Полный текст (4 728 стр.). Показаны 841–880 · переход к 846.
стр. 841
المسكين لا يسأل الفقير يسأل، روااه المغيرة عن مالك. وقيل: إنما يمتازان بأن المسكين لا يعلم به بخلاف الفقير. وهي أقوال متقاربة؛ لأن عدم السؤال والعلم مظنة الحاجة.
وَيُشْتَرَطُ فِيهِمَا: الإِسْلاَمُ، وَالْحُرِّيَّة اتَّفَاقاً، وَأَلاَّ يَكُونَ مِمَّنْ تَلْزَمُهُ نَفْقَتُهُ مَلِيّاً
أي: يشترط في الفقير والمسكين ثلاثة شروط: أن يكون حراً، فإن أعطى عبداً، أو أم ولد، أو مدبراً، أو معتقاً إلى أجل، أو معتقاً بعضه لم يجزئ إذا كان عالماً؛ لأنهم في معنى الموسر؛ لأن نفقتهم على من له الرق فيهم، فإن عجز عن الإنفاق عليهم بيع هذا وعجل عتق الآخر، قاله اللخمي.
الثاني: أن يكون مسلماً. الثالث: ألا تجب نفقته على مليء وسواء كان اللزوم للمزكي أو غيره، وهذا هو المعروف. وقال ابن زرقون: أخبرني الفقيه أبو الفضل عياض- ﵀ أن أبا خارجة عنبسة بن خارجة روى عن مالك جواز إعطاء الرجل زكاته لمن تلزمه نفقته، قال: وأظنه روى ذلك عن شيخه أبي عبد الله بن عيسى فإني رأيته بخط بعض أصحابه عنه.
ابن عبد السلام: ورأيت بخط الشيخ الصالح أبي العباس أحمد بن عجلان- ﵀ على هذا الموضع على كلام ابن زرقون ما معناه: أنه عارض هذا النقل بما نقله عياض في "الإكمال" من أنهم أجمعوا على أنه لا يدفعها إلى والديه وولده في حال يلزمه الإنفاق عليهم، ثم جمع الشيخ أبو العباس المذكور بين نقلي عياض بحمل رواية عنبسة على أن ذلك في حال لا تلزمه نفقتهم، ويرى أن فقر الأب ومن في معناه له حالان: الحال الأول: أنه يضيق حاله ويحتاج، لكن لا يشتد عليه ذلك، فهذا يجوز إعطاؤه من الزكاة ولا تلزمه نفقته، بل تبقى ساقطة عن ابنه كما كانت قبل ضيق حاله. والحالة الثانية: أن يشتد ضيق حاله ويصل في فقره إلى الغاية، وهذا يجب على ابنه أن ينفق عليه، ولا يجوز لابنه أن يدفع زكاته إليه. والله أعلم. انتهى كلام ابن عبد السلام.
стр. 842
فرع:
قال اللخمي: إن ادعى أنه فقير صدق ما لم يكن ظاهره يشبه بخلاف لك، وكذلك إن ادعى أن له عيالاً للأخذ لهم، فإن كان من أهل الموضع كشف عن حاله، وإن كان معروفاً بالمال كلف ببيان ذهاب ماله، وإن كانت له صناعة فيها كفاية فادعى كسادها صدق.
قال اللخمي: وأستحسن أن يكشف عنه، وإن لم يعلم هل فيها كفاية أم لا صدق، وإن ادعى أنه من الغارمين كان عليه أن يبين إثبات الدين والعجز عنه؛ لأنه براءة الذمة من الدين. وإن ادعى أنه ابن السبيل أعطي إذا كان على هيئة صفة السفر، قاله مالك في المجموعة. وقال: أين يوجد من يعرفه؟ وقال في الذي يقيم السنة والسنتين ثم أنه يدعي أنه لم يقم إلا أنه لم يجد ماي ذهب به أيعطى على أنه ابن السبيل؟ فقال: المجتاز أبين، وإن صدق هذا أعطي. انتهى.
وَكَذَلِكَ إِنْ كَانَتْ لا تَلْزَمُهُ وَلَكِنَّهُ فِي نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ
يعني: أنه يلحق الملتزم بالنفقة والكسوة بمن لزمته في الأصل، وسواء كان التزامه لها صريحاً أو بمقتضى الحال، كان من قرابته أم لا، قاله ابن عبد السلام. وييقع في بعض النسخ (ولكنه كف بها نفقة وكسوة) والمعنى واحد؛ لأن الضمير في (لَكِنَّهُ) في النسختين عائد على أحدهما لا بعينه؛ أي: الفقير والمسكين في نفقة الملتزم لذلك، وفي بعضها (نَفَقَتِهِ وَكِسْوَتِهِ) ومعناهما واحد؛ لأن كلاً منهما محتمل المعنيين؛ أحدهما: ولكن الملتزم المنفق كف بإعطائه زكاته لمن التزم نفقته وكسوته ما كان التزمه من الإنفاق والإكساء. الثاني: ولكن المعطي للزكاة غير الملتزم كف بها نفقة الملتزم، وإنما لم يجز هنا؛ لأنه أعطاها لغني؛ إذ لو لم يعطها له لكان الملتزم لا يكف نفقته وكسوته.
стр. 843
فَإِنْ انْقَطَعَتْ إِحْدَاهُمَا بِأَحَدِهِمَا جَازَ
الضمير في (إِحْدَاهُمَا) عائد على النفقة والكسوة. والباء في (بِأَحَدِهِمَا) بمعنى (عن). كقوله تعالى: (يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ) ﴿يَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ﴾ [المعارج: ١] [١٤٥/ ب]. والضمير في (بأحدهما) عائد على من تلزم نفقته بالأصالة أو بالالتزام؛ أي: فإن انقطعت النفقة أو الكسوة عن أحد الشخصين، فيجوز له أن يدفع له من الزكاة ما يعذر عليه من النفقة والكسوة، ويمكن أن تكون الباء للسببية، ويكون التقدير: فإن انقطعت النفقة أو الكسوة بسبب إعدام من تلزمه النفقة أو الملتزم جاز أن يعطى. ووقع في بعض النسخ: (عرض بأحدهما فأخذها جاز) وهي واضحة. وفي بعضها: (فإن انقطعت إحداهما بأخذها لم يجز) أي: فإن انقطعت النفقة والكسوة عمن يلزمه ذلك أو التزمه بسبب أخذ الزكاة لم تُجزئ من أعطاها؛ لأنه أعطاها لغني. والله أعلم.
فَإِنْ كَانُوا قَرَابَةً لا تَلْزَمُهُ وَلَيْسُوا فِي عِيَالِهِ، فَثَلاثَةٌ: الْجَوَازُ، وَالْكَرَاهَةُ، وَالاسْتِحْبَابُ
الكراهة: لمالك في المدونة، قال فيها: وأما من لا تلزمه نفقته من قرابة فلا يعجبني أن يلي هذا إعطائهم، ولا بأس أن يعطيهم من يلي تفرقتها بغير أمره، كما يعطي غيهم إن كانوا لها أهلاً. قال اللخمي: فكرهه فيها خوف أن يحمد عليها. والإباحة: رواها مطرف عنه في كتاب ابن حبيب أنه قال: لا بأس بذلك. قال: وحضرت لمالك يعطي زكاته قرابته. والاستحباب: رواه الواقدي عن مالك: قال مالك: أفضل من وضعت فيه زكاتك قرابتك الذين لا تعول وهو ظاهر؛ لما روى المازري أنها صدقة وصلة.
الباجي: ولم يختلف قول مالك في الجواز إذا ولَّى غيره إخراج زكاته.
стр. 844
وَفِيهَا مَنْعُ إِعْطَاءِ زوجةٍ. زَوْجَهَا، فَقِيلَ: بِظَاهِرِهِ. وَقِيلَ: مَكْرُوهٌ. وَفَرَّقَ أَشْهَبُ بَيْنَ صَرْفِهِ عَلَيهَا فِيمَا يَلْزَمُهُ وَغَيْرِهِ، وَفَرَّقَ ابْنُ حَبِيبٍ بَيْنَ صَرْفِهِ عَلَيْهَا مُطْلَقاً وَغَيْرِهِ ..
ما نسب للمدونة من المنع كذلك قال اللخمي، فإنه قال: منع ذلك في المدونة. ونقل ابن القصار عن بعض شيوخه أن ذلك على وجه الكراهة، فإن فعلت أجزأها. قال في الجواهر: وقال أشهب: أكره ذلك، فإن فعلت ولم يرد ذلك عليها فيما يلزمه من مؤنتها حبيب بين صرفه عليها مطلقاً، أي: فيما يلزمه وفيما لا يلزمه، فلا يجزئ. وبين أن يصرف ما تعطيه في مصلحته فيجزئها. ونص ما قاله اللخمي عن ابن حبيب: إن كان يستعين بما تعطيه في النفقة عليها فلا يجزئها، وإن كان في يده ما ينفق عليها وهو فقير ويصرف ما تعطيه في مصلحه وكسوته أجزأها. قال اللخمي: فإن أعطى أحد الزوجين الآخر ما يقضي منه دينه جاز؛ لأن المنفعة في ذلك لا تعود إلى المعطي.
وَفِيهَا: لا يُعْجِبُنِي أَنْ يُحْسَبَ دَيْناً عَلَى فَقِيرٍ فِي زَكَاتِهِ
قوله (لا يُعْجِبُنِي) يحتمل المنع ويحتمل الكراهة، وإلى كُلِّ ذهب القائل، وقد صرح ابن القاسم بعدم الإجزاء؛ لأنه لا قيمة له. وقال أشهب: تجزئه؛ لأنه لو دفع إليه الزكاة جاز له أن يأخذها من دينه. انتهى. فانظر قوله: (لو دفع) هل هو مع عدم التواطؤ على ذلك أم لا وهو الظاهر. وأما على التواطؤ فلا ينبغي أن يقال بالإجزاء؛ لأنه لمن لم يعط شيئاً.
خليل: ولو فصل مفصل فإن كان لا يمكنه الأخذ أصلاً فلا يجزئه، وإن كان يأخذه بلا مشقة فيجزئه، وإن كان إنما يأخذه بمشقة فيكره له ابتداء لأجل المحمدة، ويجزئه إن وقع لما بعد. والله أعلم.
стр. 845
وَفِي اشْتِرَاطِ عَجْزِ التَّكَسُّبِ قَوْلانِ
المشهور: أنه لا يشترط، واشترطه يحيى بن عمر وهو أظهر؛ لقوله ﵊: "لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوى". قال اللخمي: والصحيح على خمسة أوجه، فمن له صنعة تكفيه له ولعياله لم يعطَ، ولا فرق بين أن يكون غنياً بمال أو صنعته، فإن لم تكن فيها كفاية أعطي لتمام الكفاية، فإن كسدت فهو كالزمن، وإن لم تكن له صناعتة ولم يجد بالموضع ما يحترف به أعطى، وإن وجد بالموضع ما يحترف به لو تكلف ذلك فهو محل الخلاف، فيجوز له الأخذ بالقرآن ويمنع بالسنة. انتهى.
وَفِي اشْتِرَاطِ انْتِفَاءِ مِلْكِ النِّصَابِ قَوْلانِ
المشهور لا يشترط. وروى المغيرة عن مالك الاشتراط؛ لقوله ﵊: "أمرت أن آخذ الصدقة من أغنيائهم فأردها على فقرائهم". فجعل المأخوذ منه غنياً مقابلاً للفقير الآخذ. وروي عن مالك أنه لا يجوز إعطاء من له أربعون درهماً. قال في المدونة: وقال عمر بن عبد العزيز: لا بأس أن يعطى منها من له الدار والخادم والفرس. قال مالك: يعطى من له أربعون درهماً. انتهى.
خليل: والظاهر أنه يجوز الإعطاء للفقيه الذي عنده كتب قياساً على قول عمر، وقاله أبو الحسن الصغير. قال اللخمي: واختلف في معنى قوله- ﵊: "لا تحل الصدقة لغني"ز فقيل: هو من كانت له كفاية وإن كان دون النصاب. وقيل: من كان له النصاب؛ لحديث: "أمرت أن آخذ الصدقة"، وقيل: المراد الكفاية. فمن كان له أكثر من نصاب ولا كفاية له فيه حلت له وهو ضعيف؛ لأنه تجب عليه الزكاة فلم يدخل في اسم الفقير، ولأنه لا يدري هل يعيش حتى يفرغ [١٤٦/ أ] ما بيده أم لا. ولا خلاف بين الأمة فيمن له نصاب وهو ذو عيال ولا يكفيه ما في يده أن الزكاة واجبة عليه، وهو في عدد الأغنياء. انتهى.
стр. 846
وَعَلَيْهِمَا اخْتُلِفَ فِي إِعْطَاءِ النِّصَابِ
أي: وعلى القول بعدم اشتراط انتفاء ملك النصاب لا يعطى نصاباً، وعلى المشهور يعطى، وفي هذا البناء نظر؛ لأنه لا يلزم على القول بانتفاء النصاب ألا يعطى الفقير المحتاج نصاباً؛ لأن الفقر قائم به هنا، بخلاف المسألة الأولى، وأشار إليه ابن راشد، وابن هارون. ويدل على صحة هذا: أن التونسي تردد فيمن أعطى نصاباً من الماشية إلا أنه لا يكفيه لجميع السنة لرخص الماشية، هل يجوز له أن يعطى بعد ذلك ما يكفيه لسنته أم لا، إذا كان لا يدخل عليه في بقية سنته شيئ؟ قال: وأما إعطاؤه في مرة واحدة ما يكفيه لجميع السنة إذا لم يدخل عليه فيها شيء، فهو خفيف ولو كان أكثر من النصاب.
وَالْعَامِلُونَ: جُبَاتُهَا ومُفَرِّقُوهَا وإِنْ كَانُوا أَغنِيَاءَ، ويَاخُذُ الْفَقِيرُ بِالْجِهَتَيْنِ
إذ لو اشترط فيهم الفقر لرجعوا إلى الصنفين المتقدمين. قوله: (ويَاخُذُ الْفَقِيرُ بِالْجِهَتَيْنِ) أي: بجهة فقره وبجهة عمله، كما يرث ابن العم إذا كان زوجاً بالجهتين.
ابن عبد السلام: وفي المذهب قول آخر: أنه إنما يأخذ بأكثر الوجهين، فإن كان الذي يستحقه بعمالته أكثر أخذه فقط. انتهى. وما ذكره المصنف من تفسير العاملين بالجباة والمفرقين هو المشهور. وروي عن مالك: أن العاملين هم سقاتها ورعاتها. وهل يجوز أن يستعمل العبد والنصراني؟ فقال محمد: لا يستعملان، إذ لا حق لهم في الزكاة، فإن استعمل استرجع منهما ما أخذاه وأعطيا أجرتهما من الفيء، وأجاز ذلك أحمد بن نصر قياساً على الغني، وعضد بما قاله ابن عبد الحكم: يعطى النصراني الجاسوس منها.
وَالْمُؤَلََّفَةُ قلوبهم- الكُفَّارُ- يُعْطَوْنَ تَرْغِيباً للإِسْلامَ. وقِيلَ: مُسْلِمُونَ ليَتَمَكَنَ إِسْلامَهُمْ. وقِيلَ: مُسْلِمُونَ لَهُمْ أَتْبَاعُ كُفَّارُ لِيَسْتَالِفُوهُمْ. والصَّحِيحُ: بَقَاءُ حُكْمِهِمْ إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهِمْ ....
يعني: أنه اختلف في المؤلفة قلوبهم على ثلاثة أقوال: قيل إنهم كفار يألفون بالعطاء ليدخلوا في الإسلام. وقيل: إنهم مسلمون حديثو عهد بالإسلام فيعطون ليتمكن من
стр. 847
قلوبهم؛ لأن النفوس جبلت على حب من أحسن إليه. وقيل: إنهم مسلمون لهم أتباع كفار ليعطوا أتباعهم استئلافاً لقلوبهم لينقادوا إلى الإسلام بالإحسان. ويؤيد الأول: قول صفوان ابن أمية: أعطاني رسول الله ﷺ وإنه لأبغض الخلق إلي، فما زال يعطيني حتى إنه لأحب الخلق إلي. رواه الترمذي. قوله: (والصَّحِيحُ: بَقَاءُ حُكْمِهِمْ) أي: أن الحكم يدور مع علتهم وجوداً وعدماً. وقيل لا يعطون؛ لأنه حكم تقرر في زمن عمر بن الخطاب- ﵁ والأحكام بعد التقرر لا ترجع، وفيه نظر.
وَالرِّقَابُ: الرَّقِيقُ يُشْتَرَى ويُعْتَقَ، والْوَلاءُ لِلْمُسْلِمِينَ بِشَرْطِ الإِسْلامِ عَلَى الْمَشْهُورِ
ما ذكر هو المشهور، وقال مالك في المجموعة: المراد بالرقاب إعانة المكاتبين في آخر كتابتهم بما يعتقون به، والأول أقرب إلى ظاهر اللفظ بدليل الرقبة في الظهار وغيره، والمشهور اشتراط الإسلام؛ لأن الزكاة تقوية للمسلمين فلا يقوى بها كافر.
وفِي إِجْزَاءِ الْمَعِيبَةِ قَوْلانِ
القول بالإجزاء لابن حبيب، قال: يجزئه عتق الأعمى والمقعد. قاله أحمد بن نصر: والقول بعدم الإجزاء لأصبغ، وقاله ابن القاسم إلا في الخفيف. والأول أظهر؛ لأن المعيب أحوج إلى الإعانة.
وَفِي الْمُكَاتَبِ، والْمُدَبَّرِ والْمُعْتَقِ بَعْضُهُ، ثَالِثُهَا: إِنْ كَمُلَ عِتْقُهُ أَجْزَأَ وإِلا فَلا
تصور كلامه ظاهر، وفي المدونة: لا يعجبني أن يعان بها مكاتب. وفي الموازية: ولا أن يعطى من الزكاة ما يتم به عتقه. ولم يبلغني أن أبا بكر ولا عمر ولا أحداً ممن يقتدي به فعل ذلك. يريد: ولأن الولاء لسيدهم، فيكون بمنزلة من أعتق عبداً وشرط الولاء لنفسه. ولم أر أصحابنا نصوا على الخلاف إلا في المكاتب.
وَالْمَشْهُورُ: لا يُعْطَى الأَسِيرِ لِعَدَمِ الْوَلاءِ
تصوره ظاهر. ومقابل المشهور لابن حبيب، وفيه نظر إلى المعنى.
стр. 848
وَلَوِ اشْتَرَى مِنْهَا وأَعْتَقَ عَنْ نَفْسِهِ لَمْ يُجْزِه عَلَى الْمَشْهُورِ، وعَلَى الإِجْزَاءِ الْوَلاءُ لِلْمُسْلِمِينَ ...
أي: لو اشترى من الزكاة رقبة وأعتقها عن نفسه، إن نوى الولاء لنفسه فالعتق صحيح، والمشهور لا تجزئ؛ لأنه باشتراطه لم يخرج جميع الرقبة المشتراة بمال الزكاة، وهذا قول ابن القاسم. وقال أشهب: يجزئه وولاؤه للمسلمين؛ لأنه شرط وقع في غير محله.
وَالْغَارِمين: مُدَانُو الآدَمِيِّينَ لا فِي فَسَادٍ ولا لأَخْذِ الزكَاةِ
احترز بمدان الآدميين من حقوق الله، وسيأتي. قوله: (لا فِي فَسَادٍ) احترازاً من الذي استدان في شرب الخمر وشبهه، فلا يعان في مثل ذلك بالزكاة. وكذلك ما استدين للغصب والإتلاف إذا كان على وجه العمد، وإن كانت على وجه الخطأ دخلت فيما استدين لما يجوز. وقوله: (ولا لأَخْذِ الزكَاةِ) كما لو كان عنده كفايته فيتسع في الإنفاق ويتداين لأجل الزكاة فلا يعطى، ولو تداين على هذا لا لقصد أخذ الزكاة؛ فمقتضى [١٤٦/ ب] كلامه أنه يعطى.
فَلَوْ نَزَعَ، فَقَوْلانِ
أي: فلو تاب من استدان لسفه، فقيل: لا يعطى؛ لأن ذلك الدين أصله من فساد. وقال ابن عبد الحكم: يعطى وهو الأقرب؛ لأن المنع كان لحق الله، وهو مما تؤثر فيه التوبة.
وَفِي مُدَانِ الزَّكَاةِ والْكَفَّارَةِ قَوْلانِ
ذكر اللخمي أن ابن عبد الحكم حكى هذين القولين، فمن قال بالجواز رأى أن فيه براءة للذمة مع أنها ترجع إلى الفقراء. ابن عبد السلام: والقياس المنع؛ لأنها لا تقوى كدين الآدميين بدليل أنها لا يحاص بها في الفلس. وأيضاً مدين الزكاة إنما يتصور غالباً من تفريط، وذلك يلحقه بما استدين لسفه، وغالب الكفارات أن لها بدلاً بالصوم، فلا
стр. 849
ضرورة في دفع الزكاة إليهم إلا أن يعرض العجز عن الصوم، لكن من أجاز له الأخذ لم يشترط هذا.\
وَفِي دَيْنِ الْمَيِّتِ قَوْلانِ
قال ابن حبيب: يقضي دينه منها. وقال ابن المواز: لا يقضي. والأول أصح، والميت أحق بالقضاء، قاله ابن راشد. وقال ابن حبيب: إنما كان امتناع النبي ﷺ من الصلاة على من عليه دين قبل نزول الآية، فلما نزلت صار قضاء ذلك إلى السلطان.
وَفِي اشْتِرَاطِ نفاد مَا بيَدِهِ مِنْ عَيْنٍ وفَضْلٍ قَبْلَ إِعْطَائِهِ قَوْلانِ، وفِيهَا فِيمَنْ بِيَدِهِ أَلْفٌ وَعَلَيْهِ أَلْفَانِ وَلَهُ دَارٌ وَخَادِمٌ يُسَاوِيَانِ أَلْفَيْنِ، لا يُعْطَى حَتَّى يُوَفِّيَ الأَلْفَ، وقَالَ أَشْهَبُ: يُعْطَى، وَإِنْ كَانَ فِي ثمنهما فَضْلٌ عَنْ سِوَاهُمَا يُغْنِيهِ لَمْ يُعْطَ ..
القول بالاشتراك لمالك في المدونة. مثال العين: أن يكون بيده ألف وعليه ألفان، فالمشهور: لا يعطى حتى يوفى الألف. ومثال الفضل: لو كان له دار وخادم يساويان ثلاثة آلاف وعليه ألفان ويمكنه بيعهما واستبدال دار وخادم بألفين، فالمشهور: لا يعطى حتى يبيعهما ويستبدل ويؤدي الألف الفاضلة. قوله: (وفِيهَا فِيمَنْ بِيَدِهِ أَلْفُ ..) إلخ. هو ما تقدم. وإنما أعاده ليعين المشهور والقائل. وقوله: (وَإِنْ كَانَ فِي ثمنهما فَضْلُ عَنْ سِوَاهُمَا يُغْنِيهِ لَمْ يُعْطَ) ظاهر، كما لو كانت الدار والخادم والمسألة بحالها يساويان أربعة آلاف، فإنه يستبدل داراً وخادماً بألفين ويوفى ألفين في دينه.
تنبيه:
قوله: (وَفِي اشْتِرَاطِ نفاد مَا بيَدِهِ) لا يوافق المدونة؛ لأنه اشترط في المدونة أن يوفي، والنفاد أعم من الوفاء فانظره، لكن الظاهر أنه إنما أراد ما في المدونة بدليل استشهاده.
стр. 850
وَسَبِيلُ اللَّهِ الْجِهَادُ، فَتُصْرَفُ فِي الْمُجَاهِدِينَ وآلةِ الْحَرْبِ، وإِنْ كَانُوا أَغْنِيَاءَ عَلَى الأَصَحِّ ...
يعني: أن المراد بقوله تعالى (وفِي سَبِيلِ اللَّهِ) الجهاد لا الحج، كما ذهب إليه أحمد ابن حنبل لأن هذا اللفظ إذا أطلق تبادر الذهن إلى الغزو. وقوله: (عَلَى الأَصَحِّ) قال صاحب الطراز: هو المشهور؛ لأنا لو اشترطنا فقره لدخل في القسم الأول، ولأنه ﵊ استثنى الغازي من الغني الذي تحرم عليه الصدقة. ابن عبد السلام: إلا أن مالكاً والشافعي كرها ذلك للغني، والعلة على طريق الأولى، ومقابل الأصح لعيسى ابن دينار قال: إذا كان غنياً ببلده ومعه ما ينفق في غزوه فلا يأخذ منها.
تنبيه:
لا يعطى الغازي إلا في حال تلبسه بالغزو، فإن أعطي له برسم الغزو ولم يغز استرد منه، ونص عليه اللخمي وغيره.
وَفِي إِنْشَاءٍ سُورٍ أَوْ أُسْطُولٍ قَوْلانِ
السور: هو المحيط بالبلد. والأسطول: المركب. والمشهور: المنع. وقال ابن عبد الحكم: يجعل منها نصيب للسلاح والمساحي والحبال مما يحتاج إليه في حفر الخندق، وفي المنجنيقات للحصون، وتنشأ منها المراكب للغزو، وتكرى منها النواتية وينشأ منها حصن وهو الظاهر؛ لأن السور والأسطور من آلة الحرب. والله أعلم
وَابْنُ السَّبِيلِ: الْمُسَافِرُ، وتُشْتَرَطُ حَاجَتُهُ عَلَى الأَصَحِّ، فَإِنْ وَجَدَ مُسْلِفاً وَهُوَ مَلِيءُ يقلده، فَقَوْلانِ ..
هذا هو النقل الصحيح لا ما نقله ابن عبد البر من أن المشهور ما روي عن مالك: أن ابن السبيل هو الغازي، وفيه ضعف؛ لعطف أحدهما على الآخر في الآية، على أنه يمكن رد أحدهما إلى الآخر بتأويل، بأن يكون مسافراً وانقطع في الطريق.
стр. 851
قوله: (وتُشْتَرَطُ حَاجَتُهُ عَلَى الأَصَحِّ) الأصح ظاهر. لأن المقصود إنما هو إيصاله إلى بلده، وإن كان غنياً فلا حاجة إلى إعطائه، بخلاف المجاهد فإن المقصود فيه الإرهاب وهو اختيار ابن وهب. وروى أصبغ عن ابن القاسم في الموازية: أنه يعطى منها ابن السبيل وإن كان غنياً في موضعه ومعه ما يكفيه. واخلتف إذا وجد مسلفاً وهو مليء ببلده؛ فلمالك في المجموعة، وكتاب ابن سحنون: لا يعط. وقال ابن القاسم في الموازية: يعطى، وقاله ابن عبد الحكم. قال اللخمي: وهو أحسن. ويشترط في إعطائه ألا يكون في سفر معصية. نص عليه اللخمي.
وَفِي إِعْطَاءِ آل الرَّسُولِ ﷺ الصَّدَقَةَ، ثَالِثُهَا، يُعْطَوْنَ مِنَ التَّطَوُّعِ دُونَ الْوَاجِبِ، وَرَابعُهَا: عَكْسُهُ ...
الإعطاء مطلقاً للأبهري؛ لأنهم منعوا في زماننا حقهم من بيت المال، فلو لم يجز أخذهم للصدقة ضاع فقيرهم، والمنع مطلقاً [١٤٧/ أ] لأصبغ، ومطرف، وابن الماجشون، وابن نافع. ابن عبد السلام: وهو المشهور، وإلحاقهم به ﷺ ، والجواز في التطوع دون الواجب لابن القاسم، ورأى أن معنى ما رواه البخاري من قول رسول الله صلىى الله عليه وسلم: "لا تحل الصدقة لآل محمد" مقصور على الفريضة. ورأى في الرابع أن الواجب لا منة فيه بخلاف التطوع.
وَبَنُو هَاشِمٍ آلٌ، ومَا فَوْقَ غَالِبٍ غَيْرُ آلٍ، وفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلانِ
أي: حيث فرعنا على المنع فلا خلاف أن بني هاشم فما دونهم آلُ، وأما ما فوق غالب ليسوا بآل، وفي بني غالب فما دونهم إلى بني هاشم قولان، والقول بالاقتصار على بني هاشم لابن القاسم في الموازية، والآخر لأصبغ. قال التونسي: وعلى مذهب أصبغ لا
стр. 852
يجوز أن يأخذ الزكاة آل أبي بكر وآل عمر وآل عثمان إذ كانوا مجتمعين مع النبي ﷺ وهم في غالب. وعلى مذهب ابن القاسم: يجوز أن يأخذوها إذ لا يجتمعون معه ﵊ في بني هاشم. انتهى. وهو ﷺ محمد بن عبد الله بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن إلياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان، [١٤٧/ ب] وروي هذا عنه ﷺ واتفقوا على صحته، واختلف فيما سوى ذلك.
وَفِي مَوَالِيهِمْ قَوْلانِ
أي: هل يلحقوا بالأهل أم لا؟ والمشهور: جواز إعطائهم. والشاذ لمطرف، وابن الماجشون، وابن نافع، وأصبغ. قال أصبغ: احتججت على ابن القاسم بقوله ﷺ "مولى القوم منهم" فقال: قد جاء: "ابن أخت القوم منهم". وإنما تفسير ذلك في الحرمة والبر. وأخذ اللخمي بقول أصبغ؛ لحديث أبي رافع قال: بعث رسول الله عليه وسلم رجلاً من بني مخزوم على الصدقة، فقال لأبي رافع مولى رسول الله ﷺ : اصحبني كيما تصيب منها، فقال: لا حتى آتي رسول الله ﷺ فأسأله، فقال: "إن الصدقة لا تحل لنا ولا لموالينا". وهو صحيح ذكره الترمذي في مسنده وفيه فائدة أخرى: أن الصدقة حلالُ لبني مرة فمن بعده إلى غالب خلاف قول أصبغ؛ لأن مخزوماً مجتمعاً معه ﷺ في مرة. انتهى باختصار.
وَلا تُصْرَفُ فِي كَفَنِ مَيِّتٍ، ولا بِنَاءٍ مَسْجِدٍ، ولا لِعَبْدٍ، ولا لِكَافِرٍ
وهذا ظاهر، واختلف هل تدفع لأهل الهوى؟ فأجاز ذلك ابن القاسم، ومنعه أصبغ. وكذلك تارك الصلاة، ولعله على الخلاف في تكفيرهم.
стр. 853
الإِخْرَاجُ: والإِجْمَاعُ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي مَحْضِ العِبَادَات. وَعَلَى نَفْيِ الْوُجُوبِ فِيمَا تَمَحَّضَ لِغَيْرِهَا كَالدُّيُونِ، والْوَدَائِعِ، والمغصُوبِ، واخْتُلِفَ فِيمَا فِيهِ شَائِبَتَانِ كَالطَّهَارَةِ، والزَّكَاةِ، والْمَذْهَبُ: افْتِقَارُهَا مِنْ قَوْلِهِ: فِيمَنْ كَفَّرَ عَنْ إِحْدَى كَفََّارَتَيْنِ بِعَيْنِهَا، ثُمَّ كَفَْرَ عَنْهَا غَلَطاً أَنََّهَا لا تُجْزِئُهُ، وأُخِذَ نَفْيُهُ مِنْ أَنَّهَا تُؤْخَذُ مِنَ الْمُمْتَنِعِ كرهاً وتُجْزِئُهُ، ومِنَ الشَّاذِّ فِي أَنَّهُمْ شُرَكَاءُ. وأَجَابَ ابْنُ الْقَصَّارِ بَأَنَّه يَعْلَمُ فَتَحْصُلُ النِّيَّةُ، وأُلْزِمَ إِذَا لَمْ يَعْلَمْ ...
لما ذكر الْمُخْرَجُ منه والمُخْرِجُ والمصرف ذكر كيفية الإخراج، وقدم النية لأنها أول الواجبات عند الإخراج. وحاصله: أن الفعل ثلاثة أقسام:
قسم تمحض للعبادة: كالصلاة والإجماع على وجوب النية فيه.
الثاني: مقابله كإعطاء الديون، ورد الودائع، والمغصوب فالإجماع أنه لا تجب فيه النية، أي: نية التقرب. وقلنا لا تجب فيه نية التقرب حتى لا ينتقض بما قاله ابن عبد السلام عن الشافعي: أن الحكم عندهم في رد الدين لابد فيه من نية، وأنه لو أعطى بغير نية لما برئت ذمته ولكان له أن يرجع. وقلت: لا تجب؛ لأنه لو نوى لأثيب، كما لو نوى إبراء ذمته وامتثال أمر الله وإدخال السرور على قلب صاحب الدين إلى غير ذلك، وهذا كما قالوا: إن الإمام لا تجب عليه نية الإمامة، لكن الأفضل أن ينويها ليحصل له فضلها.
الثالث: ما اشتمل على الوجهين كالطهارة والزكاة؛ لأن الزكاة معناها معقول: وهي رفق الفقراء وبقية الأصناف، ولكن كونها إنما تجب في قدر مخصوص لا يعقل معناه. وكذلك الطهارة عقل معناها: وهي النظافة، لكن كونها في أعضاء مخصوصة على وجه مخصوص لا يعقل معناه. فاختلف في وجوب النية فيه، وقد بين ذلك بقوله (والْمَذْهَبُ ..) إلخ. وفي كلامه مناقشة؛ لأن قوله: (والمذهب) يقتضي أن ذلك منصوص وليس في المذهب ما يخالفه. وقوله: (مِنْ قَوْلِهِ: فِيمَنْ) يقتضي أن ذلك مستقراً مما ذكره، وهذا
стр. 854
الاستقراء لابن القصار، قال: فإذا افتقر إلى النية في تمييز أحد الفرضين عن الآخر، فأحرى في تمييز الفرض عن النفل، وأجيب بالفرق بين المحلين؛ لأن مسألة الكفارة وجدت فيها نية منافية، وهي: القصد إلى كفارة غير الكفارة المرتبة في الذمة، ولم يقع النزاع في هذا، وإنما وقع حيث لا نية، وإنما تتفق النيتان لو كفر واحدة ثم كفَّر ولم ينو شيئاً. وأجيب بأن جواب مالك بقوله: لا تجزئة عن اليمين الثانية. يؤخذ منه الاشتراط، إذ لو لم يشترط لم يفرق بين عدم النية والنية المنافية كالدين والوديعة. وأما استقراء نفي وجوب النية من مسألة الممتنع فواضح، وكذلك استقراؤه من القول بأن الفقراء كالشركاء؛ لأن الشريك إذا أعطى شريكه نصيبه لا يفتقر إلى نية. فأجاب ابن القصار عما أخذه من قول مالك بإجزاء الزكاة إذا أخذت من الممتنع، بأن قال: هو عالم بأخذها وعلمه بذلك كالنية. ورد بأن العلم بالأخذ أعم من نية التقرب، فلا يستلزمها، وبأنه يلزمه بأن يقول بعدم الإجزاء إذا لم يعلم بالأخذ بعقد النية وما يستلزمها عنده وليس كذلك. واختار ابن العربي في الزكاة المأخوذة كرهاً أنها تجزئ ولا يحصل الثواب.
خليل: وأوضح من هذا في أخذ عدم اشتراط النية ما نص عليه مالك في المدونة في باب كفارة اليمين، أن من كفر عن أحد بعتق أو غيره بأمره أو بغير أمره أجزأه، كعتق عن ميت. والله أعلم.
وَتُؤْخَذُ مِنَ الْمُمْتَنِعِ كُرْهاً وإِلا قَوتلَ
أي: من امتنع من أداء [١٤٨/ أ] الزكاة تؤخذ منه كرهاً إن قدر عليه، وإن لم يقدر عليه إلا بقتال قوتل.
стр. 855
وَمَنْ قَدِمَ بِتِجَارَةٍ، فَقَالَ: قِرَاضٌ، أَوْ وديعة، أو بِضَاعَةً، أَوْ عَلَى دَيْنٌ، أَوْ لَمْ يَحُلِ الْحَوْلُ صُدِّقَ ولَمْ يَحْلِفْ، فَإِنْ أُشْكِلَ أَمْرُهُ، فَثَالِثُهَا: يَحْلِفُ الْمُتَّهَمُ كَأَيْمَانِ الْمُتَّهَمِ ...
تصوره ظاهر.
وَإِخْرَاجُ الْقِيمَةِ طَوْعاً لا يُجْزِئُ، وكُرْهَاً يُجْزِئُ عَلَى الْمَشْهُورِ فِيهِمَا
تصوره ظاهر. قال في المدونة وغيرها: إنه من باب شراء الصدقة، والمشهور فيها أنه مكروه لا محرم. قال في المدونة: ولا يعطي فيما لزمه من زكاة العين عرضاً أو طعاماً، ويكره للرجل شراء صدقته، وبالجملة فإنه اضطرب في ذلك قول ابن القاسم، فقال مرة: تجزئ سواء كان طوعاً أو كرهاً، ذكره في العتبية، وشرط في الموازية الإكراه وأنه لو أعطاها طوعاً لم تجزئه. وذكر القول بالإجزاء مع التطوع في الموازية عن أشهب. وقال مرة: إذا كانوا يضعونها موضعها. وفرق مرة بين أن يخرج عن الحب عيناً فيجزئه، وبين أن يخرج عن العين حباً فلا يجزئه.
وَإِذَا كَانَ الإِمَامُ جَائِراً فِيهَا لَمْ تجز دَفْعُهَا إِلَيْهِ طَوْعاً
أي: إذا كان جائراً في تفريقها أو صرفها في غير مصارفها لم يجز دفعها إليه (طَوْعاً) لأنه من باب التعاون على الإثم، والواجب عليه حينئذ جحودها والهروب بها إن أمكن، وأما إذا كان جوره في أخذها لا تفرقتها- بمعنى: أنه يأخذ أكثر من الواجب- فينبغي أن يجزئه ذلك على كراهة دفعها إليه.
وَإِنْ أُجْبرَ أَجْزَأَتْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ، كَمَا إِذَا أَجْبَرَهُ الْخَوَارِجُ عَلَيْهَا
فإن كان الإمام جائراً وأجبره على أخذها، قال في الجوااهر: فإن عدل في صرفها أجزأت عنه، وإن لم يعدل ففي إجزائها عنه قولان: قيل: ومنشأ الخلاف هل أخذ الإمام
стр. 856
تعد على الفقراء لأنه وكيلهم فتجزئ، أو على رب المال فلا تجزئ. وعين المصنف المشهور من القولين بالإجزاء وهو بين إذا أخذها أولاً ليصرفها في مصارفها، وأما لو علم أولاً أنه إنما أخذها لنفسه فلا، وأما الخوارج فإن كانوا يعدلون في أخذها وصرفها فالأمر أخف.
فَإِنْ كَانَ عَدْلاً دَفَعَهَا إِلَيْهِ. وَفِي تَوليه لإِخْرَاجِ الْعَيْنِ قَوْلانِ، وفِيهَا: لا يَسَعُهُ إِلا أَنْ يَدْفَعَهَا إِلَيْهِ ...
أي: فإن كان عدلاً في أخذها وصرفها، فإنه يجب دفعها إليه وهو ظاهر. أما الماشية: فقد تقدم أن الساعي شرطاً في الوجوب، وأما غيرها؛ فلأن النبي ﷺ والخلفاء الراشدين بعده كانوا يأخذونها من الناس فوجب التأسي بهم، وسواء العين وغيرها، وإن كان في العين قولان: هل يتولى إخراجها، أو إنما ذاك إذا لم يطلبها، وأما إن طلبها فلا يحل لأحد منعها، نص عليه في المدونة وغيرها، قاله ابن عبد السلام.
وَلَوْ ظَهَرَ أَنَّ آخِذُهَا غَيْرُ مُسْتَحَقٍّ بَعْدَ الاجْتِهَادِ وتَعَذَّرَ استرجاعها، فَقَوْلانِ كَالْكَفَّارَاتِ
منشأ الخلاف هل الواجب الاجتهاد أو الإصابة. ابن عبد السلام: والمشهور عدم الإجزاء. وفرق بعضهم فقال بالإجزاء في الغني وبعدمه في العبد والكافر؛ لأنه ينسب إلى تفريط فيهما؛ لأن حالهما لا يخفى غالباً، وهذا إذا كان دافعها لهؤلاء ربها. ابن راشد: وأما إن كان المتولي لدفعها الإمام، فإنها تجزئ ولا غرم عليه ولا على ربها؛ لأنه محل اجتهاد، واجتهاده نافذ. قال صاحب المعونة: وإن كان الإمام عالماً فلم أجد فيها نصاً، والقياس أن الإمام للفقراء وتجزئ ربها، ثم إن وجدت الصدقة بأيديهم انتزعت، وإن كانوا أكلوها، فقال اللخمي: يغرمونها على المستحسن من القول؛ لأنههم صانوا بها أموالهم، وإن تلفت بأمر من الله وكانوا غروه من أنفسهم غرموها، فإن لم يغروا لم يغرموها، وإن لم توجد بيد العبد وكان قد غره بالحرية، فتردد في ذلك بعض الأصحاب هل تكون جناية
стр. 857
في رقبته أم لا؟ قال ابن يونس: الصواب أنها جناية في رقبته؛ لأنه لم يتطوع بدفعها له، وإنما دفعها لقوله: أنا حر. قال: ولا ينبغي أن يختلف في ذلك.
وَالأَوْلَى الاسْتِنَابَةُ وقَدْ تَجِبُ
الأولى للإنسان ألا يتولى تفرقة زكاته خوفاً من المحمدة، وقد تجب الاستنابة إذا علم من نفسه محبة المحمدة ويدخله الرياء، أو لكونه لا يعلم المصارف، أو لجهله المستحق.
وَتُؤَدَّى بمَوْضِعِ الْوُجُوبِ نَاجِزاً
أما إخراجها بموضع وجوبها، فنص في الجواهر أن نقلها غير جائز. وأما كونها ناجزاً، فنص ابن بشير، وابن راشد وغيرهما على أنه إذا وجد سبب الوجوب وشرطه وانتفاء المانع وجب الإخراج على الفور.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَوْ فَضَلَ نُقِلَ إِلَى الأَقْرَبِ وَلا يُدْفَعُ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ شَيْءٌ
فإن لم يجد في بلده من يعطيه الزكاة أو وجده لكن فضل عنهم، فإنها أو ما بقي ينقل إلى أقرب المواضع، قاله مالك في المدونة، وهذا هو الأصل. ابن عبد السلام: وربما قالوا بمقدار ما يحل حولها عند وصولها، أو إنما يرسلها عند الوجوب؟ في المذهب قولان: الأول لابن المواز، والثاني للباجي. ثم إذا أرسلها ففي أجرة النقل قولان، واختلف أيضاً في الإمام إذا احتاج إلى نقلها، فقال مالك: يستأجر عليها من الفيء. وقال ابن عبد الحكم: تباع ويبتاع مثلها في موضع الحاجة.
فَإِنْ أُدِّيَتْ بِغَيْرِهِ لِمِثْلِهِمْ فِي الْحَاجَةِ، فَقَوْلانِ
أي: فإن نقلت من موضع الوجوب إلى موضع آخر مساو له في الحاجة.
стр. 858
ابن عبد السلام: المشهور [١٤٨/ ب] الإجزاء. انتهى. ونسبه الباجي لابن اللباد. وقال سحنون: لا تجزئه. وجه الأول عموم الآية، ولم يخص فيها فقيراً دون فقير. ووجه الثاني حديث معاذ، وفيه: "فترد على فقرائهم".
فَإِنْ كَانُوا أَشَدَّ، فَقَالَ مَالِكٌ: تُنْقَلُ إِلَيْهِمْ، وَقَالَ سَحْنُونٌ: لا تُجْزِئُ
أي: وإن كان ثم بلد أشد حاجة من البلد الذي وجبت فيه الزكاة، فقال مالك في المدونة: فليعط الإمام أهل البلد الذي جيء فيهم ذلك المال ويوجه جله إلى الموضع المحتاج. فظاهره أنه لا بد من صرف شيء منه في بلد الزرع، وعلى هذا فيقرأ كلام المصنف (ينقل) بالياء المثناة من أسفل، وأما إذا قرئ بالتاء المثناة من فوق، فيقتضي أنها تنقل كلها فيصير مخالفاً للمدونة، وقول سحنون يستلزم تحريم النقل. قال ابن بشير: وأما إذا كان بأهل موضعها حاجة من غيرهم ليسو بمنزلتهم لم تجز.
تنبيه:
كلام المصنف يدل على منع النقل إذا كانت حاجة غيرهم مساوية أو أضعف الباجي: هو المشهور. وفي المجموعة: لا بأس أن يبعث الرجل ببعض زكاته إلى العراق، ثم إن هلكت في الطريق لم يضمن، وعلى رواية المنع يضمنها.
فرع:
فإذا قلنا: إنه لا يجوز نقلها من بلد إلى بلد إلا من عذر، فإنه لا بأس أن ينقل زكاته إلى ما يقرب ويكون في حكم موضع وجوبها؛ لأنه لا يلزمه أن يخص بذلك أهل بلد محلته ولا جيرانه، بل يجوز له أن يؤثر أهل الحاجة من أهل بلده، فكذلك ما قرب منها. وروى ابن نافع عن مالك: أن ذلك لمن يكون زرعه على أميال، فلا بأس أن يحمل من زكاته إلى ضعفاء عنده بالحاضرة. وقال سحنون: إذا كان مقدارُ لا تقصر فيه الصلاة، وأما ما تقصر في مثله الصلاة فلا تنقل إليهم الزكاة. انتهى.
стр. 859
وَلَوْ غَابَ عَنْ مَالِهِ وَلا مُخْرِجَ وَلا ضَرُورَةَ عَلَيْهِ فَفِي وُجُوبهَا بِمَوْضِعِهِ قَوْلانِ
يعني: إذا كان المسافر معه مال ناض زكاه، فإن كان له مال غائب عنه ببلده وليس لرب المال وكيل على إخراج الزكاة، ولا ضرورة على رب المال بإخراجها بالموضع الذي هو فيه، فهل يخرجها أم لا؟ قولان وهما لمالك، بناء على مراعاة المالك أو المال. قال صاحب تهذيب الطالب: فهذه المسألة على ثلاثة أوجه: فإن كان ماله كله ناضاً حاضراً معه فلا شك فيه، ولا اختلاف أنه يزكى بموضعه، وهو وجه. والثاني: أن يكون بعض ماله ببلده وبعضه حاضر معه فيزكيه، وأما الغائب عنه ففيه الاختلاف. والوجه الثالث: أن يكون جميع ماله غائباً عنه ببلده، فهذا يكون فيه الاختلاف من قوله: هل يزكيه بموضع هو به أو يؤخره حتى يرجع إلى بلده. وإنما ذلك إذا كان رجوعه قريباً قبل الحول كما قال أشهب. انتهى.
واحترز بقوله: (وَلا مُخْرِجَ) مما لو وكل من يخرجها عنه، فلا يؤمر حينئذ بالإخراج اتفاقاً؛ لئلا يخرج مرتين. قال اللخمي: ويلزمه إذا أراد سفراً بعيداً يعلم أنه لا يعود منه حتى يحل الحول أن يوكل من يخرج عنه.
واحترز بقوله: (وَلا ضَرُورَةَ) من أن يكون على رب المال ضرورة في إخراجها، فإنه لا يلزمه إخراجها حينئذ بالاتفاق.
وَفِي إِخْرَاجِهَا قَبْلَ الْحَوْلِ بِيَسِيرٍ قَوْلانِ، وَحُدَّ بِشَهْرٍ، وَنِصْفِ شَهْرٍ، وَخَمْسَةِ أَيَّامٍ، وَثَلاثَةٍ ..
ابن هارون: المشهور الجواز. والشاذ رواه ابن نافع عن مالك، وهو قول ابن نافع. قال: لا يجزئ قبل الحول ولو ساعة.
خليل: وقوله: المشهور الجواز. إنما نقل صاحب الجواهر والتلمساني وغيرهما الخلاف في الإجزاء وهو أقرب؛ لأنه لا شك أن المطلوب ترك ذلك ابتداء، والجواز قد يوهم خلاف
стр. 860
ذلك، واختلف في حد القرب، فقيل: اليوم واليومان ونحو ذلك، وهو قول ابن المواز. والثاني: أنه العشرة الأيام ونحوها، وهو قول ابن حبيب في الواضحة. والثالث: الشهر ونحوه، وهو رواية عيسى عن ابن القاسم. والرابع: الشهران ونحوهما، وهو قول مالك في المبسوط، هكذا ذكر ابن رشد في البيان والمقدمات.
ابن راشد: والقول بنصف شهر لم أره معزواً. انتهى. ونقله اللخمي وصاحب التنبيهات ولم يعزواه وكان ينبغي أن يقول بنحو الشهر وبنحو الخمسة الأيام.
فرعان:
الأول: إن أخرجها قبل الحول فضاعت فإنه يضمن، قاله مالك في الموازية. قال محمد: ما لم يكن قبله باليوم واليومين، وفي الوقت الذي لو أخرجها فيه لأجزأته. قال في التنبيهات: قيل معنى تجزئه ولا يلزمه غيرها بخلاف الأيام، وذهب ابن رشد إلى أنه متى هلكت قبل الحول بيسير أنه يزكي ما بقي إن كانت فيه زكاة. قال ابن رشد: يأتي عندي على جميع الأقوال، وإنما تجزئ إذا أخرجها بالرخصة والتوسعة، وأما إذا هلكت ولم تصل إلى أهلها ولا بلغت إلى محلها، فإن ضمانها ساقط عنه، ويؤدي زكاة ما بقي عند حلوله إلا ما تؤول على ما قاله ابن المواز كاليوم واليومين. انتهى كلامه في التنبيهات.
الثاني: ما ذكرناه من الإجزاء في التقديم اليسير. قال ابن العربي: هو خاص بالحيوان والعين، وأما زكاة الزرع فلا يجوز تقديمها؛ لأنه لم يملك بعد، نقله في الجواهر.
وَفِيهَا: وَلَوْ زَكَّى دَيْناً أَوْ عَرضاً قَبْلَ قَبْضِهِمَا لَمْ يُجْزِه، وثَالِثُهَا: يُجْزِئ فِي الدَّيْنِ لا فِي الْعَرْضِ ....
أي: ولو زكى عرض الاحتكار بعد الحول وقبل البيع، [١٤٩/ أ] أو ديناً بعد الحلول أو قبل القبض، فمذهب المدونة عدم الإجزاء فيهما؛ لأنه هنا قد يطول قبض الدين وبيع
стр. 861
العرض. وقال أشهب: يجزئ فيهما قياساً على إخرجها قبل الحول بيسير. وقيل: يجزئ في الدين لا في العرض، لأن رب الدين له تسلط على قبضه، بخلاف البيع فإنه لا قدرة له عليه.
صَدَقَةُ الْفِطْرِ الْمَشْهُورُ وُجُوبُهَا
مقابل المشهور السنة، والمشهور أظهر؛ لما في الموطأ عن ابن عمر قال: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر من رمضان. وحمل الفرض على التقدير بعيد، لاسيما وقد خرج الترمذي: بعث عليه رسول الله ﷺ منادياً ينادي في فجاج مكة ألا إن صدقة الفطر واجبة على كل مسلم. وعلى الوجوب، فالمشهور أنها واجبة بالسنة، وقيل بالقرآن، وعلى وجوبها بالقرآن، فقيل بآية تخصها وهي: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى* وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى﴾ [الأعلى: ١٤ - ١٥]. وقيل بالعمومات.
وَفِي وَقْتِهِ أَرْبَعَةٌ: الْمَشْهُورُ لَيْلَةُ الْفِطْرِ، وَطُلُوعُ فَجْرِ يَومه، وَطُلُوعِ الشَّمْسِ، وَمَا بَيْنَ الْغُرُوبَيْنِ. وَفَائِدَتُهُ: فَيمَنْ وُلِدَ أَوْ مَاتَ أَوْ أَسْلَمَ أَوْ بِيعَ فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ
أي: في وقت الوجوب أربعة أقوال. المشهور: غروب الشمس من آخر ليل رمضان وهو مراده بقوله: (لَيْلَةُ الْفِطْرِ) وفي عبارته تسامح. وروي عن مالك: طلوع الفجر من يوم الفطر، وشهره الأبهري. وقال ابن العربي: هو الصحيح. وقيل: طلوع الشمس منه، حكاه القاضي أبو محمد عن جماعة من الأصحاب. قال: ابن الجهم: وهو الصحيح من المذهب. وأنكر بعضهم هذا القول، وقال: لا خلاف فيمن مات بعد الفجر أن الزكاة عليه. وصوب صاحب التنبيهات مقالة هذا المنكر. وروي من غروب الشمس ليلة الفطر إلى غروب الشمس من يوم العيد. وفي المذهب قول خامس: من غروب الشمس ليلة العيد إلى الزوال. وأقرب هذه الأقوال ما شهر المصنف؛ لقول الراوي: صدقة الفطر من رمضان. والفطر من رمضان أوله غروب الشمس. وقوله: (وَفِي وَقْتِهِ) فيه قصور، وأحسن من ذلك لو قال: (وفي زمان الخطاب) كما قال غيره ليعم الوجوب والسنة.
стр. 862
قوله: (وَفَائِدَتُهُ) أي: وفائدة الخلاف تظهر فيما ذكره وفيما يشابهه من الهبة، والصدقة، والميراث، والطلاق.
وَالْمُسْتَحَبُّ: إِخْرَاجُهَا بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ الْغُدُوِّ إِلَى الْمُصَلَّى اتِّفَاقاً، وَوَاسِعُ بَعْدَهُ
أي: أن الزمان الذي يستحب إخراجها فيه غير زمان الوجوب؛ لأنه اتفق على استحباب إخراجها بعد الفجر قبل الغدو إلى المصلى؛ لما خرجه مسلم: أن رسول الله ﷺ كان يأمر بزكاة الفطر أن تؤدي قبل خروج الناس إلى المصلى. وما حكاه من الاتفاق فيه نظر. فقد قال سند: إن ذلك عند من يرى الوجوب في الفجر، وأما على رأي من يرى أنه بطلوع الشمس، فإنه لا يستحب تقديمها على ذلك، وإنما يكون إخراجها قبله رخصة لا أنه أفضل، نقله ابن رشد.
وَفِي تَقْدِيمِهَا بِيَوْمِين أو ثَلاثَةٍ قَوْلانِ
وفي المدونة: وإن أداها قبل ذلك بيوم أو يومين فلا بأس. وقال في الجلاب: وقد يجوز إخراجها قبل يوم الفطر باليومين أو الثلاثة استحساناً. وقال ابن المواز: إذا أخرجها قبل يوم الفطر بيومين يجزئه. ويوم الفطر أحب إلينا، ولو أخرجها قبل يوم الفطر بيومين فهلكت لم يجزئه، وكذلك زكاة الأموال.
قال التونسي: وفي هذا نظر؛ لأن الوقت لو كان مضيقاً كأوقات الصلاة لوجب ألا يجزئ منها شيء ولو قبل الحول بنصف يوم، كما لو صلى قبل الزوال فيجب متى أخرجها فضاعت في وقت لو أخرجها فيه لأجزأت أنها تجزئ في هذا. انتهى بتلخيص.
ونسب اللخمي، والتلمساني عدم الإجزاء لابن مسلمة، وابن الماجشون. قال ابن يونس: وقال سحنون: إن أخرجها قبل الفطر بيوم لم يجزئه، وإنما كان ابن عمر يخرجها قبل الفطر بيومين إلى من يلي إخراجها، وأشار ابن يونس إلى أنه يمكن إن حمل كلام ابن
стр. 863
القاسم على ذلك. قال: ومن حمل كلام ابن القاسم على ظاهره يلزمه أن تجزئه ولو أخرجها أول الشهر، وذلك لا يجوز. انتهى. وفيه نظر. وليس ما قرب كغيره.
وحمل اللخمي وغيره ما في المدونة على ظاهره، وقال: إن علم أنها قائمة بيد من أخذها إلى الوقت الذي تجب فيه أجزأته اتفاقاً. قال: لأن لدافعها إذا كانت لا تجزئ أن ينتزعها، فإن تركها كان كمن ابتدأ دفعها. وقال الباجي، وابن عبد السلام: المشهور عدم الإجزاء إلا أن يفرقها، وفيه نظر.
وَالْمَشْهُورُ: وُجُوبُهَا عَلَى مَنْ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ مَعَهَا. وَقِيلَ: مَنْ لا تجحِفْ بِهِ. وَقِيلَ: إِنَّمَا تَجِبُ عَلَى مَنْ لا يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا. وَقِيلَ: أَخْذُ الزَّكَاةِ ....
يعني: أنه اختلف فيمن تجب عليه على أقوال: المشهور: أنها تجب على كل من فضل عن قوته إن كان وحده، أو قوته وقوت عياله إن كان له عيال صاع، وهو في الجلاب وغيره، وقاله ابن حبيب. اللخمي: وهو موافق لما في المدونة.
والثاني: لعبد الوهاب، قال: يخرج زكاة الفطر من لا تلحقه في إخراجها مضرة من فساد معاشه، أو جوعه، أو جوع عياله، فعلى هذا فلو فضل له من قوته صاع وأكثر وكان إذا أخرجها [١٤٩/ ب] يلحقه الإجحاف في معاشه لا يجب عليه إخراجها.
والقول الثالث نقله اللخمي عن ابن الماجشون، ولفظه: وقال ابن الماجشون في المبسوط: الحد الذي تجب وتسقط به من حال اليسر والفقر، أن من كانت تحل له سقطت عنه. وقاله مالك في كتاب محمد: قيل له إن كانت له عشرة دراهم فأخرج زكاة الفطر أيأخذ منها، قال: أيخرج ويأخذ؟ لا، إذا كان هكذا فلا يأخذ، قيل: إذا كانت له عشرة دراهم فلا يأخذ منها، قال: ليس هذا حد معلوم. انتهى.
стр. 864
وقوله: (وَقِيلَ: أَخْذُ الزَّكَاةِ) فيه نظر؛ لأن هذا القول إنما ذكره ابن بشير وغيره تفريعاً على قول ابن الماجشون، وهو أنه إذا قلنا إنما تجب على من لا يحل له أخذها على قولين، وعلى هذا فالأولى: أن يسقط هذا القول هنا ويكتفي بما سيذكره في قوله: ومصرفها مصرف الزكاة. وقيل: الفقير الذي لم يأخذ منها. وقد ذكر صاحب البيان أن المذهب لم يختلف في أنه ليس من شرطها أن يملك المخرج نصاباً فتأمله. ويبين لك ما ذكرناه أن كلامه هنا ليس بجيد؛ لأنه لا يخلو إما أن يبنى على القول بأن مصرفها مصرف الزكاة، أو على القول بأن مصرفها الفقير الذي لم يأخذ منها، وأياً ما كان فيلزم عليه إشكال، أما الأول فيتداخل القول الثالث والرابع؛ لأن من لا يحل له أخذ زكاة المال لا يحل له أخذها وبالعكس، إذ مصرفها مصرف الزكاة. وأما على القول الثاني فيلزم أحد أمرين؛ إما أن يتداخل الثالث مع المشهور، وإما حصول غرابة في النقل، وذلك أنا إذا بنينا على القول بأن مصرفها الفقير الذي لم يأخذ منها، فإذا أخذ فقير صاعاً من زكاة الفطر ولم يكن عنده غيره، فهذا لا يحل له أخذ صاع ثان، وحينئذ إما أن تقول يجب عليه إخراجه أم لا، فإن قلت بعدم الإخراج لزم التداخل مع القول الأول، إذ يشترط أن يفضل له صاع عن قوته. وإذا قلنا بوجوب الإخراج ففيه إشكال من جهة المعنى، ويعز وجوده ولا يخفى وجه إشكاله. والله أعلم.
فروع.
الأول: إذا قدر على بعض الزكاة. قال صاحب الطراز: ظاهر المذهب أنه يجزئه، لقوله ﵊: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم".
الثاني: هل تسقط عنه الزكاة بالدين أم لا كالماشية، والقول الأول قول عبد الوهاب، والثاني لأشهب.
стр. 865
الثالث: إذا وجد من يسلفه وهو محتاج، قال في المدونة: يتسلف ويخرج. وقال محمد: لا يلزمه ذلك.\
والرابع: فإذا لم يكن له إلا عبد، فقال مالك: يخرج الزكاة، ورآه موسراً. ونقل أيضاً عنه أنه لا شيء عليه، فلم يره موسراً به.
وَتَجِبُ عَلَيْهِ عَمنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ خَاصَّةً بِالْقَرَابَةِ وَالرق كالآبَاءِ والأبناء والْعَبِيدِ ....
لما في الصحيح: أن رسول الله ﷺ فرض زكاة الفطر من رمضان على كل مسلم. ومفهومه سقوطها عن غير المسلم. وفي الدارقطني عن ابن عمر قال: أمر رسول الله ﷺ بزكاة الفطر عن الصغير والكبير عمن تمونون. وقوله: (كالآبَاءِ والأبناء) راجع إلى القرابة. (والْعَبِيدِ) راجع إلى الرق.
وَالْمَشْهُورُ: وَبِغَيْرِهِمَا، كَالزَّوْجَةِ وَخَادِمِهَا وَإِنْ كَانَتْ مَلِية، وَزَوْجَةِ الأَبِ الْفَقِيرِ وَخَادِمِهِ ....
مقابل المشهور في الزوجة لابن أشرس قال: لا يلزمه أن يخرج عنها.
ابن عبد السلام: ومن أوجب ذلك ألحقها بالقرابة، كما قال المؤلف أنها قسم ثالث ومن أسقط ألحقها بالإجزاء، وتمسك الشاذ بأنها لو ألحقت بالقرابة لوجب مساواة حكمها فتسقط عن الزوج بملائها، ولعل هذا هو المعنى الذي أوجب جعل الزوجة قسماً ثالثاً، ووجب أداؤها عن زوجة الأب الفقير وخادمه وخادم الزوجة بحكم التبعية.
وَإِنِ اشْتُرِيَ يَوْمَ الْفِطْرِ فَرَجَعَ إِلَى أَنَّهَا عَلَى الْبَائِعِ
المرجوع إليه مبني على أنها تجب بالغروب لا بالفجر، ولعله في المرجوع عنه رأى الوجوب متسعاً فلذلك أوجبها على المشتري؛ لانتقال الملك إليه في وقت الوجوب.
стр. 866
وحكي عن أشهب قول ثالث بوجوبها على كل واحد منهما. وحكي أيضاً عنه رابع أنها تجب على البائع وتستحب على المشتري حكاهما في التنبيهات.
وَالْمَبِيعُ بِالْخِيَارِ، وَالأَمَةُ الْمُتَوَاضِعَةُ عَلَى الْبَائِعِ
وذلك لأن عليه نفقتهما وضمانهما عليه وله غلتهما. قال سند: ومن قال إن الملك ينتقل بالعقد إلى المشتري جعل الزكاة على المشتري، فأشار إلى أن هذه المسالة تأتي على القاعدة المذكورة في بيع الخيار هل هو منحل حتى ينبرم، أو هو منعقد، وهذا إن قاله نصاً فواضح، وإن كان تخريجاً فيه نظر. ومراد المصنف: إن كان البيع فيهما قبل ليلة العيد.
وَالْعَبْدِ بِشِرَاءٍ فَاسِدٍ عَلَى الْمُشْتَرِي
ما ذكره هو قول ابن القاسم؛ لأن ضمانه من المشتري. وقال أشهب: إنما تجب عليه إذا مضى يوم الفطر وقد فات، وإلا فهي على البائع. وروي عن أشهب في الموازية: أنه على كل واحد من البائع والمشتري زكاة. وقال ابن الماجشون: إن فاتت ولم يفسخ فهي من المشتري ولو لم يفت إلا بعد يوم الفطر.
وَالْمُخْدَمُ يُرْجَعُ [١٥٠/ أ] إِلَى حُرِّيَّةِ عَلَى مَخْدُومِهِ. وَإِلَى رِقٍّ، ثَالِثُهَا: إِنْ طَالَتْ فَعَلَى الْمُخْدَمِ ...
يعني: أن من أخدم عبده رجلاً ثم هو حر، فإن الزكاة على الرجل المخدم؛ لأن النفقة عليه ولم يبق لسيده منفعة، وإن كان يرجع إلى رق كما لو أخدمته رجلاً خمس سنين ثم هو بعد ذلك غير حر، فقال في المدونة: هي على مالك الرقبة إن قبل الوصية كما لو أخدم عبده رجلاً فصدقة الفطر عنه على سيده الذي أخدمه. انتهى. وفي الموازية: على مالك الخدمة في الوجهين إن كانت رقبته ترجع إلى السيد أو غيره. وفرق ابن الماجشون، فقال: إن قلت الخدمة فهي على مالك الرقبة، وإن طالت فهي على مالك المنفعة. ومنشأة الخلاف
стр. 867
النظر إلى الملك أو النفقة على أنه قد اختلف قول مالك في نفقة هذا العبد المخدم، هل على سيده أو على الذي له الخدمة. قال في التنبيهات: وروي أن نفقة المخدم من مال نفسه لا على السيد ولا على المخدم، وحكاها ابن الفخار، وهذا القول هو الذي ذكره أصحاب الوثائق أنها من كسبه وخدمته وما بقي للمخدم، إلا أن تكون الأيام قليلة فتكون نفقته على رب العبد. قال: وقيل إن الخلاف إنما هو في الكثيرة، وأما القليلة فهي على رب العبد، وهو مذهب سحنون. انتهى.
وَالْمَشْهُورُ: أَنَّ الْمُشْتَرَكَ عَلَى الأَجْزَاءِ لا عَلَى الْعَدَدِ
كما لو كان عبداً لثلاثة، لأحدهم نصفه وللآخر ثلثه وللآخر سدسه، فعلى المشهور: يجب على كل بقدر نصيبه. وقيل: تجب على العدد؛ أي: يجب على كل واحد ثلث صاع. وروي عن مالك: أن على كل واحد زكاة كاملة وأنكرها سحنون ولم يعرفها.
وَفِي الْمُعْتَقِ بَعْضُهُ ثَلاثَةٌ: الْمَشْهُورُ عَلَى السَّيِّدِ حِصَّتُهُ، وَعَلَيْهِمَا، وَعَلَى السَّيِّدِ الْجَمِيعُ ..
كما لو كان نصفه معتقاً. فعلى المشهور: يجب على السيد نصف صاع ولا شيء على العبد. والقول الثاني لمالك في المبسوط: يؤدي السيد بقدر ما يملك ويؤدي العبد بقدر ما عتق منه، وحكاه ابن حبيب عن أشهب. والقول الثالث لعبد الملك: نظراً إلى أنه لو مات ورث جميع ماله.
وَعَنِ الآبِقِ الْمَرْجُوِّ
لأن الإباق لا يخرجه عن ملكه، واحترز بالمرجو من غير المرجو، فلا تجب زكاته حينئذ لأنه كالعدم.
стр. 868
وَعَلَى رَبٍّ الْمَالِ فِي عَبَيدِ الْقِرَاضِ. وَقَالَ أَشْهُبُ: تُسْقُطُ حِصَّةُ الْعَامِلِ مِنَ الرِّبْحِ
لا يخفى عليك تصوره.
وَقَدْرُهَا: صَاعٌ مِنَ الْمُقْتَاتِ فِي زَمَانِهِ ﷺ مِنَ الْقَمْحِ، وَالشَّعِيرِ، وَالسُّلْتِ، وَالزَّبِيبِ، وَالتَّمْرِ، وَالأَقِطِ، وَالذُّرَةِ، وَالأُرْزِ، وَالدُّخْنِ، وَزَادَ ابْنُ حَبِيبِ الْعَلَسَ. وَقَالَ أَشْهَبُ: مِنَ السِّتِّ الأُوَلِ خَاصَّةً.
تقديرها بالصاع في جميع الأنواع هو المعروف، وقال ابن حبيب: تؤدي من البر مدين لا صاعاً، وقوله: (الْمُقْتَاتِ فِي زَمَانِهِ ﷺ أي: في سائر الأقطار ولم يرد بلداً معيناً كما فهم ابن عبد السلام واعترض. وأما قصر أشهب الإجزاء على الستة الأول، فإنه يرى أن الاقتصار على ما جاء الحديث ب، وإن كان ليس في الحديث نص على البر والسلت لكنهما أطيب من الشعير، فينتظم فيهما قياس الأحرى بخلاف ما بقي، قاله ابن عبد السلام. واستحب أشهب الترتيب، نقل عنه ابن يونس أنه قال في المجموعة: أحب إلى أن تؤدي في البلدان من الحنطة، وأداء السلت أحب إلى من الشعير، والشعير أحب إلى من الزبيب، والزبيب أحب إلى من الأقط، والظاهر أن محمل الخلاف بين ابن حبيب والمذهب في العلس، وبين أشهب والمذهب في الثلاثة إذا كان العلس أو الثلاثة غالب عيش قوم، وغير ذلك موجود وكان الجميع سواء، فابن حبيب يرى الإخراج من العلس في الصورة الأولى، والمشهور يخرج من التسع، وأشهب يرى الإخراج من الستة.
فَلَوِ اقْتِيتَ غَيْرُهُ كَالْقَطَانِيِّ، وَالتِّينِ، وَالسَّوِيقِ، وَاللَّحْمِ، وَاللَّبَنِ، فَالْمَشْهُورُ: يُجْزِئُ
أي: فلو اقتيت ما ذكر، فهل يجزئ الإخراج منه؟ فالمشهور: أنه يجزئ؛ لأن في تكليفه غير قوته حرجاً عليه. ورأى في القول الآخر الاقتصار على ما ورد في الحديث، ورواه ابن القاسم عن مالك في القطاني أنه لا يخرج وإن كانت قوته.
стр. 869
وَفِي الدَّقِيقِ بِزَكَاتِهِ قَوْلانِ
قال مالك: لا يجزئ إخراج الدقيق. قال ابن حبيب إنما ذلك للريع، فإن أخرج منه مقدار ما يخرج من صاع القمح أجزأ، وقاله أصبغ، وجعله بعضهم تقييداً. ووجه عدم الإجزاء: أن في الدقيق تحجيراً؛ لأن القمح يصلح لما لا يصلح له الدقيق، ولو جاز الدقيق لجاز الخبز. قوله: (بِزَكَاتِهِ) احترازاً مما إذا أخرجه بغير زكاته فلا يجزئه اتفاقاً.
وَتخرُجُ عَنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ، فَإِنْ كَانَ قُوتهُ دُونَهُ لا لِشُحٍّ فَقَوْلانِ
يعني: أن التسعة المقدمة هي متعلق الوجوب من حيث الجملة، وأما من حيث التفصيل، فيتعين في حق كل بلد غالب قوتهم، فأهل مصر يتعين في حقهم القمح، وإن كان قوته أفضل فله أن يخرج من قوته، فإن أخرج من قوت الباد أجزأه، وإن كان يقتات الأدنى لعسر أخرج منه؛ لقوله تعالى: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلاَّ مَا آتَاهَا﴾ [الطلاق: ٧] وإن كان مع الوجدان كالبدوي يأكل الشعير بالحاضرة وهو مليء فقولان، ومفهوم كلامه أنه لو فعل ذلك [١٥٠/ ب] شحاً لكلف أن يخرج من قوت البلد اتفاقاً.
ومَصْرِفُهَا مَصْرِفُ الزَّكَاةِ. وقِيلَ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَاخُذْ مِنْهَا. وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُعْطَى الْوَاحِدُ عَنْ مُتَعَدِّدٍ ....
ظاهر كلامه أنها تصرف في الأصناف الثمانية، وليس كذلك، فقد نص في الموازية على أ، هـ لا يعطى منها من يليها ولا من يحرصها. وظاهر كلامهم: أنه لا يعطى منها المجاهد، وأكثر كلامهم تعطى للفقراء والمساكين. وقوله: (وقِيلَ: الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَاخُذْ مِنْهَا) هو قول أبو مصعب. ونصه على ما نقل اللخمي: وقال أبو مصعب: لا يعطاها من أخرجها ولا يعطى فقير أكثر من زكاة إنسان وهو صاع. قال اللخمي: وهو الظاهر؛ لأن
стр. 870
الغرض إغناؤه في ذلك اليوم، كما قال ﵊، بخلاف زكاة المال، فإن القصد بها إغناء الفقير عما يحتاجه من النفقة والكسوة في المستقبل. وقد قيل: إنه يعطي ما يكفيه في السنة، وقد قيل: إنه لا بأس أن يعطي الزكاة من له نصاب لا كفاية له فيه، ولا أعلمهم يختلفون أنه لا يعطى زكاة الفطر من يملك نصاباً. انتهى.
وإِذَا أَدَّى أهل الْمُسَافِر عَنْهُ أَجْزَأَهُ
هذا ظاهر إذا كانت عادتهم تلك أو أوصاهم، وإلا فالظاهر عدم الإجزاء لفقد النية والله أعلم.
* * *
стр. 871
الصِّيَامُ وَاجِبٌ- كَرَمَضَانَ، وَالْكَفَّارَاتُ وَالنُّذُورُ- وَنَفْلٌ. وَرَمَضَانُ وَاجِبٌ بِإِجْمَاعٍ، وَفِي تَكْفِيرِ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ صَوْمِهِ كَمَا فِي الصَّلاةِ ...
لا خلاف في وجوبه وهو في اللغة يطلق على الإمساك. وفي الشرع: إمساك عن شهوتي البطن والفرج يوماً كاملاً بنية التقرب. وشرع لمخالفة الهوى؛ لأن الهوى يدعو إلى شهوتي البطن والفرج، ولكسر النفس، ولتصفية مرآة العقل، والاتصاف بصفات الملائكة، ولينتبه العبد على مواساة الجائع.
وقول ابن حبيب بالقتل كفراً في تارك الصلاة أقوى منه في الصوم؛ لأنه لا يوجد له من الأدلة هنا مثل الصلاة، ولأنَّا لا نعلم أحداً يوافقه في الصوم إلا الحكم بن عيينة، بخلاف الصلاة فإنه وافق في ذلك جماعة من الصحابة والتابعين.
وَشَرْطُ صِحَّتِهِ الإِسْلامُ، ويستحب قَضَاءُ يَوْمِ إِسْلامِهِ
جعله (الإِسْلامُ) شرط صحة مبني على خطاب الكفار، واستحب له أن يقضي (يَوْمِ إِسْلامِهِ)؛ لأنه لما أسلم في بعض النهار وخوطب بأحكام الإسلام، ولم يمكنه صيام ما بقي، لكون الصوم لا يتبعض، واستحب له القضاء ليحصل له ثواب ذلك اليوم، واختلف في إمساكه بقية ذلك اليوم، هل هو واجب أم لا؟ كما سيأتي.
وَشَرْطُ وُجُوبِهِ: الْبُلُوغُ وَالْعَقْلُ وَالنَّقَاءُ مِنَ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ جَمِيعَ النَّهَارِ
الظاهر أن (جَمِيعَ النَّهَارِ) راجع إلى الحيص والنفاس ويشاركهما في ذلك البلوغ ولا يعود على العقل؛ لأن الإغماء إذا كان في أقل النهار وأوله سالم لا أثر له. ويحتمل عوده على الجميع ويكون ما ذكره في العقل جارياً على بعض الأقوال كما سيأتي. ويبعد هذا الوجه كون المصنف لم يذكر في الصورة المذكورة خلافاً. والله أعلم.
стр. 872
وجعل النقاء من الحيض والنفاس شرطاً في الوجوب يلزم منه أن يكون القضاء بأمرٍ جديد وهو الصحيح، خلافاً لعبد الوهاب في قوله: إنه شرط صحةٍ وتحقيقها في الأصول. ابن راشد: وفي كلامه تجوز؛ لأن الحيض والنفاس مانعان، فكان ينبغي أن يقول: الوجوب يتوقف على وجود الشرط وهو البلوغ والعقل، وعلى انتفاء المانع وهو الحيض والنفاس؛ لأن تأثير الشرط في العدم وتأثير المانع في الوجود.
وَلا يُؤْمَرُ بِهِ الْمُطِيقُ عَلَى الْمَشْهُورِ بِخَلافِ الصَّلاةِ
الفرق للمشهور أن الصلاة تتكرر كثيراً وأحكامها كثيرة فأمر ليتمرن، وإلا لكانت تشق عليه عند بلوغه بخلاف الصوم فإنه إمساك فقط وليس هو إلا مرة واحدة في العام والشاذ الاستحباب، رواه أشهب في المجموعة.
واختاره ابن الماجشون وابن حبيب، ويؤمر بقضاء ما أفطر فيه، فإن عجز قضاه إذا قوي.
وَمَنْ بَلَغَ عَاقِلاً وَقَلَّتْ سِنُو إطباقه فَالْقَضَاءُ اتِّفَاقاً، بِخِلافِ الصَّلاةِ، وَإِلا فَثَالِثُهَا: إِنْ قَلَّتْ وَجَبَتْ، وَالْمَشْهُورُ: الْقَضَاءُ ...
لما تكلم على الشرط الأول وهو البلوغ تلكم هنا على الثاني وهو العقل، يعني: أن هذه المسالة على أربعة أقسام: الأول، أن يبلغ عاقلاً وتقل سنو إطباقه كالخمس فعليه القضاء اتفاقاً. وقاله اللخمي أيضاً. وقوله: (بِخِلافِ الصَّلاةِ) إشارة منه إلى أنه لا يعترض علينا في هذا الموضع بالصلاة فإن البابين مفترقان؛ ألا ترى أن الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ وذلك لمشقة التكرار في الصلاة.
القسم الثاني: أن يبلغ مجنوناً وتكثر سنو إطباقه، القسم الثالث: أن يبلغ عاقلاً وتكثر سنو إطباقه.
стр. 873
القسم الرابع: عكسه، وإلى هذه أشار بقوله: (وَإِلا فَثَالِثُهَا) يعني أن في هذه الأقسام الثلاثة، ثلاثة أقوال: القضاء، وهو المشهور، قياساً على محل الوفاق، والثاني السقوط، والثالث: إن قلت السنون وجب، وإن كثرت لم يجب.
وتبع المصنف في هذا المحل ابن بشير على أن ابن بشير لم يحك الخلاف إلا فيما إذا بلغ مطيقاً أو كثرت السنون لا فيما إذا بلغ مجنوناً [١٥١/ أ] وكثرت، لكن يؤخذ مما حكاه اللخمي وغيره الخلاف فيه؛ لأنه حكى في القضاء ثلاثة أقوال: قول مالك وابن القاسم في المدونة عليه القضاء، بلغ صحيحاً أو مجنوناً، قلَّت السنون أو كثرت، وقيل: إن قلت كالخمسة ونحوها فالقضاء، وإن كثرت كالعشرة فلا قضاء؛ ذكره ابن حبيب عن مالك والمدنيين.
الثالث حكاه ابن الجلاب عن عبد الملك فيما يظنه إن بلغ مجنوناً فلا قضاء عليه، وإن بلغ عاقلاً ثم جُنَّ وجب عليه القضاء، وأسقط أبو حنيفة والشافعي- ﵄ القضاء عن المجنون وهو الظاهر. واحتجاج أهل المذهب بقوله- تعالى-: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ [البقرة: ١٨٣] والمجنون مريض ليس بظاهر.
ابن عطاء الله: لأن قوله تعالى في أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ [البقرة: ١٨٣] إنما توجه للعقلاء، ثم قال: والوجه عندي أن يقال: فهم من عادة الشرع أن من وجد في حقه سبب الوجوب وتأخر شرطه، أنه إذا وجد الشرط بعد ذلك وجب عليه القضاء، أصله الحائض.
وَلا أَثَرَ لِلنَّوْمِ اتِّفَاقاً
أي: في القضاء، ولو كان جميع النهار؛ لأنه ساتر للعقل غير مزيل له.
وَأَمَّا الإِغْمَاءُ فَإِنْ كَانَ كُلَّ النَّهَارِ فَكَالْجُنُونِ، وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِمَرَضِ، وَإِنْ كَانَ فِي أَقَلَّهِ وَأَوَّلِهِ سَالِمُ فَكَالنَّوْمِ، وَإِلا فَقَوْلانِ، وَفِي النِّصْفِ وَالْجُلِّ: قَوْلانِ.
يعني: أن الإغماء له صور: تارة يكون في جميع النهار، وتارة في أقله، وتارة في نصفه أو جله. فإن كان في جميع النهار فلا يصح صومه، وهو في هذه الصورة أشبه شيء بالمجنون.
стр. 874
وقوله: (وَقِيلَ: إِنْ كَانَ بِمَرَضِ) هو لابن الماجشون.
ابن يونس: وقال ابن الماجشون: الإغماء الذي يفسد به الصوم من يغمى عليه قبل الفجر ويفيق بعده، وإنما ذلك إذا تقدمه مرض أو كان بإثره متصلاً، فأما ما قل من الإغماء ولم يكن بمرض فكالنوم، فلو طلع عليه الفجر ثم تخلى عنه فإنه يجزيه صومه، وعلى هذا ففي كلامه نظر؛ لأن ابن الماجشون لا يشترط في إيجاب القضاء أن يكون كل النهار، كما يؤخذ من كلامه، وإنما يشترط أن يكون قبل الفجر ثم يدوم إلى بعد طلوعه، وقد نقل ابن يونس وغيره عن ابن الماجشون: أنه إذا أغمي عليه بعد الفجر وأفاق قبل الغروب أن صومه صحيح.
وقد نقل ابن عطاء الله الاتفاق على أنه إذا أغمي عليه جميع النهار أن ذكل كالجنون وإن كان في أقله، فإن كان في أوله، أي: عند طلوع الفجر سالماً فكالنوم، لا قضاء عليه.
وحكى ابن بشير وابن عطاء الله على ذلك الاتفاق، وفيه نظر، وقد حكى بن يونس عن ابن عبد الحكم أنه يقول: القليل من الإغماء والكثير سواء وعليه القضاء. وحكاه القاضي عبد الوهاب في الإشراف عن القاضي إسماعيل، والقاضي أبي الحسن، ورأى هؤلاء الإغماء كالحيض.
قوله: (وَإِلا) أي: وإن كان في أقله وأوله غير سالم فقولان: أشهرهما أن الصوم لا يصح لمقارنة الإغماء لوقت النية، وهو مذهب المدونة، زاد ابن حبيب: ولا يؤمر بالكف عن الأكل بقية نهاره. وفي سماع أشهب: الإجزاء نظراً إلى القلة.
قوله: (وَفِي النِّصْفِ وَالْجُلِّ: قَوْلانِ) أي: مع سلامة أوله، ومذهب المدونة الإجزاء في النصف وعدم الإجزاء في الجل. وقال ابن حبيب: إن أغمي عليه النصف لم يجزه، وقاله ابن القاسم في الواضحة، وقال ابن وهب: في الجل يجزيه. وهو الذي يؤخذ من كلام أشهب؛ فإنه قال في المدونة بعد قوله فيها بعدم الإجزاء: هذا استحسان ولو اجتزى به ما عنف.
стр. 875
واعلم أن المصنف كان يمكنه أن يكتفي بقوله: (وَإِلا فَقَوْلانِ) عن قوله: (وَفِي النِّصْفِ وَالْجُلِّ: قَوْلانِ) والله أعلم.
وَمَتَى انْقَطَعَ الْحَيْضُ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلا حُكْمَ لَهُ، وَقِيلَ: إِنْ أَمْكَنَ الْغُسْلُ قَبْلَهُ، وَقِيلَ: إِنْ اغْتَسَلَتْ ..
شرع- ﵀ يتكلم على الشرط الثالث: يعني أن الحيض إذا انقطع قبل الفجر فلا حكم له في إسقاط الصوم ومنع صحته، سواء أمكن الغسل أم لا، اغتسلت أم لا، وقيل: إن اتسع الزمان للغسل قبل الفجر فالحكم كذلك، وإن لم يتسع فحكم الحيض باقٍ، ولا يصح صومها. نقله في الجلاب عن ابن الماجشون، ورواه ابن القاسم وأشهب عن مالك؛ وقيل: إن اغتسلت فحكم الحيض باقٍ سواء طهرت لزمانٍ يمكنها فيه الغسل أم لا، وهذا القول حكاه ابن شعبان، قال في الجلاب: وقال ابن مسلمة: تصوم وتقضي.
فَإِنْ شَكَّتْ صَامَتْ وَقَضَتْ
تصورها ظاهر، وهي في المدونة، وفيها نظر؛ لأنه ألزم الإمساك فيها بمجرد الشك، ولم يستصحب الأصل وهو الإباحة السابقة.
ابن رشد: وهو بخلاف الصلاة، فإنه لا يجب عليها أن تقضي ما شكت في وقته، هل كان الطهر فيه؟ وما قاله بين، فإن الحيض مانع من أداء الصلاة وقضائها وهو حاصل، وموجب القضاء وهو الطهر في الوقت مشكوك فيه، وأما في الصوم فإنما يمنع من الأداء خاصة، ولا يمنع من القضاء؛ فلهذا وجب عليها قضاء الصوم دون الصلاة.
واعلم أنهم اختلفوا في تأويل قول الإمام: صامت وقضت، فمنهم من قال: يؤخذ منه أن الحيض لا يقطع النية بخلاف [١٥١/ ب] السفر، ومنهم من قال: هذه رواية بجواز الصوم بغير نية كقول ابن الماجشون.
الباجي: وليس في قول مالك ما يوجب هذا إلا أن لو قال: لا قضاء عليها، وأما إذا أوجبه فلا.
стр. 876
وَيُعْرَفُ رَمَضانُ بِأَمْرَيْنِ – أَحَدُهُمَا: الرُّؤْيَةُ إِمَّا بِالْخَبَرِ الْمُنْتَشِرِ، أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَرْطِهَا بِرْجُلَيْنِ حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ كَالْْفِطْرِ، وَالْمَوَاسِمِ إِنْ كَانَ ثَمَّ مُعْتَنُونَ بِالشَّرِيعَةِ، وَإلّا كَفَى الْخَبَرُ ....
أى: يعرف دخول رمضان بأمرين: الأول، رؤية الهلال فى حق من رآه وغير الرائي يحصل له ذلك بأحد وجهين: الخبر المنتشر، وهو المستفيض المحصل للعلم أو الظن القريب منه. والشهادة على شرطها، أى فيعتبر فيها أن تكون من ذكرين حرين عدليين.
وقوله (حُرَّيْنِ عَدْلَيْنِ)، مع قوله (عَلَى شَرْطِهَا): زيادة إيضاح. وهذا هو المشهور.
وقال ابن مسلمة: شهادة رجل وامرأتين. وقال أشهب: شهادة رجل وامرأة فى المبسوط.
وفيهما بعد قوله: (كَالْفِطْرِ). أى كعيد الفطر، فإنه لابد فيه من التعدد، والمواسم: كعرفة وعاشوراء ونحوهما. وقوله: (إِنَّ كَانَ ثَمَّ معتنون بِالشَّرِيعَةِ). أى هذا الذى ذكرناه من الشهادة إنما يكون إذا كان هناك قاض وجماعة من المسلمين يعتنون بأحكام الشريعة ومواقيت العبادة، إذ لا يتأتى النظر فى الشهادة ومن يشهد بها إلا مع ذلك.
قوله: (وإلا) أى وإن لم يكن ثم معتنون بالشريعة، إما أنه لا إمام البتة، أو لهم إمام وهو يضيع أمر الهلال ولا يعتنى به، نقله الباجى وغيره عن عبد الملك، واعترض الشيخ أبو محمد قوله: ويحمل على ذلك من يقتدى به. وقال: كيف يحمل برؤية نفسه عليه غيره، ولو رآه الحاكم وحده لم يحمل الناس على الصيام. عبد الحق ويحتمل أن يكون قول عبد الملك، ويحمل عليه غيره. إنما هو راجع إلى ما ثبت عنده برؤية غيره لا برؤية نفسه.
ابن عطاء الله: وظاهر قول سحنون أنه لابد من الشهادة بشرطها، كان ثم حاكم أم لا، لأنه قيل له فى المجموعة: أرأيت إن أخبرك الرجل الفاضل بأنه رأى الهلال؟ قال: ولو كان عمر بن عبد العزيز ما صمت ولا أفطرت.
стр. 877
ومنشأ الخلاف، اختلاف الأصوليين في أنه هل يخصص العام ويقيد المطلق بالعرف أم لا؟ لأنه روى النسائي، وأبو داود: "إن شهد عدلان فصوموا وأفطروا". ففهموه إذا قلنا بالمفهوم أنه إذا لم يشهد عدلان، فلا صوم، فهل يبقى هذا المفهوم على الإطلاق؟ أو يقيد بما إذا كان حاكم معتنيا وهو الغالب؟
فرع: فإن شهد اثنان فاحتاج القاضى إلى الكشف عنهما وذلك يتأخر فقال ابن عبد الحكم: ليس على الناس صوم ذلك اليوم، فإن زكوا بعد ذلك أمر الناس بالقضاء، وإن كان فى الفطر فلا شئ عليهم فى الصيام.
وَإذَا نُقِلَ بِالانْتِشَارِ، أَوْ بِالشَّهَادَةِ عَلَى شَرْطِها عَنْهُمَا مِنْ بَلَدٍ لِزَمَ سَائِرَ الْبِلادِ، وَقِيلَ إِلا عَنْ حاكِمٍ مَخْصُوصٍ فَلا يَلْزَمُ غَيْرَ الْمُوَلَّى عَلَيهُمْ ....
يعنى أن للنقل أربع صور:
استفاضة عن استفاضة، فيلزم من بلغهم الصوم والقضاء. وشهادة عن استفاضة فكذلك. واستفاضة عن شهادة، أو شهادة عن شهادة، والحكم فيها واحد إن كانت الشهادة المنقول عنها ثبتت عند حاكم عام وهو الخليفة، وكذلك إن ثبتت عند حاكم خاص فالمشهور كذلك، وقال عبد الملك: لا يلزم ذلك إلا من تحت ولايته، وهذه الأربع صور تؤخذ من كلامه لأن قوله: (عَنْهُمَا)، عائد على الانتشار والشهادة. أى: نقل بالشهادة أو الانتشار عن الشهادة والانتشار.
واعلم أن الاستثناء من قوله: (وَقِيلَ إِلا) متصل؛ لأن الشهادة المنقول عنها أعم من أن تكون عند حاكم أو عام أو خاص، وزعم ابن عبد السلام أنه منقطع وليس كذلك، ثم قال: وهذا الاختلاف إنما هو فيما ينقل عن الحاكم المخصوص. وأما ما ينقل عن الشهود أو الخبر المنتشر فلا تختص به جهة دون جهة.
стр. 878
فرع:
وإذا أخبر الإمام بثبوت الرؤية عنده لزمه الصوم، نص عليه فى المقدمات.
وَفِى النَّقْلِ بِالْخَبَرِ: قَوْلانِ
يعنى: أنه اختلف هل يكتفى بخبر الواحد عن الإمام وعن الخبر المنتشر؟ كذا نقل الباجى وابن رشد وابن زرقون.
ابن عبد السلام: وظاهر كلامه وعن الشاهدين، وليس كذلك فإن هذا الخلاف في النقل عن الإمام والخبر المنتشر لا عن الشاهدين. انتهى.
ولفظ الباجي: وإذا ثبتت رؤية الهلال عند الإمام وحكم بذلك وأمر بالصيام، ونقل ذلك إليك العدل أو نقله إليك عن بلد آخر فقد قال أحمد بن ميسر الإسكندراني: يلزمك الصوم من باب قبول خبر الواحد العدل لا من باب الشهادة.
قال الشيخ أبو محمد: وقول ابن ميسر صواب. كما ينقل الجل إلى أهله وابنته البكر مثل ذلك فيلزمهم تبييت الصيام بقوله. انتهى.
ابن هارون: طعن أبو عمران في صحة ما نقله الشيخ أبو محمد وفي تشبيهه فقال: إنما الرواية عن ابن ميسر إذا وجه القوم رجلا فأخبرهم أنهم رأوا الهلال لزمهم الصوم بقوله. قال: وهذا لا حجة فيه لأنهم لما بعثوه صار كالمستكشف لهم، قال: وليس هذا كنقل الرجل إلى أهله وولده؛ لأنه القائم عليهم.
ابن رشد وابن يونس: كلام [١٥٢/أ] أبى عمران لا معنى له، ولا فرق بين أن يخبرهم دون أن يبغثوه أو بعد أن يبعثوه.
قال فى المقدمات: وإنما يفترق ذلك عندى فيما يحكم به الإمام، فإن الإمام إذا بعث رجلا وجب عليه أن يأمر الناس بالصيام إذا أخبره بالثبوت عند حاكمهم أو بؤية مستفيضة، وإن
стр. 879
أخبره بذلك من غير إرسال وجب عليه هو الصيام في خاصة نفسه، ولم يصح له أنه يأمر الناس بذلك حتى يشهد عنده شاهد آخر؛ لأنه حكم فلا يكون إلا بشاهدين. انتهى مختصرا.
قيل: والمشهور خلاف ما قاله ابن ميسر، وأنه لا بد من شاهدين، وفى اللخمى: واختلف فى الصوم بشهادة الواحد. إذا أخبر عن رؤية نفسه، فمنع مالك أن يصام بشهادته لا على الوجوب ولا على الندب ولا الإباحة.
وقال أحمد بن ميسر: إذا أخبر عما ثبت في البلد أو أخبر عن بلد آخر أنه ؤي به صيم بقوله. وأجاز ابن الماجشون في البلد نفسه إذا أخبر عن رؤية نفسه أو رؤية غيره. انتهى.
وَيُقْبَلُ النَُقْلُ بِالْخَبَرِ إِلَى الأَهْلِ وَنَحْوِهِمْ عَنْهُمَا عَلَى الأَصَحِّ، وَخُرِّجَ قُبُولُ شَهَادَةِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ وَلَيْسَ بِسَدِيدٍ لِلْمَشَقَّةِ ....
الضمير في عنهما. ابن عبد السلام: يعود على الخبر المنتشر وعلى الإمام. انتهى.
ومقتضى كلام المصنف أن مقابل الأصح لا يكفى فى ذلك إلا شاهدان، وفيه بعد.
ابن راشد: ولم أقف عليه.
ويحتمل أن يكون (الأصح) عائدا على قومه: (ونحوهم) يريد بنحوهم من ليس تحت حكمه مثل من يقتدى به إذا كان الإمام يضيع أمر الهلال، وفيه قولان لعبد الملك وسحنون، وتقدما.
فإن قيل: ما الفرق بين الشاهدين هنا والمؤذن الواحد، فإنه اتفق على قبول قوله، وكل منهما عدل مخبر بدخول الوقت؟.
فجوابه: إن المؤذن مستند في إخبارره إلى أمر يطلع عليه غيره عادة ويشاركه فيه بل ويتقدم عليه، ولو أخطأ لكثر النكير عليه، بخلاف الهلال فإنه لا يعلم إلا بقوله، لا سيما مع توف دواعى الناس وحرصهم على رؤيته وبذلهم وسعهم، فهم كالمعارضين له. وما ذكره المصنف من التخريج والرد عليه ليس بالخفي.
стр. 880
ابن راشد: تنبيه: إذا حكم الحاكم بالصوم بشهادة شاهد لم يسع أحد مخالفته؛ لأن حكمه وافق محل الاجتهاد. انتهى.
ولم ينقل ابن عطاء الله في هذا الفرع شيئا بل تردد فيه، وقال سند: لو حكم الحاكم بالصوم بالواحد لم يخالف. قال: وفيه نظر؛ لأنه فتوى لا حكم، ونص القرافى فى فروقه في الفرق الرابع والعشرين والمائتين على أنه لا يلزم المالكى الصوم فى هذا قال: لأن ذلك فتوى وليس بحكم. قال: وكذلك إذا قال الحاكم ثبت عندى أن الدين يسقط الزكاة. وبنى ذلك على قاعدة وهي أن العبادات كلها لا يدخلها حكم بل الفتيا فقط، وليس للحاكم أن يحكم أن هذه الصلاة صحيحة أو باطلة وإنما يدخل الحكم في مصالح الدنيا. والله أعلم.
فائدة: الشهادة يشترط فيها العدد والواية لا يشتط فيها ذلك مع أن الخبر يشملهما، والفرق أن الشهادة تتعلق بمعين فاشتط فيها العدد لقوة التهمة، بخلاف الرواية.
وَفِى قُبُولِ الشَّاهِدَيْنِ فِى الصَّحْوِ فِى الْمِصْرِ الْكَبِيرِ – ثَالِثُهَا: إِنْ نَظَرُوا إِلَى صَوْبٍ وَاحِدٍ رُدَّتْ ....
المشهور القبول، قاله ابن بشي وغيره. وقال سحنون: لا يقبلان للتهمة، والقول الثالث لم أر من صرح به، ولم يذكره ابن بشير، على أنه خلاف، بل قال بعد القولين: وهو خلاف فى حال إن نظر الكل إلى صوب واحد ردت. وإن انفردوا بالنظر إلى مواضع ثبتت شهادتهما؛ فلا ينبغى عده ثالثا.
وَإِذَا قُبِلا فَعُدَّ ثَلاثُونَ فَلَمْ يُرَ فِى الصَّحْوِ، فَفِيهَا: قَالَ مَالِكٌ هُمَا شَاهِدَا سُوءٍ
وإذا فعنا على المشهور فقبلا فعد الناس ثلاثين يوما ونظروا ليلة إحدى وثلاثين والسماء مصحية فلم ير فقال مالك فى المجموعة: هما شاهدا سوء.
следующие страницы →