← Фикх малики

Фикх малики · id 14442

التوضيح في شرح مختصر ابن الحاجب

خليل بن إسحاق الجندي

Полный текст (4 728 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

وهو كذلك، والأجرة من مال الابن إن كان له مال؛ لأن رضاه بمنزلة أكله، فإن لم يكن له مال فهل يبدأ بمال الأب قبل مالها لأن الرضاع مكان الإطعام؟ فإذا سقط عن الأم لمانع جعل ذلك من ماله كطعامه. وإليه ذهب اللخمي ومال إليه التونسي، وقال: إنه أشبه. أو يبدأ بما لها؟ لأن رضاعه عليها إذا لم تكن مطلقة وهي قادرة على أن ترضعه وإليه ذهب سند. وقوله: (فِي الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ) أي إن خافتا على أنفسهما أو ولديهما التلف أو الأذى الشديد وجب وإلا جاز. وَفِي وُجُوبِ الْفِديَةِ عَلَيْهِمَا – ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ عَلَى الْمُرْضِعِ دُونَهَا، ورَابِعُهَا: عَلَى الْحَامِلِ إِنْ خَافَتْ عَلَى وَلَدِهَا دُونَهَا، وَخَامِسُهَا: إِنْ كَانَ قَبْلَ سِتَّةِ أَشَهُرٍ الضمير في قوله: (دُونَهَا)، من القول الثالث يعود على الحامل، يعني أنه اختلف في وجوب الفدية على المرضع والحامل إذا أفطرتا على خمسة أقوال؛ فقيل: لا تجب عليهما. وقيل تجب عليهما بناءً على إلحاقهما بالمريض أولاً؟ والثالث وهو المشهور وجوبها على المرضع دون الحامل؛ لأن الحامل تخشى على نفسها فأشبهت المريض بخلاف المرضع فإنها إنما تخاف على غيرها. والرابع وجوبها على الحامل إن خافت على ولدها وسقوطها إن خافت على نفسها. والخامس لأبي مصعب. ونص ما نقله اللخمي عنه: وقال أبو مصعب: إذا خافت على ولدها قبل مضي ستة أشهر أطعمت، وإذا خافت في الشهر السابع لم تطعم؛ لأنها مريضة أي لأنها لا تتصرف إلا في [١٦٤/أ] الثلث كالمريض. وحاصل ما ذكره أن في المرضع قولين. المشهور منها الوجوب؛ وفي الحامل أربعة أقوال، ولذلك لو فصهلا كما فعل غيره لكان أحسن. ومقتضى كلامه أن الخلاف جار

стр. 947

فيهما سواء خافتا على أنفسهما أو ولديهما، لأنه أطلق في المرضع، وجعل التفصيل في الحامل قولاً مبايناً لغيره. ونحوه للخمي في الحامل. وقريب منه كلام الباجي فإنه قال: إذا خافت الحامل على ولدها من شدة الصيام، لا خلاف في إباحة الفطر واختلف الناس في الإطعام في ذلك. وعن مالك فيه روايتان: إحداهما، لا إطعام، والثانية عليها الإطعام، ويتخرج على هذه الرواية وجوب الإطعام على الشيخ الكبير. وقال ابن حبيب: إن أفطرت خوفاً على نفسها فلا إطعام. انتهى. وقال ابن عطاء الله في المرضع والحامل إذا خافتا على أنفسهما دون ولديهما أفطرتا ولم تطعما عند الجميع. ثم حكى الخلاف في الإطعام، وإذا خافتا على ولديهما فمقتضى كلامه أنهما إن خافتا على أنفسهما يتفق على عدم الإطعام، وإنما الخلاف إذا خافتا على ولديهما. وَالْكَبِيرُ لَا يُطِيقُ الصِّيَامَ كَالْْمَرِيضِ وَلا فِدْيَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ أي: أن الكبير الذي لا يطيق الصيام كالمريض في الجواز والوجوب، واختلف في وجوب الفدية عليه فروي عن أنس بن مالك ﵁ أنه كان يفتدي؛ فحمله في المشهور على الاستحباب. هكذا النقل لا كما يعطيه ظاهر لفظه من السقوط مطلقاً، هكذا قال ابن عبد السلام وهكذا صرح في الرسالة والجلاب بالاستحباب. والقول بالوجوب ذكره ابن شاس وابن بشير. فرع: وهل على المستعطش إطعام؟ روى ابن وهب وابن نافع عن مالك الإطعام عليه واجب. ابن حبيب: ويستحب له الإطعام. ابن يونس: قال أبو محمد: ومعنى المستعطش الذي لا يقدر أن يقضي إلا ناله العطش الشديد، وأما إن قدر فذلك عليه.

стр. 948

وَفِيهَا: لا يُصَامُ الْعِيدَانُ، وَأَمَّا الْيَوْمَانِ بَعْدَ يَوْمِ النَّحْرِ فَلا يَصُومُهُمَا إلا الْمُتَمَتِّعُ، وَالْيَوْمُ بَعْدَهُمَا لِلْمُتَمَتِّعِ وَالنَّذْرِ، وَلا يُقْضِى فِيهِ رَمَضَانُ، وَلا يُبْتَدَأُ فِيهِ كَفَّارَةٌ بِخِلافِ الإِتْمَامِ ...... تصور كلامه ظاهر. فائدة: أيام السنة تنقسم إلى ستة أقسام، منها ما يجب صومه وهو رمضان، ومنها ما يحرم صومه وهو العيدان، ومنها لايجوز إلا لشخص واحد وهما اليومان اللذان بعد يوم النحر، لا يصومهما إلا المتمتع الذي لاي جد هدياً، ومنها ما لا يجوز صومه إلا لثلاثة أشخاص: المتمتع، والناذر، ومن كان في صيام متتابع. وإليه أشار بقوله: (بِخِلافٍ الإتْمَامِ)، ثم إن بقية أيام السنة منها ما رغّب الشرع فيه بخصوصه كعرفة وعاشوراء، ومنها ما لم يرغب فيه، هكذا قال ابن رشد وغيره. وينبغي أن يزاد قسم سابع وهو يوم الشك؛ لأنه لا يصام على المشهور على وجه الاحتياط. وَكَرِهَ مَالِكٌ نَذْرَ الصِّيَامِ وَغَيْرِهِ بِشَرْطٍ أَوْ غَيْرِهِ قوله: (أَوْ غَيْرِه). أي: سائر الطاعات (بشَرْطِ أَوْ غَيْرِه) أي: بتعليق، كقوله: إن شفى الله مرضي فعليّ صوم شهر. ومقتضى كلامه كراهة النذر مطلقاً، وسيأتي ما في ذلك في بابه إن شاء الله. وَيَجِبُ الْوَفَاءُ بِالطَّاعَةِ مِنْهُ لقوله ﷺ : "من نذر أن يطيع الله فليطعه".

стр. 949

فَإِنْ كَانَ اللَّفْظُ مُحْتَمِلاً لأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ فَفِي بَراءَتِهِ بِالأَقَلِّ قَوْلانِ، مِثْلَ نَذْرِ شَهْرٍ أَوْ نِصْفِ شَهْرٍ، وَفِيهَا: إِنْ صَامَ شَهْراً بِالْهَلاَلِ أَجْزَأَهُ نَاقِصاً، وَأَمَّا بِغَيْرِهِ فَيُكْمِلُ ..... اللفظ الصادر من الناذر إما أن تصحبه نية أم لا، فإن صحبته عمل عليها، وإلا فإن كان نصاً في مدلوله لزمه ذلك. وإن كان محتملاً لعدد كثير وقليل فهل تبرأ الذمة بالقليل؛ لأن الأصل براءة الذمة؟ أو لا تبرأ إلا بالكثير؛ لأن النذر قد تعلق بذمته فلا تبرأ منه إلا بيقين؟ قولان، ومثل ذلك بما إذا نذر شهراً أو نصف شهر فهل تبرأ ذمته بتسعة وعشرين يوماً بأربعة عشر يوماً؟ أو لا تبرأ إلا بثلاثين وخمسة عشر يوماً؟ وظاهر كلامه أن الخلاف جار سواء صام في أثناء شهر أو في أوله، ولذلك ذكر مسالة المدونة لتضمنها التفصيل. وفيه نظر؛ لأن الذي نص عليه غير واحد، أنه صام شهراً بالهلال فإن كان كاملاً لزمه إتمامه اتفاقاً. وإن كان ناقصاً أجزأه اتفاقاً. وإنما الخلاف إذا صام في أثناء الشهر، ومذهب المدونة إنما تجزيه ثلاثون. وقال محمد بن عبد الحكم: القياس أن تجزيه تسعة وعشرون. وانظر ما في الفرق بين هذه المسألة على المشهور وبين ما إذا نذر هدياً؟ فإن الشاة تجزيه مع أنها أقل الهدايا. ولعل مراد ابن عبد الحكم بالقياس هذا، وإليه أشار اللخمي. وأما نصف الشهر فإن ابتدأه بالهلال صام خمسة عشر يوماً اتفاقاً. وإن [١٦٤/ب] ابتدأه بعد مضي خمسة عشر يوماً فكان ناقصاً أكمل خمسة عشر على المشهور، وحكى ابن الماجشون عن بعض الأصحاب أن الأربعة عشر التي صامها نصف شهر، فوجه المشهور أن نصف الشهر خمسة عشر أو أربعة عشر ونصف، ومن وجب عليه نصف يوم وجب عليه تكميله كجزاء الصيد.

стр. 950

ووجه ما حكاه ابن الماجشون أن الناذر لما نذر نصف يوم وهو ليس طاعة لم يجب عليه الوفاء به. خليل: وانظر هل يتخرج على هذه المسألة من نذر نصف عبادة كما لو نذر نصف ركعة أو نصف حج؟ وذكر اللخمي في هذا الأصل خلافاً خرجه من مسألة ما إذا نذر اعتكاف ليلة، فابن القاسم يلزمه يومها، وقيل: لا يلزمه شيء. وَمِثْلَ سَنَةٍ بِعَيْنِهَا فَفِي قَضَاءِ مَا لا يَصِحُّ صُوْمُهُ قَوْلانِ. وَعَلَى الْقَضَاءِ فَفِي قَضَاءِ رَمَضَانَ قَوْلانِ، وَالصَّحِيحُ لا يَلْزَمُهُ وَفِيهَا: كَالْْوَقْتِ الَّذِي لا يُصَلِّي فِيهِ لَوْ نَذَرَ صَلاةَ يَوْمٍ بِعَيْنِهِ، وَكَمَا لَوْ نَذَرَ الْعِيدَيْنِ، وَكَأَيَّامِ الْحَيْضِ وَالْمَرَضِ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّفَرِ: لا أَدْرِي مَا هُوَ، ثُمَّ سُئِلَ عِمَّنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ فَقَالَ: يَقْضِي أَيَّامَ الذَّبْحِ إِلا أَنْ يَنْوِيَ ألا يَقْضِيَهَا .... أما لفظ مثل فمعطوف على قوله أولاً: (مِثْلَ نَذْرِ شَهْرٍ)، وفي بعض النسخ: (ومثله)، أي ومثل المثال السابق في احتمال أقل أو أكثر. ابن عبد السلام: ورأي المؤلف وغيره أن هذا الخلاف جار على الأصل المتقدم أي: وفي احتمال اللفظ أقل أو أكثر قال: ويحتمل أن يجري على الخلاف في النذر المعين إذا أفطر فيه ناسياً أو مرضاً إلا أن المانع من الصوم في الفرع الذي الكلام عليه شرعي، وفي العذر به خلاف آخر. انتهى. قال في المدونة: وإن كانت السنة بعينها صامها وأفطر منها يوم الفطر وأيام النحر، ويصوم آخر أيام التشريق. قال مالك: ولا قضاء عليه فيهن ولا في رمضان، إلا أن ينوي قضاء ذلك، كما لو نذر صلاة يوم بعينه، فليصل في الأوقات الجائزة فيها الصلاة، ولا يصلي في الساعات التي لا يصلي فيها، ولا شيء عليه فيها ولا قضاء.

стр. 951

ثم سئل عمن نذر صوم ذي الحجة فقال: يقضي أيام النحر إلا أن يكون نوى ألا يقضيها، قال ابن القاسم: والأول أحب إلي. انتهى. وذكرت لفظ المدونة لأن به يُتبين أكثر كلام المصنف. وقوله: (والصحيح لا يلزم فيهما). أي لا يلزم القضاء في الفرعين. وفي بعض النسخ: (فيها)، فيعود على المدونة، وفي بعض النسخ: (فيها) بغير واو، فيحتمل عوده على المدونة وعلى المسألة المشتملة على الفرعين قال في "النكت": وذهب بعض شيوخنا القرويين في ناذر سنة بعينها أنه لا يقضي رمضان على القولين جميعاً، وكذلك نذر صلاة يوم بعينه ليس عليه أن يقضي وقت صلاة الظهر والعصر على القولين، وإنما الخلاف في الوقت الذي لا يصلي فيه كبعد العصر فيقضي مثل ما يصلي في ذلك الوقت لو جازت الصلاة على التقدير على أحد القولين مثل أيام النحر التي اختلف قوله في قضائها، قال: لأنه صائم في رمضان وهو خارج عن نذره، والذي نذر صلاة يوم قد علم أنه لابد من صلاة الظهر والعصر، فذلك خارج، نذره. وما لا صلاة فيه- أعني بعد العصر – هو مثل أيام النحر التي هو فيها غير صائم. وقال غيره من شيوخنا، الخلاف يدخل فيما وصفنا. والله أعلم. ابن عطاء الله: والأظهر أن الخلاف جارٍ في ذلك كله. ولعل هذا هو الذي أشار إليه المصنف بقوله: (وَعَلَى الْقَضَاءِ) ... إلى آخره. وقوله: (وَكَمَا لَوْ نَذَرَ الْعِيدَيْنِ) ... إلى آخره، أي: ومما يرجح السقوط في الفرعين المتقدمين ما لو نذر العيدين وآخر أيام المرض فإن الحكم فيها السقوط، والجامع أن كلا النذرين معصية. وفي "المبسوط" في ناذر العيدين أن عليه القضاء إذا نذرها وهو يعلم بهما، لا إن لم يعلم. وما ذكره في المرض محمول على ما إذا لم يطق الصيام، وأما إذا أفطر قادراً عليه فيلزمه القضاء، قاله في المدونة.

стр. 952

وليس المراد بأيام المرض أن ينذر أياماً فيمرض فيها؛ لأن تلك قد تقدمت، وإنما المراد أن ينذر صيام أيام مرضه. والله أعلم. وقوله: (وَقَالَ مَالِكٌ فِي السَّفَرِ) ... إلى آخره. ابن عبد السلام: إنما ذكر في المدونة هذا فيمن نذرت الاثنين والخميس ما بقيت فحاضت أو مرضت فيهما فلا قضاء عليها. قال: وأما السفر فقال مالك: لا أدري ما هو. قال ابن القاسم فيها: كأنه أحب أن تقضي. ورده كلام ابن عبد السلام فإن ظاهر المدونة أن التوقف في السفر في السؤالين معاً قال: لأنه إن ذكر في التي نذرت بعينها أنها لا تقضي أيام الحيض والمرض، قال: وكذلك التي نذرت كل خميس والاثنين، وأما السفر فلا أدري ما هو؟ يعني في السؤالين. انتهى. قال ابن عطاء الله: واختلف في السفر مجرداً من غير ضرورة إلى الفطر هل هو عذر كما في رمضان؟ فجعله ابن حبيب عذراً يسقط القضاء، وقال مالك ليس بعذر يسقط القضاء، رواه عنه ابن عبد الحكم، والفرق بينه وبين رمضان، إنما توجه وجوبه على جميع الخلق فخفف عنهم فيه لما في الإيجاب العام من الحرج والمشقة، ثم أنه في رمضان لم يسقط الفرض بالكلية، بل جوز التأخير فقط، ولو جعل عذراً في النذر [١٦٥/أ] لأسقط القضاء. وهذا هو الظاهر، وعلى هذا فيلزم الإمساك في السفر؛ لأنه إنما يأتي غالباً على الاختيار. ابن عطاء الله: وقول ابن القاسم، كأنه أحب أن تقضي يحتمل أن يريد: أن القضاء غير لازم عنده، ولكنه استحبه ويحتمل أن يريد: أنه يستحب الحكم بوجوب القضاء أي: الذي يحبه، أنه ليس بعذر، وإن أفطر لأجله، فقد وجب عليه القضاء، ووجهه أنه أفطر مع القدرة على الصوم في نذره فوجب عليه القضاء كالحاضر. انتهى.

стр. 953

قوله: (ثُمَّ سُئِلَ عَمَّنْ نَذَرَ صَوْمَ ذِي الْحِجَّةِ) هو أحد القولين في المسألة السابقة، وكلامه في المدونة أحسن من كلام المصنف. ويمكن أن يوجه هذا القول بأنه شبّه الصوم بالاعتكاف كما قال في من نذرَتْ اعتكاف شعبان فشرعَتُ فيه ثم حاضت فإنه قال: تقضي أيام حيضها إشارة إلى أنها عبادة واحدة فلا تتجزأ وقد صح بعضها فعليها تكميلها، ولو حاضت من أول شعبان اعتكفت إذا طهرت بقيته ولا تقضي أيام حيضها؛ لأن في المسألة الأولى اعتكفت بنية شعبان بجملته فقد لزمها كله بالشروع، فإذا حاضت ثم هرت كملت ما دخلت فيه. وفي هذه المسألة ليس عليها أن تنوي إلا بقية شعبان، فإذا نوت بقيته فقد انقضى اعتكافها بانقضائه. قاله ابن عطاء الله. أَمَّا لَوْ [لَمْ يُعَيِّنْ] قَضَى هذا مقابل قوله: (بعينها). يعني، أما لو نذر سنة أو شهراً ولم يعين قضى أيام السفر من غير خلاف. فرع: قال اللخمي: إذا قال لله علي أن أصوم هذه السنة، فإن سمّاها مثل سنة سبعين أو ثمانين صام ما بقي منها ولا قضاء عليه لما مضى. وإن قال: هذه السنة ولم يزد شيئاً، فالقياس أن لا شيء عليه إلا صيام ما بقي كالأول؛ وقال مالك في العتبية: في من حلف في نصف سنة إن فعل كذا أو كذا صام هذه السنة فقال: إن نوى باقيها فذلك له، وإن لم ينو شيئاً استأنف من يوم حلف اثني عشر شهراً. اللخمي: وفيه نظر؛ لأن قوله: هذه السنة. يقتضي التعريف، وهو بمنزلة القائل: لله علي أن أصلي هذا اليوم فلا شيء عليه إلا صلاة ماب قي منه.

стр. 954

وَمِثْلَ سَنَةٍ أَوْ شَهْرٍ أَوْ أَيَّامٍ وَلَمْ يَنْوِ التَّتَابُعَ - ثَالِثُهَا: يَلْزَمُ التَّتَابُعُ فِي السَّنَةِ وَالشَّهْرِ وَلا يلزم في الأَيَّامِ، وَالْمَشْهُورُ: لا يَلْزَمُ ..... تصور المسألة ظاهر. والمشهور مذهب المدونة، والقول بلزوم المتابعة في الجميع لابن كنانة، والتفصيل لابن الماجشون. اللخمي: وهو أحسن؛ لأن العرف أن الشهر عبارة عن جملة متتابعة من الهلال إلى الهلال. وقول القائل: ثلاثون يوماً شهر، مجاز والعلاقة المشابهة. هذا معنى كلامه. وقوله: (وَمِثْلَ) معطوف على قوله أول الفصل: (مثل شهر). ابن عبد السلام: وهو من أمثلة احتمال اللفظ لأقل أو أكثر. وَلَوْ نَذَرَ يَوْمَ يَقْدَمُ فُلانٌ فَقَدِمَ لَيْلاً صَامَ يَوْمَهُ؛ فَإِنْ قَدِمَ نَهَاراً فَلا قَضَاءَ عَلَى الْمَشْهُورِ يعني: أن من نذر صيام يوم قوم فلان، ففان إن قدم ليلاً لزم الناذر صيام صبيحة تلك الليلة. ورأى اللخمي أنه لا شيء عليه؛ لأن الليل ليس محلاً للصوم. وإن قدم نهاراً فالمشهور سقوط القضاء؛ لأن وجوب القضاء مشروط بتقديم الوجوب أو تقديم سببه، وكلاهما منتف. وذهب عبد الملك وأشهب إلى وجوب القضاء. فرع: قال أشهب: ولو قدم نهاراً وكان قد بيت صومه تطوعاً أو لقضاء رمضان أو لغيره لم يجزه لنذره، ولا لما صامه له. وفي اللخمي: يجزيه عما صامه له؛ ولم يذكر قول أشهب، وإنما اقتصر على الإجزاء فقط. ابن الماجشون: ولو علم أنه يدخل نهاراً فبيت الصوم لم يجزه؛ لأنه صامه قبل وجوبه. قال عبد الملك وأشهب وأصبغ: وليصم اليوم الذي يليه.

стр. 955

وَلَوْ قَدَّمَ يَوْمَ عِيدٍ لَمْ يَقَضِ، وَخَرَّجَهُ اللَّخْمِيُّ عَلَى الأُولَى يعني: فلو قدم فلان يوم عيد فالمنقول في المذهب أنه لا قضاء على الناذر. وخرج اللخمي فيه القولين المتقدمين، والجامع أن كلا من الزمانين لا يصح صومه شرعاً. وقد يفرق بينهما بأن الزمان قابل شرعاً في المسألة الأولى، وإنما امتنع شرطه بخلاف العيد، فإنه لا يقبل الصوم بوجه. وَلَوْ نَذَرَ يَوْماً بِعَيْنِهِ فَنَسِيَهُ - فَثَلاثَةُ: يَتَخَيَّرُ، وَجَمِيعُهَا، وَآخِرُهَا أي: إذا نذر يوماً معيناً ونسيه فثلاثة أقوال: ونقلت كلها عن سحنون وآخر أقواله أن يصومها جميعاً واستظهر للاحتياط، ووافقه بأن القاسم على قوله أنه يصوم آخرها. قال ابن القاسم: وهو يوم الجمعة، لأن قبل يوم الجمعة لا يحقق عمارة ذمته وإنما يتحقق بالأخير، فإن وافقه فهو أداء وإلا فهو قضاء. وأنكر بعض المتأخرين كون الجمعة آخر أيام الجمعة وزعم أنه يوم السبت. وَأَجَازَ مَالِكٌ صَوْمَ الأَبَدِ وَحَمَلَ النَّهْيَ عَلَى ذِي عَجْزٍ أَوْ مَضَرَّةٍ النهي هو حديث أبي قتادة أن رجلاً قال: يا رسول الله، كيف بمن صام الدهر؟ قال: "لا صام ولا أفطر" خرجه مسلم. قوله: (ذِي عَجْزٍ) إن أريد به العاجز عن الصيام فلا يبقى للنهي فائدة، وإنما ينبغي أن يحمل على من يلحقه عجز في الطاعات أو مضرة في بدنه. وروي عن مالك، ونقله في القسب عن علمائنا [١٦٥/ب] أن النهي محمول على من يصوم الأيام التي نهى الشرع عن صيامها. ابن عبد السلام: وإطلاق ابن حبيب في صيام الدهر أنه أحسن لمن قوي عليه بعيد.

стр. 956

وَقَدْ وَرَدَ صَوْمُ يوم عَرَفَةَ ويوم عَاشُورَاءَ، وَيَوْمِ التَّرْوِيَةِ، وَصَوْمُ الأَشْهُرِ الْحُرُمِ، وَشَعْبَانَ روى مسلم أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة عن أبي قتادة أنه ﵊ قال: "صيام يوم عرفة إني أحتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله، والسنة التي بعده، وصيام يوم عاشوراء إني احتسب على الله أن يكفر السنة التي قبله". قيل: إنما كان يوم عاشوراء يكفر سنة ويوم عرفة يكفر سنتين لأن يوم عرفة يوم محمدي ويوم عاشوراء يوم موسوي ﵊ والأفضل للحاج الفطر فطر يوم عرفة. وقد صح أنه ﵊: كان مفطراً في حجّه فيه. وأما يوم التروية فروى ابن حبيب في واضحته انه ﵊ قال: "صوم يوم التروية كصوم سنة" قيل: وهو حديث مرسل. ابن يونس: وروي أنه ﵊ صام الأشهر الحرم وهي: رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم. انتهى. ولم أره في شيء من كتب الحديث. بل يعارضه ما رواه مالك والبخاري ومسلم وأبو داود والترمذي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان رسول الله ﷺ يصوم حتى نقول: لا يفطر، ويفطر حتى نقول: لا يصوم، وما رأيت رسول الله ﷺ استكمل صيام شهر قط إلا رمضان، وما رأيته في شهر أكثر صياماً منه في شعبان. وهذا لفظ الموطأ. والذي جاء في الأشهر الحرم ما رواه أبو داود والنسائي وابن ماجة أن النبي ﷺ قال:"صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك، صم من الحرم واترك" وقال بأصابعه الثلاثة فضمها وأرسلها.

стр. 957

وفي مسلم عنه ﵊:"أفضل الصيام بعد رمضان شهر الله المحرم". وأما شعبان، فروى أبو داود والنسائي عن عائشة ﵂ أنها قالت: كان أحب الشهور إلى رسول الله ﷺ أن يصومه شعبان، ثم يصله برمضان. وعنها أيضاً أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ في شهر أكثر صياماً منه في شعبان، كان يصومه إلا قليلاً وفي رواية مسلم، بعد إلا قليلاً بل كان يصومه كله. وعن أم سلمة ﵂ أنها قالت: ما رأيت رسول الله ﷺ يصوم شهرين متتابعين إلا شعبان ورمضان. وَكَرِهَ مَالِكٌ صِيَامَ سِتَّةِ أَيَّامٍ بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ، وَإِنْ وَرَدَ، لِلْعَمَلِ أشار بقوله: (وَإِنْ وَرَدَ، لِلْعَمَلِ)، لما في مسلم: "من صام رمضان وأتبعه ستاً من شوال، كان كصيام الدهر" قال في الموطأ: لم أر أحداً من أهل العلم والفقه يصومها، ولم يبلغني ذلك عن أحد من السلف، وإن أهل العلم يكرهون ذلك ويخافون بدعته، وأن يلحق برمضان ما ليس منه أهل الجهالة والجفاء لو رأوا في ذلك رخصة عند أهل العلم ورأوهم يعملون ذلك. انتهى. وصرح صاحب الذخيرة بأن مالكاً استحب صيامها في غير شوال، ولم يأخذ مطرف وغيره بكراهة مالك وتعليله، وإنما كره مالك ذلك مخافة أن يلحقها أهل الجهل برمضان، فأما الرجل في خاصة نفسه يصمها لرغبته فلم يكن يكره ذلك. وفي الجواهر: واستحب مالك صيامها في غير ذلك الوقت لحصول المقصود به من تضاعف أيامها وأيام رمضان في كونها تبلغ عدة العام كما قال رسول الله ﷺ : "صيام رمضان بعشرة أشهر وصيام ستة أيام بشهرين فذلك سنة". ومحمل تعيين محلها في شوال عقب الصوم على التخفيف في حق المكلف لاعتياده بالصوم لا لتخصيصها بذلك الوقت فلا جرم انه لو أوقعها في عشر ذي الحجة مع ما

стр. 958

روى في فضل الصيام لكان أحسن لحصول المقصود مع حيازة فضل الأيام المذكورة والسلامة مما اتقاه مالك ﵁. وَأَجَازَ مَالِكٌ صَوْمَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مُنْفَرِداً، قَالَ الدَّاوُدِيُّ: لَمْ يَبْلُغْهُ الْحَدِيثُ قال ﵊: "لا يصومن أحدكم يوم الجمعة إلا أن يصوم يوماً قبله أو يوماً بعده". قوال: لا تخصوا ليلة الجمعة بقيام من بين الليالي، ولا يوم الجمعة بصيام من بين سائر الأيام. ودخل على جويرية بنت الحارث يوم الجمعة وهي صائمة فقال: "أصمت أمس"؟ فقالت: لا. قال: "أتريدين أن تصومي غداً؟ قالت: لا. قال: "فأفطري". انفرد به البخاري، وانفرد مسلم بقوله:"لا تخصوا ليلة الجمعة" واجتمعا على ما سوى ذلك. وخرج الترمذي وغيره عن ابن مسعود أن رسول الله ﷺ كان يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، وقلّ ما كان يفطر يوم الجمعة، وصححه ابن عبد البر، وفي رواية الحافظ علي بن المفضل المقدسي: ما رأيته مفطراً يوم الجمعة. أبو عمر: وروي عن ابن عمر أنه قال: ما رأيت رسول الله ﷺ مفطراً يوم الجمعة قط. وذكره ابن أبي شيبة عن حفص بن غياث عن ليث بن أبي سليم عن عمير بن أبي عمير عن ابن عمر قال: وروي عن ابن عباس أنه كان يصوم يوم الجمعة ويواظب عليه. قال الحافظ: وقال رسول الله ﷺ [١٦٦/أ]: "من صام يوم الجمعة كتبت له عشرة أيام غر زهر من أيام الآخرة لا تشاكلهن أيام الدنيا". انتهى. وفي الموطأ: لم أسمع أحداً من أهل العلم والفقه ومن يقتدي به ينهي عن صيام يوم الجمعة، وصيامه حسن، وقد رأيت بعض أهل العلم يصومه، وأراه أنه كان يتحراه. قيل: هو محمد بن المنكدر، وقيل: صفوان بن سليم.

стр. 959

وَوَرَدَ صَوْمُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ، وَرَوَتْ عَائِشَةُ ﵂ كَانَ لا يُعَيِّنُ، وَرَوَى أَبُو الدَّرْدَاءِ: الأَيَّام الْبِيض، وَاسْتَحَبَّ ابْنُ الْقَابِسِيِّ مِنْ أَوَّلِ الشَّهْرِ أي: ورد صوم ثلاثة أيام مطلقة ومقيدة، فروت عائشة ﵂، أنه ﷺ كان لا يبالي نم أي الشهر صام. وروى أبو الدرداء: الأيام البيض. وهي صبيحة ثلاثة عشر وأربعة عشر وخمسة عشر. وروي أنه كان يصوم من غرة كل شهر ثلاثة أيام وهو يشهد للقابس. واختار بعضهم: الأول والحادي عشر والحادي والعشرين. واستحب ابن حبيب وغيره صوم السابع والعشرين من رجب؛ لأن فيه بعث النبي ﷺ والخامس والعشرين من ذي القعدة؛ لأن فيه أنزلت الكعبة على آدم ﵇ ومعها الرحمة وثالث المحرم؛ لأن فيه دعا زكرياء ربه فاستجاب له. ****

стр. 960

الاعْتِكَافُ: قُرْبَةٌ لم يبين ما رتبته في القُرَب، والظاهر أنه مستحب، إذ لو كان سنة لم يواظب السلف على تركه. قال في الرسالة: والاعتكاف من نوافل الخير. وكذلك قال في المقدمات. وحكمة مشروعيته التشبه بالملائكة الكرام في استغراق الأوقات في العبادة وحبس النفس عن شهواتها، وكف اللسان عن الخوض فيما لا ينبغي. ومما يدل على أنه قربة، ما وقع لمالك في العتبية من رواية ابن القاسم لما قيل له: من كان منزله من الفسطاط على ثلاثة أميال، أيعتكف في مسجد قريته؟ أم يسير إلى الجمعة؟ لأن قريته لا تجمع فيها الجمعة؟ قال: اعتكافه أولى من مسيره إلى الجمعة. مَالِكٌ: وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَداً مِنَ السَّلَفِ اِعْتَكَفَ غَيْرَ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وإِنَّمَا تَرَكُوهُ لِشِدَّتِهِ .... هذا لمالك في المدونة، وفي المجموعة: ما زلت أفكر في ترك الصحابة ﵃ الاعتكاف مع أنه ﵊ لم يزل يعتكف حتى توفي، حتى أخذ بنفسي أنه كالوصال الذي نهى عنه وفعله، فقيل له: إنك تواصل، فقال: "إني لست كأحدكم". وَهُوَ لُزُومُ الْمُسْلِمِ الْمُمَيِّزِ الْمَسْجِدَ - لِلْعِبَادَةِ صَائِماً كَافّاً عَنِ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ - يَوْماً فَمَا فَوْقَهُ بِالنِّيَّةِ ..... قوله: (الْمُسْلِم). كالمستغني عنه بقوله: (لِلْعِبَادَةٍ صَائِماً). إذ علم أنهما لا يصحان من غير المسلم، ثم في قوله: (لِلْعِبَادَةِ) إجمال، إذ من العبادات ما لا يفعله المعتكف كما سيأتي، وقوله: (كَافَاً عَنِ الْجِمَاعِ وَمُقَدِّمَاتِهِ). أي ليلاً ونهاراً.

стр. 961

فَيَصِحُّ مِنَ الْمَرْأَةِ وَالصَّبِيِّ وَالرَّقِيقِ أي: لدخولهم تحت المسلم المميز، ويدخل في الرقيق من فيه عقد حرية. وَإِنْ أَذِنَ لامْرَأَتِهِ أَوْ لِعَبْدِهِ فَدَخَلا فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ قَطْعُهُ لمّا كان الاعتكاف ليس بواجب وهو مستلزم للصيام، وكل منهما مستلزم منع الوطء ومقدماته، لم يجز للمرأة أن تعتكف إلا بإذن زوجها لما في الصحيح، قال رسول الله ﷺ : "لا تصوم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه". وكذلك العبد؛ لأن اعتكافه يبطل حق السيد في خدمته. ومن أذن لامرأته أو لمملوكه فدخلا فيه فليس له قطعه، وهل له الرجوع بعد الإذن وقبل الدخول؟ ابن عبد السلام: في الأصل قولان. انتهى. والرجوع في كتاب ابن شعبان، وهو مفهوم المدونة لقوله: ومن أذن لعبده أو لامرأته في الاعتكاف فليس له قطعه عليهما إذا دخلا فيه. فاشترط الدخول. وقيد أبو عمران وعبد الحق واللخمي ما في المدونة بما إذا أذن لهما في الفعل، وأما لو أذن لهما في النذر فنذراه فليس له قطعه عليهما وإن لم يدخلا فيه. وَلا تَخْرُجُ لِلْعِدَّةِ إِلا بَعْدَهُ قال في المدونة: وإن طلّقها زوجها أو مات عنها لم تخرج حتى تتم اعتكافها، ثم تتم ما بقي من العدة في بيتها. قال ربيعة: وإن حاضت في العدة قبل أن ينقضي اعتكافها خرجت، فإذا طهرت رجعت لإتمام اعتكافها، وإن سبق الطلاق الاعتكاف فلا تعتكف حتى تحل. انتهى.

стр. 962

قال في العتبية: وكذلك المحرمة إذا دخلت في الإحرام ثم طلقت فإنها تتم إحرامها؛ قال في البيان: ولو سبق الطلاق أو الموت الاعتكاف أو الإحرام لم يصح لها أن تحرم ولا أن تعتكف حتى تنقضي العدة لأنها قد لزمتها فليس لها أن تنقضها. انتهى. والحاصل الترجيح بالسبقية. وقال أبو الحسن الصغير: إذا أحرمت بعد موت زوجها نفذت وهي عاصية، بخلاف المعتكفة فإنها لا تنفذ إذا أحرمت، وتبقي على اعتكافها حتى تتمه. إذ لو قيل أنها تخرج للحج إذا أحرمت لبطل اعتكافها لكونه لا يصح إلا في المسجد، بخلاف الإحرام فإنه [١٦٦/ب] إنما يبطل المبيت لا أصل العدة. انتهى. فانظره مع كلام صاحب البيان إلا أن يحمل قوله في البيان: لا يصح على معنى: لا يجوز. والله أعلم. وَإِنْ مَنْعَهُ نَذْرَاً فَعَلَيْهِ إِنْ أعْتقَ يعني: إذا نذر العبد اعتكافاً بغير إذن السيد فمنعه السيد منه بقي في ذمته متى أعتق قضى، وليس للسيد أن يسقطه مطلقاً. خلاف الدين لأن بقاء الدين عليه عيب يبخس ثمنه بخلاف النذر، ولأن الناس غرضاً في أن العبد إذا عتق يكون مستغنياً غير محتاج، حتى إن بعضهم ليعطيه شيئاً لهذا. وإذا كان مدياناً انتزع منه ما بيده، فيفوت غرض سيده، فلذلك كان لسيده أن يسقطه بخلاف الاعتكاف. وقوله: (فَعَلَيْهِ إِنْ أعْتقَ). ظاهره سواء كان نذره معيناً أو مضموناً، قيل: وهو ظاهر قول ابن القاسم في المدونة. وقال سحنون: إن كان النذر معيناً فمنعه السيد حتى انقضت الأيام فلا قضاء عليه. وَلا يُمَنَعُ الْمُكَاتَبُ الاعْتِكَافَ الْيَسِيرَ هو ظاهر.

стр. 963

وَالرِّدَّةُ وَالسُّكْرُ الْمُكْتَسَبُ مُبْطِلانِ قَارنا أَوْ طَرَأ فَيَجِبُ اسْتِئْنَافُهُ فِي السُّكْرِ، وَفِي غَيْرِ الْمُكْتَسَبِ كَالْْجُنُونِ وَالإِغْمَاءِ الْبِنَاءُ ..... لأن الردة نقيض شرطه وهو الإسلام. والسكر كذلك لكونه مناقضاً للتمييز. واحترز بالمكتسب من غيره، فإنه كالمجنون يبني لعذره. وذكر المقارنة ليس بظاهر؛ لأن الإبطال يستدعي شيئاً متقدماً حتى بطل وهو معدوم. وَفِي إِبْطَالِهِ بِالْكَبَائِرِ الَّتِي لا تُبْطِلُ الصَّوْمَ كَالْْقَذْفِ وَالْخَمْرِ لَيْلاً: قَوْلانِ، بِخِلاَفِ الصَّغَائِرِ ..... لا خفاء في أن الكبائر المبطلة للصوم مبطلة للاعتكاف، لبطلان شرطه كالزنا واللواط وشرب الخمر نهاراً، وأما الكبائر التي لا تبطل الصوم فنص في المدونة على البطلان في حق من سكر ليلاً. وحمل بعضهم على هذا، والبغداديون كل كبيرة. وَالْمَسْجِدُ وَرِحَابُهُ سَوَاءٌ يعني في الإجزاء، واستحب في المدونة عجز المسجد؛ لأنه أخفى للعبادة وللبعد ممن يتشاغل بالحديث معه. اللخمي: واختلف فيما سوى سطح المسجد، ففي الكتاب يعتكف في عجز المسجد وفي رحابه. وقال ابن وهب عنه: لم أره إلا في رحبة المسجد. وقال في المجموعة: لم أره إلا في عجز المسجد، والقول الأول أحسن، واختلف إذا اعتكف في رحبة المسجد هل يضرب خباء يكون فيه؟ فأجاز ذلك في المدونة. وقال ابن وهب عنه لم أسمع أنه يضرب ما يبيت فيه والأول أحسن. وقد ضرب أزواج النبي ﷺ الأخبية يعتكفن فيها. انتهى.

стр. 964

وخالف ابن لبابة في ثلاثة مسائل، فأجاز في غير المسجد بغير صوم، وأجاز المباشرة في غير المسجد، وهل الرحاب ما كان مضافاً إلى المسجد محجراً عليه وإن كان خارجاً عنه؟ وعلى هذا فليس لكل المساجد رحاب، وإليه ذهب سند والتملساني. أو هو صحته؟ وأما خارجه فلا يجوز الاعتكاف فيه، وإليه ذهب الباجي وصاحب اللباب، وهو الصحيح. بِخِلافِ السَّطْحِ عَلَى الأَشْهَرِ، وَبِخِلافِ بَيْتِ قَنَادِيلِهِ وَنَحْوِهِ ما ذكره في السطح ظاهر، ونحو بيت القناديل السقاية وبيت الخطابة، وإنما لم يجز الاعتكاف في هذه المواضع لكونها محجوراً عليها فصارت كالبيوت. وَفِي صُعُودِ الْمُؤَذِّنِ الْمَنَارِ ثَالِثُهَا: يُكْرَهُ كَالسَّطْحِ قال في المدونة: واختلف قوله في صعود المؤذن المنار فمرة قال: لا، ومرة قال: نعم. وجل قوله فيه الكراهة، وذلك رأي. وقوله: (كَالسَّطْحِ) ففيه أيضاً الأقوال الثلاثة. قال ابن يونس بعد ذكر الخلاف عن مالك في صعود المؤذن المنار: وكذلك اختلف قوله في سطوح المسجد. واستبعد ابن عبد السلام هذا الحمل بأنه لو أراده لقال: وفي صعود المؤذن السطح والمنار. وجعل قوله: (كَالسَّطْحِ) من تمام القول الثالث. وما ذكرناه أولى؛ لأنه أكثر. فائدة: وما ذكره من وجه الاستبعاد ليس بلازم. وظاهر كلامه جواز الآذان للمعتكف؛ لأنه إنما ذكر الخلاف في صعود المؤذن المنار، ومثله استقرأ عياض من المدونة. وحكي في المفهم عن مالك في جوازه ومنعه روايتين قال: والجميع على الجواز، وهذا فيما [١٦٧/أ] على المنار وأما في غيره فلا خلاف في إجزائه. انتهى.

стр. 965

ونحوه لعياض: وصرح اللخمي بجوازه في صحن المسجد، وقيده بما إذا لم يكن المؤذن الذي يرصد الأوقات. فَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَائِهِ جُمُعَةٌ، وَهُوَ مِمَّنْ تَجِبُ عَلَيْهِ فَفِي تَعْيِينِ الْجَامِعِ قَوْلانِ إن اعتكف أياماً لا تأتي فيها الجمعة، اعتكف في أي مسجد شاء، وكذلك إن كانت الجمعة، تأتي ولكنه ممن لا تلزمه الجمعة. وقيل: بل يكره الاعتكاف في غيره فقط. ومنشأ الخلاف: هل يبطل اعتكافه بخروجه إلى الجمعة؟ وهو المشهور على ما نقله الباجي وغيره أم لا يبطل مطلقاً ويخرج إلى الجمعة؟، وهي رواية ابن الجهم، وفرق ابن الماجشون فقال: إن دخل على ذلك ابتداء خرج، وبطل، بخلاف ما إذا اعتكف أولاً أياماً لا تأخذه فيها الجمعة، ثم خرج لمرض وعاد فجاءته الجمعة، فإنه يخرج ولا يبطل، هكذا نقل ابن زرقون وغيره. وَعَلَى صِحَّتِهِ فَفِي إِتْمَامِهِ فِي الْجَامِعِ أَوْ عَوْدِهِ قَوْلانِ يعين إذا فرعنا على الشهور بطل اعتكافه، وإن فرعنا على صحته فهل يتم في الجامع؟ وهي رواية عن مالك أو يرجع إلى المسجد الذي ابتدأ فيه؟ وهو قول عبد الملك، وقيد سند الخلاف بما إذا لم يعين الموضع ينذره، وأما لو عينه فيرجع. وَيَخْرُجُ لِحَاجَتِهِ أَوْ لِمَعِيشَتِهِ إِنِ احْتَاجَ وَلَوْ بَعْدُ المراد بحاجة الإنسان الغائط والبول واستحبوا أن يكون في غير منزله؛ لأن المنزل لا يخلو من شغل، ولمعيشته، أي: لما يأكله ويشربه.

стр. 966

وكره مالك في آخر قوليه أن يعتكف حتى يكون له من يكفيه ذلك أو يعدّ ما يكفيه. ولا يعتكف إلا من كان مكتفياً حتى لا يخرج إلا لحاجة الإنسان. وأول قوليه في المدونة الجواز، قال فيها: ولا يمكث بعد قضاء حاجته شيئاً. قال ابن القاسم في العتبية: ويخرج المعتكف لعيادة أبويه إذا مرضا ويتبدئ اعتكافه. ورأى ذلك واجب عليه لبرهما قال: ولا يخرج لجنازتهما. وفرّق الباجي بينهما بأنهما في الحياة يرضيان بزيارته ويسخطان بتركها. سند: وفيما قاله نظر، فإن ذلك من حقوقهما. قال: ويلزمه إذا مات أحدهما فإن عدم خروجه يسخط الآخر. وقوله: (وَلَوْ بَعْدُ) يعني إذا لم يجد إلا ذلك ولو وجد الأقرب ثم تعداه فذلك مكروه أو مفسد. بِخِلاَفِ عِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَالْحُكُومَةِ وَأَدَاءِ الشِّهَادَةِ وَصَلاَةِ الْجَنَائِزِ، فَإِنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَلَّ الاشْتِغَالُ بِهِ فَقَوْلانِ .... أي: فلا يخرج لهذه لما يلزم من فوات شرطه، وهو المسجد من غير ضرورة. وفي الموطأ: عن عائشة ﵂ أنها كانت إذا اعتكفت لا تسأل عن المريض إلا وهي تمشي. وقوله: (فَإِنْ كَانَ في الْمَسْجِدِ) .. إلى آخره، كره مالك في المدونة الصلاة على الجنائز وإن انتهى إليه زحام المصلين عليها، قال فيها: ولا يعود مريضاً معه في المسجد إلا أن يصلي إلى جنبه فلا بأس أن يسلم عليه، ولا يقوم ليعزي ولا ليهني. والقول بالجواز لعبد الوهاب في المعونة والتلقين. ففي التلقين: ولا يتصدر للإقراء ولا لتدريس العلم ولا يمشي لعيادة مريض أو صلاة على جنازة إلا أن يقرب ذلك من موضعه أو يسأل في قليل من العلم. انتهى بمعناه.

стр. 967

وَيَخْرُجُ لِغُسْلِ جُمُعَتِهِ أَوْ لِجَنَابَةِ اِحْتِلامٍ، وَلا يَنْتَظِرُ غَسْلَ ثَوْبِهِ وَلا تَجْفِيفَهُ، وَلِذَلِكَ اِسْتُحِبَّ أَنْ يُعِدَّ ثَوْباً آخَرَ ... كلامه ظاهر التصور، وكلامه منصوص في المدونة، اللخمي: ويختلف ف خروجه لغسل الجمعة قياساً على الاختلاف في خروجه لصلاة العيدين؛ لأن كليهما سنة. وفي المجموعة: لا بأس أن يخرج ليغتسل لحر أصابه. وَيُكْرَهُ اِشْتِغَالُهُ بِالْعِلْمِ وَكِتَابَتِهِ مَا لَمْ يَخِفَّ سئل مالك في المدونة أي جلس مجالس العلماء ويكتب العلم؟ فقال: لا يفعل إلا الشيء الحفيف والترك أحب إلي. ابن القاسم في النوادر عن مالك إجازة كتابة الرسالة الخفيفة أو قراءتها إذا احتاج. قال صاحب المقدمات وصاحب الجواهر: اختلف في العمل الذي يعمل في الاعتكاف؟ فقيل إنه الصلاة وقراءة القرآن وذكر الله، دون ما سوى ذلك من أعمال البر، وهو مذهب ابن القاسم؛ لأنه لا يجيز للمعتكف عيادة المريض والمدارسة العلم ولا الصلاة على الجنازة وإن كان ذلك كله من أعمال البر. وقيل: أنه جميع أعمال البر المختصة بالآخرة، وهو مذهب ابن وهب؛ لأنه لا يرى بأساً للمعتكف في مدارسة العلم وعيادة المريض، يريد: في موضع معتكفه، وكذلك الصلاة على الجنائز على مذهبه إذا انتهى إليه زحام الناس. وقلنا الأعمال المختصة بالآخرة تحرزاً من الحكم بين الناس والإصلاح بينهم. انتهى. قال في الجلاب: ولا بأس أن يقرأ أو يقرئ غيره القرآن.

стр. 968

وَلا يَاخُذُ مِنْ شَعْرِهِ وَلا يَحْتَجِمُ وَإِنْ جَمَعَهُ وَأَلْقَاهُ لِحُرْمَةِ المسجِد هذا ظاهر، قال في المجموعة: ولا يخرج لمداواة [١٦٧/ب] علة بعينه وليأته من يعالجه وكره مالك في المدونة أن يخرج من المسجد ويأكل بين يديه، ولكن في المسجد، قال: ولا يأكل ولا يقيل فوق ظهر المسجد. وَالصَّوْمُ لَهُ وَلِغَيْرِهِ سَوَاءٌ أي: أنَّ من شرطه الصيام وليس من شرط الصيام أن يكون له؛ لاعتكافه ﷺ في رمضان. فَلَوْ نَذَرَ اعْتِكَافاً؛ فَقَوْلانِ أي: فلو كان الاعتكاف منذوراً فهل يتعين له صوم فلا يجزئ في رمضان؟ أو هو كغيره؟ قولان، والأول لابن الماجشون وسحنون، والثاني لمالك وابن عبد الحكم بناء على أن الصوم ركن فناذر الاعتكاف ناذر لجميع أجزائه، أو شرط فناذر الاعتكاف غير ناذر له لخروجه عن الماهية. وَلَوْ طَرَأَ مَا يمنع الصوم فَقَطْ دُونَ الْمَسْجِدِ كَالْْمَرِيضِ إِنْ قَدَرَ وَالْحَائِضُ تَخْرُجُ ثُمَّ تَطْهُرُ، فَفِي لُزُومِ الْمَسْجِدِ ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ يَخْرُجَانِ، فَإِذَا صَحَّ وَطَهُرَتْ رَجَعَا تِلْكَ السَّاعَةَ وَإِلا ابتدآ .... الضمير في (يمنع) عائد على الصوم، أي إذا طرأ مانع يمنع الصوم خاصة دون المكث في المسجد فإنه يخرج، ولم يذكر المصنف فيا لخروج خلافاً، وفيه قولان. واقتصر على الخروج لأنه مذهب المدونة. وأما الحائض فإنها تخرج اتفاقا، ً وإنما ذكرها المصنف بطريق التبع ليفيد الخلاف فيها، إذ الخلاف فيها وفي المريض بالنسبة إلى العود سواء.

стр. 969

وقوله: (فَفِي لُزُومِ الْمَسْجِدِ) تنبيه على الأقوال، أي ففي لزوم العود إلى المسجد وعدم لزومه. وقوله: (يَخْرُجَانِ) توطئة لذكر الرجوع لا أنه المقصود. وتؤخذ بقية الأقوال من قوله: (رَجَعَا تِلْكَ السَّاعَةَ وِإلا ابتدأ) فالأول يرجعان، وإن لم يرجعا لم يبتدأ. والقول الثاني أنهما لا يرجعان حينئذ بل إلى الليل لفقدان الصوم. وهو قول سحنون، والثالث وهو المشهور يرجعان تلك الساعة وإلا ابتدأ. واعلم أن هذه المسألة تشكل على الناس؛ لأن غالب عادة المصنف أن القول الثالث يدل على القولين الأولين كما سبق؛ فيلزم على الغالب من عادته من قوله: (ثَالِثُهَا: الْمَشْهُورُ: يَخْرُجَانِ) أن يكون الأول يخرجان والثاني يمكثان وليس كذلك؛ لأن الحائض لا يمنك بقاؤها في المسجد. والجواب عن هذه: أنه هنا لم يجر على الغالب من عادته. وقد فعل ذلك في مواضع لا تخفي على من له اشتغال بهذا الكتاب. والحق أن كلامه في هذه المسألة مشكل. والله أعلم. فرع: إذا خرج الميض والحائض فهما في حرمة الاعتكاف، وقال ابن القاسم عن مالك في العتبية أنها إذا خرجت للحيضة فلها أن تخرج في حوائجها إلى السوق وتصنع ما أرادت إلا لذة الرجال من قبلة أو جسة ونحوهما. قال سحنون: لا أعرف هذا بل تكون في بيتها في حرمة الاعتكاف ولا تدخل المسجد. وَفِي البقاء يَوْمَ الْعِيدِ لِقَضَاءِ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ بَعْدَهُ- قَوْلانِ كما لو نذر اعتكاف العشر الأواخر ثم مرض بعد دخوله فيه خمسة ثم صح فإنه يقضي بعد العيد الخمسة التي مرضها وهل يلزمه أن يقيم يوم العيد في المسجد؟ قولان؛ وهما معاً في المدونة والمشهور عدم اللزوم؛ قال فيها في المثال المذكور: فإذا صح قبل الفطر

стр. 970

بيوم فليرجع إلى معتكفه فيبني ولا يبيت يوم الفطر في معتكفه ويخرج، فإذا مضى يوم الفطر عاد إلى معتكفه. وقال ابن نافع عن مالك: يشهد العيد مع الناس ويرجع إلى المسجد ذلك اليوم لا إلى بيته. وعلى المشهور فلو صح المريض ليلة العيد فلا يأتي وكذلك فهم عياض وناقض المسألة بمسألة المريض المتقدمة يصح في بعض يوم، فإن المشهور أنه يرجع، وكذلك الحائض تطهر، ولا فرق، فإن الكل مفرطون، ونحو هذه المناقضة للتونسي. وأجيب عنها: بأن اليوم الذي طهرت فيه الحائض وصح فيه المريض يصح صومه لغيرهما بخلاف يوم العيد فإنه لا يصح صومه لأحد. وتقدير كلام المصنف: وفي لزوم المعتكف الذي بقي لقضاء ما بقي عليه. وفي بعض النسخ (وفي الباقين) بالياء والنون. وفي بعضها: (وفي البقاء) على المصدر. بِخِلافِ مَا لَوْ تَخَلُّلَ اِبْتِدَاءً عَلَى الأَصَحِّ هذه مسألة في الجلاب. قال فيه: ولو اعتكف خمساً من رمضان وخمساً من شوال خرج يوم الفطر من المسجد إلى أهله، وعليه حرمة العكوف كما هي، ثم عاد قبل غروب الشمس من يومه. وقال عبد الملك يقيم في المسجد يومه ولا يخرج إلى أهله ويون يومه ذلك كليل أيام الاعتكاف. وعلى هذا فمخالفة هذا الفرع اللذي قبله إنما هي على كلام المصنف فقط. وإلا فقد ذكرنا أن المشهور فيهما الخروج، وهذا أولى من قول ابن عبد السلام وابن هارون: معناه، أن الأصح في المذهب الفرق بين أن يتخلل المرض في أثناء الاعتكاف بعد مضي يوم فأكثر، وبين أن يتخلل قبل الدخول فيه، فالأول يجب عليه قضاء أيام المرض والثاني لا قضاء عليه. قاله ابن عبدوس وتأوله ابن أبي زيد على النذر المعين. انتهى باختصار.

стр. 971

فإن كلامهما غير منطبق على كلام المصنف، إذ لا يقال: تخلل لما كان في الابتداء ولأن الكلام في لزوم المسجد لا في القضاء، لكن في كلام المصنف على ما ذكرناه أولاً نظر، لأن مسألة ابن الجلاب مقيدة بالنذر، وذلك [١٦٨/أ] لا يؤخذ من كلام المصنف، ذكر ذلك عبد الحق في تهذيبه، قال: وإذا اعتكف في خمس بقين من رمضان نواها مع خمسٍ من شوال أو دخل في غيره ينوي عكوف عشرة أيام على أن يفطر منها بعد خمسة أيام يوماً هذه نيته، فإننا ننهاه عن ذلك قبل الدخول فيه، فإذا دخل لم يلزمه إلا الخمسة الأولى ولا تلزمه الأيام التي بعد فطره، أبو محمد: إلا أن يكون نذرها بلسانه. وَعَلَى اللُّزُومِ فَفِي خُرُوجِهِ لِلْعِيدِ قَوْلانِ الخروج لمالك كغسل الجمعة، وعدمه لسحنون كصلاة الجنازة وهو أقيس، لأن مكثه واجب وصلاة العيد سنة. وَالْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتُهُ، مِنَ الْقُبْلَةِ وَالْمُبَاشَرَةِ، وَمَا فِي مَعْنَاهمَا مُفْسِدَةٌ لَيْلاً أَوْ نَهَاراً، وَلَوْ كَانَتْ حَائِضاً وَلا بَاس أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ فِي مَجْلِسِهِ، وَبِالطِّيبِ ...... قوله: (مَفْسَدَةً) أي عمداً أو سهواً أو غلبة. وقوله: (ولَو كانت حائضاً) ظاهر، ونص عليه في المدونة. وقوله: (وَلا بَاس أَنْ يَعْقِدَ النِّكَاحَ) قيده في المدونة بأن يغشاه في مجلسه وهو مقيد أيضاً بأن لا يطول التشاغل به، وسواء كان زوجاً أوولياً. والفرق بينه وبين المحرم أن المعتكف عنده وازع وهو الصوم والمسجد؛ ولأن الحج عبادة شاقة فاحتيط لها، ولأن الحج مسافر، فالغالب بعده على الأهل وذلك مظنة التذكر المؤدي إلى الفساد بخلاف المعتكف. ابن وهب عن مالك: ولا يكره للمعتكفة أن تتزين وتلبس الحي. وذكر حمديس أنها لا تتطيب، وفي المجموعة خلافه.

стр. 972

وَيَجِبُ الاسْتٍئْنَافُ لِجَمِيعِهِ بِالْمُفْسدِ عَمْداً وَيَجِبُ الْقَضَاءُ بِغَيْرِهِ وَالْبِنَاءُ يعني: أن مفسد الاعتكاف إذا فعل على سبيل العمد مبطل لجميع الاعتكاف لأنه لما كانت سنة التتابع تنزل بذلك منزلة العبادة الواحدة، فذلك يفسد كله بفساد جزئه. قوله: (وبِغَيْرِهِ) أي فإن لم يكن عمداً، بل كان سهواً أو غلبة فإنه يجب القضاء متصلاً بآخره. وظاهر كلامه أن القبلة والمباشرة بل والوطء سهواً مما يقضي فيه ويبني، وليس كذلك؛ ففي المدونة: إن جامع في ليله أو نهاره ناسياً أو قبل أو باشر أو لامس فسد اعتكافه وابتدأه. وأما إن أفطر لمرض فإما أن يكون في نذر أو نفل. قال في المقدمات: والنذر في الاعتكاف على وجهين: أحدهما أن ينذر اعتكاف أيام بأعيانها، والثاني: أن ينذر أياماً بغير أعيانها، فالأول لا يخلو أن تكون من رمضان أو من غيره، فإن كانت من رمضان، فعليه قضاؤها إن مرضها كلها لوجب قضاء الصوم عليه. وإن مرض بعضها قضى ما مرض منها، ووصله، فإن لم يصل، استأنف، سواء كان مرضه من أولها قبل دخوله فيها أو لا. وكذلك إن أفطر ساهياً، وأما إن أفطر فيها متعمداً من غير عذر فعليه استئناف الاعتكاف مع الكفارة لفطره في رمضان. وإن كانت من غير رمضان فمرضها كلها أو بعضها فثلاثة أقوال: أحدها: عليه القضاء مطلقاً على رواية ابن وهب في الصوم، الثاني نفى القضاء مطلقاً؛ وهو مذهب سحنون. والثالث: التفرقة بين أن يمرض قبل دخوله في الاعتكاف فلا يلزمه قضاء وبين أن يمرض بعد دخوله فيلزمه؛ وهو مذهب ابن القاسم في المدونة على تأويل ابن عبدوس. واختلف إذا أفطر فيه ساهياً على قولين، أحدهما: لا قضاء عليه وهو مذهب سحنون، والثاني: عليه القضاء بشرط الاتصال، وهو مذهب ابن القاسم في المدونة.

стр. 973

وأما الوجه الثاني وهو أن ينذر أياماً بغير أعيانها فيقضي ما مرض منها أو أفطر ساهياً يصل ذلك باعتكافه. ولا خلاف في هذا، وإن أفطر فيه متعمداً أفسده ووجب عليه قضاؤه لوجوبه عليه بالدخول فيه، انتهى باختصار. وإن كان الاعتكاف تطوعاً فإن أفطر فيه بمرض أو حيض فلا قضاء عليه، وإن أفطر ناسياً قال عبد الملك: عليه القضاء. وهذا ظاهر المدونة؛ لقوله: من أكل يوماً من اعتكافه ناسياً يقضي يوماً مكانه، فعمم. وكذلك قال بعضهم: إن مذهب المدونة القضاء مطلقاً، وحمل بعضهم المدونة على النذر المعين وأما التطوع فلا يقضي فيه بالنسيان. وهو قول عبد الملك أيضاً وابن حبيب وهو أصح. وانظر: ما الفرق على الأول بين الاعتكاف والصوم؟ تنبيه: قال ابن رشد على ما تأول عليه ابن عبدوس إشارة إلى مسألة المدونة التي قال فيها: فيمن نذر اعتكاف شعبان فمرضه فلا شيء عليه، وإن نذرته امرأة فحاضت فيه، فإنها تصل القضاء بما اعتكفته قبل ذلك، ففرق بينهما ابن عبدوس بما ذكره عنه. واختاره ابن أبي زمنين وقال بعضهم: إنما قال في الحائض تقضي بناء على قوله في ناذر ذي الحجة أنه يلزمه قضاء أيام الذبح وكذلك ظاهر قول سحنون، وحمل المسالة على الخلاف لقوله بعد ذلك: وهذه مختلطة والله أعلم. وَلا يُسْقِطُهُ الاشْتِرَاطُ الضمير عائد على القضاء أي إذا اشترط المعتكف أولاً [١٦٨/ب] أنه إن حدثت له ضرورة توجب القضاء فلا قضاء، لمي فده ذلك. قال في الموطأ: وإنما الاعتكاف عمل من الأعمال مثل الصلاة والصيام والحج فمن دخل في شيء من ذلك فإنما يعمل بما مضى من السنّة وليس له أن يحدث في ذلك غير ما مضى عليه المسلمون.

стр. 974

وحكى عن ابن القصار انه قال: إن اشترط في الاعتكاف ما يغير سنته فلا يلزمه الاعتكاف والأول هو المعروف. وَيَبْنِي مِنْ خَرَجَ لِتَعَيُّنِ جِهَادٍ أَوْ مُحَاكَمَةٍ عَلَى الأَصَحِّ وَإِلَيْهِ رَجَعَ أي: أن المعتكف في الثغور إذا نزل العدو فخرج ليقاتل أو عينه الإمام أو أخرجه الحاكم مطلقاً لإقامة حد عليه أو غيره، هل يبني – وإليه رجع مالك – أو يبتدئ؟ قولان، وهما في المدونة. ابن هارون: وفي كلام المصنف إيهام أن مالكاً رجع في المسألتين وإنما تكلم في المدونة على مسألة الجهاد فقط. فرع: قال فيها: ولا ينبغي للحاكم إخراجه لخصومة أو غيرها حتى يتم اعتكافه إلا أن يتبين له أنه إنما اعتكف لوزا أو فراراً من الحقوق فيرى فيه رأيه. وَمَنْ أَخَّرَ لْبِنَاءَ بَعْدَ ذَهَابِ عُذْرِهِ ابْتَدَأَ عَلَى الأصح يعني: أن من كان حكمه البناء تركه فذلك يتنزل منزلة من قطع اعتكافه اختياراً. والله أعلم. وَما اِخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِيهِ اِخْتُلِفَ فِي الاسْتِئْنَافِ، وَما اخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ قَضَاءِ صِيَامِهِ اِخْتُلِف فِي قَضَائِهِ .. حاصله أنه جعل الاستئناف هنا كالكفارة في رمضان والقضاء هنا كالقضاء في رمضان، فإن وجبت الكفارة باتفاق وجب استئناف الاعتكاف باتفاق. وإن اختلف فيها، فيختلف هنا في الاستئناف وكذلك القضاء. وليس ذلك صحيحاً؛ لأن المشهور سقوط الكفارة عن المجامع ناسياً والمكرهة ولا خلاف في وجوب الاستئناف.

стр. 975

عياض: وأما تقبيلها واللمس بها مكرهة فيجب أن يراعي وجود اللذة منها وإلا فلا شيء عليها. وأيضاً فإن الإنعاظ الناشئ عن القبلة والمباشرة والمذي فمختلف في قضاء الصوم فيهما ولاخلاف في وجوب قضاء الاعتكاف بهما. وَأَقَلُّهُ يَوْمٌ، وَقِيلَ: وَلَيْلَةٌ، وأكمله عَشَرَةٌ، وَفِي كَرَاهَةِ مَا دُونَهَا قَوْلانِ أما القولان الأولان فلعلهما مبنيان على أنه هل يجب استيعاب الليلة بالاعتكاف أم لا؟ وقوله: (وأكمله عَشَرَةٌ) نحوه لابن حبيب واللخمي. ولفظ اللخمي: أكثره. ابن حبيب: أعلاه. وعلى هذا فاعتكاف الزائد خلاف الأولى؛ لأنه ليس وراء الأكمل فضيلة تطلب، ونقل عن بعضهم كراهة الزيادة، وظاهر كلام صاحب الرسالة خلافه لقوله: وأقل ما وهو أحب إلينا من الاعتكاف عشرة أيام. وفي الجلاب: والاختيار أن لا يعتكف المرء أقل من عشرة أيام. قوله: (وفِي كَرَاهَةِ مَا دُونَهَا) قال في المقدمات: قال ابن القاسم: أقل الاعتكاف عشرة أيام، وذلك رأيي أن لا ينقص عن عشرة أيام؛ لأنه ﵊ لم ينقص منها. ولكن إن نذر من ذلك لزمه. وسئل مالك في "التعبية" عن الاعتكاف في يوم أو يومين، فقال: ما أعرف هذا من اعتكاف الناس. قال ابن القاسم: وسئل عنه قبل ذلك فقال: لم أر به بأسا. وأنا لست أرى به بأسا؛ لأن الحديث قد جاء: أدنى الاعتكاف يوم وليلة، ولم أر من صرح بالكراهة فيما دون العشرة. نعم قد يؤخذ من قول مالك أن أقله عشرة، ومما قاله أيضاً في "العتبية". التلمساني: قال الأبهري: لا بأس أن يعتكف الإنسان عشرة أيام أو أقل أو أكثر. وَمَنْ نَذَرَ اِعْتِكَافَ لَيْلَةٍ لزمه يومها، فَقِيلَ: تَبْطُلُ الأول هو المشهور، وهو مذهب المدونة، والبطلان لسحنون؛ ولعل سبب الخلاف هل هو ناذر له بغير شرطه فيبطل؟ أو الأصل في الكلام الإعمال دون الإهمال؟

стр. 976

وَيَجِبُ تَتَابُعُهُ فِي الْمُطْلَقِ أي: إذا نوى التتابع أو عدمه فعلى ما نوى، وإن لم ينو شيئاً لزمه التتابع لأنه سنة. وَمَنْ دَخَلَ قَبْلَ الْغُرُوبِ اعَتَدَّ بِيَوْمِهِ وَبَعْدَ الْفَجْرِ لا يُعْتَدُّ بِهِ، وَفِيمَا بَيْنَهُمَا قَوْلانِ [١٦٩/أ] أي أن من دخل معتكفه قبل غروب الشمس اعتد بصبيحة تلك الليلة اتفاقاً، اختلف إذا دخل بينهما فالمشهور الاعتداد. وقال سحنون: لا يعتد به وحمل بعضهم قول سحنون على أنه ليس بخلاف، وأن المشهور محمول على النذر. وقول سحنون محمول على التطوع. ابن رشد: والظاهر أنه خلاف. ابن راشد وابن هارون: وظاهر كلامه أن الخلاف جار ولودخل بقرب غروب الشمس. وظاهر الرواية أن الخلاف لا يدخل هذه وإنما محله إذا دخل قبل طلوع الفجر. وانظر ما قاله الأصحاب هنا مع ما في صحيح مسلم عن عائشة ﵂ كان رسول الله ﷺ إذا أراد أن يعتكف صلى الفجر ثم دخل في معتكفه. وَإذَا دَخَلَ وَنَوَى وَجَبَ الْمَنْوِيُّ بِخِلافِ الجُوَار، لا يَجِبُ إِلا بِاللَّفْظِ كَالنَّذْرِ لجوار مَكَّةَ أَوْ مَسْجِدٍ فِي بَلَدٍ سَاكِنٍ هُوَ فِيهِ .... أما قوله إذا دخل ونوى وجب المنوي فظاهر، وهو من ثمرة وجوب التتابع، لأن ذلك يصيره بمنزلة العبادة الواحدة. وأما الجوار فلا شك أن الجوار المنذور باللفظ واجب لأنه طاعة. وأما عقده بالقلب، فذلك جار على الخلاف في انعقاد اليمين بالقلب. وأما إن لم يكن إلا مجرد النية، فإن نوى يوماً أو أياماً لم يلزمه ما بعد الأول، وهل يلزمه اليوم المنفرد أو اليوم الأول فيما إذا نوى أياماً بالدخول فيها؟ حمل ابن يونس على المدونة اللزوم، قال: وكذلك إن دخل في اليوم الثاني لزمه، وقال أبو عمران: لايلزمه هذا الجوار وإن دخل فيه، إذ لا صوم فيه، لأنه إنما نوى أن يذكر الله

стр. 977

والذكر يتبعض، فما ذكر يصح أن يكون عبادة، وكذلك لو نوى قراءة معلومة فلا يلزمه جميع ما نوى؛ لأن ما قرأ منه يثاب عليه، بخلاف صوم اليوم الواحد الذي لا يتبعض، قال في المقدمات: وقوله أظهر. والجوار بضم الجيم: المجاورة. ابن رشد وعياض: وهو على قسمين: جوار مطلق وهو كالاعتكاف سواء في لزوم الصوم وغيره، ومقيد، وهو الذي ذكره في المدونة بقوله: والجوار كالاعتكاف إلا من جاور بمكة نهاراً وينقلب من الليل إلى أهله فلا يصوم فيه، ولا يلزمه بدخول ونية حتى ينذره بلفظه. وَمَنْ نَذَرَ اِعْتِكَافاً بِمَسْجِدِ الْفُسْطَاطِ فَلْيَعْتَكِفْ بِمَوْضِعِهِ بِخِلافِ مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وإيلياء ..... هذه المسألة وقعت هنا في بعض النسخ، ومعناها أن من نذر أن يعتكف بمسجد مصر وهو في موضع آخر، فليعتكف موضعه. بخلاف ما لو نذر الاعتكاف في أحد المساجد الثلاثة لقوله ﵊: "لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد". فرع: قال في المدونة: ومن نذر أن يصوم بساحل من السواحل بموضع يتقرب بإتيانه كمكة والمدينة لزمه الصوم بذلك الموضع، وإن كان من أهل مكة وإيلياء، قال في المستخرجة: ولو نذر مثل ذلك بمثل العراق وشبهها صام مكانه. ابن يونس: ولو نذر اعتكافاً بساحل من السواحل اعتكف بموضعه بخلاف الصوم، لأن الصوم لا يمنعه من الحرس والجهاد والاعتكاف يمنعه من ذلك، فاعتكافه بموضعه أفضل. ابن راشد: سؤال: إذا نذر أن يتصدق بهذا الدرهم المعين لم يجز له أن يمسكه ويتصدق بمثله، ولو أراد أن يمسكه ويخرج عنه ديناراً لم يجز، وها هنا إذا نذر أن يعتكف بمسجد الفسطاط اعتكف بمسجد موضعه، وإن كان بمكة اعتكف بمسجدها لأنه أتى بالأفضل- وأجاز مالك له أن يأتي بالمثل الأفضل – وفي مسألة الدرهم لم يجز له ذلك؟!

стр. 978

والجامع بينهما أن خصوص الدرهم لا يتعلق به غرض للفقراء، والحاصل لهم بالمعين حاصل لهم بغيره كما أن خصوص هذا المسجد لا اعتبار به، فإذا أتى بمثل ما نذره أو أفضل منه جاز، وهذا السؤال كثيراً ما أورده علي الفضلاء ولم يتحرر لي جواب أرضاه، فتأمله انتهى. وَإِذَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ مِنْ آخِرِ أَيَّامِهِ جَازَ الْخُرُوجُ هذا ظاهر ولا أعلم فيه خلافاً، إلا ما اختاره اللخمي، وحكاه بعضهم عن ابن لبابة من مكثه ليلة آخره، لقول أبي سعيد فلما كانت ليلة إحدى وعشرين وهي الليلة التي يخرج رسول الله ﷺ من صبيحتها من اعتكافه. وَفِي خُرُوجِهِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ قَوْلانِ، وَعَلَى الْمَنْعِ فِي فَسَادِهِ بِالْخُرُوجِ أَوْ بِمَا يُضَادُّ الاعْتِكَافَ قَوْلانِ ..... المشهور أن يقيم لفعله ﵊، وعليه فقال ابن القاسم: ليس بواجب خلافاً لابن الماجشون فإنه رآه واجباً وأبطل الاعتكاف بخروجه أو بفعله ما يضاد الاعتكاف. ولعل منشأ الخلاف اختلاف الأصولين في فعله عليه الصلاة والسالم هل هو محمول على الوجوب أوعلى الندب؟ [١٦٩/ب] وَأَفْضَلُهُ الْعَشْرُ الأَوَاخِرُ مِنْ رَمَضَانَ لِطَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَاِخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ فِي قَوْلِهِ ﷺ : "الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخامسَةِ"، فَقِيلَ بِظاهِرِهِ، وَالْمَنْصُوصَ: لِتِسْعٍ بَقِينَ أَوْ سَبْعٍ أَوْ خَمْسٍ .... لا خفاء في أفضلية العشر الأواخر لمواظبته ﵊ عليها، ويشهد للمنصوص ما في مسلم عن أبي سعيد الخدري لما سئل عن معنى الخامسة والسابعة والتاسعة، قال: إذا مضت واحدة وعشرون فالتي تليها اثنان وعشرون، فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها اثنان وعشرون، فهي التاسعة، فإذا مضت ثلاث وعشرون فالتي تليها أربعة وعشرون فهي السابعة، فإذا مضت خمس وعشرون التي تليها هي الخامسة. وخرج البخاري نحو ذلك مرفوعاً من

стр. 979

حديث ابن عباس والحديثان المذكوران مبنيان على أن الشهر ناقص، وكأنه اعتبر المحقق وألغى المشكوك. وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنَ الْعُلَمَاءِ: إِنَّهَا فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ الأَوَاخِرِ أَوْ فِي جَمِيع الشَّهْرِ في جميع السنة أَوْ كَانَتْ وَرُفِعَتْ ضَعِيفٌ .... لا شك في ضعف الأخير. ابن هارون: وأما الأول فليس بضعيف كما تقدم في العشر الأواخر. قال المؤلف: بل هو الصحيح عند الجمهور، أنها تدور في العشر الأواخر؛ لأن الأحاديث في هذا الباب صحيحة ولا يمكن الجمع بينها إلا على ذلك انتهى. وقد اختلف في ليلة القدر على ثلاثة أقوال: أحدها: أنها في ليلة بعينها لا تنتقل عنها إلا أنها غير معروفة ليجتهد في طلبها، ليكون ذلك سبباً في طلبها لاستكثار فعل الخير. وافتقر الذين ذهبوا إلى هذا على أربعة أقوال، أحدها: أنها في العام كله، والثاني: أنها في شهر رمضان، والثالث: أنها في العشر الأواسط وفي العشر الأواخر. والرابع: أنها في العشر الأواخر. والقول الثاني أنها في ليلة بعينها لا تنتقل عنها معروفة، واختلف القائلون بهذا القول على أربعة أقوال: أحدها أنها في ليلة إحدى وعشرين على حديث أبي سعيد. والثاني: أنها في ليلة ثلاث وعشرين على حديث عبد الله بن أنيس الجهني. والثالث: أنها ليلة سبع وعشرين على حديث أبي بن كعب وحديث معاوية؛ وهي كلها أحاديث صحاح. والرابع: أنها ليلة ثلاث وعشرين أو ليلة سبع وعشرين. والقول الثالث أنها ليست في ليلة بعينها وأنها تنتقل في الأعوام، وليست مختصة بالعشر الأواخر. والغالب أن تكون في العشر الأواسط والعشر الأواخر. والغالب من ذلك أن تكون في العشر الأواخر، وإلى هذا ذهب مالك ﵀ والشافعي واحمد وأكثر أهل العلم وهو أصح الأقوال. قاله في المقدمات.

стр. 980

الْحَجُّ وَاجِبٌ مَرَّةً، وَفِي الْفَوْرِ أَوْ تَوَسِعَتِهِ إِلَى خَوْفِ الْفَوَاتِ قَوْلانِ أما وجوبه فلا إشكال فيه. قال القرافي في ذخيرته وابن بزيزة ومُصَنَّف الإرشاد في عمدته: والمشهور الفور. وقال ابن الفاكهاني في باب الأقضية من شرح الرسالة: والمشهور التراخي، وبالجملة فالعراقيون نقلوا عن مالك الفور، ويرون أنه المذهب. والباجي وابن رشد والتلمساني وغيرهم من المغاربة يرون أن المذهب الترخي أخذاً له من مسألة الزوجة والأبوين، وذلك لأن أشهب روى عن مالك أنه سئل عمن حلف على زوجته ألا تخرج فأرادت الحج وهي ضرورة، أنه يقضي عليه بذلك، قال: ولكن لا أدري ما تعجيل الحنث ها هنا حلف أمس، فتقول هي: أنا أحج اليوم، ولعله يؤخر ذلك سنة. وفي كتاب ابن عبد الحكم: أنه يؤخر ذلك سنة. قالوا: ولو كان ذلك على الفور ما شك في تعجيل الحنث، وأجيب بأن مالك فهم عنها قصد إضرار؛ لقوله حلف أمس، وتقول هي: أحج اليوم، وإذا تأملت ذلك وجدت دلالته على الفور أقرب. وأشار المصنف إلى مسألة الأبوين بقوله: وَعُمْدَةُ الْمُوسِّعِ طَوْعُ الأَبَوَيْنِ، وَلا يَقْوَى لِوُجُوبِهِ أَيْضاً أي: وعمدة القائل بالتراخي ما وقع لمالك من رواية ابن نافع أن الولد لا يعجل على والديه في الفريضة، وليستأذنهما العام والعام القابل، فإن أبيا فليخرج، ولو كان على الفور لعجل عليهما؛ لأن التراخي معصية ولا طاعة للأبوين في المعصية. والجواب من وجهين: أحدهما: أن هذا معارض بمثله، فقد نقل في النوادر رواية أخرى بالإعجال عليهما، ونص ما ذكره: قال مالك: ولا يحج بغير إذن أبوه إلا حجة الفريضة، فليخرج ويدعهما، وإن قدر أن يراضيهما حتى يأذنا له فعل، وإن نذر حجة لا يكابرهما ولينظر إذنهما عاماً بعد

стр. 981

عام ولا يعجل، فإن أبيا فليحج، ومن توجه حاجاً بغير إذن والديه، فإن بعد وبلغ مثل المدينة فليتمادى. انتهى. ثم ذكر رواية ابن نافع عن النص المتقدم. الثاني: وهو ما ذكره المصنف: أن طاعة الأبوين لما كانت واجبة على الفور بالاتفاق وكان الحج مختلفاً في فوريته قدم المتفق على فوريته. ولا يلزم من التأخير لواجب [١٧٠/أ] أقوى منه أن يكون الفور غير واجب. خليل: والظاهر قول من شهر الفور. وفي كلام المصنف ميل إليه؛ لكونه ضَّعَفَ حُجَةَ التراخي؛ لأن القول بالفور نقله العراقيون عن مالك، والتراخي إنما أخذ من مسائل، وليس الأخذ منها بقوي، وعلى التراخي فهو مقيد بخوف الفوات كما قال المصنف، وهو ستون سنة، قاله سحنون، زاد: ويفسق وترد شهادته. ومنهم من أشار إلى أن ذلك مغياً بظن العجز، وذلك ربما اختلف باختلاف الناس بكثرة المرض وقِلَتِهِ. قال في المقدمات: ولا أعلم أحداً قال يفسق وترد شهادته غير سحنون. وَيَجِبُ بِالإِسْلامِ وَالْحُرِّيَّةِ وَالتَّكْلِيفِ وَالاسْتِطَاعَةِ كلامه ظاهر. وذكرُ الإسلام من شرائط الوجوب مبني على أن الكفار غير مخاطبون بفروع الشريعة. قال في الذخيرة: والمشهور الخطاب. وَالْمُعْتَبَرُ الأَمْنُ وَالإِمْكَانُ غَيْرُ الْمُضِرِّ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ أي: والمعتبر في الاستطاعة وحصولها الأمن على نفسه وماله، وإمكان السير بغير مشقة فادحة تلحقه في باطنه أو ظاهره؛ بأن يحتاج إلى السؤال ولا عادة له به، أو إلى المشيء أو ركوب المُقَتَّبُ، ولا يقدر على ذلك إلا بمشقة عظيمة، ولا يعتبر مطلق المشقة وإلا سقط الحج عن أكثر المستطيعين.

стр. 982

ونقل عبد الحق عن بعض شيوخه: أنه يعتبر في الاستطاعة وجود الماء في كل منهل؛ لأنه لو كُلِّفَ بنقل الماء لشَقَ عليه ذلك. وهل المعتبر ما يوصل فقط أو يرجع؟ نص عليه اللخمي- وهو ظاهر الرسالة-: أن المعتبر ما يوصل فقط. اللخمي: إلا أن يعلم أنه إن بقي هناك ضاع وخشي على نفسه، فيراعي ما يبلغه ويرجع به إلى أقرب المواضع مما يمكنه التمعش فيه. ونقل ابن المعلي عن بعض المتأخرين من أصحابنا اعتبار الذهاب والرجوع، وهو الذي قاله التلمساني؛ لأنه قال: إن قلنا إنه على التراخي اعتبر ما ينفقه ذاهباً وراجعاً وما ينفقه على الأقارب والزوجة، وإن قلنا إنه على الفور لم يعتبر ما ينفقه على الزوجة والأقارب، وهو مذهب الشافعي، وهو أظهر، إذ على الإنسان حرج عظيم في إلزامه المقام بغير بلده. فَلِذَلِكَ تَخْتَلِفُ بِاِخْتِلافِ الأَشْخَاصِ وَالْمَسَافَاتِ، فَيَلْزَمُ الْقَادِرَ عَلَى الْمَشْيِ بِغَيْرِ رَاحِلَةٍ، والأَعْمَى بِقَائِدٍ مِثْلِهِ ... أي: ولأجل أن المعتبر في الاستطاعة الإمكان غير المضر يختلف الحال باختلاف أحوال الناس فليس من لا يقدر على المشي ولا يكفيه القليل من المال كغيره، وليس القريب كالبعيد، ولا زمان الخصب كزمان الجدب؛ ولهذا جعل اللخمي الاستطاعة على أربعة أقسام: فإن لم تكن له صناعة في سفره، ولا قدرة له على المشي، اعتبر في حقه الزاد والراحلة، وإن كانت له صناعة يعيش بها في سفره وهو قادر على المشي لم يعتبر في حقه، وباقي التفسير واضح. وقوله: (والأَعْمَى بقَائِدٍ مِثْلِهِ) أي: والأعمى إذا كان قادراً على المشي ووجد من يقوده مثل البصير في الوجوب، ولا إشكال في هذا.

стр. 983

فرع: قال مالك: إن الركوب لمن قدر عليه أفضل من المشي. الأبهري: لحجه ﷺ راكباً؛ ولأنه أمكن ي أداء ما يلزمه من الفرائض؛ لأنه أقرب إلى الشكر والرضي، والمشي أقرب إلى العجز، ولما فيه من زيادة النقة المضاعف ثوابها. وقال اللخمي وغيره من المتأخرين: المشي أفضل. وَفِي السّائِلِ إِنْ كَانَتِ الْعَادَةَ إِعْطَاؤُهُ قَوْلانِ قوله: (وَفِي السَّائِلِ) أي: إن كانت عادته السؤال، واحترز به مما لم تكن عادته السؤال وهو لا يقدر على الوصول إلا بالسؤال. ففي البيان أنه لا خلاف أنه لا يجب عليه. واختلف هل يباح له أو يكره؟ والأول رواه ابن عبد الحكم، والثاني: رواه ابن القاسم. واحترز بقوله: (إِنْ كَانَتِ الْعَادَةَ إِعْطَاؤُهُ) مما لو كانت العادة عدم الإعطاء، فلا يلزمه حينئذ بالاتفاق. وقوله: (قَوْلانِ) هما روايتان، وروى ابن القاسم السقوط وزاد فيها الكراهة، وهو ظاهر المذهب وأظهر من جهة المعنى، وروى ابن وهب الوجوب. وَقِيلَ: يُعْتَبَرُ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ هذا مقابل قوله أولاً: (من غير تحديد) وهذا قول سحنون وابن حبيب. قال في الجواهر: وتؤول على من بعدت داره. ودليله ما رواه أبو داود والترمذي: أنه ﵊ سئل عن الاستطاعة، فقال: "هي الزاد والراحلة". الترمذي: وتكلم بعض أهل العلم في راويه من قبل حفظه، وأجيب عنه أيضاً بأنه خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له، أو لأنه فهم عن السائل أنه لا قدرة له إلا بذلك.

стр. 984

[١٧٠/ب] وقد سئل مالك، هل الاستطاعة الزاد والراحلة؟ فقال: لا، والله واحد يجد زاداً وراحلة ولا يقدر، وآخر يقدر أن يمشي راجلاً، ورب صغير أجلد من كبير ولا صيغة في هذا أبين مما قال الله تعالى: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً﴾ [آل عمران: ٩٧]. وَلا يُعْتَبَرُ بَقَاؤُهُ فَقِيراً، وَقِيلَ: مَا لَمْ يُؤَدِّ إِلَى ضِيَاعِهِ أَوْ ضَيَاعٍ مَنْ يَقُوتُ يعني: إذا كان معه ما يكفيه لسفره لكنه إن سار بقي فقيراً- لا شيء له ولا لأهله- فالمشهور الوجوب من غير نظر إلى ما يؤول أمره إليه، وأمر أهله؛ لأنه يصدق عليه أنه مستطيع، وهذا قول ابن القاسم في العتبية؛ لأنه سئل عن الرجل تكون له القرية ليس له غيرها، أيبيعها في حجة الإسلام ويترك ولده في الصدقة؟ قال: نعم ذلك عليه. وقيده في البيان بأن لا يخشى عليهم الهلاك، وأما لو خشي عليهم لقَدَّمَهُم قال: وهذا على أنه على الفور، وأما على التراخي، فلا شك في تقديم الولد. والشاذ أنه لا يلزمه للحرج، ولقوله ﵊: "كفى بالمرء إثماً أن يضيع من يقوت". وذكر في البيان: أنه اختلف في الإنسان ليس عنده إلا ما يحج به أو يعطيه لزوجته نفقة، وإن خرج ولم يترك لها نفقة طلقت نفسها على قولين: فإن قلنا الحج على التراخي اعتبر ما ينفقه عليها. وإن قلنا على الفور كان أولى من النفقة؛ لأن نفقة الزوجة لم تتعين، فإن شاءت صبرت وإن شاءت فارقت، وكذلك ذكر التلمساني في الأقارب. وسئل مالك- ﵀ – عن الرجل العزب لا يكون عنده إلا ما يتزوج به أو يحج؟ قال: يحج. ولا شك في هذا القول بأنه على الفور. ابن رشد: وعلى التراخي فالحج أولى، إن تزوج لم يفسخ وكان آثماً على الفور. وهذا كله ما لم يخش العنت، وإن خشي تزوج، قاله مالك في السليمانية. ولا يجوز أن يتزوج الأمة ليوفر المال للحج لوجود الطول.

стр. 985

وَيُعْتَبَرُ الأَمْنُ عَلَى النَّفْسِ وَالْمَالِ وَفِي سُقُوطِهِ بِغَيْرِ الْمُجْحِفِ قَوْلانِ لما ذَكر أن الاستطاعة هي الأمن والإمكان، وتكلم على الإمكان، أخذ يتكلم على الأمن فقال: ويعتبر الأمن على النفس ولا شك في ذلك. وأما المال فإن كان من لصوص فكذلك؛ لأن ذلك يؤدي إلى ضياع النفس من غير فائدة وإن كان من صاحب مكس، فإن كان ما يأخذه غير معين أو معيناً مجحفاً سقط الوجوب، وفي غير المجحف قولان، أظهرهما عدم السقوط وهو قول الأبهري، واختاره ابن العربي وغيره، والآخر حكاه ابن القصار عن بعض الأصحاب، وفي شرح الرسالة لأبي محمد عبد الصادق: وإن كان مع الرجل زاد وراحلة إلا أنه لا يستطيع من لصوص قال مالك: هو عذر بين، ثم رجع بعدما أفتى به زماناً، وقال: الحذر لا ينجي من القدر، ويجب عليه. ابن المواز: لم يقل ذلك مالك إلا في مدينة الرسول ﵇، وأما غيرها من الأمصار فهو مخير ن شاء أجاب أو ترك. انتهى باختصار. ابن عبد السلام: وقد تقدم أنه لا يعتبر بقاؤه فقيراً، وأنه يبيع عروضه، وأنه يترك ولده ي الصدقة، وذلك أنه لا يراعي ما يجحف فضلاً عما لا يجحف. خليل: وقد يفرق بأن في الإعطاء هنا إعانة للظالم على ظلمه وبغيه. وَإذاً تَعَيَّنَ الْبَحْرُ وَجَبَ، إِلا أَنْ يَغْلِبَ الْعَطَبُ أَوْ يَعْلَمَ تَعْطِيلَ الصَّلاةِ بِمَيْدٍ أَوْ ضِيقٍ أَوْ غَيْرِهِ، وَفِيهِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَرْكَبْهُ أَيَرْكَبُ حَيْثُ لا يُصَلِّي؟! وَيْلٌ لِمَنْ تَرَكَ الصَّلاةَ ... يعني: تعيين البحر، إما أن يكون في جزيرة كأهل الأندلس، وإما لتعذر السير في البر لخوف أو غيره. الباجي: وظاهر المذهب وجوبه على من لا سبيل له. وقال القاضي أبو الحسن: إن كان بحراً مأموناً يكثر سلوكه للتجارة وغيرها، فإنه لا يسقط فرض الحج،
следующие страницы →