Полный текст (4 728 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
بقوله: (فَالرِّوايَاتُ) إلى ما نقل ابن بشير، وابن شاس: أن بعض المتأخرين رأى أن الخلاف المتقدم جارٍ هنا أيضاً، وكان ينبغي على هذا أن يقول على المنصوص جرياً على عادته.
وَفُرِّقَ للِشَّاذِّ بالتَّسَبُّبِ وَالانْتِفَاعِ
(الشَّاذِّ) هو مقابل الأصح في قوله: (فَلَوْ تَلِفَ الْمُتِمُّ). أي: وفرق لمقابل الأصح في إيجابه الزكاة مع الإنفاق، وإسقاطه الزكاة في الضياع بالتسبب والانتفاع. وفي كلامه فائدتان:
إحداهما: عدم [١١٩/ ب] صحة التخريج.
والثانية: أن الشاذ صحيح، وأن الأصح مشهور، إذ الشاذ إنما يقابله المشهور والله أعلم.
وَفِي أَوَّلِيَّةِ حَوْلِ الْمُتِمِّ بَعْدَ تَمَامِهِ أَوْ حِينَ قَبْضِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَاَشْهَبَ
صورتها: أن يقتضي عشرة في المحرم ثم عشرة في رجب، فهل ينتقل حول المحرمية المقتضاة أولاً إلى الرجبية كما في الفوائد- وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور- أو لا ينتقل، بل حول كل واحدة من يوم اقتضائه وهو قول أشهب، ولا يخفى عليك توجيهها.
وَلَوْ زَكَّى نِصَاباً أَوَّلاً ثُمَّ حَالَ حَوْلُهُ نَاقِصاً وَفِيهِ مَعَ الثَّانِي نِصَابٌ، فَكَالْفَائِدَتَيْنِ مِثْلُهُمَا ...
يعني: لو قبض من دينه نصاباً فزكاه أول الأمر، ثم قبض من دينه دون النصاب فزكاه، ثم حال حول الثاني وليس في الأول نصاب لكن فيه مع المقتضى ثانياً نصاب، فهل يزكي المقتضى أولاً قبل الحول الثاني- وهو المشهور- أو ينتظر به حول الثاني؟ وفي بعض النسخ (أول) ظرف مقطوع عن الإضافة، وفي بعضهما (أولاً) ظرف متعلق بـ (زكى).
стр. 702
وقوله: (فَكَالْفَائِدَتَيْنِ) أي: أن الحكم في الاقتضاءين كالحكم في الفائدتين. وقد تقدم من قوله: (ولو حال حول الأولى ثانياً وفيها مع الثانية نصاب، فالمشهور بقاؤها لا انتقالها إلى الثانية). والضمير المجرور بـ (مثل) عائد على الفائدتين، وهو بدل أو عطف بيان. ولو حذف قوله: (وفيه مع الثاني نصاب) لفهم المعنى من التشبيه.
ولَوِ اقْتَضَى دِينَاراً ثُمَّ آخَرَ، فَاشْتَرَى بكُلِّ سِلْعَةٍ بَاعَهَا بِعِشْرِينَ، فَإِنْ بَاعَهُمَا مَعاً، أَوْ بَاعَ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ اشْتِرَاءِ الأُخْرَى فَوَاضِحٌ، وإِلا فَطَرِيقَانِ: الأُولَى: يُزَكَّي الْمَبِيعَ أَوَّلاً مِنْهُمَا مَعَ الدِينَارِ الآخَرِ فَقَطْ. والثَّانِيَةُ: فِي تَزْكِيَةِ رِبْحِ الأُخْرَى قَوْلانِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَشْهَبَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ مِنْ حِينِ الشَّراء أَوْ مِنْ حِينِ الحُصُولِ ...
يعني: أن من له دين لا يملك غيره، أو يملك ما لا يكمل النصاب به، فاقتضى منه ديناراً ثم ديناراً آخر واشترى بكل واحد منهما سلعة باعها بعشرين، وظاهر كلام المصنف التسوية بين شرائهما في وقت واحد أو وقتين.
وقوله: (فَإِنْ بَاعَهُمَا) أي: لبيعهما ثلاث حالات:
الأولى: أن يبيعهما معاً.
الثانية: أن يبيع إحداهما قبل شراء الأخرى. قال المصنف: (فواضح). أي: الحكم واضح. أي: يزكي في الصورة الأولى أربعين وفي الثانية إحدى وعشرين، ولا خفاء فيه.
وقد نبه على الصورة الثالثة بقوله: (وإِلا فَطَرِيقَانِ) أي: وإن لم يبيعهما معاً ولا باع إحداهما قبل شراء الأخرى، بل باع إحداهما بعد أن اشترى الأخرى، وسواء بدأ بيع المشتراة أولاً أو آخراً، ففي المسألة طريقان:
стр. 703
الأولى: لأبي بكر بن عبد الرحمن، يزكي المبيع أولاً منهما مع الدينار والآخر فقط؛ أي: ثمن السلعة المبيعة والدينار الذي هو ثمن السلعة التي لم يبعها بعد. وأفلاد بقوله: (فقط) أنه على هذه الطريقة الأولى لا يزكي غير الإحدى والعشرين.
والطريقة الثانية: يزكي الإحدى والعشرين اتفاقاً. وفي تزكية ربح الأخرى- أي: التسعة عشر- قولان: أحدهما: مثل الطريقة الأولى. والثاني: يزكي الأربعين. وبناها المصنف على أصل قول ابن القاسم وأشهب المتقدم في الربح مع المغيرة، هل يضم الربح من حين الشراء فيزكي الأربعين، أو من حين الحصول فلا يزكي غير الإحدى والعشرين؟ وبيان هذا أنك إذا قدرت ربح السلعة الثانية موجوداً مع أصله حين شرائها فيزكي؛ لأنه يكون مالكاً لأربعين. وإن قدرت الربح موجوداً مع أصله حين حصوله، والفرض أن أصله زكي، أي: الدينار، فيكون ربح مال قد زكي فيستقبل به، وهذه الطريقة لابن بشير، وذكر أن المشهور زكاة الأربعين، وتبعه صاحب الجواهر، وصاحب الذخيرة، واقتصر اللخمي على زكاة الأربعين.
وَلَوْ وُهِبَ الدَّيْنُ لِغَيْرِ الْمِدْياَنِ فَقَبَضَهُ، فَفِي تَزْكِيَةِ الْوَاهِبِ قَوْلانِ كَالْمُحِيلِ الْمَلِيء ...
القول بالوجوب لابن القاسم في الموازية والعتبية، ورأى أن قبض الموهوب له كقبض الوكيل، وبه علل محمد وأصبغ مسألة الإحالة قالا: لأن قبض المحال كقبض محيله. والقول بعدمها لأشهب، ولم ير قبض الموهوب له، والمحال كقبض الوكيل؛ لأنهما إنما قبضا لأنفسهما. خليل: ولعله الجاري على مذهب المدونة؛ لأنه نص فيها على عدم زكاة الواهب إذا وهب الدين للمدين، إلا أن يفرق بينهما بتحقق قبض العين في هبته، فيكون كالوكيل بخلاف المدين، وهذا هو الأقرب في كلام المصنف؛ لتقييده بغير المديان.
محمد: والأول أحب إلينا. قال: وتؤخذ الزكاة منها لا من غيرها.
стр. 704
ابن محرز: قال شيخنا أبو الحسن: وإنما تؤخذ الزكاة إذا قال الواهب أردت هذا، وإن لم [١٢٠/أ] يكن أراد ذلك، فقد قال ابن القاسم في بائع الزرع بعد وجوب الزكاة: إن الزكاة على البائع إن لم يشترط ذلك على المشتري. وقال أشهب: ينقض البيع في حصة الزكاة، يريد إذا عدم البائع,.
قال صاحب البيان: وتأول ابن لبابة على أصبغ أن الزكاة لا تجب على المحيل بنفس الإحالة حتى يقبضها المحتال بها؛ لقوله: فإن قبض المحال بها كقبضه. قال: مجمله على الخلاف لقول ابن القاسم، وهو تأويل فاسد، إذ لا وجه لمراعاة قبض المحتال فيما يجب على المحيل من الزكاة، وإنما يراعى قبضه في خاصة نفسه. ومعنى قول أصبغ: لأنه كقبضه، يريد أن الإحالة كقبضها؛ أي: قبضها من صاحبها. انتهى.
ففهم عن ابن القاسم وجوب الزكاة وإن لم يقبض المحال الدين، وهو ظاهر لفظه في العتبية؛ لقوله: وسئل عن الرجل له على رجل مائة دينار وقد حال عليها الحول، فأحاله على الذي عليه المائة، أعلى المحيل بها فيها زكاة؟ قال: نعم يزكيها. قال أصبغ: لأنه كقبضه إياها من صاحبها.
وصورة الإحالة: أن يكون لشخص عند آخر دين وعليه دين، فأحاله الذي له الدين على الذي له عنده الدين، ووصف المحيل بالملاء احترازاً مما إذا لم يكن ملياً، فإنه إذ ذاك لا زكاة عليه؛ لكونه مديناً غير مليء.
وقوله: (الْمَلِيء) أي بقدر الدين، كما لو كان عنده من عروض القنية أو غيرها ما يجعله في الدين.
وَعَلَى تَزْكِيَةِ الْمُحِيلِ، فَهُوَ نِصَابُ يُزَكِّيهِ ثَلاثَةُ إِنْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ
يعني: إذا قلنا بتزكية المحيل ما أحال به، فهو مال يزكيه ثلاثة رجال؛ أحدهم: المحيل. والثاني: المحال لأنه قابض لدينه، وكذلك المحال عليه؛ لأن الإنسان إذا كان عنده مال حال عليه الحول وهو مليء وعليه دين فلا يعطيه في دينه حتى يزكيه.
стр. 705
وقوله: (إِنْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ) ظاهر، إذ لو كان أحدهما غير مليء بأن يكون مدياناً، لم يزكه. وهذه المسألة مما تلقى في المعاياة. فإن قلت: لا نسلم أنه يزكيه ثلاثة، وإنما يزكيه المحال والمحال عليه، وأما المحيل فإنما يزكى عنه؛ فجوابك أن معنى زكاه. أي: خوطب بزكاته ثلاثة. والله أعلم.
إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ عَيْناً بِيَدِهِ فَكَالْفَائِدَة ِبَعْدَ قَبْضِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَنْ سِلْعَةِ قُنْيَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ...
هذا راجع إلى قوله: (إن كان أصله بيده عيناً) وقوله: (عَيْناً) يريد أو عرض زكاة؛ لأن حكمهما واحد (فَكَالْفَائِدَة) أي: يستقبل به. قوله: (وَكَذَلِكَ ...) إلخ. أي أن الدين الذي ليس أصله عيناً ولا عرض زكاة قسمان:
إن نشأ عن غير سلعة، كدية جرحه، ودية عبده ووليه، والميراث، استقبل به اتفاقاً.
وإن نشأ عن سلعة قنية، فإن باعها بنقد استقبل به اتفاقاً. صرح بذل ابن بشير، وابن شاس.
ابن عبد السلام، وابن هارون: وإنما الخلاف إذا باعها نسيئة، فالمشهور الاستقبال. وروى ابن نافع وجوب الزكاة، وسلك بالأجل نوعاً من التجارة، وقاله المغيرة وابن الماجشون، فليس الخلاف كما أطلقه المصنف. والله تعالى أعلم.
وَلا زَكَاةَ فِي صَدَاقِ عَيْنٍ إِلا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ قَبْضِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَاشِيَةُ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ، فَأَمَّا الْمُعَيَّنَةُ مِنَ الْمَاشِيَةِ أَوِ الشَّجَرِ، فَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ وَإنْ لَمْ يَقْبضْهُ؛ لأَنَّ ضَمَانَهُ مِنْهاَ
لا زكاة في صداق عين، أي: اتفاقاً. قال أشهب في المجموعة: ولو كانت الدنانير والدراهم معينة.
стр. 706
وقوله: (غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ) أي: لأن ضمانها من الزوج. وقوله: (فَأَمَّا الْمُعَيَّنَةُ مِنَ الْمَاشِيَةِ أَوِ الشَّجَرِ، فَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ) يريد بشرط النصاب؛ لأن لها التصرف التام بالبيع والهبة.
وإِذَا اخْتَلَطَتْ أَحْوالُ الاقْتِضَاءِ، ضُمَّ الأخِيْرَ إلَى الأَولِ، وفي الفَوَائِدِ: الْمَشْهُورُ الْعَكْسُ. واسْتَحْسَنَ اللَّخْمِيُ حَولاً وَسَطاً، كَمَالٍ تَنَازَعَهُ اثْنَانِ ...
يعني: إذا التبست أحوال الاقتضاء ولم تعلم أحواله، فإنه يضم الآخر منهما إلى الأول. مثاله: لو اقتضى أول المحرم نصاباً ثم صار يقتضي قليلاً قليلاً إلى رجب، ثم نسي في العالم الثاني حول كل مال، فإنه يجعل حول الجميع من المحرم احتياطاً للفقراء. وأما في الفوائد: فالمشهور العكس، يضم الأول إلى الآخر. وقال ابن حبيب: بل يضم الآخر إلى الأول كالاقتضاء، ورواه عن مالك.
والفرق على المشهور أن الأصل في الدين أن يزكى بمرور الحول، ولذلك قال كثير من العلماء بالزكاة وهو على الغريم، لكن إنما منع من إخراجها على المذهب خوف عدم القبض، فإذا قبض كان ينبغي أن يرد إلى الحول الذي [١٢٠/ ب] كان عليه وهو على المديان، فإذا حصل الاختلاط رد الآخر إلى الأول؛ لأن الحول قد مر عليه بخلاف الفوائد فإن الأصل فيها عدم الزكاة، فيناسب ذلك ضم الأول إلى الآخر.
ابن بشير: واستحسن اللخمي أن يجعل في الجميع حولاً وسطاً لا يبنى على أول الاقتضاءات والفوائد ولا على آخرها. انتهى. وما فهمه ابن بشير عنه هو الذي يؤخذ من كلامه في التبصرة، وكلام ابن عبد السلام يقتضي أنه خصص ذلك بالفوائد، وليس بظاهر.
وَيُضَمُّ الاقْتِضَاءُ إلَى الفَائِدَة قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ
كما لو كان عنده عشرة فائدة حال حولها ثم اقتضى عشرة، وهذا ضم الاقتضاء إلى الفائدة قبله، أي: حال حولها قبل الاقتضاء.
стр. 707
وقوله: (أَوْ بَعْدَهُ) كما لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة وكان لم يحل حولها، فإذا حل حولها والمقتضى باقٍ زكى الجميع.
قال ابن القاسم: ولو اقتضى عشرة دنانير من دين حال حولها فأنفقها، ثم حال حول الفائدة فزكاها، ثم اقتضى خمسة من دينه، فإنه يزكي هذه الخمسة؛ لكونها مقتضاة بعد حول الفائدة، ولا يزكي العشرة الأولى؛ لكونها لم تجتمع مع الفائدة، لكن لو اقتضى خمسة أخرى بعد الخمسة التي قبضها، زكى العشرة السابقة؛ لحصول النصاب من دينه.
المازري: وهذا يلهج به المدرسون، فيقولون: الفوائد تضاف إلى ما بعدها من الاقتضاءات ولا تضاف إلى ما قبلها، والاقتضاءات يضاف بعضها إلى بعض.
ولو اقتضى من دين حال حوله خمسة فأنفقها، ثم استفاد عشرة فأنفقها بعد حولها، ثم اقتضى عشرة، فإنه يزكي العشرة الفائدة والعشرة التي بعدها من الاقتضاء؛ لإضافة الفائدة لما بعدها، ولا يزكي الخمسة الأولى؛ لكونها لا تضاف إلى الفائدة، فإذا اقتضى خمسة أخرى زكى حينئذٍ عن الخمسة الأولى وعن هذه الخمسة؛ لكمال النصاب من الدين.
واختلف الأشياخ إذا اقتضى من دينه الذي حال حوله خمسة فأنفها، ثم استفاد عشرة فأنفقها بعد حولها، ثم استفاد عشرة أخرى فأنفقها بعد حولها، ثم اقتضى خمسة، فقال أبوبكر بن عبد الرحمن: يزكي هذه الخمسة؛ لأنها تستحق الإضافة لكل من الفائدتين، والفائدتان لا تضاف الخمسة الأولى إليهما، ولا تضاف إحداهما إلى الأخرى، وذهب غيره إلى عدم زكاة الخمسة الأخيرة؛ لأنها وإن وجب أن تضم لكل من الفائدتين لكونها بعدهما وإلى الخمسة السابقة لكون الاقتضاءات يضم بعضها إلى بعض، فإن كل واحدة من هذه الثلاثة لا تضم إحداهما إلى الأخرى.
стр. 708
فَإِنْ كَمُلَ باقْتِضَاءٍ قَبْلَ حَوْلِهَا تَفَرَّقَا، وقِيلَ كَالْخَلِيطِ الْوَسَطِ
يعني: وإن كمل النصاب من اقتضاءين وفائدة والفائدة بينهما، تفرق الاقتضاء من الفائدة ولم يجمعا.
قال ابن بشير وابن شاس مثاله: لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة، ثم اقتضى خمسة بعد أن أنفق العشرة التي اقتضى أولاً. انتهى.
وقال ابن هارون مثاله: لو اقتضى أولاً عشرة، ثم أفاد خمسة وأنفق العشرة المقتضاة واقتضى قبل حول الفائدة خمسة. انتهى. والمثال الأول هو الذي يتكلم الناس فيه، والقولان للمتأخرين؛ أحدهما: نفي الزكاة، وإليه أشار بقوله: (تَفَرَّقَا) أي: تفرق الاقتضاء من الفائدة، ومعنى (تفرقا) أي: بقيا على افتراقهما.
والقول الثاني: وجوب الزكاة؛ لأن الخمسة المقتضاة آخراً قد اجتمعت مع كل من العشرتين في الملك والحول، فصارت بالنسبة إلى كل واحد منهما كخليط وسط.
فإن قلنا: إن خليط الخليط خليط، جاء منه القول الثاني. وإن قلنا: إنه ليس كالخليط لم تجب الزكاة، وهو القول الأول.
ابن بشير: لكن اختلفوا هل تجب الزكاة في الخمسة المقتضاة خاصة لأنها تزكى بالمالين، وسمعنى في المذكرات وجوب الزكاة في الجميع عند بعض الأشياخ. انتهى. وهذا القول الذي سمعه ابن بشير في المذاكرات هو مقتضى كلام المصنف، وأما الأول فلا؛ لأن مسألة الخليط الوسط لا خلاف أن الزكاة تجب في الطرفين والوسط، وإنما الخلاف في كيفية ذلك الوجوب.
قال شيخنا ﵀: والقول بزكاة الخمسة مشكل، ويتحصل في المسألة ثلاثة أقوال.
وفرض ابن عبد السلام المسألة أنه أنفق المقتضى أولاً قبل الاستفادة، فعلى فرضه يتفق ابن القاسم وأشهب على سقوط الزكاة؛ لأن العشرة الأولى لم تجتمع مع الفائدة
стр. 709
أصلاً، ويمكن أن تفرض على أنه أنفق بعد الاستفادة، فيختلف فيها على قولهما. فعلى قول ابن القاسم باشتراط الاجتماع في الملك وكل الحول، لا زكاة. وعلى قول أشهب باشتراط الملك وبعض الحول، تجب الزكاة.
ولَوْ تَلِفَ الْمُقْتَضَى ثُمَّ حَالَ حَوْلُهَا، فَقَوْلانِ كَالْفَائِدَتَيْنِ
[١٢١/أ] كما لو اقتضى عشرة حال حولها، واستفاد عشرة لم يحل حولها حتى تلف المقتضى بأن سرق مثلاً، فابن القاسم يسقطها، وأشهب يوجبها.
وقوله: (كَالْفَائِدَتَيْنِ) أي: كالمسألة المتقدمة، وهي قوله: فلو ضاعت الأولى أو أنفقها بعد حول، ثم حال حول الثانية ناقصة، والتعليل كالتعليل. وقوله: (تَلِفَ الْمُقْتَضَى) يريد وأحرى لو أنفقه، فنبه بالأخف على الأشد.
ثُمَّ إِنِ اِقْتَضَى مَا يَكْمُلُ بِهِ إِحْدَاهُمَا، زَكَّاهُمَا، وفِي تَزْكِيَةِ مَا لا يَكْمُلُ بِهِ الْقَوْلانِ
يعني: لو كان المقتضى آخراً تكمل به الفائدة نصاباً ولا يكمل به الاقتضاء الأول، أو بالعكس، زكاهما؛ أي: اللذين يكمل منهما النصاب.
مثال الأولى: أن يقتضي أولاً خمسة عشر ثم يستفيد عشرة، ثم تهلك الخمسة عشر المقتضاة أولاً أو ينفقها، ثم يقتضي خمسة، فالمقتضى ثانياً يكمل النصاب المقتضى أولاً ولا يكمل الفائدة، فيزكي الاقتضاءين.
ومثال الثانية: أن يكون الاقتضاء أولاً عشرة والفائدة خمسة عشر، والاقتضاء الأخير خمسة، فيزكي الفائدة مع الاقتضاء الأخير.
وقوله: (وفِي تَزْكِيَةِ مَا لا يَكْمُلُ بِهِ الْقَوْلانِ) أي: الفائدة في الصورة الأولى، والاقتضاء في الصورة الثانية. والألف واللام في القولين للعهد، أي: قول ابن القاسم وأشهب: هل يشترط الاجتماع في الملك وكل الحول، أو في الملك وبعض الحول؟ فعلى
стр. 710
قول ابن القاسم: لا تجب الزكاة في الفائدة في الصورة الأولى، والاقتضاء في الثانية؛ لعدم الاجتماع في الملك وكل الحول. وعلى قول أشهب: يزكيهما؛ لأنه إنما يشترط الاجتماع في الملك وبعض الحول وقد حصل ذلك، ويحتمل أن يريد بالقول في أن خليط الخليط هل هو كالخليط أو لا؟ ويرجحه قرب هذين القولين؛ لكن الظاهر الأول؛ لأن وجوب الزكاة في الفائدة في المثال الأول إنما يتم إذا بنينا على أن خليط الخليط كالخليط، وعلى الاكتفاء في الملك وبعض الحول. والله أعلم.
وإِنْ كَمُلَ بِهِ كُلٌّ مِنْهُمَا، زَكَّى الْجَمِيعَ
أي: وإن كمل باقتضاء الأخير كل واحد من الاقتضاء الأول والفائدة، زكى الفائدة والاقتضاءين، إذ الاقتضاء الثاني اجتمع مع كل واحد من الاقتضاء الأول والفائدة في الملك والحول. وبهذا يعلم أن المقتضى أولاً لا فرق فيه بين أن يضيع أو ينفقه، بخلاف الفوائد، والفرق بينهما ما قلناه من اجتماع الاقتضاءين هنا في الملك والحول، ومثاله: لو اقتضى عشرة ثم استفاد عشرة، فأنفق المقتضى أولاً أو ضاع ثم اقتضى عشرة، زكى الجميع. أي: الثلاثين.
وَالْعَرَضُ الْمَمْلُوكُ بمُعَاوَضَةٍ بِنِيَّةِ التَّجَارَةِ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ بِيَدِهِ عَيْناً أَوْ عَرْضاً للِتِّجَارَةِ وَرَصَدَ بِهِ السُّوق وَبِيعَ بالْعَيْنِ، فَكَالدَّيْنِ ..
هذا شروع في زكاة العروض، ولا اختلاف في سقوط الزكاة عن عرض القنية.
ابن بشير: وقد فهمته الأئمة من قوله ﷺ : "ليس على المسلم زكاة في فرسه وعبده". وأما عروض التجارة، فالزكاة تتعلق بها عند الجمهور خلافاً للظاهرية. والتجارة قسمان: إدارة، واحتكار. وبدأ المصنف بالاحتكار، وشرط في تعلق الزكاة بعرض الاحتكار خمسة شروط:
стр. 711
الأول: أن يملك بمعاوضة، فلا زكاة في عرض الميراث والهبة.
ثانيها: أن ينوي به التجارة، واحترز به من عدم نيتها، سواء نوى القنية أو لم ينو شيئاً، فإن الأصل فيه القنية.
ثالثها: أن يكون أصل هذا العرض المحتكر إما عيناً أو عرض تجارة، فلو كان أصله عرض قنية، استقبل بثمنه.
رابعها: أن يرصد به السوق، وهو أن يمسكه إلى أن يجد فيه ربحاً جيداً، احترازاً من المدير، فإنه لا يرصد الأسواق بل يكتفي بالربح القليل، وربما باع بغير ربح.
خامسها: أن يباع بعين، فلو باعه بعرض، فلا زكاة.
وقوله: (فَكَالدَّيْنِ) أي: فيزكيه لحوله أو أحواله زكاة واحدة، وهو جواب الشرط، والشرط وجوابه خبر المبتدأ، وهو العرض.
والْقَمْحُ ونَحْوُهُ عَرْضٌ، بِخِلافِ نِصَابِ الْمَاشِيَةِ
نحوه جميع الحبوب والثمار التي تتعلق بعينها الزكاة، وخص هذا النوع بالذكر- وإن كان من العرض- لأنه لما كانت الزكاة تتعلق بعينه قد يوهم ذلك خروجه من العروض. وقوله: (بِخِلافِ نِصَابِ الْمَاشِيَةِ) يعني: أن الماشية إذا قصرت عن نصاب فكالعروض، وإن كانت نصاباً زكيت من جنسها؛ لأن زكاتها من جنسها أصل فلا يعدل عنه.
فَإِنْ نَوَى الْغَلَّةَ فَفِي ثَمَنِهِ إِنْ بِيعَ قَوْلانِ
يعني: فإن نوى بالعرض عند شرائحه أن يستغله، كما لو نوى إكراءه. وقوله: (فَفِي ثَمَنِهِ إِنْ بِيعَ قَوْلانِ) أحدهما: سقوط الزكاة، وهو المشهور، وهو الذي رجع إليه مالك، وبه أخذ ابن القاسم وابن وهب؛ لأن الغلة [١٢١/ ب] موجودة في عرض القنية.
стр. 712
والقول بالوجوب هو قول مالك الأول، وبه أخذ ابن نافع؛ لأن الغلة نوع من التجارة، ولعل سبب الخلاف هل نية الغلة كالتجارة أم لا؟
فَإِنْ نَوَى التِّجَارَةَ والْقُنْيَةَ، فَقَوْلانِ
يعني: فإن اشترى عرضاً ينوي الانتفاع بعينه، وهي القنية، وإن وجد ربحاً باعه، وهو التجارة، فهل ترجح نية القنية لأنها الأصل في العروض، أو ترجح نية التجارة احتياطاً للفقراء؟ ورجح اللخمي وابن يونس القول بالوجوب، وقاسه ابن يونس على قول مالك فيمن تمتع وله أهل بمكة وأهل بغيرها أنه يهدي احتياطاً.
فَإِنْ نَوَى الْغَلَّةَ والتِّجَارَةَ أَوِ الْقِنْيَةَ، احْتَمَلَ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الأَوْلَوِيَّة فِيهِمَا
يعني: فإن نوى الغلة مع التجارة أو الغلة مع القنية، فإن في مجموع المسألتين قولين. وليس المعنى أن في كل واحدة قولين كما قال ابن عبد السلام؛ لما سيأتي.
وقوله: (الْقَوْلَيْنِ) يحتمل أن يريد المتقدمين فيما إذا نوى التجارة والقنية، ويحتمل أن يريد القولين المتقدمين فيما إذا نوى الغلة فقط.
وبيان الأولوية التي أشار إليها المصنف على الاحتمال الأول أن يقال: إذا قيل فيما إذا نوى القنية والتجارة بسقوط الزكاة تغليباً لنية القنية، فلأن يقال بسقوطها فيما إذا نوى الغلة والقنية من باب أولى، إذ الغلة أقرب إلى القنية من التجارة في سقوط الزكاة، وهذا بيان أحد القولين في إحدى الصورتين.
وتقرير الأولوية في الصورة الأخرى أن يقال: إذا قيل بوجوب الزكاة فيما إذا نوى القنية والتجارة، فلأن تجب فيما إذا نوى الغلة والتجارة من باب أولى، إذ الغلة أقرب إلى التجارة من القنية في وجوب الزكاة.
стр. 713
وأما بيان الأولوية على الاحتمال الثاني، يعني أولوية القولين فيما إذا نوى الغلة في مسألة نية القنية والغلة، ونية التجارة والغلة على المعنى المتقدم، فهذا الذي يؤخذ من كلام ابن بشير فإنه قال: فإن نوى القنية والغلة، فعلى قول من يسقط الزكاة من المغتل يسقطها هنا، وعلى قول من يوجبها يجتمع موجب ومسقط، فقد يختلف قوله إلا أن يراعي الخلاف.
وإن نوى الغلة والتجارة، فعلى مذهب من يزكي المغهتل تجب هنا بلا شك، وعلى مذهب من لا يزكيه يجتمع موجب ومسقط، فقد يختلف فيه إلا أن يراعي الخلاف فيوجب. انتهى.
وإنما قلنا أن الأولوية إنما هي في مجموع المسألتين لا في كل مسألة بانفرادها؛ لأنه لا يمكن بيان أولوية القولين في كل من المسألتين؛ لأنها لا تخلو إما أن تجعل (أل) عائدة على القولين فيما إذا نوى التجارة والقنية، أو نوى الغلة فقط، والأول غير مستقيم؛ لأنه لا يصح أن يقال: إذا قلنا بالوجوب في نية القنية والتجارة، فلأن نقول به في مسألة القنية والغلة من باب الأولى؛ لأن الغلة أقرب إلى القنية في سقوط الزكاة.
وكذلك لا يمكن أن يقال: إذا قلنا بالسقوط في القنية والتجارة، أن نقول به في مسألة الغلة والتجارة؛ لأن الغلة أقرب إلى التجارة في وجوب الزكاة. والثاني: أن بيان الأولوية من مسألة الغلة لا يصح أيضاً، وهو ظاهر لمن تأمله.
ولم يحك اللخمي في مسألة من نوى القنية والغلة خلافاً في أن الزكاة تسقط، وحكى في مسألة من نوى الغلة والتجارة قولين:
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيئْاً، فَكَنِيَّةِ الْقُنْيَةِ
قوله: (وَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيئْاً) أي: لم ينو القنية ولا التجارة، وإنما كان كنية القنية؛ لأن القنية هي الأصل.
стр. 714
فَإِنْ كَانَ بمُعَاوَضَةٍ للِتِّجَارَةِ بعَرْضِ الْقُنْيَةِ، فَقَوْلانِ
الباء في (بعَرْضِ) تتعلق بمعاوضة؛ يعني: فإن كان عنده عرض قنية فباعه بعرض ينوي به التجارة ثم باعه، ففي ثمنه إذا بيع قولان: قيل: يزكى لحول أصله، وهو المشهور وقيل: يستقبل به حولاً، بناء على أن الثمن هل يعطى حكم أصله الثاني فيزكى، أو أصله الأول فلا زكاة لأنه عرض قنية.
وَالنِّيَّة تَنْقُلُ عَرْضَ التِّجَارَةِ إِلَى الْقُنْيَةِ وَلا تَنْقُلُ عَرْضَ الْقُنْيَةِ إِلَى التِّجَارَةِ
لأن النية لما كانت سبباً ضعيفاً نقلت إلى الأصل ولم تنقل عنه، كالقصر في الصلاة لا ينتقل إليه بالنية، بخلاف الإتمام فإنه يكتفي فيه بنية الإقامة، وذكر ابن الجلاب رواية بعدم النقل في المسألة الأولى وأنه يزكي الثمن، وذكر في الجواهر في الثانية قولاً آخر بانتقال عرض القنية إلى التجارة بالنية، وعلى هذا فما ذكره المصنف هو المشهور في المسألتين.
إِلا أَنْ يَكُونَ أولاً بمُعَاوَضَةٍ للِتِّجَارَة، فَقَوْلانِ
هذا الاستثناء عائد إلى قوله: (ولا تنقل عرض القنية إلى التجارة) أي: أن النية لا تنقل عرض القنية للتجارة، إلا أن يكون هذا العرض المقتنى الذي نوى به التجارة ملكه أولاً، أي: قبل نية الاقتناء بمعاوضة على نية التجارة، ثم بنى على أن نية الاقتناء المتوسطة نسخت النية الأولى أم لا. فعلى النسخ لا تنقل، وهو قول ابن القاسم ومالك، والقول بالانتقال إلى التجارة [١٢٢/ أ] لأشهب. والله أعلم.
وأَمَّا عَرْضُ الْمِيرَاثِ والْهِبَةِ ودَيْنُهُمَا، فَلا زَكَاةَ فِيهِمَا إِلا بَعْدَ حَوْلٍ بَعْدَ صَيْرُورَتِهِ عَيْناً بِيَدِهِ، ولَوْ نَوَى بهِ التِّجَارَةَ ...
يعني: إذا ورث عرضاً أو وهب له، أو ورث ديناً أو وهب له، فلا زكاة عليه في شيء من ذلك، بل يستقبل به حولاً بعد قبضه.
стр. 715
وقوله: (فِيهِمَا) أي: في كل واحد منهما، ولذلك أفرد الضمير في صيرورته. وقوله: (عَيْناً) احترازاً مما إذا قبضه عرضاً، فإنه لا زكاة عليه فيه، وقوله: (بِيَدِهِ) احترازاً مما إذا داينه هذا الوارث أو الموهوب له لشخص وقبضه ذلك الشخص، فإنه لا زكاة عليه إلا بعد أن يصير بيده ويستقبل به حولاً. وقوله: (ولَوْ نَوَى بهِ التِّجَارَةَ) مبالغة، وهو ظاهر؛ لأن عرض القنية لا ينقل بالنية إلى التجارة.
وَعَبْدُ التِّجَارَةِ يُكَاتَبُ فَيَعْجِزُ فَيُبَاعُ، مِثْلُهُ لَوْ لَمْ يُكَاتَبْ
يعني: لو اشترى عبداً للتجارة وكاتبه ثم عجز، فإنه مثل عبد التجارة الذي لم يكاتب، فإذا بيع زكى ثمنه لحول أصله.
ابن عبد السلام- بعد كلام المصنف-: يعني أن الكتابة كالاستغلال، وعجزه عنها ليس باستئناف ملك، لكن اختلف الشيوخ في العبد المأذون له في التجارة إذا كوتب ثم عجز، هل يعود بعد عجزه مأذوناً، أو يعود محجوراً عليه، أو يعود منتزع المال؟ والأول من هذه الأقوال هو الذي يشبه الحكم في الفرع الذي ذكره المؤلف. انتهى.
وإِنْ لَمْ يُرصَدْ وكَانَ مُدَاراً، فَالزَّكَاةُ بِالتَّقْوِيمِ كُلَّ عَامٍ إِنْ نَضَّ فِيهِ شَيْءُ، ولَوْ دِرْهَمُ فِي أَوَّلِهِ، ولَوْ زَادَ بَعْدُ، بِخِلافِ حُلِيِّ التَّحَرِّي، ثُمَّ يُوْجَدُ أكثَرُ ...
هذا هو القسم الثاني من التجارة وهو الإدارة. وقوله: (وكَانَ مُدَاراً) زيادة بيان، إذ الكلام في عرض التجارة، وهو إذا لم يرصد به السوق يلزم قطعاً أن يكون مداراً، وذلك كأرباب الحوانيت والجالبين للسلع من البلدان.
وقوله: (بِالتَّقْوِيمِ) أي: يقومه ليخرج الزكاة عن قيمته، لكن بشرط أن ينض من أثمان العروض شيء ما. وقال ابن حبيب: لا يشترط النضوض، ورواه مطرف عن مالك – وسيأتي هذا القول من كلام المصنف- وهل يعتبر أن ينض له نصاب؟ المشهور: لا
стр. 716
يشترط ذلك، خلافاً لأشهب، وعلى المشهور، فالمشهور: لا فرق في ذلك بين أن ينض في أول الحول أو في آخره. وقال عبد الوهاب: يراعى النضوض في آخر الحول؛ لأنه وقت تعلق الزكاة. الباجي: وهو أظهر.
قوله: (ولَوْ زَادَ) أي: المعتبر القيمة، ولو زاد ثمن العرض بعد ذلك، بخلاف حلي التحري؛ أي: الحلي المنظوم بالجواهر، إذا بنينا على القول بالتحري فتحريت زنته وزكيت، ثم فصل فوجدت زنته أكثر زكيت الزيادة. والفرق: أن الحلي علم فيه الخطأ قطعاً بخلاف العرض، لجواز أن يكون ذلك لارتفاع المسوق أو جودة بيعه. والله أعلم.
ويُضَمُّ الْحُلِيُّ وزْناً مَعَهُ
أي: المدير إذا كان يدير سلعاً وحلياً، فإنه يقوم العروض ويزكي الحلي بالوزن. أي: تعتبر الصياغة كما تقدم. فإن ظاهر المدونة عدم اعتبار الصياغة ولو كان مديراً، قاله في المقدمات.
تنبيه:
وقع في نسخة ابن راشد هنا ما نصه: وقيل لا يزكى حتى ينضَّ مقدار النصاب فيزكيه، ثم مهما نض شيء زكاه. وقال في كلامه عليه: هذا القول حكاه ابن بشير ولم يعزه، وهو شاذ، وحكاه ابن شاس فيما إذا كان مديراً بالعروض ثم وقع النضوض، وسيأتي. انتهى.
وَأَوَّلُ الْحَوْلِ أَوَّلُ حَوْلِ نَقْدِهِ لا حِينَ إِدَارَتِهِ، خِلافاً لأَشْهَبَ
كما لو ملك ألفاً في المحرم ثم أدار بها عروضاً في رجب، فأول حوله أول حول النقد – وهو المحرم- لا حين إدارته، خلافاً لأشهب. والمدونة ليس فيها التصريح بالأول؛ لأنه قال فيها: ويجعل المدير لنفسه شهراً يقوم فيه. وحملها الباجي على المعنى الذي ذكره المصنف، واللخمي على أنه يجعل له حولاً وسطاً؛ لأنه قال- بعد ذكر لفظ المدونة-: يريد أنه لا يجب عليه أن يقوم عند تمام الحول على أصل المال؛ لأن ما بيده إن كان عرضاً
стр. 717
فلا زكاة فيه. وكذلك إن كان دون النصاب، فلا يؤمر بالتقويم حينئذ؛ لأنه على يقين أنه لم تجب عليه زكاة جميع ذلك، فجاز له أن يؤخر التقويم على رأس الحول؛ لأن في إلزامه التقويم حينئذ ظلماً عليه، ولا يؤخر لحول آخر؛ لأن فيه ظلماً على المساكين، فأمره أن يجعل لنفسه حولاً يكون عدلاً بينه وبين المساكين. انتهى.
المازري: ولعمري أن ظاهر الروايات مع شيخنا؛ لأن قوله: ثم يجعل لنفسه شهراً. لا تحسن هذه العبارة في شهر معلوم قد جعله الله للزكاة قبل أن يجعله، هذا وما قاله أبو الوليد أسعد بظاهر الشرع، لقوله: لا زكاةفي مال حتى يحول عليه الحول.
فَلَوْ كَانَ مُدَاراً بالْعَرَضِ وَلا يَنِضُّ شَيْءُ، فَالْمَشْهُورُ: لا تَجِبُ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ كَانَ لاخْتِلاطِ [١٢٢/ ب] الأَحْوَالِ أَوْ لِصَيْرُورَتِهِ بِالإدَارَة كَالنَّقْدِ ...
يعني: لو كان يدير العروض بعضها ببعض ولا يبيع بشيء من العين، فالمشهور عدم التقويم؛ بناء على اشتراط النضوض، والشاذ لابن حبيب. ولمالك من رواية مطرف وابن الماجشون، والأحسن أن يقول: فلو كان مديراً؛ لقوله بالعرض.
وقوله: (بنَاءً) أي: سبب الخلاف هل كان الحكم بتقويم المدير أولاً في زمن عمر بن الخطاب- ﵁ لما أمر من يبيع الجلود به لأجل اختلاط الأحوال عليه فيما يحصل له من النقد، فلا يزكى هذا إذ لا نقد، أو لأن العروض في حقه كالعين فيزكى. فاسم (كان) عائد على التقويم، والضمير في صيرورته عائد على العرض.
وعَلَى الْوُجُوبِ فِي إِخْرَاجِ الْعَرَضِ قَوْلانِ
هذا تفريغ على الشاذ. فقيل: يجوز له أن يخرج عرضاً، وهو القياس على هذا القول؛ لأن العرض صار في حقه كالعين، وهو قول مالك في رواية ابن نافع. وقيل: لابد من
стр. 718
إخراج العين رعياً للأصل؛ لئلا يبعد عنه بالكلية، وهو قول سحنون. وحكاه عبد الوهاب عن مالك أيضاً.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ: إِنْ نَضَّ شَيْءُ بَعْدَ الْحَوْلِ، قُوِّمَ الْجَمِيعُ حِينَئذٍ وَكَانَ أَوَّلَ حَوْلِهِ وَأُلْغِىَ الزَّائِدُ ...
أي: وعلى سقوط التقويم إذا لم ينض له شيء، لو نض بعد الحول بستة أشهر مثلاً، فإنه يقوم حينئذ وانتقل حوله من ذلك الوقت وألغي الزائد على الحول.
فرع:
إذا قلنا بالمشهور أنه لا تجب الزكاة إلا بالنضوض، وأنها لا تجب إذا باع العرض بالعرض، فهل يخرج بيع العرض بالعرض عن حكم الإدارة؟ قال في الجواهر: لا يخرجه ذلك. وروى أشهب وابن نافع: أنه يخرج بذلك عن حكمها. وفهم صاحب الجواهر أن مقتضى هذا القول إلغاء الزائد إذا نض له شيء كالمشهور. ابن راشد: وفيه نظر. والذي حكاه ابن يونس واللخمي عن أشهب: أنه لا يقوم حتى يمضي له حول من يوم بيعه بذلك النقد. انتهى.
وَفِي جَعْل الْبَوَارِ فِي عَرَضِ الإِدَارَةِ كَالنِّيَّةِ فِي نَقْلِهِ إِلَى حُكْمِ التِّجَارَةِ طَرِيقَانِ؛ الأُولَى: قَوْلانِ. الثَّانِيَةُ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: إِنْ بَارَ الأَقَلُّ، فَقَوْلانِ ...
يعني: إذا كسرت سلع المدير فلم يبعها فانتظر سوقها لذلك، فهل ينتقل إلى الاحتكار أو لا؟ طريقان. واعلم أنه لو نوى الاحتكار انتقل إليه؛ لأنه أقرب إلى الأصل. اللخمي: واختلف فيما بار، فقال ابن القاسم: يقوم ذلك. وقال ابن نافع وسحنون: لا يقوم، وهذا إذا بار الأقل، فإن بار النصف لم يقوم اتفاقاً. وقال ابن بشير: بل الخلاف مطلقاً بناء على أن الحكم للنية؛ لأنه لو وجد ربحاً ما لباع، أو للموجود وهو الاحتكار.
стр. 719
وطريق ابن بشير هي الطريق الأولى في كلام المصنف، وذكر ابن شاس أن قول ابن القاسم هو النص في المذهب، ثم ذكر قول ابن الماجشون وسحنون.
وفِي تَحْدِيدِ الْمُدَّةِ بِالْعَادَة ِأَوْ بِعَامَيْنِ قَوْلانِ
أي: مدة البوار. والقول بالعادة لابن الماجشون، وهو الأظهر. والقول بعامين لسحنون وابن نافع
وَإِذَا اجْتَمَعَ نَوْعَا الْعُرُوضِ، فَإِنْ تَسَاوَيَا فَعَلَى حُكْمَيهِمَا، وإِلا فَثَالِثُهَا يَتْبَعُ الأَقَلُّ الأَكْثَرَ إِنْ كَانَ أَحْوَطَ ...
يريد بـ (نوعي العروض) أن يكون بعضها إدارة وبعضها احتكاراً، ثم إن تساويا فكل واحد على حكمه، فالمدار يقوم كل عام، والمحتكر يزكى لعام واحد بعد البيع.
ابن بشير: ولا خلاف في ذلك. ونقل غيره قولاً بإعطاء الجميع حكم الإدارة مطلقاً، وهو تأويل ابن لبابة على المدونة، فإن كان أحدهما أكثر، فهل يتبع الأقل الأكثر أو لا يتبعه ويكون كل منهما على حكمه، أو يفرق، فيقال بالتبعية إن كانت أحوط للفقراء- أي: إن كان المدار أكثر- وبعدمها إن كان المحتكر أكثر، ثلاثة أقوال: والقول الألو: لابن الماجشون. والثاني: له أيضاً. ولمطرف قال في البيان: والثالث لابن القاسم وعيسى بن دينار في العتيبة. ابن رشد: وقد تأول ابن لبابة ما في المدونة على أنهما يزكيان جميعاً على الإدارة، كان الذي يدار هو الأقل أو الأكثر، وهو ظاهر ما في سماع أصبغ. انتهى.
ونقل ابن يونس عن أصبغ: أنه يزكى الجميع للإدارة، وإن أدار نصفه أو ثلثه، إذا نوى في الباقي كذلك، وإن عزم ألا يدخله في الإدارة، فلا يزكيه حتى يبيع. قال: ولا معنى له. قال: وقول ابن الماجشون أعدل، وقول ابن القاسم أحوط.
стр. 720
وَلا يُقَوِّمُ الْمُدِيرُ مَاشِيَةَ التِّجَارَة ِويُزَكِّي رِقَابَهَا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ يَوْمِ شِرَائِهَا، إِلا أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَهُ أَوْ قَبْلَ مَجِيءِ السَّاعِي، فَيُزَكّي الثَّمَنَ لأَوَّلِ حَوْلِهِ ...
يعني: إن [١٢٣/ أ] كان ما يديره نصاب ماشية، فإنه لا يقومها ويزكي رقابها؛ لأنه الأصل فلا يعدل عنه إلى غيره، وكذلك ثمرة الحوائط، فإن لم يكن فيها نصاب قومها كسائر سلعه.
وقوله: (إِلا أَنْ يَبِيعَهَا قَبْلَهُ ..) إلى آخره. أي: قبل الحول أو قبل مجيء الساعي، فيزكي الثمن إذا مضى لأصله حول.
ودَيْنُ الْمُدِيرِ إِنْ كَانَ للنَّمَاءِ مَرْجُوّاً، فَالْمَشْهُورُ كَسِلْعَةٍ لا كَالدَّيْنِ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ إنْ كَان نَقْداً حَالاً زَكَّى عَدَدَهُ، وإِنْ كَانَ مُؤَجَّلاً زَكَّى قِيمَتُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ...
احترز بـ (النماء) من القرض، وسيأتي. وبـ (المرجو) مما على معدم، فإنه كالعدم على المشهور، خلافاً لابن حبيب في قوله: إنه يزكي قيمته. وقوله: (فَالْمَشْهُورُ كَسِلْعَةٍ) أي: من سلع الإدارة فيزكيه كل عام. ومقابل المشهور للمغيرة بأنه يزكيه كالدين بالنسبة إلى غير المدين، فيزكيه لحوله أو أحواله زكاة واحدة.
وعلى المشهور: من أن يزكي كل عام، إن كان نقداً حالاً يزكي عدده.
ابن راشد: وقيل يزكي قيمته كالمؤجل. انتهى. واحترز بـ (النقد) من العرض، وسيأتي.
وأما المؤجل: فقال ابن بشير وغيره كالمصنف: أنه إنما يزكي قيمته على المشهور، خلافاً لابن حبيب في قوله: إنه يزكي عدده كالحال.
وقال عياض: ظاهر المدونة تقويم جميع ما يرجى قضاؤه من الديون، وعلى هذا اختصرها أكثر المختصرين، ولم يفرقوا بين الحال وغيره، خلافاً لابن القاسم في رواية محمد وسماع أبي زيد. انتهى.
стр. 721
وكيفية تقويمه: أن يقوم بعرض، ثم العرض بنقد حالِّ؛ لأن الدين لا يقوم إلا بما يباع به، ومثاله: لو كان دينه ألف درهم، فيقال: لو بيع هذا الدين بقمح لبيع بمائة إردب، والمائة تساوي تسعمائة، فتخرج الزكاة عنها.
ابن عبد السلام: وفي هذا الكلام لبس؛ لأنه ينبغي أن يكون المثبت والمنفي من باب واحد، وأيضاً فتشبيهه بسلع الإدارة يقتضي أنه يزكي زكاتها فيقوم مطلقاً. والمصنف قال: كسلعة ويزكى عدده. انتهى. وفيه نظر.
أما قوله: (ينبغي أن يكون المثبت والمنفي من باب واحد) فممنوع، فإن العلماء يشبهون مسألة من باب بأخرى وهي في باب آخر وليقيد الشاذ. وأما قوله: (وأيضاً فتشبيهه) إلى آخره. قلنا: التشبيه في الزكاة لا في كيفيتها.
وَفِي تَقْوِيمِ طَعَامٍ مَنْ بِيعٍ قَوْلانِ
القول بالتقويم لأبي بكر بن عبد الرحمن، وهو الظاهر، وصوبه ابن يونس وغيره، ورأى في القول الآخر أن ذلك تقدير بيع وهو ممتنع، وهو قول الإبياني وفيه نظر؛ ٍلأنا نقوم أم الولد إذا قتلت، وكذلك الكلب وغيرهما.
وإِنْ كَانَ لِغَيْرِ النَّمَاءِ كَالسَّلَفِ، فَطَريِقَانِ كَالدَّيْنِ، وقَوْلانِ
عزا ابن بشير الطريقين للمتأخرين. عياض: وظاهر المدونة أن المدير يزكي جميع ديونه من قرض أو غيره. وعلى هذا حمل المسألة شيخنا القاضي أبو الوليد. وقال الباجي: لا خلاف في القرض أنه لا يزكى. وخرج اللخمي فيه خلافاً. انتهى. ونَصُّ اللخمي: ويختلف فيما أقرضه من مال الإدارة، فقال ابن حبيب: لا زكاة على المدير فيما أقرضه من مال الإدارة، يريد لأنه خرج به عن التجارة، وعلى أصل ابن القاسم: يزكيه إذا كان القرض أقل ماله. انتهى. وكلامه ظاهر التصور.
стр. 722
فرع:
فإن أخر المدير ما أقرضه فراراً من الزكاة، فإنه يزكيه لكل سنة اتفاقاً، قاله عبد الحق في تهذيبه.
ولا زَكَاة َعَلَى الْعَبْدِ وَشِبْههِ؛ لأَنَّ مِلْكَهُ غَيْرُ كَامِلٍ، ولا عَلَى سَيِّدِهِ؛ لأَنَّهُ إنْمَاءُ مِلْكٍ أَنْ يَمْلِكَ ...
شبه العبد: كل من فيه عقد حرية. وقوله: (غَيْرُ كَامِلٍ) أي: من جهة أنه لا يتصرف فيه التصرف التام. وليس المراد بعدم الكمال كون السيد قادراً على انتزاع ماله – كما قال ابن عبد السلام- لعدم شمول العلة حينئذٍ المكاتب ومن في معناه ممن ليس للسيد انتزاع ماله، ولم يرد المصنف إجراء الخلاف بقوله: (لأَنَّهُ إنْمَاءُ مِلْكٍ أَنْ يَمْلِكَ) فإنه لا خلاف أنه لا تجب عليه، وإنما قصد بيان نقص ملك السيد، قاله ابن عبد السلام. وقال ابن راشد: كثيراً ما يجري ابن بشير وغيره خلافاً فيمن ملك أن يملك، هل يعد مالكاً أم لا؟ ويلزم القائل بأنه يعد مالكاً أن يقول بوجوب الزكاة هنا على السيد.
فَإِنْ أُعْتِقَ اسْتَقْبَلَ حَوْلاً بالنَّقْدِ والْمَاشِيَةِ، كَمَا لَو انْتَزَعَهُ سَيِّدُهُ
هذا ظاهر إذا مِلكُ العبد في العتق، والسيدُ في الانتزاع، إنما تَحقق بعد العتق والانتزاع، فيستقبل كل منهما حولاً؛ لأنه فائدة.
ابن راشد: ويمكن أن يجري قول بالزكاة فيما إذا عتق العبد. ومسألة من عنده مائة لا يملك غيرها وعليه مائة فحال عليه الحول فوهبها له ربها، فقد قيل بوجوب الزكاة؛ لأن العيب كشف أن المانع من زكاتها ليس بمانع. انتهى.
وأَمَّا غَيْرُهُمَا، فَعَلَى الْخِلافِ فِيمَا تَجِبُ بِهِ مِنَ الطِّيبِ، أَوِ الْيُبْسِ، أَوِ الْجُذَاذِ
أي: وأما غير النقد والماشية- وهو الحب والثمار- فإن أعتق قبل الوجوب زكى، وإلا استقبل. وسيأتي الخلاف المذكور في [١٢٣/ ب] بابه إن شاء الله.
стр. 723
وتَجِبُ فِي مَالِ الأَطْفَالِ والْمَجَانِينِ اتِّفَاقاً عَيْناً، أَوْ حَرْثاً، أَوْ مَاشِيَةً
لما في الوطأ عن عمر- ﵁: اتجروا في مال اليتامى لا تأكلها الزكاة. وعن عائشة- ﵂: أنها كانت تخرج الزكاة من مال يتيمين في حجرها. وصرح بالاتفاق لعدم صحة تخريج اللخمي، وإلا لقال على المنصوص.
وتَخْرِيجُ اللَّخْمِيِّ النَّقْد الْمَتْرُوك عَلَى الْمَعْجُوزِ عَنْ إِنْمَائِهِ ضَعِيفٌ
يعني: أن أموال اليتامى إن كانت تنمو بنفسها كالحرث والماشية، أو كان نقداً ينمو بالتجارة، وجبت فيه الزكاة ولا تخريج فيه. وإن كان نقداً غير منمَّى، فالمذهب وجوب الزكاة فيه أيضاً.
وخرج اللخمي خلافاً من مسائل وهي: ما إذا سقط المال منه ثم وجده بعد أعوام، أو دفنه فنسي موضعه، أو ورث مالاً فلم يعلم به إلا بعد أعوام، فقد اختلف في هؤلاء هل يزكون لسنة واحدة، أو لجميع الأعوام، أو يستأنفون الحول. ورده ابن بشير بما حاصله أن العجز في مسألة الصغير من قبل المالك خاصة مع التمكن من التصرف، والعجز في هذه المسائل من جهة المملوك وهو المال، فلا يمكن التصرف فيه ألبتة. ويلزم اللخمي على تخريجه إسقاط الزكاة عن مال الرشيد العاجز عن التنمية، وإليه أشار بقوله: (ضَعِيفُ).
ولا زَكَاةَ عَلَى الْمِدْيَانِ بِعَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ حَالِّ أَوْ مُؤَجَّل فِي الْعَيْن الْحَوْلِيِّ، بخِلافِ الْمَعْدِنِ والْمَاشِيَةِ والْحَرْثِ، ولَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِثلَ صِفَتِهاَ ...
لم تجب الزكاة على المديان لعدم كمال ملكه؛ إذ هو بصدد الانتزاع، ولكونه غير كامل التصرف كالعبد، ولما في الوطأ عن عثمان ﵁ أن الدين يسقط الزكاة. قال صاحب اللباب: وقال ذلك بمحضر الصحابة- ﵃ ولم ينكر عليه أحد.
стр. 724
وقوله: (بِعَيْنٍ أَوْ غَيْرِهِ) متعلق بالمديان؛ يعني: أن الدين المسقط للزكاة لا تبال به على أي حال كان، سواء كان عيناً أو عرضاً، حالاً أو مؤجلاً.
وأخرج بـ (الْحَوْلِيِّ) المعدن، فإنه ملحق بالحرث، والفرق بين الحولية وغيرها، أن الحرث، والمعدن، والماشية من الأموال الظاهرة، وزكاتها موكولة إلى الأئمة يأخذونها قهراً. ومن شأن النفوس كراهية ما يؤخذ منها قهراً. فلو قلنا: إن الدين يسقط الزكاة عن الحرث والماشية، لعمل الناس الحيل في إسقاط المأخوذ على هذا الوجه، بخلاف العين فإنها تخفي وزكاتها موكولة إلى أمانة أربابها.
وقوله: (ولَوْ كَانَ الدَّيْنُ مِثلَ صِفَتِهاَ) مبالغة؛ أي: أن الدين لا يسقط الزكاة عن الحرث والماشية ولو كان مديناً بمثلها، كما لو كان عنده أربعون شاة وعليه أربعون.
فرع:
لو كان عنده عبد وعليه عبد، فقال ابن القاسم: لا تجب عليه فيه زكاة الفطر. وقال أشهب: تجب.
ولِذَلِكَ لَمْ تَجِبْ فِي مَالِ الْمَفْقُودِ والأَسِيرِ؛ لإِمْكَانِ دَيْنٍ أَوْ مَوْتٍ
أي: ولأجل أن الدين يسقط الزكاة لا تجب الزكاة في مال المفقود والأسير؛ لاحتمال طروء دين عليهما.
وقوله: (فِي مَالِ الْمَفْقُودِ والأَسِيرِ). يحتمل أن يريد بالمال العين؛ لأنها هي التي تقدم إسقاط الزكاة عنها، ويحتمل العموم وهو ظاهر لفظه، لكن يلزم عليه مخالفة النقل؛ إذ الزكاة إنما تسقط عن عينها، وأما ماشيتهما وزرعهما فيزكيان، قاله أبو القاسم في المجموعة هكذا نقل صاحب النوادر واللخمي وغيرهما.
стр. 725
اللخمي: فحمل أمرهما على الحياة فزكى ما كان النماء موجوداً فيه، وهو الماشية والحرث، وأسقطها من العين؛ لأنهما غلبا على تنميته. ولو حمل أمرهما على الوفاة لم يزكِ عينهما من ذلك؛ لإمكان أن يقع لكل وارث دون النصاب. انتهى.
وعلى هذا فقول المصنف: (أَوْ مَوْتٍ). ليس كما ينبغي؛ لأنه إن أراد (أو موت) بالنسبة إلى عينهما، فقوله: (لِإمْكَانِ دَيْنٍ). يغني عنه، وإن أراد بالنسبة إلى جميع أموالهما، فهو خلاف النقل. والله أعلم.
وفِي دَيْنِ الزَّكَاةِ قَوْلانِ
القول بأن دين الزكاة كسائر الديون يسقط الزكاة عن العين الحولي لابن القاسم في المدونة، وهو المشهور. والقول بأنه لا يسقط لابن حبيب، ووجهه ضعف هذا الدين؛ لأن طالبه غير معين. فلو اجتمع عليه دين من الزكاة مائتان ولم يكن عنده غيرهما، فعلى المشهور يخرج المائتين ولا يبقى في ذمته شيء، وعلى القول الآخر يخرج أولاً خمسة، ثم يخرج الباقي ويبقى في ذمته خمسة. ولابن القاسم قول آخر في دين الزكاة: أنه أقوى من سائر الديون؛ لأنه جعله يسقط الزكاة. ولو كان له عرض يجعل فيه مثل مذهب ابن عبد الحكم في دين الآدميين.
وعَلَيْهِمَا لَوْ أَخَّرَ زَكَاةَ نِصَابٍ فَصَارَ فِي الْحَوْلِ الثَّانِي أَرْبَعِينَ، ورَوَى أَشْهَبُ وابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ: يَسْتَقْبلُ بالرِّبْحِ كُلِّهِ، وهُوَ غَرِيبُ ...
أي: القولين في دين الزكاة، لو كان عنده عشرون ديناً حال حولها فلم [١٢٤/ أ] يخرج زكاتها واشترى بها سلعة باعها في الحول الثاني بأربعين.
فعلى الإسقاط يخرج نصفاً عن العشرين الأولى، ثم يخرج عن تسعة وثلاثين، ونصف للعام الثاني، إلا أن يكون عنده عرض يساوي نصف دينار فيزكي الأربعين.
стр. 726
وعلى عدم الإسقاط يخرج عن ستين، وإن لم يكن عنده عرض. وروى أشهب وابن عبد الحكم: أنه يزكي عشرين للعام الأول، وعشرين للعام الثاني ويستقبل بالربح، وهذه المسألة هي المشار إليها في الربح بقوله: وروي في مسألة ما لو أخر خاصة كالفوائد.
فرع:
إذا كان عليه دين من كفارة لم تسقط الزكاة بلا خلاف أعلمه في المذهب. والفرق بينه وبين دين الزكاة، أن دين الزكاة تتوجه المطالبة به من الإمام العادل، وإن منعها أهل بلد قاتلهم عليها. والله أعلم.
وفِي نَفَقَةِ الْوَلَدِ إِنْ لَمْ يُقْضَ بِهَا قَوْلانِ، بِخِلافِ الزَّوْجَةِ. وفِي نَفَقَةِ الأَبَوَيْنِ إِنْ قُضِيَ بِهَا قَوْلاَنِ. والإِسْقَاطُ بِهِ لأَشْهَبَ ...
حاصله: أن النفقة بالنسبة إلى إسقاط الزكاة ثلاثة أقسام:
الأول: نفقة الولد إن قضي بها؛ أي حكم بها حاكم أسقطت، وإن لم يقض بها، فمذهب المدونة وابن حبيب أنها لا تسقط؛ لأن العادة جرت بالمسامحة فيه بخلاف غيره. وقال أشهب: تسقط. ابن المواز: وبه أقول. وقيد بعض القرويين قول ابن القاسم في المدونة في الولد بما إذا كانت نفقته قد سقطت عنه ليسر حدث له ثم ذهب فرجعت النفقة عليه. فأما إذا لم يتقدم للولد يسر قط، فالأمر كما قال أشهب أن النفقة تسقط الزكاة؛ لأنها لم تزل واجبة كنفقة الزوجة التي لم تزل.
عبد الحق: فقول أشهب على هذا التأويل ليس بخلاف، وإنما تكلم على وجه لم يتكلم عليه ابن القاسم، وهندي أن قول أشهب خلاف، فلا فرق على قول ابن القاسم بين أن يتقدم للولد يسر أو لا. انتهى.
ونقل اللخمي عن ابن القاسم: أن نفقة الولد والأبوين لا تسقط الزكاة، وإن كانت بفريضة من القاضي.
стр. 727
القسم الثاني: نفقة الزوجة؛ وهي تسقط مطلقاً قضي بها أم لا؛ لأنها عوض عن الاستمتاع. وأيضاً فإن نفقة الزوجة إذا عجز الزوج طلقت نفسها عليه إذا شاءت بخلاف الولد والأب.
القسم الثالث: نفقة الأبوين- وهي عكس نفقة الولد- إن لم يقض بها لم تسقط اتفاقاً، وإن قضي بها فمذهب المدونة أنها لا تسقط. وقال أشهب: تسقط ابن أبي زيد: ومعنى قول ابن القاسم أن الأبوين أنفقوا من عند أنفسهم، وأما لو أنفقوا واستسلفوا ليرجعوا عليه، لكان ديناً من الديون. وقال ابن محرز: معنى ما في المدونة أن نفقة الوالدين لا تسقط الزكاة إذا كانت بغير قضية أو بقضية وأنفقا بسؤال أو عمل، وأما لو قضي لهما، فقاما بما قضي لهما به عند الحول، لأسقط ذلك الزكاة. قال: وهذا معنى ما عند ابن المواز. انتهى.
وقال أبو عمران: معنى ما في الكتاب أنهما لم يقوما بطلبها عند القاضي وأنفقا على أنفسهما من مال وهب لهما أو تحيلا فيه، ولو كانا استلفاه لسقطت به الزكاة. انتهى.
وهذه مخالفة لما قال ابن أبي زيد في التحيل، وإنما كانت نفقة الوالدين أخف من نفقة الولد؛ لأن الوالد يسامح ولده أكثر من مسامحة الولد لوالديه. وفرق في المدونة بفرق آخر، فقال: لأن نفقة الأبناء لم تسقط عن الأب المليء مذ كانوا حتى يبلغوا، ونفقة الأبوين كانت ساقة عنه، وإنما تلزمه بالقضاء.
وفِي الْمَهْرِ وشَبَهِهِ مِنَ الْمُعْتَادِ بَقَاؤه إِلَى مَوْتٍ أَوْ فِرَاقٍ قَوْلانِ
أي: اختلف في الدين الذي جرت العادة بتأخيره إلى موت أو فراق، كمهر الزوجة ودينها في بعض الأحوال، والمشهور الإسقاط، ومقابله لابن حبيب. كذا نقل ابن شاس وابن رشد، وما شهراه هو مذهب المدونة. وقال ابن بزيزة: المشهور أن المشهر غير مسقط اعتباراً بالعادة، من حيث أنها لا تطلبه غالباً إلا وقت المشاحة أو الموت، ولأنها ليست عوضاً محققاً، وفيه نظر؛ لمخالفة ما شهره في المدونة.
стр. 728
وفِيَما يُقْبَضُ أُجْرَةً لِلْمُسْتَقْبَلِ قَوْلانِ
أي: وفيما يقبض بعمل يعمله في المستقبل فمضى له حول واستوفى العمل، هل تسقط عنه الزكاة في العام الماضي ويستقبلبه لأنه الآن كما تم ملكه، أو تجب عليه لأنه انكشف أنه كان ملك المال من يوم القبض؟ وكان الأول أقرب إلى قواعد المذهب، ألا ترى أن عند الاختلاف في قبض الأجرة إنما يقضي بدفعها شيئاً فشيئاً إذا لم تكن عادة، ولا يقضي بدفعها للصانع إلا بعد تمام العمل على المشهور.
وقال ابن راشد: الثاني أقيس؛ لأن تعذر المنافع أمر متوقع فلا تسقط الزكاة لأجله انتهى. قيل: [١٢٤/ ب] وهو الذي يأتي على مذهب المدونة في مسألة هبة الدين، كما سيأتي.
فَإِنْ كَانَ عَرَضُ يُبَاعُ مِثْلُهُ فِي دَيْنِهِ كَدَارِهِ، وسِلاحِهِ، وخَاتَمِهِ، وثَوْبَيْ جُمُعَتِهِ إِنْ كَانَت لَهُمَا قِيمَةٌ، بخِلافِ ثِيَابِ جَسَدِهِ وما يَعِيشُ بِهِ الأَيَّامَ هُوَ وأَهْلُهُ، وبِخِلافِ عَبْدٍ آبِقٍ، وكَذلِكَ رِقَابُ مُدَبَّرِيهِ وقِيمَةُ الْكِتَابَةِ، وكَذَلِكَ دَيْنُهُ الْمَرْجُوُّ، فَالْمَشْهُورُ جَعْلُ الدَّيْنِ فِيهِ لا فِي الْعَيْنِ ...
(كَانَ) هنا تامة. وقوله: (فَالْمَشْهُورُ) جواب الشرط؛ يعني: أن المديان إذا حصلت عنده عروض تباع عليه في فلسه وعنده من العين نصاب فأكثر، فالمشهور أنه يجعل الدين في ذلك العروض ويزكي العين. والشاذ لابن عبد الحكم: أنه يجعل الدين في العين؛ لأنه الذي لو رفع إلى الحاكم لم يقض له إلا به.
وقوله: (يُبَاعُ مِثْلُهُ) احترازاً مما لا يباع في الدين، كثوبي جمعته إذا لم تكن لهما قيمة. ولمالك في الموازية في ثوبي جمعته إذا كان لباس مثلهما سرفاً، بيعا في الدين. وكذلك قيد عبد الوهاب الدار بما إذا كان لها قيمة. قال: وأما إذا كانت قريبة الثمن وكان ذا عيال ولم يكن لها خطب وبال فلا.
стр. 729
وقوله: (بِخِلافِ عَبْدٍ آبِقٍ). أي: أنه يجعل الدين في العرض ما لم يمنع من ذلك مانع له عادي؛ أعني: إذا كان الشيء قليل الثمن كثوبي الجمعة إذا لم تكن لهما قيمة، أو كثياب جسده، أو لمانع شرعي كالعبد الآبق. وما ذكره في الخاتم هو المشهور. وقال أشهب: لا يجعل فيه.
وقوله: (وأَهْلُهُ) أي: زوجته وأولاده. وقوله: (الأَيَّامَ) أي: الشهر ونحوه، كما ذكر في باب الفلس. وقوله: (وكَذلِكَ رِقَابُ مُدَبَّرِيهِ ...) إلى آخره. أي: فيجعل الدين في هذه الأشياء، وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.
وعَلَى الْمَشْهُورِ فِي مُرَاعَاةِ حَوْلِ الْعَرَضِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وأَشْهَبَ
يعني: وإذا فرعنا على المشهور من أن الدين يجعل في العرض، فهل يشترط في هذا العرض أن يمر له عنده حول أم لا؟ اشترطه ابن القاسم ولم يشترطه أشهب، إلا كونه مملوكاً في آخر الحول.
محمد: واختاره ابن القاسم بناء على أن ملك العرض في آخر الحول منشئ لملك العين التي بيده، فلا زكاة عليه فيها، أو كاشف أنه كان مالكاً فيزكي.
ويُقَوِّمُ وقْتُ الوُجُوبِ فِيهِمَا
يعني: أن العرض في القولين- أي: عليهما – إنما تعتبر قيمته وقت وجوب الزكاة، وهو آخر الحول، وسواء زادت أو نقصت.
ومِنْهُ جُعِلَ لابْنِ الْقَاسِمِ قَوْلانِ
أي: من أجل أن المعتبر في قيمة العرض إنما هو وقت الوجوب، أخذ لابن القاسم قول آخر بعدم مراعاة حول العرض، فإن زيادة قيمة العرض في آخر الحول على أوله لم يمر لها حول، فكما لم يشترط مرور الحول عليها كذلك لا يشترط في نفس العروض،
стр. 730
وأصل هذا التخريج لابن المواز، فإنه لما ذكر قول ابن القاسم أشار إلى المناقضة فيه، ورد بأن الزيادة المذكورة مضمومة إلى أصل الحول كما في أصل الحول في الأرباح. واعلم أن هذا التخريج على تقدير صحته لا يحتاج إليه، فإن القولين منصوصان لابن القاسم، نقلهما صاحب الجواهر وابن الجلاب.
وعَلَيْهِمَا فِي الْمَوْهُوبِ هُوَ أَوْ مَا يُجْعَلُ فِيهِ قَوْلانِ
أي: وعلى القولين في مراعاة حول العرض، اختلف إذا وهب له الدين، وهو معنى قوله: (الْمَوْهُوبِ هُوَ) أو وهب له عرض يجعل فيه الدين. فعلى قول ابن القاسم لا يزكي فيهما خلافاً لأشهب. وأبرز الضمير لصحة العطف؛ لأنه لا يعطف على الضمير المرفوع المتصل إلا بشرط الفصل.
وفِي الرِّبْحِ قَوْلانِ
يحتمل أن يريد- والله أعلم- المسألة المتقدمة؛ وهي قوله: (وفي ربح سلف ما لا عوض له عنده). وتقدير كلامه: وفي ربح ما استدانه وليس له عرض يجعل فيه الدين قولان، وقد تقدما وتقدم توجيههما.
وقال ابن هارون: يعني: هل يجعل دينه فيه أم لا؟ والقياس أن يجعله؛ لأن حوله حول أصله. والقول بنفي جعله فيه بناء على رواية الاستقبال، أو على القول باشتراط الحول فيما يجعل فيه الدين.
أَمَّا لَوْ كَانَ لَهُ مِائَةُ مُحَرَّمِيِّةٌ، ومِائَةٌ رَجَبيَّةٌ، وعَلَيْهِ مِائَةٌ، فَالْمَشْهُورُ زَكَاةُ مِائَةٍ
يعني: لو ملك مائة دينار في المحرم، ومائة دينار في رجب، وعليه مائة، فالمشهور يزكي أولاهما فقط؛ وهي المحرمية. وفي الواضحة: يزكي المائتين؛ لأنه إذا حال حول المحرمية جعل دينه في الرجبية، وإذا حال حول الرجبية جعل دينه في المحرمية، ورد بأنه
стр. 731
لو كان هذا المعنى صحيحاً لوجب مثله في المائتين إذا كان حولهما واحداً وليس كذلك، على أن اللخمي حكى قولاً بأنه يزكي المائتين وإن كان حولهما واحداً، وجعل في المسألة ثلاثة أقوال، ثالثها الفرق، فإن كان حولهما واحداً زكى مائة، وإلا زكى مائتين. وفي قوله: (زكى مائة) نظر؛ لعدم نصه على أن المراد المائة الأولى، ومراده ما قدمناه.
وَلَوْ آجَرَ نَفْسَهُ [١٢٥/ أ] لثَلاثِ سِنِينَ بسِتِّينَ دِينَاراً فَقَبَضَهَا بَعْدَ حَوْلٍ، فَرَابعُهَا: يُزَكَّى الْجَمِيعَ ...
فرض المسألة في نفسه؛ لأنه لو فرضها في عبده ودابته لكان له شيء يجعله في دينه كله أو بعضه. واستغنى بذكره الرابع عن بقية الأقوال للحصر فيها.
فيكون الأول: لا زكاة عليه في الجميع؛ لأن العشرين في السنة الماضية لم يتحقق ملكه لها إلى الآن، والأربعون إلى الآن دين عليه. قال في البيان: وهو الذي يأتي على مذهب مالك في المدونة في الذي وهب له الدين بعد حلول الحول على المال الذي بيده، أو أفاد مالاً، أنه يستقبل.
والقول الثاني: عليه زكاة العشرين؛ لأنها تخص العام الأول. قال في المقدمات: وهو الذي يأتي على ما في سماع سحنون عن ابن القاسم، وعلى قياس قول غير ابن القاسم في المدونة في هبة الدين.
ابن رشد: والقول الثالث لابن المواز: يزكي مع هذه العشرين تسعة عشر ونصف؛ لأنه إذا أخرج من عشرين نصف دينار بقي معه تسعة وخمسون ونصف، عليه منها أربعون، فتفضل له تسعة عشر ونصف، فيزكيها لسلامتها من الدين. وفي أخذ هذا من كلامه نظر. والله أعلم. قال ابن يونس: والصواب زكاة الجميع.
стр. 732
تنبيه:
ما ذكرناه من أنه يزكي على القول الثاني عشرين، وعلى الثالث تسعة وثلاثين ونصف، كذلك قاله جماعة.
خليل: وينبغي أن يقول يزكي أكثر من عشرين للسنة الأولى؛ لقرب سلامتها من العقد. كما قالوا: إذا اشترى عروضاً وسمى لكل عرض شيئاً ثم استحق بعضها، فإنهم قالوا: يقوم العروض وتسقط القيمة؛ لاحتمال أن يكون اغتفر بعضها لبعض. والله أعلم.
وَلَوْ آجَرَ دَارَهُ كَذَلِكَ، فَخَامِسُهَا: تُقَوَّمُ سَالِمَةً. وَسَادِسُهَا: تُقَوَّمُ مَهْدُومَةً
قوله: (كَذَلِكَ) أي: آجرها ثلاث سنين وقبضها ومر حول. وقرر الشراح الثلاثة هذه المسألة هكذا، ولابن بشير نحوه. وقال شيخنا- ﵀: فيه نظر. ولا يمكن أن يأتي في هذه المسألة ستة أقوال؛ إذ الدار لا شك أنها عرض، وقد نص المصنف على ذلك أول كلامه في قوله: (كداره) وحينئذ إما أن يقول بجعل الدين في الدار، أو لا يجعله إلا في العين. فإن قلنا بالأول، فإنما يختلف هل يجعله في قيمتها سالمة أو مهدومة بناء على مراعاة الطوارئ، وإن قلنا بالثاني، فلا يأتي في المسألة إلا الأربعة الأقوال المتقدمة؛ إذ الدار عند هذا القائل كالعدم، فيكون كمن آجر نفسه. والقول بأنها تقوم مهدومة لابن القاسم. والقول بأنها تقوم سالمة لسحنون.
قال عبد الحق في تهذيبه: يحتمل أن يكون موضع الخلاف في دار يخشى سقوطها في المدة، وأما إن لم يخشَ، فيتفق على تقويمها سالمة، ويحتمل أن يقيد قول ابن القاسم بما إذا خشي هدمها. وقول سحنون بما إذا لم يخشَ، ولا يكون بينهما خلاف. انتهى بمعناه.
وَغَيْرُ الْحَوْلِيِّ وَإِنْ زُكَّيَ كَالْعَرْضِ
(غَيْرُ الْحَوْلِيِّ) الحبوب والثمار. يعني: أن الحبوب والثمار إذا زكيت، فهي كالعرضو يجعل الدين فيها على المشهور. وقوله: (وَإِنْ زُكَّيَ) مبالغة تقتضي أن يجعل الدين فيه مع
стр. 733
عدم الزكاة من باب أولى، وهو كذلك إذا كان دون النصاب. واختلف إذا كانت نصاباً، فقال ابن القاسم: يزكي عينها ويجعل دينه فيها، وهو المشهور. وقيل: لا يجعل دينه فيها؛ لتعلق الزكاة بعينها. فإن قيل: كلامه قاصر؛ لأن كلامه لا يتناول الماشية، إذ هي حولية وهي مساوية لما ذكر في جعل الدين فيها. قيل: الجواب: المراد بالحول ما كان مرور الحول مع الملك التام كافياً في وجوب الزكاة فيه، والماشية وإن كان فيه الحول إلا أنه لا بد مع ذلك من قدوم الساعي، فصار مرور الحول غير كافٍ، فيدخل بهذا الاعتبار في غير الحولي، ولا يقال هذا غير تام؛ لأن هذا إنما يأتي إذا كان ثَم سعاة، وأما إذا عدموا فلا؛ لأنا نقول هذا الكلام خرج مخرج الغالب، فإن الغالب السعاة.
وَالْمَعْدِنُ اتَّفَاقاً
(الْمَعْدِنُ) مرفوع بالابتداء، والخبر محذوف؛ أي: المعدن يجعل فيه الدين اتفاقاً، فهو من باب عطف الجمل، ولا يختلف فيه كما اختلف فيما قبله، وكذلك صرح ابن بشير وابن رشد بأنه غير مختلف فيه. وعلى هذا فقول ابن عبد السلام: وبقي في كلام المصنف إشكال من جهة أنه عطف المعدن على العرض الذي شبه به غير الحولي، والمعدن غير حولي. فيكون تشبيه الشيء بنفسه ليس بشيء، ولعله لم يثبت في نسخته اتفاقاً، وهي ثابتة في النسخ. ومراده بـ (المعدن): معدن العين، وإلا فغير العين عرض.
وَالْمُكَاتَبُ كَالْعَرَضِ. وَفِي كَيْفِيَّة جَعْلِهِ، ثَلاثَة ُلابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ، وَأَصْبَغَ فِي قِيمَةِ كِتَابَتِهِ أَوْ مُكَاتِبٍ أَوْ [١٢٥/ ب] عَبْدٍ ...
يعني: أنه اختلف في المكاتب بالعرض؛ أي: فيجعل الدين فيه على المشهور. وعلى الجعل، فقال ابن القاسم: يجعل الدين في قيمة كتابته إن كانت بعرض قومت بالعين، وإن كانت بالعين قومت بعرض ثم قوم بالعين. وقال أشهب: في قيمته مكاتباً. وقال أصبغ: في قيمته عبداً.
стр. 734
وفرق المصنف بين القائلين وأقوالهم؛ لأنه أقرب إلى الاختصار من جميع ذلك، ورد الأول من الأقوال إلى الأول من القائلين، ثم كذلك إلى آخرها، وأظهرها قول ابن القاسم؛ لأنه إنما يملك الكتابة والرقبة ليس بقادر على التصرف فيها، وكذلك كونه مكاتباً.
وَفِي الْمُدَبَّرِ قَبْلَ الدَّيْنِ قَوْلانِ
هذا الكلام يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يجعل الدين فيه أولاً كالعرض ويكون كقوله: (والمكاتب كالعرض) - وأعاده ليرتب عليه ما بعده- وعلى هذا مشاه ابن عبد السلام.
والثاني: أن يريد بأن القائلين بأن العرض يجعل فيه الدين. اختلفوا في المدبر على قولين: فمنهم من قال: هو كالعرض، ومنهم من قال: لا، ويكون على هذا الوجه خلافاً مركباً. وعلى هذا حمله شيخنا- ﵀ ويؤيده التفرقة بينه وبين المكاتب في قوله: (والمكاتب كالعرض وفي المدبر قولان). وأيضاً فلأن القول بأن الدين لا يجعل إلا في العين منقول عن ابن عبد الحكم. وهذا القول- أعني: أن المدبر لا يجعل فيه؛ أي: لا في رقبته ولا في خدمته- منقول عن سحنون. كذا نقله صاحب النوادر، واللخمي، وابن شاس وغيرهم. فاختلاف القائل دليل على ما قلناه. ويؤيد هذا قول ابن بشير في توجيه هذا القول، وهذا نظراً إلى أن بيعه لا يمكن من غير التفات إلى إمكان رجوعه إلى الرق. واحترز بقوله: (قَبْلَ الدَّيْنِ) من المدبر بعد الدين، فإنه لا يختلف في أنه يجعل الدين في رقبته؛ إذ التدبير باطل لسبق الدين عليه.
وَعَلَى جَعْلِهِ، فَفِي كَوْنِهِ فِي قِيمَةِ رَقَبَتِهِ أَوْ فِي خِدْمَتِهِ قوَلْانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ
فابن القاسم يقول: يجعل في قيمة رقبته. وأشهب يقول: يجعل في قيمة خدمته. قال ابن الجلاب: وبه أقول. وهو الجاري على قول ابن القاسم في المكاتب؛ لأنه إنما يملك
стр. 735
الخدمة، فكأنه راعى في المشهور قول من قال: يجوز بيعه. وعورض قول ابن القاسم هنا بقوله فيمن حنث باليمين بصدقة ثلث ماله، لا شيء عليه في المدبر وهلاً احتاط في ذلك كما احتاط في الزكاة.
وفِي الْمُعْتَقِ إِلَى أَجَلٍ قَوْلانِ، وَعَلَى جَعْلِهِ فَفِي قِيمَةِ خِدْمَته
القول بالجعل أظهر، والاحتمال في القولين هنا كما في المدبر.
وَالْمُخْدَمُ: الْمَنْصُوصُ جَعْلُ دَيْنِ مَالِكِهِ فِي مَرْجِعِ رَقَبَتِهِ، وَدَيْنُ مَخْدَمِهِ فِي خِدْمَتِهِ
إذا كان لشخص عبد فأخدمه لآخر- أي: أعطى خدمته له- فإن معطي الرقبة يجعل دينه في مرجع رقبته، هذا هو المنصوص.
ابن بشير: وقد يختلف في ذلك؛ لترقب موته قبل الرجوع؛ يعني: لن الخدمة لا شيء له فيها، والرقبة لا يقدر على التصرف فيها؛ لأن رجوعها إليه محتمل لاحتمال موت العبد قبل ذلك، فيكون ملكه لها أضعف من رقبة المدبر، وقد تقدم فيه خلاف. وقوله: (وَدَيْنُ مَخْدَمِهِ فِي خِدْمَتِهِ) يعني: ويجعل الذي أخذ الخدمة دينه في قيمة الخدمة.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه يقتضي أن في آخذ الخدمة خلافاً كما في معطيها. انتهى. وهو مبني على أن قوله: (ودين). معطوف على المضاف إليه في قوله: (جعل دين). ويمكن أن يكون مستأنفاً وهو الظاهر؛ ليكون موافقاً لابن شاس، فإنه قال: ويجعل المخدم دينه في مرجع رقبة العبد على المنصوص، ويجعل المخدم دينه في الخدمة، ومقتضى كلامه أن التخريج إنما هو في معطي الرقبة. وأيضاً فلا يظهر التخريج في جانب المخدم، إذ هو مالك للخدمة. وقد يقال: بل المنصوص عائد عليهما، ويعتمد في ذلك على ما قاله اللخمي.
قال: وقال محمد: لو أخدم رجل رجلاً عبده سنين، أو أُخدم هو عبداً لغيره سنين أو حياته، لحسب في دينه ما يساوي تلك الخدمة أو مرجع ذلك العبد.
стр. 736
قال اللخمي: قوله: (يجعل في الخدمة) إذا كانت حياته ليس بحسن؛ لأن ذلك مما لا يجوز بيعه بنقد ولا بغيره، وأظنه قاس ذلك على المدبر، وليس مثله؛ لأن الجواز في المدبر مراعاة للخلاف في جواز بيعه في الحياة، ولا خلاف أنه لا يجوز للمخدَم أن يبيع تلك الخدمة حياته.
وكذلك المرجع لا يجوز أن يجعل فيه الدين؛ لأن بيعه لا يجوز، وأما إن كانت الخدمة سنين معلومة، فيحسن أن يجعل الدين في قيمتها؛ لأنه يجوز بيعها، ويختلف فيه بعد ذلك؛ لأن حقه متعلق بحياة العبد. انتهى.
وَفِي الآبقِ الْمَرْجُوِّ قَوْلانِ، وَعَلَى جَعْلِهِ فَعَلَى غَرَرِهِ
أي: إن كان غير مرجو لم يجعل دينه فيه اتفاقاً. وأما المرجو، ففي المدونة: لا يجعل فيه، وعلله بعدم جواز بيعه؛ لأنه لا يعلم موضعه، أو يعلم ولكن [١٢٦/ أ] لا يقدر عليه، أو يقدر عليه بمشقة، وهو في هذه الوجوه كالعدم. وقال أشهب: يجعل في قيمة رقبته على غررها. وعارض التونسي قوله في المدونة في هذه المسألة بقوله في المدبر، فإنه قال: يجعل الدين فيه مع أنه لا يجوز بيعه. ولعل الفرق بينهما مراعاة الخلاف في بيع المدبر. وأقام بعض الشيوخ من تعليله في الآبق أنه لا يجعل الدين في الطعام الذي له من سلم لعدم جواز بيعه، وكذلك هنا ما لا يجوز بيعه كجلود الضحايا. وقال التونسي: ينبغي أن يجعل الدين في رأس مال السلم؛ لأنه قادر على توليته ولا يقدر على بيعه.
وَالدِّيْنُ لَهُ كَالْعَرْضِ، وَفِي كَيْفِيَّةِ جَعْلِهِ ثَلاثَةً، أَصَحُّهَا إِنْ كَانَ حَالاًّ مَرْجُوّاً فَبالْعَدَدِ، وَإِلا فَبِالْقَيمةَ ...
يعني: أنه اختلف هل يجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له أم لا كالعرض. وإذا فرعنا على المشهور من أنه يجعل، فحكى المصنف تابعاً لابن بشير ثلاثة أقوال: أحدها: أنه
стр. 737
يراعى قيمة دينه. والثاني: عدده. والثالث: إن كان حالاًّ وكان على مليء روعي عدده. وإن كان مؤجلاً أو على غير مليء روعيت قيمته. ابن بشير: وهذا هو الأصل، ويمكن أن يكون تفسيراً للقولين.
خليل: ولا أظن أحداً يوافقهما، إذ مقتضى كلامهما أن في المسألة قولاً باعتبار العدد مطلقاً، وينظر. ويعز وجوده في المذهب، ولم أره بعد البحث عليه، والذي رأيته إن كان الدين على معدم فهو كالعدم على المشهور. ولابن القاسم في العتبية: أنه يحسب قيمته.
وإن كان على مليء، فقال ابن القاسم، وأشهب في المجموعة على ما نقله صاحب النوادر، والباجي: يجعل الدين الذي عليه في الدين الذي له ويزكي ما بيده في الدين الذي يرتجى قضاؤه يحسب عدده. وقال سحنون: بل يجعل قيمة الدين الذي له في عدد الدين الذي عليه. أبو محمد: وما قال ابن القاسم في العتبية: أنه إذا كان الدين على غير مليء يحسب قيمته، يدل على أنه لو كان على مليء حسب عدده. قال: يريد إذا كان حالاًّ، وإن كان إلى أجل فينبغي أن تحسب قيمته؛ لأنه لو فلس بيع بقيمته. انتهى.
وقال اللخمي والتلمساني: وإذا كان دينه على موسر، فلا يخلو إما أن يكون دينه والدين الذي عليه حالين أو مؤجلين، أو أحدهما حالاًّ والآخر مؤجلاً، وفي كل هذه الوجوه لا يختلف الجواب في الدين الذي عليه أنه يحسب عدده. وإنما يفترق الجواب في الدين الذي له؛ فإن كانا حالين جعل العدد في العدد، وإن كان دينه مؤجلاً جعل ما عليه في قيمته. وإن كان الدينان مؤجلين، فإما أن يحل دينه قبل الذي عليه، أو يحل الذي عليه قبل، فإن حل الدين الذي له قبل الذي عليه جعل العدد في العدد، وإن حل الدين الذي عليه قبل دينه جعل عدد ما عليه في قيمة دينه. والله أعلم.
стр. 738
وَالْقِرَاضُ غَيْرُ الْمُدَارِ مُوَافِقاً لِحَالِ رَبِّهِ لا يُزَكَّى قَبْلَ الانْفِصَالِ وَلَوْ طَالَ وَلَوْ نَضَّ، وَأَلْزَمَ اللَّخْمِيُّ كَوْنَهُ إِنْ نَضَّ كَالْمُدَارِ، وَأُجِيبَ بأَنَّهُ كَالدَّيْنِ ...
يعني: أن مال القراض إذا كان العامل محتكراً فيه وكان رب المال محتكراً في بقيته- وهو مراده بالموافق لحال ربه- فلا يزكى ولو طال مقامه بيد العامل أحوالاً كثيرة، ولو نض المال كله.
قوله: (وَأَلْزَمَ ...) إلى آخره. يعني: ألزم اللخمي من قال في المدار الموافق لرب المال بالتقويم كل عام، أن يقول في المحتكر إذا نض ماله أن يزكي قبل المفاصلة، بجامع أن العين في حق المحتكر كالعرض في حق المدير، ألا ترى أن المحتكر يزكي العين عند الحول كما يقوم المدير عروضه، بل تعلقها بالعين هو الأصل، وتعلقها بالعرض على خلاف الأصل؛ ولأن رب المال لو شاء المفاصلة لمكن من ذلك.
وأجاب ابن بشير: بأن المال بيد العامل شبيه بالدين على الغريم؛ لتعلق حق العامل به، وفي الجواب نظر. فإنه لو كان صحيحاً للزم مثله في المدير؛ لتعلق حق الغير، ولأنه لا يصح قياسه على الدين؛ لأن الدين ضمانه من المديان، والقراض ضمانه من رب المال، والقراض محبوس للتنمية بخلاف الدين.
وَفِي وُجُوبِهِ بَعْدَهُ لِسَنَةٍ أَوْ لِمَا مَضَى قَوْلانِ
الضمير في (وُجُوبِهِ) عائد على الإخراج المفهوم من السياق. ولو قال: وجوبها ليعود إلى الزكاة لكان أحسن. والضمير في (بَعْدَهُ) عائد على الانفصال، والقولان لمالك.
ابن راشد: والصحيح وجوبها لماضي السنين.
ابن عبد السلام: وهو الأقرب؛ لأن العامل نائب عن رب المال في التجر، لكن ظاهر المذهب- الذي اقتصر عليه صاحب المقدمات وغيره- قصر الزكاة على عام واحد.
стр. 739
وَعَلَى مَا مَضَى يُرَاعَى مَا فِي يَدِهِ لِسَنَةٍ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ قَبْلَهُ، وَيُعْتَبَرُ النَّاقِصُ كَذَلِكَ ...
يعني: إذا فرعنا على القول بأنه يزكي لماضي السنين، فيزكي ما حصل في السنة الأخيرة. وهذا معنى قوله: (يُرَاعَى مَا فِي يَدِهِ لِسَنَةٍ وَيَسْقُطُ الزَّائِدُ قَبْلَهُ) أي: ولا تعتبر الزيادة التي حصلت قبل الانفصال، كما لو كان في العام الأول [١٢٦/ ب] أربعمائة، وفي الثاني ثلاثمائة، وفي الثالث مائتين وخمسين، فإنه يزكي لعام الانفصال مائتين وخمسين، ثم يزكي ذلك للسنتين الأوليين إلا ما نقصه جزء الزكاة، وإلغاء الزائد لكونه لم يصل إلى رب المال ولم ينتفع به.
وقوله: (وَيُعْتَبَرُ النَّاقِصُ كَذَلِكَ) أي: كما تلغى الزيادة التي قبل الانفصال كذلك يعتبر النقص قبله. أي: قبل الانفصال. مثاله: لو كان في العام الأول مائتان، وفي الثاني ثلاثمائة، وفي الثالث أربعمائة، فإنه يزكي لكل عام ما حصل فيه. وضابط هذا أن يقول: إما أن يتساوى الحاصل في سنة الانفصال مع ما قبله أو لا، فإن استوى زكى الجميع كسنة الانفصال، إلا ما نقصه الزكاة. وأما إن لم يستو، فإما أن يكون الحاصل قبل سنة الانفصال في جميع السنين أكثر منه في سنة الانفصال أو أقل، أو كان الحاصل في بعضها أقل، وفي بعضها أكثر. فإن كان الحاصل قبلها أكثر زكى لجميع السنين كسنة الانفصال، وإن كان في غير سنة الانفصال أقل زكى لكل سنة ما حصل فيها. وقد تقدم تمثيلها.
وإن كان الحاصل في غير سنة الانفصال أقل أو أكثر، زكى الناقصة وما قبلها على حكمها، وزكى الزائدة على حكمها. مثاله: أن يكون في العام الأول خمسمائة، وفي الثاني مائتين، وفي الثالث أربعمائة، فإنه يزكي لعام الانفصال أربعمائة ثم مائتين للعامين الأولين.
стр. 740
وَفِي تَكْمِيلِ النِّصَابِ بِرِبْحِ الْعَامِلِ قَوْلانِ
التكميل لأشهب، وعدمه لابن القاسم بناء على أنه أجير أو شريك. ومثاله: لو أعطاه مائة وخمسين فصار مائتين.
وَالْمُدَارُ مُوَافِقاً لِحَالِ رَبِّهِ، وَفِي تَزْكِيَتِهِ كُلَّ حَوْلٍ أَوْ جَعْلِهِ كَغَيْرِ الْمُدَارِ قَوْلانِ
يعني: إذا كان العامل يدير في المال وكان رب المال يدير في بقية ماله، ففي تزكية كل حول قولان. أي: هل يقوم عروضه على حكم الإدارة ولا ينتظر المفاصلة- كما لو لم يكن قراضاً، وهو ظاهر المذهب- أو ينتظر المفاصلة؟ وعليه فحكى ابن بشير، وابن شاس في قصر الزكاة على سنة واحدة وإيجابها لما تقدم من السنين قولين، سببهما تشبيه بالدين، أو التفرقة بأن الدين لا نماء فيه وهذا ينمو لربه، وهذا أولى من قول ابن عبد السلام: أنه أراد بقوله: (أَوْ جَعْلِهِ كَغَيْرِ الْمُدَارِ) القول بوجوب الزكاة بعد المفاصلة لماضي الأعوام فقط.
تنبيه:
ما ذكرناه من الخلاف إنما هو إذا كان العامل حاضراً مع رب المال، وأما إن كان غائباً، فلا خلاف أنه لا يزكي حتى يرجع، مديراً كان أو غير مدير، قاله ابن رشد.
وَعَلَى تَزْكِيَتِهِ، فَفِي كَوْنِهِ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ قَوْلانِ
أي: وإذا قلنا بأنه يزكي كل عام ولا ينتظر المفاصلة، فاختلف من أين يؤدي الزكاة، هل من مال القراض أو من عند رب المال؟ ونسب اللخمي الثاني لابن حبيب، قال: وهو ظاهر قول مالك. لكن اللخمي إنما نقل ذلك في العرض، وأجرى في العين خلافاً. ولهذا قال ابن عبد السلام: ظاهر كلامه أن الخلاف منصوص، واللخمي إنما ذكره تخريجاً على الخلاف المعلوم في ماشية القراض وعبيد القراض في زكاة الفطر، وتبعه على ذلك ابن بشير. انتهى.
следующие страницы →