Полный текст (4 728 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فائدة:
كثيراً ما يَذكر العلماءُ التعبدَ، ومعنى ذلك: الحكمُ الذي لا تَظهر له الحكمةُ- بالنسبة إلينا مع أنَّا نَجْزِمُ أنه لا بُدَّ مِن حكمة؛ وذلك لأنا استقرأنا عادةَ الله تعالى فوجدناه جالباً للمصالحِ دَارِئاً للمَفاسِدِ؛ ولهذا قال ابن عباس: إذا سمعتَ نداءَ الله فهو إمَّا يدعوك لخيرٍ أو يصرفُك عن شَرٍّ، كإيجاب الزكاةِ والنفقاتِ لسَدِّ الخَلاَّتِ، وأَرْشِ الجناياتِ لجبرِ المتلفاتِ، وتحريمِ القَتْلِ والسُّكرِ والزِّنَى والقَذْفِ والسَّرِقَةِ صَوْناً للنفوسِ والأنسابِ والعقولِ والأموالِ والأعراضِ وإعراضاً عن المُفْسدات. ويُقَرِّبُ إليك ما أشرنا إليه مثالاً في الخارجِ إذا رأينا مَلِكاً عادتُه يُكْرُمُ العلماءَ ويُهِينُ الجُهَّالَ، ثم أَكْرَمَ شخصاً- غَلَبَ على ظَننا أنه عالمٌ، فاللهُ تعالى إذا شَرَعَ حُكْماً عَلِمْنا أنه شَرَعَه لحكمةٍ، ثم إِنْ ظهرتْ لنا فنقولُ هو معقولُ المعنى، وإن لم تَظهر لنا فنقولُ هو تعبدٌ، والله أعلم.
وَفِي وُجُوبِهِ وَنَدْبِهِ رِوَايَتَانِ
منشأُ الخلافِ الخلافُ في الأمرِ المطلَقِ: هل يُحمل على الوجوبِ أو على الندب؟ قال ابن بشير: والذي في المدونةِ الندبُ. أَخَذَهُ مِن قولِه: يُضعفه، فإنه جعل المعنى: يُضْعِفُ الوجوبَ.
وَلا يُؤْمَرُ بِهِ إِلا عِنْدَ قَصْدِ الاسْتِعْمَالِ عَلَى الْمَشْهُورِ
بَنَى ابنُ رشد وعياضٌ الخلافَ على أن الغُسل تَعَبُّدٌ، فيجِبُ عند الولوغ؛ لأن العبادات لا تُؤَخَّرُ، أو للنجاسة فلا يَجِبُ إلا عند إرادةِ الاستعمال. وفيه نظر؛ لأن الْمَشْهُورِ أنه تعبد، وأنه لا يجب إلا عند إرادة الاستعمال.
والأحسنُ أَنْ يُبْنَى على الخلافِ في الأمر: هل هو على الفور أو على التراخي؟
وَلا يَتَعَدَّدُ الْغُسْلُ بتَعَدُّدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَفِي إِلْحَاقِ الْخِنْزِيِرِ بِهِ رِوَايَتَانِ
الظاهر أن الضمير في (تعدده) عائدٌ على الولوغ، ويشمل ذلك صورتين: إحداهما أن يكون التعددُ مِن كلبٍ واحدٍ. الثانية: أن يكون مِن كلبين فأكثر.
стр. 72
وقد ذكر ابنُ بشير وابن شاس الخلافَ في الفرعين، وقال ابن عبد السلام: الظاهرُ عَوْدهُ على الكلب. وفيه نظرٌ لوجهين: أحدُهما أن عَود الضمير على المضاف إليه على خلافِ الأصل. الثاني: أن الحمل الذي ذكرناه أعم فائدةً فكان أولى.
ابن هارون: وهذا الخلاف أيضاً في تَعَدُّدِ حكايةِ المؤذنين. ورجَّح بعضُهم عدمَ التعدد، وهو الْمَشْهُورِ؛ لأن الأسبابَ إذا تَساوتْ مُوجِبَاتُها اكتُفي بأحدِها، كتعدد النواقضِ في الطهارة، والسهوِ في الصلاة، وموجباتِ الحدود.
والظاهرُ مِن المذهب عدمُ إلحاق الخنزير به، والقولُ بالإلحاق مبنيٌّ على أن الغسل للقذارة.
قال ابن رشد: وإذا لَحِقَ به الخنزيرُ فيُلحَقُ به سائرُ السباع لاستعمالها النجاسةَ.
وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالْمَنْهِيِّ عَنِ اتِّخَاذِهِ قَوْلانِ
بناءً على أن الألف واللام في قوله ﷺ : "الكلب" هل هو للجنس فيعمُّ، أو للعَهْدِ في المنهيِّ عن اتخاذه؟
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ: فِي الْمَاءِ خَاصَّةً، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ: وَفِي الطَّعَامِ. وَفِيهَا: إِنْ كَانَ يُغْسَلُ فَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ وَكَانَ يُضَعِّفُهُ. فَقِيلَ: الْحَدِيثَ. وَقِيلَ: الْوُجُوبَ. وَقَالَ: جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ. وَكَانَ يَرَى الْكَلْبَ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ السِّبَاعِ .....
بنى المازريُّ الخلافَ على خلافِ أهل الأصول في تخصيص العموم بالعادة، إِذِ الغالبُ عندهم وجودُ الماءِ لا الطعام.
ابن هارون: ويحتمل أن يُبنى على أَنَّ الولوغَ هل يختصُّ بالماء أو يعمُّ؟
وقوله: (إِنْ كَانَ يُغْسَلُ) إشارة إلى تَضعيف الغسل.
стр. 73
واختلف في الضمير في (يُضَعِّفُهُ) على ثلاثة أقوال: فقيل: أَراد يضعف الوجوب، وهو أظهرُها. وقيل: أراد تضعيفَ الحديث لظاهر السياق. وقيل: إنما ضعَّفَه لمعارضته لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: ٤]. وقيل: أراد تضعيفَ العددِ. ولا يَخفى ما فيهما مِن الضعف، فإن الحديثَ صحيحٌ، والمعارضةَ منفيةٌ لإمكان حَمْلِ الحديثِ على المنهي عن اتخاذه، وحَمْلِ الآيةِ على المأذونِ في اتخاذه. أو المرادُ مِن الآية- بَعْدَ غَسْلِ الصيد. [١٢/ب] أو الحديثُ مقيدٌ بالماء فقط إلى غير ذلك.
قوله: (وَكانَ يَرَى الْكَلْبَ كَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ، لَيْسَ كَغَيْرِهِ مِنَ السِّبَاعِ) استدل بعضهم على أن مذهبَ المدونة تعميمُ الغسل في المأذونِ وغيرِه، إذ المأذونُ فيه هو الذي يكون من أهل البيت. ورده عياضٌ لاحتمال أن يُرادَ مِن أهل البيت في عادة الناس في اتخاذه، لا أنه مِن أهل البيت في إباحة مخالطتِه.
وَفِي إِرَاقَتِهِمَا- مَشْهُورُهَا الْمَاءُ لا الطَّعَامُ- ثَالِثُ الأَقْوَالِ. وَكَانَ يَسْتَعْظِمُ أَنْ يَعْمَدَ إِلَى رِزْقِ اللهِ. فَيُرَاقُ لأَنَّهُ وَلَغَ فِيِهِ كَلْبٌ ....
(وَفِي إِرَاقَتِهِمَا) خبرٌ لمبتدإٍ محذوفٍ، أي ثلاثةُ أقوال، و (الْمَاءُ) في كلامِه مرفوعٌ على أنه خبرُ مبتدإٍ على حذفِ مضافٍ، أي: ومشهورُها إراقةُ الماء، ويجوز أن يكون التقدير: يُراق الماءُ دونَ الطعامِ؛ لاستجازةِ طَرْحِه. وكيفية الأقوال هكذا: يُراق الماء والطعامُ بناءً على أن التعليل بالنجاسة. لا يُراقان للتَّعَبُّدِ. ونُسِبَ لابن القاسم: يراقُ الماء دون الطعام؛ لاستجازةِ طَرْحِه، وهو الْمَشْهُورِ. وفي المذهب قولٌ رابعٌ لمالكٍ فَرَّقَ بين المأذونِ، فسؤرُه طاهرٌ وغيرُه نجسٌ. وخامسٌ لعبد الملك: فَرَّقَ بين البدويِّ وغيرِه، فيُحمل في البدوي على الطهارة، وفي الحَضَرِيِّ على النجاسةِ.
стр. 74
وَفِي غَسْلِهِ بِالْمَاءِ الْمَوْلُوغِ فِيهِ قَوْلانِ
يمكن أن يكون منشأُ الخلافِ التعبدَ والنجاسةَ.
خليل: والصحيحُ أنه لا يُغسل به لما في مسلم: "فَلْيُرِقْهُ، وَلْيَغْسِلْهُ سَبْعاً".
وَفِيهَا: إِذَا تَوَضَّأَ بِهِ وَصَلَّى فَلا إِعَادَةَ عَلَيْهِ. وَفِيهَا: لا يُعْجِبُنِي إِنْ كَانَ قَلِيلاً
إن قلتَ: ظاهرُ قولِه (فَلا إِعَادَةَ) يقتضي التعبد، وهو خلافُ مقتضى قوله: (لا يُعْجِبُنِي إِنْ كَانَ قَلِيلاً) لأنَّ التفرقةَ بينَ القِلَّةِ والكثرةِ لا تُناسِبُ التعبدَ- فالجوابُ أَنَّ الأَوَّلَ كما قلتُ يقتضي التعبد، ولا منافاةَ بينه وبين ما بعده؛ لأن القليلَ قد يتَغير مِن لُزُوجاتِ فَمِ الكلبِ. كما قالوا في أحد القولين: لا يُتطهر بالماء بَعْدَ جَعْلِه في الفَمِ. وما ذكره المصنفُ هو الْمَشْهُورِ. ولابن القاسمِ وغيرِه أنه يطرح الماء الملوغ فيه ويتيمم. وقاله ابن الماجشون في الثمانية. ولابن وهب أنه يُعيد- المتوَضِّئُ به- في الوقت.
فروع:
الأول: الغسلُ مختصٌّ بالإناء، فلو وَلَغَ في حوضٍ لم يُغسل؛ لأنه تَعبدٌ.
الثاني: الغسلُ مختصٌّ بالولوغ، فلو أدخل يدَه أو رجلَه لم يغسل خلافاً للشافعي.
الثالث: لا تُشترط النيةُ في الغسل. قاله الباجي وابن رشد، قالا: وإنما يَفتقر التعبدُ إلى النيةِ إذا فعلَها شخصٌ في نفسه، أمّا هذا وغسلُ الميت وما شابههما فلا. قال في الذخيرة: ويحتمل أن تُشترط فيه النية قياساً على اشتراطها في النضحِ. قال: ويحتمل أن يُفْرَقَ هنا بأن الغسلَ يُزيل اللعابَ، والنضحُ لا يُزيل شيئاً، فكان تعبداً بخلافِ إناء الكلب.
الرابع: هل يشترط الدلك أم لا؟ ليس فيه نصٌّ، والظاهرُ- على أصولنا- الاشتراطُ، لأن الغسلَ عندنا لا تَتِمُّ حقيقتُه إلا به.
стр. 75
وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الأَوَانِي قَالَ سَحْنُونٌ: يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهَا. وَقَالَ مَعَ ابْنِ المَاجِشُونِ: يَتَوَضَّأُ وَيُصَلِّي حَتَّى تَفْرُغَ. زَادَ ابْنُ مَسْلَمَةَ: وَيَغْسِلُ أَعْضَاءَهُ مِمَّا قَبْلَهُ. ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ سُحْنُونٍ: يَتَحَرَّى كَالْقِبْلَةِ. ابْنُ الْقَصَّارِ مِثلُهُمَا إِنْ كَثُرَتْ، وَمِثْلُ ابْنِ مَسْلَمَةَ إِنْ قَلَّتْ .....
(اشْتَبَهَتِ) أي: التبس الطاهرُ بالنجسِ، وأما لو اشتبه مُطَهِّرٌ بطاهر لاستَعْمَلَهما وصلَّى صلاةً واحدةً. ومسألةُ المصنف يُمكن أن تُفْرَضَ في الماءِ القليلِ تَحُلُّه نجاسةٌ كثيرة، ولم تُغَيِّرْهُ على القولِ بالنجاسة. ويُمكن أن تُفرض في الماء الكثيرِ تُغَيِّرُه نجاسةٌ كثيرة، ولكنها لم تَظْهَرْ لكونِ الماءِ متغيراً بِقَرارِه. ويُمكن أن تُفرض في البولِ الموافقِ لصفةِ الماء.
أما الوجهُ الأوَّلُ فالظاهرُ أنه لم يُرِدْهُ؛ لأنه إنما يأتي على غيرِ الْمَشْهُورِ، وحكمُه على الْمَشْهُورِ ما قاله ابنُ الجلاب أنه يتوضأ بأيهما شاء، إلا أنه يُستحب له أن يتوضأ بأحدِهما ويُصلي، ثم بالثاني ويصلي.
وأما الثاني فحكى ابنُ شاس فيه الخلافَ كما حكى المصنف.
وأما الثالثُ فخرّج القاضي أبو محمد فيه جوازَ الاجتهاد على قول ابن المواز، واختاره ابنُ العربي. وأوجبت الشافعيةُ فيه التيمم. ووجهُ تخريجِ القاضي أنه اشتباهُ طاهرٍ بنجس، فأجاز التحرِّي كالماء المتنجس.
وحاصلُ ما ذكره المصنف مِن الخلاف هل يتيمم ويتركُها، أو يتطهر بها؟ قولان: فالأولُ: مذهبُ سحنون، وعلى الثاني هل يتحرى؟ وهو قول ابن المواز وابن سحنون. ابن العربي: وهو الصحيح. أم لا؟ وعليه فهل يَتطهر بالجميع أو يُفَرِّقُ؟
والأولُ مذهب ابن الماجشون وابن مسلمة، غير أن ابن مسلمة زاد: ويغسلُ أعضاءه بماءِ الإناء الثاني مما أصابه مِن ماء الإناءِ الأوَّلِ. قال الأصحابُ: وقولُ ابنِ مسلمة هو الأشبهُ بقولِ مالك. واختاره القاضي أبو محمد.
стр. 76
والثاني: مذهبُ ابن القصار يُفَرِّقُ بينَ أنْ تَقِلَّ الأَواني فيقول بقولِ ابن مسلمة، وبين أن تَكْثُرَ فيقولُ بقول ابن المواز وابن سحنون. وعلى قولِ ابن مسلمة لو ترك غسل أعضائه مما قبله- لم يكن عليه شيءٌ، لكونِ النجاسةِ غيرِ مُحَقَّقَةٍ.
ابن عبد السلام: وبَقِيَ عليه قولُ مَن قال: يَتوضأ بعَدَدِ النَّجِسِ وزيادةِ إناءٍ مثلُ ما قيل في الثياب. خليل: وهذا هو الصحيحُ، بل لا يَنبغي أن يُفهم الخلاف على الإطلاق؛ لأنه إذا كان معه عشرةُ أوانٍ فيها واحدٌ نجسٌ فما وجهُ التيمم ومعه ماءٌ محقَّقُ الطهارة وهو قادر على استعماله؟ وما وجه مَن يقول إنه يستعمل الجميع. ونحن نَقطع بأنه إذا استعمَل إناءين تبرأُ ذمتُه؟ وإنما ينبغي أن يكون محلُّ الأقوال إذا لم يتحقق [١٣/ أ] النجس من الطاهر، أو تَعَّدَ النجسُ واتحد الطاهرُ.
قال في الجواهر: ثُمَّ مِن شرطِ الاجتهادِ أن يَعجز عن الوصولِ إلى اليقين، فإن كان معه ماءٌ يَتحقق طهارتَه امتَنع الاجتهادُ.
فَإِنْ تَغَيَّرَ اجْتِهَادُهُ بِعِلْمٍ عَمِلَ عَلَيْهِ، وبَظَنٍّ قَوْلانِ: كَالْقِبْلَةِ
أي إذا فرعنا على القول بالاجتهاد فتحَرَّى إناء، ثم تَغَيَّرَ اجتهادُه فإن كان إلى يقينٍ بطلتْ الأولى، ولزمه إعادتُها. وهذا معنى قوله: (عمل عليه) وإلى ظن قولان مبنيان على أن الظنَّ هل يُنقض بالظنِّ أم لا؟
وَيَتَحَرَّى فِي الثِّيَابِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يُصَلِّي بِعَدَدِ النَّجِسَ وَزِيَادَةِ ثَوْبٍ
يعني: أن الْمَشْهُورِ في الثياب- إذا التبست عليه- التحري. فإن قلت: ما الفرقُ بين الأواني والثياب؟ قيل: لخفَّةِ النجاسةِ بدليلِ الاختلاف فيها، ولا كذلك الماءُ، فإنه لم يختلف في اشتراط المطلق في رفع الحدث. وبهذا يندفع ما قاله ابن عبد السلام هنا. وانظره.
стр. 77
وظاهر قوله: (وَيَتَحَرَّى فِي الثِّيَابِ) عدمُ اشتراطِ الضرورة. وكلامه في الجواهر قريبٌ منه. ونص سند على أنه إنما يتحرى في الثوبين عند الضرورةِ، وعدمِ وجود ما يَغسل به الثوبين.
وَلَوْ رَأَى نَجَاسَةً فِي الصَّلاةِ فَفِيهَا: يَنْزِعُهُ وَيَسْتَانِفُ، وَلا يَبْنِي. ابْنُ الْمَاجِشُونِ: يَتَمَادَى مطلقاً، وَيُعيد فِي الْوَقْتِ إِنْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُهُ. مُطَرِّفٌ: إِنْ أَمْكَنَ تَمَادَى، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنِ اسْتَانَفَ .....
أي: فلو رأى نجاسةً في الصلاة غيرَ معفوٍّ عنها في ثوبه، وحاصلُ ما قاله في المدونة البطلانُ. ولو قال: ففيها تبطل. لَفُهِمَ المعنى، والقطعُ مشروطٌ بسَعَةِ الوقتِ، وأما مع ضيقِه فقال ابن هارون: لا يَختلفون في التَّمادي إذا خُشِيَ فواتُ الوقت؛ لأن المحافظةَ على الوقت أَوْلَى مِن زوالِ النجاسةِ. وعلى هذا لو رآها وخشي فواتَ الجمعةِ أو الجنازةِ أو العيدين لتمادَى لعدمِ قضاءِ هذه الصلوات. وفي الجمعةِ نظرٌ إذا لنا: إنها بَدَلٌ مِن الظهرِ.
وقوله: (وَيَسْتَانِفُ) إنما هو في الفريضة، وأما غيرُها فليس عليه استئنافُها، قاله في المدونة، قال: ففيها ويستأنف بإقامة. وهل ذلك مطلقاً؛ لأنها إنما كانت لتلك الصلاة، وقد فسدتْ، أو مع الطول؟ تأويلان للشيوخ.
وقوله: (مُطَرِّفٌ: إِنْ أَمْكَنَ) أي: إن أمكن نزعُه- نَزَعَهُ وتمادى، فإن لم يُمكن نَزْعُه قَطَع واستأنف. وقولُ ابن الماجشون كقولِ مطرفٍ إلا أنه إذا لم يمكنه النزعُ يتمادى لاختلافِ أهلِ العلم في هذه الصلاة، ويُعيد احتياطاً.
قال ابن عبد السلام وابن هارون: وظاهر قوله (مطلقاً) ولو أمكنه نَزْعُه، ويكون قوله: (إِنْ لَمْ يُمْكِنْ نَزْعُهُ) شرطاً في الإعادة في الوقت. لكن إذا كان الحكمُ على هذا أنه يُعيد في الوقت مع عدمِ الإمكان، فكان المناسبُ مع الإمكان الإعادةَ أبداً، وذلك مناقضٌ لقوله: (يَتَمَادَى مطلقاً) والأظهرُ أن الإطلاق عائد على غيرِ مذكور، بل هو إلى ما يُفهم من السياق، وهو على أيِّ حالٍ كان المصلي مِن قيام أو غيرِه، عقدَ ركعةً أم لا.
стр. 78
خليل: والظاهرُ- من جهة اللفظ- أن ابن الماجشون يقول بالتمادي مطلقاً، سواء أمكن نزعه أم لا. إلا أنه إن لم يمكن نزعه يُعيد في الوقت، وإن أمكن نزعُه: فإنْ نَزَعَه فلا شيءَ عليه، وإن لم ينزعه أعاد أبداً. وإليه أشار المازري بقوله: وقيل يتمادى بعد نزعها، وإن لم يمكنه النزع تمادى. وكذلك قال ابن شاس، ولفظه: وقال ابن الماجشون: وينزعه إذا أمكنه ويتمادى، وإن لم يمكنه تمادى ثم نزعه وأعاد. انتهى.
فروع:
الأول: قال سحنون: مَن أُلقي عليه ثوب نجس في الصلاة، ثم سقط عنه مكانَه أرى أن يبتدئ. قال الباجي: وهذا على رأي ابن القاسم.
الثاني: إذا كانت النجاسةُ تحت قدميه فرآها فتحوَّل عنها- خُرِّجَتْ على الخلاف في الثوب إذا أَمْكَنَه طَرْحُه.
الثالث: قال أبو العباس الإِبِّيَانِيّ: إذا كانت في أسفل نعليه نجاسةٌ فنزعه ووقف عليه جاز، كظَهْرِ حَصِيرٍ. نقله في الذخيرة.
فَلَوْ رَآهَا فِي الصَّلاةِ ثُمَّ نَسِيَ فَتَمَادَى فَقَوْلانِ
أي: رآها في ثوبِه، أو في جسدِه، فَهَمَّ بالقَطْعِ فَنَسِيَ وتمادى فقولان:
ابن حبيب: تبطُل صلاتُه. وهو الجاري على مذهب المدونة.
واختار ابنُ العربي عدمَ البطلان بناءً على صحة الصلاة إذا نَزع الثوبَ النجسَ.
وَأَمَّا قَبْلَهَا فَكَمَا لَوْ لَمْ يَرَهَا عَلَى الْمَشْهُورِ
أي: كمن لم يرها، أي فيُعيد في الوقت.
стр. 79
ابن عبد السلام: والشاذُّ ليس بثابتٍ في المذهب، وإنما اعتمد المؤلف فيه على ابن شاس، وابن شاس ذكره عن ابن العربي، وابن العربي لم يسمِّ قائله، وشأنه في كتابه إدخالُ مسائلَ وأقاويلَ مِن غيرِ المذهب استحساناً لها، أو استغراباً أو تضعيفاً.
وَلَوْ سَالَتْ قُرْحَتُهُ أَوْ نَكَأَهَا تَمَادَىَ، إِلا أَنْ يَكُونَ كَثِيراً، إِلا أَنْ تَمْصُلَ بِنَفْسِهَا وَلا تَكُفَّ فَيَدْرَأَهَا بِخِرْقَةٍ ......
أي: إن سالت أو نكأها تمادى إن كان يسيراً، بدليل قوله: (إلا أن يكون كثيراً) أي فلا يتمادى. وقوله: (إِلا أَنْ تَمْصُلَ بِنَفْسِهَا) استثناءٌ مِن المستثني، وكلامُه يقتضي أنه يَتمادى إذا مَصَلَتْ بشرطِ ألا تَكُفَّ. وأما لو رجا الكفَّ لَقَطَعَ ولو سَالتْ بنفسِها. وهذا كما قال في المدونة: وكلُّ قرحةٍ لو تركها صاحبُها لم تَمْصُل، ولو نكَأها سالتْ، فما خرج مِن هذه مِن دَمٍ أو غيرِه فأصاب ثوبَه أو جسدَه غَسَلَه، وإن كان في الصلاة قَطَعَ، ولا يَبني إلا في الرُّعاف إلا أن يَخرج منها الشيءُ السيرُ فَلْيَفِتِلْهُ، ولا ينصرفُ. وإن كانتْ لا تكفُّ ولا تَمْصِلُ مِن غيرِ أن ينكأها فليُصَلِّ، وليَدْرَأَها بخرقةٍ، ولا يقطعُ لذلك الصلاةَ. انتهى.
الجوهري: نكَاتُ القُرْحَةَ أَنْكَؤُهَا إِذا قَشَرْتَها.
ولَوْ رَعَفَ وَعَلِمَ [١٣/ب] دَوَامُهُ أَتَمَّ الصَّلاةَ
قال الجوهري: الرُّعَافُ: الدَّمُ الذي يَخرج مِن الأنفِ. وقد رَعَفَ الرجل يَرْعَفُ ويَرْعُفُ. ورَعُفَ- بالضم- لغةٌ فيه ضعيفةٌ. انتهى.
وقوله: (ولَوْ رَعَفَ) أي في الصلاة، بدليل قوله: (أَتَمَّ الصَّلاةَ). ومرادُه بالعلم في قوله: (وعلم) الظنُّ على أحد التأويلين في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ﴾. [الممتحنة: ١٠].
стр. 80
وقيل: أَطلق الإيمانَ على الإسلام لما بينهما مِن الارتباط غالباً. وموجبُ الظن هاهنا العادةُ. ابن عبد السلام: والدوامُ إلى آخرِ الوقتِ الضروريِّ، وفي الاختياريِّ نظرٌ.
خليل: يحتمل أن يكون النظرُ مبنياً على أن غير أصحاب الأعذار إذا أوقعوا الصلاة بعد الوقت الاختياري، هل يكونون مؤدين أو قاضين؟ فعلى الأداء مِن غيرِ عصيانٍ يَقطعُ، وعلى القضاءِ لا يَقطع.
وقد حكى ابنُ رشد فيما إذا أصابه الدمُ قبلَ الدخول في الصلاة قولين: أحدُهما أنه ينتظر الوقت الاختياري: القامة في الظهر، والقامتان في العصر. والثاني أنه يؤخرها ما لم يَخَفْ فواتَ الوقتِ جملةً.
والظاهرُ مِن كلام ابن رشد أن الأوّلَ هو المذهب؛ لتصديره به، وعطفِه عليه بقيل، وأشار ابن عبد السلام إلى أنه يمكن أنْ يُجري هذان القولان اللذان حكاهما ابن رشد فيما إذا حَدَثَ له الرعافُ بعد دخولِه في الصلاة، والأصل في هذا ما ورد أن عمر ﵁ صَلَّى وجُرْحُه يَثْعَبُ دماً.
وَفِي جَوَازِ إِيمَائِهِ خَشْيَةَ تَلَطُّخِهِ بِالدَّمِ قَوْلانِ
أي: إذا قلنا يُتِمُّ الصلاةَ ولا يَقطعُ لأجلِ الدمِ، فهل يَجوز له أن يُومِئُ ألا؟ فقولان. وفي كلامِه إجمالٌ؛ لأن المسألةَ على ثلاثةِ أقسام: إِنْ خَشِيَ ضرراً لجسمِه أَوْمَأ اتفاقاً، وإِنْ خَشِيَ تَلَطُّخَ جسدِه لم يُومِئُ اتفاقاً، إذِ الجسدُ لا يَفسد. وإن خشي تلطخَ ثوبِه فللشيوخِ طريقان: حكى ابنُ رشد جوازَ الإيماء باتفاقٍ كما في القسم الأول، وحكى غيرُه قولين كالمصنف: الأول: الجوازُ عن ابن حبيب، وعدمُه عن ابنِ مسلمة. وعلى الإيماء فقال في تهذيب الطالب: يُومئ للركوع من قيام، وللسجود من جلوس.
стр. 81
فَإِنْ شَكَّ فَتَلَهُ وَمَضَى، فَإِنْ كَثُرَ بِحَيْثُ سَالَ أَوْ قَطَرَ وتَلَطَخَّ بِهِ قَطَعَ، وَإِنْ لَمْ يَتَلَطَّخْ جَازَ أَنْ يَقْطَعَ أَوْ يَخْرُجَ فَيَغْسِلَهُ .....
حاصلُ ما ذكره أنّ للراعف إذا لم يعلم أنه يتمادى به الدمُ ثلاثةَ أحوال: الأول: لا يسيل ولا يقطر، فلا يجوز له أن يَخرج، وإنْ قَطَعَ أَفسد عليه صلاته، وعليهم إن كان إماماً. وقال مالك وابن نافع في المجموعة: ويَفْتِلُه بأنامِلِه الأربعة، والمراد بالأناملِ الأناملُ العليا، فإن زاد إلى الوسطى قَطَعَ. هكذا حكى الباجي، وحكى ابنُ رشد أن الكثير هو الذي يَسيل إلى الأنامل الوسطى بقدرِ الدرهم في قول ابن حبيب، وأكثرَ منه في رواية ابن زياد.
وحكى مجهولُ الجلاب في فتله باليد اليمنى أو اليسرى قولين.
الحالة الثانية أن يَقطر أو يَسيل، ويتلطخُ به فلا يجوزُ له التمادي، وإليه أشار بقوله: (قطع).
الحالة الثالثة أن يسيل أو يقطر، ولا يتلطخُ به، فيجوزُ له القطع والتمادي.
وهل الأفضلُ البناءُ لعَمَلِ الصحابة، أو القطعُ لحصول المنافي؟ حكى ابن رشد الأول عن مالك، والثاني عن ابن القاسم. وحكى الباجيُّ عن مالك من رواية ابن نافع وعلي بن زياد ترجيحَ القطع. قال الباجي: وهذا إن كان مأموماً.
وإن كان فَذّاً فهل له أن يبني أم لا؟ عن مالك في ذلك روايتان: إحداهما أنه ليس له لك، وهو الْمَشْهُورِ من مذهبه. والثانية له ذلك، وبها قال محمد بن مسلمة. انتهى.
стр. 82
ثُمَّ يَبْنِي مطلقاً عَلَى الْمُدَوَّنَةِ. وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَعَقَدَ رَكْعَةً. وَقِيلَ: وَأَتَمَّ رَكْعَةً. وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ إِمَاماً وَيَسْتَخْلِفُ كَذَاكِرِ الْحَدَثِ
هذا مُفَرَّعٌ على الحالة الثالثة، أي: إذا أَجَزْنَا له البناءَ والقطعَ، فإنْ قَطَعَ فلا إشكالَ، وإِنْ بنى خَرجَ فغسلَ الدمَ، ثم يبنى على صلاتِه مطلقاً على مذهب المدونة. أي: سواءٌ أكان إماماً أو مأموماً أو فذّاً، عَقَدَ ركعةً أم لا.
وكأنّ المصنفَ اعتمد في هذا على ابن بشير وابن شاس، فإنهما قالا: وإن كان فذّاً أو لم يعقد ركعة فهنا قولان: أحدهما يبني، وهو ظاهر الكتاب. ولذلك قال في المقدمات: إن ظاهر المدونة بناء من لم يعقد ركعة، وبناء الفذ على ما قاله ابن لبابة. وحكى ابن بشير بناء الفذ عن ابن مسلمة وأصبغ ومالك من سماع ابن القاسم، وكذلك قال ابن بَزِيزَةَ: مذهب المدونة بناء الفذ. خليل: ولا شك في أخذ بناء المأموم من المدونة، وفي أخذ بناء الفذ والإمام منها نظر، وفي كل منهما قولان منصوصان. وقد تقدم أن الباجي حكى أن الْمَشْهُورِ في الفذِّ عدمُ البناءِ.
وقد حكى ابنُ رشد في البناءِ قَبْلَ عَقْدِ ركعةٍ أربعةَ أقوال: عن سحنون: يبني. وعن ابن القاسم: لا يبني. وعن ابن وهب: يبني إلا في الجمعة. قال: وهو ظاهر المدونة. وقيل يبني المأمومُ دونَ الإمامِ والفذِّ.
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَعَقَدَ رَكْعَةً) أي: إنما يبني على هذا القول بشرط أن يكون في جماعة، فلا يبني الفذ، وبشرط أن يعقد ركعة، فلا يَبني مَن كان في جماعة قبل أن يَعقد ركعة. وهذا القول لابن حبيب، وعقدُ الركعة عنده برفع الرأس.
وقوله: (وَقِيلَ: وَأَتَمَّ رَكْعَةً) أي: يزيدُ هذا القائلُ على قولِ ابنِ حبيب أنه يُتِمُّ ركعةً بسجدتيها، ولا يكتفي هذا القائلُ في البناء بمجرد العقدِ. وحكى ابن يونس أن ابن
стр. 83
القاسم روى عن مالك جوازَ بناء الفذ بشرط أن يعقد ركعة بسجدتيها؟ ومنشأ الخلاف هل رخصةُ البناء لحرمة الصلاةِ للمنع من إبطال العمل أو لتحصيل فضل الجماعة؟
ابن عبد السلام: وظاهرُ قوله: (وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَ إِمَاماً) التكرارُ؛ لأن قوله قبل هذا (مطلقاً)، يُغني عنه. فإن قيل: إن الإطلاقَ عائدٌ على [١٤/أ] عَقْدِ الركعة. قيل: قوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ فِي جَمَاعَةٍ وَعَقَدَ رَكْعَةً) يدل على أنه أراد بالإطلاقِ ما هو أعمُّ.
خليل: ويمكن أن يقال: إنما أعاده ليرتب عليه ما بعده من كيفية الاستخلاف.
وَكَيْفِيَّتُهُ أَنْ يَخْرُجَ مُمْسِكاً لأَنْفِهِ إِلَى أَقْرَبِ الْمِيَاهِ الْمُمْكِنَةِ غَيْرَ مُتَكَلِّمٍ وَلا مَاشٍ عَلَى نَجَاسَةٍ، فَلَوْ تَكَلَّمَ سَهْواً أَوْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ فَثَالِثُهَا: تَبْطُلُ فِي الْمُضَيِّ لا فِي الْعَوْدَةِ، لإِقْبَالِهِ إِلَيْهَا. وَرَابعُهَا عَكْسُهُ
أي: وصِفَةُ ما يَفعل الراعِفُ الذي يَجوز له البناءُ أن يَخرج إلى أقربِ المياهِ، فإِنْ تَعَدَّى إِلى أبعدَ بَطَلَتْ. قال في المقدمات: باتفاقٍ. لأنه أَتَى بزيادةٍ مُستغنى عنها، ولم يَفصلوا بين الزيادةِ القليلةِ والكثيرةِ.
واشترطَ ابنُ هارون أنْ يُمسك أنفَه مِن أعلاه؛ لأنه إذا أَمسكه مِن أسفلِه بقيَ الدمُ في داخل الأنف، وحكمُه حكمُ الظاهر على سطح الجسد.
خليل: وفيه نظرٌ، والمحلُّ محلُّ الضرورة، والله أعلم.
وقوله: (إِلَى أَقْرَبِ الْمِيَاهِ) قالوا: ما لم يَتَفَاحَشُ بُعْدُ موضعِ الغَسْلِ، فيَجِبُ القَطْعُ، وقد يُفهم ذلك مِن قوله: (أَقْرَبِ الْمِيَاهِ) ويُشترط في بنائه أَلاَّ يتكلمَ ولا يمشيَ على نجاسةٍ. فإنْ تَكلم- قال في المقدمات: جاهلاً أو عامداً- بطلتْ باتفاقٍ. قال: واختُلِفَ إذا تَكلم ساهياً. فقال ابن حبيب: لا يَبْنِي. وحكى ابنُ سحنون عن أبيه أنه يَبني على صَلاتِه، ويسجدُ لسَهْوِه إلا أن يكون الإمامُ لم يَفرغ مِن صلاته، فإنَّه يَحْمِلُه عنه.
стр. 84
وقال ابن الماجشون وابن حبيب: إِنْ تَكلم في ذهابه بطلتْ، وإن تكلم في رجوعه لم تبطل. قال ابن يونس: قال بعضُ أصحابنا: لأنه إذا تكلم راجعاً فهو في عملِ الصلاة فأَشْبَهَ كلامَه سهواً في أَضْعَافِ الصلاةِ، وإذا تكلم في انصرافه فإنما هو في مستقبل الغسلِ للدمِ. وهذا هو القول الثالثُ الذي ذكره المؤلفُ. وحكى ابنُ بشير وابنُ شاس عكسَه: إِنْ تَكَلَّمَ في مسيرِه لم تبطل، وغن تكلم في عَوْدِه بطلت. ولم يَعْزُواهُ.
قال في المقدمات: واختُلِفَ إن مشى على قَشْبٍ يابسٍ، فقال سحنون: تنتقضُ صلاتُه. وقال ابن عبدوس: لا تنتقض. ولم أرَ منصوصاً في مسألةِ النجاسةِ إلا هذين القولين.
وكلامُ المصنفِ يَدُلُّ على أن الكلامَ والمشيَ على النجاسة مستويان. وهو مقتضى كلامِ ابن شاس، وابنِ عطاء الله.
ولم يقع في بعض النسخ قوله: (أَوْ مَشَى عَلَى نَجَاسَةٍ) وهذا الخلافُ إنما هو في النجاسةِ اليابسةِ، وأما الرَّطْبَةُ فتبطل اتفاقاً. قاله في المقدمات.
ثُمَّ يَبْتَدِئُ مِنَ الْقِرَاءَةِ وَلَوْ كَانَ سَجَدَ وَاحِدَةً بِخِلافِ السَّجْدَتَيْنِ. وَقِيلَ: يَبْنِي عَلَى مَا عَمِلَ فِيهَا .......
يُطلق البناءُ في بابِ الرُّعاف على معنيين: بناءٍ في مقابلَةِ قَطْعٍ، وقد تقدّم، وبناءٍ في مقابلةِ عَدَمِ اعتدادٍ. وهذا الثاني إنما يأتي بعد حصولِ البناءِ الأوّلِ، أي: إذا حَكَمْنَا بأنه لا يَقطع فهل يَعتدُّ بكلِّ ما فَعَلَه أو لا يعتدُّ إلا بركعةٍ قد تَمَّتْ بسجدتيها؟ الْمَشْهُورِ الثاني. والأولُ هو قولُ ابن مسلمة، وهو الأظهرُ. وما ذكره إنما هو في حقِّ الإمام والفذِّ والمأمومِ إذا وَجَدَ الإمامَ قد فَرَغَ، وأما إن وَجَدَه في الصلاة فإنه يَتبعُه على كلِّ حالٍ.
стр. 85
فَإِنْ رَجَعَ فِي غَيْرِ الْجُمُعَةِ فَظَنَّ فَرَاغَ الإِمَامِ أَتَمَّ مَكَانَهُ إِنْ أَمْكَنَ، أَصَابَ ظَنُّهُ أَوْ أَخْطَأَ، فَإِنْ خَالَفَ ظَنَّهُ بَطَلَتْ، أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ، فَإِنْ كَانَتِ الْجُمُعَةَ رَجَعَ عَلَى الْمَشْهُورِ. وَثَالِثُهَا: إِنْ أَمْكَنَهُ رَجَعَ وَإِلا فَمَكَانهُ .....
قيل: يُريد أَخَذَ في الرجوعِ أو قَصَدَه، إِذِ المرادُ ليس حقيقةَ الرجوعِ؛ لقوله: (أَتَمَّ مَكَانَهُ) ويحتمل أن يريد: رجعَ في بعضِ الطريق ثم عَلِمَ، ويحتمل أن يريد: رجع إلى ما زَايَلَه، وهو الصلاةُ؛ لأنه بخروجِه كالمفارِقِ له. وفي بعض النسخ: (فإن خرج في غير الجمعة) ولا إشكالَ عليها.
وحاصلُ كلامِه أن له صورتين: صورةٌ في غير الجمعة، وصورةٌ في الجمعة، ففي غير الجمعة: إِنْ ظَنَّ فراغَ الإمامِ أَتَمَّ مكانَه إِنْ أَمْكَنَ، وإلا ففي أقربِ المواضعِ إليه مما يَصلح للصلاة وهذا هو الْمَشْهُورِ. ورُوي عن مالك- رحمه الله تعالى- أنه يرجع في مسجدِ مكةَ ومسجدِ الرسول ﷺ . الباجي: فجعل الرجوعَ لفضيلةِ المكان.
قوله: (أَتَمَّ مَكَانَهُ) في الكلام حذفٌ، أي: وصَحَّتْ صلاتُه أَصاب ظنُّه أو أخطأ، وهذا هو الْمَشْهُورِ. وحكى ابن رشد قولاً- إذا أخطأ- بالبطلان، ويدل على الحذف قوله: (فَإِنْ خَالَفَ ظَنَّهُ بَطَلَتْ، أَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ).
ويَتَخَرَّجُ قولٌ بالصحةِ- فيما إذا خالفَ ظنَّه وأصابَ- مما حكاه ابنُ رشد في مقابلةِ هذا مأخوذٌ مِن كلامِه بالمطابقة. وفُهِمَ مِن كلامه أنه لو ظن بقاءَ الإمام لزمه الرجوعُ مطلقاً، وهو الْمَشْهُورِ قاله الباجي.
وقال ابن شعبان: إِنْ لم يَرْجُ أَنْ يُدرك ركعةً أَتَمَّ مكانَه. قال ابن يونس: وهو خلافُ مذهب المدونة.
стр. 86
وهذا التقسيمُ ظاهرٌ في المأمومِ والإمامِ؛ لأنه إذا استخلّف صار حكمُه حكمَ المأموم، وأما الفَذُّ فيُتِمُّ مكانَه مِن غيرِ رجوعٍ.
فإن كانت الجمعة فإنْ ظن بقاءَ الإمام رَجَعَ، وإن لم يَظُنَّ بقاءَه فقال المصنف: رَجَع على الْمَشْهُورِ إلى آخره. أي: أن الْمَشْهُورِ يرى أن رجوعه إلى الجامع شرطٌ في صحة الجمعة، وإن لم يرجع بطلتْ. ولا يُمكن حملُه على ما يُفهم مِن كلامه أنه يَرجع مطلقاً إن أمكن أو لم يمكن؛ إذ لا يمكن أن يُقال بالرجوع مع عدمِ الإمكانِ.
والقول الثاني: لا يرجعُ– كغيرها– ويُتِمُّ بموضِعه. وهذا القول حكاه الشوشاوي وابن شاس، وعزاه بعضُهم لابن عبد الحكم، وخرَّجه ابنُ يونس مِن قول أشهب في هروب الناس عن الإمام بعدَ عقدِ ركعةٍ أنه يُضيف إليها أُخرى، وتجزئه جمعته. قال: لأن الجماعةَ أحد [١٤ / ب] شروطها كالمسجد.
والقول الثالث نقله اللخمي وابن يونس عن المغيرة، أنه إذا رَعَفَ بعدَ تمامِ ركعةٍ من الجمعةِ فحال بينه وبين المسجد وادٍ فليُضِفْ إليها أُخرى، ثم يُصلي أربعاً. لكن لا يُؤخذ من كلام المصنف أنه يُصلي أربعاً. قال في البيان: ومن أصحابنا من قال: إنه يُتِمُّ صلاتهَ في أقربِ المساجدِ إليهِ.
فرع:
وإذا قلنا إنه لا بد أن يرجع، فهل لا بُدَّ له أن يَرجع إلى نفس الجامع؟ وهو الْمَشْهُورِ، أو إلى أقربِ موضعٍ تُصلى فيه الجمعة؟ وهو قول ابن شعبان. قال: وإنْ أَتَمَّ في موضعه لم أرَ عليه الإعادة.
قال المازري: فأشار إلى أنَّ الرجوعَ إلى الجامع فضيلةٌ. ويُمكن أن يكون هذا مراد المصنف في القول الثاني، وفيه بُعْدٌ.
стр. 87
وإذا بَنينا على الْمَشْهُورِ فإنه يَكتفي بأولِ الجامع، فإنْ تَعَدَّاه بطلتْ، نَصَّ عليه الباجي، وهذا الخلافُ كلُّه إنما هو إذا حصل له ركعةٌ قَبْلَ رُعافِه، وتَرَكَ المصنفُ هذا القيدَ لما سيأتي، والله أعلم.
وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ رَعَفَ فَسَلَّمَ الإِمَامُ رَجَعَ فَتَشَهَّدَ ثُمَّ سَلَّمَ، فَإِنْ سَلَّمَ الإِمَامُ فَرَعَفَ سَلَّمَ وَأَجْزَأَهُ.
أي: وعلى الْمَشْهُورِ بالتزامِه العَوْدَ إلى الجامع مطلقاً لو رَعَفَ قبل أن يُسَلِّم الإمامُ رَجع ليُوقع السلامَ في الجامع.
وقوله: (فَتَشَهَّدَ) أي: لم يتقدم له التشهد، وأما لو تقدم فلا يُعيده.
وقوله: (فَإِنْ سَلَّمَ الإِمَامُ فَرَعَفَ سَلَّمَ وَأَجْزَأَهُ) لما في الخروج مِن كثرةِ المُنافي، وخِفَّةِ لفظةِ السلام، ولا يُؤخذ منه عدمُ وجوبِ السلامِ كما قِيل.
وما ذَكره المصنفُ– من التفرقة بينَ أَنْ يَرْعُفَ قبلَ سلامِ الإمامِ أو بعدَه– منصوصٌ لمالك في المدونة والعتبية، وهو الْمَشْهُورِ.
ومنعَ سحنونٌ أن يُسلِّم حتى يغسل الدمَ إن كان كثيراً.
فَإِنْ كَانَ لَمْ يُتِمَّ رَكْعَةً بِسَجْدَتَيْهَا ابْتَدَأَهَا ظُهْراً. وَقال سَحْنُونٌ: يَبْنِي عَلَى إِحْرَامِهِ. وَقَالَ أَشْهَبُ: إِنْ شَاءَ قَطَعَ، أَوْ بَنَى عَلَى إِحْرَامِه أَوْ عَلَى مَا عَمِلَ فِيهَا ...
أي: فإن حَصَلَ الرُّعاف في الجمعة قبل أن يُتِمَّ ركعةً بسجدتيها– يريد: ولم يَلحق منها بعد ذلك ركعةً– صلى ظهراً اتفاقاً. وهل يَبني على إحرامه؟ الْمَشْهُورِ لا بد من الابتداءِ. وقال سحنون: يَبني على إحرامِه. وقال أشهب: إِنْ شاءَ قطعَ وابتدأَ كما في المذهب، وإن شاء بَنَى على احرامِه كقولِ سحنون. وإن شاءَ بَنَى على ما تقدم له مِن
стр. 88
فعلِها. وظاهرُ كلامِه أن أشهب لا يَستحبُّ شيئاً، والذي حكاه عنه ابنُ يونس وابنُ رشد وغيرُهما استحبابَ القطعِ.
وربما عُورِضَ الْمَشْهُورِ هنا بمن دَخَلَ يومَ خميسٍ يَظنه يومَ جمعةٍ، لكنَّ مسألةَ الرعافِ أخفُّ مِن حيث إن الإمام قد انفصل فيها من الصلاة، فضَعُفَ رَعْيُ حُرْمَتِه.
وَإِذَا اجْتَمَعَ الْقَضَاءُ وَالْبِنَاءُ فَفِي الْبِدَايَةِ قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَسَحْنُونٍ، وَذَلِكَ بأَنْ يُدْرِكَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ مَعاً أَوْ إِحْدَاهُمَا ...
أي: فابنُ القاسم يُقدم البناءَ، وسحنونٌ يُقدم القضاءَ. والبناءُ عبارةٌ عما فات بعد الدخول مع الإمام، والقضاءُ عبارةٌ عما فات قبل الدخول مع الإمام، هذا إن لم يدخل بعد ذلك مع الإمام، وأما إن دخل فلا، وذلك في ثلاث صور:
الأولى: إذا أَدرك الأُولى ثم رَعَفَ فخرج ثم أَدرك الرابعةَ، فأطلق في المدونة على الثانيةِ والثالثةِ القضاءَ. وبعضُ الأندلسيين: البناءَ.
ابن عبد السلام: وجعلها بعضُ أشياخي قولين.
الصورة الثانية: إذا أَدرك الأُولى ورَعَفَ في الثانية أو نَعَسَ، ثم أدرك الثالثةَ وفاتته الرابعةُ؛ فالأخيرةُ بناءٌ بلا شكٍّ، والثانيةُ قضاءٌ على مذهب المدونة، بناءٌ على مذهب الأندلسيين.
الثالثة: عكسُها.
وهاتان الصورتان تُستدركان على المصنفِ؛ لأنه اجتمع فيهما القضاءُ والبناءُ بخلاف الأُولى فإنها بناءٌ كلُّها، أو قضاءٌ كلُّها، والله أعلم.
والأظهرُ تقديمُ البناءِ؛ لأنه إذا قَدَّمَ القضاءَ وَقَعَ بين بناءين، وإذا قدّم البناءَ وقع القضاءُ في طرفٍ، والبناءُ في طرفٍ آخرَ.
وقوله: (وَذَلِكَ) أي اجتماعُ البناءِ والقضاءِ، فيُتَصَوَّرُ في ثلاثِ مسائلَ:
стр. 89
الأولى: فاتَتْه الأُولى وأَدرك الوسطيين، وفاتته الرابعة بخروجِه لغسلِ الدمِ، وفي معناها النُّعَاسُ والزِّحامُ. فعلَى البناءِ يأتي بركعةٍ بالفاتحةِ فقط سرّاً. وهل يَجلس قبل نهوضِه لركعةِ القضاءِ؟ قولان: الْمَشْهُورِ الجلوسُ؛ لأنه يُحاكي به فِعْلَ الإمام؛ ولأَنَّ مِن سنةِ القضاءِ أن يكون عَقِيبَ جلوسٍ. وقيل: لا يَجلس؛ لأنها ثالثتُه. ثم يأتي بركعةٍ بأمِّ القرآنِ وسورةٍ ويَجهر إِنْ كانتْ صلاةً جهريةً، ويَجلس؛ لأنها آخرُ صلاتِه.
وتُلَقَّبُ هذه المسألةُ بأمِّ الجناحين لقراءةِ السورة في الطَّرَفَيْنِ. وعلى قولِ سحنون: يأتي بركعة بأم القرآن وسورةٍ ولا يجلس، ثم بركعةٍ بأمِّ القرآنِ خاصةً.
الصورة الثانية: فاتته الأولى وأدركَ الثانيةَ وفاتته الأخيرتان، فعلى البناءِ يأتي بركعةِ بالفاتحة فقط ويجلس؛ لأنها ثانيته تغليباً لحُكْمِه، ثم يأتي بالثالثة بالفاتحةِ فقط. وهل يجلس. القولان، ثم بركعة القضاءِ بالفاتحةِ والسورةِ، وتكون هذه الصلاةُ– على الْمَشْهُورِ– كلها جلوساً، وهي أيضاً– على هذا القول– أمُّ جَناحين. وعلى القضاء يأتي بركعةٍ بالفاتحة وسورة ويجلسُ لأنها ثانيته، ثم بركعتي البناء مِن غيرِ جلوس في وَسَطِها.
الصورة الثالثة: فاتته الأُوليان وأدركَ الثالثةَ، وفاتته الرابعة لخروجه للغسل. فعلى البناء يأتي بالفاتحة فقط ويجلسُ اتفاقاً؛ لأنها ثانيته ورابعة إمامه؛ ولأنَّ القضاءَ لا يَقوم له إلا مِن جلوس، ثم يأتي بركعتي القضاءِ بسورتين مِن غير جلوس في وسطهما؛ [١٥/ أ] لعدمِ مُوجِبِ الجلوسِ، فتكون السورتان متأخرتين عكسَ الأصلِ. وعلى القضاءِ يأتي بالفاتحةِ والسورةِ ويجلسُ؛ لأنها ثانيتهُ، ثم بثالثةٍ بالفاتحةٍ والسورةٍ ولا يجلسُ، ثم بركعة البناءِ بالفاتحةِ فقط، وتُسمى هذه الحُبْلَى والمُجَوَّفَةَ؛ لصيرورةِ السورتين في وسطِها.
وَعَلَى الْبِنَاءِ فَفِي جُلُوسِهِ فِي الأَخِيرَةِ إِنْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَةً قَوْلانِ
يعني: إذا كانت ثانيةً لم يدخلها خلافٌ، بل يجلسُ فيها اتفاقاً كما ذكرنا في الصورة الثالثة، وإن كانت غيرَ ثانيةٍ فقولان، كالصورة الأولى والثانية.
стр. 90
وقوله: (الأَخِيرَةِ) أي: بالنسبة إلى صلاة الإمام.
وقوله: (إِنْ لَمْ تَكُنْ ثَانِيَةً) أي: للمأموم، وهو ظاهرٌ مما تقدم.
وَيَجْتَمِعُ الْبِنَاءُ وَالْقَضَاءُ فِي حَاضِرٍ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلاةِ مُسَافِرٍ، وَفِيمَنْ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلاةِ خَوْفٍ فِي حَضَرٍ ....
أي: إذا صلى حاضرٌ خَلْفَ مسافرٍ وفاتَتْه الأُولَى فإنَّ الأُولى قضاءٌ والأخيرتين بناءٌ؛ لأن الحاضرَ إذا صلى خلفَ المسافر لا يَقْصِرُ، وهذه كالصورة الثانية سواءٌ.
وقوله: (وَفِيمَنْ أَدْرَكَ ثَانِيَةَ صَلاةِ خَوْفٍ فِي حَضَرٍ) ظاهر.
وَلا يَبْنِي فِي فَرْحَةٍ، وَلا جُرْحٍ، وَلا قَيْءٍ، وَلا حَدَثٍ، وَلا شَيْءٍ غَيْرِ الرُّعَافِ
هذا ظاهرٌ، ونَبَّهَ على خلافٍ خارجَ المذهبِ.
وحكى المازري وابن العربي عن اشهب أنه يقول فيمن رأى نجاسةً في ثوبِه في الصلاة أنه يغسلُها ويبني. وهذا بعيدٌ عن أصل المذهب.
والقرحة بفتح القاف وسكون الراء: الجُرْحُ، وبغير التاء وفتح القاف وضمها: الجرح أيضاً، وقيل: بالضم ألمُ الجرح؟ قاله عياضٌ.
الْوُضُوءُ: فَرَائِضُهُ سِتٌّ: النِّيَّةُ عَلَى الأَصَحِّ
أي: الفريضةُ الأُولى النيةُ على الأصح؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا أُمِرُوَا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الْدِيِنَ﴾ [البينة: ٥]. وقوله ﵊: "إنما الأعمال بالنيات". خَرَّجَه البخاري ومسلم.
ومقابلُ الأصَحِّ روايةٌ عن مالك في عدم الوجوب، حكاها المازري نصّاً عن مالك في الوضوء، وقال: يتخرج في الغسل. وكذلك ذكر ابن شاس أن ابن حكى عن مالك في كتابه الأوسط أن النية غير واجبة في الوضوء، وقال: ويتخرج في الغسل.
стр. 91
خليل: وفي التخريج نظرٌ؛ لأن التعبدَ في الغسل أقوى، ولم يحفظ صاحبُ المقدمات في وجوب النية في الوضوء خلافاً، بل حكى الاتفاق عليها.
وحكمةُ إيجابِ النية تمييزُ العبادات عن العادات؛ لتبيينِ ما لله عما ليس له، وتمييز مراتبِ العبادات في أنفسها؛ لتمييز مكافآت العبد على فعلهِ، ويظهرَ قدرُ تعظيم العبد لربه.
فمثال الأول الغُسل: يكون عبادةً ويكون تبرداً، وحضورُ المساجد يكون للصلاة ويكون للفرجة، ويكون السجودُ لله وللصنم.
ومثال الثاني الصلاة؛ لانقسامها إلى فرضٍ ونفلٍ، والفرضُ ينقسم إلى فرضٍ على الأعيانِ وفرضٍ على الكفاية، وفرض على منذور وغير منذور.
ومحلُّ النية القلبُ. قال المازريُّ: أكثرُ المُتَشَرِّعِينَ وأقلُّ أهلِ الفلسفةِ على أنَّ النيةَ في القلبِ، وأقلُّ المتشرعين وأكثرُ أهل الفلسفةِ على أنها في الدماغِ.
ورُوي عن عبد الملك في كتاب الجنايات أنَّ العقلَ في الدماغِ.
وَهِيَ الْقَصْدُ إِلَيْهِ: إِمَّا بتَخْصِيصِهِ ببَعْضِ أَحْكَامِهِ كَرَفْعِ الْحَدَثِ أَوِ اسْتِبَاحَةِ شَيْءٍ مِمَّا لا يُسْتَبَاحُ إِلا بِهِ، وَإِمَّا بفَرْضِيَّتِهِ ...
الضمير المجرور بإلى عائدٌ على الوضوء، والباءُ الأُولَى للمُصاحَبَةِ، والثانيةُ للتَّعْدِيَةِ.
وقوله (ببَعْضِ أَحْكَامِهِ) أي: ببعضِ لوازمِ الوضوءِ كرفعِ الحدثِ. وعبارتُه تقتضي أن للوضوءِ أحكاماً، وأن منها رفعَ الحدث، وهو كذلك؛ لأن الوضوءَ له أحكامٌ منها رفعُ الحدثِ عن الأعضاء، ومنها استباحةُ ما كان الحدث مانعاً منه، ومنها امتثالُ أَمْرِ الله تعالى بأداءِ ما افتَرَضَ.
وقوله: (أَوِ اسْتِبَاحَةِ شَيْءٍ مِمَّا لا يُسْتَبَاحُ إِلا بِهِ) الضمير المجرور في (بِهِ) يحَتمل عَوْدَه على الوضوء، ويحتمل عودَه على رفع الحدث، ورجحه بعضُهم؛ لأنه يَلزم على
стр. 92
الأوَّلِ أَنَّ مَن نوى استباحةَ الصلاة، أو القراءةَ في المصحف ونحوَهما لا يُجزئه ذلك؛ لأن ذلك يُستباح بالغُسل من الجنابة.
وأُجيب بأنَّ الغُسلَ مُستَلْزِمٌ للوضوء. وعلى كلا الوجهين يُنتقض كلامُه بالتيمم؛ لأنه تُستباح به العبادةُ، وليس بوضوءٍ. والأَوْلَى أَنْ لو قال: هو استباحةُ ما كان ممتنعاً منه، أو كقول ابن شاس: أو استباحة ما لا يُستباح إلا بالطهارة. لِعُمُومِه.
على أنَّ لقائلٍ أَنْ يقول: في كلام ابن شاس نظرٌ؛ لأنه إن أراد بالطهارةِ الطهارةَ الأصليةَ– أعني الحدثَ الأصغرَ والأكبرَ دونَ بدلهِما– ففيه إطلاقُ العامِّ وإرادةُ الخاصِّ، ويَرِدُ عليه التيممُ. وإن أراد بالطهارةِ الطهارةَ الكبرى أو الصغرى وبدلَهما– فيَرِدُ عليه ما لو نوى بوضوئِه قراءةَ القرآن طاهراً فإنه لا يُجزئه ما أنها لا تُستباح في حق الجُنُبِ إلا بالغسل، والله أعلم.
وقوله: (وَإِمَّا بفَرْضِيَّتِهِ) أي: ينوي أداءَ الوضوء الذي هو فرضٌ عليه. وبه صرح ابن شاس، فإنه قال: أو أرادَ فرضَ الوضوءِ. وعلى هذا يَخرج عنه الوضوءُ للتجديد، ويَدخل فيه الوضوء للنوافل.
وما قاله ابن هارون مِن أنه يَحتمل أن يريد أداءَ ما افتُرِضَ عليه من العبادات. وعلى هذا يَخرج الوضوءُ للنوافل– ليس بظاهر؛ لأن إعادةَ الضميرِ على غيرِ مذكورِ؛ ولأن تخصيصَ [١٥/ب] وضوءٍ بالفريضة– ليس بظاهر، إذ لا وجهَ للتخصيص، والله أعلم.
قال بعضهم: بناءً على أنَّ حقيقةَ رَفْعِ الحَدَثِ مغايرةٌ لاستباحةِ الصلاة– إن صاحبَ السلس والمستحاضة ينويان بوضوئهما الاستباحةَ لا رفعَ الحدثِ؛ لأن الحدثَ دائمٌ. وهذا يَظهر على القول بأن بولَ صاحب السلس حدثٌ، ويَسقط عنه الوضوء لكل صلاة للمشقةِ. وأما على رأي العراقيين الذين يجعلون بولَه كالعَدَمِ، ويَشترطون في الحدثِ الصحةَ والاعتيادَ– فلا يَلزم.
стр. 93
وَوَقْتُهَا مَعَ أَوَّلِ وَاجِبِهِ، وَقِيلَ: مَعَ أَوَّلِهِ
يعني: أنه اختُلف في وقت النيةِ، فالْمَشْهُورِ أنها عند غسل الوجه، وقيل: إنها عند غسل اليدين. وجمعَ بعضُهم بين القولين فقال: يبدأُ بالنية عند أول الفعل، ويَسْتَصْحِبُها إلى أولِ الفَرْضِ. خليل: والظاهرُ هو القول الثاني؛ لأنه إذا قلنا: إنه ينوي عند غسل الوجه. يَلْزَمُ منه أَنْ يَعْرَى غسلُ اليدين والمضمضة والاستنشاق عن النيةِ. فإن قالوا: ينوي له نيةً مُفْرَدَةً. قيل: يَلزم منه أن يكون للوضوء نيتان، ولا قائلَ بذلك.
قاله ابن راشد.
وَفِي الْفَصْلِ الْيَسِيرِ بَيْنَهُمَا قَوْلانِ
أي: بين النية ومحلها.
ابن عبد السلام: والأشهرُ عدمُ التأثير، ومقتضى الدليل خلافُه.
وقال المازري: الأصح في النظرِ عدمُ الإجزاء. ابن بزيزة: وهو الْمَشْهُورِ.
ومن هذا المعنى اختلافُهم فيمن مشى إلى الحمَّام أو إلى النهر ناوياً غُسل الجنابة، فلما أخذ في الطُّهر نسيها. قال عيسى عن ابن القاسم: يجزئه فيهما. وشبه ابن القاسم ذلك بمن أَمَرَ أهلَه فوضعوا له ماءً يَغتسل به من الجنابة. وقال سحنون: يجزئه في النهر لا في الحمام. وقال في البيان: ووجهُه أن النيةَ بَعُدَتْ؛ لاشتغاله بالتَّحْمِيمِ قبلَ الغُسْلِ، وكذلك إن ذهب إلى النهر لِيَغْسِلَ ثوبَه قبل الغُسل، فغَسَل ثوبَه ثم اغتسل، لا يُجزئه على مذهبه، ولو لم يَتحمم في الحمام أجزأه الغُسْلُ، كالنهر سواء، ووجه ما قاله ابن القاسم أنه لما خرج إلى الحمام بنية أن يتحمم ثم يغتسل لم تُرْتَفَضْ عنده النيةُ. انتهى.
ونقل القارفي في قولاً بعدمِ الإجزاء في الحمام والنهر، وفُهم من التقييد باليسير أنه لو كان كثيراً لم يجز بلا خلاف. وقاله المازري.
стр. 94
وَعُزُوبُهَا بَعْدَهُ مُغْتَفَرٌ
العزوب هو انقطاعُ النية والذهولُ عنها.
وقوله: (بَعْدَهُ) أي: بعد وقتها.
ولفظه (مُغْتَفَرٌ) تقتضي أن الأصلَ الاستصحابُ، وهو كذلك، وإنما أسقطه عنه للمشقة.
وَفِي تَاثِيرِ رَفْضِهَا بَعْدَ الْوُضُوءِ رِوَايَتَانِ
هذا الخلافُ في الوضوءِ والحجِّ والصومِ والصلاةِ، وذكر القرافيُّ عن العبدي أنه قال: الْمَشْهُورِ في الوضوء والحج عدمُ الارتفاض، والْمَشْهُورِ في الصوم والصلاة الارتفاضُ. ومقتضى كلامه أن الخلافَ جارٍ بعد الفراغ من الفعل، فإنه قال: رفضُ النية من المشكلات لا سيما بعد تمام العبادة. كما نقله العبدي. فذكر الكلام السابق، ثم قال: والقاعدةُ العقليةُ أَنَّ رفع الواقع محالٌ. انتهى.
وقد أشرنا إلى الفَرْقِ بين هذه الأربعة في باب الصلاة فانظرْهُ.
ابن عبد السلام: وكان بعضُ من لقيته من الشيوخ يُنكر إطلاقَ الخلافِ في ذلك، ويقول: إن العبادةَ المشترط فيها النية إمّا أن تنقضي حِسّاً وحُكماً كالصلاةِ والصومِ بعد خروجِ وقتِهما، أو لا تنقضي حِسّاً ولا حُكماً كما في حال التَّلبُّس بها، أو تَنقضي حساً دون حكمٍ كالوضوء بعد الفراغ منه، فإنه وإن انقضى حسّاً لكنَّ حكمَه– وهو رفع الحدث– باقٍ. فالأولُ لا خلاف في عدم تأثيرِ الرفضِ فيه، والثاني لا خلاف في تأثير الرفض فيه، ومحل الخلاف هو الثالث، وهو أحسنُ من جهة الفقهِ لو ساعدَتْه الأنقالُ. انتهى.
стр. 95
خليل: وقد نصَّ صاحبُ النكت في باب الصوم على خلافهِ، فإنه نصَّ على أنه لو رفض الوضوء– وهو لم يكمله– إن رفضه لا يُؤَثِّرُ إن أكمل وضوءَه بالقُرْبِ. قال: وكذلك الحجُّ إذا رَفَضَه بَعْدَ الإحرامِ ثم عاد فلا شيءَ عليه. قال: وأما إن كان في حين الأفعالِ التي تجب عليه ونوى الرفضَ وفَعَلَها بغير نيةٍ كالطوافِ، فهذا الرافضُ يُعَدُّ كالتاركِ لذلك. انتهى.
وَلَوْ فَرَّقَ النِّيَّةَ عَلَى الأَعْضَاءِ فَقَوْلانِ بِنَاءً عَلَى رَفْعِ الْحَدَثِ عَنْ كُلِّ عُضْوٍ أَوْ بالإِكْمَالِ ....
أي: خصَّ كل عضوٍ بالنية مع قطعِ النظرِ عما بعده. ومنشأُ الخلاف كما المصنفُ: هل يرتفع حدثُ كلِّ عضوٍ حصلت الطهارةُ فيه بانفرادِه أو لا يرتفعُ إلا بإكمال الطهارةِ؟ فإذا غَسَلَ الوجه مثلاً: في قولٍ يرتفع حدثُه عنه، وفي قول لا يرتفع حدثه عنه إلا بَعْدَ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ.
قال في البيان: والأولُ قولُ ابن القاسم في سماع موسى عنه في هذا الكتاب، والثاني لسحنون. قال: والأولُ أظهرُ، واحتج له بقوله ﷺ : "إذا توضأ العبدُ المسلمُ فغَسَلَ وجهَه خرجتْ الخطايا مِن وجهِه حتى تخرجَ مِن تحتِ أَشْفاِر عَينيه". فخروجُ الخطايا دليلٌ على حصولِ الطهارةِ. انتهى.
وقد يُجاب بمنعِ ارتفاع الخطايا بارتفاعِ الحدث، بل لأجل الغسلِ؛ لأن الغسلَ مِن فِعْلِه فيُجازَى عليه، وأما رفعُ الحدثِ فليس مِن فعلِه.
سندٌ: وظاهرُ المذهب عدمُ الصحة. وقال ابن بزيزة: المنصوصُ أنها لا تَفَرَّقُ؛ نظراً إلى أنها عبادةٌ واحدةٌ، فكأن الأعضاءَ كلَّها عضوٌ واحدٌ، والشاذُّ أنها تَفَرَّقُ. واستقرأه القاضي أبو محمد من المدونة، وفيه نظرٌ. انتهى. وفي كلامِهما نظرٌ مع كلام ابن رشد فانْظُرْه.
стр. 96
واستَشْكَلَ [١٦/أ] القرافيُّ في قواعده القولَ بطهارةِ كلِّ عضوٍ بانفرادِه، قال: لأن المنعَ يَتعلق بالمكلَّفِ لا بالعضوِ، فالمكلفُ هو الممنوعُ من الصلاة، لا أن العضوَ هو الممنوعُ من الصلاة، والمنعُ في حقِّ المكلفِ باقٍ ولو غسل جميع الأعضاء إلا لُمْعَةً واحدةً. وأطال في ذلك فانظره.
وَمِنْهُ لابسُ أَحَدِ الْخُفَّيْنِ قَبْلَ غَسْلِ الأُخْرَى عِنْدَ قَوْمٍ
أي: ومن هذا الأصل اختُلف فيمن غسل رجلَه اليُمنى وأدخلها في الخُفِّ، ثم غسل اليسرى فأَدْخَلَها: هل يسمحُ أم لا؟ فإن قلنا: إن الحدثَ يرتفع عن كل عضوٍ بالفراغ منه– مَسَحَ وإلا فلا. وأنكر ابنُ العربي أن يكون هذا أصلاً أو فرعاً في المذهب، وشنَّع على مَن ذهب إليه، وبَنَي الخلافَ في هذه المسألةِ على أن الدوامَ كالابتداءِ أَوْ لا. وإلى هذا أشار المصنف بقوله: (عند قوم) أي: يُفهم منه أنه عند قوم آخرين ليس كذلك.
وَأَمَّا خِلافُ الْقَابِسيَّ وَابْنَ أَبِي زَيْدٍ فِيمَنْ أَحْدَثَ قَبْلَ تَمَامِ غَسْلِهِ ثُمَّ غَسَلَ مَا مَرَّ مِنْ أَعْضَاءِ وُضُوئِهِ وَلَم يُجَدِّدْ نِيَّةً فَالْمُخْتَارُ: بِنَاؤُهُ عَلَى أَنَّ الدَّوَامَ كَالابْتِدَاء أَوْ لا، وَظَاهِرُهَا لِلْقَابِسِيِّ ...
يعني: أن الشيخين القابسي وابن أبي زيد اختلفا فيمن أَحْدَثَ أثناءَ غسلِه بمَسِّ ذَكَرِه أو غيرِه، هل يجب عليه تجديدُ النيةِ إذا غَسَلَ أعضاءَه؟
فقال ابن أبي زيد: يجب عليه التجديد، وإن لم يجدد لَمْ يُجْزِهِ ذلك عن وضوئه. وقال القابسي: يجزئه.
وأَجْرَى هذا الخلافَ على الأصلين المتقدمين. واختار المصنفُ إجراءَه على أن الدوامَ كالابتداءِ.
стр. 97
ووجهُ إجرائِه على الأصلِ الأولِ أنك إذا قَدَّرْتَ أن الطهارةَ حاصلةٌ في أعضاء الوضوء وجبتْ إعادةُ النيةِ عند تجديدِ غسلِها لذهابِ طهارتِها، وإن قَدَّرْتَها غيرَ حاصلةٍ فالنيةُ باقيةٌ فلا يُحتاج إلى تجديدِ النيةِ لبقائِها ضِمْناً في نيةِ الطهارةِ الكبرى.
وأما إجراؤُها على الأصل الثاني فلأنَّ نيةَ الطهارةِ الكبرى منسحبةٌ حكماً، فإن قُدِّرَ الانسحابُ كالابتداءِ لم يُحْتَجْ إلى تجديدِ النية، وإِلاَّ احتيج.
واختار المصنفُ إجراءَ هذا الفرعِ على الأصلِ الثاني، ولم يفعل ذلك في المسألة التي قَبْلَها، لأن اعتبارَ الاستدامةِ لمسألةِ الخفِّ مخالِفٌ لظاهِرِ قوله ﷺ : "دَعْهُمَا فَإِنِّي أَدْخَلتُهُمَا طَاهِرَتَيْنِ".
قوله: (وَظَاهِرُهَا لِلْقَابِسِيِّ) أي: ظاهرُ المدونة مع القابسي؛ لأنه إنما ذَكَرَ إمرارَ اليدينِ مِن غيرِ تَعَرُّض للنية، فلو كانت شرطاً لذَكَرَها، ولأن لفظَ التهذيب: (ومَن مَسَّ ذَكَرَهُ في غُسْلِه مِن جنابةٍ أعاد وضوءَه إذا فرغ مِن غُسْلِه، إِلا أن يُمِرَّ يَدَه على أعضاءِ الوضوء في غُسله فيُجزئه. فأطلَق على الأولِ إعادةً، وعلى الثاني إِمْرَاراً، وخالفَ بين اللفظين وذلك دليلٌ على اختلافِ الحقيقتين، وليس إلا اختلافُ النية، وفيه ضعف، إذ لا يَلْزَمُ مِن عَدَمِ ذِكْرِ شيءٍ عَدَمُ اشتراطِه.
فرع:
إذا قيل بقول القابسي، فغَسَلَ أعضاءَ الوضوءِ بعدَ الفراغِ مِن الطهارةِ الكبرى، فهل يَلْزَمُ تجديدُ النيةِ لانقطاعِ الطهارةِ الكبرى؟ أَوْ لا لأن الفَصْلَ يَسير؟ قولان للشيوخ المتأخرين، قاله المازري.
فَإِنْ نَوَى حَدَثاً مَخْصُوصاً نَاسِياً غَيْرَهُ أَجْزَأَهُ
أي: إذا أَحْدَثَ أَحْدَاثاً فَنَوى منها حَدَثاً ناسياً غيرَه– أَجزأه؛ لتساويها في الحُكْمِ- وسيأتي ما إذا أخرج غيرَه– وأما لو كان ذاكراً للغيرِ ولم يخرجْه فظاهرُ النصوصِ الإجزاءُ. وسواءٌ كان الحدثَ الأولَ أَمْ لا.
стр. 98
وفَرَّقَ بعضُ المخالِفين لنا في المذهب بينَ أَنْ يَنْوِي الحدثَ الأولَ فيجزئُه، وبين أن يَنوي غيرَه فلا يُجزئه، إذِ المؤثرُ في نقضِ الطهارةِ إنما هو الأَوَّلُ، ولو نوى حدثاً غيرَ الذي صَدَرَ منه غَلَطاً فنَصَّ بعضُ المخالفين المتأخرين على الإجزاءِ، وهو أيضاً صحيحٌ على المذهب. قال ابن عبد السلام.
وَفِي الْجُنُبِ تَحِيضُ وَالْحَائِضِ تُجْنِب فَتَنْوِي الْجَنَابَةَ قَوْلانِ، فَإِنْ نَوَتِ الْحَيْضَ فيهِمَا فَالْمَنْصُوصُ يُجّزِئُ لِتَأكُّدِهِ، وَخَرَّجَ الْبَاجِيُّ نَفْيَهُ لِقِرَاءَةِ الْحَائِضِ ....
قوله: (الْجُنُبِ تَحِيضُ وَالْحَائِضِ تُجْنِب) أي: لا فرق بين أن تتقدم الجنابةُ على الحيض أو تتأخرَ، ففُهِم منه أنه يُوافق مَن ذهب إلى هذه الطريقةِ، لا ما ذهب إليه أبو بكر ابن عبد الرحمن مِن أنه إذا تَقَدَّمَ الحيضُ لم تُجْزِئْها نيةُ الجنابة اتفاقاً. قال: لأن الجنابة إذا طرأتْ لم تؤثر شيئاً.
ثم لهذه المسألة ثلاث صور:
الأولى: إن نوتهما معاً فلا إشكال في الإجزاء، ولذلك لم يتعرض لها المصنف لوضوحِها.
الصورة الثانية: أن تنوي الجنابة ناسية للحيض، فهل يجزئها؟ وإليه ذهب أبو الفرج، وابن عبد الحكم، وابن يونس، وهو مذهب المدونة. ولا يجزئُها وإليه ذهب سحنون؛ لأن موانعَ الحيض أكثرُ فلا تندرج تحت الجنابة. ورأى في القول الأول أنهما متساويان في أكثر الأشياء، وإنما يختلفان في الأقلِّ، ومن القواعد جَعْلُ الأقلِّ تابعاً للأَكْثَرِ.
الصورة الثالثة: أن تنوي الحيضَ ناسيةً للجنابةِ. قال المصنفُ: فالمنصوصُ، أي المنقول عن ابن القاسم يُجزئ. ولم يَفْصِلْ بين تَقَدُّمِ الجنابةِ وتَأَخُّرِها.
وقوله: (لِتَأكُّدِهِ) أي: لكثرة موانعه.
стр. 99
وقوله: (وَخَرَّجَ الْبَاجِيُّ نَفْيَهُ لِقِرَاءَةِ الْحَائِضِ) أي نفي الإجزاء، فإن الجنابةَ تمنع القراءةَ، والحيضُ لا يمنعُها على الْمَشْهُورِ. ورُدَّ بأن الحيضَ يمنع مِن القراءة إذا انقطع الدمُ، نصَّ على ذلك عبدُ الحق في نكته. وزاد: وحكمُها حكم الجنب في أنها لا تنام حتى تتوضأَ. وعلى هذا فقد اشتركا في مَنْعِ القراءةِ فلا فَرْقَ.
خليل: وللباجي أن يقولَ: لا يضرُّني ما ذكرتموه؛ لأني إنما ادعيت أن الجنابة تمنع ما لا يمنعه الحيض. وقد سلمتم لي ذلك قبلَ انقطاعِ الدمِ. وفيه نظر؛ لأن فرض المسألة إنما هو بعدَ الانقطاع، وهما إذ ذاك قد اشتركا في المنعِ، والله أعلم.
فَإِنْ خَصَّهُ مُخْرِجاً [١٦/ب] غَيْرَهُ فَسَدَتْ لِلتَّنَاقُضِ كَمَا لَوْ أَخْرَجَ أَحَدَ الثَّلاثَةِ
الضمير في (خَصَّهُ) عائدٌ على الحدثِ المخصوصِ من قوله: (فَإِنْ نَوَى حَدَثاً مَخْصُوصاً).
والمرادُ بالثلاثة رفعُ الحدث، واستباحةُ الصلاة، والفرضية. إذ لو نوى رفعَ الحَدَثِ وقال: لا أستبيح. أو نوى الاستباحة وقال: لا أرفع الحدث. أو نوى امتثالَ أَمْرِ الله تعالى وقال: لا أستبيح الصلاةَ ولا أَرْفَعُ الحَدَثَ– لم يَصِحَّ للتَّضَادِّ.
وفاعل (فَسَدَتْ) عائدٌ على الطهارةِ المفهومةِ من السياقِ.
وقوله: (كَمَا لَوْ أَخْرَجَ أَحَدَ الثَّلاثَةِ) إشارةٌ إلى أن هذا الحُكمَ ليس خاصّاً بهذه المسألة، بل وكذلك لو نَوَتِ الحيضَ، وأَخْرَجَتِ الجنابةَ، أو تَغَوَّطَ وبَالَ، ونوى رفعَ أحدِهما، وأَخْرَجَ الآخَرَ.
فَإِنْ أَخْرَجَ بَعْضَ الْمُسْتَبَاحِ فَثَالِثُهَا: يَسْتَبِيحُ مَا نَوَاهُ دُونَهُ
أي: دُونَ ما لم يَنْوِهِ، مثال ذلك: لو نَوَى أَنْ يُصلي به الظهرَ ولا يُصلي به العصر، أو مسَّ المصحفِ دونَ الصلاةِ، فقيل: يَستبيح ما نواه، وما لم يَنْوِهِ؛ لِقَصْدِ رَفْعِ الحدثِ. قال الباجي: وهو الْمَشْهُورِ.
стр. 100
وقيل: لا يستبيح شيئاً؛ لأنه لما أَخرج بعضَ المستباح فكأنه قَصَدَ رَفْضَ الوضوءِ. والثالثُ: يَسبيح ما نواه دُون ما لم يَنْوِهِ؛ لقوله ﷺ : "وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ ما نَوَى" وتَبعَ المصنفُ في حكاية الثلاثةِ ابنَ شاسٍ. ولم يذكر المازري والباجي غيرَ قولين: الْمَشْهُورِ، والثاني أنه يَستبيحُ ما نواه فقط. وذكر أن ابنَ القصار خرَّجه على القول برفضِ الطهارةِ، قال: لأنه نوى رفضَ طهارتِه بعد ما نواها، فليس له أن يُصلي شيئاً بَعْدَه. لكنْ قال ابن زَرْقُون: اختلف أصحابُنا البغداديون فيمن توضأ ينوي صلاةً واحدًة، فقال بعضُهم: له أن يصلي به جميعَ الصلوات. وقال بعضُهم: لا يصلي إلا تلك الصلاةَ وحدَها. وقال بعضُهم: لا يُصَلِّي به شيئاً. والله أعلم.
وَلَوْ نَوَى مَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الْوُضُوءُ كَالتِّلاوَةِ لَمْ يُجْزِه عَلَى الْمَشْهُورِ
قاعدةُ هذا أن مَن نَوَى ما لا يَصِحُّ إلا بطهارة كالصلاةِ ومَسَّ المصحفِ والطوافِ فيجوزُ له أنْ يَفعل بذلك الطُّهْرِ غيرَه، ومَن نوى شيئاً لا تُشترط فيه الطهارةُ كالنومِ وقراءةِ القرآن طاهراً وتعليمِ العلم– فلا يَجُوزُ له أن يَفعل بذلك الوضوءِ غيرَه على الْمَشْهُورِ. وقيل: يستبيح؛ لأنه نَوَى أن يكون على أكملِ الحالات بِنِيَّةٍ مستلزِمَةٍ لرفعِ الحدثِ عنه.
فرعان:
الأول: لو قصد الطهارةَ المطلقةَ، فإن ذلك لا يرفع الحدثَ؛ لأن الطهارةَ قسمان: طهارةُ نَجَسٍ، وطهارةُ حَدَثٍ. فإذا قصد قصداً مطلقاً، وأَمْكَنَ انصرافُه للنَّجَسِ لم يَرتفعْ حَدَثُه. قاله المازري.
والثاني: لا يَلزم في الوضوء أو الغسل أن يُعَيِّنَ بنيته الفعلَ المستباحَ، ويلزم ذلك في التيممِ. وحكى ابنُ حبيب أن ذلك في التيمم يُشترط على سبيل الوجوب، والْمَشْهُورِ أن ذلك على سبيلِ الاستحبابِ، لا على سبيلِ الإيجاب، فانْظُرِ الفَرْقَ. قال ابنُ بزيزة.
стр. 101
وَلَوْ شَكِّ فِي الْحَدَثِ وَقُلْنَا: لا يَجِبُ. فَتَوَضَّأَ أَوْ تَوَضَّأَ مُجَدَّداً فَتَبَيَّنَ حَدَثُهُ فَفِي وُجُوبِ الإِعَادَةِ قَوْلانِ ......
أي: إذا بنينا على مقابل الْمَشْهُورِ– أَنَّ الشكَّ لا يُوجبُ الوضوءَ– فتوضأ، أو توضأ مجدداً فتبَيَّنَ حدثُه مِن غيرِ شَكٍّ، فالْمَشْهُورِ عدمُ الإجزاءِ، لكونه لم يَقصد بوضوئه رفعَ الحدث، وإنما قَصَدَ به الفضيلةَ.
وقيل: يُجزئه؛ لأن نيته أن يكون على أكملِ الحالات، وذلك يستلزمُ رفعَ الحدث.
فرع:
لو اغتسل وقال: إِنْ كُنْتُ على جنابةٍ فهذا لها. ثم تبين أنه كان جنباً، فروى عيسى عن ابن القاسم: لا يُجزئه. وقال عيسى: يجزئه.
فائدة:
اختُلف عندنا في مسائل: هل يجزئ فيها ما ليس بواجبٍ عن الواجب أم لا؟
المسألة الأولى التي ذكرها المصنف هي ما إذا جَدَّدَ ثم تبين حدثُه.
ومنها ما إذا ترك لمعةً فانغسلتْ ثانيةً بنِيَّةِ الفضيلةِ.
ومنها ما إذا بطلتْ عليه ركعةٌ ثم قام إلى خامسةٍ ساهياً.
ومنها مَن اغتسل للجمعة ناسياً للجنابة.
ومنها مَن سَلَّم مِن ركعتين ثم قام إلى نافلةٍ.
ومنها مَن لم يُسَلِّم ولكنه ظن أنه قد سلم.
ومنها مَن نسي سجدةً ثم سَجَدَ سهواً، أو سَجَدَ للسهو. والْمَشْهُورِ في هذه عدمُ الإجزاءِ.
ومنها من طاف للوداع ناسياً للإفاضة.
стр. 102
ومنها من سَاقَ هدياً تَطَوُّعاً ثم تَمَتَّعَ.
ومنها مَن قال إلى ثالثة مِن غير أن يُسَلِّمَ أو يَظُنُّ السلامَ. والْمَشْهُورِ في هذه الثلاثة الإجزاءُ.
ومنها ما وقع لعبد الملك فيمن نَسي جمرةَ العقبة ثم رماها ساهياً أنها تُجزئه.
وَلَوْ تَرَكَ لُمْعَةً فَانْغَسَلَتْ ثَانِياً بِنِيَّةِ الْفَضِيلَةِ فَقَوْلانِ
هذا ظاهر مما تقدم.
وَلَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ وَالْجُمُعَةَ فَفِيهَا: يُجْزِئُ عَنْهُمَا. وَفِي الْجَلابِ: وَلَوْ خَلَطَهُمَا بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ لَمْ يُجْزِهِ بِنَاءً عَلَى انْتِفَاء التَّنَافِي أَوْ حُصُولِهِ .....
اعلمْ أنّ لهذه المسألة صورتين: إحداهما: أن ينوي غسل الجنابة، وينوي به النيابةَ عن غسلِ الجمعةِ. فهذه الصورةُ لا خلاف فيها أنه يُجزئ لهما.
والثانية: أن يَنوي أن هذا الغسلَ للجنابة والجمعة، وهي المسألة التي ذكرها في الجلاب. ثم اختلف الشيوخ: هلا ما في الجلاب مخالفٌ لما في المدونة؟ وإليه ذهب الأكثرون، وأن قوله في المدونة: (يُجْزِئُ عَنْهُمَا) أي: سواء خلطهما أم لا. وذهب ابنُ العربي إلى أن مسألةَ المدونةِ محمولةٌ على الصورة الأولى، ويكون في كلِّ كتاب مسألةٌ غيرُ التي في الكتابِ الآخَرِ. ويؤيده قولُ ابنُ الجلاب، وهذ المسألة مخرَّجة غيرُ منصوصة، ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهري، إِذْ لو كانت [١٧/أ] في المدونة لكانت منصوصةً. ويضعف قول بعضهم أنه لم يَطَّلِعْ على المدونة أو أنه نسي المسألة؛ لأنه من الأئمة الحفاظ.
وقوله: (ذكرها الشيخ أبو بكر الأبهري) قيل: إن الأبهري خرّجها على مسألةِ ما إذا نوى بحجِّه فرضَه ونذرَه. فعلى القولِ بالإجزاءِ هناك عن الفرض يُجزئ هنا عن الجنابة، وعلى القولِ بالإجزاءِ عن النذر يُجزئ هنا عن الجمعة. وكان المصنف– رحمه الله تعالى-
стр. 103
إنما لم يَحْكِ القولين مُجملين لاختلاف الشيوخ في الفَهْمِ، لكنَّ ذِكْرَه لسببِ الخلافِ مرجِّحٌ لمخالفةِ أحَدِ الكتابين للآخَرِ.
ومعنى التنافي أن نيةَ الفرض الذي هو غسلُ الجنابة منافيةٌ لنيةِ غسل الجمعةِ، إذِ الفرضُ لا يجوز تركُه، والنفلُ يجوز تَرْكُه، والجمعُ بينهما في نيةٍ واحدةٍ جمعٌ بين المتنافيين. أو يقالُ: إن النفلَ جزءٌ من الفرض؛ لأن النفلَ مما يُمدح على فِعله، والفرضُ يُشاركه في هذا، ويَزيد المنعَ مِن الترك فلا تنافي.
وَلَوْ نَوَى الْجَنَابَةَ نَاسِياً لِلْجُمُعَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لا يُجْزِئُ عَنِ الْمَنْوِيِّ فِي الثَّانِيَة، وَلا عَنِ الْمَنْسِيِّ فِيهمَا، وَقِيلَ: يُجْزِئُ، وَقِيلَ: يُجْزِئُ فِي الأُولَى لا في الثَّانِيَةِ. وَقَالَ ابْنُ حَبيبٍ: بِالعَكْسِ ...
يتضح كلامُه هنا بمعرفة الأُولى والثانية، ومَنْوِيِّ الأولى ومنويِّ الثانية. فالأُولى: إذا نوى الجنابة ناسياً للجمعة. والثانية: إذا نوى الجمعة ناسياً للجنابة. ومنويُّ الأولى الجنابةُ ومنسُّيها الجمعةُ. ومنويُّ الثانية الجمعةُ، ومنسُّيها الجنابةُ.
فقوله: (فَعَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ: لا يُجْزِئُ عَنِ الْمَنْوِيِّ فِي الثَّانِيَة) أي: الجمعة (وَلا عَنِ الْمَنْسِيِّ فِيهمَا) أي: الجمعةُ في الأولى والجنابةُ في الثانية.
وحاصلُه أنه إذا نَوَى الجنابةَ ناسياً للجمعة– أنه تُجزئُه عن الجنابة ولا تجزئه عن الجمعة، وإذا نوى الجمعة ناسياً للجنابة لَمْ يُجْزِهِ عن جنابته ولا عن جمعته.
وقوله: (وَقِيلَ: يُجْزِئُ) أي عن المنوي والمنسي في المسألتين، وهو منقولٌ عن أشهب، حكاه ابن شاس عنه فيما إذا نسي الجنابةَ والباجيُّ في عكسها.
وقوله: (وَقِيلَ: يُجْزِئُ فِي الأُولَى لا في الثَّانِيَةِ) أي: يُجزئه في الأولى عن المنسي، ولا يجزئ عن منسي الثانية، وهو قولُ ابن عبد الحكم.
стр. 104
وقوله: (وَقَالَ ابْنُ حَبيبٍ: بِالعَكْسِ) أي: يجزئ عن الجنابة في المسألة الثانية ولا يجزئ عن الجمعة في المسألة الأولى.
فوجهُ قولِ ابنِ القاسم قوله ﷺ : "إنما الأعمال بالنيات". فوَجَبَ أن لا يجزئه عن الجمعة إذا نسيها.
وأما المسألة الثانية فمِن شَرْطِ غُسل الجمعة حصولُ غُسل الجنابة. ورأى أشهبُ الإجزاءَ عن الجمعة إذا نَوى الجنابةَ بناءً منه على أن غُسل الجمعة تنظيفٌ، ورأى الإجزاءَ عن الجنابة إذا نوى الجمعة؛ لأنه نوى أن يكون على أكمل الحالات.
ووجهُ قولِ ابنِ عبد الحكم أنه إذا نوى الجنابة أجزأه عن الجمعةِ بناءً على أنه للتنظيف، وإذا نوى الجمعةَ فقد نوى ما ليس بواجبٍ؛ فلا يَنُوبُ عن الواجب كما لو صلى نافلةً فلا تَنُوب عن الفريضة.
ووجهُ قولِ ابن حبيب أنه إذا نوى الجنابةَ لم يجزئْه عن الجمعة؛ لأن الغُسل لها تعبدٌ وغسلُ الجنابة لا يستلزِمُه، وإذا نوى الجمعةَ فقد نَوى ما يَستلزم الجنابةَ.
وَلا يَصِحُّ وُضُوءُ الْكَافِر وَلا غُسْلُهُ بِخِلافِ الذِّمِّيِّةِ تُجْبَرُ لِلْحَيْضِ لِحَقِّ الزَّوْجِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخِلافِ الْجَنَابَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ......
إنما لم يَصِحَّ وُضوء الكافر ولا غُسله لتعذرِ النيةِ في حقِّه.
وقوله: (بِخِلافِ الذِّمِّيِّةِ تُجْبَرُ) أي: على الغُسل مِن الحيض لحقّ الزوج على الْمَشْهُورِ للنص، وهو قوله تعالى: ﴿ولا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإذَا تَطَهَّرْنَ فَاتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: ٢٢٢].
ومقابلُ الْمَشْهُورِ لا تُجبر، وهو قولُ مالك في العتبية، قال في البيان: والخلاف جارٍ على اختلافِهم في الكفار: هل هم مخاطبون بفروع الشريعة أم لا؟ لأن المُسْلِمَ أُمِرَ أن لا يطأ مَن يَجِبُ عليها الغُسلُ مِن الحيض حتى تغتسل. قال: فإن قيل: فما فائدةُ إجبارها على
стр. 105
الغسل وهو لا يصح إلا بالنية، وهي لا تصح منها؟ قيل: إنما تشترط النية في صحة الغسل للصلاة، وأما الوطء في حق الزوج فلا؛ لأنه متعبد بذلك فيها، وما كان كذلك من العبادات التي يفعلها المتعبد في غيره لم تفتقر إلى نية كغسل الميت، وغسل الإناء سبعاً من ولوغ الكلب.
قال: وقد قيل: إنما لم ير مالك في رواية العتبية أن يجبرها على الاغتسال من أجل أن الغسل لا يصح إلا بنية، وهي لا تصح منها. وإنما قال في المدونة: يجبرها. مراعاة لمن يقول: إن الغسل يجزئ بغير نية. والتأويل الأول هو الصحيح، انتهى باختصار.
قوله: (بخلاف الجنابة) أي: فلا تجبر على الغسل منها؛ لأن وطء الجنب جائز. وروي عن مالك في الثمانية أنه يجبرها على الاغتسال من الحيض والجنابة.
الثَّانِيَةُ: غَسْلُ جَمِيعِ الْوَجْهِ بِنَقْلِ الْمَاءِ إِلَيْه مَعَ الدَّلْكِ عَلَى الْمَشْهُورِ
قوله: (عَلَى الْمَشْهُورِ) عائدٌ على الدلك فقط، أو على الدلك والنقلِ، وفي الأخير نظر؛ لأنَّ ظاهرَ المذهب أن النقلَ غيرُ مشترطٍ خلافاً لأصبغ وغيرهِ، وسيأتي مزيد بيان إن شاء الله تعالى.
وفي الدلك ثلاثةُ أقوال: الْمَشْهُورِ الوجوبُ، والثاني لابن عبد الحكم بنفيِ وجوبه، والثالثُ أنه واجبٌ– لا لنفسه– بل لتحقيقِ إيصالِ الماءِ، فمتى تحقَّقَ إيصالَ الماءِ لطُولِ مُكْثِه أجزأَه. ورأى بعضُهم أن هذا القولَ راجعٌ إلى القولِ بسقوطِ الدلكِ.
وأما النقلُ فقد قال سحنون في العتبية: أرأيتَ الرجلَ يكون في السَّفَرِ، ولا يَجِدُ الماء [١٧/ب] فيصيبه المطرُ، هل يجوز له أن يَنْصِبَ يديه إلى المطر ويتوضأَ به؟ قال لي: نعم. قلت له: وإن كان جنباً هل يجوز له أن يتجرَّدَ ويتطهر بالمطر؟ فقال: نعم. قلت: وإن لم يكن المطر غزيراً؟ فقال لي: إذا وقع عليه من المطر ما يَبُلُّ به جلده فعليه أن يتجرد ويتطهر.
стр. 106
قال في البيان: أما إذا نصب يديه للمطر فحمل فيهما من ماء المطر ما ينقلُه إلى وجهِه وسائرِ أعضائه غاسلاً لها، ومِن بللِه ما يَمسح به رأسَه– فلا اختلاف في صحة وضوئه.
وذهب ابنُ حبيب إلى أنه لا يجوز له أن يمسح بيديه على رأسِه بما أصابه مِن الرشِّ فقط، وكذلك– على مذهبه– لا يجوز أن يَغسل ذراعيه ورجليه مما أصابهما من ماء المطر دون أن ينقل إليهما الماءَ بيديه مِن ماءِ المطر. وحكاه عن ابن الماجشون، وهو دليلُ قولِ سحنون في هذه الرواية، وذلك كله جائزٌ على مذهب ابن القاسم، ورواه عيسى عنه فيما حكاه الفَضْلُ، وذلك قائمٌ من المدونة في الذي توضأ وأَبْقَى رجليه فخاضَ بهما النهرَ فَغَسَلَهُما فيه: إِن ذلك يُجزئه إذا نوى به الوضوء، وإن لم يَنقل إليهما الماءَ بيده. ومثلُه في سماع موسى بن معاوية، ومحمد بن خالد مِن هذا الكتاب. وقد أَجمعوا أن الجُنُبَ إذا انغمس في النهر وتدلَّك فيه للغُسل أنّ ذلك يُجزئه، وإن كان لم ينقل الماء بيده إليه ولا صَبَّه عليه، وذلك يدل على ما اختلفوا فيه من الوضوء.
وأما قوله: (إذا وقع من المطر ما يبل به جسده فعليه أن يتجرد ويتطهر) فمعناه إذا وقع عليه في أول وهلة من ماء المطر ما يَبُلُّ به جسدَه فعليه أن يَتجرَّد ويتطهرَ؛ لأنه إذا مَكَثَ للمطرِ تضاعف عليه البللُ، فكثر الماءُ على جسدِه فأَمْكَنَه التدلكُ. وأما لو لم يقع عليه مِن ماء المطر إلا ما يبل جسدُه لا أكثرَ لَمَا كان ذلك غُسلاً ولا أجزأه؛ لأن الاغتسال لا يكونُ إلا بإفاضةِ الماءِ، أَلا تَرَى إلى قوله في الحديث: "ثمَّ اغْتَسَلَ فَأَفاضَ عَلَيْهِ المَاءَ". وبالله التوفيق. انتهى.
فأنت ترى ابنَ رشدٍ كيف حكى اشتراطَ النقلِ في الصورةِ المذكورةِ، وعلى هذا فالصورُ ثلاثٌ: منها ما اتُفق فيه على عدم النقلِ– وهي مسألةُ النهرِ– كما ذكر ابن رشد. ومنها ما اختُلف فيه – وهي مسألة سحنون. ومنها ما اتُّفق فيه على وجوبِ النقلِ، وهي
стр. 107
إذا أخذ الإنسانُ الماءَ، ثم نفضه مِن يده، ومرَّ بها بعد ذلكَ على العضوِ، فلا يُجزئه، نص على ذلك مالك في العتبية.
ابن رشد: ولا خلافَ فيه؛ لأنه مَسْحٌ، وليس بغسلٍ. وفي المنتقى: لو مسحَ بماءٍ على رأسِه مِن بللِ المطرِ أو غيرِه لَمْ يُجْزِهِ. قاله ابن القاسم. وفيه أيضاً أن ابن القاسم وسحنوناً قالا: يجوز الغسل بماء المطر. كما نقله ابن رشد. وعلى هذا فاتَّفَقَ نقلُ الباجي وابن رشد عن ابنِ القاسم في الإجزاءِ في الغُسل، واختُلف في المسح، والظاهرُ أن له فيه قولين، والله أعلم.
والفرق على هذا القولِ أن قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ [المائدة: ٦] يقتضي وجوبَ النقل، إذ التقدير: أَلْصِقُوا بللَ أيديكم برؤوسِكم، والله أعلم.
وَالْوَجْهُ: مِنْ مَنْبَتِ الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ إِلَى مُنْتَهَى الذَّقَنِ، فَيَدْخُلُ مَوْضِعُ الْغَمَمِ وَلا يَدْخُلُ مَوْضِعُ الصَّلَعِ، وَمِنَ الأُذْنِ إِلى الأُذُنِ، وَقِيلَ: مِنَ الْعِذَارِ إِلَى الْعِذَارِ. وَقِيلَ بالأَوَّلِ فِي نَقِيِّ الْخَدِّ وَبِالثَّانِي فِي ذِي الشَّعَرِ. وَانْفَرَد عَبْدُ الْوَهَّابِ بِأَنَّ مَا بَيْنَهُمَا سُنَّة .....
أي: حدُّ الوجهِ طُولاً مِن منابتِ الشعرِ المعتادِ إلى منتهى الذقنِ. والذقنُ مجتمعُ اللحيين، فبسببِ قولِنَا: (الشَّعْرِ الْمُعْتَادِ) يَغسل الأَغَمُّ ما على جبهته من الشعر، ولا يغسل الأصلعُ ما انحسر عنه الشعرُ مِن الرأس.
وحدُّه عَرْضاً مِن الأُذُنِ إلى الأذن على الْمَشْهُورِ، والقولُ بأنه مِن العذار إلى العذار رواه ابن وهب عن مالك في المجموعة.
والقولُ الثالث حكاه عبدُ الوهاب عن بعض المتأخرين.
والضمير في (بَيْنَهُمَا) عائدٌ على الأذنِ والعذارِ. واستُضْعِفَ قولُ القاضي؛ لأنه إِنْ كان مِن الوجهِ وَجَبَ، وإِلاَّ سَقَطَ، ولا يَثْبُتُ كونُه سنةً إلا بدليلٍ، ولم يَثْبُتْ، وكلامُه ظاهرُ التصورِ.
стр. 108
وَيَجِبُ تَخْلِيلُ خَفِيفِ الشَّعَرِ دُونَ كَثِيفِهِ، وَفِي اللَّحْيَةِ وَغَيْرِهَا حَتَّى الْهُدْبِ، وَقِيلَ: وَكَثِيفُهُ .....
الخفيف ما تظهرُ البشرةُ مِن تحته، والكثيفُ ما لا تظهر. قاله في التلقين.
قوله: (وَيَجِبُ تَخْلِيلُ خَفِيفِ الشَّعَرِ) أي: أَن يُوصِلَ الماءَ إلى البشرة.
وقوله: (دُونَ كَثِيفِهِ) أي: فلا يَجِبُ.
واختُلِفَ في تخليلِ اللحيةِ الكثيفةِ على ثلاثةِ أقوالٍ: أحدُها- لمالك في العتبية- نَفْيُ التخليلِ، وعاب تخليلَها، فيحتمل ذلك الإباحةَ والكراهةَ.
والثاني الوجوبُ، قاله محمد بن عبد الحكم. قال في البيان: وهو قول مالك في رواية ابن وهب وابن نافع. وهو القولُ الذي حكاه المصنف بقوله: (وَقِيلَ: وَكَثِيفُهُ).
والثالث الاستحبابُ لابن حبيب. قال في البيان: وهو أظهرُ الأقوال.
فإن قيل: فما الفرقُ بين الْمَشْهُورِ في الوضوءِ والْمَشْهُورِ في الغُسل، وأنه يَجب فيه تخليلُ الكثيف؟ فجوابُه أن المطلوبَ في الغسل المبالغةُ؛ لقوله تعالى: ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: ٦]. ولقوله ﷺ : "تَحْتَ كُلِّ شَعَرَةٍ جَنَابَةٍ، فَاغْسِلُوا الشَّعَرَ وأَنقُوا البَشَرَةَ". رواه الترمذي والنسائي وأبو داود، ولكنه ضَعَّفَه. بخلاف الوضوء، فإنه إنما أُمِرَ فيه بالوجه، والوجهُ مأخوذٌ مِن المواجهة.
وَيَجِبُ غُسْلُ مَا طَالَ مِنَ اللِّحْيَةِ عَلَى الأَظْهَرِ كَمَسْحِ الرَّاسِ
التشبيهُ هنا في الخلافِ وفي الظهورِ، أي أن الأظهرَ في غَسلِ ما طال مِن اللحية على الذقن الوجوبُ. قال في البيان: وهو الْمَشْهُورِ والمعلومُ مِن قولِ مالكٍ وأصحابهِ. وكذلك الخلافُ في مَسْحِ ما طال مِن شعرِ الرأس.
стр. 109
الثَّالِثَةُ: [١٨/أ] غَسْلُ الْيَدَيْنِ مَعَ الْمِرْفَقَيْنِ. وَقِيلَ: دُونَهُمَا. فَلَوْ قُطِعَ الْمِرْفَقُ سَقَطَ، وَفِي تَخْلِيلِ أَصَابِعِهِمَا: الْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ. وَفِي إِجَالَةِ الْخَاتَمِ: ثَالِثُهَا يِجِبُ فِي الضَّيِّقِ. وَرَابعُهَا: يُنْزَعُ ......
المرفق: بفتح الميم وكسر الفاء، وبالعكس لغتان.
وقوله: (سَقَطَ) أي: على القول الأول، وأما على الثاني فلم يَجِبْ حتى يسقط.
وحكى جماعةٌ عن أبي الفرج أن تخليلَهما واجبٌ لا لنفسِه، بل لتحققِ الوجوبِ كما تقدم في الدَّلْكِ. ولم يُختلف في طلبِ تخليلِ أصابعِ اليدين، وإنما اختُلف في الطلب هل هو وجوبٌ أو ندبٌ. ابن راشد: والْمَشْهُورِ الوجوبُ. وقال في الذخيرة: ظاهرُ المذهب عدمُ الوجوب. والقولُ بِإِجالَةِ الخاتَمِ لابن شعبان، وبعدمِها لمالك، رواه عنه ابنُ القاسم في العتبية والمجموعة. قال ابن المواز: وكذلك ليس عليه إجالتُه في الغُسل.
والثالث لابن حبيبٍ. والرابع حكاه ابن بشير عن ابن عبد الحكم. وليس هو مِن فَرْضِ المسألةِ؛ لأن فرضَ المسألةِ الإجالةُ، لكنْ مِن عادة المصنف التكلمُ على ما هو أعمُّ مِن فرضِ المسألة.
الرَّابِعَةُ: مَسْحُ جَمِيعِ الرَّاسِ لِلرَّجُلِ وَالْمَرأَةِ وَمَا اسْتَرْخَي مِنْ شَعْرِهِمَا، وَلا تَنْقُضُ عِقَصَهَا، وَلا تَمْسَحُ عَلَى حِنَّاءٍ وَلا غَيْرِهِ. وَمَبْدَؤُهُ مِنْ مَبْدَإِ الْوَجْهِ وَآخِرُهُ مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ. وَقِيلَ: آخِرُهُ مَنْبَتِ شَعْرِ الْقَفَا الْمُعْتَادِ. فَإِنْ مَسَحَ بَعْضَهَ لَمْ يُجْزِئُهُ الْمُعْتَادِ. فَإِنْ مَسَحَ بَعْضَهُ لَمْ يُجْزِئُهُ عَلَى الْمَنْصُوصِ. ابْنُ مَسْلَمَةً: يُجْزِئُ الثُّلُثَانِ. أَبُو الْفَرَجِ: الثُّلُثُ وَقَالَ أَشْهَبُ: النَّاصِيَةُ. وَرُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أيضاً الإِطْلاقُ، وَقَالَ: إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ أَجْزَأَهُ وَلَمْ يُقَدِّرْ مَا لا يَضُرُّهُ تَرْكُهُ
اللخمي وابن عبد السلام: ولا خلاف أنه مأمور بالجميع ابتداء، وإنما الخلاف إذا اقتصر على بعضه. ابن عبد السلام: وكان بعض أشياخي يحكي عن بعض شيوخ الأندلسيين أن الخلافَ ابتداءً في المذهب، ولم أَرَهُ. انتهى.
стр. 110
وقوله: (وَمَا اسْتَرْخَي مِنْ شَعْرِهِمَا) أي: على الخلاف المتقدم.
وقوله: (وَلا تَنْقُضُ عِقَصَهَا) أي للمشقةِ، وهو مجازٌ؛ لأن عَقْصَ الشعرِ ضَفْرُهُ ولَيُّهُ. والواحدةُ عِقْصَةٌ، والجمع عقائصُ وعِقَصٌ. ويقال أيضاً للواحدة عقيصة. والعقصة التي يجوز المسح عليها ما تكون بخيط يسير، وأما لو كَثُرَ لم يُجُزْ؛ لأنه حينئذٍ حائلٌ.
الباجي: وكذلك لو ضفرتْ شعرَها بصوفٍ أو شعرٍ لم يجزْ أن تمسحَ عليه؛ لأنه مانعٌ من الاستيعاب. ابنُ يونس: وكذلك الرجل لو فَتَلَ رأسَه يَجوزُ له أن يَمسح عليه كالمرأة. وحكى البَلَنْسِي في شرح الرسالة أنَّ الرجلَ لا يَجوزُ له أن يَفْتِلَ شعرَ رأسِه.
ابن أبي زيد: وتُدخل يديها مِن تحتِ عِقَاصِ شعرِها في رجوع يديها في المسح.
وقولُه: (وَلا تَمْسَحُ عَلَى حِنَّاءٍ) يُريدُ ولا حائلَ غيرَه. والأحسنُ لو قال: وآخره منتهى الجمجمة. لأن مقتضى قوله: (مَا تَحُوزُهُ الْجُمْجُمَةُ) أن الجمجمةَ حائزةٌ للرأس، وليس كذلك، بل هي الرأس.
وقوله: (عَلَى الْمَنْصُوصِ) يحتمل أن يُريد بمقابلةِ الأقوالِ التي ذَكَرَها، ويحتمل أن يريد ما أَلْزَمَ مالكاً بعضُهم مِن قوله: إنَّ الأذنين مِن الرأسِ. ثم قال: إِنْ تَرَكَهما وصَلَّى فلا يُعيد. فقال: يَلزم مِن ذلك الإجزاءُ في حقِّ مَن لم يَعُمَّ رأسَه. ولا يُؤخذ من قول أشهب: (إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ أَجْزَأَهُ) قولٌ في المذهب بإجزاءِ ثلاثِ شعراتٍ كمذهب الشافعي؛ لأن الذي يُفهم من قوله: (إِنْ لَمْ يَعُمَّ رَاسَهُ) عُرْفاً أَخْذُ جزءٍ جَيِّدٍ منه.
تنبيه:
ذكر في النوادر أن شعرَ الصُّدْغَيْنِ مِن الرأسِ يَدْخُلُ في المسحِ. قال الباجي: يُريد ما فَوْقَ العَظْمِ.
следующие страницы →