Полный текст (518 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.
стр. 71
فجبر، بلفظ واحد، للازم والمتعدي، والفاعل والمفعول. وقدمنا في ذلك ما يغني عن إعادته بعلله وقياسه.
وأما قوله: أهدر دمه، فهو مهدر، فمعناه طل وأبطل دمه؛ إلا أن بين طل وأهدر فرقا؛ وهو أن الإهدار، إنما هو الإباحة من سلطان أو غيره، ولدم إنسان؛ ليقتل بغير مخافة من قود، أو دية، أو طلب به. وقد هدر الدم نفسه، فهو هادر. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول فيه: هدر دمه، بغير ألف، مضموم الهاء، وهو خطأ. وكأنه مأخوذ من قولهم: هدر الشيء إذا غلا وفار. وكذلك هدير الحمامة؛ وهو ما دام ولج من صوته، بمنزلة غليان القدر أيضا. وكذلك المستقيل من الناس، قد هدر دمه. وكذلك يقال له: يغلي دمه.
وأما قوله: وقص الرجل، إذا سقط عن دابته، فاندقت عنقه؛ فقد فسره هو بسقوطه، واندقاق عنقه. وهو فعل لم يسم فاعله. ولو سمي لقيل فيه: وقصته، ووقصت به الدابة. وقد جاء في الحديث "أن رجلاً وقصت به دابته، أو راحلته في أخاقيق جرذان"، فالمعنى/ أنها عثرت وسقطت به فوقص، وهو أن تندق رقبته، فتدخل في فقار ظهره؛ فتقصر، فيصير بمنزلة الأوقص، وهو القصير الرقبة، من غير سقوط، ولكن خلقة. يقال: وقص به يوقص وقصا. وإنما ذكره؛ لتفرق بين فعل الموقوص به، وبين فعل الأوقص؛ وذلك أن الأوقص يقال له: فعل يفعل ففعلاً؛ لأنه بمعنى الانفعال، كنظائره، مثل قولهم: زمن يزمن زمناً، وعرج يعرج عرجا، وأشباه ذلك، وهذا الآخر فعل لم يسم فاعله، وإنما هو منسوب إلى المفعول، بضم الأول، على مثال فعل يفعل فعلا؛ لأن العامة تضع أحدهما في موضع الآخر.
وأما قوله: وضع الرجل في البيع، يوضع، فمعناه أن يخسر من رأس المال، وهو من
стр. 72
الوضيعة؛ وهي نقصان رأس المال، كأن التجارة وضعت من رأس ماله، فجعل الفعل له فقيل: وضع الرجل، على الاتساع والاختصار. وإنما وضع من ماله. وإذا ربح وزاد ماله، فقد رفع ماله، وإذا خسر ونقص ماله، فقد وضع، لأن الوضع ضد الرفع. يقال: ارتفع الشيء إذا زاد. واتضع إذا نقص. ومنه قيل للساقط القدر من الناس: وضيع. وكل شيء قلت قيمته وقدره، فهو وضيع. ومنه يقال: اتضع بعد الارتفاع. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: وضعت في البيع، بفتح الأول، كما يقولون: خسرت؛ لأنه في معناه؛ فيجعلون الفعل للمتكلم، وإنما هو لفاعل غير مسمى. والمتكلم مفعول للتجارة، والتجارة هي الواضعة من رأس المال. وقال بعض الأعراب و [قد] أمرته امرأته بالتجارة، فازدحم عليه الناس في السوق، وذهب بعض متاعه وخسر، فقال:/
قد أمرتني امرأتي بالسمسره فكان ما أصبت وسط الغثيرة
وفي الزحام أن وضعت عشرة
وكذلك قوله: وكس الرجل يوكس في البيع، معناه نقص. والوكس النقصان، يقال: طلب مني بوَكْسٍ، من رأس المال، ووكستني أيها المشتري، تكسني، وكساً، فأنا موكوس، وقد وكست. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: أوكست، بألف، وقد أوكستني، وهما خطأ.
وكذلك قوله: غبن الرجل في البيع غبنا، فمعناه خدع خدعا، وهو مغبون مخدوع. وفاعله: غابن، مثل الخادع، وهو الذي غبنه، وهو بغير ألف، وأوله مضموم؛ لأنه مفعول لم يسم فاعله، فإن جعلته فاعلاً قلت: غبن يغبن غبنا، وهو فعل لازم، غير متعد؛ لأنه انفعال ومطاوعة، ولذلك قال: ويقول: غبن رأيه يغبن غبناً، أي غبن في رأيه، والمعنيان
стр. 73
من أصل واحد، إلا أنهم خصوا الفعل الذي للرأي ببناء فعل المنفعل، والذي للبيع ببناء فعل المفعول، للفرق بين المعاني.
ألا تراهم قالوا: إنه لغبين الرأي، وإنه لمغبون في البيع، وقالوا في المعنيين جميعاً: تغابن له؛ أي تغافل، حتى غبن. ومن هذا قول الله : (يَوْمُ التَّغَابُنِ)؛ لأن الظالم فيه، هو الخاسر المغبون، والمظلوم المغبون، هو الرابح الفائز، يتحول فيه الغابن مغبونا، والمغبون غابنا.
وأما قوله: هزلت الدابة، وهزل الرجل، بضم الهاء، فمعناه معروف وهو النحول في الجسم، والدقة من ضر أو مرض، أو غم أو تعب. وإنما ذكره؛ لأن العامة/ تقول: هَزُلَتْ، بفتح أوله، وبضم ثانيه، فتجعل الفعل للرجل، وإنما هو مفعول لم يسم فاعله، وليس له فعل، والدليل على ذلك قولهم: هو مهزول، على بناء مفعول، ولا يقال له هازل، وإنما الهازل الشيء الذي صيره مهزولاً. يقول: هزله الجدب وهزله المرض، وهزله الكد والسفر هزالا.
وأما قوله: نكب الرجل، فهو منكوب، فمعناه أن يصيب حجر، أو نبكة ناتئة، أو خشبة، أو نحو ذلك، إصبعا له، أو ظفرا، فيعنته، منكوبا ونكيبا، وقال لبيد:
وتصك المرو لما هجرت بنكيب معر دامي الأظل
стр. 74
وقد يستعار، فيقال للذي أصابته جائحة، أو حادثة من حوادث الدهر: قد نكب، فهو منكوب، لأنه مفعول لم يسم فاعله، وإذا سمي الفاعل قيل نكبه الحجر، ونكبه الدهر، ونحو ذلك، ينكبه نكبا، والأصل فيه النكوب عن الشيء. وذلك أن يمشي الرجل جانباً، عن الجادة، مائلا عن الطريق، فيصيبه ذلك فيقال: قد نكب عن الطريق ينكب نكوباً. ومنه قول الله : (عَنِ الصِّرَاطِ لَنَاكِبُونَ). وقد تنكبت الشيء أتنكبه، إذا اجتنبته. ومنه قيل: تنكب الرجل قوسه، إذا جعله على جانبه الأيسر، وهو منكبه والمنكب أيضاً سمي بذلك؛ لأنه جانب عن الوسط. وكذلك مناكب الأرض جوانبها في قول الله : (فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا) ويقال: جبالها. وكل منحرف عن الاعتدال ناكب.
وأما قوله: وقد حلبت ناقتك وشاتك، فهي تحلب لبنا، فمعناه معروف وهو أن يستخرج/ من الضرع ونحوه، ما فيه من اللبن، بالكف والأصابع، ونحو ذلك وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: كم حلبت ناقتك، بفتح الأول، فيجعلون الفعل للناقة والشاة، وهو خطأ؛ لأنهما لا يحلبان، وإنما يحلبهما الراعي أو صاحبهما، الذي يستخرج ما في ضروعهما من اللبن، فهو الحالب. وفعله حلب، بفتح الحاء. والناقة محلوبة، فهي تحلب، بضم التاء. وحلبت، بضم الحاء. فإن جعلت الفعل للناقة أو الشاة، أدخلت في أوله الألف. فقلت: كم أحلبت ناقتك، أو شاتك؛ أي كم بلغ حلبها ولبنها، وحلوبة القوم الشاة التي يحلبونها، لا تباع ولا تذبح، وهي شاة حلوب؛ أي كثيرة اللبن.
وأما قوله: رهصت الدابة، فهي مرهوصة، ورهيص، فمعناه أن تصيبها الرهصة، وهي ما ينزل في رسغها، فيبزغ ويستخرج ويداوى. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: رهصت الدابة، بفتح الراء، وتجعل الفعل للدابة، وإنما الفعل للداء، وهو ذلك الماء.
стр. 75
ولكن الفاعل لم يسم، ولو سمي مع فعله لقيل: رهص الداء الدابة، فهو راهص، وهي مرهوصة.
وأما قوله: نتجت الناقة، تنتج، ونتجها أهلها فمعناه وُلِّدت، وقيم عليها حتى ولدت، وهو بضم الأول؛ لأنه لمفعول، لم يسم فاعله. فإذا سميت الفاعل، فتحت أول الفعل، فقلت: نتجها أهلها، والناتج في الناقة بمنزلة القابلة للمرأة، فتقول: نتجت ناقتي، وقبلت القابلة المرأة. فإذا لم تسم الفاعل فيها ضممت فقلت: نتجت الناقة، وقبلت المرأة، ومنه قو الحارث بن حلزة:
لا تكسع الشول بأغبارها إنك لا تدري من الناتج
واصبب لأضيافك ألبانها فإن شر اللبن الوالج
وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: قد أنتجت ناقتي، بالألف، وقد أنتجت الناقة، ونتجت هي، وهو كله خطأ. وإنما يقال: قد أنتجت الناقة، إذا دنا وضعها ونتاجها، فهي منتنج. وقد يستعار هذا الكلام في غير الناقة فيقال: هذا الرأي لا ينتج، وهذه المقدمة لا تنتج نتيجة صادقة، أي لا تكون لها عاقبة، ولا فرع محمود.
وأما قوله: عُقِمت المرأة، إذا لم تحمل، وهي عقيم؛ فإن الخليل ذكر أن العقم هزمة تقع في الرحم، فتمنعها من الحمل، فيقال: عُقِمْت الرحم، تعقم، فهي معقومة وعقيم، وكذلك المرأة نفسها، يقال لها: عقمت تعقم، فهي معقومة وعقيم فهما مفعولتان، لم يسم فاعلهما، والفاعل هو الداء، الذي وصفه الخليل، وهو الهزمة، أو شيء أصابها. وقد سموا
стр. 76
الريح التي تهلك كل شيء، ولا تلقح الشجر العقيم أيضاً وإنما ذكر هذا؛ لأن العامة تقول: عَقُمِتْ المرأة، فيجعلون الفعل لها. وقد حكى أهل اللغة أنه قد يقال: عقمت المرأة، بفتح الأول وضم الثاني. وعقمت أيضاً، بفتح الأول، وكسر الثاني، فهي لغات، والأولى أجود، وأفصح وأكثر استعمالا، وليس شيء منها بخطأ. وفي حديث: "وتعقم أصلاب الرجال" فجاء ذلك في الرجال، وفي أصلابهم، كما جاء في النساء وأرحامهن، وقال الشاعر، يصف ناقة:
معقومة أو غارز جدود
فهذا حجة لمن قال: عُقِمت، بضم الأول؛ لأن معقومة مفعولة. وقال/ الشاعر، وهو أبو دهبل الجمحي:
عقم النساء، فلا يلدن شبيهه إن النساء بمثله عقم
والمعاقم معاقد الأوصال، من اليدين والرجلين، وجميع الجسد يقال إنه لصلب المعاقم، والواحد معقم. ومن هذا أخذ العقيم.
وأما قوله: ومن العاقر عَقُرتْ، بفتح العين، وضم القاف، فهذا معناه من العقر، وجاء الفعل لها على بناء كرم وظرف؛ لأنه لازم غير مجاوز كالانفعالات، وهو بناء فعل المبالغة، أي صارت ذات عقر، والعقر معروف. وليس قولهم لها عاقر مما ينكر؛ لأنه قد يجيء ذلك على نية النسب لا على طلب الفعل وحذفه، وقد قدمنا شرح هذا. على أن "الخليل" قد ذكر عن العرب: عقرت المرأة، بضم العين، وكسر القاف أيضاً، وعقرت، بفتح العين وكسر القاف، واختار ضم العين، واحتج في ذلك بأن هذا الفعل ليس من
стр. 77
المرأة نفسها، وإنما هو شيء ينزل بها من غيرها. فاستدل بهذا على أن عقرت فعل مفعول لم يسم فاعله، قفولهم عاقر، يجوز أن يكون فاعلاً من عقرت، بفتح العين، وكسر القاف، وأن يكون مثل قول الأعشى:
لو أسندت ميتاً إلى نحرها عاش ولم ينقل إلى قابر
حتى يقول الناس مما رأوا يا عجبا للميت الناشر
فهذا البناء يشترك فيه الفاعل والمفعول، إذا أريد به النسب. والعاقر: لتي في رحمها عقر، فهي معقورة وعقير. ومنه قيل: كلب عقور. وبيضة العقر،/ لآخر البيض، التي لا يباض بعدها شيء، كأنها تصير عاقرا.
وأما قوله: زُهيت علينا يا رجل، وأنت زهو؛ فإن الزهو العجب والكبر، أي تكبرت علينا يا رجل. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: قد زها علينا، فتجعل الفعل له، وإنما هو مفعول، لم يسم فاعله. والدليل على ذلك قولهم: فهو مزهو، والفعل للزهو، أو للكبر أو للمال، أو العلم، أو الحسن، أو نحو ذلك. فإن أدرت أن تخبر عن فاعله قلت: زهاه المال وزهاه الجمال أو الكبر، ونحو ذلك، كما قال ابن أبي ربيعة:
فيما تواقفنا وسلمت أشرقت وجوه زهاها الحسن أن تتنقعا
الحسن ونحوه الزاهي والوجه ونحوه المزهو ومن ذلك قولهم: زهته الريح أي رفعته، وطيرت به، وهو فعل متعد. وأما زها غير متعد، فإنما يقال للنخل والثمر، إذا تلون، لا غير.
وأما قوله: وكذلك نخيت علينا فأنت منخو، من النخوة، فقد فسره ثعلب بقوله
стр. 78
من النخوة، وهي التكبر والتجبر، وهو مثل: زهيت علينا وقد بين أيضاً بقوله فأنت منخو، أنه فعل مفعول لم يسم فاعله؛ لأن منخواً مفعول، ولم نسمع فعل الفاعل من النخوة مستعملاً في شيء من الكلام. وقياسه سهل، ولو استعمل لقيل: نخته الإمارة فهي ناخية، وهو منخو.
وأما قوله: فلج الرجل، من الفالج، فهو مفلوج، فإن معناه استرخى شقه من داء أصابه. وقوله فهو مفلوج دليل على أنه فعل لم يسم فاعله فهو مضموم الأول. وكل شيء مال جانب منه عن الآخر، وانفرج ما بينهما فقد فلج. ومنه سمي البعير/ ذو السنامين فالجاً. والمكيال الواسع فالجاً. وقيل للثنيتين إذا انفرج ما بينهما أفلج ومفلج. وإنما ذكره لأن العامة تقول: أُفلج الرجل، بألف، وهو خطأ؛ لأنه لا يقال للمفعول منه مفلج.
وأما قوله: لقي الرجل من اللقوة فهو ملقو، فمعناه اعوج وجهه، والتوى شق شدقه، إلى أحد جانبي عنقه. وهو ضرب من الفالج إلا أن الفالج في البدن كله، وهذا في الوجه خاصة. وهو فعل لم يسم فاعله أيضا. وأنما ذكره مع فلج الرجل، لأنه نظيره في المعنى والمثال من الفعل. والدليل على ضم أوله قولهم في الاسم: ملقو على مثال مفعول، واسم الداء نفسه: اللقوة، بفتح اللام، فأما اللقوة بكسر اللام فاسم العُقال؛ سميت بذلك؛ لأنها معوجة المنسر، بها شغاً، ولذلك يقال لها: شغواء. ولو استعمل اسم الفاعل مع فعله لقيل لقاه الله، وفلجه الله، فهو لاقيه وفالجه.
وأما قوله: قد دير بي وأدير بي، على فُعل وأُفعل؛ فقد قدمنا القول في ذلك في مواضع، ومعناه أنه أصابه الدوار؛ وهو داء في الرأس، كالغشي والإغماء، مأخوذ من دور
стр. 79
الشيء، إذا دار، من دورانه. والفاعل من دير بي دائر، ومن أدير بي مدير. والمفعول من دير مدور. ومن أدير مدار، ومصدرهما الدور والإدارة، وهما معروفان. والمستقبل منهما يدور ويدير، يقال: دارت الرحى، ودارت النجوم، ودار الفلك، ودارت الأيام والشهور، ونحو ذلك. وقد أدار ذلك كله مديرها.
وأما قولهم: غم الهلال على الناس؛ فمعناه غُطِّي وسُتر. وكل شيء غطيته فقد غممته. وإنما يكون ذلك في الهلال، من سحاب يكون في السماء، أو غيره أو دخان، أو نحو ذلك. وفي/ الحديث: "صوموا لرؤيته، وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين". وهي الغمة. ومنه قول الله : (ثُمَّ لا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً). فالهلال مغموم؛ لأنه مفعول. ولو استعمل فعل فاعله مع الفعل لقيل: غم السحاب الهلال، يغمه كما قال الراجز:
يا عمرو غم الماء ورد يدهمه
وإنما ذكر هذا؛ لأن العامة تقول: أغمي علينا الهلال، بألف وياء، وهو خطأ. ومن هذا قيل للرجل الكثير شعر الوجه والقفا: أغم، وبه غمم، وقال الشاعر:
فلا تنكحي إن فرق الدهر بيننا أغم القفا والوجه ليس بأنزعا
ومنه قولهم غمام، والواحدة غمامة. ومنه قيل للغم غم.
وأما قوله: أغمي على المريض، فهو على أفعل؛ بالألف، ولكنه أيضاً فعل مفعول لم يسم فاعله؛ ولذلك ضم أوله. وقال: فهو مغمى عليه، ولم يقل مغمى عليه ومعناه: غشي عليه، فهو مغشي عليه، بغير ألف، والفاعل من أغمي مغمّى؛ تقول: أغمى الله عليه،
стр. 80
ومصدره الإغماء، وهو من الغمى، مفتوح الأول مقصور؛ وهو ضرب من التغطية على الشيء.
وأما قوله: قد أهل الهلال، واستهل؛ فمعناه رئي الهلال، إلا أنه مشتق من استهلال الناس بالتكبر، لرؤيته، على ما كنا قدمنا شرحه. فأما أهل، بالألف، على مثال أفعل. وأما استهل فعلى استفعل، وكلهما فعل لم/ يسم فاعله. وقد شرحنا ذلك في أول الباب.
وأما قوله: شُدهت، فأنا مشدوه، أي شغلت، فإنما توهم أهل اللغة أن معناه شُغلت، لقول رؤبة:
لم يطو أذيالي كثار المبتهى ولا معرات الخطوب الشده
والخطوب وإن كانت قد تشغل، فليس للأشغال معرات، ولكن للدهش معرات، وقد قدمنا تفسير هذا أيضا.
وأما قوله: بر حجك، فعمناه قبل حجك، وزكي، أي جعله الله من أعمال البر. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: بَرّ حجُّك، بفتح الباء يجعلون الفعل للحج. وإنما الحج مفعول به، مبرور، وليس ببار، والله هو الذي يبر الحج، وقد فسرنا البر في أول الباب أيضاً.
وأما قوله: ثلج فؤاد الرجل، فهو مثلوج، إذا كان بليدا، فمعناه أنه قد برد قلبه عن الفهم والمعرفة، فصار بليدا، وهو مشتق من الثلج، وأتى به على أنه مفعول، لم يسم فاعله. وذكر" الخليل" في هذا أنه يقال: ثلج الرجل، بفتح الثاء، وكسر اللام، إذا برد قلبه عن شيء، وأنشد في ذلك قول العجاج:
يزداد عن طول النطاح ثلجا
стр. 81
لأنه أتى بالمصدر على فعل، بفتح الفاء والعين، فهذا يدل على أن الفعل منه كما قال الخليل. وقد ذكر ثعلب هذا الفعل بعينه في الرجل، إذا سر بخبر أتاه، وليس بين المعنيين فرق؛ إلا أن البرد قد أفرط على الأول، حتى فتر عن كل شيء، وأن هذا أصابه منه قدر ما التذ به. وفي الحديث: "من أحب أن يجد في قلبه ثلج اليقين"،/ بفتح الأول والثاني.
وأما قوله: امتقع لونه، أي تغير، فهو على بناء افتعل، إلا أنه مما لم يسم فاعله أيضاً، فهو مضموم الأول، ومعناه ذهاب الدم من الوجه وغئوره في البدن، لأنه من المقع، وهو شدة شرب الفصيل لبن أمه، ولو ذكر الفاعل مع فعله لقيل: امتقع الخوف لونه: أو التعب أو السهر أو المرض، ونحو ذلك، ولكن الفعل بغير الفاعل واللون مفعول لم يسم فاعله. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول فيه: انتقع لونه؛ بفتح التاء والقاف وبالنون، ولا يعرفون الميم، ومن عرف منهم الميم فتح أيضاً الميم والقاف، فيجعلون الفعل للون، وهو خطأ. وكذلك هو بالنون والهاء، بضم التاء، وكسر القاف، وقد انتُقِع واهتُقِع.
وأما قوله: انقطع به فمعناه انقطعت به نفقته في سفره أو نحو ذلك من الحوادث، والفعل لغيره، وهو مفعول لم يسم فاعله. وإنما المنقطع ما ذهب منه، ولكن فعله يتعدى إلى المفعول بحرف جر؛ لأنه بمعنى الانفعال، لازم. وإنما ذكره؛ لأن العامة تقول: انقطع به، بفتح القاف والطاء، وتظن أن الفعل للرجل، وهو خطأ. وإنما يجوز ذلك، إذا سمى الفاعل معه، فقيل: انقطعت به نفقته ونحو ذلك.
وأما قوله: نُفست المرأة غلاما، وهي نُفساء، والمولود منفوس فإن معناه ولدت، أو أُولدت، ولكنه فعل مفعول، لم يسم فاعله. وأما الغلام، فإنه وإن نصب، فمعناه بغلام، ولكن الباء قد حذفت تخفيفاً، وعدي الفعل إلى الغلام، وهو لا يتعدى في الأصل إلا بحرف جر. وقوله: للغلام منفوس/ أيضا، إنما أصله منفوس به، ولكن حذفت منه "به" وكل ما نُفس به من شيء، أي ضن به، فهو نفيس، أي كريم له نفاسة
стр. 82
والعرب تقول للمرأة إذا حاضت: قد نفست، والنفس عندهم الدم؛ ولذلك قيل، إذا وقع في الماء فمات شيء لا نَفْس له، مثل الذباب، أي لا دم له؛ فهو طاهر. وإنما سمي الدم نفسا لنفاسته، في البدن، وقوام الروح والبدن به. والعامة تقول للنفساء: قد نفست، بفتح الأول، تجعل الفعل لها، وهو خطأ.
وأما قوله: نفست عليك بالشيء، أنفس نفاسة، فمعناه ضننت عليك به. وهذا شيء منفوس به، وهو منفس أيضاً. كما قال الشاعر، وهو النمر بن تولب:
لا تجزعي إن منفس أهلكته وإذا هلكت فعند ذلك فاجزعي
أي لا تجزعي إن أهلكت شيئاً، له نفاسة، فأنفقته. وهذا وما قبله من أصل واحد، لأن الولد له نفاسة، وهو مما ينفس به، فلذلك قيل له: منفوس به.
وأما قوله: وإذا أمرت من هذا الباب كله، كان باللام، فإنما يعني أن الفعل ليس للمأمور، وإنما هو لغيره، والغائب لا يؤمر، كما يقال للمخاطب المواجه: افعل، ولا يحذف من فعله حرف المضارعة، فإذا ثبت حرف المضارعة لم يجز أن يبنى، فاستحق الإعراب، ولا يكون مجزوما إلا بدخول الجازم عليه، وهو اللام؛ لأنه حرف الأمر، وفعل المخاطب أيضا، إذا لم يحذف منه حرف المضارعة، لم يكن فيه بد من حرف الأمر الجازم له، إذا كان مأموراً. وإن كان حذف اللام والتاء جائزاً فيه. فأما الغائب فلا يكون إلا كما بينا. وقد شرحنا هذا في /أول الباب أيضا، فهذا آخر هذا الباب الرابع.
стр. 83
تصحيح الباب الخامس
وهو باب فَعِلْتُ وفَعَلْتُ باختلاف المعنى
اعلموا أنه قد مضى باب فَعَلْت، بفتح العين، في أول الكتاب. ومضى بعده باب فَعِلْت، بكسر العين. وإنما أعاد ذكرهما ههنا؛ ليذكر الكلمتين اللتين تكون حروفهما واحدة، وهما مختلفان في المعنى، فكان يجب على هذا أن يترجم الباب بباب ما اختلف بناؤه ومعناه، واتفق لفظه ليكون أوضح لما أراد.
فأما قوله: انقه من الفهم، بفتح القاف فإنه كان يجب أن يكون على الأصل قافه مكسورة، أو مضمومة؛ لأن القاف في ماضيه مفتوحة وقد بينا ذلك, ولكن انفتحت القاف في المستقبل من أجل الهاء التي هي لام الفعل؛ لأنها من حروف الحلق. وقد فسرنا ذلك.
وكذلك قوله: يقنع، إذا سأل، إنما فتح من أجل العين، وأصله الكسر أو الضم.
وهذا الباب عنده، وعند أهل اللغة أجمعين، من باب ما اتفق لفظه، واختلف معناه. وذلك غلط منهم؛ لأن البناءين إذا اختلفا فقد اختلف اللفظان، وإن اتفقت الحروف. وإنما المتفق في اللفظ ما اتفق في البناء وفي الحروف؛ فإذا اتفق البناءان في الكلمة والحروف، ثم جاءا لمعنيين مختلفين، لم يكن بد من رجوعهما إلى معنى واحد، يشتركان فيه، فيصيران متفقي اللفظ والمعنى, إن أفردنا كتاباً لهذا على حدته./
وقوله: عمت أعيم أصله فعلت، بفتح العين، فلو جاء على الأصل لقيل: عمت، بفتح العين، كما يقال في فعل الغائب: عام يعيم، وهكذا باب هذا الضرب، إذا انكسر المستقبل أو انضم منه، فماضيه يجب ألا يكون إلا مفتوحاً. ولكن فعلت خاصة، يحول من فعل إلى فعل من أجل مجيء التاء، وسقوط عين الفعل، لسكونها وسكون لام الفعل لأنه الحرف المعتل فيحول إلى فعِلت؛ لتدل الكثيرة على أن الساقط ياء مكسورة، كما يفعل بما كانت عليه واوا؛ فيحول فعلت منه إلى فُعِلت، ثم تحذف الواو، وتحول ضمتها إلى
стр. 84
فاء الفعل، لتدل الضمة، على أن الساقط واو، مضمومة، كقولك: قمت وصمت؛ فيشترك الماضي والمستقبل في حركة عين الفعل، كما اشتركا في حرف العلة.
وأما قوله في مستقبل عمت أعام، فخطأ، إلا أن يكون عام في الأصل قد جُعل من باب فَعِل، بالكسر، غير محول في فَعِلت من فَعَلت، فيكون مستقبله مفتوحاً. وهذا إنما يجوز على أن يكون في عِمْت لغتان، إحداهما فعلت، بكسر العين، فيكون أعام في المستقبل على هذه اللغة، ويكون أعيم على لغة من كان أصل عمت عنده بالفتح. فإن كان إلى هذا ذهب فقد كان يجب عليه أن يبينه.
وقوله: عُجْت، بضم العين منقول من فَعَلت بالفتح إلى فَعُلت بالضم مثل ما فسرنا. ولذلك ذكره في هذا الباب؛ لأن هذا الباب ليس بباب فعُلت، بضم العين. وليس الأمر في عاج يعيج، وعاج يعوج، بمنزلة/ الأمر في نقهَت ونَقِهْت؛ لأن نقهت ونقهت من باب واحد، عين الفعل فيهما فيها جميعا القاف، فاشتقاقهما واحد، من أصل واحد. وهذا مختلف لأن عاج يعوج، عين الفعل منه واو. وعاج يعيج، عين الفعل من ياء. فأصلاهما مختلفان، وليس واحد منهما بمشتق من الآخر. ووقوعهما في هذا الباب خطأ من وجهين؛ وكذلك عام يعوم، وعام يعيم؛ لأن عجِت أَعِيج، أصله فَعَلت، بفتح العين، ولكنه نُقِل مع علامة المضمر إلى الكسر. وكذلك عُمت بالضم، وعمت، بالكسر، أصلهما جميعاً فَعَلت، بفتح العين. وهما منقولان كما وصفنا. وأصل أحدهما من الواو، والآخر من الياء، فهما مختلفا الحروف، فلم يجب ذكرهما في باب فَعَلت وفَعِلت باختلاف المعنى. فهذا ذكر ما غلط فيه.
وأما تفسير الغريب من هذا الباب:
فإن قوله: نَقِهْت الحديث مثل فهمت مفسر. وقوله: نَقَهْت من المرض أنقه فيهما جميعاً، معناه: برأت من المرض؛ ولذلك جاء على وزن برأت أبرأ. كما جاء نقهت الحديث على وزن فهمت، لما كان في معناه، والكلمات مشتركتان في معنى واحد، إلا أن
стр. 85
إحداهما في النفس والأخرى في البدن؛ وذلك أن الذي فقه الحديث بعد جهله، بمنزلة الذي صح جسمه بعد سقمه، فلما كانت إحداهما للنفس، والأخرى للبدن، فرق بين مثاليهما. وجُعلتْ كل واحد على وزن ما هو في معناها على ما بينا.
فأما ينقه من المرض، ففتح مستقبله؛ لأن ماضيه مكسور مثل فهم يفهم، فمصدر الأول مفتوح العين، كالفهم، ومصدر الثاني مكسور الأوسط؛ لأنه مثل البرء.
وأما قوله: قررت به عينا أقر، على مثال فعلت أفعل، فإن معناه من القر، وهو البرد. ومنه قرة العين، وهي ضد سخنة العين. فلذلك جاء على مثال سخنت عينه تسخن، وهي عين قريرة، أي باردة ولذلك يقال: إن دمع السرور بارد، ودمع الحزن حار. ويقال: عين سخينة، أي حارة باكية. والعين المريضة يجد صاحبها فيها حرارة وحرقة. والصحيحة يجد فيها صاحبها برداً أو سكوناً، ولذلك قال أبو ذؤيب:
بالعين بعدهم كأن حداقها سملت بشوك فهي عور تدمع
فأما قوله: قررت بالمكان أقر، فمعناه ثبت وسكنت، فلذلك جاء على فعلت، بفتح أوله وثانيه، وهو من القرار. والقرار: المستقر، خولف بين أمثلة الفعلين والمصدرين للفرق بين معانيها.
وأما قوله: قنع الرجل قناعة، بكسر النون في الماضي، فمعناه رضي بحظه، وصبر على ضره. واسم فاعله: قنع، بكسر النون، بغير ألف، وقنوع على فعول في المبالغة.
وأما قوله: قنع، بفتح النون قنوعاً فمعناه سأل وتعرض وطلب. واسم فاعله قانع.
стр. 86
ومنه قول الله : (فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا القَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ) والمستقبل منهما جميعاً: يقنع، بفتح النون، فالأول يجري مستقبله على ماضيه، على الأصل. والثاني يفتح مستقبله، لحرف الحلق، وأصله غير ذلك. ومصدر الثاني: القنوع، على/ فعول كما قال الشماخ:
لمال المرء يصلحه فيغنى مفاقره أعف من القنوع
وأما قوله: لبست الثوب ألبسه، بكسر الباء من الماضي، وفتحها من المستقبل، فمعناه معروف. وهو بمزلة اكتسيت، عام في كل شيء، من اللباس وغيره. يقال: لبست ثوبي، وسراويلي، وعمامتي، وخفي، وخاتمي، وسلاحي، ونحو ذلك. مثل لبِست أيامي، ولبست عمري، ونعمتي، وأهلي، قاله الله : (هن لباس لكم، وأنتم لباس لهن). وكذلك لابست الأمر، أي خالطته. وهو ضد عريت أعرى؛ ولذلك جاء على مثاله في الماضي والمستقبل.
وأما قوله: لبست عليهم الأمر ألبسه، بفتح الثاني من الماضي وكسره من المستقبل، فمعناه خلطته عليهم وسترته؛ ولذلك جاء على مثالهما. وأصل الفعلين واحد؛ لأنهما جميعاً من التغطية والاختلاط؛ لأن ستر الأمر تغطية له، ولبس الثياب تغطية للبدن، ولكن خولف بين الأمثلة؛ لفرق بين ما شرحنا، كما خولف بين المصادر فيهما، فقيل في الأول: لُبسا، بضم اللام، ولباساً، وقيل في الثاني: لبساً، بفتح اللام. ومن الثاني قول الله : (ولَلَبَسْنَا عَلَيْهِم مَّا يَلْبِسُونَ).
стр. 87
وأما قوله: لسِبْتُ العسل ونحوه؛ إذا لعقته، فقد فسره هو. وهو مثل: سففت الدواء ونحوه؛ فلذلك جاء على مثاله، بكسر الثاني من الماضي وفتحه من المستقبل.
وأما قوله: لسبته العقرب تلسبه لسبا، فمعناه لدغته ولسعته،/ وأبرته وغرزته؛ ولذلك جاء على مثال هذه الأفعال، بفتح الثاني من الماضي، ولم يفتح من مستقبله؛ لأنه ليس فيه حرف من الحلق، مثل ما في يلدغ ويلسع، ولكنه يجوز في مستقبله الكسر والضم جميعاً، وهما لغتان. ويستعمل ذلك في الحياة والعقرب والزنبور؛ ولذلك قيل للنحل: اللسوب.
وأما قوله: أسيت على الشيء؛ إذا حزنت عليه آسى، وأسوت الجرح وغيره إذا أصلحته آسوه، فهما على ما فسره، إلا أنهما من الحروف التي غلط في إدخالها، في هذا الباب، إذ وضع أسيت مع أسوت؛ لأن شرطه في ذلك الباب، فَعَلت وفعِلت من لفظ واحد، وهذان لفظان مختلفان في الحروف لأن أسيت من ذوات الياء، وأسوت من ذوات الواو، فهما صنفان مختلفان في الحروف. وإنما يجب أن يأتي أسيت، بكسر السين، مع أسيت، بفتحها؛ ليكونا جميعاً من ذوات الياء، وأن يأتى بهما جميعاً من ذوات الواو، كما أتى بمثل ذلك في الصحيح، فقد خالف هذان جميع ما في هذا الباب من الصواب.
وأما قوله: حلا الشيء في فمي يحلو، وحلي بعيني يحلى حلاوة، فيهما جميعاً، فمعنى الأول واضح مشهور. وأما الثاني، فمعناه حسن في عيني، لأن الحلاوة إنما تذاق بالفم، لا بالعين، والحسن يرى بالعين، ولا يذاق بالفم، وإن كان لا تمتنع الاستعارة في ذلك، كما قال الله [ ]: (ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ) وقال [تعالى]: (ولَنُذِيقَنَّهُم مِّنَ العَذَابِ الأَدْنَى دُونَ العَذَابِ الأَكْبَرِ)؛ لأن المعنيين محسان جميعاً؛ فحلى يحلى يحتمل أن يكون مشتقاً من الحلية، فيكون من بنات الياء، فلا يجب أن يقرن بقوله: حلا يحلو أيضاً. فأما/حلاوة في مصدره، فغير منكر أن يقع ههنا. بدلاً من مصدر صحيح لم يستعمل، كما يقال: ذهبت سيراً ونحو ذلك. ولكنه يحتمل أن يجيء أيضاً من حلا يحلو على فعل يفعل، فتنقلب الواو منه ياء، كما قيل: رضي يرضى وهو من الرضوان.
стр. 88
وأما قوله: عرج الرجل يعرج، إذا صار أعرج، وعرج يعرج، إذا غمز من شيء أصابه؛ فإن الأول بمعنى زمن يزمن؛ فلذلك جاء على مثال فعله، بكسر الماضي، وفتح المستقبل.
وأما عرج يعرج إذا غمز فأصله من قولك: عرج يعرج، إذا صعد. ومنه قول الله : (يَعْرُجُ إلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ [أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ]) فشبه مشى الغامز من وجع برجله بذلك الصعود؛ كأنه يرقى في درجة أو سلم، فقيل: يعرج عروجاً، وقد عرج.
وأما قوله: نذرت النذر أنذُره وأنذِره، بفتح الذال من الماضي، وكسره وضمه من المستقبل، فبمعنى حلفت أحلف، ولذلك جاء على فعلت، بفتح الثاني من الماضي، وجاز في مستقبله الكسر والضم، على الأصل والقياس، اللذين قدمنا؛ لأنه ليس فيه من حروف الحلق شيء. وفاعله: ناذر، مثل الحالف. ومصدره: النذر، على فعل. ومنه قول الأعشى:
يحلف بالله لئن جاءه عني أذى من سامع خابر
ليجعلني سبة بعدها جدعت يا علقم من ناذر
وأما قوله: نذرت القوم، إذا علمت بهم، فاستعددت لهم أنذر، بكسر الثاني من الماضي، وفتحه من المستقبل، فجاء على وزن: علمت أعلم؛ لأنه بمعناه؛ / وتقول فيه: أنذرني فلان كذا وكذا، إنذاراً، مثل: أعلمني إعلاما، فهو منذر ونذير، كما قال الله : (بَشِيرًا وَنَذِيرًا)، (وإن مِّنْ أُمَّةٍ إلاَّ خَلا فِيهَا نَذِيرٌ) وقال [تعالى]: (إنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا).
وأما قوله: عمر الرجل منزله، وعمر المنزل، فهو ضد قولك: خرب الرجل منزله، وخرب المنزل. وهذا من نوادر الكلام؛ أن يقال: عمرته فعمر فيسوى بين فعل الفاعل، وفعل المنفعل في البناء، نحو قولهم: جبرته فجبر وقد فسرنا بعض ذلك فيما تقدم، وهما جميعاً على فعل، بفتح الثاني من الماضي، والرجل عامر، والمنزل عامر، وأحدهما فاعل، والآخر منفعل ومستقبلهما بضم الثاني، والكسر فيهما جائز.
стр. 89
وأما قوله: عمر الرجل، إذا طال عمره، فبمعنى بقي وهرم، فلذلك جاء على مثالهما، بكسر الثاني من الماضي، وفتحه من المستقبل، أما معاني ثلاث الكلمات، فإنها ترجع إلى معنى واحد، وهو العمارة.
وأما قوله: سخن الماء وسخن، فمعناهما معروف واضح، من السخونة، وهي الحرارة القليلة. وفتح الخاء أفصح من ضمها، لن اسم الفاعل منه ساخن. وضم الخاء لغة العامة. واسم فاعله: سخين، كما قال عمرو بن كلثوم:
مشعشعة كأن الحص فيها إذا ما الماء خالطها سخينا
وأما قوله: سخنت عين الرجل، بكسر الخاء، فبمعنى حزنت وبكت. ومعناها حميت، ولذلك جاء على مثالها. والفاعل منه سخين، والعين سخنة. ومصدره: السخونة. ويقال منه: سخن الماء، وهو سخن، ولا يقال سخِن، للفرق.
وأما/ قوله: أمر القوم، إذا كثروا، بكسر الثاني من الماضي؛ فقد فسره هو وفاعله: "أمر، على فعل، والجميع أمرون. ومصدره: الأمر؛ بفتحتين. ومستقبله: يأمرون، بفتح الميم.
وأما قوله: أمر علينا فلان، بفتح الثاني من الماضي، أي ولي، يعني صار أميراً علينا، ومستقبله يأمر، بضم الميم. وفاعله: أمير، عى مثال: عليم ورحيم، للمبالغة في الأمر. وأما في غير هذا، ففاعله: آمر، لا غير. وأهل اللغة يرون أن أميرا بمعنى آمر، ويستشهدون بقول الشاعر:
ألا حجبت ليلى وآلى أميرها يميناً عليها جاهدا لا أزورها
وإنما يعني زوجها، الذي يلي عليها أمرها، دون غيره، فلذلك قال أميرها،
стр. 90
للمبالغة، لأنه مثل الوالي عليها، والقيم، بل هو أكثر من الوالي. والزوج أمير على المرأة، وليس أحد غيره عليها بأمير. وأما الآمر، على فاعل، فهو كل من أمر بأمر، زوجاً كان أو غير زوج.
وأما قوله: مللت الشيء في النار أمه ملاً، فمعناه طبخت أطبخ طبخاً، وشويت أشوي شيا، وحنذت أحنذ حنذا، ولذلك جاء على مثال طبخت أطبخ طبخاً وحنذت أحنذ. وهو خبزة تدخل في رماد حار، ورمل حار، حتى تنضج. ويسمى ذلك: خبز ملة. والملة: الرماد الحار.
وأما قوله: مللت من الشيء أمل، فمعناه سئمت أسأم، وغرضت أغرض، ونحو ذلك؛ فلذلك جاء على أمثلتهما، بكسر الثاني من الماضي، وفتحه من المستقبل. ومصدره: الملل، بفتحتين مثل السأم والغرض، ونحو ذلك، وملالاً أيضاً.
وأما قوله: أسن الرجل يأسن أسنا، / إذا غشي عليه من ريح البئر، على فعل، بكسر عين الفعل من الماضي، وفتحها من المستقبل، فبمنزلة قولهم: بحر الرجل يبحر بحراً، من البحر. وقولهم: قَمِر يقمر قمراً، من القمر، إذا حار بصره فلم يبصر، أو أصابه ريح البحر، فأغمي عليه؛ وذلك أن النازل في البئر الآسنة يصيبه من رائحتها وأسونها ما يغمى عليه منها، ولذلك يقال: أسن الماء يأسن يأسن، بفتح عين الماضي وكسرها من المستقبل أو ضمها، كما يقال: أجن يأجِن ويأجُن. ومصدرها: الأجون والأسون، إلا أن الأجون تغير اللون، والأسون تغير الرائحة ومنه قول الله : (مِّن مَّاءٍ غَيْرِ آسِنٍ).
وأما قوله عمت في الماء أعوم عوما، فعمناه سبحت أسبح، إلا أنه على مثال غصت أغوص. وهو ضده. وأصلهما جميعاً فتح الثاني من الماضي وفي الحديث: "علموا أولادكم، العوم" ويقال لضرب من السمك: العومة.
стр. 91
وأما قوله: عِمت إلى اللبن عَيمة، فمعناه اشتهيت اللبن، كما يقال: عطشت إلى الماء، وقرمت إلى اللحم. وتقول العرب في الدعاء على الرجل: ما له عام وآم. أي أصابه العيمة والأيمة، أي أذهب الله بماله وأهله. ويقال منه: رجل عيمان، وامرأة عيمى، والجمع العيامى. وقد بينا في صدر الباب ما غلط به في هذه الكلمة.
وأما قوله: عجت أعوج، فمعناه ملت وعطفت إلى الشيء كما فسره.
وأما قوله: ما عِجت بكلامه، فمعناه ما باليت به، ولا أكترث له، وما عجت بالدواء، أي ما انتفعت به، على ما فسره. وقد تقدم تفسير هذه الحروف أيضاً،/ وما غلط في في صدر هذا الباب.
فهذا آخر تفسير هذا الباب.
стр. 92
تصحيح الباب السادس
وهو المترجم بباب فَعَلتُ وأَفْعلْتُ، باختلاف المعنى
قال أبو محمد: اعلموا أن أصل أفعلت إنما هو من فعلت؛ لأن الهمزة التي في أفعلت زائدة على فعلت. وهي تزاد قبله، لتعدية الفعل إلى ما لم يكن يتعدى إليه قبل الزيادة، وينقل الفعل من فاعله إلى مفعوله، فيجعله فاعلاً كما تكون الباء كذلك، إذا جاءت بعد الفعل، فتوصل الذي لا يتعدى إلى مفعول وينقل الفعل من فاعله إلى مفعوله فتجعله فاعلاً، كقولك: ذهب زيد وأذهبه غيره، أي جعله ذاهباً. وإن شئت قلت: ذهب به غيره في هذا المعنى، فتعد ى ذهب إليه بالباء، ولم يكن متعدياً، وتجعل الفعل لغيره وكذلك الهمزة، وكأن كل واحدة منهما عقيب للأخرى. وكذلك يقال: سقيته الماء وأسقيته. فسقيته فعل متعد، ومعناه أعطيته ماء يشريه، أو صببته في حلقه، فإذا قلت: أسقيته؛ بالألف، فمعناه أعطيته نهرا، أو بئرا، أو جعلت له حظا في الماء وشربا، فمعناها مختلف، وله وجوه كثيرة على هذا المعنى. وكذلك لو قلت: سقيته بالماء لكان معناه غير معنى سقيته الماء، إنما تريد أنك سقيته شيئاً بالماء أو أوصلت السقي إليه بالماء، ونحو ذلك.
وكذلك قوله: شرقت الشمس وأشرقت، إنما اختلف معناهما، بدخول الألف على ما قد فسرنا، فإذا لحقت هذه/ الألف، الفعل الماضي، فهي بمنزلة الفعل قبل لحوقها مفتوحة، كما يكون أول الماضي من الرباعي الأصلي، الذي لا زيادة فيه، مفتوحاً، مثل: دحرج، وقلقل. وتسقط هذه الألف من المستقبل كله؛ لأن همزة المضارعة التي هي علامة المتكلم، تدخل عليها، فتستثقل الهمزتان، فتحذف هذه الزائدة، وتترك علامة المتكلم، للحاجة إليها، إلا أن همزة المضارعة تكون مضمومة، كما تكون في المستقبل من الرباعي، الذي لا زيادة فيه مضمومة، كقولك: أنا أدحرج، وأقرطس، ثم تجري سائر الحروف المضارعة، مجرى الهمزة في الانضمام وفي سقوط الهمزة الزائدة بعدها، فيقاس: يُفعِل وتُفعِل ونفعِل، كما يقال: يُدحرج وتُدحرج ونُدحرج، والهمزة المحذوفة من اللفظ مقدرة في المعنى،
стр. 93
كأنك قلت: يؤفعل وتؤفعل ونؤفعل، كما يكون أفعل بمعنى أؤفعل. ويكون اسم الفاعل من هذا مضموم الأول، وهو الميم الزائدة فيه، في معنى [و] ضع الهمزة الثانية من الفعل كقولك: معط ومكرم، والحرف الثالث مكسوراً، كما كان في الفعل المضارع كذلك. واسم المفعول كذلك، إلا أن الحرف الثالث منه مفتوح كما كان في فعل المفعول كذلك، ليكون الفتح والكسر فرقاً بين الفاعل والمفعول كما كانت الميم، وذلك قولك: مكرَم ومعطَى. وتكون حروف المضارعة فرقاً بين الاسم والفعل. والهمزة المحذوفة ترد في مصدر هذا الفعل، فيكون على الإفعال، كقولك: أعطيت إعطاء، وأكرمت إكراماً، على وزن دحرجت دحراجا.
وقوله: عييت به، بكسر العين من الفعل، هو مخالف لما صدر به أول الباب من فعلت وأفعلت، وذلك أنه لم يقصد في أول الباب، إلى ما كانت عينه مفتوحة أو مكسورة أو مضمومة؛ فيضع الباب على ذلك مقيداً. ولكنه وضع لفظه على أنه يقصد ما عينه مفتوحة، لا غير. وإنما القصد ههنا، ما كان على ثلاثة أحرف، لا زيادة فيه، ثم يزاد عليه الألف للنقل. وكل ما قيل فيه: عييت، بغير ألف، إذا نقلته من الفاعل إلى فاعل آخر، جاز فيه أعييت فلانا بالألف؛ لأن الألف موضوعة، لنقل الفعل، وإخراج الثلاثي إلى الرباعي. ولا تضره موافقته قولك أعييت من التعب في البناء والوزن؛ لأن الأفعال قد تتفق في مثل هذا، أو لأن الفرق بين هذين الفعلين أن أعييت من التعب، غير متعد. وأعييت فلاناً من العي ونحوه متعد، إلى مفعولين، فهما غير ملتبسين.
وقوله: أهديت إلى البيت هديا وهديّا، وضعه على أن هديا وهديّا مصدران مخالفان لمصادر أهديت الهدية، وليس هكذا الأمر؛ لأن مصدر أهديت الهدية، وأهديت الهدي إلى البيت واحد، وهو الإهداء؛ لأنهما على أفعل يفعل إفعالا، ولا يكون إلا كذلك، عند جميع النحويين. وإنما الهدي والهديّ اسمان، لما أهدي إلى البيت من الإبل وغيرها، كما قالت عائشة، رحمة الله عليها: "كنت أفتل قلائد هدي رسول الله ﷺ ". وإنما تقلد الأنعام
стр. 94
والحيوان، ولا يقلد المصدر. والهدي أيضاً فعيل بمعنى مفعول. والعروس تسمى هديّا لذلك. والبعير إذا سيق إلى البيت وغيره كذلك. والهدية أيضاً مثل ذلك، إلا أن الهاء فيها كأنها تمرة وضربة،/ علامة للواحدة، فوضعت هذه الأسماء مواضع المصادر، لاختلافها، وتوكيدا للبيان، وطلبا للفرق، فتوهم أنها مصادر على الحقيقة. وهذا مذهب اللغويين الذين لا يعرفون قياس النحويين. وأما الهداية، فاسم لصناعة الهادي؛ بمنزلة الوكالة والرسالة، والخطابة، والخلافة، ونحو ذلك. وإن كان يجوز أن يوضع موضع المصدر. وكذلك الهدي اسم للاهتداء في الدين والعقل، والرأي والطريق، وليس بمصدر، وإنما يوضح موضع المصدر مجازا. ويجوز أن يكون جمعا للهدية، ولذلك يؤنث.
وقوله؛ للمرأة: هي سافر بلا هاء إنما يجوز ذلك، إذا لم يجر اسم الفاعل على فعله، ولم يرد به معنى الفعل، ولكن يوضع موضع النسب، فيراد به، أنها ذات سفور، فإن نوي به الفعل، لم يكن بد من إدخال علامة التأنيث فيه، كما تكون علامة التأنيث في الفعل الذي هو جاء عليه، كقولك: هي سافرة غدا، وهذا قول قد ذكرناه في مواضع غير هذا.
وقوله: وادلجت وأدلجت، ليس على ما قال؛ من السير في أول الليل وآخره، وإن كان وافق قول كثير من أهل اللغة في ذلك. وإنما هذا قول يقوله أهل اللغة الذين لا يعرفون القياس، ولا علل الأبنية، بالظن والحديث بغير حجة، إلا أنهم وجدوا الشعراء قد قالوا مثل قول الأعشى:
وادلاج بعد المنام وتهجيـ ـر وقف وسبسب ورمال
وقول زهير:
بكرن بكورا وادلجن بسحرة فهن ووادي الرس كاليد في الفم/
стр. 95
فلما قال الأعشى: وادلاج بعد المنام، ظنوا أن الادلاج، لا يكون إلا بعد المنام،. ولما قال زهير: الدلجن بسحرة، ظنوا أن الادلاج لا يكون إلا بسحرة. وهذا وهم وغلط. وإنما كان يجب أن يقولوا من أجل هذين البيتين: أن الادلاج بالتشديد بالنهار، لأن معنى قوله: بعد المنام هو الصبح؛ لأن المنام يكون بالليل، والانتشار بالنهار، وليس بعد النوم إلا الانتباه، ولا بعد الليل إلا النهار. أو يقولوا إن الادلاج يكون قبل المنام وبعده؛ فلذلك اشترط الأعشى "بعد المنام" لادلاجه، لا لكل ادلاج. وإنما وصف ما فعل هو، وخصه دون ما فعل غيره. وكذلك بيت زهير، إنما وصف بالسحرة ادلاجه، لا كل ادلاج، ووقت فعله لا أفعال غيره، ولولا أنه يكون بسحرة، وبغير سحرة، لما احتاج إلى ذكر "سحرة" لأنه إذا كان الادلاج لا يكون إلا بسحرة، وبعد المنام، فقد استغن عن تقييده. ومما يدل على فساد تأويلهم أنه قد يدلج المسافرون، من غير نوم ولا تغميض، ولا يبطل ادلاجهم بعدم نومهم، وإنما الادلاج عند أهل النحو والقياس، افتعال من الدلاج، والدلج: سير الليل بمنزلة السرى. والإدلاج، مخففاً إفعال منه، وليس واحد من هذين البناءين، بدليل على شيء من الأوقات. ولو كان المثال دليلا على الوقت، لكان قول القائل: الاستدلاج، بوزن الاستفعال أيضاً دليلا لوقت آخر. وكان الاندلاج على الانفعال لوقت آخر أيضا. وهذا كله فاسد عندجميع من يعقل النحو واللغة. وإنما تُحدث الأبنية معانيها التي هي لها، في الدلج وغيره، ولا تُحدث تغيير الأوقات المخصوصة في الدلاج، ولا في غيره. وإنما يتبين في الأفعال من الوقات، المضي والاستقبال/ والحال لا غير. ولا يتبين ذلك في مصادرها. فأما وسط الليل وآخره وأوله، وسحره، وقبل النوم وبعده، فمما لا تدل عليها الأفعال، ولا مصادرها؛ ولذلك احتاج الأعشى إلى اشتراط: بعد المنام. وزهير إلى: سحرة. وإنما هذا بمنزلة قولهم: الإبكار، والابتكار، والتبكير، والبكور، في أنه كله العمل بكرة، ولا يتغير الوقت بتغير هذه الأمثلة، وإن اختلفت معانيها، ومثل الإصباح، والاصطباح، والتصبح، في أنها كلها الفعل في الصبح؛ وإن تغير الأمثة لا يغير الوقت مع اختلافها. وقد بينا الحجج في هذا ونظائره بما فيه مقنع لمن عقل، في كتابنا في "اتفاق الألفاظ والمعاني" ولذلك تركنا ذكرها في هذاا لموضع لطولها.
стр. 96
وقوله: أثرت التراب أيضاً، ليس من هذا الباب، ولا هو من أثرت الحديث في شيء، وإن اتفق لفظهما، في بعض المواضع؛ لأن أثرت الحديث فعل صحيح الحروف والهمزة فيه أصلية، وهو على فعلت، بغير ألف. وأما أثرت التراب، فهو فعل معتل، والهمزة فيه زائدة، لنقل الفعل، فهو على أفعلت، من ثار يثور. وإنما أشبه لفظه لفظ فعلت لسقوط حرف العلة منه. وأصله أثورت، ولا يخفى ذلك على أحد ممن تعلق بالقليل من علم العربية. وقد كان يجب ألا يذكره في هذا الباب، أو يضم إليه ثار التراب يثور، حتى يصيرا من هذا الباب؛ لأنه قد ترجم الباب بفعلت وأفعلت، باختلاف المعنى. وأتى بفعلت من الأثر مع أفعلت من الثوران. وإنما حقه؛ أن يؤتى بفعلت وأفعلت من أصل واحد. وكذلك ادلجت، بالتشديد ذكره غلط في باب فعلت وأفعلت؛ لأنه على مثلا افتعلت، وليس من شرط ترجمته. وإنما قدمنا في أول الباب الحروف التي/ غلط فيها، ثم أخذنا بعدها في تفسير الغريب من هذا الباب.
* * *
فمن ذلك قوله: شرقت الشمس، إذا طلعت، وهو كما فسر، إلا أن شرقت ضد غربت؛ ولذلك جاء على مثاله. ومصدرهما أيضاً على مثال واحد، وهما الشروق والغروب. واسم الفاعل منهما أيضاً: شارقة وغاربة. ومستقبلهما أيضاً على مثال واحد: تشرق وتغرب، والكسر فيهما جائز في القياس، على أصل الباب.
وأما قوله: أشرقت، إذا أضاءت وصفت، فهو كما قال. ومعناه صارت ذات إشراق وضياء؛ لأن هذه الألف قد تجيء لهذا المعنى، كقولك: أحصد الزرع، وأجني الشجر، والفرق بين المعنيين أن الشروق لا يكون فيها، إلا وقت طلوعها خاصة، وإن طلعت كدرة أو منكسفة أو نحو ذلك. وأما الإشراق فيكون فيها في النهار أجمع، وفي كل ساعة يقوى فيها ضوؤها ونورها، ولا يكون ذلك مع الكدر، ولا الكسوف. ولذلك جاء أن يقال لكل ما استنار وأضاء، وحسن لونه قد أشرق، وهو مشرق، كما قال الله :
стр. 97
(وأَشْرَقَتِ الأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا) ولا يقال في شيء من ذلك شرق، ولا يقال لها أشرقت، ولا هي مشرقة، إذا كانت في سحاب أو غيره، أو دخان، حتى ينجلي وتظهر.
وأما قوله: مشيت حتى أعييت، وأنا مُعْي، فإن معناه مشيت حتى كللت وتعبت، وكذلك ناظرت وجادلت حتى أعييت، أي تعبت وكللت. وكذلك كل شيء يُتعب ويُكل، يقال فيه قد أعييت، بألف، أي صرت ذا عياء. ومصدره: الإعياء.
وأما قوله: عييت بالأمر، إذا لم تعرف وجهه، فأنا به عيي، فإنما معناه عجزت عن الشيء، وإن لم تتعب فيه، ولم تزاوله. ومصدره:/ العي، هكذا المستعمل، كأنه اسم موضوع موضع المصدر، ومصدره على القياس. والعيا مقصور على فعل؛ لأن فعله على فَعِل يَفعَل، مثل بَعِل الرجل يَبعَل بَعَلا. ويجوز أن يجيء مصدره ممدودا أيضا. وهو مستعمل في باب التعب، وهو العياء. وقد قالوا أيضاً: الداء العياء. وأصلهما واحد، وإن كان أحدهما يستعمل في تعب البدن ومشقته، والآخر في ضعف الرأي والحيلة والقول.
وأما قوله: وأنا به عيي، فالمستعمل منه على فعيل، كما ذكر، وليس يمتنع فيه عي، على فعل، مخففا على أصل الباب، مثل: بعل وغلق، ولكنه قد استغني عنه بفعيل. وهو بمنزلة شجيت أشجى شجا، وأنا شج. وقد قيل: شجي، على فعيل، للمبالغة. وشج، بالتخفيف أجود. وكل من لم يهتد لوجه أمر، أو حجة أو مناظرة، فقد عيي به، وعي به، مبيناً، ومدغما؛ ولذلك قال ابن مفرغ:
عيوا بأمرهم كما عيت ببيضتها الحمامه
جعلت لها عودين من نشم وآخر من ثمامه
стр. 98
يعني أنها لم تحكم اتخاذ العش، ولم تحسن إحراز بيضتها، فوضعتها على عودين ضعيفين.
وأما قوله: حبست الرجل عن حاجته، وحبسته في الحبس، فهو محبوس، فمعناه معروف ظاهر؛ وهو المنع من التصرف؛ بحصار أو قيد، أو ما أشبه ذلك من الشواغل.
وأما قوله: أحبست فرسا في سبيل الله، فهو محبس وحبيس؛ فإن معناه جعلته محبوساً، يحبس عن التصرف في غير سبيل الله؛ فدخلت الألف لهذا المعنى؛ لأنه من مواضعها، ولا يمتنع أن يقال: حبست فرسي/ في سبيل الله، كما تقوله العامة؛ لأنه إذا أحبس، فقد حبس، ولكن قد استعمل هذا في الوقوف من الخيل، وسائر الأموال، التي منعت من البيع والهبة، للفرق بين الوقوف الممنوع، وبين المطلق غير الممنوع. والحبيس قد يكون فعيلا، في موضع مفعول، مثل: قتيل وجريح. وقد يقع في موضع المفعل، لأنهما جميعاً في المعنى مفعولان وإن كان لفظ أحدهما مفعولاً، فلذلك قيل: أحبست فرسي، فهو حبيس.
وأما قوله: أذنت للرجل في الشيء، فهو مأذون له فيه، فمعناه أطلقت له ذلك، وخيرته فيه. وليس معناه أمرته، كما زعم بعض أهل اللغة؛ لأن الإذن إنما يكون في كل ما كان ممنوعاً أو محظوراً، أو محبوسا، على توقع إطلاقه، ثم يطلق بعد ذلك. فإطلاقه المتوقع هو الإذن. وأما الأمر، فقد يقع بما لم يكن محظورا ولا محبوسا على الأذن، ولا متوقعا إطلاقه وفعله، على مثال فعل، بكسر الثاني من الماضي، وفتح ثاني المستقبل؛ لأنه في معنى المطاوعة والانفعال؛ ولذلك لا يتعدى إلا بحرف الجر، ألا ترى أنك تقول: استأذنته، فأذن لي، أي فطاوعني والفاعل منه: آذن، على مثال فاعل، ومصدره: الإذن، بكسر الهمز، وسكون الذال وكان قياسه أن يكون على فعل بفتحتين في الهمزة والذال، ولكن قد استعمل ذلك في مصدر السماع من الغناء، فوضع موضعه ههنا الإذن، على فعل للفرق بينهما. وهو اسم في موضع المصدر.
وأما قوله: آذنته بالصلاة وغيرها، فهو مؤذن بها فمعنا [هـ] أنبأته وأعلمته ولذلك جاء على مثال أفعلته. وتعدى بغير حرف جر/ وفاعله: مؤذن، بكسر الذال، على مثال معلم. ومفعوله مؤذن بفتح الذال، على مثال معلم ومصدره الإيذان والأذان. قال
стр. 99
الله : (وأَذَانٌ مِّنَ اللَّهِ ورَسُولِهِ إلَى النَّاسِ يَوْمَ الحَجِّ الأَكْبَرِ). ومنه قوله [تعالى]: (آذَنتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ). والجميع راجع إلى الأذن السامعة، ولكن خولف بين أفعالها، ومصادرها؛ لاختلاف معانيها، وإن اتفقت في الرجوع إلى الأذن.
وأما قوله: أهديت الهدية، وأهديت إلى البيت هديا وهديّا، فمعناه أرسلت؛ ولذلك جاء على مثال أفعلت لأن الهدية مرسلة إلى المُهدى والهدي مرسل إلى البيت الحرام. والهدي والهَدِي اسمان، على فعل وفعيل لكل ما أرسل إلى البيت، من الإبل والغنم، ونحو ذلك، كما أن الهدية اسم ما أرسل إلى المهدى له. والمصدر منهما جميعاً الإهداء، وإن كان قد يستعمل كل هذه الأسماء في موضع المصدر على الاتساع والمجاز.
وأما قوله: هديت العروس إلى زوجها هداء، فمعناه يجوز أن يكون من شيئين: أحدهما من قولك: هديته السبيل، أي دللته على السبيل، ولذلك جاء على مثال فعلت بغير ألف مثل ذلك. والآخر أن يكون من الرفق والتؤدة والتمهيل، كما يقال: هاديت المرأة، إذا ماشيتها، وتهادت في مشيها، أي تمهلت، ولم تسرع؛ ولذلك جاء مصدره على الهداء؛ لأنك تقول: هاديتها هداء ومهاداة، كما تقول ماشيتها مماشاة ومشاء، وعاديتها معاداة وعداء، على فاعلت مفاعلة وفعالا. وأخبرنا أبو العباس المبرد أن معنى قولهم: تهادت، أي يهدي بعضها بعضا. قال: وقال الأعشى:/
وإن هي تأتت تريد القيام تهادى كما قد رأيت البهيرا
واسم المرأة؛ المهديّة إلى زوجها: هديّ، على فعيل بمعنى المفعول.
وأما قوله: هديت القوم الطريق هداية، وفي الدين هدى؛ فإن معنى هديت ههنا دللت بعينه، ولذلك جاء على مثاله. ومصدر ذلك في الطريق والدين وغيرهما: الهدي، على الأصل، ولكنه قد استغني عنه بالهداية في هذا الوجه من الطريق ونحوه؛ للفرق. وشبه بالدلالة؛ لأنه في معناه إذا كان الهادي والدال بمعنى واحد.
стр. 100
وأما الهُدى في الدين، وهو اسم فقد أجري مجرى المصدر، للفرق بين المعاني. وقد تقدم شرح ذلك في صدر الباب. وأصل هديت القوم والرجل، أن يتعدى إلى مفعول واحد، ثم يتعدى إلى أكثر منه بحروف الجر، كقولك: هديتهم إلى الطريق، وهديتهم إلى الدين، ولكن حذف حرف الجر منه، لكثرة الاستعمال، وزوال اللبس، وطلب الإيجاز فعدي الفعل بنفسه إلى اثنين، كما قال الله : (إنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) وقال [تعالى]: (وهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) وقال [تعالى]: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ المُسْتَقِيمَ) وجميع هذه الأفعال، متعديها ولازمها، وما كان على فعل وأفعل، مع اختلاف مصادرها، راجع في الاشتقاق إلى شيء واحد؛ وهو الرفق والتمهيل، ولكن خولف بأبنيتها، لما دخل في معناها، من الزيادات والنقصان. واسم الرجل المدلول المهدي على مفعول، للفرق، كما جعل اسم المرأة، الهدي، على فعيل للفرق بالخلاف في الأبنية والأمثلة.
وأما قوله: سفرت المرأة، إذا ألقت خمارها عن وجهها، والرجل عمامته،/ وهي سافر، فإن معناه: كشفت وجهها، وهي كاشف، ولذلك جاء الفعل منه على مثال كشف يكشف. ومصدره: السفور؛ لأنه استعمل غير متعد بمنزلة الدخول والخروج، وكما قال توبة بن الحمير:
وكنت إذا ما جئت ليلى تبرقعت فقد رابني منها الغداة سفورها
وأما قوله للمرأة: فهي سافر، بغير علامة التأنيث، فمن أجل أنه بمعنى النسب؛ أي هي ذات سفور، كما قيل للرجل: سافر، على جهة النسب. فإن أردت أنها ستسفر قلت: هي سافرة، فتأتي بعلامة التأنيث في اسمها، كما تأتي بها في فعلها، فتقول: داخلة وخارجة، كما أنك تقول: دخلت وخرجت. وقوله للمرأة والرجل جميعا سافر، مما يبطل قوله في حامل وطامث؛ لأن الذكر والأنثى يكون منهما السفور، وقد اشتركا في فاعل.
стр. 101
وأما قوله: وقد أسفر وجهها، إذا أضاء، وكذلك اسفر الصبح، فهو كما فسره بعنى أضاء وأشرق، ولذلك جاء الفعل منهما على مثالهما، بوزن أفعل. ويقال ذلك فيها، وإن لم تكشف وجهها، وفي الرجل وإن لم يكشف عنه العمامة؛ لأنه يعنى به الحسن، لا الكشف، فهذا فرق ما بينهما. وكذلك يقال: أسفر الصبح، وإن كان في غيم، ولم تظهر الشمس. وكل ذلك راجع إلى اصل واحد؛ وهو السفر، يقال: سفرت البيت، إذا كشفته، أو كنسته سفرا، وسفرت الريح السحاب، وسفرت النار الظلمة. ومنه قول العجاج:
سفر الشمال الزبرج المزبرجا/
والعامة تقول في كل هذا: أسفر، بالأف، فلذلك ذكره.
وأما قوله: خنست عن الرجل، إذا تأخرت عنه، فهو كما فسر، ومنه قيل للبقرة: خنساء؛ لقصور أنفها عن الارتفاع، والمرأة إذا كانت كذلك قيل لها أيضا: خنساء, ولذلك قيل للكوكب: قد خنس. ومنه قول الله : (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥) الجَوَارِ الكُنَّسِ). فلما كان فيه معنى القصور جاء فعله ومصدره، على مثال فعله ومصدره، فقيل: خنس يخنس خنوسا، ولم يعد إلا بحرف جر أيضا، والكسر والضم في مستقبله جائزان، كما قدمنا شرحه.
وأما قوله أخنست عن الرجل حقه؛ فإنما جاء على أفعل، بألف، لنقلك الفعل إليك من الحق، وتصييرك الحق مفعولا، وكان في الأصل فاعلاً، ألا ترى أنك تقول: خنس عنه حقه؛ إذا تأخر، ثم تقول: أخنست أنا الحق عنه، أي جعلته متأخرا، وهذا مطرد على بابه، ولا معنى لقوله: سترته عنه، ولو كان فيه سترته، لقيل في كل مستور: أخنسته، فإنما هذا تفسير أخذ عن رواة تفسير القرآن، في قول الله : (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ (١٥)
стр. 102
الجَوَارِ الكُنَّسِ) أنها الكواكب المستترة، التي لا تظهر. وإنما قيل لها: الخنس؛ لقصورها في السير عن المنازل، لا لانستارها، وإن كانت منسترة.
وأما قوله: أقبست الرجل علما، بألف، وقبسته نارا، بغير ألف، فكلام على غير القياس، وإن كان مستعملا؛ لأن الأصل في هذين أن يقال: قد قبس الرجل علما، وقبس نارا، بغير ألف، فهو قابس، بمعنى أخذ، فهو آخذ. وقديقال: اقتبس العلم أيضاً، فإذا نقلت الفعل إلى فاعل آخر، وجعلت فاعله الأول مفعولاً، وجب إدخال الألف في أول الفعل كقولك: أقبسته علما، وأقبسته /نارا. وأما قبسته نارا، بغير ألف، فمما جاء نادرا، على حذو رجعته فرجع، وجبرته فجبر. وليس ذلك بالأصل. وقد كنا بينا العلة في هذا الضرب. وإنما هو شيء محذوف منه للاختصار، أو مشبه بغيره، كما قالوا: كسبه مالا، وكسب هو المال، أو على لغتين. وأحسن ذلك أن يكون معنى قولك: قبسته نارا، بمعنى قبست له نارا، ثم حذفت اللام، وعدي الفعل إلى المفعول، كما قال الله : (وإذَا كَالُوهُمْ أَو وزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ). وإنما أراد أن العامة تدخل الألف في الوجهين. ولو علمت العامة هذا المقصد الذي شرحناه، لما كانت مخطئة بقولها؛ لأن القياس يوجب ذلك، والذي اختاره ليس بالقياس، وإن كان مستعملا.
وأما قوله: أوعيت المتاع في الوعاء، ووعيت العلم، إذا حفظته، فهما جميعا من الوعاء، ولكن وعيته، خص به ما كان في السمع والقلب، ومعناه الفهم والحفظ والذكر. وقال "قس بن ساعدة" في خطبته، التي حكاها عنه النبي صلى الله عليه: "يا أيها الناس، استمعوا وعوا". وفي الحديث: "سمعته أذناي ووعاه قلبي"، فلما كان فيه معنى حفظت، خرج فعله على مثال حفظت؛ فقيل: وعيت، بغير ألف.
стр. 103
فأما أوعيت المتاع في الوعاء، فإن معناه جعلت الوعاء يعيه، أي يحفظه، فاحتاج إلى الألف، لنقل الفعل، كما تقول: حفظت الشيء، وأحفظته غيري. واصل الوعي: الجمع؛ ولذلك قيل: وعي الجرح إذا جمع المدة. لو قال قائل: أوعيت العلم قلبي لكان مصيبا في القياس.
وأما قوله: أضاق الرجل، إذا أعسر، فهو مضيق، وضاف/ الشيء، فهو ضيق؛ فهو كما قال: لأن الرجل، إذا قل ماله، فقد أضاق ما عنده؛ فلم يسع حوائجه، وصار معسرا فقيل: أضاق الرجل، أي صار ماله ضيقا، كما قيل: أعسر، أي صار أمره عسرا.
فأما ضاق الشيء، فهو مثل: صغر في المعنى، وذلك في نحو الخاتم والثوب والمنزل والجراب، إذا صغر، فلم يسع الكثير مما يوعي فيه، فهو ضيق، على وزن: فيعل، للفرق بينه وبين الذي يضيق قلبه، أو صدره، فيقال: هو ضائق، على فاعل؛ لأن الفعلين واحد، في المضي والاستقبال، والمعنى متقارب، وليس بين النحويين خلاف في أن فاعلا وفعيلا بمعنى واحد؛ لأن الياء أقرب الحروف شبها من الألف، فهم يقولون: ميت ومائت، وسيد وسائد، ولكن استعملوا الفاعل في أحد الوجهين، والفعيل في الوجه الآخر، للفرق بين المعيين المشتبهين، فقيل: ضاق الشيء ضيقا، فهو ضيق، وضاق قلبه وصدره، فهو ضائق، على فاعل، وهما من الضيق، كما قال الله : (وضَائِقٌ بِهِ صَدْرُكَ). وكذلك جعلوا الضيقة في موضع الإضافة، وإنما الضيقة المرة الواحدة، كقولك: ضاق الشيء وضاق الصدر، وغير ذلك، والأصل واحد. والإضاقة مصدر أضاق، بالألف لا غير، إلا أنه من الضيق. ولكن قد يستغنى بالشيء عن الشيء، للفرق بين المشتبهين، أو لكثرة الاستعمال والإيجاز والتخفيف.
وأما قوله: أقسط الرجل، إذا عدل، فهو مقسط، وقسط إذا جار فهو قاسط. قال الله : (وأَمَّا القَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا) فهو كما قال ولكن الأصل فيهما من القسط، وهو العدل في الحكم، / والتسوية بين الخصوم في الأنصباء؛ لذلك سمي المكيال قسطا، والنصيب قسطا، والميزان قسطاساً، فإذا استعمل ذلك في الظلم قيل:
стр. 104
قسط، بغير ألف، وهو يقسط، فهو قاسط على وزن ظلم يظلم فهو ظالم، أي لم يوف بالمكيال والميزان، أو في النصيب، وإذا استعمل في باب التسوية والإنصاف قيل: أقسط بالألف يقسط فهو مقسط؛ لأنهما بمعنى واحد. والذين لا يعلمون قياس النحو ولا يميزون بين دخول هذه الألف وخروجها، وما يحدث بذلك من المعنى فيهما يظنون أن هذا من الأضداد؛ وذلك أنه عندهم لفظ واحد، واقع على الشيء وضده، ولا يدرون أن دخول الألف، يخرج الكلمة عن لفظها بغير ألف، ويجعل لها مثالاً على حدته، فتصير الكلمتان بمنزلة العدل والجور، في اختلاف اللفظين والمعنيين.
وأما قوله: خفرت الرجل، إذا أجرته خفرة وخفارة وأخفرته إذا نقضت عهده، فإنما قيل خفرته، إذا أجرته، بغير ألف؛ لأنه بمعنى حرسته وحفظته وحميته، فخرج على أوزانها، وأما الخفرة، فاسم مثل الخدعة والغرفة والطعمة، موضوع موضع المصدر. وكذلك الخفارة، وليسا بمصدر خفرته المرد على بابه وقياسه. ولو استعمل مصدره بعينه لقيل: خفرته خفرا مثل ضربته ضربا، وأخذته أخذا، ومنعته منعا. فأما أخفرته بالألف، في نقض العهد فبمعنى آذيته وأخفته وأيأسته، من الخفارة، ونحو ذلك، مما هو في معناه، وهو على وزنه بالألف؛ فلذلك استعمل بالألف، على أفعلته وليفرق بين المعنيين. وأصل ذلك كله من الخفر، وهو الحياء/ والتستر.
فأما قوله: خفرت المرأة، إذا استحيت، بكسر ثاني الماضي، خفرا وخفارة فهو أصل هذا الباب، كما قلنا، وهو فعل لا يتعدى؛ لأنه بمعنى الانفعال بمنزلة: حييت تحيا، فبنى على بناء ذلك، وما أشبهه، وكذلك مصدره بني على فعالة، كما أن مصدر ذلك على فعال، لا فرق بينهما، إلا علامة التأنيث وقد يجوز أن يكون شبه بفعالة، التي تجيء في أفعال المبالغة. فأما استحييت فإنما هو استفعلت من حييت.
وأما قوله: نشدت الضالة، إذا طلبتها، وأنشدتها، إذا عرفتها، فقد مضى بعض تفسيره، في باب فعلت بغير ألف. وإنما قيل نشدت الضالة بغير [ألف] لأنه بمعنى سألت وطلبت وبغيت، فخرج على بنائها، وفرق بينه وبين نشدتك الله بالمخالفة بين
стр. 105
المصدرين؛ فقيل ههنا: نشدانا، على فعلان، بوزن عرفان ووجدان، وقيل هنا: نشدة، وهي بناء الهيئة والنوع. ومما يدلك على أنه بغير ألف أن اسم فاعله، ناشد، ويروى عن النبي صلى الله عليه أنه قال، لرجل نشد ضالة في المسجد، ورفع صوته بذلك: "أيها الناشد غيرك الواجد". وقال الشاعر:
ويصيخ أحياناً كما اسـ ـتمع المضل لصوت ناشد
وقال آخر:
يصيخ للنبأة أسماعه إصاخة الناشد للمنشد
وإنما قيل أنشدت الضالة إذا عرّفتها، بألف؛ لأنه بمعنى أظهرتها وأوجدتها، فخرج على بناء فعلهما. ولذلك قيل: أنشدته الشعر بألف؛ لأنه تعريف وتعليم ونحو ذلك./ ومعناه معنى أسمعته أو أنبأته؛ فالأصل في جميع هذا واحد، واختلفت الأفعال والمصادر؛ لافتراق معانيها.
وأما قوله: حضرني شيء، وأحضر الرجل والغلام، إذا عدوا، فإنما معنى حضر الشيء وحضرني، كمعنى شهد وشهدني، وهو ضد الغيبة؛ ولذلك قيل للمشهد: الحضرة والحاضرة. فإذا نقل هذا الفعل أدخلت الألف في أوله فقيل: أحضرني فلان كذا وكذا، أي جعله حاضرا؛ فلذلك قيل للرجل والغلام، إذا عدوا، والفرس: قد أحضر؛ لأنه جعل العدو حاضرا، ولكن لما استعمل ذلك في العدو، سمي بالحُضْر؛ ليفرق بينه وبين الحضور، الذي يعم كل حاضر ولا يخص العدو. وأما مصدر أحضر الغلام والفرس؛ فهو الإحضار كما قال الأعرابي:
стр. 106
فخرجت أعثر في مقادم جبتي لولا الحياء أطرتها إحضارا
والعامة تقول: أحضرت الفرس، أي عديت بها. وإنما الصواب أحضر الفرس هو نفسه، أو أحضرت أنا بالفرس؛ لتكون الباء هي الناقلة للفعل الذي قد نقل بالألف؛ لأن فيه نقلين، فيحتاج إلى حرفين، إلا أن يكثر استعمال ذلك في بعض اللغات، فيحذف، وهو مثل قوله : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً) وقوله [تعالى]: (وشَجَرَةً تَخْرُجُ مِن طُورِ سَيْنَاءَ تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ)، لاجتماع حرفي النقل فيهما، لدخول النقلين، على ما قلنا.
وأما قوله: كفأة الإناء إذا كببته، وأكفأت في الشعر، وهو مثل الإقواء، فإن معنى كفأته كمعنى قلبته؛ وهو أن تميله عن الاستواء، كببته أو لم تكببه. ولذلك قيل: أكفأت في الشعر؛ لأنه قلب القوافي عن جهتها واستوائها، / فلو كان مثل كببته- كما زعم ثعلب- لما قيل في القوافي؛ لأنها لا تكب. وفي الحديث: "كانت قدورنا منصوبة بلحوم الحمر الأهلية، فسمعنا منادياً ينادي أن النبي صلى الله عليه قد نهى عن لحومها، أو قد حرمها فكفأنا القدور" أي قلبناها وصببنا ما فيها، ولم يرد وأكببنا القدور؛ ولهذا قيل: قد انكفأ فلان، إذا رجع إلى حيث جاء منه؛ لأنه انقلب فقيل: كفأت الإناء، على مثل قلبته؛ لأنه في معناه، ونقل بالألف إلى الشعر وما أشبهه، أي جعلت فيه قلبا. ولو نوى في كفأت الإناء وغيره معنى الفعل لجاز دخول الألف في أول الفعل، ومثل ما ذكرنا قول الراجز:
بيت حتوف مكفأ مردوحاً
стр. 107
وأما قوله: حصرت الرجل في منزله، إذا حبسته، وأحصره المرض، إذا منعه من السير، فهو كما قال: إن الحصر حبس الرجل، ولكن ليس يخص ذلك المنزل دون غيره، فإن ذلك في منزله ومنزل غيره، وفي السجن والطريق واحد؛ ولذلك قال الله : (وجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) ومعناه محصور. ومن ذلك سمي حصار المدن والقرى والقلاع وغيرها، ومحاصرتها، كل ذلك من الحبس والتضييق؛ ولذلك قيل لمن اعتقل بطنه: قد حصر، وبه حصر. وقيل للعيي عن الكلام: قد حصر يحصر حصرا؛ أي لم يقدر على الكلام. وقد حصر الصارم للنخل، إذا لم يقدر على الصعود؛ فإن منعه من ذلك شيء قيل: أحصره كذا وكذا عن الكلام والصعود، أي صيره حصرا عاجزا. وإن منع الغازي والحاج أو نحوهما عدو من بلوغ الحج أو الغزو، أو منعه من إتمام/ ذلك مرض، غير حصر البطن قيل: قد أحصر بألف، وقد حصر به أيضا؛ لأن الباء تنقل الفعل، كما تنقله الألف، ولذلك قال الشاعر:
وقالوا رأينا القوم قد حصروا به فلا شك أن قد كان ثم لحيم
وإنما يجوز ذلك بإفساد شيء عليه الحج أو الغزو، أو أمرا كان قصده، فمنعه منه مانع مفسد؛ لنه فعل منقول بمعنى الإفساد؛ لأن هذه الأمور قد أفسدت عليه ما قصده، فأخرج الفعل على مثلا أفسد إفسادا وقد زعم بعضهم أنه يقال للمعتقل البطن قد أحصر كأنه نوى الإفساد، ونقل الفعل، وهو قياس إن كان مقولا.
وأما قوله: أدلجت، إذا سرت من أول الليل، وادلجت، إذا سرت من آخره، فإن معنى الإدلاج والادلاج، بالتخفيف والتشديد جميعا عندنا سير الليل، في كل وقت، من أوله ووسطه وآخره. وهو إفعال وافتعال من الدلج وهو أيضا: الدَّلجة والدُّلجة، تأتي هذه الأمثلة والحركات فيها على المعاني، التي قدمنا شرحها، لا لتحديد وقت. وقد كنا ذكرنا
стр. 108
في صدر الباب ما غلط فيه المتأولون على الشعراء، لقول الأعشى وزهير وغيرهما، ألا ترون قول عمرو بن شأس:
إذا نحن أدلجنا وأنت أمامنا كفى لمطايانا بذكراك حاديا
فلم يرد "عمرو" أن ذكرها عند السير في أول الليل يحرك الإبل على المسير دون وسطه أو آخره؛ لأن ذكراها مشوقة له، وللحداة، وللإبل، في أي وقت من أوقات الليل سار، ولو كان عني أنه لا يذكر ولا يشتاق إلا في أول الليل أو في سير أول/ الليل، لما كان محمودا ذلك منه، بل كان عيبا عليه، وعلى شعره. وقد زعم "الخليل" أن الإدلاج، مخففا: سير الليل كله، وأن الادّلاج، بالتشديد سير آخر الليل، فقد دل بهذا التفسير على أن الادّلاج بالتشديد أيضاً إدلاج، إذ كان قد قدم أن الادلاج مخففا سير الليل كله. ولكن الذي قاله في التشديد إنما هو شيء تأولوه في بيت الأعشى: وادّلاج بعد المنام- فظنوا أن الافتعال يغير الوقت عن وقت الإفعال؛ إذ قرنه الشاعر بقوله: بعد المنام، وقد يكون "بعد المنام" أول الليل أو أوسطه لأن النوم تختلف أوقاته، وكذلك الانتباه. ولو كان الافتعال يخص وقتاً آخر، لكانت أمثلة الإفعال والمصادر عليها، موضوعة على توقيت الساعات، وليس ذلك قول أحد من النحويين، ولكن الأمثلة عند جميعهم موضوعة لاختلاف معاني الأفعال في أنفسها، لا لاختلاف أوقاتها. وهذا إجماع النحويين وقياسهم، وما يوجبه العقل والنظر، ولا يمكن دفعه، وقال الشاعر:
زودينا عبيد قبل ادلاج وركوب المضمرات النواجي
فمن الظاهر البين أنه لم يرد أن تزوده قبل آخر الليل، ولا قبل سير آخره ولا قصد أول الليل، ولا أوسطه. وإنما سألها أن تزوده منها قبل المسير والمفارقة، وذكر الادلاج؛ لأن مسيرهم لا يكاد يكون إلا ليلا، كما قال الآخر:
قل لأسماء أنجزي الميعادا وانظري أن تزودي منك زادا
وقال النابعة:/
أمن آل مية رائح أو مغتدي عجلان ذا زاد وغير مزود
стр. 109
ومما يوضح فساد تأويلهم؛ أن العرب تسمى "القنفذ" مدلجا؛ لأنه يدرج بالليل، ويتردد فيه، لا لأنه لا يدرج، إلا في أول الليل، أو في وسطه أو في آخره، أو فيه كله. ولكنه يظهر بالليل في أي أوقاته احتاج إلى الدروج، لطلب علف أو ماء أو غير ذلك، فالادلاج بالتشديد إنما هو الافتعال بزيادة التاء، وهذه التاء ليست بعلامة لآخر أوقات الليل في مذهب أحد من العلماء بالنحو واللغة، ولكنها تأتي في الفعل والمصدر، لمعان غير الأوقات منها: أن تكون بدلا من نون الانفعال كقولك: اضطرب في معنى انضرب، لأن وزن الفعلين واحد، والزيادتين على حرف واحد ساكن، في موضع واحد. والنون الساكنة تخفي مع جميع الحروف، إلا مع حروف الحلق خاصة، فلما كانت التاء تدغم في مقاربتها فتخفى، كما تخفى النون مع سائر الحروف وقعت موقعها، ونابت عنها، فكأن المعنى في الادلاج المشدد: المطاوعة، كأنه قيل: أدلجت به فاندلج، فجاء ادلاج بدلا من اندلج، لما وصفنا. ومما يبين ذلك ما قلنا أنه يروى عن النبي صلى الله عليه أنه قال: "من بكر وابتكر، وغسل واغتسل، ودنا واستمع".
فلم يزعم أحد من العلماء باللغة والفقه أن معنى ابتكر واغتسل واستمع لآخر أوقات البكور أو الغسل أو السمع. وإنما المعنى من بكر بغيره، وابتكر هو أو من بكر به غيره فانقاد للبكور، ومن غسل غيره واغتسل هو، وكذلك قوله: فاستمع، كأنه أسمعه الإمام فاستمع له، فإنما/ تدخل هذه التاء في الفعل والمصدر لمعان معلومة محدودة عند أهل النحو، فتكون طوراً بمزلة الفعل، وطورا بمنزلة أفعل، وطورا بمنزلة فعل، المشددة، ونحو ذلك، مما يطول شرحه، لا لشيء من الأوقات وتقديمها وتأخيرها. وقد استقصينا تبيين ذلك في غير هذا الكتاب، بحجج كثيرة من الشعر وغيره. وليس الادلاج بالتشديد أيضاً من هذا الباب؛ لأنه قد ترجم الباب بفعل وأفعل خاصة، والادلاج الافتعال من افتعل، فلم يكن لوضعه ههنا معنى، ولا هو من لحن العامة في شيء، ولا تعرف العامة الإدلاج بالتخفيف، إلا في جميع أوقات الليل، وهو مذهب صحيح، ليس بخطأ. ولا يعرفون الادلاج بالتشديد أصلا.
وأما قوله: أعقدت العسل وغيره، فهو مُعْقد وعقيد، وعقدت الحبل والعهد، فهو معقود، فإن معنى معقد أن اشتد العسل ونحوه، والأصل فيه أن يكون فعله غير متعد،
стр. 110
ولكن بمعنى الانفعال، كقولك: عقد العسل وعقدت الثمرة، وانعقدت أيضا. فإذا أردت نقل هذا الفعل زدت في أوله الألف، وصيرته متعديا فقلت: أعقدت العسل، وأعقد الحر أو البرد أو الهواء الثمرة، أي صيره عاقدا. فأما عقدت الحبل، فإنه في الأصل متعد بغير نقل من شيء، وهو بمعنى شددت، وعلى وزنه وتعديه، تقول: عقدت الحبل والخيط والنكاح، والعهد والبيع واليمين، فانعقد، إذا شددته وأكدته. وقوله: معقد على القياس، وعقيد فعيل بمعنى مفعول. وهو يجوز في فعل وأفعل جميعا؛ لأنه للمبالغة. وإنما ذكر هذا؛ لأن العامة تقول: عقدت/ العسل، وليس ذلك بخطأ؛ لأن الأصل واحد، ولكن خرج مخرج عقدت الحبل وغيره، إذا شددته فاشتد.
وأما قوله: أصفدت الرجل، إذا أعطيته، فهو مصفد، وصفدته، وإذا شددته، فهو مصفود؛ فإن الأصل في ذلك الشد والتوكيد والوثيقة، وتسمى العطية: الصفد؛ لأنها تؤكد الحال، وتشد المودة وتؤكدها. ولذلك يسمى القيد: الصفد، لمثل ذلك المعنى.
قال النابعة في العطية:
هذا الثناء لأن بلغت معتبة ولم أعرض بيت اللعن بالصفد
أي بالعطية. وقال الله في القيود: (مُقَرَّنِينَ فِي الأَصْفَادِ). يقال: صفدته، بغير ألف. وصفدتهم بالتشديد. وفي حديث النبي صلى الله عليه، في شهر رمضان: "وتصفد فيه الشياطين". فقيل في التقييد: صفدته بغير ألف، فهو مصفود، كما يقال: شددته فهو مشدود، وربطته فهو مربوط؛ لأنه في معناهما. وقيل في العطية: أصفدته، بالألف؛ لأنه في معنى أعطيته وأكرمته؛ ليفرق بين المعنيين، والألف لنقل الفعل ههنا أي جعلته ذا مال، وقال أمية بن أبي الصلت:
следующие страницы →