Полный текст (518 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.
стр. 36
مثل ما أضمروا من بغضي. والعرب تقول: فلان صاحب إزكان. وليس يعنون به صاحب علم، ولكن صاحب حزر. وإنما ذكر ثعلب هذا؛ لأن العامة تقول: زكنت؛ بفتح الكاف في الماضي، وهو خطأ. ويقولون: قد زكن، بالتشديد يزكن تزكيناً، فهو مزكن؛ أي حازر ومخمن.
وأما نهكه المرض، فمعناه: بلغ منه الجهد، وأضعفه وأنحله، ومن ذلك قيل للحية [الكبيرة] نهيك. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: نهكه المرض وغيره، بفتح الهاء، وهو خطأ. ومصدر هذا: النهوكة والنهاكة. وقد نهك فهو منهوك، نهيك، والفاعل ناهك.
وأما قوله: أنهكه السلطان عقوبة فليس من هذا [الباب]؛ لأنه على أفعل بالألف، وليس هذا موضعه، وإن كان معناه راجعاً إلى معنى نهكه المرض، إلا أنه منقول من فاعله إلى فاعل آخر./
وأما قوله: بَرَأت من المرض، فمعناه: أفقت وأبللت وعوفيت، وكذلك هو في لغة من قال برئت، وهو مثل البراء [ومن الذنب] والعيب، وغير ذلك، أي نقيت منه ونقيت. ومصدره من المرض: البرء [ومن] ذلك: البراءة على فعالة، كما قال
стр. 37
الله : (بَرَاءَةٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ). والفاعل من المرض: بارئ. ومن غيره: بريء، على فعيل. وقال أمية بن أبي الصلت:
سلامك ربنا في كل فجر بريئاً ما تغنثك الذموم
وفي الحديث: "أنه قيل لأبي بكر في مرضه: أراك بارئاً، يا خليفة رسول الله". ومنه: التبرؤ من الشيء، وهو الانتفاء منه ولـ[ذلك] قال أبو ذؤيب:
تبرأ من دم القتيل وبزه وقد عقلت دم القتيل إزارها
ويقال: برأت الرجل من حقي، وبرأته مما قيل فيه، فهو مبرأ. ومنه قول الله : (أولئك مبرءون مما يقولون).
وأما قوله: بريت القلم، غير مهموز، فمعناه: قطعته. يقال: بريت القوس والعود أبريه برياً. ويسمى ما يسقط منه البراية، على فعالة والفاعل بار وصانعه البراء.
وأما قوله: دهمتهم الخيل، فمعناه: كثرت [عليهم و] فجئتهم، ولذلك قيل للجمع الكثير: الدهماء. وكذلك الأدهم من الدواب؛ الذي غم شعره كله السواد. والعامة تقول: دهمتهم، بفتح ثاني الماضي، وهو [خطأ]؛ لأنه على معنى غشيتهم
стр. 38
وفجئتهم، والمستقبلُ منه يَدْهَم، فبتح الهاء و [من] السواد يقال ادهامّ/ يدهامّ ادهيماما [ومنه] قول الله : (مُدْهَامَّتَانِ). واللون الدُّهمة.
وأما قوله: شلت يده، فمعناه: يبست يده ورجله، أو غير ذلك. وأصله: شَلِلت، على فَعِلت، بكسر الثاني، ولكن قد أسكن وأدغم. ومستقبله تشل، بفتح الشين شللاً، فهي شلاء، ورجل أشل وامرأة شلاء. والعامة تقول: شلت يده، بضم الشين؛ يظنون أنه بمعنى قطعت، وهو خطأ. وقوله: لا تشلل يدك: دعاء له بالسلامة من الشلل. ويروى هذا البيت لشريح القاضي:
رأيت رجالاً يضربون نساءهم فشلت يمني يوم أضرب زينبا
وأما قوله: نفد الشيء ينفد؛ فمعناه: فني يفنى؛ ولذلك جاء على مثاله. وقال الله : (قُل لَّوْ كَانَ البَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ البَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي). وقال [تعالى]: (مَا عِندَكُمْ يَنفَدُ ومَا عِندَ اللَّهِ بَاقٍ). ومصدره: النفاد، على فعال، والنفود، على فعول. والفاعل: نافد.
وأما قوله: بررت والدي أبره، وبررت في حديثي [ويميني] فهما في معنى صدق المودة والطاعة، وكلاهما مكسور الماضي [وأصلـ] هما ألا يتعديا إلا بحرف جر، إلا أن يكثر استعمال أحدهما، فيحذف منه الجار، ويعدى بنفسه كقولهم: بررت في يميني ومودتي. فأما بررت والدي، فكان أصله: بررت بوالدي، ولذلك يقال: هو بار بوالديه، وفي كتاب الله (وبَرًا بِوَالِدَتِي). والمستقبل منهما لا يكون إلا بالفتح. والفاعل منهما: بار، على فاعل، وبر. ومصدره: البِر، مكسور/ الأول، والمبرة. والعامة تفتح الماضي منهما، ولذلك ذكرهما.
стр. 39
وأما جشمت الأمر، فبمعنى كلفته أو تكلفته، وماضيه مكسور والعامة تفتحه؛ فلذلك ذكره. والمستقبل منه: يجشم، بالفتح. وفاعله: جاشم. وهو متعد، وقال الأعشى:
وفي كل عام أنت جائم غزوة تشد لأقصاها عزيم عزائكا
ويقال منه أيضاً: تجشمت هذا الأمر أتجشمه تجشماً؛ أي تكلفته تكلفاً، وجشمني غيري وأجشمني إجشاماً وتجشيماً، فجشمته جشماً وجشامة، وهو احتمال الثقل، مأخوذ من: جشم البعير، وهو ما يغشى به القرن من خلقه، يقال: غشيه بجشمه، وقال الأعشى:
وللحرب يجشمه من جشم
وأما قوله: سفد الطائر فهو للطائر وغيره، ويكنى به أيضاً عن جماع الرجل، فيقال: سفدها، بكسر الماضي، ومستقبله بفتح الفاء يسفد، فه سافد. والمصدر: السفد ويقال: تسافدا. والسفاد مصدر سافدها. ومنه أُخذ السَّفُّود ذو الشوك من الحديد؛ لأنه يعلق بما يشوى عليه، كما يعلق السافد. وهو كلام معروف. والعامة تقول: سفَد يسفِد، بفتح الماضي، وكسر المستقبل، على وزن ينكح.
وأما قوله: فجئني الأمر، فبمعنى بغتني؛ أي طرقني بغتة. وفجاءةً. ومصدره: الفجء والفجأة والفجاءة. مستقبله يفجأ، بفتح الجيم. والفاعل: فاجئ. وهو مشهور معروف. والعامة تفتح الماضي منه. ويقال أيضاً: فاجأته، على فاعلته أفاجئه مفاجأة/.
فهذا آخر الباب الثاني.
стр. 40
تصحيح الباب الثالث
وهو باب فعلت بغير ألف
اعلم أن هذا الباب والبابين الأولين صنف واحد؛ لأنهما جميعاً بغير ألف. ولم يجب أن يفرده ويكثر به الأبواب. وكأنه قصد إلى كلمات تزيد العامة في أوائلها الألف خطأ منها؛ فلذلك جعل له باباً على حدته؛ لأن العامة تغلط بإدخال الألف في ماضي هذا الباب، كما تغلط في الحروف والحركات في ماضي البابين الأولين ومستقبلهما. وقد غلط ثعلب في وضعه قولهم: هرقت الماء، في هذا الباب؛ لأنه قد ترجمه؛ بباب فعلت بغير ألف. وإنما هرقت من باب أفعلت بالألف عند جميع النحويين، وإنما هذه الهاء التي في هرقت بدل من الألف التي تكون في أفعلت؛ لأن أصل هرقت: أرقت. وهو فعل معتل العين من الواو، واصله: أروقت؛ لأنه من قولنا: راق الماء يروق، وأروقته أنا، ولكنه لما اعتلت الواو في راق يروق وجب أن يعتل في الرباعي أيضاً، فصارت ألفاً، وانتقلت فتحتها إلى الراء، فصارت أراق، فلما كانت هذه الكلمة مما يكثر استعماله في الكلام، استثقلت الهمزة في أولها، فأبدلت منها الهاء؛ لأنها ألين، كما قالوا: هياك في إياك، ولهنك، في لإنك. وهذه الهمزة التي في أراق تسقط في ماضيه، لئلا يجتمع همزتان، فيقال: أنا أريق، وأصله أؤريق؛ فمن العرب من يزيد بين حرف المضارعة، وبين الراء هاء ساكنة، عوضاً من/ الهمزة التي تسقط، لأن الهاء ليست تستثقل مع الهمزة، فيقولون: أنا أهريق. وزعم سيبويه أن هذه الهاء عوض من ذهاب حركة العين المعتلة. وإنما قال ذلك؛ لأنهم زادوا هاء في الماضي أيضاً، فقالوا: أهراق. ولم تحذف من الماضي همزة، فتكون عوضاً منها، فلما جرى ذلك في الماضي والمستقبل، جعل علتهما واحدة، وشبهها بالسين التي تزاد في قولهم: اسطاع يُسْطِيع، وإنما هي: أطاع يطيع. فمن العرب من يقول في المستقبل: يهريق، فيفتح الهاء،
стр. 41
على فتحة الهمزة التي حذفها؛ لأنها مفتوحة. ومنهم من يسكنها فيقول: يهريق؛ لمن حركها فلا شك في أنه جعل الهاء عوضاً من الهمزة. ومن أسكنها فإنها على ما قال سيبويه. وأما الهاء التي في الفعل الماضي، فلا يحركونها مع الهمزة في قولهم: أهراق؛ لأنها ليست ببدل من الهمزة. ومن جعل الهاء في هراق بدلاً من الهمزة التي في أراق أبلدها أيضاً في الأمر منها، فقال: هَرِّق، كما قال الراجز:
يا أيها الكاسر عين الأغضن والقائل الأقوال ما لم يلقني
هرق على جمرك أو تبين
فتوهم ثعلب أن هاء هرقت، وهاء هرق، في الأمر، من نفس الكلمة، فأدخل هرقت في باب فَعَلْت؛ بغير ألف، وهو خطأ.
وأما قوله في رعد وبرق في باب فعلت، أنه يقال فيه أيضاً: أرعد وأبرق؛ فإن لكل واحد من هذين معنى يخصه، ولا يكون فعل وأفعل بمعنى واحد، كما لم يكونا على بناء واحد،/ إلا أن يجيء ذلك في لغتين مختلفتين؛ فأما من لغة واحدة، فمحال أن يختلف اللفظان، والمعنى واحد، كما يظن كثير من النحويين واللغويين. وإنما سمعوا العرب تتكلم بذلك، على طباعها، وما في نفوسها؛ من معانيها المختفة، وعلى ما جرت به عاداتها وتعارفها، ولم يعرف السامعون تلك العلة فيه والفروق فظنوا أنهما بمعنى واحد، وتأولوا على العرب هذا التأويل من ذات أنفسهم؛ فإن كانوا قد صدقوا في رواية ذلك عن العرب؛ فقد أخطئوا عليهم في تأولهم ما لا يجوز في الحكمة, وليس يجيء شيء من هذا الباب، إلا على لغتين متباينتين كما بينا، أو يكون على معنيين مختلفين، أو تشبيه شيء بشيء، على ما شرحناه في كتابنا الذي ألفناه في افتراق معنى فعل وأفعل، ومن هناك يجب أن يتعرف ذلك.
وكذلك قوله: وقفت الدابة، ووقفت وقفاً للمساكين، ووقفت أنا، لا يجوز أن يكون الفعل اللازم من هذا النحو والمجاوز على لفظ واحد، في النظر والقياس؛ لما في ذلك من
стр. 42
الإلباس، وليس إدخال الإلباس في الكلام من الحكمة والصواب. وواضع اللغة- حكيم عليم. وإنما اللغة موضوعة للإبانة عن المعاني، فلو جاز وضع لفظ واحد، للدلالة على معنيين مختلفين، أو أحدهما ضد للآخر، لما كان في ذلك إبانة، بل كان تعمية وتغطية. ولكن قد يجيء الشيء النادر من هذا لعلل؛ كما يجيء فعل وأفعل، فيتوهم من لا يعرف العلل، أنهما لمعنيين مختلفين، وإن اتفق اللفظان. فالسماع في ذلك صحيح عن العرب، والتأويل عليهم خطأ، وإنما يجيء/ ذلك في لغتين متباينتين، أو لحذف واختصار، وقع في الكلام، حتى اشتبه اللفظان، وخفي سبب ذلك على السامع، فتأول فيه الخطأ؛ وذلك أن الفعل الذي لا يتعدى فاعله، إذا احتيج إلى تعديته، لم يجز تعديته على لفظه الذي هو عليه، حتى يغير إلى لفظ آخر؛ إما بان تزاد في أوله الهمزة، التي تدخل لنقل الفعل، على فَعُل، فيجعل على: أفْعَل، نحو: كرُم وأكرَمَ، وحسُن وأحسَن. وإما بأن يوصل به حرف جر بعد تمامه مثل ذهب وذهب بغيره، وقم وقام بآخر، ونحو ذلك؛ ليستدل السامع على اختلاف المعنيين باختلاف اللفظين؛ إلا أنه ربما كثر استعمال بعض هذا الباب في كلام العرب، حتى يحاولوا تخفيفه، فيحذفوا حرف الجر منه كقولهم: كلته ووزنته؛ أي كلت له، ووزنت له، وأشباه ذلك، فيعرف بطول العادة، وكثرة الاستعمال، وينوب المفعول وإعرابه فيه عن الجار المحذوف. أو يشبه الفعل بفعل آخر، متعد على غير لفظه، فيجرى مجاره؛ لاتفاقهما في المعنى، كقولهم: حبست الدابة، وحبست مالاً على المساكين.
ومما يدل على أن الأصل في "وقفت" ما ذكرنا؛ أنهم يقولون: ما أوقفك ههنا؟، بالألف، ويجدونه أحسن وأفصح عندهم من قولهم: ما وقفك ههنا؟ وهو أكثر استعمالاً منه. والأصل في "وقفت" أن يكون غير متعد بنفسه إلى مفعول مثل: ثبت ولبثت، وألا يعدى إلا بزيادة قبله أو بعده، أو غير ذلك فيقال: أوقفته، أو وقفت به، أو وقَّفته، بالتشديد؛ ثم يجوز حذف الجار بعد ذلك، لما ذكرنا؛/ من وجوب التخفيف؛ لكثرة الاستعمال، وطول معرفته واعتياده، كما قال الله : (ولَوْ تَرَى إذْ وقِفُوا عَلَى النَّارِ) وقوله [تعالى]: (وَلَوْ تَرَى إذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِندَ رَبِّهِمْ)؛ لأنه بمعنى حبسوا أو محبوسون.
стр. 43
وكذلك قولهم: حزنني الأمر وأحزنني. وقد استقصينا شرح ذلك كله في "كتاب فعلت وأفعلت" بحججه، ورواية أقاويل العلماء فيه، وذكر علله، والقياس فيه.
فهذه علل هذا المثال، في هذا الباب، وأما تفسير الغريب والمعاني من هذا الباب، فإنا ذاكروه، إن شاء الله:
فمن ذلك قوله: تقول شملت الريح من الشمال، وجنبت، من الجنوب، ودبرت، من الدبور، وصبت، من الصبا، بغير ألف، فإن هذه الرياح الأربع، من أربع نواحي العالم؛ كل واحدة منها تهب من ناحية منها؛ فالشمال: هي التي تهب من يسار باب الكعبة، وهي الباردة، التي تقشع السحاب. ويقال لها: شمال، بألف، وشمأل، بهمزة، وشَمَل، بلا زيادة، وشامل، غير مهمور، وشأمل، مهموز، كل ذلك قد تكلموا به؛ لمعان يطول شرحها. والجنوب: التي تهب من يمين بابها، مقابلة للشمال، وهي دفيئة، تجمع السحاب، وتسوقها، وتأتي بالمطر. والصبا: التي تهب من مطلع الشمس، وفيها لين وندى، ولها نسيم وروح وتشويق إلى الأوطان والأحباب، وجلاء للهم، كما قال الشاعر:
ألا يا صبا نجد متى هجت من نجد فقد زاداني مسراك وجداً على وجد
وقال الآخر:/
أي جبلي نعمان بالله خليا سبيل الصبا يخلص إلى نسيمها
فغن الصبا ريح إذا ما تنسمت على نفس محزون تجلت غمومها
أجد بردها أو تشف مني حرارة على كبد لم يبق إلا صميمها
стр. 44
وأما الدبور: فالتي تهب من دبر الكعبة، مقابلة للصبا، وفيها خشونة وشدة، وهي تمحو السحاب، وتثير العجاج. وقد أكثر الشعراء ذكر هذه الأرواح؛ فقال امرؤ القيس:
فتوضح فالمقراة لم يعف رسمها لما نسجتها من جنوب وشمأل
وقال الأعشى:
دمنة قفرة تعاورها الصيـ ـف بريحين من صبا وشمال
وقال امرؤ القيس:
نسيم الصبا جاءت بريا القرنفل
وقال رسول الله صلى الله عليه: "نصرت بالصبا، وأهلكت عاد بالدبور".
وإنما ذكر ثعلب ذلك؛ لأن العامة تقول كل هذا بألف، فتقول: أشملت وأجنبت والعرب لا تقول ذلك؛ لأنها تريد أن الريح هبت من ناحية الشمال، وناحية الجنوب وناحية القبل وناحية الدبر، كما تقول: رأست فلاناً، وظهرته، وبطنته، إذا أصبت رأسه أوظهره أو بطنه. ولا يجوز إدخال الألف في شيء من هذه الأربع، إلا أن يجعل الفعل لله ، أو لشيء غير الريح، تجعل الرياح/مفعولة، فيقال: أشمل الله الريح، وأجنبها، وأصباها، وأدبرها بالألف لا غير.
والعرب تقول: هبت شمالاً، وهبت جنوباً، تريد: هبت الريح شمالاً، وهبت الريح جنوباً. وتقوله بالرفع أيضاً: هبت شمال، وهبت جنوب؛ إذا جعلت الفعل للشمال وللجنوب، ولم تجعله للريح، وقال جرير:
هبت جنوباً لذكرى ما ذكرتكم عند الصفاة التي شرقي حوارنا
стр. 45
وقال عبد بن الحسحاس:
وهبت شمالاً آخر الليل قرة ولا ثوب إلا درعها وردائيا
فإن قيل: أشملت وأجنبت، على هذا المعنى، وأضمر للفعل فاعل جاز.
وأما قوله: خسأت الكلب؛ فمعناه: طردته، وأبعدته، وأفردته، وذلك أن يقول له: اخسأ، أي ابعد؛ لأنه يقال: قد خسأ الكلب نفسه، غير متعد. وإنما كان الأصل في ذلك أن يقال: خسأت بالكلب، فيعدى بالباء، أو يقال: أخسأته، فيعدى بالهمزة. فحذف ذلك اختصاراً أو تخفيفاً؛ لكثرة استعماله، وزوال اللبس عنه، بمعرفة معناه, وأنه بمنزلة طردته. أو يقال: خسأته فخسئ، أو فانخسأ؛ لأنه بمعنى الانفعال والمطاوعة، وهو نظير قولك: أبعدته فبعد، وزجرته فانزجر. وأصله ألا يتعدى، كما قال الله : (قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا ولا تُكَلِّمُونِ) وقال تعالى: (كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) وقال [تعالى]: (يَنقَلِبْ إلَيْكَ البَصَرُ خَاسِئًا وهُوَ حَسِيرٌ). وقد مضى هذا الضرب بشرحه.
وأما قوله: فلج الرجل/ على خصمه، فمعناه: ظهر عليه بالحجة، فهو يفلج فلجاً، بضم الفاء، وتسكين اللام. ويقال أيضاً: فلجا، بفتح الفاء واللام جميعاً، وكلاهما اسم موضوع موضع المصدر. وإنما المصدر في مثل هذا الفعل: الفلج، بفتح الفاء وسكون اللام، أو الفلوج، على فعول، مثل: الدخول والخروج، ولكن لما كان بمعنى النُّجح، والظفر استعمل على وزنهما، وهو فعل لا يتعدى إلا بحرف الجر، فإن جعلتَ فاعله مفعولاً، نقلت الفعل إليه بالهمزة فقلت: أفلجته على خصمه إفلاجاً، أو فلجت به فلجاً، فعديته بالباء.
стр. 46
وأما قوله مذى الرجل يمذي؛ فمعناه: خرج من ذكره المذي؛ وهو ماء أرق من المني، ولا لذة له عند خروجه. ومنه قيل للعسل، الذي فيه رقة: الماذي. واسم ذلك الماء: المذْي بسكون الذال، كأنه سمى بمصدره؛ لأنه يقال: مذى يمذي مذيا. وإنما يخرج ذلك الماء عند ملاعبة النساء، أو ذكر الجماع. والعامة تقول: أمذى الرجل، بالألف، وليس ذلك بخطأ، ولكنها لغة للعرب، على ما وصفنا؛ من شرح فَعَل وأفعل، أنهما لا يجيئان بمعنى واحد، ولكن بمعنيين مختلفين، أو يكونان لغتين متباينتين.
وأما قوله: رعبت الرجل أرعبه؛ فمعناه: أفزعته، وهو فعلت من الرعب، وهو الفزع. والعامة تقول: أرعبته، بألف، على مثال أفزعته. وقولهم للمفعول: مرعوب، يدل على أن فعله رعبت، بغير ألف، ولو كان بألف كان مفعوله مرعباً، على بناء مفعل. وإنما انفتح المستقبل منه من أجل أن ثانيه من حروف الحلق، ولولا ذلك/ لكان مكسوراً، أو مضموماً، كما شرحنا.
وأما قوله: رعدت السماء، من الرعد، وبرقت، من البرق. وكذلك قوله: رعد الرجل وبرق، إذا أوعد وتهدد، قال: وقد يقال: أرعد وأبرق؛ فإن معنى الرعد معروف؛ وهو صوت الريح في السحاب؛ سمي بذلك؛ لما فيه من الرعدة. وفي الحديث: "أنه صوت ملك، يسوق السحاب، ويزجره". ومعنى البرق: الضوء اللامع، وهو البريق من كل مضيء، كالمرآة والسيف، والعقيقة، والشمس والنار، ونحو ذلك من الأشياء البراقة. يقال في كل شيء مضيء لمع، قد برَقَ وهو يبرق برقا، حتى الثريدة، إذا جعل فيها الزيت، يقال: برقتها. ومنه قولهم: برَّق عينه، إذا فتحها جداً ولمعها، فهو يبرقها تبريقاً. ومنه سمي البراق، الذي تركبه الأنبياء، صلوات الله عليهم. وكذلك كل شيء كان منه صوت شديد مرتعد، يقال منه: رَعَد وتَرَعّد، ولذلك سميت السحابة: راعدة وبارقة، وقيل في مثل لهم: "رب صلف تحت الراعدة" فهذا على ميزان فعل، بغير ألف. فإن أردت
стр. 47
أن شيئاً قد أظهر صوت الرعد، أو بريق البرق، أو غيره، فحقه وقياسه أن يقال: أرعد وأبرق، بألف، كما يقال: سقى وأسقى، بمعنيين مختلفين. وقد بينا ذلك في كتاب "الفرق بين فَعَل وأفْعَل". ولا يكون معنى رعد وأرعد واحداً، ولا معنى برق وأبرق واحداً، إلا أن يكون ذلك في لغتين متباينتين، ولذلك قال الكميت:
أرعد وأبرق يا يزيـ ـد فما وعيدك لي بضائر/
لأنه إنما أراد: أظهر صوتاً وبريقاً، فهددني بهما وأوعدني، فلذلك صار على بناء أوعد، لأن "يزيد" الذي خاطبه رجل؛ فلا رعد فيه ولا برق. وإنما كنى بهما عن الوعيد، وشبهه بهما. وإنما الرعد والبرق للسحاب، فمن أراد في السحاب مثل هذا المعنى لم يقله إلا بالألف أيضاً، على مثال أظهر؛ إلا أن يشبه الشاعر الموعد المتهدد بالسحاب، إذا بشر بالمطر، فيستعير له مثل فعل السحاب، فيقول: رعد وبرق، وليس ذلك بمنكر، في الشعر؛ لأن الاستعارة في الكلام من مذهب الشعراء والخطباء وغيرهم، إذا أرادوا المبالغة في المعنى. وكان الأصمعي لا يجيزه من السحاب، ولا من الوعيد بالألف؛ وذلك لأن الأصمعي صاحب رواية وسماع، وليس بصاحب قياس ونظر. وكان يخطّئ الكميت في هذا البيت ولا يحتاج بشعره، من أجل أنه قروي، متأدب كاتب. وليس ذلك مما يسقط به الشاعر وقد كان المرقش كاتباً، وعدي بن زيد كاتباً متأدباً، وأمية بن أبي الصلت كاتباً عالماً، وقس بن ساعدة كذلك، وليس في أشعارهم مطعن لأحد، وكان أبو الأسود الدؤلي كاتباً أديباً عالماً، وهو أمام النحويين في النحو، وأشعاره حجج لازمة. وكان علي ابن أبي طالب- ﵇ كاتباً عالماً، وشعره أقوى حجة. وإنما انحرف الأصمعي عن
стр. 48
الكميت؛ لمذهبه، لا لأدبه. وقد روت العرب عامة في باديتها شعراً لامرئ القيس، تزعم أنه أجاب به "عمراً الحني" حين سأله أن يقول بيتاً فيه سبع عينات، وبيتاً فيه سبع قافات، فقال:
فأرعد رعد الراعدات وأرعدت رواعد رعد رعدهن قصوف
وأبرق برق البارقات وأبرقت بوارق [برق] برقهن خطوف
فأتى بالألف في: أرعد وأبرق، وهو سيد الشعراء، ولم ينكره أحد من العرب عليه.
وأما قوله: هَرِّق ماءك، فمعناه: اصبب ماءك. وقد بينا علته في أول الباب، وبينا أنه ليس من هذا الباب، إنما هو من باب أفعل، بالألف لا غير. فإن كانت الهاء قد أبدلت فيه من همزة أفعل، يقال: راق الماء، وغيره، إذا انصب، يروق رءوقاً، فهو رائق، ولا يقال ذلك إلا إذا كان صافياً خالصاً، من غيره. أرقته أنا أريقه إراقة؛ أي صببته، فأنا مريق، وهو مراق. وهو عام في كل شيء مثله، كالدمع والمطر والخمر والدم وغيره. ومنه قيل: روقت الشراب ترويقاً، إذا صفيته من كدره، وخلصته، مما خالطه، حتى يروق ويصفو. ومنه قولهم: جاء فلان رائقاً، إذا رجع من حاجته فارغاً. ومنه: رَيِّق المطر، وهو ما صفا ورقّ.
وأما قوله: صرفت الصبيان، فمعناه سرحتهم من الكتاب، وكذلك صرفت الرسول والفيح؛ إذا رددته إلى موضعه، الذي جاء منه. وكذلك قوله: صرف الله عنك الأذى. والعامة تقول: أصرفت الصبيان، وأصرف الله عنك الأذى، بالألف، وهو خطأ. ويدل على ذلك أن فاعله: صارف، ومفعوله: مصروف، ومصدره: الصرف، ومستقبله: يصرف،/ بفتح الياء.
وأما قوله: قلبت القوم، فمعناه كمعنى صرفتهم، أي رددتهم. وكذلك تقول: قلبت الصبيان من المكتب، فانقلبوا، كما تقول: صرفتهم فانصرفوا. وقال الله : (وإذَا
стр. 49
انقَلَبُوا إلَى أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ)، وقال [تعالى]: (فَانقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وفَضْلٍ). والعامة تقول: أقلبت الصبيان، وأقلبت القوم، والثوب ونحو ذلك، بالألف، وهو خطأ؛ لأن فاعله قالب، ومفعوله: مقلوب، ومصدره: القلب، ومستقبله: يقلب، بفتح حرف المضارعة. ومعنى قلبت الثوب: جعلت أعلاه أسفله. وقلبته تقليباً، إذا فعلت ذلك به مراراً وفتشته، وكذلك كل شيء فعلت به ذلك. فإن أردت نقل الفعل من فاعله، إلى آخر، بالألف أو بحرف جر، جاز وتعدى حينئذ إلى مفعولين، كقولك: أقلبت المؤدب الصبيان وأصرفته إياهم؛ إذا أمرته بقلبهم وبصرفهم إلى منازلهم. وقلبت بهم وصرفت بهم، وأقلبت التاجر الثوب، إذا أمرته بقلبه، وقلب المجنون عينه، إذا رد أعلاها إلى أسفلها.
قال الراجز:
قالب حملاقيه قد كاد يجن
ومن هذا سمي قالب الخف، وقالب التكة، وقالب الزجاج، وغير ذلك. وكل ما قلب به شيء فهو قالب، وإنمات هو مقلوب به، ولكنه جعل الفعل له على المبالغة، فقيل له قالب لذلك.
وأما قوله: وقفت الدابة أقفها، فمعناه: حبست الدابة عن السير. وكذلك وقفت وقفاً للمساكين؛ / أي حبسته عليهم. وكذلك وقفت أنا؛ أي أحتبست عن الشيء أو المضي، وثبت في مكاني قائماً. واسم فاعله: واقف، ومفعوله: موقوف، ومصدر ما لا يتعدى منه: الوقوف، ومصدر المتعدي: الوقف. وقد مضى ذكر علة ذلك وقياسه.
وأما قوله: مهرت المرأة، من المهر، فمعناه: جعلت لها مهراً، أو سميت لها مهراً، وهو الصداق. والعامة تقول: أمهرت المرأة، بألف، وللعرب فيه لغتان مرويتان: مهرت، على فعلت، وأمهرت، على أفعلت؛ فالذين قالوا: مهرت، على فعلت، بغير ألف،
стр. 50
كأنهم جاءوا به، على نكحت المرأة؛ لأن المهر من النكاح وسببه، وبه ينعقد، كما قال الأعشى:
ومنكوحة غير ممهورة وأخرى يقال لها فادها
فقال: ممهورة، كما قال منكوحة. والذين قالوا: أمهرت، بالألف؛ كأنهم جاءوا به على لفظ قولهم: اصدقت المرأة؛ لأن المهر هو الصداق بعينه، وكأن معنى أمهرتها: دفعت إليها مهراً، وملكتها أياه. ومعنى مهرت: سميت لها مهراً، كما كان بين سقى وأسقى فرق. وأكثر اللغتين استعمالاً بغير الف. ولذلك قالوا في مثل من أمثالهم: "كالممهورة إحدى خدمتيها"، فأتوا به على: مفعولة. ولذلك سموا الحرائر: المهيرات؛ لأنهن ينكحن بالمهور، والإماء يشترين، ولذلك سمي المُهر والمُهرة؛ لأنهما ولدا الفرس؛ فشبها بالحرائر، لفضلهما على أورد الحمير والبراذين والبغال، وقال الشاعر:
وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تجللها بغل
فإن نُبِحَت مهراً كريماً فبالحرى وإن يك إقراف فمن قبل الفحل
وأما قوله: علفت الدابة، فمعناه: أطعمتها العلف، وهو التبن والقت ونحو ذلك. والعامة تقول: أعلفت، يشبهونه بأطعمت، وهو خطأ؛ لأن مستقبله: يعلف، بفتح الأول، ومفعوله: معلوف، وعليف. وفاعله: عالف، وعلاف. ومصدره: العلْف. واسم ما يعتلف: العلف، وجمعه: العلوفة. يقال: علفت الدابة والحمام والدجاج ونحوها، فاعتلفت. ويقال للإنسان الأكول: اعتلف فهو معتلف.
стр. 51
وأما قوله: زررت عليّ قميصي، فمعناه: شددت زره بعروته. وقوله: ازرر عليك قميصك، أمر بذلك، بغير ألف. والعامة تقول: ازررت القميص، بالألف، وهو خطأ؛ لأن مفعوله: مزرور، ومصدره الزر، ومستقبله بفتح حروف المضارعة، وضم الثالث، أو كسره، ولكن يجوز إذا أردت أنك جعلت للقميص أزراراً أن تقول: أزررت القميص إزراراً، فأنا مُزِرّ وهو مُزَرّ والزر والعروة معروفان؛ فلذلك لم يفسرهما. وأما قوله في الأمر: زُرَّه وزرُّه وزُرِّه، مثل مدَّ ومدُّ ومدِّ؛ فإن الفعل الثلاثي المضاعف، إذا كان ثانيه في المستقبل مضموماً، مثل يمد ويرد، فإن الأمر منه يجوز فيه ثلاث لغات: إحداها أن تقول: مد يا هذا. ورد، بفتح المدغم؛ لئلا يجتمع ساكنان، ولأن الفتح/ أخف الحركات. وأن تقول: مُدُّ ورُدُّ؛ فتضم المدغم، على ضمة ما قبله؛ لتتبع الضمة الضمة، فتكون الحركتان من جهة واحدة. وأن تقول: مُدِّ ورُدِّ؛ فتكسر المدغم؛ لأن الكسر هو حركة الساكنين إذا اجتمعا في الأصل. وهذا أضعف الأوجه الثلاثة؛ لأن المدغم ثقيل، يهرب من كسره إلى الفتح؛ إلا أن تتبع حركة حركة، فلذلك أتي في زُرَّ ثلاث لغات. ولم يكن هذا من هذا الباب في شيء، ولكنا فسرناه لذكره إياه فيه.
وأما قوله: نشدتك الله أنشدك، فمعناه: سألتك بالله، أو أنا أسألك، ويدل على ذلك قولهم: نشدت الضالة، إذا سألوا عنها بغير إلف. ومستقبله: أنشد، بضم الشين. وفاعله: ناشِد. ومصدره: النِشدة، في هذا المعنى خاصة ويروي أن رجلاً نشد ضالته في مسجد رسول الله صلى الله عليه ورفع صوته فقال له النبي صلى الله عليه: "أيها الناشد، غيرك الواجد". فهذا كله يدل على أن نشدت الضالة، بغير ألف. والعامة تقول: أنشدت بالألف، وهو خطأ. إنما يجوز ذلك في إنشاد الشعر، وفي تعريف الضالة
стр. 52
لا في طلبها، يقال للدال عليها: أنشد وهو منشد للضافة، وكذلك إنشاد الشعر. إنما يقال فيه أنشد؛ لأنه تعريف أخبار وقصص ومعان.
وأما قوله: حُش على الصيد، فعناه: اجمعه، يقال منه: قد حاشه يحوشه حوشاً، فالفعال: حائش. والمفعول به: محوش: فلذلك كان بلا ألف. والعامة تقوله بالألف: أحاشه، وهو خطأ.
وأما قوله: نبذت/ النبيذ، فمعناه: اتخذته وعملته. وأصله: النبذ؛ وهو الطرح والإلقاء. ومنه قول الله : (فَنَبَذُوهُ ورَاءَ ظُهُورِهِمْ). أي طرحوه. وقال [تعالى]: (فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ). وقال أبو الأسود:
نظرت إلى عنوانه فنبذته كنبذك نعلاً أخلقت من نعالكا
أي طرحته، ورميت به. وذلك أن صانع النبيذ ينبذ زبيبه أو تمره أو غيرهما في الإناء، أو القدر، وينبذ عصير ذلك: إذا طبخه أو أنقعه في وعاء به. إذا أراد اتخاذه؛ بغير ألف. ومستقبله: ينبذ، بفتح حرف المضارعة. واسم فاعله: نابذ. والمفعول: منبوذ، على وزن مفعول، ونبيذ، على وزن فعيل، مثل: مطروح وطريح. وصانعه: نباذ، كما يقال من ضرب: ضراب، ومن قتل: قتال، ولهذا قيل لولد الزانية الملقى في الطريق: منبوذ؛ لأنه ينبذ. والعامة تقول: أنبذت النبيذ، بالألف، وهو خطأ.
وأما قولهم: رهنت الرهن، فعناه: أثبته عند المرتهن، ووضعته. وفيه لغتان، إحداهما بغير ألف، وهو أشهر وأكثر استعمالاً؛ والحجة فيه قولهم للمفعول: مرهون. وفي المصدر: رهن. وفي المستقبل منه: يرهن، بفتح الياء. والأخرى: أرهنته، بألف. والعامة مولعة بها؛ لا تعرف غيرها. وقولهم أقيس، وإن كان أقل استعمالاً؛ لأن الراهن المقيم، والرهن نفسه راهن، لأنه مقيم، فلا يجب أن يكون فعله وفعل من يودعه ويصنعه/
стр. 53
على لفظ واحد. وإنما قياسه أن/ ينقل عنه فعله إلى غيره بألف أو حرف جر، على ما بينا. ومما يقوي سقوط الألف منه قولهم: رهين ورهينة ورهائن ورهن، إلا أن القياس ما قدمنا، ويشهد له قول الشاعر:
فلما خشيت أظافيره نجوت وأرهنتهم مالكا
وقول الآخر:
عيدية أرهنت فيها الدنانير
وأما قوله: خصيت الفحل، فمعناه: سللت خصيته أو رضختها ونحو ذلك، وهو شيء معروف في الناس والبهائم. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أخصيت الفحل، بألف، وهو خطأ. وبيان ذلك في قولهم للمفعول: مخصي وخصي. وقولهم في المضارع: يخصيه، بفتح أوله، وفي الفاعل: خاص، ولا يقال له: مخص، ولا للمفعول.
وقال الشاعر:
تخاله إذا مشى خصيا من طول ما قد حالف الكرسيا
стр. 54
وقال الفرزدق:
يفيش ابن حمراء العجان كأنه خصي براذين تقاعس في الوحل
فأما قوله: برئت إليك من الخصاء، فإنه مصدر على: فعال، بمنزلة ما كان من عيوب الدواب؛ كالعثار والنفاء والشماس والحران والجماح، ولذلك يتبرأ منه البائع إلى المبتاع.
وفي الحديث: أنه نهى عن الخصاء.
وأما قوله:/نعشته، فأنا أنعشه؛ فمعناه: رفعته من صرعته، وذلك إذا صرع ببدنه، فوقع على الأرض، أو سقط جاهه، أو ظلمه ظالم فنصرته، أو عثر فأخذت بيده أو زل في كلامه فأعنته، أو افتقرا فأغنيته أو آسيته، ففي كل ذلك قد نعشته أي رفعته، وأنت ناعشه، وهو منعوش نعشا. ومستقبل فعله: أنعشه، بفتح حرف المضارعة، وكل ذلك دليل على أن نعشته، بغير ألف. والعامة تقوله بالألف أنعشته وهو خطأ، ومنه قول الشاعر:
إذا ما نغشناه على الرحل ينثني مساليه عنه من وراء ومقدم
ولهذا سمي سرير الميت: نعشاً؛ لأنه يرفع عليه.
وأما قوله: حرمت الرجل عطاءه، فمعناه: منعته، مأخوذ من الحرمان. يقال ذلك بغير ألف. والعامة تقول: أحرمته بألف. وقد رويت فيه لغتان؛ وأكثرهما حذف الألف. ومنه قول الله : (لِّلسَّائِلِ والْمَحْرُومِ). فالمحروم على بناء مفعول، ولا يكون كذلك من أحرمت بالألف. والحرمان أيضاً مصدر على فِعلان. ولا يكون ذلك من أحرمت. وقد قال الشاعر للضرورة:
стр. 55
ونبئتُها أحرَمَتْ قومَها لتنكح في معشرٍ آخرينا
هكذا الرواية. فلو قال: حرمت بغير ألف لكان البيت مستقيماً، وإن كان فيه زحاف.
وأما قوله: حللت من إحرامي، فمعناه صرت حلالاً، وهو الذي خرج من إحرام الحج فحل له كل شيء. والعامة تقول فيه:/أحللت من إحرامي، بألف، كما تقول أحرمت للحج، بألف، وهي لغة مروية عن العرب، ويحتج في ذلك بقول زهير:
تتركن القنان عن يمين وحزنه ومن بالقنان من محل ومحرم
وقد اختلف في تفسير هذا البيت؛ فزعم قوم أن المحل الذي لا يرى للحرم حرمة، فمن قال: حللت، فإنما بناه على بناء ضده، وهو قولهم: منعت. وحجته قول الله : (لا هُنَّ حِلٌّ لَّهُمْ ولا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ)، بفتح الياء. ومن قال أحللت فعلى معنى أبحت.
وأما قوله: حزنني الأمر يحزنني، فالعامة تقوله بألف: أحزنني، وهو لي محزن. ولا تكاد العرب تقول الفاعل منه: حازن. وهما لغتان معروفتان قد تداخلتا؛ ويقولون للمفعول: هو حزين ومحزون، وهو على معنى فاعل ومفعول. ولا يكادون يقولون للمفعول: مُحزَن. وزعم الخليل أنهما لغتان، وأنهم إذا أظهروا الصوت أو الأمر قالوا:
стр. 56
أحزنني الأمر، وأحزنني الصوت ونحو ذلك بالألف. وإذا لم يظهروا ذلك قالوا: حزنني، بغير ألف. وقال الله : (إنِّي لَيَحْزُنُنِي أَن تَذْهَبُوا بِهِ) ومعناه: يغمني ويكربني. وأما قوله [تعالى]: (ابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الحُزْنِ) فمعناه من البكاء. وقوله [تعالى]: (إنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وحُزْنِي إلَى اللَّهِ) أي غمي وكربي. وحزانة الرجل: من يهتم بأمره، ويحزن له.
وأما قوله: شغلني عنك أمر؛ يشغلني، فإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أشغلني بألف، وهو خطأ؛ لأن فاعله: شاغل. ومفعوله: /مشغول. ومصدره: الشغل ومعنى الشغل معروف مستغن عن التفسير؛ وهو ما حال بينك وبين غيره وقطعه عما سواه. يقولون: شغل شاغلي، ويقولون: اشتغلت، وأنا مشتغل؛ لأن فعل المطاوعة بمعنى الانفعال، تقول: شغلته فاشتغل. والعامة تقول: اشتغلت، وأنا مشتغل، على مثال ما لم يسم فاعله، وهو خطأ.
وأما قوله: شفاه الله يشفيه، فهو من الشفاء والعافية. ومعناه معروف. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أشفاه الله، بألف، وهو خطأ. قال الله : (ويَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ) بفتح الياء في أوله. وفي الحديث: "اشف شفاء، لا يغادر سقما". وفيه: "أنا الراقي، والله الشافي" على مثال فاعل. وهذا يدل على أن فعله بغير ألف.
стр. 57
وأما قوله: غاظني الشيء يغيظني، وقد غظتني يا هذا، فهو من الغيظ، الذي يجده الإنسان في قلبه، من غضب أو موجدة أو نحو ذلك. كما قال الله : (عَضُّوا عَلَيْكُمُ الأَنَامِلَ مِنَ الغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ). ومعناه معروف. وفعله المستقبل: يغيظ، بفتح أوله. واسم فاعله غائظ. ومفعوله: مغيظ. وقال الله : (لِيَغِيظَ بِهِمُ الكُفَّارَ). ويُروى لطرفة:
يداك يد خيرها يرتجى وأخرى لأعدائها غائظة
وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أغاظني، بألف، وهو خطأ.
وأما قوله:/ نفيت رديء المتاع، ألفيه نفيا، فالنفي معروف؛ وهو تنحية الرديء عن الجيد، من كل شيء، من الدنانير والدراهم والأمتعة والدواب والناس. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أنفيت، وهو خطأ. يدل عليه قولهم للمفعول: منفي ونَفِي. وفاعله: ناف. ومصدره: النفي. وفي الحديث: "البكر بالبكر جلد مائة ونفي عام". ويقال للرجل الدعي، المنفي: نفِي، والنفِي: ما يترشش من ماء الدلو والحبل، على ظهر المستقي. قال الراجز:
كأن متنيه من النفي من طول تشرافي على الطوى
مواقع الطير على الصفى
فهذا كله يدل على أنه بغير ألف. والنفاية اسم لرديء المال وكل شيء.
وأما قوله: زوى وجهه عني يزويه إذا قبضه، فقد فسره هو. يقال: زويته فانزوى،
стр. 58
كما جاء في الحديث: "إن المسجد لينزوي من النخامة، كما تنزوي الجلدة في النار". أي تتقبض وتتجمع. ومنه سميت الزاوية. والعامة تقول: أزويته، وإنما الصواب: زويته، أزويه، فأنا زاو، والمفعول: مزوي. ومنه قولهم: زوى الرجل ماله عن ورثته زيا، إذا عدل به عنهم إلى غيرهم. والفقهاء يقولون: أزوى ماله، ويسمونه: الإزواء، وهو خطأ، كأنهم غلطوا فيه؛ لقولهم: ألجأ ماله، وهو الإلجاء. وقال الأعشىى:
يزيد يغض الطرف دوني كأنما زوى بين عينيه على المحاجم/
فلا ينبسط من بين عينيك ما انزوى ولا تلقني، إلا وأنفك راغم
وأما قوله: بردت عيني أبردها، فمعناه: كحلتها بالبرود، وهو كحل بارد، قال وكذلك يقال: برد لماء حررة جوفي. وإنما ذكرها؛ لأن العامة تقول: أبردت بالألف. والعرب لا تقوله كذلك. وهو من نوادر الكلام، الخارجة عن القياس لأنك تقول: بَرَدته أنا فبرد هو، فهما فعلان، لمعنيين مختلفين، على مثال واحد وقد بينا من ذلك ما يغني عن الإعادة. وأنشد ثعلب بيت مالك بن الريب:
وعطل قلوصي في الركاب فإنها ستبرد أكباداً وتبكي بواكيا
ومثله قول الراهب المكي:
إذا وجدت أوار الحب في كبدي بادرت نحو سقاء القوم أبترد
هذا بردت ببرد الماء ظاهره فمن لحر لدى الأحشاء يتقد
стр. 59
وكان قياس هذا أن يقال: برّدته بالتشديد، فبرد، أو أبردته، فبرد، أو يقال: بردته، فانبرد، ولا يقال: فبرد؛ فيسوى بين فعل الفاعل والمنفعل، وبين المتعدي وغير المتعدي، في مثال واحد.
وأما قوله: هلت عليه التراب، أهيله، فمعناه: ذررت عليه التراب، أو حثوته، كما يهال على الميت في قبره، وفي ذلك قال الشاعر:
هيلوا علي ديسم من برد الثرى يأبى إله الناس إلا ما ترى/
وفي الحديث عن النبي صلى الله [عليه] أنه قال: "كيلوا ولا تهيلوا" بفتح التاء وإنما ذكر هذا؛ لأن العامة تقول: أهلت التراب، بالألف، وهو خطأ؛ لأن فاعله: هائل. ومفعوله: مَهيل. ومصدره: الهيل. يقال: هلت الشيء، فانهال. فأما أهلت؛ فإذابة الشحم ونحوه. ولذلك سميت الإهالة إهالة.
وأما قوله: لا يفضض الله فاك؛ فمعناه: لا يفرق الله أسنانك ولا يذهبها. يقال: فضضت جمعهم، أي فرقتهم. وقال بعضهم: واقعنا العدو ففضضناهم. ويقال: الحمد لله الذي فض خَدَمَتَهم. وقال الله : (ولَوْ كُنتَ فَظًا غَلِيظَ القَلْبِ لانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ) ومنه قولهم: فضضت الخاتم، أي كسرته. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: لا يفضض الله فاك، بضم الياء، وهو خطأ؛ لأن الماضي منه: فض الله، بغير ألف.
стр. 60
وفاعله: فاض. ومفعوله: مفضوض. ومصدره: الفض. وفي حديث يروى عن النبي صلى الله عليه أنه قال لنابغة بني جعدة، وقد أنشده شعره: لا يفضض الله فاك، قال: فيقال: إنه عمر حتى أدرك ابن الزبير، وله أكثر من مائة سنة، ولم يسقط له سن؛ لدعوى النبي ﷺ .
وأما قوله: ودج دابته، يدجها، فمعناه: قطع عرقها، وهو الذي يسمى: الودج. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: ودّج دابته بالتشديد، وهو خطأ، إلا أن يراد به مرة بعد أخرى، فيشدد للتكثير. وتقول العامة أيضاً في الأمر: ودِّج دابتك، وأودِجها، وهو خطأ. وإنما هو: دِج دابتك، كما يقال: زِن وعِد من الوزن والوعد.
وكذلك قوله: وتَدَ يتِد، وتِدَه إنما ذكره؛ لأن العامة تقول: قد أوتد وتده بألف، / وتفتح التاء من الوَتِد وهو خطأ. وكذلك تقول في الأمر: أوتِد وَتَدَك بألف. وإنما هو: تد وتدك. والفاعل منه: واتد، على فاعل. والمفعول: موتود على مفعول. والوتد معروف، وهو عود مثل سكة الحديد، يؤتد في الحائط للثياب وغيرها، وتوتد الأوتاد حول الخيمة، فتشد إليها الأسباب. ويقال للرجل الجالس منتصباً: كأنه وَتِد واتد. وللقرن المنتصب: واتد. وكل منتصب كذلك: واتد. وأنشدوا للراجز:
رأت على الماء جذيلاً واتداً ولم يكن يخلفها المواعدا
وقال أبو داود:
بكرت له أذن توجس حرة وأحم واتد
والوتد: أصله بالتاء والكسرة، كما ذكر ثعلب، إلا أن من العرب من يقول: الود، طلباً للتخفيف؛ وذلك أنهم أسكنوا التاء، كما يسكنون الثاني من مثل: فخذ وكبد، ثم قلبوا التاء دالاً، لتقارب مخرجيهما، فادّغموا أحدهما في الآخر، فقالوا: ود، ولو حولوا
стр. 61
الكسرة من التاء إلى الواو كما حولوها في كبد وفخذ فقالوا: وِدّ، لكان قياساً، ولكن لم يفعلوا ذلك، لاجتماع التشديد والواو والكسرة، وأنشدنا محمد بن يزيد لعبد الرحمن بن حسان:
وكنت أذل من وتد بقاع يشجج رأسه بالفهر واج
وأما قوله: جهد دابته يجهدها؛ إذا حمل عليها يعني في السير أو الحمل أو/ غير ذلك، فإنما معناه: بلغ منها الجهد، وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أجهد دابته، بالآلف، وهو خطأ، لا يجوز بالألف. ألا ترى أن فاعله: جاهد، ومفعوله: مجهود. ومصدره: الجهد والمجهود، وأنشدنا عن الخليل:
القلب منها مستريح سالم والقلب مني جاهد مجهود
وأما قوله: فرضت له أفرض فمعناه: أثبت له فرضاً ورسمت له رسما في الديوان، أي جعلت له عطاء، وكذلك فرضت من فرض المواريث؛ إذا بينت له ما يصيبه، أو يصيب كل واحد من الورثة. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أفرضت له، بألف، وهو خطأ؛ لأن مفعوله: مفروض، وفاعله: فارض، ومصدره: الفرض، قال الله : (نَصِيبًا مَّفْرُوضًا)، وقال ﵎: (سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وفَرَضْنَاهَا) بغير ألف.
وأما قوله: صدت الصيد أصيده، فمعروف المعنى، أي أخذت الصيد. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أصدت، بألف، وهو خطأ؛ لأن فاعله: صائد، ومفعوله: مصيد، ومصدره: الصيد. إلا أن تريد أنك وكلت رجلاً بالصيد، أو علمت كلباً، أو غيره الصيد، فتنقل الفعل إليه بالألف، وتعديه إلى مفعولين، فتقول: أصدته الوحش ونحو ذلك.
فهذا آخر الباب الثالث.
стр. 62
تصحيح الباب الرابع
وهو باب فُعل بضم الفاء
اعلم أن هذا الباب، إنما هو للفعل الذي يحدث به من المفعول، الذي لا يسمى/ فاعله ولا يكون إلا مضموم الأول في ماضيه ومستقبله، ثلاثيه ورباعيه، فمنه ما هو على بناء فُعِل مخففاً، ومنه ما هو على بناء فُعِّل مشددا، ومنه على أُفعِل بألف. ومنه على افتُعل، وفُوعِل، وتُفُوعل، واستفعِل، وفُعْلِل، ونحو ذلك. ولم يترجم ثعلب هذا الباب إلى بفُعِل، بضم الفاء وحده، وقد أتى معه بغير فُعِل. وكان يجب أن يترجمه بباب ما كان بمعنى فُعِل؛ ليستوعب جميع الباب، وما تقدم من الأفعال في الأبواب الماضية، يَدْخل كله إذا لم يسم فاعله في هذا الباب. وهذا الباب يكون الثاني من ماضيه إذا كان ثلاثياً مكسوراً، ليكون مخالفاً لأبنية الأفعال الماضية التي قدمنا شرحها، مما كسر أو ضم أو فتح ثانيه في الماضي. ويكون الثالث الذي كان في الماضي مكسوراً مفتوحاً في مستقبله، وهو عين الفعل. ويستوي في ذلك المتعدي وغير المتعدي وفعل المطاوعة وغيرها، إلا أن يكون فيه حرف علة، فيغير بناؤه بالاعتلال، وذلك نحو قولهم: ضُرِب وهو يُضرَب، وجُلس عند ويُجلَس غدا، وإنما قصد لذكر ما تغلط فيه العامة من هذا الباب؛ فتفتح أوله على مثال ما قد سمي فاعله وتجريه مجراه؛ ليبين الصواب من الخطأ فيه. وفيه ما يجوز فيه الوجهان، وإن كان أحدهما أكثر استعمالاً، فهو يختار الأكثر، فمن ذلك قولهم: عُنيت بحاجتك بضم العين وكسر النون؛ لأن التاء علامة مفعول لم يسم فاعله، وإنما الفاعل الحاجة أو المودة، وهي التي عنتك، تقول عنتني حاجتك، وعناني أمرك وعنتني مودتك،/ لأنك قد سميت الآن الفاعل. وقد عنيت بأمرك وبحاجتك، فأنت معني بها، لأنك مفعول للأمر أو الحاجة، واسمك معني من العناية، وكان أصله أن يقال معنوي على مثال مفعول، ولكن الواو والياء إذا اجتمعا والأول منهما ساكن، جعلا جميعا ياءين، وادُّغما، استثقالا لاجتماعهما، فلذلك قيل: مَعيِيّ وكسرت النون، التي كانت مضمومة قبل واو مفعول، لما صارت الواو ياء، لأن الضمة لا تكون قبل ياء ساكنة.
стр. 63
وقد حكي عن بعض العرب: عَنيت بحاجتك، بفتح العين، على مثال فَعِلتُ، فأنا أَعْنَى، بمعنى الانفعال والمطاوعة، لأن فَعِلت من أبنية المطاوعة، فمن كانت هذه لغته جاز أن يقول في الأمر: لتَعنَ بحاجتي، بفتح التاء أيضاً، وهو قليل في كلام الفصحاء؛ فلذلك لم يختره ولم يذكره.
وأما الرباعي من هذا الباب، فإن الحرف الثالث من ماضيه هو المكسور، والرابع من مستقبله هو المفتوح، وهما عين الفعل، ولكن لما لحقت أوائلهما الزيادة، وهي في همزة النقل تأخرت العين عن مكانها، فمن ذلك قولهم: أُولِعت بالشيء؛ لأنه من باب أفعلت وليس من باب فعلت، فعين الفعل ثالثة الألف الزائدة في الماضي، ورابعة في المستقبل، وإن كان قد حُذف الألف من أفعل من المستقبل، فصار عين الفعل كأنه فيه أيضاً ثالث؛ لأن الأصل في قولهم: أنا أُولَع: أنا أُأَوْلَعُ، بهمزتين مثل قولك في الرباعي الأصلي: أنا أُدحرَج. وقولك: أُولعت بالشيء، أي فُعِلت فأنت مفعول والفعل بك غيرك، كقولك: أولعني الله به، فأنا أولع به، واسمك مولع،/ بفتح اللام، والفاعل مولع، بكسرها، وقد حكي عن بعض العرب: ولعت، بغير ألف مكسورة العين من الفعل على معنى الانفعال والمطاوعة، كأنه قال أولعني الله فولعت. وليس فعل متعد إلا وله فعل مطاوعة، غير متعد؛ إما على انفعل وإما على افتعل أو تفعل أو فَعِل، وهو القياس، وإن قل استعمال بعض ذلك، أو لم يسمع، وليس كل مستعمل مسموعا مرويا. وإنما قال أهل العربية: لا يقال ولعت وهو الوقع، فهذا يقوي ما بينا من القياس. والعامة لا تقول إلا ولعت، كأنهم قد أولعوا بمخالفة الفصحاء، إما استثقالا لكلمهم، وإما عجزا عن النطق به، وجهلا بتصريفه، وعامة أهل اللغة يزعمون أن هذا الباب لا يكون إلا مضموم الأول، ولم يقولوا
стр. 64
إنه إذا سمي فاعله جاز بغير الضم، وهذا غلط منهم؛ لأن الأفعال كلها مفتوحة الأوائل في الماضي فإذا لم يسم فاعلها فهي كلها مضمومة الأوائل، ولم يخص بذلك بعضها دون بعض. وقد بينا ذلك بعلله وقياسه؛ ليستغني بمعرفته القياس عن تقليد "ثعلب" وغيره.
وأما قوله: غبن غبناً، فليس من هذا الباب؛ لأنه فعل قد سمي فاعله وهو من باب فعلت، بكسر العين وفتح الفاء. ولو قيل منه: قد غبن اليوم غبن شديد بالضم لجاز على ما شرحنا. وإنما ذكره في هذا الباب؛ لأن الاشتقاق في الغبن الساكن والغبن المفتوح واحد؛ لاشتراكهما/ في الحروف، إلا أنت بين مثالي الفعلين فرقا؛ فبين ذلك، واعترض به في الباب، ولافتراق مثال الفعلين فيهما كان م صدر أحدهما مفتوح الأوسط ومصدر الآخر ساكن الأوسط، وأحد الفعلين متعدياً، والآخر غير متعد، بل هو كالانفعال. وكذلك ذكره أديربي، وهو بمنزلة أولعت بالشيء، وهو من باب أفعلت رباعي، وليس من الثلاثي. وإنما ذكره لأنه مما لم يسم فاعله أيضا؛ فماضيه بكسر العين من الفعل في الثلاثي والرباعي.
وأهل اللغة أو عامتهم يزعمون أن فعل وأفعل بهمزة وبغير همزة، قد يجيئان بمعنى واحد. وأن قولهم: ديربي، وأديربي من ذلك، وهو قول فاسد في القياس والعقل، مخالف للحكمة والصواب. ولا يجب أن يكون لفظان مختلفان لمعنى واحد، إلا أن يجيء أحدهما في لغة قوم، والآخر في لغة غيرهم، كما يجيء في لغة العرب والعجم، أو في لغة رومية، ولغة هندية. وقد ذكر ثعلب أن أدير بي لغة، فأصاب بذلك، وخالف من يزعم أن فعلت وأفعلت بمعنى واحد. والأصل في هذا: قد درت، ودار رأسي، وهذا الفعل اللازم، ثم ينقل إما بالباء، وإما بالألف فيقال: قد ديربي، وأدرت، فهذا القياس، ثم جيء بالباء مع الألف فقيل: قد أدير بي، كما قيل: قد أسري بي، على لغة من قال أسرى في معنى سرى، لأن إدخال الألف في أول الفعل، والباء في آخره للنقل خطأ، إلا أن يكون قد نقل مرتين؛ إحداهما بالألف، والأخرى بالباء.
وأما قوله في هذا الباب: ومن العاقر عقرت، بفتح/ العين، وضم القاف، فليس من هذا الباب. وكان يجب ألا يدخله فيه، ولكنه اعترض به؛ لأن العاقر بمعنى العقيم، وهو مما سمي فاعله، فلا معنى لذكره فيما لم يسم فاعله. وإنما هو من باب انفتح أوله،
стр. 65
وانضم ثانيه من الأفعال الماضية، وهو باب لم يذكره مؤلف كتاب "الفصيح" ولم يفرده، وقد كان يجب ألا يخلي الكتاب منه؛ لأنه باب يكثر استعماله في الكلام. والعامة والخاصة يغلطون في كثير منه؛ وهو باب المبالغة في المدح والذم، نحو: ظَرُف وكرُم، يظرُف ويكرُم، مما ينضم عين الفعل في ماضيه ومستقبله جميعاً، وينفتح أولهما. ولا يكون اسم فاعله أبدا إلى على فعيل، ولا يتعدى إلى مفعول. وقد جاء العاقر على فاعل، وكان قياسه أن يقال: عقير. ومثله قولهم: حمض الشيء يحمض، وجاء منه حامض، وقياسه: حميض. فما كان من هذا محكياً عن فصحاء العرب، فإنما جاء منه فاعل على جهة النسب، كما جاء: رامح ونابل وناشب، لا على الفعل. وما لم يسمع فيه فاعل من العرب الفصحاء، فهو من خطأ العامة. وقد قالت العرب: مكث يمكث، بضم العين من الماضي والمستقبل، وقالوا في فاعله: مكث على القياس. فإذا فتحوا الماضي فقالوا: مكث، قالوا في فاعله: ماكث، كما يقال: عالم وعليم؛ أحدهما على الفعل المعتاد، والآخر على المبالغة. والعامة لا تعرف هذا، فهي تأتي بفعل المبالغة مع فاعل في عامة هذا الباب، وأكثر ما يتكلم العرب: حمض، بالفتح، لاستعمالهم الفاعل منه على: حامض.
وأما قوله: أُهِلَّ/ الهلال، فاستهل، فإن العامة تقول فيه: هل الهلال؛ فيجعلون الفعل للهلال، ويعنون به: طلع. وأما العرب فإنما يقولون: أهل؛ لأنهم يعنون به: أُطلع، أو رُئي. وإنما يريدون أن الناس أهلوا الهلال، أي أهلوا لما رأوه، أي رفعوا أصواتهم، كما يقال: أهللنا بالحج، أي رفعنا أصواتنا بالتلبية. وكذلك يقولون: استهل؛ لأنهم يعنون أنهم استهلوا، حين رأوه، من رفع الصوت، كما يقال: استهل المولود، إذا رفع صوته بالبكاء، ولا يعنون أنتهم استطلعوا الهلال، وإنما هو استفعال من الهلال، كقول ابن أحمر:
стр. 66
يهل بالفرقد ركبانها كما أهل الراكب المعتمر
ويروى في شعر لأهل الجاهلية في وقعة بدر:
لأهلوا واستهلوا فرحا ثم قالوا يا يزيد لا تسل
وكان يجب أن يقال: أهللنا بالهلال، وقد أُهِل بالهلال، فيعدى إليه الفعل بالباء؛ لأنه فعل غير متعد بنفسه، ولكن حذفوا الباء لكثرة هذا الكلام تخفيفاً، وعدي الفعل بنفسه، كما قيل: سميته زيداً، أي بزيد. والذي تقوله العامة قد يجوز في القياس؛ لأن العرب تقول في الدقة والتقويس: قد هلل البعير، من كثرة السفر والعمل، ويقولون من الإشراق والغُئُور: قد تهلل وجهه، إلا أن كلام العرب في الهلال، على معنى رفع الصوت له، ولا صنع للهلال في ذلك، ولكنه لم يسم هلالاً إلا لمعنى فيه، فلو استخرج له اشتقاق من نفسه، لم يكن إلى على/فعل، أو فعل بالتشديد، أو أفعل، بالألف، أو تفعل ونحو ذلك. ولم يستعمل العرب ذلك فيه، فلذلك جعل قول العامة خطأ. ويجوز أن يكون معنى قولهم: أهل الهلال، كمعنى قيل الهلال أو صيح الهلال، كقولك: ليحق الحق، ويبطل الباطل؛ فلذلك صار مفعولاً لم يسم فاعله. وقولهم: أهللنا الهلال بمعنى قلنا الهلال؛ لأن الهلال اسم يتكلم به ويقال، كما يقال: أحققنا الحق، وأبطلنا الباطل، كما يقال: قلنا الحق، وقيل الحق، فعلى هذا المعنى تعدى، فأما أهللناه بالحج، وأهل الصبي، ونحو ذلك فلا يتعدى.
وأما قوله: شُدِهت، وأنا مشدوه؛ أي شغلت، فليس شدهت عندنا بمعنى شغلت كما ذكر، ولكنه شبيه بقوله: دهشت، يتقارب معنياهما لتقارب لفظيهما، لا لانقلاب أحدهما من الآخر، كما جعله قوم من اللغويين من باب المقلوب، ولو كان معناه شغلت كما فسروا، لما جاز لهم أن يدعوا فيه القلب، كما ادعوا ذلك في "جذب وجبذ" لاشتباههما في المعنى واللفظ، لأن شدهت ليس بمعنى شغلت، وقد قال الشاعر:
стр. 67
شدهت وبيت الله إذ جاء نعيه
فهذا لا يكون شغلا، إنما يكون تحيراً ودهشاً وغماً، ونحو ذلك.
وأما قوله: ثلج بخبر أتاه يثلج به؛ فهو من باب ما كسر ثاني ماضيه، وإنما اعترض به في هذا الباب اعتراضاً؛ لأن لفظه ولفظ "ثلج فؤاده" مشتقان من معنى واحد؛ لأن الأصل فيه أن يقال: ثلجت فؤاده بالخبر، فثلج به، أي بردته فبرد،/ فأنت فاعل، وهو منفعل، فإذا لم يسم فاعله قيل: ثلج فؤاده على هذا الباب، فلو جعلت فؤاده هو المنفعل فقلت: ثلج فؤاده بالخبر، كما تقول: ثلج هو بالخبر، لكان صواباً أيضاً.
وأما قوله: نفست عليك، فإنا أيضاً ليس من هذا الباب، وقد اعترض به، ولكن اشتقاقه واشتقاق "نُفِست المرأة" من فعل واحد، وإن كان أحدهما قد سمي فاعله، والآخر لم يسم فاعله، فاشتبه لفظهما، وإن اختلف في غير ذلك معنياهما.
وأما قوله: وإذا أمرت من هذا الباب كله كان باللام كقولك: لتعن بحاجتي، فإنما أراد أنك إنما تأمر غائباً بالعناية، ولست تأمر المخاطب، فتستغني بخطابه ومواجهته، عن حرف المضارعة، وحرف الأمر، كما تستغني في المواجهة والمأمور عن ذلك. وإنما تأمر الفاعل الذي لم تسمه، فهو غائب، والغائب غير مواجه، ولا مخاطب، فلا يستغنى عن حرف المضارعة، الدال عليه، وعن حرف الأمر، المفرق بين الأمر والخبر، كقولك في الأمر للمواجه: اذهب، واقعد، وللغائب: ليذهب، وليقعد، فلما كان المخاطب في هذا الباب مفعولاً، وفاعله غير مواجه بالأمر، ولا مذكور مع الفعل، جعل في فعله حرف الأمر. وقد يؤتى بهذا اللام في أمر المواجه أيضاً؛ لأن فاعله مسمى معه، وهو الأصل، كما يؤتى بلا النهي كما قال الله : (فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا) لأن التاء حرف الخطاب، وهي تدل على الفاعل المضمر في الفعل، وهي قراءة رسول الله صلى الله عليه.
فأما قوله: لتعن بحاجتي، فإن الأصل فيه: تعنى؛ بألف، على/ لفظ الخبر؛ لأنه فعل مستقبل، لم يسم فاعله، والتاء في قوله للمخطاب، لا للفاعل؛ لأن فاعله غير مسمى،
стр. 68
فلما دخلت عليه اللام للأمر، لحقه الجزم، فسقطت الألف، كما تسقط الحركة من الحرف الصحيح للجزم، وبقيت النون على فتحتها، ما دامت في الوصل، فإن وقف عليها ألحقت بها هاء الوقف، فقيل: لتعنه. والعامة تقول: اعن بحاجتي، كما تقول: ارض عني، فتجعل الفعل للمخاطب، وتضمر الفاعل في الفعل، على لغة من يقول: عنيت بالحاجة، وهي لغة ضعيفة وقد بينا ذلك في أول الباب.
وأما قوله: لتوضع في تجارتك، فليس في آخره حرف علة، فسكون العين علامة جزمه، وفاعله غير مسمى، والمخاطب غير مأمور، وتفسيره تفسير ما قبله.
وقوله: لتزه علينا مثل قوله لتعن. وأصله أيضاً تُزْهَى، فذهبت الألف، بدلاً من ذهاب الحركة للجزم. ولو سميت فاعله لقلت: زاهاه المال، وزهاه الكبر، ونحو ذلك؛ ففتحت أوله. وإذا أمرت الفاعل قلت: لتزه فلانا علينا أيها العلم، وأيها المال. وإنما تضم أوله، إذا كان مفعولاً لم يسم فاعله. وهكذا جميع هذا الباب؛ لأن لكل مفعول فاعلاً، ولا يكون مفعول بغير فاعل، فهذا علل هذا المثال من الفعل في هذا الباب.
* * *
وأما تفسير غريبه ومعانيه، فإنا نقول:
إن قوله: عنيت بحاجتك، معناه جعلت لي بها عناية، وصار بي حرص عليها. والعناية مصدر هذا اللفظ، فرق بينه وبين العناء، الذي هو التعب؛ لأنه أيضاً مصدر فعل/ من لفظه، وكلاهما يئولان إلى التعب والجهد والاهتمام؛ فلذلك فرق بين المصدرين منهما، وكان أحدهما تعباً للبدن، والأخر تعبا للنفس والقلب. وقيل في أحدهما: أعنيت وتعنيت، وفي الآخر عنيت.
وأما قوله: أولعت بالأمر، فمعناه كمعنى: ألهجت به، وأغريت فغريت ولهجت، وعلى مثالهما قيل: ولعت ولعاً، لاتفاق معانيها كما تقول العامة، والفاعل من أولعت مولع، والمفعول مولع، بفتح اللام، كما قال الشاعر، وهو عنترة:
стр. 69
حرق الجناح كأن لحيى رأسه جلمان بالأخبار هش مولع
ومصدره الإيلاع. وقد يقال الولوع، بفتح الواو، والقياس بضمها، وهو مثل الولع، كما يقال: الوقود، والوضوء.
وأما قوله وثئت يده، فهي موثوءة، فإن معناه أن ينثني مفصل الرجل من عثرة أو غيرها، ومفصل اليد من جذبة أو غيرها، فيزول عن موضعه من غير كسر، ولا انخلاع، وهو مهموز، وهو فعل لم يسم فاعله، ولو سمي لفتح أوله فقيل: وثأها كذا وكذا؛ إما السقوط أو الكسر أو اللي، أو غير ذلك، ومستقبله يثأ وثئاً، وفاعله واثئ، وإذا لم يسم فاعله فإن مستقبله تُوثَأ وثئا، فهي موثوءة. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: وثيت، بفتح الواو، ولا تهمز، فتجعل الفعل لليد والرجل، على فعل، بكسر العين، على مثال المطاوعة والانفعال؛ لأنه بمعنى وجعت توجع. وتقول في مستقبله: تَوثَأ، وهي وثئة، وهو عند أهل اللغة خطأ.
وأما قوله: شغلت عنك، وشغلني/ كذا، فمعناه معروف، ومنه قول الله : (إنَّ أَصْحَابَ الجَنَّةِ اليَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ). يقال في مصدره: شغل؛ بضمتين، وشَغَل بفتحتين، وشُغْل وشَغْل، بضم الأول لا غير، وبفتح الأول لا غير. وتقول شغله عنا أمر، فهو مشغول. وقد قالوا: هو "أشغل من ذات النحيين، وهي مفعولة؛
стр. 70
لأنها شغلت. وقل ما يقال؛ هو أفعل من كذا من فعل المفعول، إنما أكثر الكلام أن يقال ذلك من فعل الفاعل، والفاعل غير من هو في شغل، وإنما فعل المشغول بالزوائد، وهو على افتعل، فلا يقال منه أفعل من كذا. وكل ما منع الإنسان؛ من عمل، أو حديث، أو لهو، أو لعب، أو غم، فهو شغل شاغل له من غيره. والشغل يكون للبدن وللنفس. والشغل ضد الفراغ. يقال أنت فارغ فأنت مشغول. وكل واحد ضد الآخر. ومنه قولهم: فلان فارغ مشغول؛ أي هو متعلق بما لا ينتفع به، ولا يحتاج إليه، فهو مع شغله فارغ، مما يحتاج إليه. ويقال: دار مشغولة؛ أي فيها ساكن. وجارية مشغولة، أي لها بعل. ومال مشغول، أي معلق بتجارة. وكل هذا ضد الفارغ. وأم قول العامة: أُشغلت عنك، وأشغلني عنك كذا فخطأ، وقد شرحناه.
وأما قوله: طل دمه، فهو مطلول، فإن معناه أهدر دمه، أي أبطل، وأذهب بغير حق، بلا قود ولا دية، وكذلك قول الشاعر:
إن بالجزع الذي دون سلع لقتيلا دمه ما يطل
أي لا يبطل، ولكنه يثأر به، وقال السموءل بن عادياء اليهودي:/
وما مات منا ميت حتف أنفه ولا طل منا حيث كان قتيل
يقال طل القتيل نفسه، وطل دمه، أي بطل. وقد طلله قاتله، أي أبطله لهو طال للدم، والدم مطلول. والعامة تقول: أطل دمه بألف. وزعم أهل اللغة أن القولين جميعاً جائزان، بمعنى واحد، وقد بينا الصحيح من ذلك بحججه في كتاب "فعل وأفعل". وقالوا أيضا: طل الدم نفسه، أي بطل، وطله غيره أيضا، على نحو قولهم: جبرته
стр. 71
فجبر، بلفظ واحد، للازم والمتعدي، والفاعل والمفعول. وقدمنا في ذلك ما يغني عن إعادته بعلله وقياسه.
وأما قوله: أهدر دمه، فهو مهدر، فمعناه طل وأبطل دمه؛ إلا أن بين طل وأهدر فرقا؛ وهو أن الإهدار، إنما هو الإباحة من سلطان أو غيره، ولدم إنسان؛ ليقتل بغير مخافة من قود، أو دية، أو طلب به. وقد هدر الدم نفسه، فهو هادر. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول فيه: هدر دمه، بغير ألف، مضموم الهاء، وهو خطأ. وكأنه مأخوذ من قولهم: هدر الشيء إذا غلا وفار. وكذلك هدير الحمامة؛ وهو ما دام ولج من صوته، بمنزلة غليان القدر أيضا. وكذلك المستقيل من الناس، قد هدر دمه. وكذلك يقال له: يغلي دمه.
وأما قوله: وقص الرجل، إذا سقط عن دابته، فاندقت عنقه؛ فقد فسره هو بسقوطه، واندقاق عنقه. وهو فعل لم يسم فاعله. ولو سمي لقيل فيه: وقصته، ووقصت به الدابة. وقد جاء في الحديث "أن رجلاً وقصت به دابته، أو راحلته في أخاقيق جرذان"، فالمعنى/ أنها عثرت وسقطت به فوقص، وهو أن تندق رقبته، فتدخل في فقار ظهره؛ فتقصر، فيصير بمنزلة الأوقص، وهو القصير الرقبة، من غير سقوط، ولكن خلقة. يقال: وقص به يوقص وقصا. وإنما ذكره؛ لتفرق بين فعل الموقوص به، وبين فعل الأوقص؛ وذلك أن الأوقص يقال له: فعل يفعل ففعلاً؛ لأنه بمعنى الانفعال، كنظائره، مثل قولهم: زمن يزمن زمناً، وعرج يعرج عرجا، وأشباه ذلك، وهذا الآخر فعل لم يسم فاعله، وإنما هو منسوب إلى المفعول، بضم الأول، على مثال فعل يفعل فعلا؛ لأن العامة تضع أحدهما في موضع الآخر.
وأما قوله: وضع الرجل في البيع، يوضع، فمعناه أن يخسر من رأس المال، وهو من
стр. 72
الوضيعة؛ وهي نقصان رأس المال، كأن التجارة وضعت من رأس ماله، فجعل الفعل له فقيل: وضع الرجل، على الاتساع والاختصار. وإنما وضع من ماله. وإذا ربح وزاد ماله، فقد رفع ماله، وإذا خسر ونقص ماله، فقد وضع، لأن الوضع ضد الرفع. يقال: ارتفع الشيء إذا زاد. واتضع إذا نقص. ومنه قيل للساقط القدر من الناس: وضيع. وكل شيء قلت قيمته وقدره، فهو وضيع. ومنه يقال: اتضع بعد الارتفاع. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: وضعت في البيع، بفتح الأول، كما يقولون: خسرت؛ لأنه في معناه؛ فيجعلون الفعل للمتكلم، وإنما هو لفاعل غير مسمى. والمتكلم مفعول للتجارة، والتجارة هي الواضعة من رأس المال. وقال بعض الأعراب و [قد] أمرته امرأته بالتجارة، فازدحم عليه الناس في السوق، وذهب بعض متاعه وخسر، فقال:/
قد أمرتني امرأتي بالسمسره فكان ما أصبت وسط الغثيرة
وفي الزحام أن وضعت عشرة
وكذلك قوله: وكس الرجل يوكس في البيع، معناه نقص. والوكس النقصان، يقال: طلب مني بوَكْسٍ، من رأس المال، ووكستني أيها المشتري، تكسني، وكساً، فأنا موكوس، وقد وكست. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أوكست، بألف، وقد أوكستني، وهما خطأ.
وكذلك قوله: غبن الرجل في البيع غبنا، فمعناه خدع خدعا، وهو مغبون مخدوع. وفاعله: غابن، مثل الخادع، وهو الذي غبنه، وهو بغير ألف، وأوله مضموم؛ لأنه مفعول لم يسم فاعله، فإن جعلته فاعلاً قلت: غبن يغبن غبنا، وهو فعل لازم، غير متعد؛ لأنه انفعال ومطاوعة، ولذلك قال: ويقول: غبن رأيه يغبن غبناً، أي غبن في رأيه، والمعنيان
стр. 73
من أصل واحد، إلا أنهم خصوا الفعل الذي للرأي ببناء فعل المنفعل، والذي للبيع ببناء فعل المفعول، للفرق بين المعاني.
ألا تراهم قالوا: إنه لغبين الرأي، وإنه لمغبون في البيع، وقالوا في المعنيين جميعاً: تغابن له؛ أي تغافل، حتى غبن. ومن هذا قول الله : (يَوْمُ التَّغَابُنِ)؛ لأن الظالم فيه، هو الخاسر المغبون، والمظلوم المغبون، هو الرابح الفائز، يتحول فيه الغابن مغبونا، والمغبون غابنا.
وأما قوله: هزلت الدابة، وهزل الرجل، بضم الهاء، فمعناه معروف وهو النحول في الجسم، والدقة من ضر أو مرض، أو غم أو تعب. وإنما ذكره؛ لأن العامة/ تقول: هَزُلَتْ، بفتح أوله، وبضم ثانيه، فتجعل الفعل للرجل، وإنما هو مفعول لم يسم فاعله، وليس له فعل، والدليل على ذلك قولهم: هو مهزول، على بناء مفعول، ولا يقال له هازل، وإنما الهازل الشيء الذي صيره مهزولاً. يقول: هزله الجدب وهزله المرض، وهزله الكد والسفر هزالا.
وأما قوله: نكب الرجل، فهو منكوب، فمعناه أن يصيب حجر، أو نبكة ناتئة، أو خشبة، أو نحو ذلك، إصبعا له، أو ظفرا، فيعنته، منكوبا ونكيبا، وقال لبيد:
وتصك المرو لما هجرت بنكيب معر دامي الأظل
стр. 74
وقد يستعار، فيقال للذي أصابته جائحة، أو حادثة من حوادث الدهر: قد نكب، فهو منكوب، لأنه مفعول لم يسم فاعله، وإذا سمي الفاعل قيل نكبه الحجر، ونكبه الدهر، ونحو ذلك، ينكبه نكبا، والأصل فيه النكوب عن الشيء. وذلك أن يمشي الرجل جانباً، عن الجادة، مائلا عن الطريق، فيصيبه ذلك فيقال: قد نكب عن الطريق ينكب نكوباً. ومنه قول الله : (عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ). وقد تنكبت الشيء أتنكبه، إذا اجتنبته. ومنه قيل: تنكب الرجل قوسه، إذا جعله على جانبه الأيسر، وهو منكبه والمنكب أيضاً سمي بذلك؛ لأنه جانب عن الوسط. وكذلك مناكب الأرض جوانبها في قول الله : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) ويقال: جبالها. وكل منحرف عن الاعتدال ناكب.
وأما قوله: وقد حلبت ناقتك وشاتك، فهي تحلب لبنا، فمعناه معروف وهو أن يستخرج/ من الضرع ونحوه، ما فيه من اللبن، بالكف والأصابع، ونحو ذلك وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: كم حلبت ناقتك، بفتح الأول، فيجعلون الفعل للناقة والشاة، وهو خطأ؛ لأنهما لا يحلبان، وإنما يحلبهما الراعي أو صاحبهما، الذي يستخرج ما في ضروعهما من اللبن، فهو الحالب. وفعله حلب، بفتح الحاء. والناقة محلوبة، فهي تحلب، بضم التاء. وحلبت، بضم الحاء. فإن جعلت الفعل للناقة أو الشاة، أدخلت في أوله الألف. فقلت: كم أحلبت ناقتك، أو شاتك؛ أي كم بلغ حلبها ولبنها، وحلوبة القوم الشاة التي يحلبونها، لا تباع ولا تذبح، وهي شاة حلوب؛ أي كثيرة اللبن.
وأما قوله: رهصت الدابة، فهي مرهوصة، ورهيص، فمعناه أن تصيبها الرهصة، وهي ما ينزل في رسغها، فيبزغ ويستخرج ويداوى. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: رهصت الدابة، بفتح الراء، وتجعل الفعل للدابة، وإنما الفعل للداء، وهو ذلك الماء.
стр. 75
ولكن الفاعل لم يسم، ولو سمي مع فعله لقيل: رهص الداء الدابة، فهو راهص، وهي مرهوصة.
وأما قوله: نتجت الناقة، تنتج، ونتجها أهلها فمعناه وُلِّدت، وقيم عليها حتى ولدت، وهو بضم الأول؛ لأنه لمفعول، لم يسم فاعله. فإذا سميت الفاعل، فتحت أول الفعل، فقلت: نتجها أهلها، والناتج في الناقة بمنزلة القابلة للمرأة، فتقول: نتجت ناقتي، وقبلت القابلة المرأة. فإذا لم تسم الفاعل فيها ضممت فقلت: نتجت الناقة، وقبلت المرأة، ومنه قو الحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج
واصبب لأضيافك ألبانها فإن شر اللبن الوالج
وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: قد أنتجت ناقتي، بالألف، وقد أنتجت الناقة، ونتجت هي، وهو كله خطأ. وإنما يقال: قد أنتجت الناقة، إذا دنا وضعها ونتاجها، فهي منتنج. وقد يستعار هذا الكلام في غير الناقة فيقال: هذا الرأي لا ينتج، وهذه المقدمة لا تنتج نتيجة صادقة، أي لا تكون لها عاقبة، ولا فرع محمود.
وأما قوله: عُقِمت المرأة، إذا لم تحمل، وهي عقيم؛ فإن الخليل ذكر أن العقم هزمة تقع في الرحم، فتمنعها من الحمل، فيقال: عُقِمْت الرحم، تعقم، فهي معقومة وعقيم، وكذلك المرأة نفسها، يقال لها: عقمت تعقم، فهي معقومة وعقيم فهما مفعولتان، لم يسم فاعلهما، والفاعل هو الداء، الذي وصفه الخليل، وهو الهزمة، أو شيء أصابها. وقد سموا
следующие страницы →