← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

عام ولا يعجل، فإن أبيا فليحج، ومن توجه حاجاً بغير إذن والديه، فإن بعد وبلغ مثل المدينة فليتمادى. انتهى. ثم ذكر رواية ابن نافع عن النص المتقدم. الثاني: وهو ما ذكره المصنف: أن طاعة الأبوين لما كانت واجبة على الفور بالاتفاق وكان الحج مختلفاً في فوريته قدم المتفق على فوريته. ولا يلزم من التأخير لواجب [١٧٠/أ] أقوى منه أن يكون الفور غير واجب. خليل: والظاهر قول من شهر الفور. وفي كلام المصنف ميل إليه؛ لكونه ضَّعَفَ حُجَةَ التراخي؛ لأن القول بالفور نقله العراقيون عن مالك، والتراخي إنما أخذ من مسائل، وليس الأخذ منها بقوي، وعلى التراخي فهو مقيد بخوف الفوات كما قال المصنف، وهو ستون سنة، قاله سحنون، زاد: ويفسق وترد شهادته. ومنهم من أشار إلى أن ذلك مغياً بظن العجز، وذلك ربما اختلف باختلاف الناس بكثرة المرض وقِلَتِهِ. قال في المقدمات: ولا أعلم أحداً قال يفسق وترد شهادته غير سحنون. وَيَجِبُ بِالإِسْلامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ وَالاسْتِطَاعَةِ كلامه ظاهر. وذكرُ الإسلام من شرائط الوجوب مبني على أن الكفار غير مخاطبون بفروع الشريعة. قال في الذخيرة: والمشهور الخطاب. وَالْمُعْتَبَرُ الأَمْنُ وَالإِمْكَانُ غَيْرُ الْمُضِرِّ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ أي: والمعتبر في الاستطاعة وحصولها الأمن على نفسه وماله، وإمكان السير بغير مشقة فادحة تلحقه في باطنه أو ظاهره؛ بأن يحتاج إلى السؤال ولا عادة له به، أو إلى المشيء أو ركوب المُقَتَّبُ، ولا يقدر على ذلك إلا بمشقة عظيمة، ولا يعتبر مطلق المشقة وإلا سقط الحج عن أكثر المستطيعين.

стр. 982

ونقل عبد الحق عن بعض شيوخه: أنه يعتبر في الاستطاعة وجود الماء في كل منهل؛ لأنه لو كُلِّفَ بنقل الماء لشَقَ عليه ذلك. وهل المعتبر ما يوصل فقط أو يرجع؟ نص عليه اللخمي- وهو ظاهر الرسالة-: أن المعتبر ما يوصل فقط. اللخمي: إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه، فيراعي ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع مما يمكنه التمعش فيه. ونقل ابن المعلي عن بعض المتأخرين من أصحابنا اعتبار الذهاب والرجوع، وهو الذي قاله التلمساني؛ لأنه قال: إن قلنا إنه على التراخي اعتبر ما ينفقه ذاهباً وراجعاً وما ينفقه على الأقارب والزوجة، وإن قلنا إنه على الفور لم يعتبر ما ينفقه على الزوجة والأقارب، وهو مذهب الشافعي، وهو أظهر، إذ على الإنسان حرج عظيم في إلزامه المقام بغير بلده. فَلِذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِاِخْتِلافِ الأَشْخَاصِ وَالْمَسَافَاتِ، فَيَلْزَمُ الْقَادِرَ عَلَى الْمَشْيِ بِغَيْرِ رَاحِلَةٍ، والأَعْمَى بِقَائِدٍ مِثْلِهِ ... أي: ولأجل أن المعتبر في الاستطاعة الإمكان غير المضر يختلف الحال باختلاف أحوال الناس فليس من لا يقدر على المشي ولا يكفيه القليل من المال كغيره، وليس القريب كالبعيد، ولا زمان الخصب كزمان الجدب؛ ولهذا جعل اللخمي الاستطاعة على أربعة أقسام: فإن لم تكن له صناعة في سفره، ولا قدرة له على المشي، اعتبر في حقه الزاد والراحلة، وإن كانت له صناعة يعيش بها في سفره وهو قادر على المشي لم يعتبر في حقه، وباقي التفسير واضح. وقوله: (والأَعْمَى بقَائِدٍ مِثْلِهِ) أي: والأعمى إذا كان قادراً على المشي ووجد من يقوده مثل البصير في الوجوب، ولا إشكال في هذا.

стр. 983

فرع: قال مالك: إن الركوب لمن قدر عليه أفضل من المشي. الأبهري: لحجه ﷺ راكباً؛ ولأنه أمكن ي أداء ما يلزمه من الفرائض؛ لأنه أقرب إلى الشكر والرضي، والمشي أقرب إلى العجز، ولما فيه من زيادة النقة المضاعف ثوابها. وقال اللخمي وغيره من المتأخرين: المشي أفضل. وَفِي السّائِلِ إِنْ كَانَتِ الْعَادَةَ إِعْطَاؤُهُ قَوْلانِ قوله: (وَفِي السَّائِلِ) أي: إن كانت عادته السؤال، واحترز به مما لم تكن عادته السؤال وهو لا يقدر على الوصول إلا بالسؤال. ففي البيان أنه لا خلاف أنه لا يجب عليه. واختلف هل يباح له أو يكره؟ والأول رواه ابن عبد الحكم، والثاني: رواه ابن القاسم. واحترز بقوله: (إِنْ كَانَتِ الْعَادَةَ إِعْطَاؤُهُ) مما لو كانت العادة عدم الإعطاء، فلا يلزمه حينئذ بالاتفاق. وقوله: (قَوْلانِ) هما روايتان، وروى ابن القاسم السقوط وزاد فيها الكراهة، وهو ظاهر المذهب وأظهر من جهة المعنى، وروى ابن وهب الوجوب. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ هذا مقابل قوله أولاً: (من غير تحديد) وهذا قول سحنون وابن حبيب. قال في الجواهر: وتؤول على من بعدت داره. ودليله ما رواه أبو داود والترمذي: أنه ﵊ سئل عن الاستطاعة، فقال: "هي الزاد والراحلة". الترمذي: وتكلم بعض أهل العلم في راويه من قبل حفظه، وأجيب عنه أيضاً بأنه خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو لأنه فهم عن السائل أنه لا قدرة له إلا بذلك.

стр. 984

[١٧٠/ب] وقد سئل مالك، هل الاستطاعة الزاد والراحلة؟ فقال: لا، والله واحد يجد زاداً وراحلة ولا يقدر، وآخر يقدر أن يمشي راجلاً، ورب صغير أجلد من كبير ولا صيغة في هذا أبين مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وَلا يُعْتَبَرُ بَقَاؤُهُ فَقِيراً، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى ضِيَاعِهِ أَوْ ضَيَاعٍ مَنْ يَقُوتُ يعني: إذا كان معه ما يكفيه لسفره لكنه إن سار بقي فقيراً- لا شيء له ولا لأهله- فالمشهور الوجوب من غير نظر إلى ما يؤول أمره إليه، وأمر أهله؛ لأنه يصدق عليه أنه مستطيع، وهذا قول ابن القاسم في العتبية؛ لأنه سئل عن الرجل تكون له القرية ليس له غيرها، أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده في الصدقة؟ قال: نعم ذلك عليه. وقيده في البيان بأن لا يخشى عليهم الهلاك، وأما لو خشي عليهم لقَدَّمَهُم قال: وهذا على أنه على الفور، وأما على التراخي، فلا شك في تقديم الولد. والشاذ أنه لا يلزمه للحرج، ولقوله ﵊: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت". وذكر في البيان: أنه اختلف في الإنسان ليس عنده إلا ما يحج به أو يعطيه لزوجته نفقة، وإن خرج ولم يترك لها نفقة طلقت نفسها على قولين: فإن قلنا الحج على التراخي اعتبر ما ينفقه عليها. وإن قلنا على الفور كان أولى من النفقة؛ لأن نفقة الزوجة لم تتعين، فإن شاءت صبرت وإن شاءت فارقت، وكذلك ذكر التلمساني في الأقارب. وسئل مالك- ﵀ – عن الرجل العزب لا يكون عنده إلا ما يتزوج به أو يحج؟ قال: يحج. ولا شك في هذا القول بأنه على الفور. ابن رشد: وعلى التراخي فالحج أولى، إن تزوج لم يفسخ وكان آثماً على الفور. وهذا كله ما لم يخش العنت، وإن خشي تزوج، قاله مالك في السليمانية. ولا يجوز أن يتزوج الأمة ليوفر المال للحج لوجود الطول.

стр. 985

وَيُعْتَبَرُ الأَمْنُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَفِي سُقُوطِهِ بِغَيْرِ الْمُجْحِفِ قَوْلانِ لما ذَكر أن الاستطاعة هي الأمن والإمكان، وتكلم على الإمكان، أخذ يتكلم على الأمن فقال: ويعتبر الأمن على النفس ولا شك في ذلك. وأما المال فإن كان من لصوص فكذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى ضياع النفس من غير فائدة وإن كان من صاحب مكس، فإن كان ما يأخذه غير معين أو معيناً مجحفاً سقط الوجوب، وفي غير المجحف قولان، أظهرهما عدم السقوط وهو قول الأبهري، واختاره ابن العربي وغيره، والآخر حكاه ابن القصار عن بعض الأصحاب، وفي شرح الرسالة لأبي محمد عبد الصادق: وإن كان مع الرجل زاد وراحلة إلا أنه لا يستطيع من لصوص قال مالك: هو عذر بين، ثم رجع بعدما أفتى به زماناً، وقال: الحذر لا ينجي من القدر، ويجب عليه. ابن المواز: لم يقل ذلك مالك إلا في مدينة الرسول ﵇، وأما غيرها من الأمصار فهو مخير ن شاء أجاب أو ترك. انتهى باختصار. ابن عبد السلام: وقد تقدم أنه لا يعتبر بقاؤه فقيراً، وأنه يبيع عروضه، وأنه يترك ولده ي الصدقة، وذلك أنه لا يراعي ما يجحف فضلاً عما لا يجحف. خليل: وقد يفرق بأن في الإعطاء هنا إعانة للظالم على ظلمه وبغيه. وَإذاً تَعَيَّنَ الْبَحْرُ وَجَبَ، إِلا أَنْ يَغْلِبَ الْعَطَبُ أَوْ يَعْلَمَ تَعْطِيلَ الصَّلاةِ بِمَيْدٍ أَوْ ضِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَرْكَبْهُ أَيَرْكَبُ حَيْثُ لا يُصَلِّي؟! وَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ ... يعني: تعيين البحر، إما أن يكون في جزيرة كأهل الأندلس، وإما لتعذر السير في البر لخوف أو غيره. الباجي: وظاهر المذهب وجوبه على من لا سبيل له. وقال القاضي أبو الحسن: إن كان بحراً مأموناً يكثر سلوكه للتجارة وغيرها، فإنه لا يسقط فرض الحج،

стр. 986

وإن كان بحراً مخوفاً تندر فيه السلامة ولا يكثر ركوب الناس له، فإن ذلك يسقط فرض الحج. وقد روى ابن القاسم عن مالك في المجموعة: أنه كره الحج في البحر إلا لمثل أهل الأندلس الذين لا يجدون طيقاً غيره، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَاتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَاتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ﴾ [الحج: ٣٧]. ولم يذكر البحر. سحنون: ولما يلحق الناس فيه من تضييع كثير من أحكام الصلاة. وفي البيان: وقد قيل: إن فرض الحج ساقط عمن لا يقدر على الوصول إلى مكة إلا في البحر؛ لقوله تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ ...﴾ الآية. وهو قول شاذ ودليل ضعيف؛ لأن مكة ليست داخلة في نفس البحر، فلا يصل إليها أحد إلا راكباً أو راجلاً، ركب البحر ي طريقه أو لم يركب. وقوله: (إِلا أَنْ يَغْلِبَ الْعَطَبُ ... إلخ) أي فيحرم ركوبه إذا عرض الخوف على النفس أو المال. ومال الباجي إلى ركوبه وإن أدى ذلك إلى تضييع بعض أحكام الصالة، لما وقع الاتفاق عليه من ركوبه في الجهاد. وفُرِّقَ بأن المراد من الجهاد أن تكون كلمة الله هي العليا [١٧١/أ] والقيام بها أشرف من القيام بالصلاة؛ لأن عدم القيام بالتوحيد كفر. وعدم القيام بالصلاة ليس بكفر على المعروف. ويضدها تتبين الأشياء، والحج مع الصلاة بالعكس؛ إذ هي أفضل. وما ذكره الباجي في الجهاد فهو محمول- والله أعلم- على ما تعين منه، وأما إذا لم يتعين فبعيد أن يقال بركوبه إن أدى إلى تضييع بعض أحكام الصالة. وَالْمَرأَةُ كَالرَّجُلِ أي: فيما تقدم إلا ما سيذكره.

стр. 987

وَزِيادَةِ اِسْتِصْحابِ زَوْجٍ أَوْ مَحْرَمٍ، فَإِنْ أَبَى أَوْ لَمْ يَكُنْ فَرُفْقَةٌ مَامُونَةٌ نَسَاءٌ أَوْ رِجَالٌ تَقُومُ مَقَامَهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ... للحديث الصحيح:"لا تسافر المرأة مسيرة يوم وليلة إلا ومعها ذو محرم". وروى: "لا يحل لامرأة". وروى: "فوق ثلاث".وروى: "مسيرة ثلاث". وروى:"يومين". وروي: "مسيرة ليلة". وروى: "مسيرة يوم". وروى: "بريداً". وقد حملوا هذا الاختلاف على حسب اختلاف السائلين واختلاف المواطن، فإن ذلك معلق بأقل ما يقع عليه اسم السفر. وقوله: (لامرأة) نكرة في سياق النفي فتعم، وهو قول الجمهور. وقال بعض أصحابنا: تخرج منه المُتجالَّة؛ لأنها كالرجل. ورد بأن الخلوة بها ممنوعة. وقاس العلماء الزوج على المحرم بطريق أولى. والمحرم يشمل النسب والصهر والرضاع، لكن كره مالك سرها مع ربيبها، إما لفساد الزمان، أو لضعف مدرك التحريم عند بعضهم – وعلى هذا يلحق به محارم الصهر والرضاع – وإما لما بينهما من العداوة فسفرها معه تعريض لضيعتها، وهذا هو الظاهر. وقد صرح ابن الجلاب وصاحب التلقين بجواز سفر المرأة مع محرمها من الرضاع في باب الرضاع. وقوله: (فَإِنْ أَبَى) أي: الزوج أو المحرم. (أَوْ لَمْ يَكُنْ) أي: أحدهما. (فَرُفْقَةً مَامُونَةً) ابن بشير وابن بزيزة: وفي هذه المسألة ثلاثة أقوال: قيل: لا تسافر إلا بأحدهما للحديث، كانت ضرورة أو لا. وقيل: تسافر م الرفقة مطلقاً، والمشهور تسافر في الفريضة خاصة. ابن حبيب: وسواء كانت شابة أو عجوزاً. وقد نقل صاحب الإكمال الاتفاق على المنع في غير الفريضة، ونقل عن الشيوخ اختلافاً في فهم قول مالك: تخرج مع رجال ونساء. هل معناه أنها لا تخرج إلا بهما، أم في جماعة من أحد الجنسين؟ قال: وأكثر ما نقله اصحابنا عنه اشتراط النساء قال: وقد قال ابن عبد الحكم: لا تخرج مع

стр. 988

رجال ليسوا منها بمحرم، ولعل مراده على الانفراد دون النساء، فيكون وفاقاً لما تقدم. انتهى. وحمل سند قول ابن عبد الحكم على الكراهة. وَفِي رُكُوبِهَا الْبَحْرَ وَالْمَشْيِ الْبَعِيدِ لِلْقَادِرَةِ قَوْلانِ المنقول عن مالك في الموازية كراهة سفر النساء في البحر. وفي العتبية: نهى مالك عن حج النساء في البحر. وأشار اللخمي إلى أن هذا إنما يحسن في الشابة ومن يولد لها، وأما المتجالة ومن لا يولد لها فهي كالرجل. وقيد عياض ما وقع لمالك بما صغر من السفن؛ لعدم الأمن حينئذ من انكشاف عوراتهن، لا سيما عند قضاء الحاجة. قال: وركوبهن فيما كبر من السفن وحيث يخصصن بأماكن يستترن فيها جائز، والمنقول أيضاً عن مالك في الموازية كراهة المشي لهن، قال: لأنهن عورة في مشيهن، إلا لماكن قريب مثل مكة وما حولها. والقول بلزوم المشي خَرَّجَهُ اللخمي من مسألة المشي من قول مالك في المدونة فيا لحانث والحانثة، والمشي على الرجال والنساء سواء، وأخذ القول بجواز ركوبهن البحر مما ورد في السنة بجواز ركوبهن في الجهاد. خليل: وقد يفرق بين ذلك: أما المسألة الأولى فلأنها لو كلفت بالمشي في الحج لزم منه عموم الفتنة والحرج بخلاف النذر؛ لأنها صورة نادرة وقد ألزمت نفسها ذلك بيمينها، ألا ترى أن الإنسان إذا لم يكن عنده إلا قوت يوم الفطر لا يلزمه إخراجه في زكاة الفطر، ولو نذر إخراجه للزمه. وأما الثانية فيجاب عنها بما تقدم، والله أعلم. وَشَرْطُ صِحَّتِهِ الإِسْلامُ أي: ولا يشترط في صحته غيره.

стр. 989

فَيُحْرِمُ الْوَلِيُّ عَنِ الطِّفْلِ أَوِ الْمَجْنُونِ بِتَجْرِيدِهِ يَنْوِي الإِحْرَامَ لا أَنْ يُلَبِّيَ عَنْهُ، وَيُلَبِّي الطِّفْلُ الَّذِي يَتَكَلَّمُ وَيَطُوفُ بِهِ وَيَسْعَى مَحْمُولاً إِنْ لَمْ يَقْوَ، وَيَرْمِي عَنْهُ إِنْ لَمْ يُحْسِنْ الرَمْي، وَيُحْضِرُهُ الْمَوَاقِيتَ وَلا يَرْكَعُ عَنْهُ عَلَى الأَشْهَر ... أي: فبسبب أنه لا يشترط غير الإسلام صح من الصبي والمجنون، فيحرم وليهما عنهما بتجريد كل منهما ينوي الإحرام، وحاصله أنه يدخلهما في الإحرام بالتجريد، والتجريد فعل فيكون كلامه هنا موافقاً لما سيقوله، أن الإحرام لابد في انعقاده من قول أو فعل، ولا يقال: ذِكرُه التجيد مخالفاً لما في المدونة: وإذا أحج الصبي أبوه وهو لا يعلم ما يؤمر به – مثل ابن سبع سنين وثمانية – فلا يجرده حتى يدنو من الحرم؛ لأنه إنما قال: وإذا أحج، ولا دلالة له في ذلك على أنه أحرم به قبل ذلك، وهو كقوله في الجلاب: ولا بأس أن يؤخر إحرام الصبي عن الميقات إلى قرب الحرم. وقوله: (الطِّفْلِ) أي: ولم يتكلم؛ لقوله: [١٧١/ب] (وَيُلَبِّي الطَّفْلُ الْذِي يَتَكَلَّمُ) وهو مذهب المدونة، ويؤيده ما رواه مسلم: أن امرأة أخذت بضبعي صبي، فقالت: يا سول الله، ألهذا حج؟ فقال: "نعم ولك أجر" وقال في الموازية: لا يحج بالرضيع، وأما ابن خمس سنين أو أربع فنعم. اللخمي: وعلى قوله هذا فلا يحج بالمجنون المطبق. عياض: وحمل الأصحاب قوله: لا يحج بالرضيع على كراهة ذلك لا على منعه. ابن عبد السلام: ووقع في كلام بعض شارحي الموطأ من المتأخرين: أن الحج لا يصح من المجنون نقلاً ولا فرضاً، وهو خلاف نص المدونة. قوله: وَيُلَبِّي الطِّفْلُ الْذِي يَتَكَلَّمُ) أي: الذي يؤتمر إذا أمر. وبقوله: (وَيَطُوفُ) إلى آخره. قاعدة: إن ما يمكن للصبي فعله بنفسه، وما لا يمكن فعله، فإن قبل النيابة فعل عنه وإلا سقط. واختلف هل يركع عه؟ فالمشهور: لا؛ لام ثبت أنه لا يصلي أحد عن أحد. ونقل حمديس عن ابن عبد الحكم أنه يركع عنه. والظاهر أنه لا يخرج منه قول بجواز

стр. 990

التلبية بجامع أن كُلاَّ منهما عبادة بدنية معجوز عنها؛ لأنه لما كان الركوع كالجزء من الطواف والطواف يقبل النيابة ناسب أن يركع عنه بخلاف التلبية، وفي قوله: (الْمَوَاقِيتَ) نظر؛ إذ الميقات واحد، ولعله يريد المشاعر كعرفة والمزدلفة ومنى. وَلا بَاسَ بِبَقَاءٍ خَلاخِلِ الذُّكُورِ وَأَسْوِرَتِهِمْ، وَكُرِهَ لِلذُّكُورِ حُلِيُّ الذَّهَبِ مُطْلِقاً هذا كقوله في المدونة: ولا بأس أن يُحرِم بالأصاغر الذكور وفي أرجلهم الخلاخل وعليهم الأسورة. وكره مالك للأصاغر الذكور حلي الذهب. ابن عبد السلام: وأخذ منها غير واحد جواز تحلية الذكور بالفضة، وانه يستخف في الصغير ما يمنع منه الكبير، وأخذهم ظاهر؛ لكنه مشكل في تفرقته بين الذهب والفضة. وقول المصنف: (مُطْلَقاً) أي: في الإحرام وغيره. قال في التنبيهات والكراهية معناه التحيم؛ لأنه قال عبد هذا فيه وفي الحرير: أكرهه لهم كما أكرهه للرجال. وهو حرام على الرجال عنده، فظاهره أنه لم يكره الخلاخل والأسورة لهم من الفضة، وذلك حرام على الذكور كالذهب؛ إلا الخاتم وحده وآلة الحرب انتهى. وقال التونسي: ظاهر جوابه أولاً جوازه في الجميع؛ إذ لم يفصل ذهباً ولا فضة، والأشبه منعهم من كل ما يمنع منه الكبير؛ لأن أولياءهم مخاطبون بذلك ويأتي على قياس قوله: جواز لباسهم ثياب الحرير. وقد نص على منعهم منه في الكتاب. انتهى. عياض: وظاهره التخفيف؛ إذ سئل عنه في الإحرام، ولو سئل عن جواز لبسهم له لعله كان لا يجيزه على أصله كما جاء في مسائل من صرف أواني الذهب والفضة. انتهى. ومقتضى قول ابن شعبان: أن تحلية الصغير لا تجوز؛ لأنه أوجب فيها الزكاة. ولو كان لبسها مباحاً لسقطت الزكاة. ويعضده مارواه الترمذي وصححه عنه ﵊: "حرام لباس الحرير والذهب على ذكور أمتي وحلال لإناثهم".

стр. 991

لا سيما وقد روى أحمد في مسنده أن النبي ﷺ قال: "من تحلى ذهباً أو حلياً أو حلى ولده مثل جزء بصيصة لم يدخل الجنة". وجزء البصيصة: هي الحبة التي تتراءى في الرمل لها بصيص كأنها عين جرادة. وَأَمَّا الْمُمَيِّزُ وَالْعَبْدُ فَعَنْ أَنْفُسِهِمَا يحرمان عن أنفسهما، وهو ظاهر. وَزِيَادَةُ النَّفَقَةِ عَلَى الْوَلِيِّ إِلا إِنْ خِيفَ عَلَيْهِ ضَيْعَةً كما لو كانت في الحضر ربع درهم في اليوم، وفي السفر نصفاً، فيكون على الولي الزائد؛ لأنه أدخل الصبي فيما لا ضرورة له به، إلا أن يخشى على الصبي الضيعة إذا ترك فالزيادة في مال الصبي إذا دَفَعَ عنه بالزيادة ضرراً، ولا إشكال مع تساوي النفقتين. وَالْفِدْيَةُ وَجَزَاءُ الصَّيْدِ عَلَى وَلِيِّهِ، وَثَالِثُهَا كَزِيادَتِهَا تصوره ظاهر، والقول بأن ذلك في مال الطفل حكاه في الجلاب عن بعض الأصحاب، والقول بأنها على الولي لمالك في الموازية، وحكاه ابن الجلاب أيضاً. أبو عمر في كاَفِيِه: وهو الأشهر عن مالك. والفرق للأشهر أن الولي مضطر إلى الخروج به لا إلى إحرامه، فكأنه هو الذي أوقعه في الغرم. وزعم ابن عبد السلام أن القول الثالث هو المروي عن مالك. قال في الجواهر: ولو طيب الولي الصبي فالفدية على الولي، إلا إذا قصد المداواة فيكون كاستعمال الصبي. وَلَوْ بَلَغَ فِي أَثْنَائِهِ لَمْ يُجْزِئُهُ عَنِ الْفَرْضِ، وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يُعْتقَ إِلا أَنْ يَكُونَا غَيْرَ مُحْرِمَيْنِ فَيُحْرِمَانِ، وَلَوْ فِي لَيْلَةِ النَّحْر ..... أي: إذا أحرم الصبي بالحج وبلغ في أثنائه لزمه أن يتمادى على ما أحرم به ولا يجزئه عن فرضه؛ لأنه إنما انعقد نفلاً، وهذا هو المذهب، فقد ذكر صاحب اللباب عن مالك

стр. 992

عدم الإجزاء سواء جدَّدَ إحراماً أم لا، ونحوه للتلمساني، والقرافي، ونحوه في الاستذكار لقوله: واختلف في المراهق والعبد يحرمان بالحج، ثم يحتلم هذا ويعتق هذا قبل الوقوف، فقال مالك: لا سبيل إلى رفض إحرامهما ويتماديان ولا يجزئهما وعليهما حجة الإسلام. وقال الشافعي: يجزئهما عن حجة الإسلام ولا يحتاجان إلى تجديد إحرام. وقال أبو حنيفة: إن جدد الصبي قبل وقوفه بعرفة أجزأه لا إن لم يجدد، وأما العبد [١٧٢/أ] فلا يجزئه مطلقاً. انتهى بمعناه. ونص غير واحد على انه يلزمهما التمادي ولا يكون لهما رفض الإحرام. وفي الإكمال: اختلف العلماء فيمن أحرم وهو صبي فبلغ قبل عمل شيء من الحج. فقال مالك: لا يرفض إحرامه ويتم حجه، ولا يجزئه عن حجة الإسلام، قال: وإن استأنف الإحرام قبل الوقوف بعرفة أجزأه عن حجة الإسلام، وقال: يجزئه إن نوى في إحرامه الأول حجة الإسلام. انتهى. ولم أر من وافقه على الإجزاء فيما إذا استأنف الإحرام، ولا ما إذا نوى بإحرامه الأول الفرض. على أنه يمكن حمل قوله: وإن استأنف على أن يكون مراده إذا لم يكن محرماً، فانظره. وقوله: (وَكَذَلِكَ الْعَبْدُ يُعْتقَ) ظاهر. وكذلك قوله: (إِلا أَنْ يَكُونَا) ظاهر، وهو استثناء منقطع ولعله ذكره ليرتب عليه ما بعده. وَكَذَلِكَ لَوْ حَلَّلَ الْوَلِيُّ الصَّبِيَّ قَبْلَهُ الضمير في: (قَبْلَهُ) عائد على البلوغ، يريد إذا أحرم بغير إذنه فله أن يحلله، لا سيما إذا كان يرجو بلوغه، فيحلله رجاء أني حج الفرض. وقوله: (وَكَذَلِكَ) راجع إلى قوله: (إلا أن يكونا) أي: فيحرم هذا الصبي الآخر ويجزئه عن فرضه، وأما لو أحرم بإذنه فليس له أن يحلله، وبهذا تعلم أن قول ابن عبد

стр. 993

السلام: تأمل هل يجوز له أن يحلله؟ وأي فائدة في ذلك إلا أن يخشى أن يدخل على نفسه فدية أو جزاء صيد – ليس بظاهر. وفِي الْعَبْدِ يُحَلِّلُهُ سَيِّدُهُ قَبْلَهُ إذا أحرم العبد بغير إذن سيده وحلله قبله – أي: قبل العتق- ثم أعتق فقولان؛ أي هل هو كالصبي فيحرم بفريضة، أو ليس هو كالصبي؛ لأنه مكلف فيقدم قضاء ما ترتب عليه إذا أعتق؛ لتسببه مع عدم إذن سيده؟ وفي معنى العتق الإذن له. ونسب اللخمي القضاء لابن القاسم وعدمه لأشهب. هكذا مَشَّى هذا المحل شيخنا رحمه الله تعالى وعلى هذا فالضمير في قوله: (قَبْلَهُ) عائد على العتق الذي فهم من قوله: وكذلك العبد يعتق. وجعل ابن راشد القولين: هل يمضي تحليل السيد العبد ويحرم بالفريضة كالصبي أو لا يمضي تحليله لأنه من أهل التكليف؟ قال: ولم يحك اللخمي إلا القول بأن إحرامه يبطل، ثم ذكر الخلاف الذي ذكرناه في أنه هل يجب عليه القضاء أم لا؟ وتمشية شيخنا أولى لمساعدة النقل لها. وحمل ابن عبد السلام القولين على أن المعنى أنه اختلف في العبد يحلله سيده قبل الوقوف بعرفة إذا أحرم بعد ذلك بحجة الإسلام هل يجزئه أم لا؟ قال: والقول بعدم الإجزاء هنا لا أعرفه، وإنما الخلاف هل يلزمه القضاء أم لا؟ انتهى. وليس بظاهر، والله أعلم. أما لو أحرم بإذن سيده فليس له تحليله، قاله في المدونة وغيرها. فرع: فلو أذن ثم بدا له قبل أن يحرم، فله ذلك عند مالك. اللخمي: وليس بالبين. سند: وظاهر المدونة عندي أنه ليس له الرجوع بعد الإذن. وَمَنْ نَوَى النَّفْلَ لَمْ يُجْزِئهِ عَنِ الْفَرْضِ كسائر العبادات، فلا ينقلب النفل فرضاً.

стр. 994

وَلا اسْتِنَابَةَ لِعَاجِزِ عَلَى الْمَشْهُورِ– وَثَالِثُهَا: يَجُوزُ فِي الْوَلَدِ قال سند: اتفق أهل المذاهب أن الصحيح لا تجوز استنابته في فرض الحج، والمذهب كراهتها في التطوع، وإن وقعت صحت الإجارة، وحرمها الشافعي قياساً على الفرض. انتهى. وأما العاجز فحكى المصنف فيه ثلاثة أقاول: المشهور: عدم الجواز؛ أي: تكره. صرح في الجلاب بذلك وكلام المصنف لا تؤخذ منه الكراهة بل المنع. ابن هارون: وهو ظاهر ما حكاه اللخمي. والقول الثاني: الجواز مطلقاً، وهو مروي عن مالك. وقال ابن وهب وأبو مصعب: يجوز في حق الولد خاصة؛ لأن الرخصة وردت فيه. ونقل عن ابن وهب أنه أجاز أن يحج الرجل عن قرابته، ولم يخص الولد. ويقول ابن وهب الأول قال ابن حبيب؛ لأنه قال: قد جاءت الرخصة في الحج عن الكبير الذي لم ينهض ولمي حج، وعن من مات ولم يحج أن يحج عنه ولده وإن لم يوص به، ويجزئه ن شاء الله، والله واسع بعباده وأحق بالتجاوز، وهذا لفظ النوادر عنه. واظهر قوله: يجزئه إن شاء الله؛ أنه يجزئه عن الفرض وهو خلاف ما قاله عبد الوهاب وغيره: لسنا نعني بصحة النيابة أن الفرض يسقط عنه بحج الغير. ابن القصار: وإنما للميت المحجوج عنه أجر النفقة إن أوصى أن يستأجر من ماله على ذلك، وإن تطوع عنه أحد بذلك فله أجر الدعاء وفضله. وهذا انتفاع الميت. وروى عن مالك أنه قال: لا أدري أيجزئه عند الله. وأخذ الباجي قولاً بسقوط الفرض من قول مالك فيمن أوصى أن يحج عنه بعد موته، أنه لا يستأجر عنه صبي ولا من فيه عقد حرية.

стр. 995

قال: فلولا أن الحج على وجه النيابة عن الموصى لما اعتبرت صف المباشرة للحج. خليل: وفيه نظر؛ لجواز أن يرى مالك ذلك مراعاة لقصده ومراعاة للخلاف، وكان الترتيب يقتضي أن لا يأتي بهذه المسألة هنا، بل بعد مسائلة النيابة، لكن لما ذكرنا قول ابن حبيب ذكرناها لذلك. ويُتَطَوَّعُ عَنْهُ بِغَيْرِ هَذَا – يُهْدِي عَنْهُ أَوْ يُتَصَدَّقُ أَوْ يُعْتِقُ هذا لمالك في المدونة ونصها: ومن مات وهو صرورة ولم يوص [١٧٢/ب] أن يحج عنه، فأراد أن يتطوع عنه بذلك ولد أو والد أو أجنبي فليتطوع بغير هذا: يهدي عنه، أو يتصدق، أو يعتق. وإنما كانت هذه الأشياء أولى؛ لوصولها إلى الميت من غير خلاف بخلاف الحج. فائدة: من الأشياء ما لا يقبل النيابة بالإجماع، كالإيمان بالله ، ومنها ما يقبلها إجماعاً كالدعاء والصدقة ورد الديون والودائع. واختلف في الصوم والحج، والمذهب أنهما لا يقبلان النيابة. وكذلك القراءة لا تصل على المذهب، حكاه القرافي في قواعده والشيخ ابن أبي جمرة، وهو المشهور من مذهب الشافعي، ذكره النووي في الأذكار. ومذهب أحمد وصول القراءة. ومذهب مالك كراهة القراءة على القبور، ونقله سيدي ابن أبي جمرة في شرح مختصر البخاري، قال: لأنا مكلفون بالتفكر فيما قبل لهم وماذا لقوا، ونحن مكلفون بالتدبر في القرآن قال الأمر إلى إسقاط أحد العملين. وَتُنَفَّذُ الْوَصِيَّةُ عَلَى الْمَشْهُورِ، وَتَكُونُ لِمَنْ حَجَّ أَحَبَّ إِلَيَّ أي: إذا فرعنا على المشهور من عدم إجازة النيابة فأوصى بذلك فالمشهور تنفذ مراعاةً للخلاف. وقال ابن كنانة: لا تنفذ وصيته؛ لأن الوصية لا تبيح الممنوع، قال: ويصرف قدر الموصى به في هدايا. وقال بعض من قال بقوله: يصرفه في وجه من وجوه الخير. وفي

стр. 996

الموازية والواضحة: في امرأة أوصت أن يحج عنها إن حمل ذلك ثلثها، وإن لم يحمل أعتق به رقبة، فحمل ذلك ثلثها أيحج عنها؟ قال: أرى أن يعتق عنها ولا يحج. قيل له: فكل من أوصى أن يحج عنه أينفذ ذلك من ثلثه؟ قال: نعم. فضل: وهذه رواية سوء وكان سحنون ينكرها. وقوله: (وتَكُونُ لِمَنْ حَجَّ أَحَبَّ إِلَيَّ) أي: أن مالكاً قال: وإن كانت الوصية عنده مكروهة أن الوصية بها لمن حج أحب إليَّ من أن يوصي بها لمن لم يحج. وعلله عبد الوهاب بأنه يُكره عندنا أن يحج عن غيره قبل أن يحج عن نفسه؛ لقوله ﵊ للذي سمعه يُحرم عن غيره: "حج عن نفسك ثم عن شُبْرُمة". أشهب: ولا بأس أن يستأجر الوصي صرورة إذا كان لا يجد سبيلاً إلى الحج، وأما من يجد سبيلاً إليه فلا ينبغي. وقال ابن القاسم: إذا جهلوا فآجروا صرورة ممن لا يجد السبيل أجزأه. وَإِنْ لَمْ يُوَصِ لَمْ يَلْزَمْ وَإِنْ كَانَ صَرُورَةً عَلَى الأَصَحِّ الخلاف راجع إلى الصرورة، وكلامه يقتضي أن الخلاف في اللزوم، وظاهر كلام ابن بشير وابن شاس: أن الخلاف إنما هو في الجواز وهو ظاهر، وكذلك قال ابن بريزة، ولفظه: المستنيب إما أن يكون حياً أو ميتاً، فإن كان ميتأً فإما أن يوصي أو لا يوصي، فإن لم يوصِ فلا يحج عنه على المشهور سواء كان صرورة أو غير صرورة. وَيُكْرَهُ لِلْمَرْءِ إِجَارَةَ نَفْسِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَتَلْزَمُ أي: إذا أنفذنا الوصية أو أجزناها ابتداءً فهل يجوز لأحد أن يؤاجر نفسه أو يكره؟ المشهور الكراهة. قال مالك: لأن يؤاجر الإنسان نفسه فيعمل اللبن والحطب- وفي رواية: وسوق الإبل- أحب إلي من أن يعمل لله عملاً بأجر. ورأى في الشاذ أن هذا من باب الإعانة على الطاعة.

стр. 997

وَهِي قِسْمَانِ: قِسْمٌ بِمُعَيِّنٍ فَيُمَلَّكُ وَعَلَيْهِ مَا يَحْتَاجُ، وَقِسْمٌ يُسْمَّى الْبَلاغُ - وَهُوَ إِعْطَاؤُهُ مَالاً يَحُجُّ مِنْهُ – فَلَهُ الإِنْفَاقُ بِالْمَعْرُوفِ وَإذَا رَجَعَ رَدَّ مَا فَضَلَ قوله: (فَيُمَلَّكُ) أي: فيضمنه، ويكون الفضل له والنقصان عليه، وليس المراد بقوله: (فَيُمَلَّكُ) أنه يفعل به ما أراد؛ لأن مالكاً قال في السليمانية: لاينبغي للأجير أني ركب من الجمال والدواب إلا ما كان الميت يركب، لأنه كذلك أراد أن يوصي، ولا يقضي بها دينه ويسأل الناس، وهذه جناية، وإنما أراد الميت أن يحج عنه بماله والعادة اليوم خلاف ذلك، وأنه يصنع به ما أحب، ويحج ماشياً وكيف تيسر. انتهى. وكان شيخنا رحمه الله تعالى يقول: ومثل هذا المساجد ونحوها يأخذها الوجيه بوجاهته، ثم يدفع منها شيئاً قليلاً لمن ينوب عنه، فأرى الذي أبقاه لنفسه حراماً؛ لأنه اتخذ عبادة الله متجراً ولم يوف بقصد صاحبها، إذ مراده التوسعة ليأتي بذلك الأجير منشرح الصدر. قال رحمه الله تعالى: وأما من اضطر إلى شيء من الإجارة على ذلك، فأنا أعذره لضرورته. وقوله في القسم الثاني: (فَلَهُ الإِنْفَاقُ بالْمَعْرُوفِ) قال مالك في الموازية: في مثل الكعك، والخل، والزيت، واللحم المرة بعد المرة، والثياب، والوَطَاء، واللحاف فإذا رجع رد ما فضل ورد الثياب، ولا يقال: إذا رد ما فضل يلزم منه البيع والسلف؛ لأن ما أنفقه أجرة وما رده سلف، لأنا نقول: المقبوض لا يتعين للإجارة إلا بالإنفاق بدليل أنه لو هلك لم يضمنه. ابن راشد: والبلاغ [١٧٣/أ] قسمان: بلاغ في الثمن وهو الذي ذكره المصنف. وبلاغ في الحج ومعناه: إن وفَّى بالحج كان له الثمن وإلا فلا شيء له، وإذا مات قبل إكمال الحج استرجع منه جميع الأجرة، ولايترك له شيء لما سار له، وهذا القسم ذكره الموثقون واللخمي.

стр. 998

فرع: فالإجارة وإن كرهها مالك مطلقاً فالمضمونة أحب إليه؛ لأنه إذا مات حوسب بما صار له وأخذ من تركته، وهو أحوط. ويَرْجِعُ بِمَا زَادَ عَنْهَا وَعَمَّا لَزِمَهُ مِنْ هَدْيٍ أَوْ فِدْيَةِ غَيْرَ مُتَعَمِّدِ حَجَّ أَوْ صُدَّ أَوْ أُحْصِرَ ابن راشد وابن عبد السلام وابن هارون: معناه أن الأجير يرجع- إذا لم تَكفِه النفقة – بما أنفقه زائداً عليها، ويحسب فيها الهدي إذا لم يتعمد إيجابه، كما لو لزمه سهواً أو اضطراراً، وإن تعاطى موجب الهدي فليس على الورثة شيء من ذلك. وقوله: (حَجَّ) أي: سواء تم حجه أو صد بعدو أو أحصر بمرض عن تمام الحج، ومثله من فاته الحج. قال شيخنا: بل المعنى أنه يرجع على الأجير بما زاد عن نفقته، كما لو اشترى هدية أو غيرها مما لا تعلق للحج به، وعلى هذا يضبط مبنياً لما لم يسم فاعله، ولو كان المراد أن الأجير يرجع لقال: بما زاد عليها. وقول ابن هارون أن (عَنْهَا) متعلق بـ (فضل)، وأنه من باب التنازع- بعيد. وَنَفَقَتُهُ بَعْدَ فُرْضِهِ من مَالِ الْمَيِّتِ مَا أَقَامَ، وَلَوْ تَلِفَ قَبْلَ الإِحْرَامِ فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ وَيَرْجِعُ فَإِنْ تَمَادَى فَنَفَقَتُهُ عَلَيْهِ فِي ذَهَابِهِ .... أي: ونفقة الأجير على البلاغ بعد فرضه، أي: بعد إحرامه، كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ ....﴾ [البقرة: ١٩٧] وليس المراد بعد أداء فرضه. فإن الإجارة قد تكون على طوع. وقوله: (مَا أَقَامَ) أي: مدة إقامته في الإحرام، ولو طال الزمان؛ لأنه على ذلك انعقدت الإجارة، وهذا مقيد بما إذا لم يكن العام المستأجر عليه معيناً، وأما المعين فتفسخ الإجارة سواء صد بعدو أو مرض، أو فاته الحج بخطأ العدد؛ أما من صدِ فظاهر؛ لأنه يمكن التحلل حيث كان. وأما المريض ومن فاته الحج، فهما وإن لم يمكنهما التحلل حتى يذهبا إلى مكة ويتحللان بعمل عمرة فلأن العام الذي استؤجرا عليه ذهب، وإنما يتماديان

стр. 999

لحق الله فيما يتحللان به من الإحرام، فكأن ذلك معصية وقعت بهما، قال معناه اللخمي. ووقع في نسخة ابن راشد: (مرضه) عوض (فَرْضِهِ). وقد ذكر في المدونة وغيرها المسألة كذلك، وهو أنه إذا أخذ المال على البلاغ فله نفقته ما أقام مريضاً في مال الميت، وإن أقام إلى حج قابل. وقوله: (وَلَوْ تَلِفَ قبله فَلا شَيْءَ عَلَيْهِ) اعلم أنه لا شيء عليه مطلقاً سواء تلف قبله أو بعده؛ لأنه أمين، وإنما فصل المصنف في التلف للكلام على حكم الأجير، ورجع إذا تلف قبل الإحرام؛ لأنه إنما انعقدت الإجارة على ذلك المال ولم تنعقد على المال المطلق لعدم الدخول عليه، وله النفقة في رجوعه، إلا أن تكون الإجارة على نفقته من الثلث فيرجع في باقيه، وإن كان المدفوع أولاً جميع الثلث وعليه رَاضَوهُ فلا شيء عليه. انتهى. وإن تمادى على السير بعد تلفها، فنفقته عليه في ذهابه وفي رجوعه إلى المكان الذي ذهبت فيه النفقة. واختلف فيما ينفقه في رجوعه من موضع ضياعها على روايتين: إحداهما: أن نفقته على المستأجر وبها أخذ ابن القاسم. والثانية: أنها على الأجير وبها أخذ ابن حبيب وابن يونس. والأول أحسن؛ لأنه مضطر إلى ذلك والأجير هو الذي أوقعه فيه. فإن لم تضع النفقة لكنها فرغت من المؤن قبل الإحرام، فههنا لايرجع ويمضي ونفقته عليهم؛ لأن العقد باق وأحكامه باقية، قاله سند. فرع: وإذا تلف المال وكان في الثلث فضلة فقال ابن القاسم: ليس على الورثة أن يحجوا عنه. وقال أشهب: هو عليهم كالوصية بالعتق فيموت العبد بعد الشراء.

стр. 1000

وَإِنْ تَلِفَ بَعْدَهُ وَلا مَالَ لِلْمَيِّتِ فَالنَّفَقَةُ عَلَى الْمُسْتَاجِرِ، فَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ فَقَوْلانِ أي: وإن تلف المال المأخوذ على البلاغ بعد الإحرام فإنه يمضي في حجه لعدم ارتفاض الحج، ثم إن لم يكن للميت مال فالنفقة على المستأجر؛ لأنه هو الذي أوقعه في هذا، وهو مخطئ في تركه الإجارة المضمونة. ومذهب المدونة فيما إذا كان للميت مال أنه على الأجير أيضاً؛ للخطأ المذكور. والقول بأن ذلك من مال الميت لابن حبيب، وصوب القابسي وابن شبلون الأول. ووجه قول ابن حبيب: أن الولي قد يؤدي نظره إلى البلاغ، إما لرفق وإما لصلاح في الجير أو لهما. واعترض صاحب النكت قول ابن حبيب بأن الدافع إما أن يجعل متعدياً بتركه الإجارة الحقيقية أم لا؟ فإن كان متعدياً كان الرجوع [١٧٣/ب] في ماله مطلقاً، وإلا فلا يرجع عليه مطلقاً. أما إن أمرهم أن يستأجروا عنه على البلاغ فيرجع في بقية ثلثه إن لم يقسم باتفاق. قال صاحب البيان: وإن كان قسم فعلى الاختلاف في الذي يوصي أن يشتري عبداً من ثلثه فيعتق، فاشترى ولم ينفذ له العتق حتى مات وقد قسم الورثة ماله، فقد قيل: أنه يشتري له عبد آخر من بقية الثلث وهو ظاهر ما في المدونة وقبل: لا. وَلَوْ صُدَّ الأَجِيرُ أَوْ مَاتَ اسْتُؤْجِرَ مِنْ حَيْثُ اِنْتَهَى، وَلَهُ إِلَيْهِ قوله: (الأَجِيرُ) أي: سواء كان على الضمان أو على البلاغ. ففي الضمان له بحسب ما سار على قدر صعوبة الطريق وسهولتها وأمنها وخوفها لا بمجرد قطع المسافة؛ فقد يكون ربع المسافة يساوي نصف الكراء، هذا هو المشهور. ونقل ابن حبيب أن الأجير إذا مات بعد دخول مكة تكون له الأجرة كاملة. وضُعِّفَ؛ لبقاء ما اقتضاه العقد. وفي البلاغ: يرد ما فضل وقوله: (وَلَهُ إِلَيْهِ) أي: وللأجير مطلقاً المصدود أو الميت إلى الموضع الذي حصل له ذلك على ما تقدم. وقد ذكر في المدونة الأجيرين، وفسرهما ابن اللباد بما

стр. 1001

قلناه، وحمل ابن عبد السلام المسألة على أجير البلاغ. وما ذكرناه أولى؛ لموافقة المدونة، ولكونه أعم فائدة، وجعل أيضاً الضمير في قوله: (له) عائد على الأجير ثانياً. أي: للأجير أيضاً النفقة ذاهباً وجائياً إلى حيث انتهى الأول، وفيه بُعْد. فَلَوْ أَرَادَ بَقاءَ إِجَارَتِهِ إِلَى الْعَامِ الثَّانِي مُحْرِماً أَوْ مُتَحَلِّلاً – فَقَوْلانِ هذا خاص بالإجارة المضمونة؛ أي: إذا صُدَّ في الإجارة على الضمان أو أُحصِر بمرض حتى فاته الحج، فأراد هو أو من استأجره أن يبقى على حكم الإجارة إلى العام الثاني محرماً أو متحللاً، فهل لهما ذلك أو لابد من الفسخ؟ قولان للمتأخرين: فمن رأى أنه لما تعذر الحج في هذا العام انفسخت فصار له دين في ذمته يأخذ عنه منافع متأخرة مَنَع؛ لأنه فسخ دين في دين. ومن رأى هذا النوع أخف من الإجارة الحقيقية ولم يقدر الانفساخ، لأنه إنما قبض الأجرة عن الحج وقد صار الأمر إليه –أجاز. واختار ابن أبي زيد الجواز، وأما في البلاغ فذلك جائز فيه؛ لأن ما أخذه الأجير ليس ديناً في ذمته، قال في البيان: وأما لو ترتب في ذمته مال لم يجز أن يصرف في الإجارة عند مالك وجميع أصحابه. وَلَوْ نَوَى عَنْ نَفْسِهِ انْفَسَخَتْ إِنْ عَيَّنَ الْعَامَ لأن ما استؤجر عليه لم يأت به والعقد لم يتناول العام الثاني. ومفهوم قوله: (إِنْ عَيَّنَ الْعَامَ) أنهما لو دخلا على عام غير معين لم تنفسخ الإجارة، وبذلك صرح ابن بشير وابن عبد السلام، وأشار ابن بشير إلى أنهما لو دخلا على السكوت أن الإجارة تنفسخ كما لو عين العام. وعلله ابن راشد بأن العام الأول يتعين. ونص صاحب البيان على خلافه وسيأتي لفظه. فرع: فلو أحرم عن الميت ثم صرفه إلى نفسه، قال في الذخيرة: لم يجز عنهما ولم يستحق الأجرة. وقال الشافعي: يقع عن الميت. وفي النوادر: إن نوى الأجير الصرورة

стр. 1002

الحج عن نفسه أجزأه عن نفسه وأعاد عن الميت. رواه أبو زيد عن ابن القاسم، وروى عنه أصبغ: لا يجزئ عن واحد منهما، وقال أصبغ: وليرجع ثانية عن الميت. انتهى. فَلَوْ اِعْتَمَرَ عَنْ نَفْسِهِ ثُمَّ حَجَّ فَكَذَلِكَ أي: فالحكم فيه الانفساخ لتعيين العام، أما إن لم يكن العام معيناً فلا تنفسخ. ففي المدونة: من أخذ مالاً ليحج به عن ميت من بعض الآفاق فاعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة لم يجزه ذلك عن الميت، وعليه أن يحج حجة أخرى كما استؤجر. زاد ابن القاسم في العتبية: لا أبالي شرطوا عليه الإحرام من ذي الحليفة أم لا يشترطوا. ولابن القاسم في العتبية والأسدية: إذا اعتمر عن نفسه وحج عن الميت من مكة أجزأه، إلا إن شرطوا عليه أن يحرم من ميقات الميت، ولا حجة للمستأجر عليه بذلك. واستبعده صاحب البيان. وقال ابن المواز: إذا كان خروجه عن الميت، وأحرم عن الميت من الميقات أجزأه ذلك، وإن أحرم من مكة فعليه البدل. واختلف في فهم المدونة، فنقل ابن يونس عن بعض شيوخه أنه قال: يلزمه أني حج عن الميت من الموضع الذي استؤجر منه لا من الميقات؛ لأنه لما اعتمر عن نفسه فكأنه خرج لذلك، ففهم أن مذهب المدونة على نفي الإجزاء. ابن يونس: وأرى أنه إن رجع وأحرم من ميقات الميت أنه يجزئه؛ لأنه منه تَعَدٍ، فعلى تأويل ابن يونس يكون في المسألة قولان. وعلى تأويل غيره يكون فيها ثلاثة أقوال والله أعلم. استشكل التونسي الإجزاء مطلقاً، قال: وكذلك أنه إذا اعتمر عن نفسه ثم حج عن الميت من الميقات فقد صارت هذه الحجة فيها نقص لما كان تمنعه عن نفسه بعمرة في أشهر الحج. فإن حج من [١٧٤/أ] مكة فيدخله مع ذلك نقص الإحرام من الميقات عن الميت. فلو قيل في هذه المسألة أنه يرجع عليه بقدر ما نقص ما بَعُدْ. انتهى باختصار. فروع: الأول: لو شر عليه القِرَان فأفرد، فالمذهب لا يجزئه؛ لإتيانه بغير المعقود عليه. وكذلك لو استؤجر على القران فتمتع، أو على التمتع فقرن، ذكره في الذخيرة.

стр. 1003

الثاني: لو قدم الحج على العام المشترط فقال بعض الأندلسيين: يجزئه كما لو قدم دَيناً قبل محله، نقله ابن راشد. الثالث: لو شرط عليه ميقاتاً فأحرم من غيره، فظاهر المذهب لا يجزئه ويرد المال في الحج المعين إن فات، قاله في الذخيرة. الرابع: لو استؤجر رجل على الحج والزيارة فتعذرت عليه الزيارة- فقال ابن أبي زيد: يرد من الإجارة قدر مسافة الزيارة، وقيل: يرجع ثانية حتى يزور. وَلَوْ شَرَطَ عَلَيْهِ الإِفْرَادَ بِوَصِيَّةِ الْمَيِّتِ فَقَرَنَ اِنْفَسَخَتِ فَلَوْ تَمَتَّعَ أَعَادَ يعني: فلو شرط على الأجير الإفراد – بسبب أن الميت أوصى بذلك فخالف الأجير الشرط- فإن خالفه بقِران انفسخت الإجارة سواء كان العام معيناً أم لا، فإن خالفه فتمتع لم تنفسخ وأعاد وإن كان العام غير معين، هكذا قال ابن عبد السلام. وما ذكره المصنف من الإعادة في التمتع والانفساخ في القران نص عليه جماعة. ابن بشير: ولا يجزئه ما أتى به من تمتع أو قران بالاتفاق، إذا كان المشترط الإفراد هو الميت، وهو مراد المصنف احترازاً من الورثة. وفرق بين تمكين المتمتع من الإعادة وعدم تمكين القارن منها بأن عداء القارن خفي؛ لأنه في النية فلا يؤمن أن يفعل مثل ذلك، وعداء المتمتع ظاهر؛ فلهذا مكن من العود. وفيه نظر؛ لأنا لو راعينا أمر النية لم تجز هذه الإجارة لاحتمال أن يحرم عن نفسه، وقيل في الفرق إن القارن يشارك في العمل فأتى ببعض ما استؤجر عليه. والمتمتع أيضاً لا يجزئه وهو مخاطب بالإعادة، وقيل: لأن القارن استؤجر على عام بعينه، والمتمتع استؤجر على عام مضمون. واعترض بأنه إحالة للرواية عن ظاهرها.

стр. 1004

فَلَوْ شَرَطَ بِغَيْرِ وَصِيَّةٍ فَقَوْلانِ أي: فلو شرط الورثة على الأجير الإفراد ولم يكن الميت أوصى به- فخالف الأجير ففي ذلك قولان: أحدهما: أنه يجزئ ما أتى به من تمتع أو قران؛ لأن قصد الميت حجة وقد حصلت. والثاني: أن ذلك لا يجزئ؛ لأن الوارث يتنزل منزلته ويتحصل فيما إذا اشترط عليه الورثة الإفراد فتمتع ثلاثة أقوال: قال ابن القاسم: لا يجزئ. ونقل عن مالك الإجزاء ابن يونس وغيره، وإليه رجع ابن القاسم. ونقل ابن حبيب: إن نوى العمرة عن الميت أجزأه، وإن نواها عن نفسه ضمن المال، ويتحصل فيما إذا اشترط عليه الورثة الإفراد فقرن ثلاثة أقوال: قال في الجلاب: قال ابن القاسم: لا يجزئ وعليه الإعادة. وقال عبد الملك يجزئ. وفرق ابن حبيب بين أن ينوي العمرة عن نفسه أو عن الميت كما تقدم. وَمَتَى لَمْ يُعَيِّنِ السَّنَةَ فَفِي الْبُطْلانِ قَوْلانِ، وَعَلَى الصِّحَّةِ تَتَعَيَّنُ أَوَّلُ سَنَةٍ يعني: إذا وقع العقد على سَنةٍ غير معينة فقيل: لا يصح للجهالة، وقيل: يصح وهو أظهر، كما في سائر عقود الإجارة إذا وقعت مطلقاً، فإنها تصح وبحمل على أقرب زمان يمكن وقوع الفعل فيه. ابن شاس: والقولان للمتأخرين. وفي البيان: إن استؤجر على أن يحج في ذلك العام فلا يتعين في ذلك العام، كمن استأجر سَقَّاءً على أن يأتيه بِجِرَارٍ معينة في يوم معين، ثم أخلفَ السقاء فإنه لا تنفسخ، قال: وإن استأجره على الحج وسكت، فهو على أول سَنة. فإن لم يحج في أول سَنة لزمه فيما بعدها. وذهب ابن العطار إلى أن السنة تتعين بذكرها، ولا تصح الإجارة إلا بتعيينها. فأما قوله: إنها تتعين بذرها، فقد قيل ذلك، وهو الذي يدل عليه ما في الحج الثالث من المدونة. وأما ما ذهب إليه من أن الإجارة لا تصح إلا بتعيينها فليس بصحيح؛ فقد أجاز في سماع أبي زيد من العتبية الاستئجار على حجة مقاطعة في سنة بعينها.

стр. 1005

وَفِي تَعَلُّقِ الْفِعْلِ بِذِمَّةِ الأَجِيرِ قَوْلانِ محل الخلاف إذا لم تكن قرينة في التعيين، وأما لو حصلت صير إليها. فعلى القول بأنها تتعلق بذمته له أن يستأجر من هو في مثل حاله، بخلاف القول الآخر. ابن بشير: والقولان للمتأخرين. والذي اختاره ابن عبد البر وغيره أنه يتعلق بنفسه. خليل: وقد يتخرج عليهما ما إذا مات الأجير في أثناء الطريق، فعلى تعلقها بنفسه تنفسخ، وعلى تعلقها بذمته يستأجر من ماله من يتم، ويكون الفضل له والنقصان عليه. وإلى ذلك أشار بعضهم. [١٧٤/ب] وَفِي تَعْيِينِ مَنْ عَيَّنَ الْمَيِّتُ قَوْلانِ إِلا فِي ذِي حَالٍ يُفْهَمُ قَصْدُهُ إِلَيْهِ، فَإِنْ قُلْنَا تَتَعَيَّنُ بَطَلَتْ لِغَيْرَهِ ...... تصوره ظاهر، وفي الجواهر نحوه، لأنه قال بعد أن ذكر الخلاف في تعيينه: وعليه يخرج الخلاف في امتناعه، هل يعوض بغيره أو تبطل الوصية؟ وفي الجلاب: ومن أوصى أن يحج عنه رجل بعينه فأبى أن يحج عنه، فإن كان الموصي لم يحج عن نفسه دفعت حجته إلى غيره، وإن كان قد حج بطلت وصيته ورد المال إلى ورثته. التلمساني: وقال ابن القاسم. وقال غير ابن القاسم: لا يرجع ميراثاً وهو كالصرورة؛ لأن الحج إنما أراد به نفسه بخلاف الوصية لمسكين معين. وإِذَا سَمَّى قَدْراً فَوُجِدَ بِدُونِهِ فَالْفَاضِلُ مِيرَاثٌ إِلا إذَا عَيَّنَ وَفُهِمَ إِعْطَاءُ الْجَمِيعِ، وَقِيلَ: يَحُجُّ حِجَجَاً ..... قال في المدونة: ومن أوصى أن يُحَجَّ عنه بأربعين ديناراً فدفعوها إلى رجل على البلاغ وفضلت نمها فليرد إلى الورثة ما فضل، كقوله: اشتروا عبد فلان بمائة وأعتقوه فاشتروه

стр. 1006

بأقل فالبقية ميراث. وكذلك إذا قال: أعطوا فلاناً أربعين ديناراً يحج بها عني فاستؤجر بثلاثين – كان الفضل ميراث. انتهى. وقال ابن المواز: إذا سمي ما يعطي فذلك كله للموصى له، إلا أن يرضي بدونه بعد علمه بالوصية، وهذا إذا قال: يَحُجُ بهذه الأربعين عني فلان أو قال رجل، وأما إذا قال: حجوا بها عني أو يحج عني بها فلتنفذ كلها في حجة أو حجتين أو ثلاث أو أكثر، ولو جعلت في حجة واحدة فهو أحسن. وكذلك لو قال: أعتقوا عني بهذه المائة، ولم يقل عبداً ولاسمي عدداً يعتق عنه بها. وإن قال: أعتقوا عبد فلان بهذه الأربعين، فإنها تدفع له إلا أن يعلم سيد العبد بالوصية ويرضى بالأقل. ابن بشير: واختلف المتأخرون في قول ابن المواز هل هو تفسير لكلام ابن القاسم أو خلاف؟ قال سند: إن كان الموصى له وارثاً لا يزاد على النفقة والكراء شيء. قاله في كتاب الوصية. وإن كان غير وارث فعلم ورضي بدونه فقد أسقط حقه، وإن لم يعلم: فرأى ابن القاسم أن المقصود الحج، وقال ابن المواز: يدفع الجميع له في الحج، وإذا قلنا يعطي الزائد فقال: أحجوا غيري وأعطوني الزائد لم يوافق؛ لأنه أوصى له بشرط الحج. قوله: إذَا عَيَّنَ وفُهِمَ إِعْطَاءُ الْجَمِيعِ) أي: فيعطي له؛ لأنه حينئذ وصية؛ يريد: ما لم يكن وارثاً. قوله: (وَقِيلَ، يَحُجُ حِجَجَاً) راجع إلى أصل المسألة؛ أي: إذا لم يفهم إعطاء الجميع. واعترض قياس ابن القاسم" عبد فلان" على "الحج" بأن القصد في الرقبة إنما هو فكاكها بخلاف الحج، فإنه يقصد فيه كثرة النفقة. فإن قيل: وكثرة الثمن مقصودة في الرقبة أيضاً؛ لقوله ﵊: وقد سئل أي الرقاب أفضل؟ فقال: "أغلاها ثمناً وأنفسها عند أهلها ... " الحديث- قيل هذا إنما يحسن في الرقبة غير المعينة، وأما المعينة فلا، والله أعلم.

стр. 1007

فرعان: الأول: لو قال: حجوا عني بِثُلُثِي حجة واحدة فحجوا بدونه فبالباقي ميراث عند ابن القاسم، وعند أشهب: يخرجون في حجة أخرى، وفعلهم للأقل جائز، ولا يجزئهم عند سحنون، ويضمنون للمخالفة، نقله في الذخيرة. والثاني: إن أوصى أن يحج عنه بمال فتبرع أحد بالحج. فقال سند: يعود على قول ابن القاسم ميراثاً. وعلى قول أشهب يُستَأجَر به. تنبيه: قال في العتبية في رجل أوصى أن يحج عنه بثلثه فوجد ثلاثة ألف دينار ونحو ذلك- أنه يحج عنه حتى يستوعب الثلث. قال في البيان: لأنه لما كان الثلث واسعاً حُمِلَ على أنه لم يرد حجة واحدة، وإن كان ثلثه يشبه أن يحج به حجةً واحدة رجع ما بقي ميراثاً كما قال في المدونة في مسألة الأربعين ديناراً، قال: وليست هذه مخالفة للمدونة. ولو أوصى أن يحج عنه من ثُلثه لم يزد على حجة؛ لأن (من) للتبعيض. فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بِهِ كُلِّهِ مِنْ مَحَلِّهِ – فَثَالِثُهَا إِنْ كَانَ صَرُورَةً حَجَّ عَنْهُ مِنَ الْمِيقَاتِ أَوْ مِنْ مَكَّةَ وَإِلا فَمِيرَاثٌ .... أي: فإن لم يوجد من يحج عنه بما سمي من المال (مِنْ مَحَلِّهِ) أي: من محل الموصى. قال في البيان: فإن لمي سم من بلد كذا فلا اختلاف أنه يحج عنه من حيث وجد، وأما إن قال: حجوا بها عني من بلد كذا وبه مات فإن لم يوجد من يحج بها عنه من ذلك البلد قال ابن القاسم في العتبية: يرجع ميراثاً. وروي مثله عن أصبغ، وروي عن ابن القاسم أيضاً: أنه يستأجر له بها من حيث يوجد، إلا أن يبين أنه لا يحج بها عنه إلا من بلده. وحكى مثل ذلك ابن المواز عن أشهب، واختار هو الأول إن كان الميت حج، وقول أشهب إن لم يحج انتهى.

стр. 1008

وَ الْعُمَرَةُ كَالْحَجِّ فِي جَمِيعِ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِي وُجُوبِهَا قَوْلانِ أي: في الاستطاعة وفي الإيجار عليها. والمشهور أنها سُنَّة. وقال ابن الجهم وابن حبيب بوجوبها. [١٧٥/أ] وَخُرَّجَ الإِشْهَادُ عَلَى الإِحْرَامِ إِذاَ لَمْ يَكُنْ عُرْفٌ عَلَى الْخِلافِ فِي الأَجِيرِ عَلَى تَوْصِيلِ كِتَابٍ .... معناه: أن العرف إن جرى بالإشهاد على الإحرام على الغير أو بعدمه صير إليه. وإن لم يكن عرف فخرج أبو عمران في ذلك قولين من مسألة كتاب الرواحل وهي: أجير استؤجر على حمل كتاب إلى بلد فأتى بعد أيام يمكنه الوصول فيها والرجوع وعم أنه بَلَّغ الكتاب، فحكم له ابن القاسم بالأجرة. وقال غيره: لا يستحقها إلا بعد إقامة البينة. خليل: ويمكن الفرق بينهما أن الحج مبني على الأمانة المحضة بدليل تأمينه على النفقة بخلاف غيره. وحكي ابن عبد السلام القولين منصوصين في الحج للمتأخرين فلا احتياج إلى التخريج. فروع: الأول: من أوصى أن يحج عنه وكان صرورة فلا يَحُج عنه عبد ولا صبي إلا أن يأذن له في ذلك الموصي، قاله في المدونة. وقال ابن القاسم في الموازية: يدفع ذلك لغيرهما وإن أوصى لهما، أما إن ظن الموصي أن العبد حر وقد اجتهد، فلا يضمن على ظاهر المذهب. ومن حج ثم أوصى أن يحج عنه فلا بأس أن يحج عنه عبد أو صبي، إلا أن يمنع منذ ذلك. الثاني: إذا أوصى بمال وحج فإن كان صرورة فقال مالك في المدونة: يتحاصان، وقال في العتبية: تقدم حجة الفريضة. قال في البيان: والصحيح على مذهب مالك أن الوصية بالمال مبدأة بمال ميراث؛ لأنه لا يرى أن يحج أحد عن أحد، فلا قرية في ذلك على أصله.

стр. 1009

وإن كان غيره صرورة، ففي المدونة أن المال مبدأ. وفي العتبية: يتحاصان. ففي هذه قولان، وفي الأولى ثلاثة أقوال. انتهى. الثالث: لو قال: أحجوا فلاناً عني فأبى فلان إلا بأكثر من أجرة المثل زيد مثل ثلثها، فإن أبى أن يحج عنه إلا بأكثر من ثلثه، لم يزد على ذلك واستؤجر من يحج عنه غيره بعد الاستيناء ولم يرجع ذلك إلى الورثة إن كانت الحجة فريضة باتفاق، أو نافلة على قول غير ابن القاسم في المدونة خلاف قوله فيها، قاله في البيان. وَ أَفْعَالُ الْحَجِّ وَاجِبَاتٌ؛ أَرْكَانٌ غَيْرُ مُنْجَبِرَةٍ، وَوَاجِبَاتٌ؛ غَيْرُ أَرْكَانٍ مُنْجَبِرَةٍ، وَمَسْنُونَاتٌ، وَمَحْظُورَاتٌ مُفْسِدَةٌ، وَمَحْظُورَاتٌ مُنْجَبِرَةٌ .... يعني: أن أفعال الحج مقسمة إلى ما ذكر، ولا ينبغي أن يذكر في أفعال الحج المحظور المفسد والمنجبر، ألا ترى أن الفعل المفسد للصلاة لا يقال فيه أنه من أفعالها. ابن راشد: لكنه قصد أني بين ما يصدر من الحاج، وأضاف المحظورات إلى الحج؛ لكونها تقع فيه، والإضافة يكفي فيها أدنى ملابسة، وحينئذ يقال: الفعل الصادر من الحاج إما مطلوب الفعل، أو مطلوب الترك. ومطلوب الفعل قسمان: واجب وغيره. ومطلوب الترك مفسد منجبر والله أعلم. الأولى أَرَبْعَةٌ: الإِحْرَامُ، وَوُقُوفُ عَرَفَةَ جُزْءاً مِنْ اللَيْلِ لَيْلَةَ النَّحْرِ، وَطَوَافُ الإِفَاضَةِ، وَالسَّعْيُ، وَقَالَ اِبْنُ الْمَاجِشُونِ، وَجَمْرَةُ الْعَقَبَةِ ... قوله: (الأُولَى) أي: القسمة الأولى، وفي بعض النسخ: (الأول) أي: القسم الأول، وهو الواجبات الأركان. وزاد ابن الماجشون على الأربعة جمرة العقبة والوقوف بالمشعر الحرام، نقله في المقدمات. وحكى اللخمي عنه أنه لو ترك الوقوف بالمشعر الحرام لا شيء عليه، ولعل له قولين.

стр. 1010

والدليل على ركنية السعي قوله ﵊: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي". وضعفه بعضهم، لكن قال في الاستذكار: جوده الشافعي وغيره. وَيَرْجِعُ لِلَسَّعْيِ مِنْ بَلَدِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ بِعُمْرَةٍ إِنْ أَصَابَ النِّسَاءَ المشهور مذهب المدونة، ولا فرق بين السعي كله أو بعضه، ومقابله رواية عن مالك: أنه لا يرجع إليه من بلده ويجزئه الدم. اللخمي اوبن بشير: وهذا مراعاة للخلاف؛ لأن أبا حنيفة لايرى ركنيته. أي: فلا يؤخذ منه أنه ليس بركن. وإذا رجع على المشهور، فإنه يطوف ثم يسعى؛ لأن السعي لا يكون إلا بعد الطواف. وقوله: (بعُمْرَةٍ إِنْ أَصَابَ النِّسَاءَ) ليس متعلقاً بـ (يَرْجِعُ) بل بمحذوف تقديره: ويأتي بعمرة بعد طوافه وسعيه إن أصاب النساء؛ جبراً للخلل الذي وقع في الحج بسبب الوطء. أما إن لم يصب النساء فلا عمرة عليه، بل الهدي فقط. وَالْوَاجِبَاتُ الْمُنْجَبِرَةُ - وَقِيلَ: سُنَنٌ - فِيهَا دَمٌ كَالإِحْرَامِ بَعْدَ تَجَاوَزِ الْمِيقَاتِ، وَالتَّلْبيَةِ جُمْلَةً عَلَى الأَظْهَرِ، وَطَوَافُ الْقُدُومِ وَالسَّعْيِ بَعْدَهُ لِغَيْرِ الْمُرَاهِقِ خِلافاً لأَشْهَبَ، وَهُمَا مَعاً كَأَحَدِهِمَا، وَفِي سُقُوطِهِ عَنِ النَّاسِي قَوْلانِ لابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ، وَرَكْعَتَيِ طَوَافِ الْقُدُومِ وَالإِفَاضَةِ، وَالْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ مَعَ الإِمَامِ قَبْلَ الدَّفْعِ لِلْمُتَمَكِّنِ، وَنُزُولِ المُزْدَلِفَةَ لَيْلَةَ النَّحْرِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَرَمْيِ كُلَّ حَصَاةَ مِنَ الْجِمَارِ، وَالْحَلْقِ قَبْلَ رُجُوعِهِ إِلَى بَلَدِهِ، وَالسَّعْيِ بَعْدَ الإِفَاضَةِ قَبْلَ سَفَرِ مُنْشِئ الْحَجَّ مِنْ مَكَّةَ، وَالْمَبِيتِ بِمِنَى كُلَّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِيِهَا أَوْ جُلَّ لَيْلَةٍ. وقوله: (وَقِيلَ، سُنَنَّ) هو خلاف في الاصطلاح. أي: هل يُعتَبر عن "المنجبر بالدم" [١٧٥/ب] بـ"الواجب غير الركني" أو بـ "السنة"؟ ويظهر الفرق بينهما بالتأثيم وعدمه، قاله ابن عبد السلام. وقال الأستاذ الطرطوشي: وأصحابنا يعبرون عن هذه الخصال بثلاث عبارات: فمنهم من يقول: واجبات. ومنهم من يقول: وجوب السنن. ومنهم من

стр. 1011

يقول: سنة مؤكدة. قال: ولم أر لأحد من أصحابنا هل يأثم بتركها أم لا؟ وأراد بالوجوب وجوب الدم، والأمر محتمل. وقوله: (كَالإِحْرَامِ بَعْدَ تَجَاوَزِ الْمِيقَاتِ) لا يريد أنه يجب عليه ترك الإحرام من الميقات ليحرم بعده، وإنما يريد أن الإحرام من الميقات واجب ليس بركن، فإذا ترك الإحرام من الميقات وجب عليه دم، وقد يجاب عنه بأن قوله: (كَالإِحْرَامِ) متعلق بقوله: (فِيهَا دَمْ) أي: من أمثلة ما فيه الدم الإحرام بعد تجاوز الميقات. وقوله: (وَالتَّلْبيَةِ جُمْلَةً عَلَى الأَظْهَرِ) أي: وكترك التلبية. وعلى الأظهر لو أتي بالتلبية وقتاً دون وقت فلا شيء عليه، لكن مقتضى كلام المصنف أنه لا فرق في ذلك بين أن يأتي بها أول الإحرام أو لا، وليس كذلك. قال في المدونة: وإن توجه ناسياً من فناء المسجد للتلبية كان بنيته محرماً، وإن ذكر من قرب ليَّ ولا شيء عليه، وإن تطاول ذلك به أو نسيه حتى فرغ من حجه فليهرق دماً. انتهى. فجعل تركها أول الإحرام مع التطاول بمنزلة تركها جملة في وجوب الدم، ومقابل الأظهر ذكره اللخمي فقال: واختلف إذا ابتدأ بالتلبية ثم قطع هل يكون عليه دم أم لا؟ فظاهر كلامه أن مقابل الأظهر سقوط الدم ولو ترك التلبية جملة ولم أره. وقوله: (وَطَوَافَ الْقُدُومِ) معطوف أيضاً؛ أي: وكترك طواف القدوم أو ترك السعي بعده لغير المراهق، وأما المراهق فلا خلاف في عدم وجوبها عليه وسقوط الدم عنه. وقوله: (خِلافاً لأَشْهَبَ) راجع إلى غير المراهق. وقوله: (وَهُمَا مَعاً كَأحَدِهمَا)؛ أي: وتركهما معاً كترك أحدهما. وقوله: (وَفِي سُقُوطِهِ)؛ أي: الهدي. قال في الجلاب: وإن ترك الطواف والسعي ناسياً والوقت واسع، فلا دم عليه عند ابن القاسم، والقياس عندي أنه يلزمه الدم بخلاف المراهق وكذلك قال الشيخ أبو بكر الأبهري. انتهى. قيل إن ابن الجلاب قاس ذلك على سائر مايترك من أفعال الحج الواجبة، فإنه قال: لا فرق في ذلك بين أن يتركها عمداً أو سهواً، ورأى ابن القاسم أن النسيان عذر فكان كالمراهق.

стр. 1012

وقوله: (وَرَكْعَتَي طَوَافِ الْقُدُومِ وَالإِفَاضَةِ)؛ أي: ويجب الدم بترك كل من ركتي القدوم والإفاضة إذا بعد عن مكة جبراص؛ للتفرقة، وانظر كيف أوجبوا الدم في ركعتي طواف القدوم ولم يوجبه ابن القاسم في ترك الطواف نسياناً! وهما في الحقيقة تبع له. وقوله: (وَالْوُقُوفِ مَعَ الإِمَامِ) معطوف أيضاً؛ أي: وكترك الوقوف مع الإمام قبل الدفع للمتمكن، فإنه يجب عليه الدم. واحترز بالمتمكن من المراهق. ومن أسلم ليلة النحر فنه لا يجب عليه شيء. ومقتضى كلامه أنه لو وقف مع الإمام قبل الغروب ودفع قبله أيضاً ثم أُخبِرَ أنه لا يجزئه إلا بشرط أن يقف جزءاً من الليل فرجع ووقف مع الإمام - فإن الدم ساقط عنه؛ لوقوفه مع الإمام، وقد صرح بذلك في المدونة. ابن يونس: وقال أصبغ: أحب إلي أن يهدي من غير إيجاب، يتعمده ترك انتظار الدفع مع الإمام. وقوله: (وَنُزُولِ المُزْدَلِفَةَ) وهو معطوف، وهو قول مالك وابن القاسم، ونسب مقابله لابن الماجشون، وهو مما يقوي قوله: اختلف في ركنية الوقوف بالمشعر الحرام. خليل: والظاهر أنه لا يكفي في النزول إناخة البعير، بل لابد من حط الرحال. وقوله: (وَرَمْيِ كُلِّ حَصَاةٍ)؛ وفي ترك رمي كل حصاة هدي، وسيأتي. وقوله: (وَالْحَلْقِ)؛ أي: وكترك الحلق إلى أن يرجع إلى بلده. وقوله: (وَالسَّعْيِ بَعْدَ الإِفَاضَةِ) هو معطوف أيضاً. واعلم أن مُنشِئ الحج من مكة ليس مخاطباً بطواف القدوم ولا بالسعي أولاً، بلهو مأمور بأن يسعى بعد طواف الإفاضة، وهذا كقوله في الجواهر: ومن أنشأ الحج من مكة فطاف وسعى قبل خروجه إلى عرفات، ثم لم يسع بعد عرفات حتى رجع إلى بلده-فعليه دم. فقوله: (بَعْدَ الإِفَاضَةِ) يريد وقد طاف وسعى قبل خروجه، وإلا فقد ذكر أولاً أنه إذا ترك السعي يرجع له من بلده.

стр. 1013

وقوله: (وَالْمَبيتِ بمِنّى كُلِّ لَيْلَةٍ .... إلخ) تصوره ظاهر، ومراده الليالي التي بعد عرفة، وأما التي قبل عرفة فلا دم في تركها، صرح به في المقدمات. وَمَسْنُونَاتٌ لَا دَمَ فِيهَا؛ وَهِيَ مَا عَدَا ذَلِكَ، وَتَتَبَيَّنُ بِالتَّفْصِيلِ هو ظاهر، والإشارة بـ (ذَلِكَ) راجعة إلى الأركان والواجبات المنجبرة. الإِحْرَامُ، وَيَنْعَقِدُ بِالنِّيَّةِ مَقْرُوناً بِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ مُتَعَلِّقٍ بِهِ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ، لا بِنَحْوِ التَّقْلِيدِ أَوِ الإِشْعَارِ .... الإحرام: هو الدخول بالنية في أحد النسكين مع قول متعلق به كالتلبية أو فعل متعلق به كالتوجه على الطريق، ومقتضاه أن الإحرام لا ينعقد بمجرد النية [١٧٦/أ]، وكذلك صرح ابن بشير وابن شاس. وقال صاحب التلقين وصاحب المعلم وصاحب القبس وسند النية وحدها كافية. ولفظ التلقين: الإحرام هو اعتقاد دخوله في الحج وبذلك يصير مُحِرماً. ولفظ المعلم: وعند مالك والشافعي أن الحج يصح الدخول فيه بالنية وحدها كما ينعقد الصوم. وأخذه القرافي من المدونة لقوله فيها: إذا توجه ناسياً للتلبية كان بنيته محرماً، لكن تأول ذلك أبو عمران واللخمي لأنهما قالا: لأنه حصل منه نية وفعل، وهو التوجه. ورد بأنه إنما قال: بنيته، ولم يقل بالنية والتوجه. خليل: وهذا هو الظاهر. ولو سلم ما قاله الأولون فهي أيضاً مقارنة لفعل، وهو الكف عما ينافي الحج، والكف فعل على المختار عند أئمة الأصول. وقوله: (لا بِنَحْوِ التَّقْلِيدِ أَوِ الإِشْعَارِ) أي: إذا تجرد عن النية وليس المراد ما فهمه ابن عبد السلام أن الإحرام لا ينعقد بالنية مع التقليد والإشعار، واستشكله بأن قال: وفي عدم انعقاد النسك بجموع النية وتقليد الهدي وإشعاره نظر. وكيف يقال هذا وقد نقل

стр. 1014

ابن يونس عن القاضي إسماعيل أنه قال في كتاب الأحكام: لا خلاف أنه إذا قلد وأِعر يريد بذلك الإحرام أنه محرم. وَذَلِكَ أَحَبُّ إِلَيه مِنَ التَّسْمِيَةِ، وَقِيلَ: التَّلْبيَةُ كَتَكْبيرَةِ الإِحْرَامِ أي: والدخول بالنية أحب إلى مالك من التسمية. وروي عنه كراهة التلفظ، وعن ابن وهب: التسمية أحب إلي. وفي الموازية قال مالك: ذلك واسع سَمَّى أو ترك. وقال ابن حبيب: التلبية كتكبيرة الإحرام، فلا ينعقد إحرامه إلا بالتلبية كما لا تنعقد إلا بتكبيرة الإحرام. وَخَرَّجَ اللَّخْمِيُّ مُجَرَّدَ النِّيَّةِ عَلَى خِلافِ مُجَرَّدِهَا فِي الْيَمِينِ هذا يدل على أن اللخمي والمصنف لم يقفا على قول منصوص بالإحرام بمجرد النية؛ يعني: أن اللخمي خرج قولاً بإجزاء النية فقط في الحج من أحد القولين فيمن عقد على نفسه يميناً أو طلاقاً بالنية، وقد يظهر الفرق بأن هذا من العبادات والأصل فيها الاكتفاء بالنية بخلاف الطلاق؛ لأنه من حقوق العباد. ابن عبد السلام: وليس التخريج بذلك؛ لأن المراد بانعقاد الطلاق بالنية الكلام النفساني، والمرد بالنية في الحج غير ذلك. فرع: نقل سند أن الإحرام ينعقد منه وهو يجامع، ويلزمه التمادي والقضاء، ولم يحك في ذلك خلافاً. وَلَوْ رَفَضَ إِحْرَامَهُ لَمْ يَفْسُدْ وَلا شَيْءَ عَلَيْهِ لأن هذه العبادة لما لزم التمادي في فسادها لم يؤثر رفض النية فيها؛ لأنه إذا كان الفعل القوي لا يمنع من التمادي فلأن لا يمنع منه النية بمجردها مع ضعفها أولى، قاله ابن عبد السلام.

стр. 1015

قوله: (لاشَيْءَ عَلَيْهِ) أي: لا هدي ولا غيره. وَتَلْبيَتُهُ: لَبَّيْكَ اللَّهُمِّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ، وَزَادَ عُمَرُ: لَبَّيْكَ ذََا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ الْحَسَنِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ مَرْهُوباً مِنْكَ وَمَرْغُوباً إِلَيْكَ، وَزَادَ اِبْنُ عُمَرَ: لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ، وَالْخَيْرُ كُلُّهُ بِيَدِيْكَ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إِلَيْكِ وَالْعَمَلُ .... الضمير في (تَلْبيَتُهُ) ابن راشد: عائد على النبي ﷺ ، وهو الذي يؤخذ من الجواهر. وقال ابن عبد السلام: عائد على الإحرام. وقال ابن هارون: عائد على المُحرِم. وظاهر الموطأ أن زيادة ابن عمر على تلبية رسول الله لا على تلبية أبيه؛ لأنه في الموطأ لما ذكر تلبيته ﵊ ذكر زيادة ابن عمر ولم يذكر زيادة عمر ﵄. قال مالك: والاقتصار على تلبية رسول الله ﷺ أفضل. وفي الاستذكار عن مالك كراهة الزيادة قال: وروي عنه أنه قال: لا بأسٍ أن يزيد فيها ما كان ابن عمر يزيده. انتهى. وكره في المدونة التلبية في غير الحج والعمرة، ورآه خرقاً ممن فعله؛ أي: حمقاً وقلة عقل. أبو الحسن: كيف يصح هذا وقد كانت الصحابة - رضوان الله عليهم - يجيبون بالتلبية، ولعله إنما كرهه إذا كان يلبي غير مجيب لأحد. انتهى. وقد يقال: إنما كره مالك قول لبيك اللهم لبيك، لا مجرد لبيك، لكن نص الشيخ سيدي ابن أبي جمرة عند كلامه عن حديث معاذ: وقوله لما ناداه ﵊: لبيك يا رسول الله وسعديك؛ فإن الإجابة بلبيك خاصة به ﵊. قال: ونص العلماء على أن جواب الرجل لمن ناداه بلبيك أنه من السفه وأنه جهل بالسنة، واستدل على ذلك بكون الصحابة لم يفعلوا ذلك فيما بينهم، وبكونه ﷺ لم يفعل ذلك معهم. والتلبية معناها: الإجابة؛ أي: إجابة بعد إجابة. وقيل: اللزوم؛ أي: أنا مقيم على طاعتك وأمرك، من قولهم: لب بالمكان إذا أقام به. وفيه لغة ثالثة، وهي: اللب، وقيل:

стр. 1016

لبيك: اتجاهي لك؛ أي: توجهي وقصدي، من قولهم: داري تلب دار فلان؛ أي: توجهها. وقيل: معناها المحبة، من قولهم: امرأة لبة، إذا كانت تحب ولدها. وقيل: معناها الإخلاص؛ أي: إخلاصي. ومنه لب الطعام ولبابه. وقيل: من قولهم: أنا ملب [١٧٦/ب] بين يديك؛ أي: خاضع. وقيل: من الإلباب؛ يعني: القرب. والمراد على كل قول من التلبية هنا التكثير. كقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ ...﴾ [الملك: ٤]. ومذهب يونس أنه اسم مفرد قلبت ألفه ياء، نحو: علّى ولَدَى. ومذهب سيبويه وغيره أنه تثنية. وروي: (إِنَّ الْحَمْدَ) بفتح الهمزة وكسرها. واختار الجمهور الكسر؛ لأن الفتح يدل على التعليل بخلاف الكسر، ورأى بعضهم أنها تدل أيضاً على التعليل في الكسر. وقال بعضهم: المفتوحة أصرح في التعليل. والأشهر نصب (النِّعْمَةَ)، ويجوز الرفع على الابتداء، وخبر (إِنْ) على هذين محذوف دل عليه ما بعده. واختار بعضهم الوقف على قوله: (الْمُلْكَ) ويبتدئ (لا شَرِيكَ لَكَ) ومعنى (سَعْدَيْكَ): ساعدت طاعتك يا رب مساعدة بعد مساعدة. وقال ابن الأنباري معناه: أسعدك الله إسعاداً بعد إسعاد. وقوله: (وَالْخَيْرُ كُلَّهُ بيَدَيْكَ) تأدب، وإلا فالخير وغيره بيد الله. و (الرَّغْبَاءُ) بفتح الراء والمد، وبضم الراء والقصر. وحكى أبو علي الفتح والقصر. وَلِلإِحْرَامِ مِيقَاتَانِ: زَمانِيٌّ وَمَكَانِيٌّ؛ فَالزَّمانِيُّ شَوَّالٌ وذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّة، وَقِيلَ: الْعَشْرُ مِنْهُ، وَقِيِلَ: وَأَيَّامُ الرَّمْيِ ... إطلاق الميقات على المكاني إنما هو بالحقيقة الشرعية؛ لأن في الحديث: "وقت لأهل المدينة" وإلا فحقيقة التوقيت تعلق الحكم بالوقت، ثم استعمل في التحديد مطلقاً؛ لأن التوقيت تحديد بالوقت، فيصير التحديد من لوازم التوقيت. واختلف في قوله تعالى: (الحج أشهر معلومات) فالمشهور أنها شوال وذو القعدة وذو الحجة بكماله حملاً للَّفظ على حقيقته. وتصور كلامه واضح. ولا خلاف أن أولها شوال.

стр. 1017

وَفَائِدَتُهُ دَمُ تَاخِيرِ الإِفَاضَةِ أي: فائدة الخلاف، فعلى المشهور لا يلزمه إلا بتأخيره إلى المحرم. وعلى العشر يلزمه إذا أخره إلى الحادي عشر. وهكذا قال الباجي وعبد الحق واللخمي وغيرهم. وليس كما زعمه ابن الحاج في مناسكه من أنه اختلاف عبارة، وأنه لا خلاف أنه لا يجب الدم إلا بخروج جميع الشهر. وَأَمَا الْعُمْرَةُ فَفِي جَمِيعِ السَّنَةِ إِلا فِي أَيَّامِ مِنَى لِمَنْ حَجَّ وَلا يَنْعَقِدُ إِلا أَنْ يَتِمَّ رَمْيُهُ وَيَحِلَّ بالإِفَاضَةِ فَيَنْعَقِدَ .... يعني: أن العمرة يجوز إيقاعها في جميع أيام السنة إلا في أيام منى لمن حج. ابن هارون: ونحو هذا لابن شاس، وليس بصحيح، بل لا يجوز له من بعد إحرامه بالحج إلى غروب الشمس من آخر أيام التشريق ولو كان متعجلاً. انتهى. وقد يقال: إنما اقتصر المصنف على أيام منى تنبيهاً منه بالأخف على الأشد؛ لأن الشافعي – رضي الله تعالى عنه – يرى أن من نفر نفراً جائزاً- أي: تعجل في يومين –يجوز له أن يحرم بالعمرة. والله أعلم. قال في الجلاب: ومن كان حاجاً فلا يعتمر حتى يفرغ من حجه. من رمي في آخر أيام التشريق، فلا يعتمر حتى تغرب الشمس، فإن احرم بعمرة بعد رميه وقبل أن تغرب الشمس لزمه الإحرام بها، ومضى فيها حتى يتمها. وإن أحرم بها قبل رميه لم يلزمه آداؤها ولا قضاؤها. انتهى. وصرح في المدونة بكراهة العمرة قبل أن تغيب الشمس من آخر أيام التشريق. ابن المواز: وإذا صح إحرامه بعد رميه فلا يحل حتى تغرب الشمس، وإحلاله قبل ذلك باطل. قال: وإن وطء قبل ذلك أفسد عمرته وقضاها وأهدى. قال في النكت: قال بعض شيوخنا من أهل بلادنا: ويكون خارج الحرم حتى تغيب الشمس؛ لأن دخول الحرم

стр. 1018

بسبب العمرة عمل لها، وهو ممنوع من أن يعمل لها عملاً حتى تغيب الشمس. وقول المصنف: (وَيَحِلَّ بالإِفَاضَةِ) أي: أن العمرة لا تنعقد بمجرد انقضاء أيام الرمي، بل لابد مع ذلك من أن يطوف طواف الإفاضة، وكذا قال في المدونة، وحاصله: أنها لا تنعقد إلا بانقضاء شيئين: الرمي وطواف الإفاضة. وقوله: (لِمَنْ حَجَّ) يعني: أن العمرة إنما تمتنع في أيام التشريق في حق من حج؛ لكونه ملتبساً بأفعال الحج، وأما من لم يحج، فله إيقاع العمرة فيها. وَفِي كَرَاهَةِ تَكْرَارِ الْعُمْرَةِ فِي السَّنَةِ الْوَاحِدَةِ قَوْلانِ المشهور الكراهة. وهو مذهب المدونة. والشاذ لمطرف إجازة تكرارها، ونحوه لابن المواز؛ لأنه قال: وأرجو أن لا يكون بالعمرة في السنة مرتين بأس. وقد اعتمرت عائشة ﵂ مرتين في العام الواحد وفعله ابن عمر وابن المنكدر. وكرهت عائشة عمرتين في شهر. وكرهه القاسم بن محمد، وإنما كره مالك تكرارها؛ لأنه ﵊ لم يعتمر في كل عام إلا مرة. وعلى المشهور فأول السنة المحرم، فيجوز لمن اعتمر في آخر ذي الحجة أن يعتمر في محرم، قاله مالك وابن القاسم ثم استثقله وقال: أحب إلي لمن أقام بمكة أن لا يعتمر بعد الحج حتى يدخل المحرم لقرب الزمان. مالك: ولا بأس أن يعتمر الصرورة قبل أن يحج. فَلَوْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَشْهُرِ الْحَجِّ اِنْعَقَدَ عَلَى الأشْهَرِ؛ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَوْلَى أَوْ وَاجِبٌ تصوره واضح. ومقابل الأشهر ذكره اللخمي ولم يعزه: أن الإحرام لا ينعقد ويتحلل منه بعمرة. قال: وقوله: يتحلل بعمرة استحسان. وهو بمنزلة من دخل في صلاة ثم ذكر أنه كان صلاها – فإنه يستحب [١٧٧/أ] له أن ينصرف على شفع.

стр. 1019

ابن القاسم: وإن قطع فلا شيء عليه. عبد الحق: واعترض علينا مخالفنا في هذه المسألة بالإحرام بالصلاة قبل وقتها، وأصل الحج مباين للصلاة في أمور شتى. الأبهري: ولأن الحج إذا أحرم به قبل الوقت لا يمكن أن يفرغ قبله؛ لأن وقته عرفة بخلاف الصلاة. وبني المصنف عدم الانعقاد على الوجوب، وفيه بحث. وَالْمَكَانِيُّ لِلْمُقِيمِ – مِنَ الْحَاضِرِ وَغَيْرِهِ – مَكَّةَ فِي الْحَجِّ لا فِي الْعُمَرَةِ، وَفِي تَعْيِينِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَوْلانِ ... يعني: أن الميقات المكاني يتنوع بحسب الإقامة بمكة وغيرها، فالمقيم بمكة- من الحاضر وغيره؛ أي: الوافد – ميقاته في الحج مكة. وهل يستحب لهما الإحرام من المسجد الحرام أم؟ قولان: مذهب المدونة الاستحباب، وعليه فقال مالك في المدونة: لا يحرم من بيته، بل من جوف المسجد، قيل له: فمن عند باب المسجد؟ قال: لا، بل من جوف المسجد. وعن ابن حبيب: من أهَلَّ بالحج من مكة متمتعاً، والمكي يُهِلُّ بحجة إنما يهلان من باب المسجد؛ لأن المساجد إنما وضعت للصلاة. والقول الثاني: عدم الاستحباب، وهو ظاهر ما نقله اللخمي وغيره عن المبسوط أن مالكاً قال فيه: إن شاء أهَلَّ من مكة. وقوله: (وَفِي تَعْيينِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ قَوْلانِ) أي: في استحباب تعيين المسجد، إذ لا خلاف في عدم اللزوم. قاعدة: كل إحرام لابد فيه من الجمع بين الحِل والحَرم؛ لفعله ﷺ ، فلذلك لا يجوز للمكي أن يحرم من مكة؛ لأنه لو أحرم بها منها وهي تنقضي في الحرم لزم أن لا يجتمع في إحرامه حل وحرم. بخلاف الحج؛ فإنه يخرج إلى عرفة وهي حل، وإلى هذا أشار بقوله: (لا في الْعُمْرَةِ).

стр. 1020

فَلَوْ خَرَجَا إِلَى الْحِلِّ جَازَ عَلَى الأَشْهُرِ، وَلا دَمَ؛ لأَنَّهُمَا زَادَا وَمَا نَقَصَا الضمير في: (خَرَجَا) عائد على الحاضر من أهلها ومن كان مقيماً بها؛ يعني: أن الآفاقي المقيم بمكة ومن هو من أهلها إذا أحرما من الحل بالحج جاز ذلك في أشهر القولين، وهذا الأشهر هو مذهب المدونة، قال فيها: وإذا أحرم بالحج من خارج الحرم مَكْيِّ أو متمتع فلا دم عليه في تركه الإحرام من داخل الحرم، وإن مضى إلى عرفات بعد إحرامه من الحل ولم يدخل الحرم وهو مراهق فلا دم عليه، وهذا زاد ولم ينقص. قال في المنتقي: "زاد ولم ينقص" هذا عندي فيمن عاد إلى الحرم، فأما مَنْ أهَّلَ مِنْ الحل وتوجه إلى عرفة قبل دخول الحرم أو أهل من عرفة بعد أن توجه إليها حلالاً مريداً للحج فإنه نقص ولم يزد. انتهى. قال في النكت: واستحب مالك لأهل مكة أو لمن دخلها بعمرة أن يحرم بالحج من المسجد الحرام وقال: إذا دخل مكة أحد من أهل الآفاق في أشهر الحج بعمرة وعليه نفس أحب إلي أن يخرج إلى ميقاته فيحرم منه بالحج، ولو أقام حتى يحرم من مكة كان ذلك له. عبد الحق: إنما استحب له ههنا أن يخرج إلى ميقاته، واستحب في السؤال الأول أن يحرم من المسجد الحرام، وإن كان قد دخل بعمرة في المسألتين؛ لأنه قد ذكرها هنا أن عليه نفساً، فلذلك أمره بالخروج إلى الميقات. ومعنى السؤال الأول: أنه في ضيق من الوقت ليس عليه نفس مثل هذا، فلذلك اختلف جوابه في السؤالين، وقد تأول متأول أن معنى السؤال الأول أنه قد دخل قبل أشهر الحج بعمرة فكان له حكم أهل مكة في إحرامهم من المسجد. والسؤال الثاني: أنه دخل في أشهر الحج، وهذا ليس بصحيح، كيف يصح أن يجعله كأهل مكة بدخوله قبل أشهر الحج وهو لو قرن أو تمتع كان الهدي عليه، ولم يكن كأهل مكة لدخوله قبل أشهر الحج؟! فلو كان كأهل مكة بدخوله قبل أِهر الحج وجب عنه دم التمتع. انتهى.
следующие страницы →