وكذلك ذكر صاحب الإشراف عنه أنه قال: إن صلى ركعة بسجدتيها قبل دخول وقت العصر أتمها جمعة، وإن صلى دون ذلك بنى وأتمها ظهراً. ونقل عنه قولاً ثانياً أنه يصليها ما لم يخرج وقت الظهر الضروري، فيبقى قدر أربع ركعات إلى مغيب الشمس، فإن بقي من النهار قدر ما يخطب فيه ثم يصلي ركعتين ثم تبقى أربع ركعات للعصر أقيمت الجمعة.
وحكى ابن شاس عنه: يراعي ثلاث ركعات قبل الغروب،] ٩٤/ب [ركعتان للجمعة وركعة يدرك بها العصر. قال بعض المتقدمين: يريد بعد قدر الخطبة. والقول بأن وقتها ما لم تصفر لأصبغ، ولا وجه له، وقد أنكره سحنون.
وقوله: (عَلَى الْقَوْلَيْنِ) ابن عبد السلام: أي: هل يختص العصر بقدرها من آخر الوقت فيشترط في إدراك الجمعة بقاء ست ركعات، أو لا يختص؟ فيدرك بإبقاء ثلاث ركعات. وفيه بعد؛ لأن المصنف لم يقدم في الاختصاص قولين صريحين، لكنه هو الموافق لكلام اللخمي؛ فإنه قال: وقال سحنون: يصلي الجمعة ما لم يبق للغروب بعد الجمعة إلا أربع ركعات للعصر. وقال ابن القاسم في المدونة: يصليها ما لم تغرب الشمس إذا أدرك من العصر ركعة قبل الغروب. انتهى.
خليل: وانظر قوله في المدونة، فإنه إنما يأتي على أن العصر لا تختص من آخر الوقت بمقدار فعلها، والمعروف من المذهب خلافه. وقال ابن راشد: يعني القولين المتقدمين في
стр. 573
الإدراك، هل يعتبر في إدراك العصر بعد فراغه من الصلاة إدراك ركعة بسجدتيها، أو يكتفي بإدراك الركوع؟ وقال شيخنا رحمه الله تعالى: يحتمل أن يريد القولين المتقدمين في المشتركتين، هل يدركان بزيادة ركعة على مقدار الأولى، أو على مقدار الثانية؟ والقول بأنها تصلي ما لم تغرب رواه مطرف عن مالك في الواضحة، ومعناه أنه تصلي الجمعة قبل الغروب، وإن لم يدرك من العصر ركعة قبله، ويصلي العصر بعد الغروب. ويقع في بعض النسخ عوض وقيل: ما لم تغرب؛ والمشهور ما لم تغرب. وفيه نظر؛ لأن المصنف صدر كلامه أولاً بأن آخر وقتها آخر وقت الظهر المختار، ثم عطف عليه بقيل، فيؤخذ منه أن الأول هو المشهور، فكيف يشهر غيره؟ ولأنه مخالف لمذهب المدونة على ما قاله اللخمي؛ لأنه اشترط في المدونة بقاء ركعة للعصر، ولم يشترط ذلك المصنف. نعم ذكر في التنبيهات عن المدونة ما يوافقه، ولفظه: وقوله في الإمام يؤخر الجمعة. قال: يصلي بهم ما لم تغرب الشمس، وإن كان لا يدرك العصر إلا بعد الغروب، وهذا بيِّن؛ لأن النهار كله إلى آخره وقتها. وكذلك رواية ابن عتاب وهو مثل قول مطرف، عنه أيضاً. وفي رواية غير ابن عتاب: وإن لم يدرك بعض العصر إلا بعد الغروب. وكذلك في أصل ابن المرابط، وهذه الرواية أصح وأشبه برواية ابن القاسم عن مالك. انتهى.
فَلَوْ شَرَعَ فَخَرَجَ وَقْتُهَا أَتَمَّهَا. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بَعْدَ تَمَامِ رَكْعَةٍ، وَإِلا أَتَمَّهَا ظُهْراً
يعني: أن المشهور إتمامها جمعة ولو بمجرد الإحرام وهو غير صحيح، إذ لا يمكن أن تدرك صلاة بأقل من ركعة، والجمعة لا تقضي خارج الوقت، وهذا متفق عليه، أما من أدرك منها ركعة قبل الغروب فاختلف المذهب فيما يأتي به خارج الوقت، هل هو أداء أو قضاء؟ فيمكن أن يقال على الأداء أنه يتمها جمعة، وعلى القضاء إما أن يتمها ظهراً، وإما أن يقطع، كذا قال ابن عبد السلام.
خليل: وقد يقال أنه يتمها جمعة ولو بنينا على القضاء لأنها تبع لركعة الأداء، وإنما الممتنع أن تكون الجمعة كلها قضاء.
стр. 574
فائدة:
كره مالك ترك العمل يوم الجمعة. قال المازري: وكان بعض أصحابنا يكرهه.
أصبغ: من ترك من النساء العمل يوم الجمعة استراحة فلا بأس به، ومن ترك منهن استناناً فلا خير فيه. ووجه الكراهة بيِّن لئلا يوافق أهل الكتاب.
صَلَاة الْخَوْفِ نَوْعَانِ: أَحَدُهُمَا عِنْدَ الْمُنَاجَزَةِ والالْتِحَامِ، فَتُؤَخَّرُ إِلَى آخِرِ الْوَقْتِ، ثُمَّ يُصَلُّونَ إِيمَاءً لِلْقبْلَةِ وَغَيرهَا من غير تكلّف لقَوْل أَوْ فِعْلٍ ...
إنما أخرت إلى آخر الوقت رجاء أن يذهب عنهم الخوف فيصلوا صلاة الأمن. ولا يقال يلزم ذلك من النوع الآخر؛ لأن المخالفة في النوع الأول أكثر، وما ذكره من التأخير إلى آخر الوقت نقله في النوادر عن ابن حبيب وابن المواز، ولفظه: وإذا كانوا في القتال فليؤخروا إلى آخر الوقت، ثم يصلوا حينئذ على خيولهم ويومئوا، وإذا احتاجوا إلى الكلام لم يقطع صلاتهم.
خليل: والظاهر أن المراد آخر الوقت الاختياري لوجهين: أحدهما: القياس على راجي الماء في باب التيمم، والجامع رجاء كل منهما إيقاع الصلاة على الوجه الجائز. الثاني: أن مالكاً نص على أنهم إذا أمنوا بعد فعل هذه الصلاة في الوقت أنهم لا يعيدون. ولو كان المراد تأخيرها إلى وقت الضرورة لم يتأت هذا. فإن قيل: في هذا الثاني نظر؛ لاحتمال ألا يوافق مالكاً على التأخير بالكلية. قيل: الأصل الوفاق، وهذا إن كانوا في نفس القتال أو مطلوبين، وإن كانوا طالبين فقال ابن عبد الحكم: لا يصلون إلا في الأرض صلاة أمن. وقال ابن حبيب: هم في سعة من ذلك، وإن كانوا طالبين لأن أمرهم] ٩٥/أ [إلى الآن مع عدوهم لم ينقض، ولم يأمنوا رجوعهم.
الثَّانِي: عِنْدَ الْخَوْفِ مِنْ مَعَرَّةٍ لَوْ صَلَّوْا بأَجْمَعِهِمْ
أي: النوع الثاني: أن يحضر وقت الصلاة، والناس منتظرون لحرب عدوهم. ولو صلوا بأجمعهم لخافوا معرته؛ أي: العدو.
стр. 575
والْحَضَرُ كَالسَّفَرِ عَلَى الأَشْهَرِ
هذا خاص بالنوع الثاني، وأما الأول فلا يختلف حكم من حضر من سفر. قاله ابن بشير وغيره. ومقابل الأشهر لابن الماجشون: لا تقام في الحضر. قال في المبسوط: وإنما تأولها أهل العلم في السفر؛ لأنه ﵊ إنما صلاها كذلك في السفر. وعلى الأشهر فالجمعة كغيرها، وتقدير كلامه: والخوف في الحضر كالخوف في السفر.
وكَذَلِكَ فِي كُلِّ خَوْفٍ وفِي كُلِّ قِتَالٍ جَائِزٍ كَالْقِتَالِ عَلَى الْمَالِ، والْهَزِيمَةِ الْمُبَاحَةِ، وخَوْفِ اللُّصًوصِ والسِّبَاعِ. والظّنُّ كَالْعِلْمِ ....
يريد في النوعين، وقيد الهزيمة بالمباحة احترازاً من الممنوعة، فإنهم لا يباح لهم حينئذ أن يصلوا صلاة الخوف؛ لأن العاصي لا تباح له الرخص. وقاله ابن عبد البر في كافيه. وقوله: (والظّنُّ كَالْعِلْمِ) أي: في جواز الجمع؛ لأن الظن في الشرعيات معمول به.
فَيَقْسِمُهُمُ الإِمَامُ، وَيُصَلِّي بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ، ثمَّ يُصَلِّي بِالْأولَى رَكْعَةً أَوْ رَكْعَتَيْنِ إِنْ كَانَتْ أَكْثَرَ. قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: ثُمَّ يَقُومُ سَاكِتاً أَو دَاعِياً، ورَوَى ابْنُ وَهْبٍ: يُشِيرُ وَهُوَ جَالِسٌ فَيُتِمُّ الْمَأَمُومُونَ، وَأمَّا فِي الثَّانِيَة فَلَهُ أَيْضاً أَنْ يقْرَأَ بِمَا يُدْركُ فِِيهِِ، ويُتِمُّ الْحَضَرِيُّ فِِيهَا ثَلَاثاً، وَفِي سَلامِ الإِمَامِ- وَإِلَيْهِ رَجَعَ- أَوْ إِِشَارَتهِ لِتَتِمَّ الثَّانِيَةُ فَيُسَلِّمُ بهِمْ قََوْلاَنِ ....
يعني: يقسمهم الإمام طائفتين ويصلي بأذان وإقامة. قال في الجواهر: ويعلم أصحابه بما يفعلون، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة إن كانت ثنائية، أو ركعتين إن كانت أكثر؛ أي: ثلاثية أو رباعية، ثم تتم صلاتها، وينتظر الإمام الطائفة الثانية حتى تفرغ الأولى. والمشهور قول ابن القاسم أنه ينتظرهم قائماً. وقوله: (ساكتاً أَو دَاعياً) أي: ولا يقرأ في ثلاثية أو رباعية لكونه لا يقرأ بغير أم القرآن، فقد يفرغ من قراءتها قبل أن تأتي الثانية. ولا
стр. 576
يتعين الدعاء بل وكذلك التسبيح والتهليل، وبذلك صرح ابن بشير. والشاذ قول ابن وهب أنه ينتظرهم جالساً ويشتغل بالذكر.
وقد تقدم الخلاف، هل الجلوس الأول محل للدعاء؟ ولا يبعد أن يتفق هنا على جوازه. وقوله: (وأما في الثنائية فله أن يقرأ) أي: لأنه يقرأ بغير الفاتحة. وحاصله أنه مخير في الثنائية في ثلاثة أمور. وفي غيرها بين أمرين. وكذلك قال ابن يونس والباجي. ونقل اللخمي في قراءته إذا قام إلى الثانية قولين، ونسب القول بعدم القراءة لابن سحنون. وكذلك حكي ابن بشير في قراءته إذا قام إلى الثالثة في الحضر أو في المغرب قولين. وقول ابن وهب إنما هو في الثلاثية والرباعية، وأما في الثنائية فيقوم بلا خلاف. قاله صاحب الإكمال وابن بشير؛ لأنه ليس بمحل جلوس، وهو مقتضي كلام غيره. وكلام المصنف يوهم أن الخلاف مطلقاً، وليس كذلك. وعكس أبن بزيزة هذا فقال: إن كان موضع جلوس فلا خلاف أنه ينتظرهم جالساً، وإن لم يكن هوضع جلوس فهل ينتظرهم جالساً أو قائماً؟ قولان في المذهب. انتهى.
قوله: (ويُتِمُّ الْحَضَرِيُّ فِيهَا ثَلاثاً) أي: إذا صلى الحضري خلف مسافر إما مع الطائفة الأولى أو مع لثانية فإنه يتم لنفسه ثلاثاً.
وقوله: (وفِي سَلامِ الإِمَامِ ...) إلى آخره؛ يعني أنه اختلف إذا فرغ الإمام من صلاته هل يسلم ثم تقوم الطائفة الثانية، أو لا يسلم؟ ويشير إليهم ليكملوا، ثم يسلم بهم ليكون السلام مع الثانية كما كان الإحرام مع الأولى. والمشهور الأول. واعلم أن إيقاع الصلاة على هذه الصورة رخصة، نص عليه ابن المواز، قال: ولو صلوا أفذاذاً، أو بعضهم بإمام وبعضهم فذاً أجزأت. اللخمي: ومقتضاه جواز طائفتين بإمامين. ورده المازري بأن إمامة إمامين أثقل من تأخير بعض الناس من الصلاة.
стр. 577
وقَالَ أَشْهَبُ: فَيَنْصَرِفُونَ قَبْلَ الإِكْمَالِ وِجَاهَ الْعَدُوِّ، فَإِذَا سَلَّمِ أَتَمَّتِ الثَّانِيَةُ صَلاتَهَا وقَامَتْ وِجَاهَهُ ثُمَّ جَاءْتِ الأُولَى فَقَضَتْ. وعَنْهُ: فَإِذَا سَلَّمَ قَضَوْا جَمِيعاً.
أي: وقال أشهب: تنصرف الأولى قبل الإكمال لصلاتها، وتأتي الثانية فيصلي بها ما بقي من الصلاة. (فَإِذَا سَلَّمِ أَتَمَّتِ) أي: قضت ما بقي عليها من الصلاة، وراحت لموضع الأولى، ثم جاءت الأولى.
خليل: يريد: إن لم يمكنهم الإتمام بموضعهم، وإلا أتموا فيه. إذ لا معنى لإتيانهم إليه إلا زيادة المشي، وهذا من أشهب طلباً لاتصال] ٩٥/ب [صلاة الإمام، وعنه: فإذا سلم الإمام قام وجاه العدو وحده وصار فئة لهما وكملت الطائفتين حينئذ. وفي الأخير بعدٌ؛ إذ من المعلوم أن تغيير هذه الصلاة إنما كان خوفاً من معرة العدو، والإمام إذا قام وحده فلا يغني شيئاً. وعندنا قول بالفرق بين أن يكون العدو في جهة القبلة أو لا؟ فإن لم يكن فكالمشهور، وإن كانوا في جهتها فيصفهم الإمام صفين فيصلي بهم جميعاً، ويحرسهم الثاني إذا سجدوا فقط، ثم يسجدون ويتبعونه، ويسلم بهم كلهم. واقتصر عليه صاحب الكافي. والوجاه- بضم الواو، وكسرها معاً، وآخره هاء- ومعناه: المقابلة. قاله في التنبيهات.
ولَوْ جَهِلَ فَصَلَّي فِي الثُّلاثِيَّةِ أَو الرُّبَاعِيَّةِ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً فَصَلاةُ الأُولَى والثَّالِثَةِ فِي الرُّبَاعِيَّةِ بَاطِلَةً، وأَمَّا غَيْرُهُمَا فَصَحِيحَةٌ عَلَى الأَصَحِّ.
أي: وإن جهل وخالف الصفة المشروعة فصلى في المغرب أو في الرباعية في الحضر بكل طائفة ركعة، فصلاة الأولى والثالثة في الرباعية باطلة؛ لانفصالهما عن الإمام في غير محله. قوله: (وأَمَّا غَيْرُهُمَا) أي: الطائفة الثانية في الثلاثية، والطائفة الثانية في الرباعية، والطائفة الرابعة في الرباعية فصحيحة على الأصح؛ لأنهم كالمسبوقين. قاله مطرف، وابن الماجشون، وأصبغ، وابن حبيب. وقال سحنون: تبطل في حقهم.
стр. 578
ابن يونس: لأنهم خالفوا سنتهم، ووقف الإمام في غير موضع قيام. وهو الصواب. انتهى.
وما صور ابن يونس أظهر مما صححه المصنف، والله أعلم.
فَيَجْتَمِعُ الْقَضَاءُ والْبِنَاءُ، فَيَبْدَأُ ابْنُ الْقَاسِم بِالْبِنَاءِ وسَحْنُونٌ بِالْقَضَاءِ
أي: على لأصح. فيجتمع البناء والقضاء في حق الثانية، فيجئ القولان في البداية. وأما الأولى فبناء فقط، وأما الثالثة في الثانية والرباعية فقاء فقط.
صَلاةُ الْعِيدَيْنِ سُنَّةٌ مُؤَكّدَةٌ، ويُؤْمَرُ بِهَا مَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ
سنية العيدين. ابن عبد السلام: هو المشهور لحديث الإعرابي: هل عليَّ غيرها؟ فقال: "لا". واختار بعض الأندلسيين الوجوب على الكفاية.
وفِي غَيْرِهِمْ قَوْلانِ
أي: من العبيد والمسافرين والنساء فالأمر لقوة إظهار الشريعة؛ وهو قول ابن حبيب ونفيه قياساً على الجمعة؛ وهو المشهور.
وعَلَى نَفْيِ الأَمْرِ. ثَالِثُهَا: تُكْرَهُ فَذّاً لا جَمَاعَةً
تصور الثلاثة واضح؛ حكاها اللخمي وابن شاس، والمشهور الجواز من غير كراهة. وقد نص في المدونة على استحباب صلاة النساء للعيدين أفذاذاً إذا لم يشهدن العيد. وأنكر صاحب التنبيهات على اللخمي القول الثالث، وقال: لا يوجد هكذا، والمتوجه ضده. كما منع في المدونة أن يؤم من النساء فيه أحداً، وجوز ذلك لهن أفذاذاً، قال: وما أراه إلا وهماً وتغييراً من النقلة عنه، وقلباً للكلام بدليل قوله لما حكي رواية ابن شعبان والمبسوط بمنع في هذين القولين أن يتطوعوا بها جماعة. وإن كان المازري قد حكي عنه نص ما حكيناه عنه. انتهى.
стр. 579
وهِيَ رَكْعَتَانِ بِلا أَذَانٍ ولا إِقَامَةٍ، يُكَبِّرُ فِي الأُولَى سَبْعاً بِالإِحْرَامِ وفِي الثَّانِيَةِ خَمْساً غَيْرَ تَكْبِيرَةِ الْقِيَامِ ....
لما في الصحيحين عن جابر قال: شهدت العيدين مع النبي ﷺ فصلى بغير أذان ولا إقامة. ومذهبنا لا ينادي الصلاة جامعة. وقوله: (يُكَبِّرُ فِي الأُولَى ...) إلخ ظاهر التصور، ودليله ما رواه مالك وغيره، واتصل به العمل وهو أن النبي ﷺ كبر في الأولى سبعاً قبل القراءة، وفي الثانية خمساً قبل القراءة، وأهل المذهب فهموه على أن التكبير المذكور في الأولى هو جميع ما يفعل فيها، والشافعية فهموا أن الراوي قصد بيان ما اختصت به هذه العبادة، فيقولون أن السبع غير تكبيرة الإحرام.
أشهب: فإن كبر الإمام في الأولى أكثر من سبع، وفي الثانية أكثر من خمس، فلا يتبع.
ويَتَرَبَّصُ بَيْنَهُمَا بِقَدْرِ تَكْبِيرِ مَنْ خَلْفَهُ مِنْ غَيْرِ قَوْلٍ
نبه فيه على خلاف الشافعية في قوله: يحمد الله، ويهلله، ويكبره.
فرع:
ومن لم يسمع تكبيرة الإمام تحري التكبير، وكبر؛ قاله ابن حبيب.
ويَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الأُولَى خَاصَّةً، ورَوَى مُطَرِّفٌ فِي الْجَمِيعِ
الأول هو المشهور، وتصور رواية مطرف واضح. وروى عن مالك في المجموعة: ليس رفع اليدين مع كل تكبيرة سنة، ولا بأس على من فعله. والخلاف كالخلاف في صلاة الجنائز.
ويَتَدَارَكُهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ، ويُعِيدُ الْقِرَاءَةَ عَلَى الأَصَحِّ
أي: إذا نسي التكبير وقرأ، ثم ذكر قبل الركوع فإنه يرجع فيكبر؛ لأن محله القيام وهو باق. واختلف إذا أعاد التكبير هل يعيد القراءة، أو لا؟ والقياس إعادتها؛] ٩٦/أ [وهو قول مالك، قال: ويسجد بعد السلام. ومن قال: لا يعيدها، راعي خلاف من أجاز ذلك ابتداء.
стр. 580
ويَسْجُدُ بَعْدَ السَّلامِ
هو المشهور. وحكي المازري واللخمي قولاً بعدم السجود.
خليل: انظر على المشهور ما الفرق بين هذه المسألة وبين من زاد السورة في الثالثة والرابعة؟
وقد يفرق بأن زيادة السورة في الثالثة والرابعة غير متفق عليها. فقد استحبها بعض الأشياخ في الركعتين الأخيرتين، فلذلك لم تكن الزيادة موجبة للسجود فيها لكونها زيادة لم يتفق عليها. واختلف فيمن قدم السورة على الفاتحة ثم أعادها، ففي النكت: الذي تقتضيه المدونة أن يسجد بعد السلام كمسألة من قدم القراءة على التكبير في العيدين. ولمالك في المجموعة: لا سجود عليه.
ولا يَتَدَارَكُهُ بَعْدَهُ، فَإِنْ ذَكَرَ وهُوَ رَاكِعٌ فَقَوْلانِ
يعني: ولا يتدارك التكبير إذا نسيه ثم ذكر بعد رفع رأسه من الركوع. واختلف إذا ذكر وهو راكع، وأجراه بعضهم على الخلاف في عقد الركعة. وقال أكثر الشيوخ: بل ابن القاسم يوافق أشهب هنا. وفي مسائل آخر، وقد تقدم التنبيه عليها.
فرع:
وإذا أمرناه بالتمادي فإنه يسجد للتكبير قبل السلام؛ قاله في المدونة. زاد اللخمي عن مالك: إلا أن يكون مأموماً فلا سجود عليه؛ لأن الإمام يحمل ذلك عنه.
والْمَسْبُوقُ بِالتَّكْبِيرِ قَبْلَ الرُّكُوعِ يُكَبِّرُهَا خِلافاً لابْن وَهْبِ
يعني: إذا جاء مسبوق فوجد الإمام في القراءة فأحرم فهل يكبر أو يسكت؟ فرأى ابن وهب أن التكبير والحالة هذه كالقضاء في حكم الإمام. ورأى في المشهور أن ذلك ليس بقضاء لخفة الأمر، إذ ليس كحال الصلاة. والعامل في (قَبْلَ) محذوف؛ أي: يدرك الإمام قبل الركوع. وقوله: (يُكَبِّرُهَا) يظهر أنه أراد جميع التكبير، والظاهر أنه إن سبق
стр. 581
ببعض التكبير أن الخلاف باق. وفي مختصر ابن شعبان: وروى ابن القاسم، وابن كنانة، ومطرف، وابن نافع عن مالك فيمن أدرك الإمام في بعض تكبيرات العيد أنه يكبر ويدخل معه، فإذا فرغ الإمام من التكبير، وأخذ في القراءة أتم هو ما بقي عليه والإمام يقرأ. أما إن وجده في الركوع فقال ابن القاسم: يدخل معه بتكبيرة الإحرام، ولا شيء عليه.
ثُمَّ إِنْ كَانَتِ الثَّانِيَةُ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُكَبِّرُ خَمْساً، ويَقْضِي رَكْعَةً بِسَبْعٍ. وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكَبِّرُ سِتّاً، ويَقْضِي رَكْعَة بسِتٍّ والسَّابِعَةُ تَقَدَّمَتْ لِلإِحْرَامِ.
يعني: وإن كانت الركعة التي سبق بها المأموم هي الثانية على الشرط المتقدم؛ أي: أدركه قبل الركوع. وبنينا على المشهور لا على قول ابن وهب، فقال ابن القاسم: يكبر خمساً ويقضي الركعة الأولى بسبع تكبيرات تباعاً. أي: يعد فيها تكبيرة القيام. وعبارة ابن شاس: وإن وجده في الثانية فليقض ركعة يكبر فيها سبعاً بتكبيرة القيام. وكذلك صرح به صاحب البيان، قال: وهو خلاف أصله في الصلاة الأولى من المدونة فمن جلس مع الإمام في غير موضع جلوس له أنه يقوم بلا تكبير، ومثل قوله فيمن أدرك الإمام جالاً في آخر صلاته أنه يقوم بتكبير. قال: وقد ذهب بعض الناس إلى أن قوله فيمن أدرك الإمام جالساً في آخر صلاته يقوم بتكبير بخلاف أصله في تفرقته بين أن يجلس مع الإمام في موضع جلوس أو لا؟ لكنه استحب لما كان في أول صلاته أن تتصل قراءته بتكبير، وهذا ضعيف؛ لقوله فيمن أدرك الإمام جالساً في صلاة العيدين أنه يكبر سبعاً؛ لأن الواحدة من السبع هي للقيام، وقد كان معه من التكبير ما تتصل به قراءته. انتهى. (وقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ: يُكَبِّرُ سِتّاً) أي: ولا يكبر للقيام؛ لجلوسه في غير محل جلوس. وهو الأظهر، والله أعلم.
وبَعْدَ رُكُوعِهِ يَقْضِي الأُولَى بِسِتٍّ عَلَى الأَظْهَرِ
يعني: وإن أدركه بعد ركوع الركعة الثانية يقضي الأولى بست على الأظهر؛ أي: على مذهب المدونة. وقد تقدم قوله في البيان أن المراد ست خلاف تكبيرة الرفع؛ وكذلك قال
стр. 582
ابن راشد. وعلى هذا فالمعارضة التي تذكر هنا بين هذه المسألة وبين مدرك التشهد ليست صحيحة؛ لأن ابن القاسم سوى بينهما في القيام بتكبر. وفهم عبد الحق المدونة على أنه يكبر ستاً فقط. وذلك لأنه قال في التهذيب: ومن أدرك الجلوس كبر وجلس، ثم يقضي بعد سلام الإمام الصلاة. فتعقب عبد الحق عليه ذلك وقال: نقص أبو سعيد من هذه المسألة ما الذي يقضي. ونص لفظها في الأم: وإذا قضى الإمام صلاته قام فكبر ما بقي عليه من التكبير، ثم صلى ما بقي عليه كما صلى الإمام. وقوله في الأمهات: ما بقي عليه من التكبير يدل على أنه يكبر ستاً، ويعتد بالتكبيرة التي كبر قبل جلوسه. واعلم أن في غير المدونة فيها خلاف، هل يكبر ستاً، أو يكبر سبعاً؟ وهو شيء محتمل، ألا ترى أنه في الفرائض] ٩٦/ب [إذا أدرك مع الإمام الجلوس فكبر ثم جلس ثم قام، فقد قال: إنه يكبر. فقد يقول قائل كما جعله هنا كبر، وقد كبر ثم جلس، فكذلك في صلاة العيدين يكبر إذا قام، ولا يعتد بما كبر، فيكون تكبيره سبعاً، وقد ذكرنا أنه قد قيل ذلك، ولكن قوله في الأمهات: ما بقي قد بان أنه يكبر ستاً ويعتد بتلك التكبيرة التي كان كبر. ولعل الفرق بين هذه وبين ما وقع له من صلاة الفريضة أنه في الفريضة إذا سلم الإمام قام هو مبتدئاً للقيام. ولابد لمن يبدأ القيام في الصلاة من التكبير، فاستحب ذلك لهذا. وأما في صلاة العيدين فهو إن اعتد بالتكبيرة المتقدمة فإنه يكبر أيضاً فما خلا مبتدئاً قيامه من تكبير فافترقا. انتهى كلام عبد الحق. فعلى هذا فيكون الأظهر ومقابله تأويلين على المدونة. وتأول اللخمي على المدونة ما قال عبد الحق؛ لأنه قال: إن وجده جالسا أحرم وجلس، ثم إذا سلم الإمام قام فصلى ركعتين، يكبر في الأولى سبعاً، وفي الثانية خمساً. وقال أيضاً: يكبر في الأولى ستاً مثل قوله في المدونة. انتهى. وقد ذكر في التنبيهات أن ابن وضاح روى في كتاب الحج من المدونة أنه يكبر سبعاً، وأن غيره روى ستاً، وذكر أن قول ابن القاسم في العتبية اختلف على هذين القولين.
стр. 583
وقِرَاءَتُهَا بِسَبِّحْ والشَّمْسِ جَهْراً. ابْنُ حَبِيبٍ: بِقَافْ واقْتَرَبَتْ
الأحسن أن يقول: ونحوها كما قال في المدونة، ووقع في بعض النسخ وقراءتها بكالشمس وسبح، وهي أحسن. وفي مسلم، وأبي داود، والترمذي، وصححه النسائي أن النبي ﷺ : كان يقرأ في العيدين ويوم الجمعة بسبح وهل أتاك حديث الغاشية. وكقول ابن حبيب ورد حديث في مسلم، وأبي داود، والترمذي وصححه.
ثُمَّ يَخْطُبُ بَعْدَهَا كَخُطْبَتَيِ الْجُمُعَةِ مِنْ جُلُوسَيْنِ وغَيْرِهِمَا
ما ذكره من الجلوسين هو المشهور. وفي المبسوط: لا يجلس في أولها. ووجهه أن الجلوس الأول في الجمعة إنما هو للأذان ولا أذان هنا.
ويَسْتَفْتِحُ بِسَبْعِ تَكْبِيرَاتٍ تِبَاعاً ثُمَّ يُكَبِّرُ ثَلاثاً فِي أَضْعَافِهَا، ولَمْ يَحُدَّهُ مَالِكٌ. وفِي تَكْبِيرِ الْحَاضِرِينَ بِتَكْبِيرِه قَوْلانِ ....
الأول: من كلام المصنف لابن حبيب وغيره أنه يستفتح كلاً من الخطبتين بسبع، ثم يفصل بثلاث ثلاث. وقوله: (ولَمْ يَحُدَّهُ مَالِكٌ) أي: لم يحد الابتداء بالسبع، والفصل بالثلاث؛ وهو قوله في المبسوط. ونقل عن ابن القاسم. وعلى هذا فالذي قدمه خلاف قول مالك وابن القاسم، ويحتمل أن يريد: لم يحد كم يفعل مرة. وهو ظاهر التهذيب، فإنه قال: يكبر الإمام في العيدين، ثم في حال خطبته ولا حد في ذلك. فعلى الوجه الأول يكون كلامه كله مسألة واحدة، وعلى الثاني يكون مسألتين، والله أعلم. والمشهور أن الحاضرين يكبرون بتكبيره، والقول بأنهم لا يكبرون معه للمغيرة.
فرع:
قال مالك في المجموعة: وينصت للخطبة ويستقبل، وليس من تكلم في ذلك كمن تكلم في الجمعة، وإذا أحدث في الخطبة أو في خطبة الاستسقاء تمادى؛ لأنه بعد الصلاة.
стр. 584
ولَوْ بَدَأَ بِالْخُطْبَةِ أَعَادَهَا اسْتِحْبَاباً
قال أشهب: فإن لم يفعل فقد أساء وتجزئه.
والصَّحْرَاءُ أَفْضَلُ مِنْ الْمَسْجِدِ إِلا بِمَكَّةَ
لأن إيقاعها في الصحراء هو آخر الأمور منه ﵊، فمنهم من رأى ذلك نسخاً، ومنهم من قال: إنما ذلك لضيق مسجد المدينة حين كثر الصحابة. وهو ظاهر، لولا ما علم أن المقصود بها إظهار الشعائر، وذلك يناسب إيقاعها في الصحراء.
خليل: انظر قولهم هنا أنهم لا يخرجون من مكة، وتعليلهم ذلك بأمرين: زيادة الفضل، والقطع بجهة القبلة. وقد ثبت إلغاؤهما معاً، واللازم أحد أمرين، إما أن يخرجوا من مكة أيضاً، وإما أن يصلوا بمسجد المدينة.
ولا يَنْتَقِلُ فِيهَا فِي الصَّحْرَاءِ، وأَمَّا فٍي الْمَسْجِدِ فُثَلاثَةٌ لابْنِ الْقَاسِمِ وابْنِ حَبيبٍ وأَشْهَبُ: ثَالِثُهَا: يَنْتَقِلُ بَعْدَهَا ...
أي: لا يتنفل الإمام والمأموم في الصحراء لا قبلها ولا بعدها. قال ابن شهاب: لم يبلغني أن أحداً من أصحاب النبي ﷺ يوم الفطر ويوم النحر تنفل قبلها ولا بعدها، وهذا هو المعروف. وفي كتاب ابن شعبان ومختصر ابن عبد الحكم: لابن وهب إجازة النفل بعد الصلاة في المصلى. حكاه في التنبيهات، وأما إن صليت في المسجد فقال ابن القاسم في المدونة: تصلي قبل وبعد. أما قبل فلتحية المسجد، وأما بعد فلعدم المانع. وقاس ابن حبيب المسجد في ذلك على المصلى، ورأى أشهب وابن وهب: يتنفل بعدها لا قبلها، لئلا يظن تغيير سنتها. وحكى بعضهم عكسه، ومنع بعضهم التنفل جُملة يوم العيد إلى الزوال. قال في الإكمال: واختاره بعض أصحابنا. وفي الذخيرة: قال سند: استحب ابن حبيب ألا يتنفل] ٩٧/أ [ذلك اليوم إلى الظهر، وهو مردود بالإجماع. انتهى.
стр. 585
وَقْتُهَا مِنْ حِلِّ النَّافِلَةِ إِلَى الزَّوَالِ ولا تُقْضَي بَعْدَهُ
لا خلاف في هذا عندنا.
ومِنْ سُنَّتِها: الْغُسْلُ، والطِّيبُ، والتَّزَيُّنُ بِاللِّبَاسِ
المشهور أن الغسل للعيدين مستحب خلاف ظاهر كلامه، وقيل: سنة. مالك: وواسع أن يغتسل لها قبل الفجر. وقال ابن حبيب: أفضل أوقات الغسل لها بعد صلاة الصبح. ويستحب الطيب والتزين باللباس للخارج لها والقاعد بخلاف الجمعة.
والْفِطْرُ قَبْلَ الْغُدُوِّ فِي الْفِطْرِ وتَاخِيرِهِ فِي النَّحْرِ، والْمَشْيُ إِلَيْهَا، والرُّجُوعُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى، والْخُرُوجُ بَعْدَ الشَّمْسِ إِنْ أَمْكَنَ ....
لما في الموطأ: عن ابن شهاب عن سعيد بن المسيب أنه أخبره أن الناس كانوا يؤمرون بالأكل يوم الفطر قبل الغدو على المصلى. قال الباجي: ويستحب أن يكون فطره على تمرات، لما رواه الترمذي، وحسنه عن أنس أنه قال: كان رسول الله ﷺ لا يخرج يوم الفطر حتى يأكل تمرات. زاد البغوي فيه: ويأكلهن وتراً. ونص مالك في المدونة: ولا أرى ذلك على الناس في الأضحى. وفي الدارقطني: أنه ﵊ لم يكن يفطر يوم النحر حتى يرجع فيأكل من أضحيته. وقوله: (وتَاخِيرِهِ فِي النَّحْرِ) يقتضي أن التأخير مستحب، ونحوه في التلقين والجواهر. وكلامه في المدونة وكلام ابن أبي زيد لا يقتضي استحبابه لقولهما: وليس ذلك على الناس في الأضحى. فانظر ذلك. وقوله: (والرُّجُوعُ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى) لما رواه البخاري عن جابر بن عبد الله قال: كان رسول الله ﷺ إذا كان يوم العيد خالف الطريق. وروى أبو داود وابن ماجه نحوه. واختلف في العلة فقيل: لإظهار الشعائر وإرهاب الكفار. وقيل: لتشهد له الطريقان بذلك. وقيل: ليتصدق على أهل الطريقين. وقيل: لتعم بركته الفريقين. وقيل:
стр. 586
لتصافحه الملائكة من الجهتين. وقيل: خوفاً من أن تكون الكفار كمنت له كميناً. وقيل: ليسأله أهل الطريقين عن أمر دينهم. وقيل: لئلا يزدحم الناس في الطريق. وقيل: لتكثر الخطى إلى المسجد.
ويُكَبِّرُ فِي أَضْعَافِهِ، وفِي مَشْرُوعِيَّتِهِ قَبْلَ الشَّمْسِ: ثَالِثُهَا: يُكَبِّرُ إِنْ أَسْفَرَ
التكبير في الغدو فضيلة، قاله ابن هارون.
خليل: قال في المدونة: ويكبر في الطريق، يسمع نفسه ومن يليه، وفي المصلى حتى يخرج الإمام فيقطع ولا يكبر إذا رجع. قال مالك في العتبية: ويكبر في العيدين جميعاً في الفطر والنحر. والقول بأنه يكبر قبل طلوع الشمس لمالك في المبسوط.
ابن عبد السلام: وهو الأولى ولا سيما عيد الأضحى تحقيقاً بالشبه لأهل المشعر الحرام.
والقول بعدم التكبير لمالك في المجموعة. وفهم اللخمي المدونة عليه. ابن راشد: وهو الأصل؛ لأنه ذكر شرع للصلاة، فوجب ألا يؤتي به حتى يدخل وقتها قياساً على الأذان. والتفرقة لابن حبيب، قال: ومن السنة أن يجهر بالتكبير في طريقه والتحميد والتهليل جهراً يسمع من يليه، وفوق ذلك حتى يأتي الإمام.
وسَأَلَ سَحْنُونٌ ابْنَ الْقَاسِمِ: هَلْ عَيَّنَهُ مُالِكٌ؟ فَقَالَ: لا، ومَا كَانَ مَالِكٌ يَحُدُّ فِي مِثْلِ هَذَاَ. واخْتَارَ ابْنُ حَبِيبٍ تَكْبِير َالتَّشْرِيقِ فِي الْمُخْتَصَرِ وزَادَ: عَلَى مَا هَدَانَا: اللَّهُمَّ اجْعَلْنَا لَك مِنَ الشَّاكِرِينَ. وزَادَ أَصْبَغُ عَلَيْهِ: اللهُ أَكْبَرُ كَبِيراً إِلى إِلا بِاللهِ ....
كلام ابن القاسم ظاهر، وتقدير كلامه: واختار ابن حبيب أن يكبر في مسيره إلى صلاة العيدين على صفة التكبير الذي في مختصر ابن عبد الحكم؛ أي الذي يقال بعد الصلاة، وسيأتي. وزاد ابن حبيب على ذلك: إذا وصل إلى قوله: ولله الحمد، أن يقول:
стр. 587
على ما هدانا، اللهم اجعلنا لك من الشاكرين. وزاد أصبغ على زيادة ابن حبيب: الله أكبر كبيراً، والحمد لله كثيراً، وسبحان الله بكرة وأصيلاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.
ويَقْطَعُ بِحُلُولِ الإِمَامِ مَحِلَّ الصَّلاةِ، وقِيلَ: مَحِلَّ الْعِيدِ
(محل الصلاة) أي: محل صلاة الإمام نفسه، و (محل العيد) هو: المصلى: أي: محل اجتماع الناس.
ويُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ عَقِبَ خَمْسَ عَشْرَةَ مَكْتُوبَةً، وقِيلَ: سِتَّ عَشْرَةَ. أَوَّلُهَا ظُهْرُ يَوْمِ النَّحْرِ. وفِي النَّوَافِل قَوْلانِ، وفِيهَا: ثَلاثُ تَكْبيرَاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ. وفِي الْمُخْتَصَرِ: اللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ لا إِلَهَ إِلا اللهُ، واللهُ أَكْبَرُ اللهُ أَكْبَرُ ولِلهِ الْحَمْدُ أَحَبُّ إِلَيَّ، فَلَوْ قَضَي صَلاةً مِنْهَا فَقَوْلانِ ...
أي: وآخرها صبح الرابع. وعلى الشاذ ظهر الرابع. والمشهور: لا يكبر بعد النافلة، قاله ابن الفاكهاني في شرح العمدة. وظاهره أن أهل الأفاق لا يكبرون في غير دبر الصلوات خلافاً لابن حبيب. وقوله: (فَلَوْ قَضَي صَلاةً مِنْهَا) يريد: في أيام التشريق، (فَقَوْلانِ). قال سحنون وأبو عمران: لا يكبر. وقيل: يكبر، لبقاء الوقت. أما لو خرجت أياما التشريق ولم يكبر لها اتفاقاً، نقل ذلك ابن راشد وغيره. وعكس هذا: لو ذكر صلاة من غير أيام التشريق في أيام] ٩٧/ب [التشريق، فظاهر المذهب: لا يكبر، خلافاً لعبد الحميد. واحتج بقوله ﷺ : "فإنما ذلك وقتها". ووقع في بعض النسخ: فلو قضى صلاة فيها، فيكون مراده هذا الفرع، والله أعلم. والمسبوق يكبر إذا فرغ من صلاته. قال أشهب: ولو كان عليه سجود بعدي فلا يكبر حتى يفرغ منه. ولو نسي التكبير كبر بالقرب، وإن تباعد فلا شيء عليه.
стр. 588
صَلاةُ الْكُسُوفِ قَبْلَ الانْجِلاءِ سُنَّةٌ فِي الْمَسْجِدِ لا فِي الْمُصَلَّى، وقِيلَ: والْمُصَلَّي. والْجَمَاعَةُ فِيهَا مُسْتَحَبّةٌ، ويُؤْمَرُ بِهَا كُلُّ مُصَلٍّ حَاضِرٍ أَوْ مُسَافِرٍ أَوْ غَيْرِهمَا، وتُصَلِّيهَا الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا ....
يقال: خسفت الشمس بفتح الخاء للفاعل، وبضمها مبنياً للمفعول، وكذلك كسفت. ويقال: مسفاً وانكسافاً، وخسفاً وانخسافاً. وقيل: الكسوف مختص بالشمس، والخسوف مختص بالقمر، وقيل: عكسه. ورد بقوله تعالى: ﴿وَخَسفَ الْقَمَرُ﴾. وقيل: الكسوف للكسوف أوله، والخسوف آخره؛ إذا اشتد ذهاب الضوء. وقيل: الكسوف ذهاب الضوء بالكلية. والخسوف تغيير اللون. وقيل: هما مترادفان. وقوله: (فِي الْمَسْجِدِ) يريد: مخافة انجلائها في طريق المصلى. وقوله: (وقِيلَ: والْمُصَلَّي)؛ هو لابن وهب؛ يعني أن هذا القائل مخير بين إيقاعها في المسجد والمصلى. وفهم هذا من كلامه لإتيانه بالواو المتقضية للجمع، هذا إذا وقعت في جماعة كما هو المستحب. وأما الفذ فله أن يفعلها في بيته.
وقوله: (فِي الْمَسْجِدِ) متعلق بمحذوف؛ أي: توقع في المسجد. ولا يصح تعلقه بقوله: (سُنَّةٌ) لأنه يصير معنى كلامه، أن إيقاعها في المسجد سنة. فلا يؤخذ من كلامه حكمها، وكذلك لا يصح تعلقه بقوله: (صَلاةُ) لما يلزم عليه من الإخبار عن الاسم قبل تمامه، إذ صلة المصدر منه كالجزء؛ لأن قوله: (سُنَّةٌ) خبر عن لفظ (صَلاةُ) الذي لم تتم إلى الآن.
وقوله: (أَوْ غَيْرِهمَا) قال شيخنا ﵀: غيرهما أهل العمود، فإنهم ليسوا كأهل الحضر إذ لا جمعة عليهم، ولا كأهل السفر إذ لا يفطرون ولا يقصرون. قوله: (أَوْ مُسَافِرٍ) قال في المدونة: إلا أن يجد به السير.
стр. 589
ووَقْتُهَا كَالْعِيدَيْنِ. وقِيلَ: إِلَى الاصْفِرَارِ. وقِيلَ: إِلَى الْغُرُوبِ.
وقوله: (كَالْعِيدَيْنِ) يريد في الابتداء والانتهاء؛ فلا تصلي إذا طلعت الشمس مكسوفة، لكراهة النافلة حينئذ. نص عليه الباجي. وعبارته في المدونة تدل عليه لقوله: وتصلي من ضحوة إلى الزوال. وفيه قول رابع: تصلي ما لم تصل العصر.
وصِفَتُّهَا: رَكْعَتَانِ، فِي كَلِّ رَكْعَةٍ رُكُوعَانِ وقِيَامَانِ، بِغَيْرِ أَذَانٍ ولا إِقَامَةٍ
هذا ظاهر. وصح أنه ﵊ نادي فيها: الصلاة جامعة، قال صاحب الإكمال وغيره: وهو حسن.
فَإِنِ انْجَلَتْ فِي أَثْنَائِهَا فَفِي إِتْمَامِهَا كَالنَّوَافِلِ قَوْلانِ
القول بإتمامها على سنتها لأصبغ، والآخر لسحنون. ابن عبد السلام: ومعنى الأول- والله أعلم- إنما هو في عدد الركوع والقيام خاصة دون الإطالة. وأطلق المصنف في القولين، وكذلك فعل غيره، وحكاهما بعض الشيوخ فيما إذا انجلت بعد أن أتم ركعة بسجدتيها، وأما لو انجلت قبل ذلك فقولان: قيل: يقطع. وقيل: يتمها ركعتين على حكم النوافل.
وقِرَاءَتُهَا سِرّاً عَلَى الْمَشْهُورِ، وفِي الأُولَى بِالْفَاتِحَةِ ونَحْوِ الْبَقَرَةِ ثُمَّ يُرَتِّبُ الأَرْبَعَةَ ويُعِيدُ الْفَاتِحةَ فِي الْقِيَامِ الثَّانِي والرَّابعِ عَلَى الْمَشْهُورِ.
وجه السر قول ابن عباس في الحديث الذي في الموطأ، والصحيحين، وأبي داود، والنسائي أن رسول الله ﷺ قام قياماً طويلاً نحواً من سورة البقرة. ولا يقال ذلك مع الجهر، وفي البيهقي من حديث ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عكرمة، عن ابن عباس أن النبي ﷺ صلى صلاة الكسوف فلم أسمع له صوتاً. وجه الجهر ما خرجه البخاري، ومسلم وأبو داود أن النبي ﷺ قرأ فيها جهراً. وقوله: (ثُمَّ يُرَتِّبُ الأَرْبَعَةَ) أي: البقرة، وآل عمران، والنساء، والمائدة.
стр. 590
هكذا قال مالك في المختصر، نقله صاحب النوادر، وصاحب الكافي، أنه يقرأ الأربعة قال: وأي سورة قرأ في صلاة الكسوف أجزأ. والاختيار عند مالك ما وصفناه، لكن انظر هذا مع ما نقله صاحب الإكمال وغيره عن مالك أن كل ركعة دون التي قلها، فإنه قال: لا خلاف بين العلماء أن الركوع الثاني من الركعة الأولى أقصر مما قبله. واختلف العلماء في القيام الأول وركوع الأول من الركعة الثانية، هل هو أقصر من القيام الثاني، والركوع الثاني من الركعة الأولى؛ وهو قول مالك أن كل ركعة دون التي قبلها، وهو مقتضى الحديث. انتهى باختصار. وعلى هذا فيمكن أن يريد بقوله: (يُرَتِّبُ الأَرْبَعَةَ)] ٩٨/أ [الأربعة ركوعات. ووجه المشهور - من أن إعادة الفاتحة أنه من سنة كل ركوع- أن يعقب قراءة الفاتحة، ووجه الشاذ - وهو قول محمد بن مسلمة - أنها ركعتان، والركعة الواحدة لا تكرر فيها الفاتحة.
ويُطِيلُ الرُّكُوعَ قَرِيباً مِنَ الْقِيَامِ. والسُّجُودُ مِثْلُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: والسجود مثل الركوع في الإطالة على المشهور. ومقابلة لمالك في المختصر.
ولا خُطْبَةَ، ولَكِنْ يَسْتَقْبِلُهُمْ ويُذَكِّرُهُمْ على المشهور
صح عنه ﵇ أنه أقبل على الناس وهو محمول عند مالك على الوعظ لا على الخطبة، وإنما استحب ذلك لأن الوعظ إذ أتى عقب الآيات يرجي تأثيره.
وإِذَا أَدْرَك الرُّكُوعَ الثَّانِي فَقَدْ أَدْرَكَ الرَكْعَةَ
حاصله أن الركوع الأول سنة والثاني وهو الفرض؛ فلذلك إذا أدرك الثاني من إحدى الركعتين فقد أدرك تلك الركعة. وإذا أدرك الركوع الثاني من الركعة الأولى فقد أدرك الصلاة كلها، وإن أدرك الثاني من الثانية فقد أدرك الثانية ويقضي ركعة فيها ركوعان.
стр. 591
وإِذَا اجْتَمَعَتْ مَعَ فَرْضٍ، فَالْفَرْضُ إِنْ خِيفَ فَوَاتُهُ
لعله يريد الجنازة. وإلا لم يتأت هذا الفرع على المشهور.
واعْتُرِضَ عَلَى مَنْ قَدَّرَ اجْتِمَاعَ عِيدٍ وكُسُوفٍ بِاسْتِحَالَتِهِ عَادَةً، وأُجِيبَ بِأَنَّ الْمَقْصُودَ مَا يَقْتَضِيهِ الْفِقْهُ بِتَقْدِيرِ الْوُقُوعِ، ورَدَّهُ الْمَازِرِيُّ بأَِنَّ تَقْدِيرَ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ لَيْسَ مِنْ دَابِ الْفُقَهَاءِ ...
قال المازري: قال عبد الحق: إذا اجتمع عيد، وكسوف، واستقساء، وجمعة في يوم واحد؛ فيبدأ بالكسوف لئلا تتجلى الشمس ثم بالعيد، ثم بالجمعة، ويترك الاستسقاء ليوم آخر؛ لأن يوم العيد يوم تجمل ومباهاة، والاستسقاء ضد ذلك. ولم أزل أعجب من اغتفاله إذ لا يكون كسوف يوم عيد؛ أي: لأن العيد إنما يكون في النصف الأول، والكسوف لا يكون إلا في النصف الثاني. وقوله: (وأُجِيبَ) إلى آخره ظاهر التصور. وردُّ المازريِّ لِهَذَا يدلُّ على رسوخه في العلم، وشدة خوفه من الله الحامل على اشتغاله بالأهم مما يعنيه.
وَصَلاةُ خُسُوفِ الْقَمَرِ رَكْعَتَانِ كَالنَّوَافِلِ، ولا يُجْتَمَعُ لهَا عَلَى الْمَشْهُورِ
قوله: (رَكْعَتَانِ) لا يريد ركعتين فقط؛ لأن ابن الفاكهاني نقل عن مالك في شرح الرسالة أنه يصلي ركعتين ركعتين، وكذلك قال ابن عبد البر في كافيه أنه يصلي ركعتين ركعتين حتى ينجلي. وقوله: (كالنوافل) يعني: بلا تكرار ركوع، وهذا هو المشهور. وقال ابن الماجشون وعبد العزيز بن أبي مسلمة: تصلي ككسوف الشمس. ولم يجمع لها؛ لأنها تأتي ليلاً، فلو كلف الناس الجمع لأدى إلى الحرج. قال اللخمي: ولمالك في المجموعة: يفزع الناس في خسوف القمر إلى الجامع، ويصلون أفذاذاً، والمعروف من المذهب أن الناس يصلونها في بيوتهم، ولا يكلفون الخروج لئلا يشق ذلك عليهم. واختلف هل يمنعون من
стр. 592
الجمع؟ فقال مالك في المدونة والمجموعة: لا يجمعون. وأجاز أشهب الجمع، وهو أبين؛ لأنا إنما قلنا لا يجمعون لما في خروجهم من المشقة، فإذا اجتمعوا لم يمنعوا قياساً على كسوف الشمس. انتهى. وصلاة خسوف القمر فضيلة، وليست بسنة.
صَلاةُ الاسْتِسْقَاءُ سُنَّةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ إِلَى الْمَاءِ لِزَرْعِ أَوْ شُرْبِ حَيَوَانٍ، فَلِذَلِكَ يَسْتَسْقِى مَنْ بِصَحْرَاءَ أَوْ بِسَفِينَةِ. وقِلَّةُ النَّهْرِ كَقِلَّةِ الْمَطَرِ، قَالَ أَصْبَغُ: اسْتُسْقِىَ بِمِصْرَ لِلنِّيلِ خَمْسَةً وعِشْرِينَ يَوْماً مُتَوَالِيَةً. وحَضَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وابْنُ وَهْبٍ وغَيْرُهُمَا ...
لما في البخاري ومسلم وغيرهما: خرج رسول الله ﷺ إلى المصلى فاستسقى فحول رداءه، ورفع يديه، ودعا، واستسقى، واستقبل القبلة. وكلامه ظاهر.
وفِي إِقَامَةِ الْمُخْصِبِينَ لَهَا لا لأَجْلِهِمْ نَظَرٌ
(لَهَا) أي؛ لصلاة الاستسقاء. (لأَجْلِهِمْ) أي: للمجدبين. وفي بعض النسخ: لا لأجلهم. فيعود الضمير على المخصبين؛ أي: لا لأجل أنفسهم. قال اللخمي والشوشاوي: ذلك مندوب لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. وقال المازري: في ذلك عندي نظر؛ لأنهم لم يقم على صلاتهم دليل، أما دعاؤهم لهم فمندوب. والجدب بالدال المهملة نقيض الخصب، خاص باحتياج الزرع إلى الماء، ولا يستعمل في احتياج الحيوان.
ويَخْرُجُونَ إِلَى الْمُصَلَّى فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ أَذِلَّةً وَجِلِينَ، وتُصَلَّى رَكْعَتَّيْنِ كَالنَّوَافِلِ جَهْراً، ثُمَّ يَخْطُبُ كَالْعِيدَيْنِ، ويَجْعَلُ بَدَلَ التَّكْبِيرِ الاسْتِغْفَارَ، ويُبَالِغُ فِي الدُّعَاءِ فِي آخِرِ الثَّانِيَةِ، ويَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ حِينَئِذٍ ويُحَوِّلُ رِدَاءْهُ تَفاؤُلاً مَا يَلِي ظَهْرَهُ إِلَى السَّمَاءِ وما عَلَى الْيَمِينِ عَلَى الْيَسَارِ ولا يُنَكِّسُهُ وكَذَلِكَ النَّاسُ قُعُوداً ....
يخرجون] ٩٨/ب [في ثياب بذلة؛ لأن المقصود إظهار التواضع. ابن حبيب: من السنة أن يكونوا مشاة بسكينة ووقار، متواضعين متخشعين، فإذا ارتفعت الشمس خرج
стр. 593
الإمام متذللاً ماشياً، والمذهب أنها تصلي ضحوة. زاد ابن حبيب إلى الزوال. سند: وقوله يحتمل أن يكون تفسيراً.
خليل: والظاهر أنه تفسير؛ فإنه هو الذي ذكره ابن الجلاب وعبد الوهاب وغيرهما. وفي العتبية: لا بأس بالاستسقاء بعد الصبح والمغرب. وتأوله ابن رشد بأن المراد الدعاء لا البروز إلى المصلى.
فائدة:
كل صلاة لها خطبة فالقراءة لها جهراً. وقلنا لها خطبة احترازاً من خطبة الحج فإنها ليست للصلاة بل لتعليم الحاج. وقوله: (ثُمَّ يَخْطُبُ) هو المشهور، وقيل: لا خطبة. وقوله: (ثُمَّ يَخْطُبُ) يقتضي أن الخطبة بعد الصلاة.
ابن راشد: وهو المشهور. وكان مالك أولاً يقول أنها قبل الصلاة.
قوله: (ويَجْعَلُ ...) الخ، أي: ويجعل الاستغفار هنا بدل التكبير هناك في صلاة العيد، ويجلس جلستين فيها كالجمعة. وفي المبسوط: لا يجلس في غير أول صلاة الجمعة، ولا يخرج لها بمنبر على المشهور. ابن الماجشون: وليس في الغدو إليها تكبير ولا استغفار إلا في الخطبة. وينبغي إذا استغفر في الخطبة أن يستغفروا كما يكبرون معه في خطبة العيدين. والأصل في الاستغفار قوله تعالى في قصة نوح: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً* يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً﴾] نوح: ١٠ - ١١ [وفي وقت تحويل الرداء أقوال: المشهور- كما ذكر المصنف - بعد الفراغ. وفي المجموعة: يفعل ذلك بين الخطبتين. وروى عنه أنه يفعل ذلك في أثناء الخطبة، وعدم تنكيسه هو المشهور خلافاً لابن الجلاب. وقوله: (تَفاؤُلاً) أي: لعل الله يقلب جدبهم خصباً. ولا يقلب النساء أرديتهن لما في ذلك من الكشف لهن. وقوله: (وكَذَلِكَ النَّاسُ قُعُوداً) هو المشهور، وقال محمد ابن عبد الحكم: إنما يحول الإمام فقط. هكذا حكاه صاحب اللباب. والذي
стр. 594
في النوادر أن محمد بن عبد الحكم حكاه عن الليث. ولا يؤمرون بصيام ثلاثة أيام قبل الخروج خلافاً لابن الماجشون. ولا يخرج إليها من لا يعقل من الصبيان على المشهر. وقال مالك: ولا تخرج الحائض إليها بحال، ولا يخرج إليها البهائم على المعروف. وذكر ابن حبيب عن موسى بن نصير أنه استسقى بإفريقية فجعل الصبيان على حدة، والإبل والبقر على حدة، وأهل الذمة على حدة. وصلى، وخطب، ولم يدع في خطبته لأمير المؤمنين، فقيل له في ذلك. فقال: ليس هو يوم ذلك. ودعا، ودعا الناس إلى نصف النهار.
ابن حبيب: واستحسن ذلك أهل المدينة. وهل يخرج إليها أهل الذمة؟ ثالثها المشهور: يخرجون مع الناس غير منفردين بيوم واحد. وإذا خرجوا فقال ابن حبيب: لا يمنعون من التطوف بصلبانهم ويكونون في ناحية منعزلين عن المسلمين، ويمنعون من إظهار ذلك في الأسواق، وفي جماعة المسلمين في الاستسقاء وغيره. والمشهور جواز التنفل قبلها وبعدها في المصلى خلافاً لابن وهب فيهما. ابن حبيب: وبه أقول.
صَلاةُ التَّطَوُّعِ مِنْهَا رَوَاتِبُ: وهِيَ أَتْبَاعُ الْفَرَائِضِ كَرَكْعَتَيِ الْفَجْرِ والْوِتْرِ، وقَبْلَ الْعَصْرِ، وبعْدَ الْمَغْرِبِ. وفِيهَا: هَلْ كَانَ مَالِكٌ يُؤَقِّتُ قَبْلَ الْظُّهْرِ وَبَعْدَهَا وقَبْلَ الْعَصْرِ وبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ؟ قَالَ: لا، إِنَّمَا يُؤَقِّتُ أَهْلُ الْعِرَاقِ ...
علم من ذكره ركعتي الفجر أنه ليس مراده بالتوابع ما بعد الصلاة. وكان مالك ﵀ يفر من التحديد، ويرى أن ما ورد من ذلك ليس المراد به التحديد، على أن ابن أبي زيد وقت في الرسالة؛ لما ورد في ذلك.
خليل: وقد يقال: إنما نفي مالك ﵀ التحديد على وجه السنية؛ أي أن هذا العدد هو السنة دون غيره. وحكمة تقديم النوافل على الصلاة وتأخيرها أن العبد مشتغل بأمور الدنيا، فتبعد النفس عند ذلك بحضور القلب في العبادة، فإذا تقدمت النافلة على الفرض
стр. 595
تأنست النفس بالعبادة، فكان ذلك أقرب إلى الحضور، فهذا حكمة التقديم. وأما التأخير فلما ورد أن النوافل جابرة لنقصان الفرائض.
وغَيْرُ الرَّوَاتِبِ: الْعِيدَانِ، والْكُسُوفُ، والاسْتِسْقَاءُ، وَهِيَ سُنَّةٌ كاَلْوِتْرِ
ليس عندنا سنن إلا هذه الخمس، واختلف في ركعتي الفجر، ونبه على ذلك بقوله:
ورَكْعَتَا الْفَجْرِ والإِحْرَامُ سُنَّةٌ، وقِيلَ: فَضِيلَةٌ
كلامه يقتضي أن المشهور في ركعتي الفجر السنية
ابن عبد البر: وهو الصحيح. وهو خلاف قل بن أبي زيد فإنه قال: وركعتا الفجر من الرغائب. وقيل: من السنن. والقولان فيها لمالك، وبالرغيبة أخذ ابن القاسم وابن عبد الحكم، وأصبغ، وبالثاني أخذ أشهب. وهذا مما يرجح قول ابن أبي زيد.
ومَا عَدَاهَا فَضِيلَةٌ كَقِيَامِ رَمَضَانَ، والتَّحِيَّةِ، والضُّحَى؛ والتَّطَوُّعَاتُ لا تَنْحَصِرُ
لو قيل: بسنية التحية ما بعد. ابن راشد: وأكثر الضحى ثمان ركعات، وأقلها ركعتان.
والْجَمَاعَة فِي التَّرَاوِيحِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلْعَمَلِ، والْمُنْفَرِدُ لِطَلَبِ السَّلامَةِ أَفْضَلُ عَلَى الْمَشْهُورِ إِلا أَنْ تَتَعَطَّلَ ....
سمى قيام رمضان تراويح؛ لأنهم كانوا يطيلون القيام، فكان القارئ يقرأ بالمئين، فيصلون تسليمتين، ثم يجلس الإمام والمأموم للاستراحة، ويقضي من سبقه الإمام، ثم كذلك، فسميت تراويح لما يتخللها من الراحة. وقال بعضهم: جرت عادة الأئمة أن يفصلوا كل ركعتين من قيام رمضان ويصلون ركعتين خفيفتين. وقوله: (لِلْعَمَلِ) أي لاستمرار العمل على الجمع من زمن عمر ﵁، والمشهور مذهب المدونة قال فيها: وقيام الرجل في رمضان في بيته أحب إلي لمن قوي عليه. لما في الصحيحين عنه ﵊: "أفضل الصلاة صلاتكم في بيوتكم إلا المكتوبة".
стр. 596
ورجح في الشاذ إتباع السلف.
وقوله: (إِلا أَنْ تَتَعَطَّلَ) هو كقول ابن شاس: ولو انفرد الواحد في بيته لطلب السلامة من أجل إظهار النافلة لكان أفضل له على المشهور ما لم يؤد ذلك إلى تعطيل المساجد. ابن هارون: ولم أر الخلاف الذي ذكر ابن شاس والمصنف.
وهِيَ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ ثُمَّ جُعِلَتْ تِسْعاً وثَلاثينَ، وعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "مَا زَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ ولا فِي غَيْرِه عَلَى اثْنَتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوِتْرُ ...
استمر العمل شرقاً وغرباً في زماننا على الثلاثة والعشرين، ولمالك في المختصر: الذي نأخذ لنفسي من ذلك الذي جمع عليه عمر بن عبد العزيز الناس، إحدى عشرة ركعة، وهي صلاة النبي ﷺ .
سند: وكان الناس يقومون إحدى عشرة ركعة قيام النبي ﷺ ، إلا أنهم كانوا يطيلون، ففي الموطأ أنهم كانوا يستعجلون الخدم بالطعام مخافة الفجر. ثم خففت القراءة وزيد في الركعات فجعلت ثلاثاً وعشرين، ويقومون دون القيام الأول. وفي الموطأ أن القارئ كان يقوم بسورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتى عشرة ركعة رأوا أن خفف. ثم جعلت بعد وقعة الحرة بالمدينة تسعاً وثلاثين، وخففوا من القراءة فكان القارئ يقرأ بعشر آيات في الركعة، فكان قيامهم بثلاثمائة وستين آية.
ولَيْسَ الْخَتْمُ بِسُنَّةٍ، وسُورَةٌ تُجْزِئُ، ويَقْرَأُ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الأَوَّلُ، وأَجَازَهَا فِي الْمُصْحَفِ، وكَرِهَه فِي الْفَرِيضَةِ ...
يريد: لكن الختم أحسن، (ويَقْرَأُ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الأَوَّلُ) لئلا يتخير كل واحد أعشاراً توافق صوته، ولأنه يطلب سماع المصلين لجميع القرآن. قوله: (وأَجَازَهَا) أي: القراءة في المصحف في النافلة في رمضان، وغيره.
стр. 597
وإِنِ ابْتَدَأهاَ بِغَيْرِ مُصْحَفٍ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ إِلا بَعْدَ سَلامِهِ
لكثرة الشغل حينئذ.
ويُتِمُّ الْمَسْبُوقُ رَكْعَتَيْنِ ويُسَلِّمُ
أي: مخففة، ويلحق خلاف ما في الجلاب أنه يتحرى موافقته في الأداء، ويسلم من كل ركعة بالنسبة إلى الإمام، ثم كذلك إلى آخر الصلاة، وفيه مخالفة كثيرة إذ لا يزال مسبوقاً.
وتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، وإِنْ كَانَ مَارّاً جَازَ التَّرْكُ، وقَالَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ثُمَّ رَجَعَ، ولَمْ يَاخُذْ بِهِ مَالِكٌ ....
لما في الصحيحين: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
قال أبو مصعب: إلا أن يكثر دخوله فيجزئه ركوعه الأول. نقله اللخمي، ونحوه في الجلاب، قال علماؤنا: وليست الركعتان مرادتين لذاتهما؛ لأن القصد بهما إنما هو تمييز المسجد من سائر البيت، فلذلك لو صلى فريضة اكتفى بها، ولا يخاطب بالركوع إلا مريد الجلوس، فأما المار فقال مالك: يجوز له ترك الركوع. وكان زيد بن ثابت يقول أولاً كقول مالك، ثم رجع زيد فأمر المار بالركوع، ولم يعجب مالك ذلك، وبقي على جواز الترك، هكذا في المدونة. وأنكر أبو عمران أن تكون المدونة على ظاهرها في هذا المعنى لما ذكر أنه نص في المجموعة، وهو أن زيداً يقول: إن المار في المسجد لا يلزمه الركوع في أول مرة، وإذا رجع مرة أخرى فلابد له من الركوع. فلم يأخذ مالك بقول زيد في المار إذا رجع. والنسخة التي ذكرتها هي التي توافق المشهور، لا ما وقع في بعض النسخ: فإن كان ماراً جاز الترك، ولم يأخذ به مالك. وقيد بعضهم ما وقع في المدونة من جواز المرور فيه بما إذا لم يتخذ طريقاً؛ أعني أنه إذا كان سابقاً على الطريق؛ لأنه تغيير للحبس ومن أشراط الساعة.
стр. 598
فرع:
وتحية المسجد الحرام الطواف، وأما مسجده ﷺ فنقل التلمساني وابن عطاء الله أن مالكاً قال في العتبية: يبدأ بالصلاة قبل السلام عليه، ووسع له مالك [٩٩/ب] أيضاً أن يبدأ بالسلام عليه ﷺ قبل الصلاة، وبالأول أخذ ابن القاسم. ومنشأ الخلاف أنه ها هنا تعارض مندوبان.
فرع:
فإن صلى فقال مالك في العتبية: يصلي النافلة في مصلى النبي ﷺ ، ويتقدم في الفرض إلى الصف الأول. قال في البيان: قال مالك: والعمود المخلق ليس هو قبلة النبي ﷺ ، ولكنه أقرب شيء إلى مصلاه ﵇، بخلاف قول ابن القاسم أن العمود المخلق هو مصلاه ﵇. انتهى.
فرع:
والسلام المشروع هو أن يسلم على النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر. قاله مالك في المبسوط. مالك: وصفة السلام عليه ﷺ : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
التلمساني وابن عطاء الله: واختلف كيف يقول. فروى مالك عن عبد الله بن دينار أنه رأى عبد الله بن عمر يقف على قبره ﷺ ، فيصلي عليه وعلى أبي بكر وعمر. هكذا رواه يحيى بن عمر. وروى ابن القاسم: يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو لأبي بكر وعمر. وقد اختلف الناس في الصلاة على غير النبي ﷺ بطريق التبع.
الباجي: وأكثر العلماء على الجواز لقوله ﷺ : "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد". ومنع ذلك ابن عباس.
стр. 599
فرع:
وروى ابن وهب في المختصر قال: سئل مالك من أين يقف من أراد التسليم؟ فقال: من عند الزاوية التي تلي القبلة مما يلي المنبر، ويستقبل القبلة، ولا أحب أن يمس القبر بيده. واختلف هل يدعو عند القبر؟ فلمالك في المبسوط: ولا أرى أن يقف عند النبي ﷺ ويدعو، ولكن يسلم ويمضي.
الباجي: وروى عنه ابن وهب أنه يدعو مستقبل القبر، ولا يدعو مستقبل القبلة وظهره للقبر.
مالك في المبسوط: وإنما يقف بالقبر الغرباء. وقال ابن القاسم: رأيت أهل المدينة يقفون إذا دخلوا المسجد أو خرجوا منه، وهو رأيي.
و الْوِتْرُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، واسْتَدَلَّ اللَّخْمِيُّ بِقَوْلِ سَحْنُونٍ: يُجَرَّحُ. وأَصْبَغُ: يُؤَدَّبُ ....
قوله: (غَيْرُ وَاجِبٍ) لا يعني حكمه؛ لأن نفي الوجوب أعم من السنية، وكأنه اتكل على ما قدمه في السنن، ومقابل المشهور هو تخريج اللخمي، ولهذا كان الأحسن أن يقول على المنصوص. واستضعف التخريج بأن التجريح بالمباح فضلاً عن غيره. والتأديب لا يستلزم الوجوب؛ لأنا نؤدب الصبي على ترك الصلاة، ولعل أصبغ إنما أدبه لاستخفافه بأمور الديانة، فإن المداومة على ترك الوتر مشعرة بذلك.
ونقل التونسي وغيره عن ابن خوي منداد أنه قال: من استدام على ترك السنن فسق، وإن تركها أهل بلد جبروا عليها، فإن امتنعوا حوربوا.
التونسي: يحتمل أن تكون مقاتلتهم لأن الآمر لهم أمر بالمعروف، وَخُيِّرَ، فكان يجب على الآمر أن يأمرهم بذلك. فلما امتنعوا بعد الأمر وجب قتالهم لتركهم الأمر بالمعروف، والآمر لهم أمر بواجب عليهم، فقتالهم على امتناعهم. وقال بعض المتقدمين: أن الأمر
стр. 600
بالمندوبات ليس بواجب على الآمر به، وإنما ذلك عليه على سبيل الندب. وقد ذكر أيضاً ابن بشير وغيره هذا الخلاف؛ أعني أن الأمر بالمندوب هل هو واجب. أو مندوب؟ لكن قال في الإكمال: لما تكلم على قوله ﵊ "ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من الحطب .. " إلى قوله: "لا يشهدون الصلاة" الحديث.
اختلف في التمادي على ترك السنن، هل يقاتل عليها تاركوها إلى أن يجيبوا إلى فعلها؟ والصحيح قتالهم، وإكراههم على ذلك لأن في التمادي عليها إماتتها، بخلاف ما لا يجاهر به منها كالوتر ونحوه. وأطلق بعض شيوخنا القتال في المواطأة على ترك السنن من غير تفصيل. والأول أبين. انتهى.
وأَوَّلُهُ بَعْدَ الْعِشَاءِِ وبَعْدَ الشَّفَقِ وآخِرُهُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ
أي: أول وقتها المختار. وزاد (بَعْدَ الشَّفَقِ) احترازاً من مثل الجمع ليلة المطر.
والضَّرُورِيُّ إِلَى صَلاةِ الْفَجْرِ، وقِيلَ: لا ضَرُورِيَّ
يعني: أن وقت الوتر الضروري من طلوع الفجر إلى صلاة الصبح. وظاهر قوله: (لا ضَرُورِيَّ) أن الوتر لا يصلى بعد الفجر، وهو ظاهر كلام ابن شاس.
ابن راشد: وغيرهما. ولفظ ابن شاس: ويمتد وقت الضروري إلى أن يصلي الصبح على المشهور. وقال أبو مصعب: ينتهي وقتها لطلوع الفجر، ولا وقت ضروري لها. وقال ابن عطاء الله: لا إشكال أنه لا ينبغي تأخير الوتر إلى طلوع الفجر، وأنه يصلى بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، وإنما الخلاف بين المتأخرين وأبي مصعب هل هو بعد الفجر قضاء أو أداء في وقت ضرورة؟ انتهى. فعلى هذا [١٠٠/أ] يكون معنى قولهم أن الوقت ينتهي في قول أبي مصعب بطلوع الفجر أنها تصلي بعد ذلك على صلاة الصبح، وتكون
следующие страницы →