← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.

стр. 666

ولَوْ دُفِنَ فِي دَارٍ فَبِيعَتْ ولَمْ يُعْلَمْ فَالْخِيَارُ عَلَى الْمَنْصُوصِ، واعْتَرَضَهُ عَبْدُ الْحَقِّ بأَنَّهُ يَسِيرٌ فِي الْقِيمَة، وأُجِيبَ بأَنَّهُ لا تُمْكِنُ إِزَالَتُهُ ..... يعني: إذا لم يعلم المشتري بذلك فهو عيب يوجب الخيار في الرد أو التماسك. واعترض ذلك عبد الحق فقال: موضع الحفر يسيرٌ، والعيب اليسير في الدار لا يوجب الرد كما سيأتي. ورده ابن بشير بأن العيب إذا لم تمكن إزالته صار ضرره كثيراً. وفِي دَفْنِ السَّقْطِ فِي الْبُيُوتِ قَوْلانِ المشهور الكراهة في الدور، وأجازه في الواضحة. والقولان: في كونه عيباً، حكاهما ابن بشير. والمنصوص لمالك أنه ليس بعيب. فرع: ولا بد في القبر من حفرة تحرس الميت عن السباع، وتكتم رائحته. ابن حبيب: يستحب ألا يعمق القبر جداً، وأن يكون عمقه على قدر الذراع فقط. قال: وبلغني عن عمر بن عبد العزيز لما حضرته الوفاة، قال: احفروا لي، ولا تعمقوا، فإن خير الأرض أعلاها، وشرها أسفلها. وفي المبسوط عن مالك: لم يبلغني في عمق حفرة القبر شيء موقوف عليه، وأحب إلي أن تكون مقتصدة، لا عميقة جداً، ولا قريبة من أعلى الأرض. الباجي: ولعل ابن حبيب أراد بقوله: قدر الذراع الشقَّ الذي هو نفس اللحد، وأما نفس القبر فإنه يكون مثل ذلك وأكثر منه. ابن حبيب: ولا بأس أن يدخل قبره من ناحية القبلة، أو من ناحية الشرق، ومن ناحية القبلة أحب إلي؛ لأنه أمكن وأهيأ وأيسر على من تولاه. وفي المبسوط: لا بأس أن يدخل الميت في قبره من رأس القبر، أو رجليه، أو وسطه، ويضع الميت في قبره الرجال، فإن كانت امرأة يتولى ذلك زوجها من أسفلها، ومحارمها من أعلاها، فإن لم يكن فصالح المؤمنين، إلا أن يوجد من القواعد من له قوة على ذلك،

стр. 667

ولا مضرة عليهن فيه، ولا كشف عورة، فهي أولى به من الأجانب، وليستر عليها بثوب حتى توارى في لحدها، وليس لعدد من يلي ذلك حدٌّ، شفع أو وتر، ثم يوضع الميت على جنبه الأيمن مستقبل القبلة، ويمد يده اليمنى مع جسده، ويحل العقدة من عند رأسه ورجليه، ويعدل رأسه بالتراب لئلا يتصوب، وكذلك رجلاه بحيث لا ينكب ولا يستلقى، ويرفق به في ذلك كله كأنه حي. واستحب أشهب أن يقال عند وضعه في اللحد: بسم الله، وعلى ملة رسول الله ﷺ ، اللهم تقبله بأحسن قبول. قال: وإذا دعا له بغير ذلك فحسن. وإن تركه فواسع، ثم تنصب اللبن على فتح اللحد. وتسد الفرج بما يمنع من التراب. ابن حبيب: أفضل ما يسد به اللبن، ثم اللوح، ثم القراميد، ثم الآجر، ثم الحجارة، ثم القصب، ثم سن التراب خير من التابوت، ثم قال: يحثي كل من دنا حثيات. وروى سحنون أن ذلك غير مستحب، ثم يهال التراب عليه، ولا يرفع القبر إلا بقدر شبر، ولا يجصص، ولا يطين. وقال أشهب: ويسنم القبر أحب إلى، وإن رفع فلا بأس. قال محمد ابن مسلمة: لا بأس بذلك. قال: وقبور النبي ﷺ [١١٣/أ]، وأبي بكر وعمر ﵄ مسنمة. قال في التنبيهات: والمعروف من مذهبنا جواز تسنيمها، وهو صفة قبره ﷺ ، وقبور أصحابه، وهو المنصوص في الأمهات، ولم ينص فيها على خلاف ذلك. ولأشهب ما يدل على جواز تعظيم القبر والزيادة فيه على التسنيم. انتهى. وفي الجلاب: يسطح ولا يسند، ويرفع من القبر قليلاً بقدر ما يعرف. ولا يدفن في قبر واحد ميتان إلا لحاجة، ثم يرتبهم في اللحد إلى القبلة بالفضيلة كترتيبهم إلى الإمام في الصلاة، والقبر يحرم أن يمشي عليه إذا كان مسنماً والطريق دونه، فأما إذا عفا فواسع، ولا تنبش عظام الموتى عند حفر القبور ولا تزاح عن مواضعها، ومن وافى قبراً عند حفره فليرده، وليرد

стр. 668

عليه ترابه، ولا يزاد من قبر على قبر وليتق كسر شيء من عظامه، ولا ينبش القبر إلا إذا كان شيء من الكفن مغصوباً وشح فيه ربه أو نسي معه مالاً في القبر. ولو دفن بغير غسل أخرج إن كان قريباً، وقيل: لا يخرج. والتعزية: سنة؛ وهي الحمل على الصبر بوعد الأجر، والدعاء للميت والمصاب. وذكر ابن حبيب ألفاظ التعزية عن جماعة من السلف، ثم قال: والقول في ذلك واسع، إنما هو على قدر منطق الرجل، وما يحضره من ذلك القول. وقد استحسن أن يقال: أعظم الله أجرك على مصيبتك، وأحسن عزاك عنها، وعقباك منها خيراً وغفر لميتك ورحمه، وجعل ما خرج إليه خيراً مما خرج عنه. وتستحب تهيئة الطعام لأهل الميت ما لم يكن اجتماعهن لنياحة وشبهها، والبكاء جائز من غير نياحة وندب من غير جزع، وضرب خد، وشق ثوب، فذلك حرام، ولا يعذب الميت بنياحة أهله عليه إلا إذا كان أوصى ﴿وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. فرع: قال في البيان: ثبت أنه ﷺ صلى على سهيل ابن بيضاء في المسجد. وروى أبو داود أنه ﷺ قال: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له". فمنهم من أجاز الصلاة في المسجد وتأول: فلا شيء له بمعنى فلا شيء عليه، بمنزلة قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَسَاتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] وهو قول الشافعي وغيره، ومنهم من كره الصلاة فيه، ورأى أن ما جاء من الصلاة على سهيل أمر قد ترك، وأن حديث "لا شيء له" ناسخ له. قال في البيان: ولأنه متأخر. واستدل على ذلك بعمل الصحابة؛ وهو قول مالك في المدونة: ولا توضع الجنازة في المسجد، وإن وضعت قريباً لم يصل عليها من في المسجد، إلا أن يضيق خارج المسجد بأهله، وهو مذهب أبي حنيفة، ومنهم من كره أن يصلى على الجنازة في المسجد؛ وأجاز إذا وضعت الجنازة خارجه أن تمتد الصفوف بالناس

стр. 669

في المسجد، وإلى هذا ذهب ابن حبيب وعزاه لمالك، وقال: هو من رأيه لو صلى عليها في المسجد ما كان ضيقاً. قال في البيان: ولا فرق على المذهب في الكراهة بين أن يكون الميت فيه أو خارجاً عنه، وهو مذهب مالك في المدونة، وظاهر قوله ﵊: "من صلى على جنازة في المسجد فلا شيء له". إذ لم يفرق بين أن تكون الجنازة فيه أو خارجه. انتهى. ولأصحابنا في تعليل الكراهة مسلكان: أولهما: أنه خلاف العمل. ثانيهما: أنه مبني على نجاسة الميت. والله أعلم. ****

стр. 670

الزَّكَاةُ وَاجِبَةٌ. الْمُخْرَجُ مِنْهُ: الْعَيْنُ، وَالْحَرْثُ، وَالْمَاشِيَةُ لا شك في وجوبها، والذي تؤخذ منه الزكاة ثلاثة كما ذُكر. فَشَرْطُ الْعَيْنِ -غَيْرُ الْمَعْدِنِ وَالرِّكَازِ- أَنْ يَكُونَ نِصَاباً مَمْلُوكاً حَوْلاً كَامِلاً، مِلْكاً كَامِلاً غَيْرَ مَعجُوزٍ عَنْ إِنْمَائِهِ ... أي: شرط وجوب الزكاة (الْعَيْنِ). فأخرج المعدن من العين؛ لعدم شرط الحول فيه، وكذلك الركاز؛ لأنه في بعض صوره تؤخذ منه الزكاة، أي؛ فيما إذا وجد بنفقة أو كبير عمل. هكذا كان شيخنا -رحمه الله تعالى- يقول، وبه تعلم أن قول ابن عبد السلام: وأما الركاز فلا معنى للاحتراز منه، إلا لو كان اسم الزكاة ينطلق على ما يؤخذ منه ليس بظاهر. قوله: (نِصَاباً). يريد أو ما هو أصل له، كدينار وماحد بيع آخر الحول بمائتي درهم أو اشترى به سلعة فبيعت بذلك، واحترزنا بالمملوك من غير المملوك، كالمال المغصوب بالنسبة إلى الغاصب، والمودع والملتقط بالنسبة إلى الحافظ، وبالحول الكامل من بعضه، وبالملك الكامل من العبد، والمديان بالنسبة إلى العين، وغير معجوز عن إنمائه من العين المغصوبة بالنسبة إلى المغصوب منه، ومن المدفون والموروث إذا لم يعلم به على ما سيأتي. فَنِصَابُ الذَّهَبِ عِشْرُونَ دِينَاراً، وَالْوَرِقِ مِئَتَا دِرْهَمٍ بِالْوَزْنِ الأَوَّلِ هذا هو المعروف. وحكى الباجي وتبعه صاحب المقدمات عن ابن حبيب أن المعتبر وزن كل بلد، ولو كان أنقص من الوزن الأول. قال صاحب المقدمات [١١٣/ب] وغيره: وهو بعيد جداً. وأشار الباجي إلى مخالفته للإجماع. ورد المازري ما فهمه الباجي عن ابن حبيب، وقال: لا يحسن عندي أن يظن بابن حبيب ولا غيره هذا؛ لأنه يؤدي إلى وجوب الزكاة في الأرباع والأثمان إذا جرت مجرى المثاقيل. وقد ذكر ابن حبيب إِثرَ ما نقله الباجي عنه ما يؤخذ منه اعتبار الوزن الأول.

стр. 671

فَإِنْ نَقَصَتْ وَزْناً لا يَحُطُّهَا، فَالزَّكَاةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَثَالِثُهَا إِنْ كانَ يَسِيراً جِدّاً كَالْحَبَّةِ فَإِنْ حَطَّهَا فَلا زَكَاةَ ..... يعني: فإن نقصت العشرون أو المائتان فلا يخلوا؛ إما أن تنقص وزناً أو صفة، وعلى التقديرين فإما أن يحطها أولاً، وقد تكلم المصنف ﵀ على الأقسام الأربعة. ومعنى الحط: كونها لا تجوز بجواز الوازنة، وعدم الحط: عكسه. واختلف الأشياخ في معنى قول مالك: تجوز بجواز الوازنة، فقال ابن القصار، والأبهري: أن تكون وازنة في ميزان وناقصة في آخر. وقال عبد الوهاب: بل أراد بالنقص اليسير كالحبة والحبتين في جميع الموازين مما جرت العادة بالتسامح في مثله في اليباعات. الباجي: وهو الأظهري عندي وعليه جمهور أصحابنا؛ لأنه على الوجه الأول ليس ثَمَّ نقص. ويدل عليه ما في الموازية: إذا نقصت نقصاً بيناً فلا زكاة فيها إلا أن تجوز بجواز الوازنة. انتهى. ابن زرقون: ويظهر لي أن قول ابن القصار، والأبهري في الموازية، وقول عبد الوهاب في المعدودة فلا يكون اختلافاً. الباجي: وحمل العراقيون قول مالك: تجوز بجواز الوازنة، على الدنانير والدراهم الموزونة. قال: والأظهر عندي أن يكون ذلك في المعدودة كالفرادى. وتقدير كلام المصنف: فإن نقصت وزناً غير حاط، فالزكاة على المشهور اتفاقاً، إلا أن الأغراض تحصل فيها كما تحصل بالكاملة. والثاني: لا تجب. وهو قول ابن لبابة؛ لقوله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ". والثالث: إن كان غير الحاط يسيراً جداً فكالأول، وإلا فكالثاني، وهو لمالك في العتبية وغيرها.

стр. 672

وقوله: (فَإِنْ حَطَّهَا فَلا زَكَاةَ). أي: فإن كان النقص حاطاً لم تجب الزكاة، زاد ابن بشير: باتفاق. وحكى صاحب المقدمات في ذلك خلافاً، ولفظه: وأما إن لم تجز بجواز الوازنة، فلا تجب فيه الزكاة، قل النصاب أو كثر. وقيل: إن الزكاة تجب فيها إن كان النقصان يسيراً، وإن لم تجز بجواز الوازنة. انتهى. وهذا إذا كان التعامل بالوزن، وأما إذا كان التعامل بالعدد، فقال ابن بشير: لا يخلو أن ينتقص في العدد أو في الوزن، فإن نقصت في العدد، فلا خلاف في سقوطها، وإن نقصت في الوزن –بأن لم تجز بجواز الوازنة- فلا خلاف في سقوط الزكاة. وإن جازت؛ فثلاثة أقوال: أ؛ دها: أنها تجب فيها الزكاة، وهو ظاهر الموطأ. والثاني: أنها لا تجب فيها الزكاة، قاله ابن لبابة. والثالث لسحنون: الفرق بين أن يكون النقصان يسيراً لا تتفق عليه الموازين، أو كثيراً تتفق عليه الموازين، ونحوه لابن رشد. وحكى صاحب اللباب وغيره عن محمد بن مسلمة أنه قال: إذا نقص نصاب الوزن ثلاثة دراهم ففيه الزكاة. فَإِنْ نَقَصَتْ صِفَةً بِغِشِّ أَصْلِيِّ أَوْ مُضَافٍ لا يَحُطَّهَا كَالْمُرَابطِةِ فَكَالْخَالِصَةِ يعني: فإن لم تنقص وزناً بل نقصت صفة بسبب غش من أصل المعدن، أو مضاف لا يحظها، فإن جرى أمر الناس على ترك مراعاته. قال المصنف وغيره: كالدنانير المرابطية، وكذلك قال ابن بشير. وقوله: (فَكَالْخَالِصَةِ). أي: فحكمها حكم الخالصة. والأحسن لو قال: نقصت صفة برداءة في الأصل؛ لأن الغش حقيقة إنما يستعمل فيما كان من فعل الآدمي لا فيما كان من أصل الخلقة، وكأنه –والله أعلم- أطلقه مجازاً. تنبيه: ما ذكره المصنف في الغش المضاف نص عليه غير واحد. وأما ما ذكره في الغش الأصلي فأصله للباجي، وذكر أنه لم ير فيه نصاً. قال: وعندي أنه إذا كان فيه من النحاس

стр. 673

أو غيره المقدار اليسير الذي جرت عادة الناس به في دنانيرهم ودراهمهم الطيبة الموصوفة بالخالصة، أنه لا اعتبار به وإن أمكن تخليصه واستخراجه. فَإِنْ حَطَّهَا، فَالْمَشْهُوُ يُحْسَبُ الْخَالِصُ، وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الأَكْثَرُ يعني: فإن حطها ذلك النقص، اعتبر الخالص منها خاصة وصار النقص كأنه في القدر، وهذا هو المشهور، وسواء كان مساوياً أو أقل أو أكثر، وعليه فيعتبر ما فيها من النحاس اعتبار العروض، قاله اللخمي؛ لقوله ﷺ : "لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسِ أَوَاقٍ مِنَ الْوَرِقِ صَدَقَةٌ". خرجه مسلم. والقول باعتبار [١١٤/أ] الأكثر لابن الفخار، وعليه فتجب الزكاة في مائتين من فضة مصر؛ لأن فضتها أكثر لا فضة الإسكندرية. نعم يعتبر خالصها؛ هكذا صرح به الباجي وغيره ممن يوثق بنقله. أما الكثرة فتعتبر في جانب الوجوب لا السقوط. وكلام ابن بشير يوهم اعتبار الأكثر في جانب السقوط على هذا القول، وأنه لا تجب عليه الزكاة في مثل فضة الإسكندرية وإن كثرت، وليس بجيد. وقوله: (فَإِنْ حَطَّهَا). ظاهره النقص المضاف والأصلي وهو منقول في المضاف كما ذكر، والحق الباجي به الغش الأصلي، وتعقبه سند، فقال: الغش من أصل المعدن كالتبع. فَإِنْ كَانَتْ سَكَّةً أَوْ جَوْدَةٌ إِنْ تُصُوِّرَتْ تَجْبُرُ النَّقْصَ لَمْ تُعْتَبَرِ اتِّفَاقاً كما لو كانت عنده مائة وتسعون وسكتها أو جودتها تساوي مائتين، فإن تلك الجودة والسكة غير معتبرة اتفاقاً، وإنما ينظر إلى الوزن الحاصل بجودته وسكته، وكان هنا تامة، ومعنى (تُصُوِّرَتُ). أي: وجدت. وفاعل تصورت ضمير يعود على أحدهما لا على التعيين. أي: إن تصورت إحداهما. ورأى بعضهم عوده على الجودة فقط؛ لأن السكة موجودة، ولا يقال في الموجود إن وجد، بخلاف الجودة فإنها خفية، ورأيت من شيخنا ميلاً إليه وفيه نظر؛ لأن كلاً من السكة والجودة حاصل. فإن قلت: على هذا في قوله: إن

стр. 674

تصورت نظر؛ لأن الأصل في أن عدم الجزم بوقوع الشرط وهما حاصلان. قيل: لما قال المصنف: تجبر النقص اندفع هذا؛ لأن كون السكة أو الجودة جائزة ليس محقق. والله أعلم. وَما حَكَاهُ الْغَزَالِيُّ مِنْ مائة وخَمْسِينَ تُسَاوِي مِائَتَيْنِ قِرَاضَةً لا نَعْرِفُهُ هذا جواب عن سؤال مقدر توجيهه أن يقال: حكايتك الاتفاق ليس بصحيح؛ لأن الغزالي حكى عن مالك أنه إذا كان نقد البلد قراضة ومعه مائة وخمسون تساوي مائتين قراضة وجوب الزكاة. فأجاب عنه بأن ما حكاه لا يعرفه أهل المذهب، ولا يقال من حفظ مقدم؛ لأنا نقول أهل كل مذهب أقعد بمذهبهم إثباتاً ونفياً، إطلاقاً وتقييداً، ومن تأمل ما يحكيه أهل المذهب بعضهم عن بعض وجد الغلط كثيراً. وَفِي الصِّيَاغَةِ الْجَائِزَةِ قَوْلانِ يعني: أنه اختلف هل تلغى الصياغة فلا يعتبر إلا وزن المصوغ وهو المشهور، أو يعتبر المصوغ اعتبار العين، وتعتبر الصياغة اعتبار العرض، قولان. وعلى الأول فلا تفريغ، وعلى الثاني فيظهر أثره في المدين والمحتكر. وَالْحَرَامُ مُلْغَاةً اتِّفَاقاً لأن أخذ الزكاة عنها إقرار لها وهي لا تقر. وَعَلَى المشهورِ الْمَنْصُوصِ كَالْعَرْضِ، وَخُرِّجَ التَّكْميلُ عَلَى الْحُلِيِّ بأَحْجَارٍ لا تتخَلْصُ لهذه المسألة صورتان: إحداهما: ألا يكون المصوغ نصاباً، لكنه بقيمة الصياغة يكمل النصاب، فهذه لا يكمل بها اتفاقاً؛ وهو معنى قوله: (كَالْعَرْضِ). أي لا يكمل بها كما لا يكمل بالعرض، ويقع بعد هذا في بعض النسخ: ولا يكمل بها كالجودة، وهي تكرار؛ لأن ذلك معلوم من التشبيه بالعرض، وفي بعض النسخ: المنصوص كالجودة، وهي كالأولى.

стр. 675

الصورة الثانية: أن يكون المصوغ نصاباً فأكثر، كما لو كان زنة المصوغ ألفاً وقيمة الصياغة مائتين فهذه محل الخلاف. ومقابل المنصوص ما أشار إليه بقوله: (وَخُرِّجَ التَّكْمِيلُ). أي: خرج قول في الصورة الأولى بالتكميل من القول: بأن الحكم للأكثر من مسألة الحلي المزكى المنظوم بالجوهر وسيأتي. وهذا التخريج لابن بشير. ووجهه أن يقال: كما كمل بالعرض في مسألة الحلي فكذلك يكمل بالصياغة؛ لأنها جعلت كالعرض على أحد القولين، وهذا التخريج إنما يتم لو اتحد القائل؛ لجواز أن يكون من قال: بأن العرض يكمل به، لا يرى الصياغة كالعرض. وَيُكَمَّلُ أَحَدُ النَّقْدَيْنِ بالآخَرِ بالْجُزْء لا بالْقَيمَةِ اتِّفاقاً النقدان: الذهب والقضة. وقوله: (بالْجُزْء) أي بأن يجعل كل دينار بعشرة دراهم، ولو كانت قيمته أضعافاً، كما لو كانت عنده مائة درهم وعشرة دنانير، أو مائة وخمسون وخمسة دنانير. (لا بالْقَيمَةِ) كما لو كان عنده مائة وثمانون ودينار يساوي عشرين. وحكي عن ابن لبابة أن الذهب والفضة لا يجمعان في الزكاة، وعلى هذا فالاتفاق راجع إلى قوله: (لا بالقيمة). وخالفنا الشافعي في الجزء الأول فنفى الضم، وأبو حنيفة في الثاني فضم القيمة [١١٤/ب]. فائدة: الدنانير خمسة: دينار الجزية، ودينار الزكاة، كل منهما عشرة ويعبر عنهما بديناري الزاي، ودينار النكاح، والدية، والسرقة، كل منهم اثني عشر ويعبر عنهم بدينار الدم. وَالْحُلِيُّ الْجَائِزُ إِنِ اتُخِّذَ لِلِّبَاسِ، فَلا زَكَاةَ وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ الحلي إن اتخذ للباس لمن يجوز له لبسه، فإن ذلك يلحقه بعرض القنية فليس فيه زكاة. قال في الجواهر: وإن كان على قصد استعمال محظور، كما لو قصد الرجل بالسوار أو الحلي

стр. 676

أن يلبسه، أو قصدت المرأة ذلك في السيف، لم تسقط الزكاة؛ لأن المحظور شرعاً كالمعدوم حساً. انتهى. وقوله: (وَإِنْ كَانَ لِرَجُلٍ) مبالغة. أي: وإن كان الحلي مملوكاً لرجل وأعطاه لنسائه أو إمائه يلبسنه. وعارض الأبهري هذه المسألة بإيجاب الزكاة في النعم وإن لم تكن سائمة، ورأى أن الاتخاذ للاستعمال إن كان كافياً في إخراج ما أصله الزكاة إلى ما لا زكاة فيه وإلحاقه بالعرض، لم تجب فيه. وفرق بأن النعم تنمو بنفسها وإن لم تكن سائمة، بخلاف العين فإنه لا نماء فيها مع القنية. وظاهر المذهب سقوط الزكاة في الحلي الجائز ولو تكسر. واشترط بعض المتأخرين في هذا أن يكون التكسير لم يبلغ به إلى حد التهشم، وأما إن بلغ ذلك فهو كالتبر، وهو تأويل ابن يونس على المدونة. وَإِنِ اتُّخِذَ لِلتِّجَارَةِ أَوْ كَانَ حَرَاماً فَالزَّكَاةُ كُلَّ عَامٍ كَالنَّقْدِ هذا لا خلاف فيه عندنا بوجوب الزكاة؛ لأن المانع من تعلق الزكاة كونه غير معد للنماء، وأما إن اتخذ للتجارة فهو معد للنماء، وذلك لأن جوهريته تقتضي وجوب الزكاة ما لم يعرض لاستعمال المباح؛ لشبهه إذ ذاك بعروض القنية. وقوله: (أَوْ كَانَ حَرَاماً) اسم كان عائد على الحلي. وَإِنِ اتُّخِذَ لِلْكِرَاء أَوْ لِصَدَاقٍ أَوْ لِعَاقِبَةٍ، فَثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ لا يُزَكَّى مَا لِلْكِرَاء ما ذكره المصنف هنا هو من أقسام القنية، ومعنى كلامه: أن الحلي الجائز إن اتخذ لأن يكرى، أو لأن يصدقه لامرأة يريد أن يتزوجها، وألحق به أن يشتريه لابنته إن تزايدت له، أو أمة يشتريها للتسري أو للإعارة، أو العاقبة، أي: يتخذ لحاجة إن عرضت. وأكثرهم لا يجعل في هذا القسم خلافاً في وجوب الزكاة؛ منهم ابن يونس، وابن شاس.

стр. 677

وجعله المصنف وابن بشير من محل الخلاف. وحكى المصنف ثلاثة أقوال: سقوط الزكاة، ووجوبها، والفرق بين ما اتخذ للكراء فتسقط، وبين غيره فتجب وهو المشهور، وهو مذهب المدونة. والباجي يرى أن الخلاف في الكراء إنما هو إذا اتخذه لذلك من لا يجوز له لبسه، كما إذا اتخذ الرجل حلي النساء للكراء، أو اتخذت المرأة السيوف ونحوها للكراء. وأما إن اتخذت المرأة حلي النساء، فلا يدخله خلاف في سقوط الزكاة. خليل: ولو قيل بعكس المشهور ما بعُد؛ لأن الكراء ضرب من التجارة. فرع: ذكر ابن حبيب خلافاً في المرأة إذا كان لها حلي تلبسه ثم لم تبق تلبسه، واختار هو الوجوب احتياطاً. وَإِذَا نَوَى بِحُلِيٍّ الِْنْيَةِ أَوِ الْمِيَراثِ التِّجَارَة، فَالمْشَهُورُ انْتِقَالُهَا بِخِلافِ الْعُرُوضِ لما كانت النية سبباً ضعيفاً ناسب أن تنقل إلى الأصل ولا تنقل عنه، فلذلك إذا كان عنده حلي قنية ونوى به التجارة ينتقل؛ لأن الأصل في الحلي وجوب الزكاة، إذ جوهريته تقتضي وجوب ذلك. ومقابل المشهور يرى أن النية لا تنقله كالعرض، فلا زكاة فيه إلا بعد حول من يوم قبض ثمنه، بناءً على أن نية القنية تأصل القنية في الحلي. ولا فرق في حلي القنية بين أن يكون حصل بعوض أو غيره، كما لو وهب له أو ورثه، ولعل هذا- والله أعلم- هو الذي لأجله عطف المصنف الميراث على القنية، وإلا فهو أحد أفراد القنية، وعلى هذا فهو من باب عطف الخاص على العام، وينبغي على هذا أنه إذا اشترى الحلي بنية التجارة ثم نوى به القنية، أن النية لا تؤثر؛ لكونها ناقلة عن الأصل. وقوله: (بِخِلافِ الْعُرُوضِ) أي: فإنها إذا كانت للقنية ونوى بها التجارة، فإنها لا تنتقل؛ لأن الأصل فيها عدم الزكاة والنية لا تنقل عن الأصل.

стр. 678

وَالْمَصُوغُ الْجَائِزُ حُلِيُّ النِّسَاء وَمَا فِي مَعْنَاهُ، كَالأَزْرَارِ وَحِلْيَةِ الْمُصْحَفِ مُطلْقَاً لما ذكر أولاً أن الحكم مفترق بسبب الصياغة الجائزة وغيرها أخذ يبين ذلك وكلامه ظاهر. وقوله: (مُطلْقَاً) أي: بالذهب والفضة. وحكى ابن رشد عن ابن عبد الحكم كراهية تحليته بالذهب. فرع: وأما تحلية الكعبة والمساجد بالقناديل وعلائقها، والصفائح على الأبواب [١١٥/أ] والجدار وما أشبه ذلك بالذهب والورق. فقال ابن شعبان: يزكيه الإمام لكل عام كالمحبس الموقوف من الأنعام، والموقوف من المال العين للقرض. قال: وأعرف في المال لإصلاح المساجد، والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافاً بين المتأخرين في زكاة ذلك. قال: والصواب في ذلك عندي ألا زكاة في شيء موقوف على من لا عبادة عليه من مسجد وغيره. والله أعلم. انتهى. وروي في الجواهر عن ابن شعبان: يزكيه الإمام لكل عام كالمحبس الموقوف من الأنعام، والموقوف من المال العين للقرض. قال: وأعرف في المال لإصلاح المساجد، والغلات المحبسة في مثل هذا اختلافاً بين المتأخرين في زكاة ذلك. قال: والصواب في ذلك عندي ألا زكاة في شيء موقوف على من لا عبادة عليه من مسجد وغيره. والله أعلم. انتهى. وروي في الجواهر عن ابن شعبان: وما جعل في ثياب الرجال، وفي الجدار من تثبيت الورق، فإن كان يمكن أن يخرج منه قدر يفضل عن أجرة عامله، زُكي إن كان فيه نصاب أو كمل به النصاب، ذهباً كان أو ورقاً. وحلية غير المصحب من الكتب لا تجوز أصلاً. انتهى. وَالْخَاتَمُ الْفِضَّةُ لا الذَّهَبُ لِلرِّجَالِ ظاهر التصور. وَحِلْيَةُ السَّيْفِ الْفِضَّة، وَفِي الذّهَبِ قَوْلانِ تجوز حلية السيف اتصلت بالنصل كالقبضة أم لا كالغمد، والمشهور في الذهب الجواز، حكاه سند والتلمساني.

стр. 679

وَفِي حِلْيَةِ بَاقِي آلَةِ الْحَرْبِ. ثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِيمَأ يُطَاعَنُ بِهِ وَيُضَارَبُ، لا فِيمَا يُتَّقَى بِهِ وَيُتَحَرزُ .... يعني: أنه اختلف في جواز تحلية ما عدا السيف من آلة الحرب على ثلاثة أقوال: الجواز، وهو لابن وهب قياساً على السيف بجامع الإرهاب. والمنع، وهو المشهور. والثالث: لابن حبيب. قال ابن شاس: وقال ابن حبيب: لا بأس باتخاذ المنطقة المفضضة والأسلحة كلها، ومنع ذلك في السرج واللجام والمهاميز وما يتقى به ويتحرز. انتهى. ويقع في بعض النسخ عوض قوله: (وَيُتَحَرزُ) يتحزم. وهي وإن كانت أولى لعدم التكرار بخلاف الأولى، فإن ما يتقى به يتحرز به؛ لكنها غير موافقة للنقل فتعين النسخة الأولى. (وما يطاعن به) الرمح وما في معناه. (وَيُضَارَبُ) الدبوس ونحوه. وَالْحَرَامُ مَا عَدَاهُ مِنْ حُلِيِّ الرِّجَالِ والأَوَانِي أي: ما عدا المذكور. تنبيه: أجاز علماؤنا لمن قطع أنفه أن يتخذه من ذهب وغيره، وأن يربط أسنانه بخيوط الذهب. قال اللخمي: ويختلف في زكاة حلي الصبيان، فقال ابن شعبان: فيه الزكاة. قال: والظاهر من قول مالك أنه لا زكاة فيه؛ لأنه قال: لا بأس أن يحرموا وعليهم الأسورة. قال: وإذا جاز لهم لباسه لم يكن فيه زكاة. وعلى هذا فقول المصنف: (وَالْحَرَامُ مَا عَدَاهُ) ليس كما ينبغي، وفهم عياض المدونة على منع تحلية الصبيان، وسيأتي كلامه في الحج إن شاء الله تعالى. وأخرج ابن راشد حلي الصبيان من قول المصنف (حُلِيِّ الرِّجَالِ) فقال: واحترز بالرجال عن الصبيان.

стр. 680

والْحُلِيُّ الْمُزَكَّى مَنْظُوماً بِالْجَوْهَرِ إِنْ أَمْكَنَ نَزْعُهُ بِغَيْرِ ضَرَرٍ، فَالْحُلِيُّ نَقْدٌ والْجَوْهَرُ عَرْضٌ .... لما قدم الكلام على الحلي بانفراده تكلم هنا عليه إذا اختلط بشيء من الجواهر. ومعنى كلامه أن لهذه المسألة صورتين: إحداهما: أن يمكن نزعه بغير ضرر. والثانية: أن لا يمكن إلا بضرر. فالأول يزكى النقد كل عام، والجوهر يزكى زكاة العروض من إدارة واحتكار، وهو معنى قوله: (فَالْحُلِيُّ نَقْدٌ والْجَوْهَرُ عَرْضٌ) و (مَنْظُوماً) حال من الضمير في المزكى، لا ما قاله ابن راشد: أنه خبر كان تقديره: والحلي المزكى إن كان منظوماً. وإِلا فَثَلاثَةٌ كَالْعَرَضِ، ويُتَحَرَّى ويُرَاعَى الأَكْثَرُ هذه هي الصورة الثانية. أي: وإن لم يكن نزعه إلا بضرر، وهو إما فساد أو خسارة أجرة على ذلك، ففي المسألة ثلاثة أقوال: الأول: أن الحلي كالعرض سواء كان وزنه أكثر من قيمة الجوهر أو لا، وهو مذهب العتبية والموازية؛ لأنه لما خالطه الجوهر وهو عرض ولم يمكن نزعه أعطي حكمه، وعلى هذا فيقومه المدين كل عام، ويزكيه المحتكر لعام بعد البيع. القول الثاني: أنه يتحرى ما فيه ويزكيه، والجوهر على حكمه، وهو مذهب المدون. قال في البيان: ولم يختلف قول مالك في رواية ابن القاسم: أنه يتحرى في الحلي المنظوم بالجوهر، ورواه أيضاً ابن وهب. والثالث: أن الأقل منهما يعطى حكم الأكثر. ابن راشد: ولم أره معزواً. وحكاه صاحب اللباب، فقال: وقيل في هذا الأصل يراعى الأكثر، فإن كان الذهب والفضة الأكثر زكى جميع ذلك، وإن كان اللؤلؤ والزبرجد الأكثر لم يزك، وهذا القول رواية لابن القاسم منصوصاً في السيف والمصحف، والباب واحد، وروي عن مالك. انتهى.

стр. 681

خليل: ونقله أبو الحسن الصغير عن مالك في مسألة الحلي المنظوم من رواية ابن عبد الحكم، وحكاه أيضاً المازري رواية، وعليه فلو كان وزن الحلي مثلاً مائة وخمسين وقيمة [١١٥/ب] الجوهر خمسين زكى، ولو كان بالعكس سقطت وصار حكمه كسائر العروض، والأولان يعمان جميع صور المسألة بخلاف الثالث، إذ قد يكونان متساويين، وهذا القول الثالث: هو الذي خرج منه في مسألة الصياغة. والْحَوْلُ شَرْطٌ إِلا فِي الْمَعَادِنِ والْمُعَشَّرَاتِ لما قدم الكلام على ما يتعلق بقوله نصاباً أتبعه بالكلام على الحول، أي الحول شرط في وجوب الزكاة إلا في شيئين: المعدن، والزرع؛ لأن الله سبحانه أوجب فيه الزكاة يوم الحصاد، وزمان الزراعة إلى يوم الحصاد يتنزل منزلة الحول. والمعدن ملحق بالزرع؛ لأنهما معاً خارجان من الأرض. قوله: (والْمُعَشَّرَاتِ) أي: ماله تعلق بالعشر، أي سواء كان فيه العشر أو نصفه. وَلوْ ضَاعَ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ وَلَمْ يُمْكِنِ الأَدَاءُ، فَقَوْلانِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُمْ كَالشُّرَكَاء أولاً، وَلِذَلك قَالَ: الْمُوجَبُ برُبُعِ عُشْرِ الْبَاقِي ..... لا شك إذا تلف النصاب أو جزؤه قبل الحول ولو بيوم في سقوط الزكاة. وكذلك إن تلف النصاب بعد الحول وقبل الإمكان. واختلف إذا تلف بعضه، وإليه أشار بقوله: (وَلوْ ضَاعَ جُزْءٌ مِنَ النِّصَابِ). وقوله: (وَلَمْ يُمْكِنِ الأَدَاءُ) كما لو تعذر الوصول إلى المال بسبب من الأسباب. والمشهور: السقوط. وأوجبها ابن الجهم. ومنشأ الخلاف: هل الفقراء شركاء في النصاب بربع العشر أو ليسوا كذلك؟ وإنما المقصود إرفاقهم بشرط النصاب، ألا ترى أنه يجوز دفع العشر من غير النصاب ولا حق لهم في عين المال بخلاف الشركاء؛ ولذلك أدخل المصنف كاف التشبيه على الشركاء.

стр. 682

قوله: (وَلِذَلِكَ) أي: ولأجل أنهم كالشركاء. قال: من أوجب الزكاة في الباقي، قال: إنما يجب ربع عشر الباقي تحقيقاً للشركة. فالباء في (برُبُعِ) تتعلق بـ (قَالَ). وقال ابن راشد: هي تتعلق بمحذوف تقديره: ولذلك قال الموجب هم شركاء بربع عشر الباقي. وفي كلامه فائدة أخرى وهي: دفع وهم من يتوهم على الشاذ وجوب زكاة جميع النصاب. فَلَوْ أَخْرَجَهَا عِنْدَ مَحِلِّهَا فَضَاعَتْ لَمْ يَضْمَنْ يعني: ولو أخرج الزكاة بأن عزلها عند حولها فضاعت من غير تفريط لم يضمن. واحترز بقوله: (عِنْدَ مَحِلِّهَا) مما لو أخرجها قبله بيوم أو بيومين وفي الوقت الذي لو أخرجها فيه لأجزأته، وأما لو أخرجها بعد محلها وقد كان فرط في تأخيرها فإنه يضمن. قال في المدونة: ولو كان قد أخرجها بعد إبانها وقد كان فرط فيها فضاعت قبل أن ينفذها بغير تفريط، كان ضامناً لها. وزعم ابن راشد أن المشهور إذا ضاعت بغير تفريط لا شيء عليه، سواء أخرجها عند محلها أو بعده، وفيه نظر؛ لمخالفته للمدونة. وَيَجِبُ إِنْفَاذُهَا وَإِنْ ضَاعَ الأَصْلُ أي: إذا أخرجها بعد محلها ولم يفرط، فتارة تضيع الزكاة وهو في الفرع الذي قبل هذا، وتارة يضيع المزكي وهو هذا، فيجب عليه دفع الزكاة. أَمَّا لَوْ أَخْرَجَهَا بَعْدَ مَحِلِّهَا مُفَرِّطاً فَضَاعَتْ ضَمِنَ لا إشكال في الضمان مع التفريط، وإذا ضمن بالتفريط بعد المحل فلأن يضمن إذا فرط قبله من باب أولى.

стр. 683

وَنَمَاءُ النَّقْدِ رِبْحٌ، وفَائِدةٌ وغَلَّةً ووقع في نسخة ابن عبد السلام: ونماء المال؛ لأنه قال: إنما أضاف النماء إلى المال وهو أعم من العين، مع أن كلامه في زكاة العين؛ لأن الغلة لا تدخل تحت نماء العين، وإن دخل بعض أنواعها لم يدخل جميع أنواعها، كغلة الرقيق والدواب وغير ذلك. قال: ثم جعل النماء جنساً لهذه الأنواع الثلاثة يوجب كونها غير جامعة؛ لأنها تدخل تحتها الفوائد التي يملكها الإنسان ابتداء؛ لأنها ليست نماء. انتهى. خليل: وقد يقال: إن النسخة التي قدمناها في متن كلام المصنف أرجح؛ لأن نسخة نماء النقد يرد عليها عدم دخول بعض الغلات وعدم دخول بعض الفوائد؛ أعني الفوائد المملوكة ابتداء كالموهوبة أو الموروثة، ونسخة نماء المال يرد عليها عدم دخول بعض الفوائد وعدم مساعدة السياق لها، فقد حصل في كل منهما اعتراضان ولا ترجيح. ولكن يرد على نسخة نماء المال نتاج الماشية، ولا يرد على نماء النقد؛ لأنه يؤخذ من كلام المصنف أن النتاج ليس واحداً من الثلاثة؛ لأنه شبه الربح به فلا يكون ربحاً، ولو كان فائدة أو غلة لاستقبل به وليس كذلك، ووجه حصر نماء النقد في الثلاثة الاستقراء؛ لأنَّا استقرأناه فوجدناه منحصراً فيها. وقال ابن عبد السلام: النماء: الزيادة، ثم لا يخلو إما أن يكون من جنس الأصل الذي يكثر به أو لا. الثاني: الغلة، والأول لا يخلو إما أن يلزم من طريانه وحدوثه تغير الأصل أو لا. والأول الربح، والثاني الفائدة، وفيه نظر؛ إذ يرد عليه ما أورده على [١١٦/أ] المصنف، فإن قوله: إما أن يكون من جنس الأصل. لا يصدق على الفوائد التي يملكها الإنسان ابتداء، وتقديره النماء بالزيادة حسن، فإنه يندفع به ما قاله ابن راشد. الظاهر أنه أراد بالنماء، النماء الذي هو نقده، فأضاف الشيء إلى نفسه لاختلاف اللفظ كمسجد الجامع. انتهى.

стр. 684

فَالرِّبْحُ يُزَكَّى لِحَوْلِ الأَصْلِ عَلَى الْمَعْرُوفِ كَالنَّتَاجِ لا كَالْفَوَائِدِ. وَرُويَ فِي مَسْأَلَةٍ مَا لَوْ أَخَّرَ خَاصَّةً كَالْفَوَائِدِ، وَقِيلَ: كَالأَصْلِ بَعْدَ الشِّرَاءِ لاَ قَبْلَهُ. يعني: أن الأرباح تزكى لحول أصلها، كان أصلها نصاباً أو لا؟ كما لو كان عنده دينار أقام عنده أحد عشر شهراً، ثم اشترى به سلعة باعها بعد شهر بعشرين، فإنه يزكي الآن، وهذا هو المعروف. وقوله: (كَالنَّتَاجِ) تشبيه إما لإفادة الحكم، وإما للاستدلال. وقوله: (لا كَالْفَوَائِدِ) أي فلا يستقبل. وقوله: (وَرُويَ) هو مقابل للمعروف، يعني أن ابن عبد الحكم روى عن مالك: فيمن كان عنده عشرون فحال حولها فلم يزكها حتى اشترى بها سلعة فباعها بعد حول آخر بأربعين، أنه يزكي العشرين للعامين ويستقبل بالريح، وهو تسعة عشر ونصف، وعلى المشهور يزكي عن أربعين بعد أن يزكي العشرين الأولى إن كان عنده عرض يساوي نصف دينار فأكثر، وإلا زكى عن تسعة وثلاثين ونصف. وجعل المصنف الشاذ غير المعروف؛ لأن ابن المواز وسحنون أنكراه وقالا: ليس ذلك بقول مالك ولا أصحابه. ابن راشد: وعجبت من إنكار ذلك، وقد قال ابن حبيب: اختلف في ذلك قول مالك. وحكى صاحب اللباب عن أشهب وابن عبد الحكم أنهما حكيا ذلك عن مالك ولم يخصاه بمسألة التأخير. انتهى. وقوله: (كَالأَصْلِ) يعني أن في المسألة قولاً ثالثاً، وهو أن يضم إلى أصله من يوم الشراء لا من يوم ملك؛ لأنه حصل بسبب الشراء فلا يضاف لما قبل ذلك.

стр. 685

وَعَلَى الْمَشْهُورَ فِي تَقْديرِهِ مَوْجُوداً مَعَ مَالٍ أُنْفِقَ بَعْدَ أَنْ حِالَ حَوْلُه مَعَ أَصْلِهُ حِينَ الشِّرَاءِ، أَوْ حِينَ الحصول، أَوْ حِينَ الْحَوْلِ، ثَلاثَةٌ لابْنِ الْقَاسِمِ، وَأَشْهَبَ، والمغيرةِ، كَذِي عَشَرَةٍ حالَ عَلَيهَا الْحَوْلِ، فَأَنْفَقَ خَمْسَةً ثَمَّ اشْتَرَى مَا بَاعَهُ بِخَمْسَةَ عَشَرَ ....... يعني: وعلى المعروف من أن الربح يضم إلى أصله، اختلف في تقدير الربح موجوداً مع مال أنفق بعد أن حال حول المال المنفق مع أصل الربح على ثلاثة أقوال. وقوله: (كَذِي عُشُرَةٍ ....) إلخ. أي: كصاحب عشرة حال عليها الحول، فأنفق خمسة ثم اشترى سلعة باعها بخمسة عشر، أو اشترى قبل الإنفاق. فذهب المغيرة إلى وجوب الزكاة في الوجهين؛ لأنه يقدر وجود الربح مع المنفق حين الحول فيزكى؛ لأنا إن قدرنا عشرة الربح موجودة حين الحول كان مالكاً للعشرين. وقال أشهب بسقوطها في الوجهين؛ لأنه يقدر وجود الربح حين حصوله، وهذا إذ ذاك لم يحصل بيده إلا خمسة عشر. وقال ابن القاسم بسقوطها في الوجه الأول ووجوبها في الثاني؛ لأنه يقدر وجود الربح حين الشراء، فإذا تقدم الإنفاق على الشراء لم يكن معه عشرون بخلاف العكس. وقول ابن عبد السلام: وهذا البناء ليس بسديد؛ لأن المعروف أن نماء الأرباح على أصلها من غير نظر إلى يوم الشراء، فكيف يبنى عليه القول بعدم الضم، والقول بالضم من يوم الشراء فقط ليس بظاهر؛ لأن هنا مسألتان؛ إحداهما: ضم الأرباح إلى أصولها. والثانية: ضم الأرباح إلى ما أنفق بعد أن حال حوله مع أصله. فالمعروف إنما هو في الأولى دون الثانية، ألا ترى أنه لو باع بعشرين لاتفق ابن القاسم وأشهب والمغيرة على الزكاة.

стр. 686

وحاصل كلام المصنف: أن القائلين بأن الأرباح مضمومة إلى أصولها اختلفوا في ضم الربح وأصله إلى مال حال حوله مع الأصل، ولا منافاة في هذا الكلام، فإذاً كلام المصنف صحيح وبناؤه سديد، هكذا كان شيخنا رحمه الله تعالى يجيب. وقد ذكر الباجي هذه المسألة بعينها وذكر فيها الأقوال الثلاثة ووجه الأقال بما ذكره المصنف، فيسقط الاعتراض المذكور بالكلية، واعترض عليه ابن راشد في قوله: ثم اشترى؛ إذ لا تتأتى الثلاثة معها. قال: وإنما كان ينبغي أ، يقول: فلو اشترى وأنفق؛ لكون الواو لا تقتضي الترتيب. وَفِي رِبْحِ سَلَفِ مَا لاَ عِوَضَ لَهُ عِنْدَه. ثَالِثُهَا: إِنْ نَقَدَ شَيئَا مِنْ مَالِهِ مَعَه فَمِنَ الشِّرَاءِ وَإلّا اِسْتَقْبَلَ ..... صورة المسألة: رجل تسلف عشرين ديناراً، فاشترى بها سلعة أقامت حولاً ثم باعها بأربعين، ولم يكن عنده عوض للعشرين المتسلفة [١١٦/ب]. والاتفاق أنه لا زكاة عليه في العشرين؛ لأنها عليه دين. واختلف في زكاة الربح، فقال ابن القاسم: يزكي. ورواه أشهب وعلي عن مالك، وسحنون عن ابن نافع؛ لأنه مالكٌ الأربعين عليه منها عشرون، وقال المغيرة: لا زكاة عليه فيها؛ لأنه إذا أسقطت الزكاة على أصل المال الذي أسند الربح إليه، فالربح أحرى. وقال مطرف: إن نقد من ماله فيها ديناراً أو أقل، لم يختلف قول مالك أنه يزكي الربح، وتغلب الزكاة حينئذٍ، وإن لم ينقد شيئاً فكالقول الثاني. وفِي رِبْحِ الْمُشْتَرَى بدَيْنِ يَمْلِكُ مِثلَهُ وَلَمْ يُنقّدْهُ ثَلاثَةٌ: الأَصْلُ، والشِّرَاءُ، وَالاسْتِقْبَالُ كما لو كان عنده عشرون ديناراً، فاشترى بها سلعة على أن ينقدها، فلم ينقدها حتى حال الحول فباع السلعة بأربعين، فاختلف في عشرين الربح على ثلاثة أقوال: الأول: أنه

стр. 687

يزكي لحول الأصل، رواه ابن القاسم. ابن بزيزة: وهو المشهور. والقول الثاني: أنه يزكي من يوم الشراء، قاله ابن القاسم. وإلى هذا رجع مالك، نقله صاحب النوادر. والقول الثالث: يستقبل بالربح، رواه أشهب عن مالك، وهذه الصورة منطبقة على كلامه؛ إذ يصدق على العشرين أنها ربح مشترى بدين يملك مثله ولم ينقده، ولم يخالف هذا الفرع الذي قبله إلا بملكه مثله. وقوله: (ثَلاثَةً) أي ثلاثة أقوال. وَيُسْتَقْبَلُ بِالْفَوَائِدِ بَعْدَ قَبْضِهَا، وَهِيَ مَا يُتَجدَّدُ لا عَنْ مَالٍ مُزَكَّى كَالْعَطَايَا وَالْمِيرَاثِ وَثَمَنِ سِلْعِ الْقِنْيَةِ .... لما تكلم على الربح أتبعه بالكلام على الفوائد، ولا خلاف في الاستقبال بها. واعلم أن الأموال الحادثة على ثلاثة أقسام، منها: ما حدث لا عن مال كالعطايا والميراث. ومنها: ما حدث عن مال غير مزكى كثمن سلع القنية. ومنها: ما حدث عن مال مزكى كثمن سلع التجارة. وبقي المتجدد عن غير مال، والمتجدد من مال غير مزكى. ووقع في بعض النسخ: وهو ماتجدد؛ أي: والمذكور كقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾ [النحل: ٦٧] أي مما ذكر. وَتُضَمُّ أُولاهُمَا نَاقِصَةً إِلَى الثَّانِيَةِ اتِّفَاقاً إذا استفاد فائدة بعد أخرى، فإما أن يكون كل منهما نصاباً أو ما دون النصاب، وإما أن تكون الأولى نصاباً والثانية دونه أو العكس، وضابط زكاتهما أن تقول: إن كانت الأولى نصاباً زكي كلُّ مالٍ على حوله ولم يُضم إلى الآخر، كانت الثانية نصاباً أو دونه، وإن كانت الأولى ناقصة تضم للثانية؛ كانت الثانية ناقصة أو كاملة. وإلى هاتين الصورتين الأخيرتين أشار بقوله: (وَتُضَمُّ أُولاهُمَا نَاقِصَةً) وسيتكلم ﵀ على الأولتين.

стр. 688

فَلَوْ ضَاعَتِ الأُولَى أَوْ أَنْفَقَهَا بَعْدَ حَوْلٍ ثُمَّ حَالَ حَوْلُ الثَّانِيَةِ نَاقِصَةٌ، فَفِي سُقُوطِ الزَّكَاةِ فِيهِمَا قَوْلانِ لابْنِ الْقاسِمِ وَأَشْهَبَ، بِنَاءً عَلَى اعْتِبَارِ حَوْلٍ وَاحِدٍ يَجْمَعُهُمَأ أوْ لاَ .... كما لو ملك عشرة في المحرم وعشرة في رجب، فحال حول المحرمية ثم أنفقها أو ضاعت، ثم حال حول الثانية ناقصة عن النصاب، فهل تسقط الزكاة عنهما أو لا؟ فقال ابن القاسم بالسقوط؟ لأنه يشترط اجتماعهما في الملك وكل الحول، ويلزم من اجتماعهما في الحول اجتماعهما في الملك، ولذلك اقتصر المصنف على ذكر الحول في منشأ الخلاف. وقال أشهب بوجوب الزكاة فيهما؛ لأنه إنما يشترط اجتماعهما في الملك وبعض الحول؛ لأن أشهب يرى أن زكاة كل فائدة على حولها، وإنما أخرت زكاة الأولى خشية ألا تبقى الثانية، فإذا تبين البقاء زكيتا. واحترز بقوله: (ضَاعَتِ الأُولَى) مما إذا ضاعت الثانية، فإنهما يتفقان على سقوط الزكاة، و (بَعْدَ حَوْلٍ) مما إذا كان ذلك قبل حولها، فإنه لا خلاف في سقوط الزكاة؛ لفقدان الحول، وبنقصان الثانية مما إذا حال حول الثانية كاملة، فإنهما يتفقان حينئذٍ على وجوب الزكاة في الثانية ويختلفان في الأولى، وبهذه الفوائد يظهر أن قول ابن عبد السلام: تقييد المؤلف الثانية بالنقص مستغنى عنه؛ لأن كلامه في زكاة الأولى والثانية معاً. ليس بظاهر؛ لبيان ما احترز عنه. فَإِنْ كَانَتِ الأُولَى كَامِلَةً زُكِّيَتَا عَلَى حَوْلَيْهِمَا، فَإِنْ نَقَصَتِ الأُولَى قَبْلَ حَوْلِهَا فَكَالنَّاقِصَةِ .... قوله: (كَانَتِ الأُولَى كَامِلَةً) أي: سواء كانت الثانية كاملة أو ناقصة، وهما الصورتان الأوليان من الأربع صور المتقدمة. وقوله: (فَإِنْ نَقَصَتِ الأُولَى) كما لو كانت عشرين ثم صارت عشرة (فَكَالنَّاقِصَةِ).

стр. 689

فَلَوْ حَالَ حَوْلُ الأُولَى ثَانِياً نَاقِصَةً وَفِيهَا مَعَ [١١٧/ أ] الثَّانِيَةِ نِصَابٌ، فَالْمَشْهُورُ بَقَاؤُهَا لا انْتِقَالُهَا إِلَى الثَّانِيَةِ .... يعني: لو حال حول الفائدة الأولى في ثاني عام ناقصة بعد أن حال حول الأولى وهي كاملة، وجبت فيها الزكاة، فالمشهور أن كل فائدة تزكى على حولها، فلا تنقل الأولى إلى الثانية؛ لأن حولها قد تقرر بوجوب الزكاة فيها، والشاذ لابن مسلمة تنتقل كما لو نقصت بعد حولها. خليل: وهو الظاهر خلافاً لما رجح ابن راشد وابن عبد السلام؛ لأنا إذا لم نقل بانتقال الأولى إلى الثانية لزم أحد أمرين: إما زكاة دون النصاب، أو زكاة مال قبل حوله، وكلاهما لا يصح؛ لأنهما إما أن يقولا بزكاة الفائدة الأولى مع قطع النظر إلى الثانية أو لا. فإن قالوا بها مع قطع النظر لزم زكاة دون النصاب، وإن قالوا بها لا مع قطع النظر لزم تزكية المال قبل حوله؛ إذ الفرض أن الثانية لم يحل حولها. والله أعلم. وَعَليْهِ لَوْ نَقَصَتَا مَعاً عن نِصَابٍ ثُمَّ رَبِحَ فِيهِمَ أَوْ فِي إِحْدَاهُمَا مَا يُكَمِّلُ بِهِ عِنْدَ حَوْلِ الأُولَى، رَجَعَ كُلُّ مَالٍ إِلى حَوْلِهِ وَقَبَضَ الرِّبْحَ إِنْ كَانَ فِيهِمَا، فَلَوْ كَانَ بَعْدَ شَهْرٍ فَمِنْهُ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى حَوْلِهِمَا، فَلَوْ كَانَ عِنْدَ حَوْلِ الثَّانِيَةِ أَوْ بَعْدَهُ رَجَعَتَا مَعاً مِنْهُ ..... أي: وعلى المشهور لو نقص مجموع الفائدتين عن نصاب فتجر في إحداهما، إما الأولى أو الثانية، فربح ما يكمل به النصاب عند حول الأولى، فإن كل مال يبقى على حوله؛ لأن كل مال مضموم إلى أصله. وإن كان التَّجْرُ فيهما معاً فكذلك، وفض ربحهما بالنسبة ليزكي ربح كل فائدة معها. كما لو بقيت كل واحدة منهما خمسة وتجر فيهما فصارتا عشرين. واعلم أن كمال النصاب في هذه المسألأة له خمس حالات: تارة قبل حول الأولى، وتارة عند حول الأولى، وتارة بين حول الأولى والثانية، وإليه أشار بقوله: (فَلَوْ كَانَ

стр. 690

بَعْدَ شَهْرٍ فَمِنْهُ، وَالثَّانِيَةُ عَلَى حَوْلِهِمَا)، وتارة بعد حول الثانية، وتارة عنده، وإليهما أشار بقوله: (فَلَوْ كَانَ عِنْدَ حَوْلِ الثَّانِيَةِ أَوْ بَعْدَهُ رَجَعَتَا مَعاً مِنْهُ)، والضمير في كان عائد على النصاب. وَلَوْ كَان بِيَدِه خَمْسَةٌ مَحْرَمِيَّةٌ ثُمَّ خَمْسَةٌ رَجَبِيَّةٌ فَتَجِرَ فِيهِمَا فَصَارَتَا أَرْبَعِينَ فِي الْمُحَرَّمِ فَضَّ الرِّبْحُ، فَيُزَكّي عِشْرِينَ فِي الْمُحَرَّمِ وَعِشْرِينَ فِي رَجَبٍ ... يعني: أفاد خمسة محرمية ثم خمسة رجبية، فتجر فيهما فصارتا أربعين في محرم السنة الثانية، فإنه يفض الربح عليهما، فتكون كل واحدة بربحها عشرين، فتزكى المحرمية في المحرم وينتظر بالرجبية حولها. فرع: أما لو تجر بخمسة منهما ولم يدر هل من الأولى أو من الثانية، فإنه يضم الأولى إلى الثانية، قاله ابن راشد. زاد ابن عبد السلام: ولو خلط الخمستين ثم أخذ منهما خمسة، فتجر فيها، فلا زكاة حتى تبلغ بربحها أربعين، فيزكي عشرين في المحرم وعشرين في رجب، إن كان أنفق الخمسة التي لم يتجر فيها قبل نضوض ربح هذه السلعة. وَالْمَضْمُومَتَانِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّالِثَةِ كَالأُولَى بالنِّسْبَةِ إِلَى الثَّانِيَةِ يعني: أن الفوائد إذا تعددت فكانت ثلاثاً، فإن كانت الأولى نصاباً بقي كل مال على حوله، وإن كانت دون النصاب ضمت إلى الثانية ثم صارت هاتان المضمومتان كالفائدة الواحدة أولاً وتصير الثالثة كالثانية، فإن حصل من مجموع الأولى والثانية نصاباً كانا على حول الثانية والثالثة على حولها، وإلا ضم الجميع وزكي إن كان فيه نصاب، وقس على هذا فيما زاد.

стр. 691

وَفِي إِلْحَاقِ غَلَّةِ سِلَعِ التِّجَارَةِ بالرِّبْحِ أَوْ بالْفَوَائِدِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَيْنِهَا زَكَاةٌ قَوْلانِ يعني: وفي إلحاق ثمن الغلة الناشئة عن سلع التجارة بشرط ألا يكون في عين الغلة الزكاة بالربح أو بالفوائد قولان. المشهور: كالفوائد. ولذلك أدخل المصنف هذا الفرع في فصل الفوائد، وإلا ففصل الغلات أليق به. واحترز بقوله: (سِلَعِ التِّجَارَةِ) من غلة سلع القنية، فإن غلتها يستقبل بها اتفاقاً. واحترز بقوله: (إِذَا لَمْ يَكُنْ فِي عَيْنِهَا زَكَاةٌ) مما لو كان في عينها زكاة، كما لو اغتل نصاباً من الثمر أو الحب، فإنه يزكيه زكاة الثمر اتفاقاً، ثم إن باعه استقبل بثمنه اتفاقاً، ودخل في قوله: إذا لم يكن في عينها زكاة. ما لا تجب في عينه زكاة أصلاً، أو تجب ولكنه دون النصاب. ابن عبد السلام: وبقي هنا شيء، وذلك أن فائدة الشرط: [١١٧/ب] إنما هي في انتفاء المشروط؛ لانتفائه. والخلاف المذكور موجود في الأعراض وإن كانت في غلة سلع التجارة الزكاة كما بينه المصنف الآن في فصل الغلات، وإذا كان الخلاف موجوداً مطلقاً فلا فائدة في الشرط. انتهى. وفيه نظر؛ لأن المصنف لم يحكِ في فصل الغلات خلافاً فيما إذا كان في عينها زكاة. وَالْغَلَّةُ: النَّمَاءُ عَنِ الْمَالِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ النماء: جنس يشمل الثلاث، وقوله: (عَنِ الْمَالِ) يخرج نوعاً من الفوائد كالعطايا والميراث، ودخل في كلامه الناشئ عن مال قنية أو تجارة، وأخرجهما بقوله: (مِنْ غَيْرِ مُعَاوَضَةٍ) إذ ثمن سلع القنية وثمن سلع التجارة إنما يحصل بعد المعاوضة، وعلى هذا فقول ابن عبد السلام: وقد أخرج المؤلف الفائدة بقوله: عن المال. فإن الفائدة وإن كانت نماء لكنها ليست ناشئة عن المال، وإنما حصلت بميراث أو عطية، ليس بظاهر.

стр. 692

كَمَنِ اشْتَرَى أُصُولاً لِلتِّجَارَةِ فَأَثْمَرَتْ، فَالْمَشْهُورُ كَفَائِدَةٍ، وَكَذَلِكَ غَلَّةُ دُورِ التِّجَارَةِ وَعَبِيدُهَا وَغَنَمُهَا ... تصوره ظاهر، ولا يقال: قوله: (فَالْمَشْهُورُ كَفَائِدَةٍ) يقتضي تعميم الخلاف كما أشار إليه ابن عبد السلام في الفرع السابق؛ لأنا نقول كلامه محمول على ما إذا لم يكن في عين الغلة زكاة، وأما لو وجبت في عينها زكاة فإنها تزكى، نص عليه غير واحد ولم يذكروا في ذلك خلافاً، وقد صرح ابن هارون بالاتفاق على ذلك. فرع: قال في النوادر: ومن الموازية قال مالك: وما اتخذته المرأة من الحلي لتكريه فغلته فائدة، وكذلك غلة ما اشتري للتجارة والقنية من رباع وغيرها. قال: وأما من اكترى داراً ليكريها، فما اغتل من هذه فليزكِّه لحول من يوم زكى ما تقدم من كراتها لا من يوم اكتراها، وهذا إذا اكتراها للتجارة أو للغلة؛ لأن هذا متجر، وأما إن اكتراها للسكنى فأكراها لأمر حدث له، فلا يزكي غلتها وإن كثرت، إلا لحول من يوم يقبضها. وقال أشهب: لا زكاة عليه في غلتها، وإن اكتراها للتجارة كغلة ما اشترى. التونسي: وقول ابن القاسم أبين؛ لأنه إنما اشترى منافع الدار لقصد الربح والتجارة، فإذا اكتراها فقد باع ما اشتراه بخلاف غلة ما اشترى. وَلوِ اشْتَرَاهَا مَعَهَا قَبْلَ طِيبِهَا، فَكَذَلِكَ كَالْعَبْدِ بِمَاله ثُمَّ يَنْتَزِعُهُ اعلم أن الثمرة لا يجوز بيعها قبل صلاحها إلا على القطع أو مع أصولها. ومعنى كلامه: أنه اشترى الثمرة مع الأصول الأول قبل طيب الثمرة وباعها بعد طيبها، بشرط ألا يكون نصاباً، أو قبل طيبها على القطع، فثمنها فائدة على المشهور. وذكر هذا الفرع لتوهم دخوله في الأرباح؛ لأن الثمرة قد باشرها العقد، فإذا باعها بثمن فكأنه نشأ عن

стр. 693

المال بعد المعاوضة له، فرفع هذا التوهم بقوله: (فَكَذَلِكَ) ووجهه أن مباشرة العقد للثمرة هنا كان بطريق التبع فلم تكن مقصودة فلم تحصل معاوضة، ويبين لك هذا أنه لو كانت الثمرة مأبورة حين العقد لزكى ثمنها لحول الأصل. ففي النكت قال بعض شيوخنا: إذا اشترى غنماً للتجارة عليها صوف تام يوم عقد البيع ثم بعد ذلك جزه فباعه، فهذا الصوف كسلعة ثانية اشتراها للتجارة، إن أقام هذا الصوف عنده حولاً زكى ثمنه، ولا يكون ثمنه غلة يستقبل بها حولاً. وكذلك النخل يشتريها وفيها ثمر مأبور يوم عقد البيع، هذا على مذهب ابن القاسم، وعلى قول أشهب يكون غلة، وإن كان الصوف يوم عقد البيع تاماً والثمر مأبوراً. ويؤخذ جواب ابن القاسم فيما وصفناه من مسألة كتاب العيوب إذا رد النخل والغنم بعيب، وكان يوم عقد البيع في النخل تمراً مؤبراً، وعلى ظهور الغنم صوف تام. انتهى. وذكر ابن محرز أن أهل المذهب قالوا أنه يستقبل بثمن الثمرة وإن كانت مأبورة يوم شراء الأصل. قال: والقياس أن يزكيه على مذهب ابن القاسم، فأشار إلى ما ذكره عبد الحق. وقوله: (كَالْعَبْدِ بِمَاله ثُمَّ يَنْتَزِعُهُ) تنظير. أي: كما أن العبد إذا اشتراه بماله ثم انتزعه المشتري، يكون ماله فائدة، فكذلك ثمن الثمرة. وَلوْ بَاعَهَا قَبْلَ طِيبهَا ضَمَّهَا كَالرِّبْحِ أي: باعها بأصولها كما لو اشتراها. وصرح المصنف بهذا دفعاً للتوهم، وهو أن يقال: لم لا يستقبل بما قابل الغلة؛ لأن الحكم في الغلات [١١٨/أ] الاستقبال. فإن قلت: فهل يتناول ما إذا باعها مفردة قبل طيبها؟ فالجواب: لا. أما أولاً: فلأن قوله: (ضَمَّهَا) لا يصدق على الصورة المذكورة؛ لأن الضم إنما يكون حيث يكون هناك شيء يضم إليه. وأما ثانياً: فلأنه إذا باعها مفردة قبل الطيب، فلا شك أنها غلة سلع للتجارة، وقد قدم

стр. 694

المصنف أن غلة ما اشتري للتجارة فائدة على المشهور. وأيضاً فإنه لم يفرض صاحب النوادر وغيره المسألة إلا على الوجه الذي ذكرناه أولاً. تنبيه: وقع هنا في بعض النسخ ما نصه: فَإِنْ وَجَبَتْ زَكَاةٌ فِي عَيْنِهَا، زَكَّى الثَّمَنَ بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ تَزْكِيَتِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ ومعناها: فإن وجبت زكاة في عين الغلة، وهذا معنى قوله: (بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ تَزْكِيَتِهِ) أي: ما ذكر. ولو قال بعد تزكيتها لكان أحسن. والمشهور نقله ابن يونس عن مالك؛ لكنه إنما نقله فيما إذا اكترى أرضاً فزرع فيها للتجارة، وقيده هو فقال: يريد إذا اكترى الأرض للتجارة، واشترى طعاماً للتجارة، وزرعه فيها للتجارة. وأما لو اكترى أرضاً ليزرع فيها طعاماً لقوته، ثم بدا له فزرع فيها للتجارة، فإنه إذا زكى الحب ثم باعه، فإنه فائدة ويستقبل بثمنه حولاً من يوم باعه. انتهى. والشاذ لأشهب؛ لأنه يستقبل بثمنه، وكان الأحسن على تقدير ثبوت هذه النسخة أن تؤخر عن قوله: ولو اشترى أو اكترى أرضاً للتجارة، وزرعها للتجارة. وكذلك وقع في بعض النسخ. والله أعلمز ولَوِ اشْتَرَى أَوِ اكْتَرَى أَرْضاً لِلتِّجَارَةِ وَزَرَعَهَا لِلتِّجَارَةِ فَغَلْتُهَا كَالرِّبْحِ يريد: إذا كان الخارج دون النصاب كما تقدم. ومعنى كلامه: أنه إذا اشترى أرضاً للتجارة وزرعها قاصداً بها التجارة، أو اكتراها للتجارة وزرعها كذلك، فإن غلتها كالربح يزكى ثمنها لحول الأصل. واعلم أنه إنما فرض المسألة في المدونة في الكراء، وكذلك كل من تكلم عليها فيما رأيت كالتونسي، وابن يونس، واللخمي، وعياض، وابن بشير، ولم أر من سوى بين الكراء والشراء كما فعل المصنف. وكذلك ابن شاس إنما

стр. 695

فرضها في الكراء، ولهذا اعترض عليه ابن عبد السلام، وقال: قوله فيما اكترى صحيح، وأما فيما اشترى فليس كذلك؛ لأنه قدم أن غلة ما اشترى للتجارة المشهورة أنه كفائدة، فأشار إلى التناقض في كلامه. واختلف هل يشترط مع ذلك أن يكون البذر مشترى للتجارة؟ طريقان: ذهب إلى الاشتراط ابن شبلون وغير واحد من القرويين، ورأوا أنه متى ما دخل فصل من فصول القنية بقي حكمها في الزرع على حكم الفائدة؛ إذ الأصل في الغلات الاستقبال. وذهب أبو عمران إلى عدم الاشتراط. وظاهر كلام المصنف نفي الاشتراط، وكذلك هو ظاهر المدونة؛ لأن كلامه فيها مثل كلام المصنف. وصوب بعضهم ما ذهب إليه ابن شبلون. قال في التنبيهات بعد ذكر الطريقين: والمسألة إنما هي إذا كانت الأرض مكتراة للتجارة، وهو معنى مسألة المدونة على مذهب ابن القاسم، وأما على مذهب أشهب فعلى كل وجه من وجوه المسألة، الزرع غلة لا يزكى ثمنه حتى يستقبل به حولاً، قاله في المجموعة. إذا اكترها للتجارة واشترى قمحاً فزرعه فيها للتجارة وزكى الحب ثم باعه لحول أو أحوال، فلا يزكيه وليأتنف حولاً من يوم يقبضه مديراً كان أو غير مدير، وهذا على أصله في غلة ما اكترى للتجارة، وهو قول ابن نافع في المبسوط. كما قال أشهب: في الزرع سواء. وإليه ذهب سحنون فيما حكاه عنه فضل بن مسلمة، وإن كان الباجي وغيره قالوا: إذا اجتمعت الوجوه الثلاثة للتجارة، اكترى الأرض، واشترى الحب، والزراعة، فلا خلاف أنه يزكي الحب على التجارة، ولم يبلغ قائل هذا قول أشهب. انتهى. ويمكن أن يوجه كلام المصنف لو ساعدته الأنقال بأن يقال: غلة ما اشترى للتجارة قسمان: قسم لا يضم مع الشراء للتجارة: إخراج مال كغلة دون التجارة، فإن غلتها نشأت عن غير مال فصدق عليها أنها نماء عن المال من غير معاوضة به. وقسم يضم مع الشراء: إخراج مال وعمل وهو الزرع، إذ لابد أن يشتري بذراً ويعمل فيها فأشبه الربح؛ لأن غلتها كأنها نماء عن المال بعد المعاوضة.

стр. 696

وإِنْ كَانَ الأَمْرَانِ لا لِلتِّجَارَةِ اسْتَقْبَلَ بِثَمَنِهَا يعني بالأمرين الاكتراء والزرع، والاشتراء والزرع. وقوله: (لا لِلتِّجَارَةِ) يدخل فيه ما إذا نوى القنية أو لم ينو شيئاً، إذ الأصل القنية. وقوله: (بِثَمَنِهَا) أي: بثمن الغلة إذا لم يكن في عينها زكاة كما تقدم. ووقع في نسخة ابن عبد السلام: بثمنهما. قال: وثنى الضمير لأنه راجع إلى الأرض والزرع. وإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا للِتِّجَارَةِ، فَأَرْبَعَةٌ: الْمَشْهُورُ يُسْتَقْبَلُ بِالثَّمَنِ، والْحُكْمُ لِلأَرْضِ، والْحُكْمُ لِلبَذْرِ والْعَمَلِ، وَيَسْقُطُ عَلَى الثَّلاثَةِ .... يعني: وإن كان أحد الأمرين للتجارة فأربعة أقوال. وهذه المسألة فيها موجب وهو الذي للتجارة، ومسقط وهو الذي لغيره. ففي المشهور رجح المسقط؛ لأن الأصل عدم الزيادة. والقول الثاني: أن الحكم للأرض ولا ينظر إلى البذر والعمل وهو قول أبي عمران. فإن كانت الأرض للقنية استقبل بالثمن حولاً، وغلا زكى الثمن لحول من يوم زكى عين الطعام وإن كان فيه نصاب، وإن قصر عن النصاب زكى الثمن لحول من يوم زكى ما اكترى به الأرض. الثالث: أن الحكم للبذر والعمل. الرابع: لعبد الحميد: أنه يسقط الثمن على الثلاثة؛ الأرض والبذر والعمل. فلو كانت الأرض للتجارة واكتراها بمائتين والبذر للقنية واشتراها بمائة وكذلك العمل، وباع بثمانمائة، فإنه يزكى أربعمائة لحول الأصل ويستقبل بأربعمائة، هذا إذا لم يكن في عين الغلة نصاب. وفِي إِلْحَاقِ كِتَابَةِ الْمُكَاتَبِ بِالثَّمَنِ أَوْ بِالْغَلَّةِ قَوْلانِ يعني: من اشترى عبداً للتجارة وكاتبه، فهل يلحق ما يأخذه من الكتابة بالثمن وكأنه اشترى نفسه فيزكى لحول ثمنه، أو بالغلة فيستقبل به؛ لأن هذا ليس بمعاوضة

стр. 697

حقيقة. ألا ترى أنه لو عجز ولو عن قليل أنه يرق ولا يعتق منه شيء، وهذا الثاني هو المشهور ولم يَحْكِ ابن يونس غيره، نعم حكى ابن بشير القولين، ولو كان العبد للقنية استقبل بثمنه اتفاقاً. ولما فرغ من الربح والفائدة والغلة تكلم على الدين، فقال: وَالدَّيْنُ إِنْ كَانَ أَصْلُهُ بيَدِهِ عَيْناً، أَوْ عَرَضَ زَكَاةٍ وَقَبَضَهُ عَيْناً زَكَّاهُ عِنْدَ قَبْضِهِ بَعْدَ حَوْلِهِ أَوْ أَحْوَالِهِ زَكَاةً وَاحِدَةً إِنْ تَمَّ الْمَقْبُوضُ نِصَاباً بِنَفْسِهِ، أَوْ بِعَيْنٍ قَبْلَ الْقَبْضِ أَوْ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ، وَجَمَعَهُ وَإِيَّاهُ مِلْكٌ وَحَوْلٌ ....... يعني: أن الزكاة تجب في الدين بأربعة شروط: أولها: أن يكون أصله بيده عيناً، أو عرض زكاة. أي: عرض احتكار. وأما دين المدير، فسيتكلم المصنف عليه في بابه. ثانيها: أن يقبض، فلو لم يقبض لم يزكِّ. وفيه تنبيه على مذهب الشافعي فإنه أوجب الزكاة فيه وهو على الغريم. ثالثها: أن يكون المقبوض عيناً، فلو قبضه عرضاً لم تجب الزكاة فيه، إلا أن يكون مديراً. وقوله: (زَكَّاهُ عِنْدَ قَبْضِهِ) جواب الشرط، وهو بيان لكيفية زكاته. أي: إذا حصلت شروط زكاة الدين فإنما يزكى زكاة واحدة. وقوله: (بَعْدَ حَوْلِهِ أَوْ أَحْوَالِهِ) أي: بعد مضي حول أصل الدين لا الدين، فلو كان عنده نصاب ثمانية أشهر ثم داينه شخص فأقام عنده أربعة أشهر ثم اقتضاه، زكاه إذ ذاك. رابعها: أن يتم المقبوض نصاباً بنفسه، أو بعين قبل القبض، أو معه أو بعده، يعني: حال حولها قبض القبض، أو مع القبض، أو بعد القبض. وقوله: (وَجَمَعَهُ وَإِيَّاهُ مِلْكٌ وَحَوْلٌ) شرط العين التي يتم بها المقتضى. والظاهر أن قوله: وجمعه وإياه ملك وحول. مستغنى عنه. ويمكن أن يجاب عن هذا بأن يقال: إنما يتم

стр. 698

الاستغناء عنه على ما قدرت من أن قوله: قبل القبض أو معه. عائد على الحول، أي: حال حولها قبل القبض أو معه. وأما إذا قدرت بعين حصلت قبل القبض أو معه أو بعده فلا، وهو ظاهر. والواو في قوله: (ومعه) بمعنى (أو). وقد وقع التصريح بـ (أو) في بعض النسخ. والله أعلم. وقوله: (زَكَّاهُ عِنْدَ قَبْضِهِ) لا يلتئم مع قوله: (بعده) وإنما هو راجع إلى قوله: (قبل القبض أو معه). فإن قلت: لم لا جعلت قوله: (بَعْدَ حَوْلِهِ أَوْ أَحْوَالِهِ) شرطاً؟ قيل: لأن الحول شرط في كل ما زكاه وليس خاصاً بالدين، ولا ينبغي أن يضاف من الشروط إلى الدين إلا ما كان خاصاً به. وَفِي إِتْمَامِهِ بالْمَعْدِنِ قَوْلانِ كما لو اقتضى من دينه عشرة وأخرج من معدنه عشرة، ففي التلقين: يضمان؛ لأن المعدن لما لم يشترط فيه الحول صار [١١٩/أ] بمنزلة مال قد حل حوله، وهو الظاهر، واستحسنه المازري. ولم أر القول بعدم الضم، لكنه يأتي على ما فهمه ابن يونس من المدونة أن المعدن لا يضم إلى عين حال حوله عنده كما سيأتي. ثُمَّ يُزّكَّي مَا يَقْبِضُ مِنْهُ بَعْدُ وَإِنْ قَلَّ أي: بعد النصاب. وقوله: (وَإِنْ قَلَّ) أي: ولو كان درهماً. وَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا لَمْ يُؤَخِّرْ قَبِّضَهُ فِرَاراً، وَخُولِفَ هذا راجع إلى قوله: (زَكَاةً وَاحِدَةً). أي: وقال ابن القاسم: يزكيه لكل حول إذا أخر قبضه لأجل الفرار من الزكاة. وقد ألزمه ابن يونس لأشهب من تعليله بأن الزكاة وجبت فيه وهو على الغريم، وإنما منعناه من إلزامه بها خشية ألا يقبض الدين.

стр. 699

وقوله: (وَخُولِفَ) يقتضي أنه انفرد بذلك، وذلك لأن العاقل لا يؤخر قبض دينه لأجل الزكاة، بل لو اشترى به أي شيء لكان استفاد به مقدار الزكاة وزيادة. واعلم أن مخالفة ابن القاسم ليست مطلقة، بل يتفق في بعض أنواع الدين على مثله. ففي المقدمات: الدين أربعة أقسام: أولها: أن يكون من ميراث، أو عطية، أو أرش جناية، أو مهر امرأة، أو نحو ذلك. فهذا لا زكاة فيه ويستقبل به حولاً بعد قبضه، وإن ترك قبضه فراراً. ثانيها: أن يكن من ثمن عرض أفاده، فهو كذلك إن باعه بنقد، وكذلك إن باعه بمؤجل، خلافاً لابن الماجشون. وإن أخر قبضه فراراً، فيتخرج على قولين: أحدهما: زكاته لماضي الأعوام. والثاني: أنه باقٍ على حكمه ويستقبل به. وثالثها: أن يكون من ثمن عرض اشتراه بنقد للقنية، فإن باعه بنقد استقبل به، وإلى أجل زكاه لعام بعد قبضه. وإن أخر قبضه فراراً، زكاه لماضي الأعوام اتفاقاً. رابعاً: أن يكون الدين من كراء أو إجارة، فإن قبضه بعد استيفاء السكنى والخدمة فحكمه كالقسم الثاني. انتهى بمعناه. وقال ابن يونس –وهو في المدونة-: وكل سلعة أفادها الرجل بميراث، أو هبة، أو صدقة، أو اشتراها رجل للقنية –داراً كانت أو غيرها من السلع- فأقامت بيده سنين أو لم تقم، ثم باعها بنقد فمطل بالنقد، أو باعها إلى أجل فمطل الثمن سنين، أو أخره بعد الأجل، فليستقبل به حولاً بعد قبضه. انتهي. فانظر هذا مع ما حكاه صاحب المقدمات من الاتفاق في القسم الثالث، فإن ظاهره ينافيه؛ إلا أن يحمل كلام ابن يونس على ما إذا أخره غير قاصد الفرار. والله أعلم.

стр. 700

فَلَوْ تَلِفَ الْمُتِمُّ اعْتُبِرَ عَلَى الأَصَحِّ بِخِلافِ الْفَائِدَتَيْنِ، كَمَا لَوْ قَبَضَ عَشَرَةً لا يَمْلِكُ غَيْرَهَا فَضَاعَتْ ثُمَّ عَشَرَةً ... لو تلف الْمُتِمُّ، وهي العشرة الأولى في مثال المصنف بأن ضاعت أو سرقت، ففي المسألة قولان: القول بالزكاة وهو الذي صححه المصنف، عزاه صاحب النوادر وغيره لابن القاسم، وأشهب، وسحنون. والقول بعدم الزكاة لابن المواز. وجه القول الأول: أن العشرين قد اجتمعتا في الملك والحول، وإنما منع من الزكاة عن العشرة الأولى خشية ألا يقتضي غيرها. ووجه مقابل الأصح: القياس على الفائدتين. وهي المسألة التي أشار المصنف إليها بقوله: (بِخِلافِ الْفَائِدَتَيْنِ) وهو ما تقدم من قوله: (فلو ضاعت الأولى أو أنفقها بعد حول، ثم حال حول الثانية ناقصة، ففي سقوط الزكاة ...) إلى آخر. ابن عبد السلام: وقيل سقوطها هو الأصح؛ لأن النصاب ضاع بعضه قبل التمكن من إخراج الزكاة، إذ الضياع هنا قبل كمال النصاب. والجمهور ما عدا ابن الجهم على سقوط الزكاة فيما إذا ضاع جزء من النصاب بعد الحول وقبل التمكن، كما تقدم. انتهى. ويمكن أن يفرق بينهما بقوة تعلق الزكاة بالدين، إذ من العلماء من ذهب إلى وجوبها قبل القبض فكيف بعده؟ وقوله: (لا يَمْلِكُ غَيْرَهَا) ليس من باب الحصر بل تمثيل، إذ الحكم جار سواء ملك غيرها أو لم يملك، ولكن ليس فيه مع العشرة المقتضاة كمال النصاب. فَلَوْ أَنْفَقَهَا فَالِّرَوايَاتُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى الزَّكَاةِ يعني: فلو أنفق العشرة المفروض ضياعها في الفرع السابق، فالروايات متفقة على وجوب الزكاة؛ لأن العشرين قد اجتمعتا في الملك والحول مع الانتفاع بكل منهما. وأشار

стр. 701

بقوله: (فَالرِّوايَاتُ) إلى ما نقل ابن بشير، وابن شاس: أن بعض المتأخرين رأى أن الخلاف المتقدم جارٍ هنا أيضاً، وكان ينبغي على هذا أن يقول على المنصوص جرياً على عادته. وَفُرِّقَ للِشَّاذِّ بالتَّسَبُّبِ وَالانْتِفَاعِ (الشَّاذِّ) هو مقابل الأصح في قوله: (فَلَوْ تَلِفَ الْمُتِمُّ). أي: وفرق لمقابل الأصح في إيجابه الزكاة مع الإنفاق، وإسقاطه الزكاة في الضياع بالتسبب والانتفاع. وفي كلامه فائدتان: إحداهما: عدم [١١٩/ ب] صحة التخريج. والثانية: أن الشاذ صحيح، وأن الأصح مشهور، إذ الشاذ إنما يقابله المشهور والله أعلم. وَفِي أَوَّلِيَّةِ حَوْلِ الْمُتِمِّ بَعْدَ تَمَامِهِ أَوْ حِينَ قَبْضِهِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَاَشْهَبَ صورتها: أن يقتضي عشرة في المحرم ثم عشرة في رجب، فهل ينتقل حول المحرمية المقتضاة أولاً إلى الرجبية كما في الفوائد- وهو قول ابن القاسم، وهو المشهور- أو لا ينتقل، بل حول كل واحدة من يوم اقتضائه وهو قول أشهب، ولا يخفى عليك توجيهها. وَلَوْ زَكَّى نِصَاباً أَوَّلاً ثُمَّ حَالَ حَوْلُهُ نَاقِصاً وَفِيهِ مَعَ الثَّانِي نِصَابٌ، فَكَالْفَائِدَتَيْنِ مِثْلُهُمَا ... يعني: لو قبض من دينه نصاباً فزكاه أول الأمر، ثم قبض من دينه دون النصاب فزكاه، ثم حال حول الثاني وليس في الأول نصاب لكن فيه مع المقتضى ثانياً نصاب، فهل يزكي المقتضى أولاً قبل الحول الثاني- وهو المشهور- أو ينتظر به حول الثاني؟ وفي بعض النسخ (أول) ظرف مقطوع عن الإضافة، وفي بعضهما (أولاً) ظرف متعلق بـ (زكى).

стр. 702

وقوله: (فَكَالْفَائِدَتَيْنِ) أي: أن الحكم في الاقتضاءين كالحكم في الفائدتين. وقد تقدم من قوله: (ولو حال حول الأولى ثانياً وفيها مع الثانية نصاب، فالمشهور بقاؤها لا انتقالها إلى الثانية). والضمير المجرور بـ (مثل) عائد على الفائدتين، وهو بدل أو عطف بيان. ولو حذف قوله: (وفيه مع الثاني نصاب) لفهم المعنى من التشبيه. ولَوِ اقْتَضَى دِينَاراً ثُمَّ آخَرَ، فَاشْتَرَى بكُلِّ سِلْعَةٍ بَاعَهَا بِعِشْرِينَ، فَإِنْ بَاعَهُمَا مَعاً، أَوْ بَاعَ إِحْدَاهُمَا قَبْلَ اشْتِرَاءِ الأُخْرَى فَوَاضِحٌ، وإِلا فَطَرِيقَانِ: الأُولَى: يُزَكَّي الْمَبِيعَ أَوَّلاً مِنْهُمَا مَعَ الدِينَارِ الآخَرِ فَقَطْ. والثَّانِيَةُ: فِي تَزْكِيَةِ رِبْحِ الأُخْرَى قَوْلانِ عَلَى أَصْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَاَشْهَبَ، بِنَاءً عَلَى أَنَّ الرِّبْحَ مِنْ حِينِ الشَّراء أَوْ مِنْ حِينِ الحُصُولِ ... يعني: أن من له دين لا يملك غيره، أو يملك ما لا يكمل النصاب به، فاقتضى منه ديناراً ثم ديناراً آخر واشترى بكل واحد منهما سلعة باعها بعشرين، وظاهر كلام المصنف التسوية بين شرائهما في وقت واحد أو وقتين. وقوله: (فَإِنْ بَاعَهُمَا) أي: لبيعهما ثلاث حالات: الأولى: أن يبيعهما معاً. الثانية: أن يبيع إحداهما قبل شراء الأخرى. قال المصنف: (فواضح). أي: الحكم واضح. أي: يزكي في الصورة الأولى أربعين وفي الثانية إحدى وعشرين، ولا خفاء فيه. وقد نبه على الصورة الثالثة بقوله: (وإِلا فَطَرِيقَانِ) أي: وإن لم يبيعهما معاً ولا باع إحداهما قبل شراء الأخرى، بل باع إحداهما بعد أن اشترى الأخرى، وسواء بدأ بيع المشتراة أولاً أو آخراً، ففي المسألة طريقان:

стр. 703

الأولى: لأبي بكر بن عبد الرحمن، يزكي المبيع أولاً منهما مع الدينار والآخر فقط؛ أي: ثمن السلعة المبيعة والدينار الذي هو ثمن السلعة التي لم يبعها بعد. وأفلاد بقوله: (فقط) أنه على هذه الطريقة الأولى لا يزكي غير الإحدى والعشرين. والطريقة الثانية: يزكي الإحدى والعشرين اتفاقاً. وفي تزكية ربح الأخرى- أي: التسعة عشر- قولان: أحدهما: مثل الطريقة الأولى. والثاني: يزكي الأربعين. وبناها المصنف على أصل قول ابن القاسم وأشهب المتقدم في الربح مع المغيرة، هل يضم الربح من حين الشراء فيزكي الأربعين، أو من حين الحصول فلا يزكي غير الإحدى والعشرين؟ وبيان هذا أنك إذا قدرت ربح السلعة الثانية موجوداً مع أصله حين شرائها فيزكي؛ لأنه يكون مالكاً لأربعين. وإن قدرت الربح موجوداً مع أصله حين حصوله، والفرض أن أصله زكي، أي: الدينار، فيكون ربح مال قد زكي فيستقبل به، وهذه الطريقة لابن بشير، وذكر أن المشهور زكاة الأربعين، وتبعه صاحب الجواهر، وصاحب الذخيرة، واقتصر اللخمي على زكاة الأربعين. وَلَوْ وُهِبَ الدَّيْنُ لِغَيْرِ الْمِدْياَنِ فَقَبَضَهُ، فَفِي تَزْكِيَةِ الْوَاهِبِ قَوْلانِ كَالْمُحِيلِ الْمَلِيء ... القول بالوجوب لابن القاسم في الموازية والعتبية، ورأى أن قبض الموهوب له كقبض الوكيل، وبه علل محمد وأصبغ مسألة الإحالة قالا: لأن قبض المحال كقبض محيله. والقول بعدمها لأشهب، ولم ير قبض الموهوب له، والمحال كقبض الوكيل؛ لأنهما إنما قبضا لأنفسهما. خليل: ولعله الجاري على مذهب المدونة؛ لأنه نص فيها على عدم زكاة الواهب إذا وهب الدين للمدين، إلا أن يفرق بينهما بتحقق قبض العين في هبته، فيكون كالوكيل بخلاف المدين، وهذا هو الأقرب في كلام المصنف؛ لتقييده بغير المديان. محمد: والأول أحب إلينا. قال: وتؤخذ الزكاة منها لا من غيرها.

стр. 704

ابن محرز: قال شيخنا أبو الحسن: وإنما تؤخذ الزكاة إذا قال الواهب أردت هذا، وإن لم [١٢٠/أ] يكن أراد ذلك، فقد قال ابن القاسم في بائع الزرع بعد وجوب الزكاة: إن الزكاة على البائع إن لم يشترط ذلك على المشتري. وقال أشهب: ينقض البيع في حصة الزكاة، يريد إذا عدم البائع,. قال صاحب البيان: وتأول ابن لبابة على أصبغ أن الزكاة لا تجب على المحيل بنفس الإحالة حتى يقبضها المحتال بها؛ لقوله: فإن قبض المحال بها كقبضه. قال: مجمله على الخلاف لقول ابن القاسم، وهو تأويل فاسد، إذ لا وجه لمراعاة قبض المحتال فيما يجب على المحيل من الزكاة، وإنما يراعى قبضه في خاصة نفسه. ومعنى قول أصبغ: لأنه كقبضه، يريد أن الإحالة كقبضها؛ أي: قبضها من صاحبها. انتهى. ففهم عن ابن القاسم وجوب الزكاة وإن لم يقبض المحال الدين، وهو ظاهر لفظه في العتبية؛ لقوله: وسئل عن الرجل له على رجل مائة دينار وقد حال عليها الحول، فأحاله على الذي عليه المائة، أعلى المحيل بها فيها زكاة؟ قال: نعم يزكيها. قال أصبغ: لأنه كقبضه إياها من صاحبها. وصورة الإحالة: أن يكون لشخص عند آخر دين وعليه دين، فأحاله الذي له الدين على الذي له عنده الدين، ووصف المحيل بالملاء احترازاً مما إذا لم يكن ملياً، فإنه إذ ذاك لا زكاة عليه؛ لكونه مديناً غير مليء. وقوله: (الْمَلِيء) أي بقدر الدين، كما لو كان عنده من عروض القنية أو غيرها ما يجعله في الدين. وَعَلَى تَزْكِيَةِ الْمُحِيلِ، فَهُوَ نِصَابُ يُزَكِّيهِ ثَلاثَةُ إِنْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ يعني: إذا قلنا بتزكية المحيل ما أحال به، فهو مال يزكيه ثلاثة رجال؛ أحدهم: المحيل. والثاني: المحال لأنه قابض لدينه، وكذلك المحال عليه؛ لأن الإنسان إذا كان عنده مال حال عليه الحول وهو مليء وعليه دين فلا يعطيه في دينه حتى يزكيه.

стр. 705

وقوله: (إِنْ كَانُوا أَمْلِيَاءَ) ظاهر، إذ لو كان أحدهما غير مليء بأن يكون مدياناً، لم يزكه. وهذه المسألة مما تلقى في المعاياة. فإن قلت: لا نسلم أنه يزكيه ثلاثة، وإنما يزكيه المحال والمحال عليه، وأما المحيل فإنما يزكى عنه؛ فجوابك أن معنى زكاه. أي: خوطب بزكاته ثلاثة. والله أعلم. إِنْ لَمْ يَكُنْ أَصْلُهُ عَيْناً بِيَدِهِ فَكَالْفَائِدَة ِبَعْدَ قَبْضِهِ، وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ عَنْ سِلْعَةِ قُنْيَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ ... هذا راجع إلى قوله: (إن كان أصله بيده عيناً) وقوله: (عَيْناً) يريد أو عرض زكاة؛ لأن حكمهما واحد (فَكَالْفَائِدَة) أي: يستقبل به. قوله: (وَكَذَلِكَ ...) إلخ. أي أن الدين الذي ليس أصله عيناً ولا عرض زكاة قسمان: إن نشأ عن غير سلعة، كدية جرحه، ودية عبده ووليه، والميراث، استقبل به اتفاقاً. وإن نشأ عن سلعة قنية، فإن باعها بنقد استقبل به اتفاقاً. صرح بذل ابن بشير، وابن شاس. ابن عبد السلام، وابن هارون: وإنما الخلاف إذا باعها نسيئة، فالمشهور الاستقبال. وروى ابن نافع وجوب الزكاة، وسلك بالأجل نوعاً من التجارة، وقاله المغيرة وابن الماجشون، فليس الخلاف كما أطلقه المصنف. والله تعالى أعلم. وَلا زَكَاةَ فِي صَدَاقِ عَيْنٍ إِلا بَعْدَ حَوْلٍ مِنْ قَبْضِهِ، وَكَذَلِكَ الْمَاشِيَةُ غَيْرُ الْمُعَيَّنَةِ، فَأَمَّا الْمُعَيَّنَةُ مِنَ الْمَاشِيَةِ أَوِ الشَّجَرِ، فَعَلَيْهَا زَكَاتُهُ وَإنْ لَمْ يَقْبضْهُ؛ لأَنَّ ضَمَانَهُ مِنْهاَ لا زكاة في صداق عين، أي: اتفاقاً. قال أشهب في المجموعة: ولو كانت الدنانير والدراهم معينة.
следующие страницы →