Полный текст (4 728 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.
стр. 596
ورجح في الشاذ إتباع السلف.
وقوله: (إِلا أَنْ تَتَعَطَّلَ) هو كقول ابن شاس: ولو انفرد الواحد في بيته لطلب السلامة من أجل إظهار النافلة لكان أفضل له على المشهور ما لم يؤد ذلك إلى تعطيل المساجد. ابن هارون: ولم أر الخلاف الذي ذكر ابن شاس والمصنف.
وهِيَ ثَلاثٌ وعِشْرُونَ رَكْعَةً بِالْوِتْرِ ثُمَّ جُعِلَتْ تِسْعاً وثَلاثينَ، وعَنْ عَائِشَةَ ﵂: "مَا زَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ ولا فِي غَيْرِه عَلَى اثْنَتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَعْدَهَا الْوِتْرُ ...
استمر العمل شرقاً وغرباً في زماننا على الثلاثة والعشرين، ولمالك في المختصر: الذي نأخذ لنفسي من ذلك الذي جمع عليه عمر بن عبد العزيز الناس، إحدى عشرة ركعة، وهي صلاة النبي ﷺ .
سند: وكان الناس يقومون إحدى عشرة ركعة قيام النبي ﷺ ، إلا أنهم كانوا يطيلون، ففي الموطأ أنهم كانوا يستعجلون الخدم بالطعام مخافة الفجر. ثم خففت القراءة وزيد في الركعات فجعلت ثلاثاً وعشرين، ويقومون دون القيام الأول. وفي الموطأ أن القارئ كان يقوم بسورة البقرة في ثمان ركعات، فإذا قام بها في اثنتى عشرة ركعة رأوا أن خفف. ثم جعلت بعد وقعة الحرة بالمدينة تسعاً وثلاثين، وخففوا من القراءة فكان القارئ يقرأ بعشر آيات في الركعة، فكان قيامهم بثلاثمائة وستين آية.
ولَيْسَ الْخَتْمُ بِسُنَّةٍ، وسُورَةٌ تُجْزِئُ، ويَقْرَأُ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الأَوَّلُ، وأَجَازَهَا فِي الْمُصْحَفِ، وكَرِهَه فِي الْفَرِيضَةِ ...
يريد: لكن الختم أحسن، (ويَقْرَأُ الثَّانِي مِنْ حَيْثُ انْتَهَى الأَوَّلُ) لئلا يتخير كل واحد أعشاراً توافق صوته، ولأنه يطلب سماع المصلين لجميع القرآن. قوله: (وأَجَازَهَا) أي: القراءة في المصحف في النافلة في رمضان، وغيره.
стр. 597
وإِنِ ابْتَدَأهاَ بِغَيْرِ مُصْحَفٍ فَلا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِيهِ إِلا بَعْدَ سَلامِهِ
لكثرة الشغل حينئذ.
ويُتِمُّ الْمَسْبُوقُ رَكْعَتَيْنِ ويُسَلِّمُ
أي: مخففة، ويلحق خلاف ما في الجلاب أنه يتحرى موافقته في الأداء، ويسلم من كل ركعة بالنسبة إلى الإمام، ثم كذلك إلى آخر الصلاة، وفيه مخالفة كثيرة إذ لا يزال مسبوقاً.
وتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ رَكْعَتَانِ قَبْلَ أَنْ يَجْلِسَ، وإِنْ كَانَ مَارّاً جَازَ التَّرْكُ، وقَالَهُ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ثُمَّ رَجَعَ، ولَمْ يَاخُذْ بِهِ مَالِكٌ ....
لما في الصحيحين: "إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين قبل أن يجلس".
قال أبو مصعب: إلا أن يكثر دخوله فيجزئه ركوعه الأول. نقله اللخمي، ونحوه في الجلاب، قال علماؤنا: وليست الركعتان مرادتين لذاتهما؛ لأن القصد بهما إنما هو تمييز المسجد من سائر البيت، فلذلك لو صلى فريضة اكتفى بها، ولا يخاطب بالركوع إلا مريد الجلوس، فأما المار فقال مالك: يجوز له ترك الركوع. وكان زيد بن ثابت يقول أولاً كقول مالك، ثم رجع زيد فأمر المار بالركوع، ولم يعجب مالك ذلك، وبقي على جواز الترك، هكذا في المدونة. وأنكر أبو عمران أن تكون المدونة على ظاهرها في هذا المعنى لما ذكر أنه نص في المجموعة، وهو أن زيداً يقول: إن المار في المسجد لا يلزمه الركوع في أول مرة، وإذا رجع مرة أخرى فلابد له من الركوع. فلم يأخذ مالك بقول زيد في المار إذا رجع. والنسخة التي ذكرتها هي التي توافق المشهور، لا ما وقع في بعض النسخ: فإن كان ماراً جاز الترك، ولم يأخذ به مالك. وقيد بعضهم ما وقع في المدونة من جواز المرور فيه بما إذا لم يتخذ طريقاً؛ أعني أنه إذا كان سابقاً على الطريق؛ لأنه تغيير للحبس ومن أشراط الساعة.
стр. 598
فرع:
وتحية المسجد الحرام الطواف، وأما مسجده ﷺ فنقل التلمساني وابن عطاء الله أن مالكاً قال في العتبية: يبدأ بالصلاة قبل السلام عليه، ووسع له مالك [٩٩/ب] أيضاً أن يبدأ بالسلام عليه ﷺ قبل الصلاة، وبالأول أخذ ابن القاسم. ومنشأ الخلاف أنه ها هنا تعارض مندوبان.
فرع:
فإن صلى فقال مالك في العتبية: يصلي النافلة في مصلى النبي ﷺ ، ويتقدم في الفرض إلى الصف الأول. قال في البيان: قال مالك: والعمود المخلق ليس هو قبلة النبي ﷺ ، ولكنه أقرب شيء إلى مصلاه ﵇، بخلاف قول ابن القاسم أن العمود المخلق هو مصلاه ﵇. انتهى.
فرع:
والسلام المشروع هو أن يسلم على النبي ﷺ ، وأبي بكر، وعمر. قاله مالك في المبسوط. مالك: وصفة السلام عليه ﷺ : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته.
التلمساني وابن عطاء الله: واختلف كيف يقول. فروى مالك عن عبد الله بن دينار أنه رأى عبد الله بن عمر يقف على قبره ﷺ ، فيصلي عليه وعلى أبي بكر وعمر. هكذا رواه يحيى بن عمر. وروى ابن القاسم: يصلي على النبي ﷺ ، ويدعو لأبي بكر وعمر. وقد اختلف الناس في الصلاة على غير النبي ﷺ بطريق التبع.
الباجي: وأكثر العلماء على الجواز لقوله ﷺ : "اللهم صل على محمد، وعلى آل محمد". ومنع ذلك ابن عباس.
стр. 599
فرع:
وروى ابن وهب في المختصر قال: سئل مالك من أين يقف من أراد التسليم؟ فقال: من عند الزاوية التي تلي القبلة مما يلي المنبر، ويستقبل القبلة، ولا أحب أن يمس القبر بيده. واختلف هل يدعو عند القبر؟ فلمالك في المبسوط: ولا أرى أن يقف عند النبي ﷺ ويدعو، ولكن يسلم ويمضي.
الباجي: وروى عنه ابن وهب أنه يدعو مستقبل القبر، ولا يدعو مستقبل القبلة وظهره للقبر.
مالك في المبسوط: وإنما يقف بالقبر الغرباء. وقال ابن القاسم: رأيت أهل المدينة يقفون إذا دخلوا المسجد أو خرجوا منه، وهو رأيي.
و الْوِتْرُ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْمَشْهُورِ، واسْتَدَلَّ اللَّخْمِيُّ بِقَوْلِ سَحْنُونٍ: يُجَرَّحُ. وأَصْبَغُ: يُؤَدَّبُ ....
قوله: (غَيْرُ وَاجِبٍ) لا يعني حكمه؛ لأن نفي الوجوب أعم من السنية، وكأنه اتكل على ما قدمه في السنن، ومقابل المشهور هو تخريج اللخمي، ولهذا كان الأحسن أن يقول على المنصوص. واستضعف التخريج بأن التجريح بالمباح فضلاً عن غيره. والتأديب لا يستلزم الوجوب؛ لأنا نؤدب الصبي على ترك الصلاة، ولعل أصبغ إنما أدبه لاستخفافه بأمور الديانة، فإن المداومة على ترك الوتر مشعرة بذلك.
ونقل التونسي وغيره عن ابن خوي منداد أنه قال: من استدام على ترك السنن فسق، وإن تركها أهل بلد جبروا عليها، فإن امتنعوا حوربوا.
التونسي: يحتمل أن تكون مقاتلتهم لأن الآمر لهم أمر بالمعروف، وَخُيِّرَ، فكان يجب على الآمر أن يأمرهم بذلك. فلما امتنعوا بعد الأمر وجب قتالهم لتركهم الأمر بالمعروف، والآمر لهم أمر بواجب عليهم، فقتالهم على امتناعهم. وقال بعض المتقدمين: أن الأمر
стр. 600
بالمندوبات ليس بواجب على الآمر به، وإنما ذلك عليه على سبيل الندب. وقد ذكر أيضاً ابن بشير وغيره هذا الخلاف؛ أعني أن الأمر بالمندوب هل هو واجب. أو مندوب؟ لكن قال في الإكمال: لما تكلم على قوله ﵊ "ولقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلاً فيصلي بالناس، ثم انطلق معي برجال معهم حزم من الحطب .. " إلى قوله: "لا يشهدون الصلاة" الحديث.
اختلف في التمادي على ترك السنن، هل يقاتل عليها تاركوها إلى أن يجيبوا إلى فعلها؟ والصحيح قتالهم، وإكراههم على ذلك لأن في التمادي عليها إماتتها، بخلاف ما لا يجاهر به منها كالوتر ونحوه. وأطلق بعض شيوخنا القتال في المواطأة على ترك السنن من غير تفصيل. والأول أبين. انتهى.
وأَوَّلُهُ بَعْدَ الْعِشَاءِِ وبَعْدَ الشَّفَقِ وآخِرُهُ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ
أي: أول وقتها المختار. وزاد (بَعْدَ الشَّفَقِ) احترازاً من مثل الجمع ليلة المطر.
والضَّرُورِيُّ إِلَى صَلاةِ الْفَجْرِ، وقِيلَ: لا ضَرُورِيَّ
يعني: أن وقت الوتر الضروري من طلوع الفجر إلى صلاة الصبح. وظاهر قوله: (لا ضَرُورِيَّ) أن الوتر لا يصلى بعد الفجر، وهو ظاهر كلام ابن شاس.
ابن راشد: وغيرهما. ولفظ ابن شاس: ويمتد وقت الضروري إلى أن يصلي الصبح على المشهور. وقال أبو مصعب: ينتهي وقتها لطلوع الفجر، ولا وقت ضروري لها. وقال ابن عطاء الله: لا إشكال أنه لا ينبغي تأخير الوتر إلى طلوع الفجر، وأنه يصلى بعد طلوع الفجر وقبل صلاة الصبح، وإنما الخلاف بين المتأخرين وأبي مصعب هل هو بعد الفجر قضاء أو أداء في وقت ضرورة؟ انتهى. فعلى هذا [١٠٠/أ] يكون معنى قولهم أن الوقت ينتهي في قول أبي مصعب بطلوع الفجر أنها تصلي بعد ذلك على صلاة الصبح، وتكون
стр. 601
قضاء. لكن عبارة ابن بشير لا تحتمل هذا التأويل لقوله: والشاذ أنه لا يصليه بعد طلوع الفجر. وكذلك نقله ابن زرقون.
وعَلَى الْمَشْهُورِ لَوِ افْتَتَحَ الصُّبْحَ فَثَالِثُهَا: يَقْطَعُ إِنْ كَانَ فَذّاً. وراَبعُهاً: وإِمَاماً. وفِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ عَقْدِ رَكْعَةٍ قَوْلانِ، ولا يُقْضَى بَعْدَهُا ....
أي: وعلى إثبات الضروري وتصور الأقوال من كلامه واضح وحاصله خمسة. ولم يذكر في المدونة في المنفرد إلا استحباب القطع، وذكر في المأمور روايتين، واستحب له أولاً القطع، ثم أرخص له في التمادي. وصرَّح المازري وسند بأن المشهور في الفذ القطع.
اللخمي: وفي المبسوط لا يقطع الفذ. وهو أظهر لئلا يقطع الأقوى للأضعف؛ وهو قول المغيرة وغيره. قال في الاستذكار: ولم يقل أحد يقطع الصبح له إلا أبو حنيفة وابن القاسم.
والصحيح عن مالك عدم القطع. وروى مطرف عن مالك أنه يقطع كان إماماً أو مأموماً أو فذاً إلا أن يسفر جداً. وروى نحوه ابن القاسم وابن وهب. وقد علمت أن في كل من الفذ والمأموم والإمام قولين. وذكر الباجي رواية ثالثة في الإمام: التخيير في القطع وعدمه. وحكى التلمساني أيضاً في المأموم رواية بالتخيير. وهذا ما رأيته في هذه المسألة، ولم أر بقية الأقوال التي حكاها المصنف في الأمهات، لكن تبع المصنف هنا ابن بشير.
ابن راشد: وإذا قلنا يقطع الإمام فهل يقطع المأموم كما إذا ذكر الإمام صلاة؟ قولان. وحكى ابن راشد طريقة عن بعضهم أن الخلاف إنما هو إذا لم يعقد ركعة، وأما إذا عقدها فلا يقطع.
وقوله: (ولا يُقْضَى بَعْدَهُا) أي: بعد صلاة الصبح.
стр. 602
وإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ إِلا عَنْ رَكْعَةٍ فَالصُّبْحُ، فَإِنِ اتَّسَعَ لِثَانِيَةٍ فَالْوِتْرُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، ويَلْزَمُ الْقَائِلَ بالتَّاثِيمِ تَرْكُهُ ...
المنصوص في كلامه قد تقدم في الأوقات أنه قول أصبغ، وأن مقابله وهو مذهب المدونة، ففي كلامه نظر. ويقال- أي في متقدمي الشيوخ- كانوا إذا نقلت مسألة من غير المدونة، وهي فيها موافقة لما في غيرها عدوه خطأ، فكيف إذا كان الحكم في غيرها مخالفاً؟!
فَإِنِ اتَّسَعَ لِرَابعَةٍ فَفِي الشَّفْعِ قَوْلانِ
لاشك على مذهب المدونة في ترك الشفع. وقال أصبغ في الموازية: يوتر بثلاثة ويصلي الصبح. وقول أصبغ بصلاة الشفع هنا أبعد من قوله بصلاة الوتر في التي قبلها.
ولِخَامِسَةٍ وكَانَ قَدْ تَنَفَّلَ فَفِي تَقْدِيمِ الشَّفْعِ عَلَى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ قَوْلانِ
يعني: إذا بقي من آخر الوقت مقدار خمس ركعات فركعتان للصبح، وركعة للوتر، وهل يصلي فيما بقي ركعتي الفجر، أو ركعتي الشفع؟ إن لم يكن تنفل بعد العشاء قدم الشفع لتأكده وإن كان قد تنفل فهل يصلي الشفع أو ركعتي الفجر لأنهما من توابع الصبح، وركعتي الشفع من توابع الوتر. وإذا كان الصبح أولى من الوتر عند ضيق الوقت كان تابعه أولى. وقال أصبغ: يأتي بالشفع لأنها من الوتر عند أبي حنيفة، وهو يرى أن الوتر واجب، ولأن ركعتي الفجر تقضي عندنا.
ويُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ آخِرَ صَلاةِ اللَّيْلِ
لما في مسلم عن عائشة ﵂: من كل الليل أوتر رسول الله ﷺ ، وانتهى وتره إلى السحر.
стр. 603
فَإِنْ أَوْتَرَ ثُمَّ تَنَفَّلَ جَازَ ولَمْ يُعِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: إذا أحدثت له نية النافلة بعد أن أوتر. وأما لو أراد أولاً أن يجعل وتره في أثناء تنفله لغير موجب فذلك خلاف السنة، وأمر في المدونة من أراد النفل بعد الوتر أن يؤخر التنفل يسيراً، وهو ظاهر كلام المنصف لقوله: (ثُمّ) فأتى بحرف المهملة.
قوله: (ولَمْ يُعِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ) لقوله ﷺ : "لا وتران في ليلة". خرجه الترمذي، ووجه الشاذ قوله ﵊: "اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً".
وفِي قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ والْمُعَوِّذَتَيْنِ، أَوْ مَا تَيَسَّرَ قَوْلانِ
أي: وفي الاستحباب، إذ لا خلاف في عدم الوجوب، والمشهور استحباب قل هو الله أحد والمعوذتين لما رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه، والدارقطني أن عائشة سئلت بأي شيء كان يوتر رسول الله ﷺ فقالت: كان يقرأ في الأولى بسبح اسم ربك الأعلى، وفي الثانية بقل يا أيها الكافرون، وفي الثالثة بقل هو الله أحد، والمعوذتين. الترمذي: وهو حسن غريب. ولعل مقابل المشهور ما رواه ابن نافع عن مالك في المجموعة أنه قال: إن الناس ليلتزمون في الوتر قراءة قل هو الله أحد، والمعوذتين مع أم القرآن، وما هو بلازم وإني لأفعله. قال صاحب الأحوذي: الصحيح أن يقرأ في الوتر [١٠٠/ب] بقل هو الله أحد، كذلك جاء في الحديث الصحيح. قال: وهذا إذا انفرد. وأما إذا كانت له صلاة، فليجعل وتره من صلاته، وليكن ما يقرأ فيه من حزبه، ولقد انتهت الغفلة بقوم إلى أن يصلوا التراويح، فإذا صلوها أوتروا بهذه السورة، والسنة أن يكون وتره من حزبه، فتنبهوا لهذا. انتهى.
стр. 604
والشَّفْعُ قَبْلَهَا لِلْفَضِيلَةِ، وقِيلَ: لِلصِّحَّةِ. وفِي كَوْنِهِ لأَجلِهِ قَوْلانِ، ثُمَّ فِي شَرْطِ اتِّصَالِهِ قَوْلانِ ...
كلامه يقتضي أن المشهور كون الشفع للفضيلة. والذي في الباجي تشهير الثاني، فإنه قال: لا يكون الوتر إلا عقيب شفع. رواه ابن حبيب عن مالك؛ وهو المشهور من المذهب. وروى ابن زياد أن للمسافر أن يوتر بواحدة. وأوتر سحنون في مرضه بواحدة. وذلك يدل من قولهما أن الشفع ليس بشرط في صحة الوتر. انتهى باختصار. قال المازري: لم يختلف المذهب عندنا في كراهة الاقتصار على ركعة واحدة في حق المقيم الذي لا عذر له، واختلف في المسافر ففي المدونة: لا يوتر بواحدة. وفي كتاب ابن سحنون إجازته بواحدة. وأوتر سحنون في مرض بواحدة ورآه عذراً كالمسافر. انتهى. وفي المدونة: لا ينبغي أن يوتر بواحدة. فقوله: لا ينبغي يقتضي أنه فضيلة، وكونه لم يرخص في تركه للمسافر يقتضي أنه للصحة.
فرع:
فإن أوتر دون شفع من لا عذر له فحكى سحنون عن أشهب: يعيد وتره بإثر شفع ما لم يصل الصبح. وقال سحنون: يشفع وتره إن كان في الحضرة، وإن تباعد أجزأه. نقله الباجي.
وقوله: (وفِي كَوْنِهِ لأَجْلِهِ) أي: اختلف هل يشترط في ركعتي الشفع أن يخصهما بالنية، أو يكتفي بأي الركعتين كانا؟ وهو الظاهر، قاله اللخمي وغيره، لما خرجه مالك، والبخاري ومسلم من قوله ﵇: "صلاة الليل مثنى مثنى، فإذا خشي أحدكم الصبح صلى ركعة توتر له ما قد صلى".
وقوله: (ثُم فِي شَرْطِ اتَّصَالِهِ قَوْلانِ) ليس هو مرتباً على أنه لأجله بل هو كما قال ابن شاس: وإذا قلنا بتقديم شفع لابد، فهل يلزم اتصاله بالوتر أو يجوز وإن فرق بينهما بالزمان الطويل؟ قولان. والقول باشتراط الاتصال لابن القاسم في العتبية، قال فيمن
стр. 605
صلى مع الإمام أشفاعاً، ثم انصرف، ثم رجع فوجد الإمام في الوتر فدخل معه، قال: لا يعتد به، وأحب إلي أن يشفعه بركعة. قيل له: فإن فعل. قال: فالوتر ليس بواحدة. وهو رواية ابن القاسم في المجموعة. والقول بعدم الاشتراط رواية ابن نافع عن مالك، ونقل أيضاً عن ابن القاسم.
وفِي قِرَاءَةِ الشَّفْعِ بسَبِّحْ وقُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِِرُونَ رِوَايَتَانِ
المشهور: استحباب ذلك للحديث المتقدم، والشاذ أيضاً لمالك، وهو الذي اقتصر عليه ابن الجلاب. قال القاضي عياض: وخيره ابن حبيب في ذلك، ووسع عليه في الجميع. قال: وهذا في الشفع إذا كان منفرداً عن غيره ولم يتقدم تنفل يتصل به، فأما إذا اتصل به تنفل قبله، فلا تتعين له قراءة ولا عدد جملة وللمصلي حينئذ أن يوتر بواحدة يصليها بنفله إذ الوتر عندنا بواحدة. وإلى هذا ذهب القاضي أبو الوليد الباجي وغيره من متأخري مشايخ المغاربة، وهو مبني على أصل المذهب، واحتج للصواب، وخالف في هذا بعض مشايخ القرويين. انتهى.
ولا يَقْنُتُ فِي الْوِتْرِ ولا بَعْدَ نِصْفِ رَمَضَانَ عَلَى الْمَشْهُورِ
تصور كلامه ظاهر. والشاذ لمالك أيضاً، وابن نافع، والخلاف إنما هو في نصف رمضان فقط.
فروع:
الأول: إن صلى خلف من لا يفصل بسلام، ولم يسلم عن اثنتين على المشهور خلافاً لأشهب.
الثاني: لا يصلي شفعاً بنية الوتر، ولا العكس على المشهور خلافاً لأصبغ.
стр. 606
وثالثها: لمحمد: إن أحرم بشفع لم يجزئه أن يجعله وتراً بخلاف العكس. وفي المدونة: فإن شفع وتره سجد بعد السلام. وفي المبسوط: يستأنف. وروى علي في المجموعة أنه يسجد ويستأنف الوتر استحباباً، واعترض في النكت على ما في المدونة فقال: أليس زاد في الوتر مثله، فهلا كان كمن زاد في صلاته مثلها أن يعيد؟ ثم أجاب بأن الوتر لما لم يكن إلا بعد شفع أشبه صلاة وهي ثلاث، زاد فيها ركعة.
الثالث: إن قرأ في الوتر بأم القرآن فروى ابن القاسم: لا سجود عليه. سند: وهو يقتضي ألا شيء عليه في العمد؛ لأن ما لا سجود في سهوه لا يبطل عمده، كالتسبيح.
الرابع: إذا أدرك مع الإمام ركعة من الشفع لم يسلم معه، وليصل معه الوتر. فإذا سلم منه سلم معه، ثم أوتر إلا أن يكون الإمام لا يسلم في شفعه، ففي سلام هذا مع الإمام قولان: أحدهما: أنه لا يسلم إذا سلم الإمام من وتره؛ لأنه شفع مع الإمام، وقد كان الإمام لا يسلم من شفعه، فأمر أن يفعل كفعله، وهو مذهب ابن [١٠١/أ] القاسم. والثاني: أنه يسلم لأن المأمور به عندنا أن يسلم للشفع، وإنما أمر من دخل مع الإمام أولاً بعدم السلام حتى لا تحصل المخالفة، وهنا لا مخالفة مع الإمام، بل هو صورة الحال الموافقة، وهو مذهب مطرف وابن الماجشون. قال الشيخ أبو محمد وغيره: ومعنى قولهم: أنه يصلي الوتر معه؛ أي: يحاذي بركوعه وسجوده ركوع الإمام وسجوده، فأما أن يأتم به فلا؛ لأنه يكون محرماً قبل إمامه.
ولا تُقْضَى سُنَّةٌ إِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ، وجَاءَ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ تُقْضَى بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ عَلَى الْمَشْهُورِ، فَقِيل: مَجَازٌ ....
ظاهر كلامه أن ركعتي الفجر سنة؛ لأن قوله: (وجَاءَ فِي رَكْعَتَي الْفَجْرِ) يجري مجرى الاستثناء من قوله: (لا تُقْضَى سُنَّةٌ) وهو موافق لما تقدم للمصنف. وقد قدمنا ما يتعلق بذلك، والقضاء هو المشهور، لما في الموطأ من حديث الوادي. قال في الجواهر:
стр. 607
وقيل: لا يصليها. ثم إذا قلنا يصليها، فهل ما يفعله قضاء أو ركعتان ينوب له ثوابهما عن ثواب ركعتي الفجر؟ قولان. انتهى.
وعلى هذا فهو خلاف مركب، والقول بأنه يصلي ركعتين ينوب له ثوابهما عن ركعتي الفجر، ذكر ابن شاس أن الأبهري تأوله على القول بالقضاء، وإليه أشار المصنف بقوله: (فَقِيلَ: مَجَازٌ) لكنه لو قال: وقيل: مجازاً، لكان أولى؛ لأن الفاء قد تشعر بالتفسير، فيحتمل أن يكون أراد: إذا قلنا بالقضاء على المشهور فإن ذلك مجاز، ولا يؤخذ حينئذ منه القضاء حقيقة مع أنه المشهور.
فرع:
إذا قلنا بالقضاء فنقل التونسي عن أشهب أنه يقضي بعد طلوع الشمس وحلول التحية، وبعدم الظهر وفي الليل والنهار، وعن مالك أنه قال في رواية ابن وهب: لا يقضيها بعد الزوال. وعلى القضاء فالمشهور أنه لا يقضيها بعد الصبح خلافاً لابن وهب.
ومَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وقَدْ أَصْبَحَ صَلَّى رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وقِيل: بَعْدَ التَّحِيَّةِ ...
المشهور: أظهر؛ لقوله ﵊: "لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر" رواه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه.
وركعتا الفجر تجزئ عن تحية المسجد لما تقدم، والشاذ للقابسي.
ولَوْ رَكَعَ فِي بَيْتِهِ فَفِي رُكُوعِهِ رِوَايَتَانِ، ثُمَّ فِي تَعْيينِهِمَا قَوْلانِ
يعني: لو ركع في بيته الفجر ثم أتى المسجد فهل يركع أيضاً أم لا؟ روايتان، قال في الجواهر مشهورتان. ابن راشد: وروى ابن وهب وابن القاسم الركوع، واختاره ابن عبد الحكم، وروى ابن نافع عدمه. وعن مالك: الركوع، وعدمه واسع،
стр. 608
وقد رأيت من فعله، وأحب إلي ألا يركع. وبه قال سحنون. وقال بعض شراح الرسالة: وهو المشهور. وقوله: (ثُمَّ فِي تَعْيينِهِمَا قَوْلانِ) أي: إذا قلنا يركع، فهل يركع بنية ركعتي الفجر لقوله ﵊: "لا صلاة نافلة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر أو بنية تحية المسجد". وهو الظاهر؟ والقولان للأشياخ.
وقِرَاءَتُهُمَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَقَطْ عَلَى الْمَشْهُورِ، وقِيلَ: وسُورَةٍ قَصِيرَةٍ. وقِيلَ: قُولُوا آمَنَّا بِاللهِ، وقُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا ...
فوجه الأول ما رواه البخاري، ومسلم، وغيرهما عن عائشة ﵂: كان رسول الله ﷺ ليخفف ركعتي الفجر حتى غني لأقول قرأ فيهما بأم القرآن أم لا.
ووجه الثاني- وهو قول مالك في مختصر ما ليس في المختصر- ما رواه مسلم وغيره أنه ﵊ قرأ فيهما بقل يا أيها الكافرون، وقل هو الله أحد. ووجه الثالث ما رواه مسلم وابن أبي شيبة وغيرهما، عن ابن العباس ﵄ أنه صلى وسلم كان يقرأ في الأولى بـ ﴿قُولُوَاءَامَنَّا بِاللهِ ...﴾ الآية. وفي الأخيرة بـ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ الآية. وروى ابن حبيب في الواضحة عن ابن معاوية المدني عن يزيد بن عياض عن عباس بن عبد الله بن سعيد عن ابن عباس أن رسول الله ﷺ قرأ في ركعتي الفجر في الأولى مع أم القرآن بخاتمة سورة البقرة من أول ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا﴾ إلى آخرها، وفي الثانية مع أم القرآن بـ: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ﴾ الآيتين. قيل: وهو حديث منقطع ضعيف؛ لأن في سنده يزيد بن عياض بن جعدة النسائي وغيره. وهو متروك.
والضَّجْعَةُ بَعْدَهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: غير مستحبة على المشهور. وقال في المدونة: وتكره. وقال ابن حبيب: تستحب. وروى الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا صلى
стр. 609
أحدكم ركعتي الفجر فليضطجع عن يمينه". الترمذي: وهذا حديث حسن صحيح غريب. وخرجه أحمد، وأبو داود. لكن تكلم أحمد والبيهقي فيه وصححوا فعله للاضطجاع لأمره به. والضجعة بالفتح الفعلة الواحدة كالرمية والنوبة، وبالكسر الهيئة كالقعدة والجلسة.
فرع:
وشرط ركعتي الفجر أن ينوي لهما [١٠١/ب] نية معينة، وأن يصليهما بعد الفجر، فإن صلى ركعة قبله وركعة بعده لم تجزئه، وإن كان متحرياً على المشهور خلافاً لعبد الملك. وإن دخل المسجد فوجد الإمام في الصبح ولم يكن صلاهما دخل مع الإمام على المشهور. وفي الجلاب أنه يخرج ويركعهما إن كان الوقت متسعاً. وفهم منه التلمساني أن المراد بالوقت وقت الصلاة. ونقل عن عبد الوهاب أنه يخرج ويصليهما إن طمع أن يدرك ركعة من الصلاة، وأما إن أقيمت عليه وهو خارج المسجد فقال مالك في المدونة أنه إن لم يخف فوات ركعة فليركعهما خارجه، وإن خاف ذلك دخل مع الإمام.
واعتبر ابن القاسم في العتبية فوات الصلاة كلها. قال الباجي: وأما إن ذكرهما الإمام فله إسكات المؤذن والإتيان بمؤكد النفل. وروى ابن القاسم عن مالك: إذا أخذ المؤذن في الإقامة، ولم يكن الإمام ركع الفجر فلا يخرج إليه ولا يسكته، وليصلِّهما قبل أن يخرج إليه. قال في السليمانية: وصلاة ركعتي الفجر، في المسجد أحب إلي منهما في البيت؛ لأنها سنة، وإظهار السنن خير من كتمانها لاقتداء الناس بعضهم ببعض؛ نقله التونسي عن ابن وهب. وفي اللخمي: أن صلاتهما في البيت مستحبة. مالك: وإن فرغ من طوافه بعد الفجر فليبدأ بركعتي الطواف قبل ركعتي الفجر.
стр. 610
وعِدَّةُ النَّوَافِلِ رَكْعَتَانِ فِي لَيْلٍ أَوَ نَهَارٍ، فَإِنْ سَهَا فِي الثَّالِثَةِ وعَقَدَهَا أَكْمَلَ رَابعَةً. وقيلَ: إِنْ كَانَتْ نَهَاراً. ويَسْجُدُ، وفِي مَحِلِّهِ قَوْلانِ ...
قوله: (وقِيلَ: إِنْ كَانَتْ نَهَاراً) أي: وإن كانت ليلاً رجع إن عقد الثالثة لقوله ﵊ في الصحيح: "صلاة الليل مثنى مثنى". وفسر ذلك ابن عمر بأن يسلم من كل ركعتين. والترمذي: وإن زاد في هذا الحديث صلاة الليل والنهار مثنى مثنى فقد قال: روى الثقات هذا الحديث، ولم يذكروا فيه صلاة النهار. انتهى. ورواه أحمد بن حنبل بزيادة النهار. والمشهور في محله قبل وقد تقدمت.
والسِّرُّ فِيهَا جَائِزٌ، وكَذَلِكَ الْوِتْرُ عَلَى الْمَشْهُورِ. وفي كَرَاهَةِ الْجَهْرِ نَهَاراً قَوْلانِ
الأفضل في الليل الجهر إلا لضرورة؛ لتشويش المصلين بعضهم على بعض.
قوله: (وكَذَلِكَ الْوِتْرُ) يريد: مع كونه خالف الأفضل. ومقابل المشهور للإبياني قال: إن أسر فيه ناسياً يسجد قبل السلام، وإن جهل ذلك أو تعمد فعليه الإعادة. وبلغني ذلك عن يحيى بن عمر. وأما الشفع فإن شاء جهر فيه أو أسر. وما حكاه من القولين في كراهة الجهر نهاراً حكاه عبد الوهاب.
والْجَمْعُ فِيهَا فِي مَوْضِعٍ خَفِيٍّ، والْجَمَاعَةُ يَسِيرَةٌ جَائِزٌ، وإِلا فَالْكَراَهَةُ عَلَى الْمَشْهُورِ
يعني: ويجوز الجمع في النافلة لحديث ابن عباس وحديث أنس بن مالك بشرطين أن يقل القوم. ابن أبي زمنين: كالرجلين والثلاثة، وأن يكون الموضع غير مشتهر.
ووجه الباجي الكراهة في الجمع الكثير، أو الموضع المشتهر خشية أن يظنها كثير من الناس من جملة الفرائض، ومن هنا تعلم أن الجمع الذي يفعل في ليلة النصف من شعبان وأول جمعة من رجب، ونحو ذلك بدعة مكروهة. وقد نص جماعة من الأصحاب على ذلك، بل لو قيل بتحريم ذلك ما بعُد. وقد تولى الشيخ أبو عبد الله بن الحاج بيان مفاسده وشناعته، فتنظره في كلامه الذي هو من نور وتأييد.
стр. 611
ومَنْ قَطَعَ نَافِلَةً عَمْداً لَزِمَهُ إِعَادَتُهَا بخِلافِ الْمَغْلُوبِ
إنما لزمه إعادتها لأنها قد وجبت عليه بالشروع عندنا، ولا عذر له.
فائدة: هذه إحدى الأشياء السبع التي تلزم بالشروع فيها، وهي: الصلاة، والصوم، والاعتكاف، والحج، والعمرة، والائتمام، والطواف. ونظمها بعضهم فقال:
صلاة وصوم ثم حج وعمرة ... يليها طواف واعتكاف وائتمام
يعيدهم من كان للقطع عامداً ... لعودهم فرضاً عليه والتزام
انظر ما ذكره من لزوم الإعادة في الائتمام، فإن الظاهر عدم لزومه.
وَ سُجُودُ التِّلاوَةِ فَضِيلَةٌ. وقِيلَ: سُنَّةٌ
ظاهر كلامه أن المشهور أن سجود التلاوة فضيلة، والذي حكاه ابن محرز وابن يونس وصاحب اللباب: السنية. قال ابن عطاء الله: وهو المشهور، نعم استقرأ ابن الكاتب الفضيلة من قوله: كان مالك يستحب إذا قرأها في آيات الصلاة ألا يدع سجودها. ابن محرز ولا دليل له على ذلك؛ لأن السنة يطلق عليها المستحب والأشبه بمذهب الكتاب السنية؛ لأنه قال: يسجدها بعد الصبح ما لم يسفر وبعد العصر ما لم تصفر فجعلها منزلة الجنازة ورفعها عن النوافل.
وهِيَ إِحْدَى عَشْرَةَ سَجْدَةً: الأَعْرَافُ، والرَّعْدُ، والنَّحْلُ: [١٠٢/أ] ﴿يُؤْمَرُونَ﴾، وسُبْحَانَ، ومَرْيَمُ، وأَوَّلُ الْحَجِّ، والْفُرْقَانُ، والنَّمْلُ: ﴿الْعَظِيمِ﴾، والسَّجْدَةُ، وص: ﴿وَأَنَابَ﴾، وقِيلَ: ﴿مَآبٍ﴾، وفُصِّلَتْ: ﴿يَعْبُدُونَ﴾ وقِيلَ: ﴿يَسْئَمُونَ﴾. قَالَ ابْنُ وَهْبِ وابْنُ حَبيبِ: خَمْسَ عَشْرَةَ: ثَانِيَةُ الْحَجِّ، والنَّجْمُ، والانشِقَاقُ: آخِرُهَا، وقِيلَ: ﴿لا يَسْجُدُونَِ﴾، واقْرَا. ورُويَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ ثَانِيَةِ الْحَجِّ. فَقِيلَ: اخْتِلافٌ. وقالَ حَمَّادُ بْنُ إِسْحَاقَ: الْجَمِيعُ سَجَدَاتٌ، والإِحْدَى عَشْرَةَ الْعَزَائِمُ كَمَا فِي الْمُوَطَّأِ.
قال عبد الوهاب: الرواية المشهورة هي أن السجود في أحد عشر موضعاً. وقوله: (ورُوِيَ: أَرْبَعَ عَشْرَةَ دُونَ ثَانِيَةِ الْحَجٌ). وقوله: (قَالَ ابْنُ وَهْبٍ) هما قولان
стр. 612
مقابلان للمشهور. وبعدم السجود في المفصل قال ابن عمر وابن عباس، وابن المسيب، وغيرهم. وفي أبي داود عن ابن عباس أنه ﵊ لم يسجد في شيء من المفصل منذ تحول إلى المدينة. وفي حديث زيد بن ثابت قال: قرأت على النبي ﷺ النجم ولم يسجد.
اللخمي وغيره: والاعتراض بهذين الحديثين لا يصح. أما حديث ابن عباس فقد لا يثبت لأنه لم يشهد جميع إقامته ﷺ بالمدينة، وإنما كان قدومه سنة ثمان بعد الفتح، ومعارض بحديث أبي هريرة وانه سجد في الانشقاق، والأخذ به أولى لأنه أسلم عام خيبر بعد الهجرة، ولصحة سنده، ولأن من أثبت أولى ممن نفي. والنسخ لا يصح إلا بأمر لا شك فيه مع تأخير الناسخ، ولو ثبت التأخير لأمكن أن يكون ذلك في غير وقت صلاة، أو لكون القارئ لم يسجد. وقال صاحب التهذيب: حديث ابن عباس عندي حديث منكر، يرده حديث أبي هريرة، ولم يصحبه أبو هريرة إلا بالمدينة. اللخمي: وإثبات ثانية الحج ليس بحسن؛ لأن المفهوم: والمراد بها الركوع والسجود. قال: وإثبات الثلاث التي في المفصل أحسن لحديث أبي هريرة أنه ﵊ سجد في ﴿إِذَا السَّمَاءُ انشَقَّتْ﴾ خرجه البخاري ومسلم. وزاد مسلم عنه أنه قال: "في ﴿اقْرَا بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ﴾. سجدت فيها خلف أبي القاسم ﷺ ، فلا أزال أسجدها حتى ألقاه. وثبت عنه ﵊ أنه سجد بمكة في النجم. انتهى بمعناه.
وأمر عمر بن عبد العزيز بالسجود في الانشقاق. قال مالك: وليس العمل عليه. ونقل عن الأبهري أنه خير في السجود في المفصل. قال اللخمي: ولمالك في المبسوط نحوه.
وقوله: (الأَعْرَافُ) إلى آخره، اكتفى ﵀ في ذكر السجدة الواحدة التي لا خلاف فيها بذكر السورة، وإن كان في المحل إشكال أو خلاف مذهبي أو خارجي ذكره. فالأولى: كـ: ﴿يُؤْمَرُونَ﴾ لأن ظاهر الأمر عند من لا يعرف طلب السجود عند ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾ لكنهم راعوا- والله أعلم- إتمام الكلام لأن ﴿يَخَافُونَ﴾ حال من ﴿يَسْتَكْبِرُونَ﴾.
стр. 613
والثاني: كصاد وفصلت فإن فيهما خلافاً مذهبياً، وكالنمل فإن الشافعي رأي أن السجدة عند ﴿وَمَا يُعْلِنُونَ﴾، وروى أهل المذهب أن قوله: ﴿اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ كالمتمم لقوله: ﴿لِلَّهِ الَّذِي يُخْرِجُ الْخَبْءَ﴾، وكان الكلام تاماً بتأخره، فإن قيل: لِمَ لَمْ يَعتبروا آخر الكلام في صاد كما في النحل والنمل، فإن المشهور على ما قاله المصنف أن سجودها أولاً. قيل: لأن قوله: ﴿فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ﴾ كالجزاء على السجود، فكان بعد السجود فوجب تقديم السجود عليه، وكذلك فصلت لأن قوله: ﴿وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي﴾، إلى قوله: ﴿تَعْبُدُونَ﴾، طلب للسجود. وقوله بعد ذلك: ﴿فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا﴾ إلى آخره؛ ذم لمن لم يسجد استكباراً، وإنما يكون ذماً إذا مضى محل السجود. وما قدمه المصنف في صاد ذكر صاحب اللباب، وصاحب الذخيرة أنه المذهب. وهو الذي يؤخذ من الرسالة لتصديره به، وعطفه عليه بقيل. والقول بأن السجود عند ﴿لاَ يَسْئَمُونَ﴾، لابن وهب، وحماد- وهو أخو القاضي إسماعيل- قاله المازري. وإلى طريقة من حمل الرواية على الوفاق ذهب عبد الوهاب، وجمهور الأصحاب على حملها على الخلاف.
ويَسْجُدُ الْقَارِئُ وقَاصِدُ الاسْتِمَاعِ إِنْ كَانَ الْقَارِئُ صَالِحاً لِلإِمَامَةِ، فَإِنْ تَرَكَهُ الْقَارِئُ فَفِي الْمُسْتَمِعِ قَوْلانِ ...
أي: إنما يسجد من قصد الاستماع لا السامع. ابن عبد السلام: وهذه التفرقة مروية في الصحيح عن سلمان، وعثمان، وغيرهما. وقوله: (إِنْ كَانَ الْقَارِئُ صَالِحاً لِلإِمَامَةِ) أي: يكون ذكراً بالغاً متوضئاً، فإن كان القارئ امرأة أو غير بالغ لم يسجد بقراءته. وعلى القول بإجازة [١٠٢/ب] إمامة الصبي في النافلة، ينبغي أن يسجد.
واختلف إذا كان على غير وضوء أو كان ولم يسجد، وإليه أشار بقوله: (فَإِنْ تَرَكَهُ الْقَارِئُ فَفِي الْمُسْتَمِعِ قَوْلانِ) والمشهور الأمر لأن كباَ منهما مأمور، فليس ترك القارئ بالذي يسقطه عن المستمع. وقال ابن حبيب: لا يسجد. وصوبه ابن يونس وغيره، لقوله
стр. 614
عليه الصلاة والسلام لقارئ لم يسجد: "كنت إماماً، فلو سجدت لسجدنا"، وقال بعض الشافعية: إنما تركه ﷺ لينبه القارئ على أنه أخطأ بتركه، وأنه هو كان المأمور به أولاً، وهو غير واجب على المستمع فلا يبعد تركه لقصد البيان، وفي المسألة قول ثالث بالتخيير لأشهب. ونقل عياض: إذا جلس ليسمع الناس حسن قراءته، وفعل هذا المكروه وسجد أو لم يسجد، خلاف في سجود مستمعه.
اللخمي: وأرى أن يسجد لأن الظاهر أنه في طاعة، والسرائر إلى الله تعالى. ونص مالك أنه لا يجلس إليه قال: وإن جلس إليه، وعلم أنه يريد قراءة سجدة، فليقم عنه. وقسم في البيان الجلوس إلى القارئ على ثلاثة أقسام:
أحدها: أنه يجلس إليه للتعليم، فهذا جائز أن يجلس إليه ويسجد لسجوده، واختلف إذا لم يسجد القارئ، هل يسجد السامع؟ فذكر القولين، قال: واختلف في المقرئ الذي يقرأ القرآن، فقيل: إنه يسجد لسجود القارئ إذا كان بالغاً في أول ما يمر بسجدة، وليس عليه السجود فيما بعد ذلك. وقيل: ليس عليه السجود بحال.
والثاني: أن يجلسوا إليه ليسمعوا قراءته ابتغاء الثواب من الله تعالى في استماع القرآن، فهذا جائز أن يجلسوا إليه، ويختلف هل يسجدون بسجوده إذا مر بسجدة؟ ففي العتبية: لا يسجدون، وقال ابن حبيب: يسجدون غلا أن يكون ممن لا يصح أن يؤتم به من صبي أو امرأة. والذي في المدونة محتمل للتأويل، والأظهر منها أنهم لا يسجدون بسجوده.
والثالث: أن يجلسوا إليه لأن يسجدوا بسجوده، فهذا يكره أن يجلسوا إليه، وأن يسجدوا بسجوده؛ وهو نص المدونة، ومعنى العتبية، وزاد فيها ونهى عن ذلك. انتهى بمعناه. قال في المدونة: ويقام الذي يقعد في المساجد يوم الخميس وغيره لقراءة القرآن. وما ذكره من تقسيم المسألة على ثلاثة أقسام، خالف في ذلك طريق الأكثر فإنهم قالوا: متى لم يجلس للتعليم فلا يسجد، سجد القارئ أم لا. ولم يفرقوا بين أن يقصد الثواب أم
стр. 615
لا، ذكره في التنبيهات. وقال المازري: إذا قرأ آية سجدة بعدما سجد فإنه يسجد عندنا وعند الشافعي، وقال أبو حنيفة: لا يسجد. قال: وهذا الذي ذكرته من تكرار السجود هو أصل المذهب عندي إلا أن يكون القارئ ممن يتكرر ذلك علي غالباً كالمعلم والمتعلم، ففيه قولان: إذا كانا بالغين، قال مالك وابن القاسم: يسجدان أول مرة لا غير. وقال أصبغ وابن عبد الحكم: لا سجود عليهما ولا في أول مرة. وأما قارئ القرآن فإنه يسجد جميع سجداته.
ويَسْجُدُ الْمُصَلِّي فِي النَّفْلِ مُطْلَقَاً. وقِيلَ: إِنْ أَمِنَ التَّخْلِيطَ. وفِي الْفَرْضِ تُكْرَهُ قِرَاءَتُهَا عَلَى الْمَشْهُورِ جَهْراً أَوْ سِرّاً، فَإِنْ قَرَأَ فَقَوْلانِ، وعَلَى الْمَشْهُورِ إِذَا عَزَمَ جَهْرَ لِيُعْلِمَ فَإِنْ لَمْ يَجْهَرْ وسَجَدَ، فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يُتْبَعُ. وقالَ سَحْنُونٌ: لا يُتْبَعُ لاحْتِمَالِ السَّهْوِ ...
قال ابن بشير وابن شاس: وهل تجوز قراءة السورة التي فيها السجدة؟ فأما صلاة النافلة فلم يختلف المذهب في جواز ذلك. وهذا إذا كان فذاً أو في جماعة يأمن التخليط فظاهر، وإن كان في جماعة لا يأمن ذلك فيها فالمنصوص أيضاً جوازه، لما ثبت في فعل الأولين في قراءة السجدة في قيام رمضان. انتهى. ومفهوم قوله في الجلاب: ولا بأس بقراءة السجدة في النافلة والمكتوبة إذا لم يخف أن يخلط على من خلفه عدم الجواز مع عدم أمن التخليط. والمشهور الكراهة في الفريضة مطلقاً لأنه إذا قرأها فإن لم يسجد دخل في الوعيد، وإن سجد زاد في أعداد سجود الفريضة. ومقابل المشهور بالجواز رواية ابن وهب عن مالك. وصوبه ابن يونس واللخمي وابن بشير وغيرهم. ابن بشير لما ثبت عنه ﵊ أنه كان يداوم على قراءة السجدة في الركعة الأولى من صلاة الصبح. وعلى ذلك يواظب الأخيار من أشياخي وأشياخهم. انتهى.
قوله: (فَإِنْ قَرَأَ فَقَوْلانِ) السجود وهو المشهور، وعليه فإذا كانت صلاتهم سرية جهر ليعلم الناس، فإن لم يجهر وسجد فقال ابن القاسم: يتبع لأن الأصل عدم السهو.
стр. 616
وقال سحنون: لا يتبع لأن أكثر الناس لا يقرؤونها في الفريضة، وإذا قرأ بها جهراً كان الغالب عليه السهو.
فرع:
قال أشهب: ولا يقرأ الخطيب [١٠٣/أ] سجدة على المنبر. وكأنه رأى أن النزول للسجدة يؤثر في نظام الخطبة، فإن قرأها فقال أشهب: ينزل ويسجد مع الناس، وإن لم يفعل فليسجدوا، ولهم في الترك سعة. وينبغي أن يعيد قراءتها في الصلاة ويسجد. وقال مالك في المجموعة: لا ينزل ولا يسجد، وإن العمل على آخر فعل عمر في تركه السجود. وقال: على رسلكم إن الله لم يكتبها علينا.
وشُرُطُهَا كَالصَّلاةِ إِلا الإِحْرَامَ والسَّلامَ، وفِي التَّكْبِيرِ إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاةٍ: ثَالِثُهَا: خَيَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ ....
تصوره واضح. قال ابن وهب: يسلم منها. والظاهر أن الاستثناء في قوله: (إِلا الإِحْرَامَ والسَّلامَ) منقطع.
خليل: وفي النفس من عدم الإحرام والسلام شيء. وقوله: (إِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلاةِ). أي؛ إن كان في صلاة كبر في خفضه ورفعه اتفاقاً كسائر الالتفاتات في الصلاة. والثلاثة الأقوال في المدونة. قال ابن القاسم: وكل ذلك واسع. وفي الرسالة رابع: يكبر في خفضها. وفي التكبير في الرفع منها سعة. والذي رجع إليه مالك التكبير، واختاره ابن يونس.
فرع:
إذا قرأ الماشي السجدة سجد، وينزل الراكب إلا في سفر القصر؛ قاله في الواضحة.
стр. 617
ولَوْ جَاوَزَهَا بِيَسِيرٍ سَجَدَ، وبكَثِيرٍ يُعِيدُ قِرَاءَتَهَا ويَسْجُدُ. وفِيهَا: إِنْ رَفَعَ الْمُصَلِّي رَاسَهُ مِنَ الرُّكُوعِ فِي فَرْضٍ لَمْ يُعِدْ. ورَوَى ابْنُ حَبِيبٍ: يَعُودُ فِي الثَّانِيَةِ، ويَسْجُدُ ....
واليسير مثل أن يقرأ الآية والآيتين. ابن عبد السلام: وهذا بين؛ لأن ما قارب الشيء يعطَى حكمُه. وقوله: (وبِكَثِيرٍ يُعِيدُ قِرَاءَتَهَا ويَسْجُدُ) زاد في الجواهر بعد قوله: (ويَسْجُدُ) ثم يعود إلى حيث انتهى في القراءة. وقوله: (وفِيهَا: إِنْ رَفَعَ ...) إلى آخره.
اين عبد السلام: الموجب لذكر هذه المسألة رواية ابن حبيب، وإلا فسيذكر أنها تفوت بوضع اليدين على الركبتين.
وفِي النَّافِلَةِ يَعُودُ
أي: وإن ذكر بعد رفع رأسه من الركوع في النافلة عاد إلى قراءتها وسجد.
ابن عبد السلام: وهو استحسان. والأصل أن محلها قد فات إلا أن يريد قراءتها إن شاء لأن ذلك سائغ في النافلة. انتهى. وإذا قلنا أنه يعود إليها فهل قبل الفاتحة أو بعدها؟ قولان، أشار إليهما بقوله:
وفِي فِعْلِهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةٍ أَوْ قَبْلَهُا قَوْلانٍ، فَإِنْ ذَكَرَ رَاكِعاًَ فَكَذَلِكَ، وقِيلَ: يَخِرُّ سَاجِداً.
القول بأنه يعيدها قبل الفاتحة لأبي بكر بن عبد الرحمن؛ لأن المانع من الإتيان بها إنما هو فوت القيام، وقد وجد فلا معنى للتأخير، والقول بأنه يعيدها بعد الفاتحة لابن أبي زيد، لأنها قراءة فتشرع بعد الفاتحة كغيرها. وقوله: (فَإِنْ ذَكَرَهَا رَاكِعاً فَكَذَلِكَ) يريد: وإن ذكر في النافلة بعد وضع اليدين على الركبتين فكذلك؛ أي: هو بمنزلة ما لو ذكر بعد أن رفع رأسه من الركوع فيمضي على ركوعه، ويقرأها في الثانية. وهذا القول نقله اللخمي عن مالك في العتبية، وتأوله ابن يونس على المدونة، ويريد تأويله أنه نص
стр. 618
فيها على الفوات إذا ذكر وهو راكع في الثانية. وقوله: (وقِيلَ: يَخِرُّ) أي: إذا ذكر راكعاً، وهذا القول لأشهب. زاد اللخمي وصاحب الجواهر عنه: ويسجد إذا حصل له ذلك في الثانية، ولو ذكر وهو جالس قبل أن يسلم أو بعد السلام سجد. وبنى التونسي وابن بشير الخلاف في هذه المسألة على الخلاف في عقد الركعة، وأبى ذلك عبد الحق وابن يونس وقالا: بل ابن القاسم جعل وضع اليدين على الركبتين تنعقد به الركعة في أربعة مسائل منها هذه، وقد تقدم التنبيه عليها. وعلى هذا فيكون كلامه هنا عائد إلى مسألة النافلة، وقول ابن عبد السلام المتقدم والموجب لذكر هذه المسألة رواية ابن حبيب إلى آخره يدل على أنه جعل هذه المسألة عائدة إلى الفريضة، لكن لم أر المسألة في كتب الأصحاب إلا على الوجه الأول.
ولَوْ قَصَدَ السُّجُودَ فَرَكَعَ نَاسِياً، فَقَالَ مَالِكٌ: يَعْتَدُّ بِهِ، فَإِنْ ذَكَرَ مُنْحَنِياً رَفَعَ لِرَكْعَتِهِ، وقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: لا يَعْتَدُّ بِهِ فَإِنْ ذَكَرَ مُنْحَنِياً خَرَّ، فَإِنْ رَفَعَ سَاهِياً لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ بنَاءً عَلَى أَنَّ الْحَرَكَةَ إلَى الأَرْكَانِ مَقْصُودَةٌ أَوَّلاً، وعَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ: إِنْ أَطَالَ الرُّكُوعَ أَوْ رَكَعَ أَوْ رَفَعَ سَاهَياً سَجَدَ بَعْدَ السَّلامِ. وعَلَى قَوْلِ مَالِكٍ قَوْلانِِ
يعني: إذا قصد سجود التلاوة فلما وصل إلى الركوع نسي. وقول ابن القاسم منصوص في العتبية والواضحة. وقول مالك في المجموعة، ورواه أشهب في العتبية. وقوله: (فَإِنْ ذَكَرَ مُنْحَنِياً رَفَعَ لِرَكْعَتِهِ)، من تمام قول مالك. وقوله: (فَإِنْ ذَكَرَ مُنْحَنِياً خَرَّ)؛ من تمام قول ابن القاسم، وكذلك قوله: (فَإِنْ رَفَعَ سَاهِياً لَمْ يَعْتَدَّ بِهِ).
تنبيهات:
أحدها: ما وقع بعد قوله: (فَإِنْ رَفَعَ سَاهِياً لَمْ يَعْتَدَّ بهِ) زيادة على المشهور وليست صحيحة، لأنها ليست قول مالك.
стр. 619
ثانيها: [١٠٣/ب] جعل الأول من التعليل للثاني من القولين عكس غالب اصطلاحه.
ثالثها: تأول الشيخ أبو محمد قوله: فركع ساهياً على أن المراد منها عن السجدة وقصد الركعة، وأما لو خر للسجدة فلا يجزئه ذلك الركوع؛ لأنه نوى بانحطاطه ما ليس بفرض، إلا على قول من يرى أنه إذا ظن أنه في نافلة فصلى ركعة أنه يجزئه. ابن يونس: وعلى هذا التأويل يكون وفاقاً لابن القاسم قال: وظهر في الإجزاء على قول مالك؛ وإن انحط للسجدة فلا تضره النية لانعقادها من أول الفريضة، وليس عليه تجديدها في كل ركعة. وهل يسجد أم لا؟ أما على قول ابن القاسم فليسجد بعد السلام إن طال ركوعه، أو رفع ساهياً لتحقيق الزيادة والطول هو الطمأنينة فما فوقها. واختلف على قول مالك، والظاهر سقوطه لعدم الزيادة؛ قاله المغيرة. والثاني: أنه يسجد بعد السلام؛ قاله مالك في المجموعة، لأنه أخل بنية الانحطاط فكان حقه قبل، لكن لما ضعف مدرك السجود أخر، كذا قال المازري.
فرع:
قال مالك في المجموعة: ولو سجد في آية قبلها يظنها السجدة فليقرأ السجدة في باقي صلاته، ويسجد لها ويسجد بعد السلام.
ويُكْرَهُ سُجُودُ الشُّكْرِ عَلَى الْمَشْهُورِ
وجه المشهور العمل؛ ولهذا لما قيل لمالك في العتبية أن أبا بكر الصديق فيما يذكر سجد بعد فتح اليمامة شكراً، قال: ما سمعت ذلك. وأنا أرى أنهم كذبوا على أبي بكر في هذا الضلال. وقد فتح الله على رسوله وعلى المسلمين، فما سمعت أن أحداً منهم سجد. انتهى. والشاذ رواه ابن القصار عن مالك وبه قال ابن حبيب.
стр. 620
اللخمي: وهو الصواب لحديث ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ في سجدة ص: "سجدها داود توبة، وأسجدها شكراً". وحديث أبي بكر أتى النبي ﷺ أمر سره فخر ساجداً. ذكره الترمذي. وحديث كعب بن مالك لما بشر بتوبة الله عليه خر ساجداً. أخرجه البخاري. انتهى.
فرع:
كره في المدونة الاقتصار على قراءة السجدة مجردة عما قبلها وما بعدها، واختلف الأشياخ فحملها بعضهم على أن المراد نفس السجدة دون جملة الآية التي هي منها. وحملها بعضهم على أن المراد به جملة آية السجدة. المازري: وهو الأشبه لأنه لا فرق بين قراءة كلمة السجدة أو جملة الآية.
الْجَنَائِزُ: وتَوْجِيهُ الْمُحْتَضِرِ إِلَى الْقِبْلَةِ مُسْتَحَبُّ غَيْرُ مَكْرُوهٍ عَلَى الأَصَحِّ
الجنازة بفتح الجيم وكسرها، للميت والسرير، وقيل: للميت بالفتح، وللسرير بالكسر، الأعلى للأعلى والأسفل للأسفل. والاستحباب رواه ابن القاسم وابن وهب عن مالك، والكراهة رواها ابن القاسم أيضاً في المجموعة قال: وما علمته من الأمر القديم. قال ابن حبيب: إنما كره استناناً. وروي عن ابن المسيب إنكاره حتى قيل لما أغمي عليه: فلما أفاق قال لبنيه: ليهنني مضجعي ما دمت بين أظهركم، لا أبالي على أي جهة مت إذا مت مسلماً. وزاد: (غَيْرُ مَكْرُوهٍ) ليعلم أن مقابل الأصح الكراهة. ابن حبيب: ولا أحب أن يوجه إلا أن يغلب ويعاين وذلك عند إحداد نظره، وشخوص بصره.
وكَذَلِكَ قِرَاءَةُ شَيْءٍ مِنَ الْقُرْآنِ عِنْدَه
أي: ويستحب. وتبع المصنف في هذا ابن بشير، وإنما هو قول ابن حبيب. وقال: إنما كره مالك ذلك استناناً. والكراهة لمالك في رواية أشهب. واحتج على ذلك بأن عمل
стр. 621
السلف اتصل على ترك ذلك. وذكر ذلك صاحب البيان وغيره، وصاحب الرسالة فقال: وأرخص بعض العلماء في القراءة عند رأسه بسورة يس، ولم يكن ذلك عند مالك أمراً معمولاً به. انتهى. وهذا هو الظاهر، وفي حمل ابن حبيب نظر، إذ ليس لنا أن نرتب الأسباب والمسببات، وما حده الشرع وقفنا عنده، وما أطلقه ولم يخصه بسبب أطلقناه، وما تركه السلف تركناه وإن كان أصله مشهوداً له بالمشروعية كهذه القراءة. وللشرع حكمة في الفعل والترك، وتخصيص بعض الأحوال بالترك كالنهي عن القراءة في الركوع، وطلبها في القيام، فتمسك بهذه القاعدة الجليلة؛ فإنها دستور للمتمسك بالسنة، وقاعدة مالك والله أعلم.
وكَيْفِيَّةُ التَّوْجِيهِ كَالْقَوْلَيْنِ فِي صَلاةٍ الْمَرِيضِ
أي: في تقديم الأيمن وإلا استلقى على ما تقدم، وأما بين الأيسر والأيمن فبعيد.
ويُسْتَحَبُّ تَلْقِينُهُ الشَّهَادَةَ، وتَغْمِيضُهُ بَعْدَ مَوْتِهِ
لقوله ﵊: "لقنوا موتاكم لا إله إلا الله". أخرجه مسلم، والترمذي.
ولقوله ﵊: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة". رواه أبو داود، والترمذي. وقال عبد الحق فيه: حسن صحيح. وظاهره الاقتصار على لا إله إلا الله. وقال بعضهم: تلقين الشهادتين. ابن الفاكهاني: ومراد الشارع والأصحاب الشهادتان معاً، واكتفى بذكر إحداهما. ووقع في بعض [١٠٤/أ] النسخ الشهادتين. وإذا قالها مرة ثم تكلم أعيد تلقينه وإلا ترك لأن القصد أن يكون آخر كلامه. قالوا: ولا يقال له: قل بل يقال عنده لا إله إلا الله، ويستحب تغميضه إذا قضى لا قبل ذلك، وتمد رجلاه، وتلين مفاصله برفق لئلا يبقى مشوه الخلقة. قال مالك في المختصر: ولا بأس أن
стр. 622
تغمضه الحائض والجنب. قال ابن حبيب: يستحب ألا يجلس عنده إلا أفضل أهله وأحسنهم هدياً وقولاً، ولا يكون عليه وقربه ثوب غير طاهر، ولا تحضره الحائض والكافر. وفي اللخمي: تجتنبه الحائض والجنب. واختلف في ذلك والمنع أولى لما روي أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب. ابن حبيب: ويستحب أن يقال عنده ﴿وسَلامٌ عَلَى المُرْسَلِينَ* والْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ﴾، ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ العَامِلُونَ﴾، ﴿ذَلِكَ وعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾. ويقال عند إغماضه: بسم الله، وعلى وفاة رسول الله ﷺ ، اللهم يسر عليه أمره، وسهل عليه موته، وأسعده بلقائك واجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه.
وإِذَا رُجِيَ الْوَلَدُ فَفِي جَوَازِ بَقْرِ الْبَطْنِ قَوْلانِ
المشهور: لا يبقر. وقال أشهب وسحنون وأصبغ: يبقر إذا تيقن حياته، قال محمد بن عبد الحكم: رأيت بمصر رجلاً مبقوراً على رمكة مبقورة. وحمل عبد الوهاب قول سحنون على أنه تفسير لقول ابن القاسم. قال: وإنما قال ذلك ابن القاسم إذا لم تتيقن حياته.
تنبيه:
وهذا الخلاف حيث يتعذر على النساء إخراج الولد من مخرجه، وأما إن أمكن ذلك بعلاج فحسن؛ قاله مالك في المبسوط.
وكَذَلِكَ لَوْ كَانَ فِي بَطْنِهِ مَالٌ لَهُ بَالٌ بِبَيِّنَةٍ
أي: فيختلف فيه. قال ابن القاسم، وأصبغ، وسحنون: يبقر إذا كان فيه دنانير. قال ابن القاسم: وكذلك إذ ابتلع جوهرة نفيسة أو وديعة. وقال ابن حبيب: لا يبقر. ولو كانت جوهرة تساوي ألف دينار. قال شيخنا ﵀: ينبغي أن يكون الخلاف إذا ابتلعه لقصد صحيح. وأما إن قصد قصداً مذموماً فينبغي أن يبقر لأنه كالغاضب، وقيد ابن
стр. 623
بشير الخلاف في الوديعة بما إذا كان له مال يؤدي منه قال: وإلا فلا ينبغي أن يختلف في وجوب استخراجه. انتهى. وقال ابن القاسم هنا بالبقر دون الأول لتحقق المال هنا بخلاف حياة الجنين فإنها موهومة. والبقر مقيد كما قال المصنف بما إذا قامت له البينة بابتلاعه، ولو شهد بذلك عدل فأجراه أبو عمران على الخلاف في القصاص في الجراح بشاهد واحد. ابن يونس: والصواب البقر لأن النبي ﷺ نهى عن إضاعة المال، والميت لا يملك ذلك.
وخُرِّجَ الْمُضْطَرُّ إِلَى أَكْلِ مَيْتَةِ الآدَمِيِّ عَلَى ذَلِكَ
أكثر نصوصهم أن المضطر لا يأكل ميتة الآدمي، ومنهم من أجازه. ابن عبد السلام: وهو الظاهر. وخرج الجواز على القول بجواز البقر، والجواز هنا أولى لأن حياة الآدمي محققة بخلاف الجنين. لكن هنا إذهاب جزء من الآدمي وليس في البقر إلا الشق، فينظر هل ذهاب الجزء مع تحقق الحياة يوازي الشق مع عدم تحقق الحياة؟
وغُسْلُ الْمَيِّتِ وَاجِبٌ عَلَى الأَصَحِّ
الأصح قول عبد الوهاب، وابن محرز، وابن عبد البر. وحكى ابن أبي زيد وابن الجلاب، وابن يونس: ابن بزيزة: وهو المشهور. وسبب الخلاف قوله ﷺ في حديث أم عطية: "اغسلنها ثلاثاً أو خمساً أو أكتر إن رأيتن ذلك" هل معناه رأيتن الغسل أو الزيادة. المازري: وهذا على اختلاف الأصوليين في الاستثناء، والشرط إذا تعقب الجمل، هل يرجع إلى الجميع أو إلى الأقرب.
خليل: وعود التخيير إلى نفس الغسل بعيد جداً، وفي الغسل فوائد منها إكرام الملكين، ومنها تنبيه العبيد على أن المولى أكرمهم أحياء وأمواتاً، ومنها أن يعلموا أن من تأهب للقدوم على مولاه أنه لا يقدم إلا طاهر القلب من المعاصي متفرغاً مما سوى الله تعالى،
стр. 624
لأنه إذا اعتنى المولى بتطهير جسد فإن في التراب تنبه العبد إلى ما هو باق؛ وهو النفس.
ومنها إعلام العبد بالاعتناء به لأنه إذا اعتنى بتطهير الجسد الفاني فلأن يعتني بتطهير النفس من باب أولى. فنسأله أن يطهر قلوبنا من رعونات البشر وأن يفرغها من غيره. ويملأها من ذكره، وأن يقدمنا عليه وهو راض عنا.
ولا يُغَسَّلُ مَنْ لا يُصَلِّي عَلَيْهِ لِنَقْصٍ أَوْ كَمَالٍ، ومَنْ تَعَذَّرَ غُسْلُهُ يُمِّمَ كَعَدَمِ المْاءِ، وتَقْطِيعِ الْجَسَدِ، وكَرَجُلٍ مَعَ نِسَاءٍ غَيْرِ مَحَارِمَ
سيأتي من لا يغسل لنقص أو كمال. وجعل تعذر الغسل من ثلاثة أوجه. وهو ظاهر.
وفِي الْمَحَارِمِ قَوْلانِ، وعَلَى غُسْلِهِنُّ فَفِي كَوْنِهِ مِنْ فَوْقِ ثَوْبٍ أَوْ مِنْ تَحْتِهِ قَوْلانِ
المشهور أن ذوات المحارم يغسلنه. وقال أشهب: ييممنه فقط. وقوله: (في كَوْنِهِ .....) إلخ؛ قال في المدونة: يغسلنه. ولم يشترط من فوق ثوب. زاد في المختصر: وتستر عورته. وقال ابن القاسم في سماع موسى بن معاوية: إنما يغسلنه من فوق ثوب. كما قال في المدونة في غسل الرجل ذات محارمه: ولم أر القول بأنها تغسله [١٠٤/ ب] من تحت ثوب منصوصاً، نعم خرجه صاحب التنبيهات على قول ابن حبيب في عكس هذه المسألة وسيأتي.
وأَمَّا صَغِيرٌ لا يُمْكِنُهُ الْوَطْءُ فَيُغَسِّلْنَهُ
قال في المدونة: كابن سبع سنين. قال المازري: وروى عن مالك إجازة غسل المرأة لابن تسع.
والْمَرْأَةُ مَعَ رِجَالٍ غَيْرِ مَحَارِمَ كَذَلِكَ إِلا أنهّا تُيَمَّمُ إِلَى الْكُوعِ
لأن ذراعها عورة بخلاف وجهها وكفيها بدليل إظهارهما في الصلاة والإحرام. وجاز لكل واحد منهما أن ينظر وجه صاحبه، وإن كان ممنوعاً في الحياة للضرورة، والله أعلم.
стр. 625
وفِي الْمَحَارِمِ ثَالِثُهَا: يُغَسِّلُهَا مَحَارِمُ النَّسَبِ لا الصِّهْرِ
مذهب المدونة أنه يغسلها من فوق ثوب، ولا يفضي بيده إلى جسدها. والقول بالتيمم لأشهب قاله صاحب البيان قال: وروى أشهب أنه يصب الماء عليها صباً، ولا يباشر جسدها بيده من فوق الثوب ولا من تحته. قال: وفي المسألة قول لابن حبيب أنه يغسلها وعليها ثوب، ويصب الماء فيما بينه وبينها، لئلا يلصق بجسدها، فيصف بابتلاله عورتها. قال: وظاهره أنه يفضي بيده في غسله إياها إلى جسدها، ومعنى ذلك عندي فيما عدا السرة والركبة، فلا يفضي بيده إلى ذلك منها دون أن يجعل عليه خرقة، إلا أن يضطر إلى ذلك كما يفعل الرجل بفرج الرجل في غسله؛ إذ لا يختلف في أن الفخذ والسرة من المرأة عورة، لا يحل أن ينظر إلى ذلك من لا يحل له الفرج باتفاق. انتهى. وانظر هل يتخرج في غسلها القول الثالث الذي ذكره المصنف؟
وفِي صَغِيرَةٍ بَيْنَ إِطَاقَةِ الْوَطْءِ وبَيْنَ الرَّضِيعَةِ ونَحْوِهَا قَوْلانِ
أي: إذا كانت مطيقة للوطء لم يجز الغسل اتفاقاً، وإن كانت رضيعة جاز اتفاقاً. واختلف فيما بينهما، فمذهب ابن القاسم أنه لا يغسلها، ومذهب أشهب أنه يغسلها.
ابن الفاكهاني: والأول مذهب المدونة. ابن أبي زيد: وهو أحب إلينا. واختلف هنا ولم يختلف في عكسها لأن تطلع الرجال على الصغيرة أقوى من تطلع النساء على الصغير.
ويُغَسَّلُ كَالْجَنَابَةِ، وفِي اسْتِحْبَابِ تَوْضِئَتِهِ قَوْلانِ، وعَلَى الْمَشْهُورِ فِي تَكْرَارِهِ بِتَكْرَارِ الغُسْلِ قَوْلانِ ....
فهم من قوله: (وعَلَى الْمَشْهُورِ) أن المشهور أنه يوضأ. وقال أشهب: في ترك وضوئه سعة. ابن حبيب: ويوضأ كما يوضأ الحي. التونسي: وأنكر سحنون تكرار وضوئه.
الباجي: وينبغي على القول بتكرار الوضوء ألا يغسل ثلاثاً بل مرة واحدة حتى لا يقع التكرار المنهي عنه. وإذا لم نقل بتكريره هل يثلث أو لا؟ وحكى الباجي عن ابن حبيب أن الوضوء يكون في الغسلة الثانية؛ لأن الأولى تنظيف، فينبغي أن يكون الوضوء بعد حصول النظافة.
стр. 626
فرع:
ويعصر بطنه عصراً رفيقاً. أشهب: وإذا عصر بطنه فيؤمر من يصب عليه الماء، ولا يقطع ما دام ذلك. ويغسل ما أقبل منه وما أدبر. ويلف على يده شيئاً كثيفاً لا يجد معه لين ما تمر عليه اليد، ثم يغسل تلك الخرقة ويغسل يده. ويأخذ خرقة أخرى على يده، ويدخلها في فمه لتنظيف أسنانه، قال: ويمضمض. ابن حبيب: ويدخل الماء في أنفه ثلاثاً.
فرع:
ولو غسل ثم خرج منه شيء لم يعد غسله، ولا وضوءه، بل يغسل المحل فقط.
المازري: وقال أشهب: يعيد الوضوء.
وفِي كَوْنِهِ تَعَبُّداً أَوْ لِلنَّظَافَةِ قَوْلانِ، وعَلَيْهِمَا اخْتُلفِ فِي غُسْلِ الذِّمِّيِّ، واخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ غُسْلِهِ بِالْمُطَهِّرِ دُونَ سِدْرٍ وكَافُورٍ وغَيْرِهِمَا .....
الظاهر: التعبد بدليل التيمم عند عدم الماء. والقول بالنظافة لابن شعبان، قال: ويجوز غسله بماء الورد، وماء القرنفل.
وقوله: (غُسْلِ الذِّمِّيِّ) أي: في تغسيل الذمي المسلم إذا لم يكن مسلم ولا امرأة من محارمه، فعلى التعبد لا يغسله، وهو قول أشهب، وعلى التنظيف يغسله. وعليه فقال مالك: يعلم النساء الذمي الغسل ويغسله. وقال سحنون: يغسل الكافر المسلم والكافرة المسلمة، ثم يحتاطون بالتيمم.
تنبيه:
وعلى القول بأن الغسل للتعبد فلا يحتاج إلى نية، وإنما يحتاج التعبد إلى نية إذا كان مما تفعله في نفسك، ذكره الباجي وابن رشد وابن راشد.
فرعان:
الأول: اختلفت إذا مات النصراني، هل لابنه المسلم أن يقوم بأموره ويتبعه إلى قبره؟ فقال مالك في العتيبية: لا أرى أن يقوم في أموره ولا يتبعه إلى قبره، وقد ذهب الحق الذي
стр. 627
كان يلزمه إلا أن يخاف أن يضيع. ابن القاسم: وهذا [١٠٥/ أ] أثبت ما سمعت من قول مالك، وبه آخذ. وقال ابن حبيب: لا يحمل المسلم نعش الكافر ولا يمشي معه ولا يقوم على قبره، ولو مات لمسلم كافر يلزمه أمره مثل الأبوين، والأخ، وشبه ذلك، فلا بأس أن يحضره ويلي أمره، ويكفنه حتى يخرج به إلى دفنه. وإن كفي دفنه وأمن الضيعة عليه فلا يتبعه، وإن خشي ذلك فليتقدمهم إلى قبره. وإن لم يخش ضيعته وأحب أن يحضر دفنه فليتقدم أمام جنازته، وإذا خشي عليه تقدمها، ولا يُدخلها قبرها إلا ألا يجد من يكفيه ذلك.
الفرع الثاني: قال في العتيبية: لا يعجبني أن يعزي المسلم في أبيه الكافر لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾. فلم يكن لهم أن يرثوهم وقد أسلموا حتى يهاجروا. وروى عن مالك أنه يعزي جاره الكافر بموت أبيه الكافر لذمام الجار، فيقول إذا مر به: بلغني الذي كان من مصابك، ألحقه الله بأكابر دينه، وخيار ذوي ملته. وقال سحنون: يقول له: أخلف الله لك المصيبة، وجزاك أفضل ما جزى به أحداً من أهل دينك. قال في البيان: وإذا جازت تعزية الكافر بالكافر، فتعزية المسلم بالكافر من باب أولى. خلاف ما قاله في التعبية قال: والتعزية لثلاثة أمور:
أحدها: تهوين المصيبة على المعزي وتسكينه وتسليته وتحضيضه على الصبر.
والثاني: أن يعوض الله من مصابه جزيل الثواب.
والثالث: الدعاء للميت. والكافر يمتنع في حقه الأخير. فيعزي المسلم في وليه الكافر، هذا معنى كلامه. قال: والآية التي احتج بها مالك على ترك التعزية منسوخة. قال عكرمة: أقام الناس برهة لا يرث المهاجر الأعرابي، ولا الأعرابي المهاجر لقوله تعالى: ﴿مَا لَكُم مِّن ولايَتِهِم مِّن شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا﴾
حتى نزل: ﴿وأُوْلُوا الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾، فاحتج بالمنسوخ كما احتج لما اختاره من الإطعام في الفطر في رمضان بقوله تعالى: ﴿وعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾، وهي منسوخة، وذلك إنما يجوز على القول بأن الأمر إذا نسخ وجوبه جاز أن يحتج به على
стр. 628
الجواز، وذلك مما اختلف فيه، واعتلاله بمنع الميراث ضعيف؛ إذا قد يعزي الحر بالعبد، ولا يتوارثان. انتهى.
قال مالك في المدونة: وإذا مات كافر بين مسلمين لا كافر معهم لفوه بشيء وواروه.
قال الليث وربيعة: لا يستقبل به قبلتنا ولا قبلتهم. ابن حبيب: وإذا ماتت ذمية حامل من مسلم فلتدفن مع أهل دينها، وإنما ولدها عضو منها حتى يزايلها. نقله ابن يونس.
وفِي كَرَاهَةِ غُسْلِهِ بِمَاءِ زَمْزَمَ قَوْلانِ، إِلا أَنْ تَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ
قال ابن شعبان: لا يغسل بماء زمزم ميت ولا نجاسة، وإنما يكره غسل الميت بماء الورد وماء القرنفل من ناحية السرف، وإلا فهو جائز. وقال ابن أبي زيد: ما ذكر في ماء زمزم لا وجه له عند مالك وأصحابه. وما ذكر في القرنفل ليس هو قول أهل المدينة، إن أراد أن يغسل بذلك وحده.
وقوله: (إِلا أَنْ تَكُونَ فِيهِ نَجَاسَةٌ) أعاده شيخنا وابن عبد السلام على قوله: (وفي وجوب غسله بالمطهر) أي: إلا أن تكون فيه نجاسة فلابد من المطهر، وكأنهما فرا من إعادته على ماء زمزم؛ إذ لو أعيد عليه لفهم على أنه اتفق على المنع منه، وليس كذلك؛ إذ ظاهر المذهب الجواز على ما قاله ابن أبي زيد. ومن المعلوم أن أم إسماعيل وابنها ﵉ ومن نزل عليهما من العرب حين لم يكن بمكة ماء غيره، لم يستعملوا في كل ما يحتاجون إليه سواه. قال اللخمي: وما ذكره ابن شعبان من أنه لا يجوز أن يغسل الميت بماء زمزم هو مبني على أصله أن الميت نجس.
والْوَاحِدَةُ تُجْزِئُ، وُيسْتَحَبُّ التِّكْرَارُ وِتْراً إِلَى سَبْعٍ، وإِنْ لَمْ يَحْصُلِ الإِنْقَاءُ زِيدَ
قال ابن حبيب: السنة أن يكون وتراً. وكذلك غسل النبي ﷺ ، لم يحصل الإنقاء بسبع زيد على السبع من غير مراعاة وتر، قال مالك في الواضحة: ولا
стр. 629
يستحب اغتسال غاسل الميت. ونقل في النوادر عن مالك وابن القاسم وأشهب استحباب اغتسال غاسل الميت. وحكى في البيان قولاً ثالثاً بإيجاب الغسل، قال مالك في المختصر: وليس على حامل الميت وضوء. قال في كتاب ابن القرطي: من اغتسل عند الميت لم يكتف بذلك الغسل إن مات. قال مالك: ولا أحب للجنب غسل الميت، وذلك جائز للحائض. وأجاز محمد بن عبد الحكم للجنب أن يغسله، ورواه ابن نافع عن مالك.
قال في البيان: والأظهر الكراهة؛ لما جاء أن الملائكة لا تدخل بيتاً فيه جنب، ولأنه يمكن طهره، قال ابن شعبان: وليكثر الغاسل من ذكر الله تعالى.
والتَّجْرِيدُ مِنَ الثِّيَابِ مَشْرُوعٌ
أي: مستحب؛ لأنه أنقى، ونبه به على خلاف الشافعية أن الميت لا ينزع قميصه.
[١٠٥/ ب] وفي أبي داود أن رسول الله ﷺ لما توفي أراد أصحابه غسله.
قالوا: والله ما ندري أنجرده من ثيابه كما نجرد موتانا، أم نغسله وعليه ثيابه؟ فقولهم: كما نجرد موتانا، دليل على أن ذلك عادتهم، وأن عدم تجريد سيدنا محمد ﷺ مخصوص به لشرفه ورفعته عن جميع خلق الله كلهم. قال ابن يونس: قال أصحابنا: واختلف لما غسل بالقميص، هل بقى عليه أو نزعوه؟ والحديث يدل على أنهم نزعوه، وهو قوله: كفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية ليس فيها قميص ولا عمامة. انتهى.
وتُسْتَرُ الْعَوْرَةُ
هكذا قال في المدونة، وفهم اللخمي منه أن المراد السوءتان خاصة، قال: وقال ابن حبيب: من السرة إلى الركبة. واستضعف في التنبيهات قول اللخمي قال: وليس في الكتاب ما يدل على ما قاله. بل لو قيل فيه ما يدل على قول ابن حبيب لكان له وجه؛ لأنه قال بإثر ذلك: ويفضي بيده إلى فرجه إن احتاج إلى ذلك، فلو كانت العورة هي نفس
стр. 630
الفرج كما قال لما جاء بذكر الفرج بلفظ آخر. انتهى. واستحب ابن سحنون أن تُجعل على صدره خرقه. قال اللخمي: وهو أحسن فيمن طال مرضه. المازري: وأما غسل المرأةِ المرأةَ فالظاهر من المذهب أنها تستر منها ما يستر الرجل من الرجل من السرة إلى الركبة، وعلى قول سحنون تستر جميع جسدها؛ لأنه قال في المرأة تدخل الحمام أنها تدخل في ثوب يستر جميع جسدها انتهى.
والأَشْهَرُ أَنْ يُفْضِيَ الْغَاسِلُ بِيَدِهِ إِلَيْهَا إِنِ احْتِيجَ وإِلا فَبِخِرْقَةٍ وهِيَ مَسْتُورَةٌ
إن أمكن أن يغسل ما هنالك بخرقة فلا خلاف في منع المباشرة، وإن لم يمكن فقال ابن القاسم: يباشر باليد. وقال ابن حبيب: لا يباشرها إلا وبيده خرقة. وقول ابن حبيب أقرب، والقول بالإفضاء إنما يأتي على القول بوجوب بالغسل. والواو من قوله: (وهِيَ مَسْتُورَةٌ) للحال، ولفظة (هِيَ) عائدة على العورة. قيل: والخلاف إنما هو في غير الزوجين، وأما الزوجان فيباشر أحدهما عورة الآخر عند الضرورة.
ولا يُؤْخَذُ لَهُ ظُفْرٌ ولا شَعْرٌ
زاد في المدونة: وذلك بدعة ممن فعله. وصرح المازري بكراهيته، قال ابن حبيب وغيره: وإن سقط من ذلك شيء جعل في أكفانه. قال أصبغ وغيره: وينقي ما تحت الظفر من وسخ بعود أو غيره. سحنون: ويجوز قص أظفار المريض إذا كان يتأذى منه، وإن كان يُتَهَيَّأ بذلك إلى الموت فلا يفعل.
فرع:
قال ابن القاسم في العتبية: ويعمل بشعر المرأة ما أحبوا من لفه، وأما الظفر فلا أعرفه. وقال ابن حبيب: لا بأس بظفره. وقالت أم عطية: قد ضفرنا شعر بنت رسول الله ﷺ ثلاث ضفائر، ناصيتها وقرنيها وألقي من خلفها.
стр. 631
والْمُقَدَّمُ الزَّوْجُ والزَّوْجَةُ ولَوْ كَانَ الْخِيَارُ لأَحَدِهِمَا عَلَى الْمَنْصُوصِ. وخَرَّجَهَا اللَّخْمِيُّ عَلَى الْخِلافِ فِي الْفَوْتِ بِالْمَوْتِ .....
لأن أسماء بنت عميس غسَّلت زوجها أبا بكر ﵄، وغسَّلت أبا موسى زوجته، وغسَّل عليُّ فاطمة، وقالت عائشة: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسل النبي ﷺ إلا أزواجه. رواه أبو داود، وابن ماجه، والحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم ينكر عليها أحد.
أشهب: وتغسله زوجته وإن لم يبن بها. سحنون: وكذلك يغسلها هو. وهذا حكم النكاح الصحيح، وأما الفاسد مما يفسخ قبل البناء وبعده كالشغار فلا يغسل أحدهما الآخر، وإن كان مما يفسخ قبل البناء فقط غسل أحدهما صاحبه بعد البناء لا قبله.
وقوله: (ولَوْ كَانَ الْخِيَارُ لأَحَدِهِمَا) يريد: بشرط الإسلام. قال في النوادر: وليس للمسلم غسل زوجته النصرانية، ظ ولا تغسله هي إلا بحضرة المسلمين؛ إذ لا تؤمن من إذا خلت به، ونقله المازري أيضاً. قوله (وخَرُّجَهَا) أي: المسألة. ولفظ اللخمي: وإن ظهر بأحدهما عيب جنون أو جذام أو برص فلا غسل بينهما. وهذا يصح على قول ابن القاسم؛ لأنه يقول: إذا وقع الطلاق والموت فات موضع الرد. وأما على قول عبد الملك فإنه إذا مات الزوج وكان العيب به غسلته؛ لأن الإجازة خير لها فتأخذ الصداق من الميت والميراث، وإن كان العيب بها كان لأوليائه أن يقوموا بالعيب، ويمنعوها الميراث والصداق فلا تغسله، وإن كانت هي الميتة والعيب بها، وقام الزوج بالعيب ليسقط عن نفسه الصداق وكانت فقيرة لم يغسلها، وكذلك إذا كان العيب به وقام أولياؤها بالعيب ليمنعوه الميراث لم يغسلها.
المازري: في هذا التخريج عندي نظر؛ لأن الخيار إذا وقع برد العصمة بعد الموت، فهل يكون [١٠٦/ أ] رافعاً لها الآن، أو رافعاً لها من حين العقد؟ هذا أصل مختلف فيه،
стр. 632
فيخرج على هذه الطريقة الاختلاف في هذا الأصل، إلا أن يحتاط للغسل، فيرفع منه الخلاف فلا يباح. والظاهر من نصوص أصحاب هذه الطريقة أنهم يرون الاختيار إذا وقع بالرد، فكأن العصمة لم تكن في منع الميراث، وما في معناه من حقوق الزوجية. انتهى.
وكلام المصنف واللخمي يقتضي عموم الخلاف. وقال ابن عات: إن كان العيب بالحي لم يغسل الميت، وإن كان بالميت ففيه تنازع، والقياس منع الغسل. نقله ابن هارون.
فرع:
وفي حكم الزوجين، السيد وأمته، ومدبرته، وأم ولده، وضابطه أن إباحة الضبط إلى حين الموت يبيح الغسل من الجانبين، بخلاف المكاتبة والمعتق بعضها والمعتقة إلى أجل، ولا يقضي للأمة المدبرة على الأولياء باتفاق. وإذ قلنا بالغسل فالمشهور: يستر كل واحد منهما عورة صاحبه، خلافاً لابن حبيب: إلا أن يحتاج الغاسل منهما إلى معونة غيره، فليستر حينئذ بلا خلاف.
فرعان:
الأول: نص علماؤنا على أنه لا ينبغي أن يحضر مع الغاسل إلا من يعنيه.
الثاني: إذا أجزنا للمرأة غسل زوجها، فقال ابن الماجشون: لها أن تجففه وتكفنه، ولا تحنطه؛ إذ هي حاد إلا أن تضع حملها قبل ذلك إن كانت حاملا، أو تكون بموضع ليس فيه من يحنطه فلتفعل، ولا تمس الطيب إلا الميت.
وفِي الطَّلاقِ الرَّجْعِيِّ قَوْلانِ
المشهور: المنع. وقال ابن نافع بالجواز. واعلم أن الخلاف جار ولو قلنا أن الرجعية محرمة الوطء. ابن شاس: وروي عن ابن القاسم في العتبية أنه يغسلها وأنه يحدث بالموت
стр. 633
من إباحة الرؤية لها ما لم يكن في حال الحياة لحق الموارثة. ولو تزوج أخت زوجته فأجاز ابن القاسم في المجموعة أن يغسلها، ثم كرهه. وقال أشهب: أحب إلي ألا يفعل. وقال ابن حبيب: وللزوجة أن تغسل زوجها. وإن وضعت ما في بطنها وانقضت عدتها. قال ابن الماجشون: إذا وضعت على سريره فيجوز لها أن تنكح زوجاً غيره، ويجوز لها أن تغسله. انتهى. وانظر كلام ابن عبد السلام.
وفِي الْقَضَاءِ لَهُمَا: ثَالِثُهَا: يُقْضَى لِلزَّوْج دُونَهَا. وعَلَى الْقَضَاء لَوْ كَانَ الزَّوْجُ رَقِيقاً وأَذِنَ السَّيِّدُ فَقَوْلانِ .....
القضاء لابن القاسم وهو الظاهر؛ لأن من ثبت له حق فالأصل أن يقضي له به.
والثاني حكاه ابن بشير ولم يعزه. والتفرقة لسحنون؛ لأن الرجل له أولياء يغسلونه، فلو قضينا للزوجة لأسقطنا حقهم بخلاف العكس، فإن أولياءها لا يغسلونها.
اللخمي: وإن لم يكن للزوج ولي أو كان وعجز عن الغسل، أو أحب أن يجعل إلى غيره كانت الزوجة أحق، وقضى لها قولاً واحداً. انتهى.
قوله: (وعَلَى الْقَضَاء لَوْ كَانَ الزَّوْجُ رَقِيقاً) القضاء في العبد أيضاً لابن القاسم، ونفى القضاء لسحنون نظراً إلى عدم التوارث.
وإِذَا امْتَنَعَا أَنْ يُغَسِّلا أَوْ غَابَا فَلِلأَوْلِيَاء عَلَى تَرْتِيبِ الْوِلايَةِ
يعني: الزوج، والزوجة. وكلامه ظاهر
والْبِنْتُ وبِنْتُ الابْنِ لِلْمَرْأَةِ كَالابْنِ وابْنِهِ لِلرَّجُلِ
وهكذا ذكر المسألة اللخمي، وابن شاس، وابن بشير. وفي بعض النسخ: والبنت وبنت البنت، وعليها تكلم ابن راشد.
стр. 634
خليل: والنسخة الأولى أحسن؛ لأنه لا شك أن بنت الابن أولى من بنت البنت؛ لأنها تتوصل بالبنوة.
فروع:
الأول: قال سحنون: واسع غسل الميت بالماء وحده سخناً وبارداً.
الثاني: استحب أشهب السدر في تنظيف لحيته ورأسه على الغاسول، وغيره.
الثالث: قال ابن القاسم في المجدور ومن غمرته الجراح، ومن إذا مس انسلخ جلده: إنه يصب عليه الماء صباً، ويرفق به. قاله مالك. وقال مالك: ومن وجد تحت الهدم قد تهشم رأسه وعظامه، والمجرور، والمنسلخ فليُغسلا ما لم يتفاحش ذلك منهما. وإذا لم يوجد من الميت إلا مثل الرأس أو الرجل فلا يغسل، ولا يغسل إلا ما يصلي عليه. قاله مالك.
الرابع: قال ابن حبيب: لا بأس عند الوباء وما يشق على الناس من غسل الموتى لكثرتهم أن يجتزئوا بغسلة واحدة بغير وضوء، يصب عليه الماء صباً. ولو نزل الأمر الفظيع وكثر الوباء جداً وموت الغرباء فلا بأس أن يقبروا بغير غسل إذا لم يوجد من يغسلهم، ويجعل منهم النفر في قبر. وقاله أصبغ وغيره من أصحاب مالك.
المازري: وهذا الذي قاله ابن حبيب صحيح.
الخامس: لابد من تنشيف الميت قبل تكفينه، وهل ينجس الثوب الذي ينشف به أو لا؟ قولان مبنيان على نجاسة الميت. قال صاحب البيان وصاحب التنبيهات: والصحيح أن الآدمي لا ينجس بالموت.
السادس: [١٠٦/ ب] يستحب التكفين إثر الغسل، فإن غسل بالعشي وأخر التكفين إلى الغد فلا يعاد غسله وقد ترك الأولى. قاله ابن القاسم في العتبية.
стр. 635
ويَجِبُ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ بِسَاتِرٍ لِجَمِيعِهِ، ويُوَارَي شَهِيدُ قِتَالِ الْعَدُوِّ فِي الْمُعْتَرَكِ فِي ثِيَابِه الَّتِي مَاتَ فِيهَا، فَإِنْ قَصَرَت عَنِ السَّتْرِ زِيدَ ...
أما وجوب التكفين فنص عليه المازري وصاحب المقدمات وغير واحد.
وأما قوله (لِجَمِيعِهِ) فهو ظاهر كلامهم. وفي التقييد والتقسيم أن الزائد على ستر العورة سنة.
وقوله (ويُوَارَي ...) إلى آخره، أي: من غير غسل ولا صلاة. فإن قيل: فَلِمَ غُسِّلَ الأنبياءُ وصلي عليهم مع أنهم أكمل؟ فالجواب من وجوه: أحدها: أن المزية بأمر لا تقتضي الأفضلية، ألا ترى ما ورد من أنه إذا أذن المؤذن أدبر الشيطان وله ضراط، فإذا صلى أقبل يوسوسه. الثاني: أن الصحابة فهموا الخصوصية في شهيد المعترك فبقي ما عداه على الأصل، ولأن للشرع في إبقائهم على حالهم غرضاً، وهو البعث عليها؛ لقوله ﵊: "زملوهم بكلومهم، فإنهم يبعثون يوم القيامة، اللون لون دم، والريح ريح مسك". الثالث: تشريع وأسوة.
ودليل قوله: (فَإِن قَصَرتْ عَنِ السِّتْرِ زِيدَ) حديث مصعب بن عمير أنه قتل يوم أحد، ولم يترك إلا نمرة، فكنا إذا غطينا بها رأسه بدت رجلاه، وإذا غطينا بها رجليه بدا رأسه، فقال النبي ﷺ : "غطوا رأسه، واجعلوا على رجليه شيئاً من الإذخر".
وفِي الدِّرْعِ والْخُفَّيْنِ والْقُلُنْسُوَةِ والْمِنْطَقَةِ قَوْلانِ
اتفق المذهب على أنهم لا يدفنون بالسلاح كالسيف والرمح والسكين. واختلف فيما ذكر. فرأى ابنُ القاسمِ الدرعَ من السلاح. فقال: ينزع. ولم يره مالك منه فقال: لا ينزع الثوب من الحديد الذى يقيه، ويدفن به إلا المنطقة. قال ابن القاسم: لا ينزع الفرو، ولا القنسوة، ولا الخفاف. وفى العتبية عن مطرف: ولا المنطقة إلا أن يكون لها خطب. وقال
следующие страницы →