Полный текст (518 стр.). Показаны 491–518 · переход к 496.
стр. 491
العلة. والأصل الصاد. ويقال في تصريف فعله: يلصق لصوقا، ويلزق لزوقا لهو لاصق ولازق، والتصق الشيء والتزق، يلتصق ويلتزق التصاقا والتزاقا، وهو ملتصق وملتزق، وبيته ملاصق بيتي وملازق بيتي، وهو لصيقي ولزيقي، أي بجنبي، واللصوق واللزوق: الصمغ والغراء وكل ما ألصق به الشيء، فأكثر الكلام به بالزاي، والعامة عليه.
وأما صفقت الباب فمعناه: رددته بشدة حتى صوت، فأنا أصفقه صفقا، وكذلك صفقت يدي على الأخرى، وأكثر ما يقال بالتشديد: صفقت بيدي أصفق تصفيقا، كما تفعل المرأة في العرسات والولاءم وعند الطرب وغيره. ومنه قول النبي- صلى الله عليه-: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" يعني في الصلاة. وقد صفق البائع على يد المشتري يصفق صفقا، أي يضرب عند وجوب البيع. ومنه قيل: صفقة البيع، وصفقة البيعة. والطائر يصفق بجناحية تصفيقا، إذا طار، وإذا طرب وغرد، والديك إذا صاح يفعل ذلك. ويقال: أصفق الأمير على القوم، أي أتى عليهم بالحبس أو الضرب أو القتل، يصفق إصفاقا. وقد أصفق القوم على أمر، إذا أجمعوا عليه. والعامة تقول هذا بالسين. وكذلك إنه لصفيق الوجه، ومعناه: قليل الحياء، وهو ضد الرقيق. وقد صفق وجهه يصفق صفاقة، وصفقه صاحبه تصفيقا كأنه أضاف إليه وجها آخر، أو جلدا/ آخر. وكذلك ثوب صفيق، وقد صفق صفاقة. وصفقه ناسجه يصفقه تصفيقا، وهو ضد الرقيق السخيف النسج والعامة تقوله بالسين.
وأما قوله: والبرد قارس، واللبن قارص، فإن البرد أصله السين، واللبن أصله الصاد، فإن كانت العامة تقولهما جميعا بالسين، تقول: قرس البرد يقرس قرسا، بفتح الراء، وهو قارس، إذا اشتد. ومنه قيل: قرس الماء ومنه القريس من الطبيخ، الذي يجمد من البرد.
стр. 492
والعامة تقول: قريص بالصاد. وأما اللبن القارص فبالصاد، وهو الحامض الذي يقرص اللسان وقد قرص يقرص قرصا. ومنه قيل للنبيذ الحديث، إذا حذى اللسان: قارص، وذلك قبل أن يشتد ويسكر. وهو مأخوذ من قرص الأسنان بالأصابع والظفر، تقول: قرصته بيدي أقرصه قرصا. ويستعار فيقال: قرصته بلساني قرصا، أي تناولته بغيبة أو شتيمة أو وقيعة. ومنه قيل: قرصت العجين، أي قطعته قرصة قرصة، وهي التي يبسط منها الرغيف. وقد قرص العطار العطر، أي قطعه قطعة مثل الند، والبرمكية، والسك، وما أشبهها. والقرض: الرغيف، وهو أيض من الأدوية، ما يشبه الرغيف في بسطه، وتدويره، وإن كان صغيرا. ويجمعان على: الأفراص، والقرصة، وضرب من النبات، يقال له: القراص، والقريص.
فهذا آخر تفسير هذا الباب.
* * *
стр. 493
تصحيح الباب الثاني والثلاثين
وهو المترجم بباب من الفرق
هذا باب قد صنف فيه متقدمو أهل اللغة والنحو كتبا كثيرة، وتبع "أحمد بن يحيى" آثارهم/ في إفراده له بابا. وقد كان يجوز أن يضيف كل كلمة إلى نظيرتها في بابها من الكتاب، فلم يفعل. وفي هذا الباب تلبيس من أهل اللغة وإيهام لما لا حقيقة له، وحظر لما أباحه قياس اللغة.
فمن ذلك قوله: هي الشفة من الإنسان، ومن ذوات الخف: المشفر، ومن ذوات الحافر: الجحفلة، ومن ذوات الظلف: المقمة والمرمة، ومن السباع: الخطم والخرطوم، ومن الخنزير: الفنطيسة، ومن ذي الجناح غير الصائد: المنقار، ومن الصائد: المنسر. فهذه عشرة أسماء مختلفة الحروف والحركات والأمثلة لعشرة أعضاء مختلفة الصور والمنافع وأكثر المعاني، وقد أوهمونا أنه عضو واحد؛ جعلت له عشرة أسماء مختلفة للفرق، بين ذوات هذه الأعضاء من الحيوان، ولبسوا عليه بذلك، وليس الأمر على ما قالوا؛ لأن الشفة لا تكون لغير الإنسان؛ لأنها عضو رطب رقيق، ينقبض ويتبسم ويومأ به ويشار إلى المعاني، ويقبل به ويلثم به ويمص وينفخ ويصفر وينطق بحروف من حروف المعجم، متحركة وساكنة، ومشددة ومخففة، ويحسو ويتمطق ويبصق وليس لسائر الحيوانات التي ذكروها مثل هذا العضو، ولا فيما سموا لها من الأعضاء شيء من هذه المعاني والأفعال، التي وصفناها، فمن الواجب ألا يكون اسمها كأسماء تلك التي شبهوها بها، وأن يسمى كل عضو منها بالاسم الموافق لمعناها وفعلها، وهو القياس، وما يوافق العقل؛ ولذلك قيل للإنسان: ذو شفة؛ لأنه يشافه بها مخاطبيه بما أراد من الخطاب، الذي هو خاص في
стр. 494
الإنسان، وقد فضله الله به على غيره من الحيوان. وقد قدمنا في أول الكتاب من تفسير الشفة واشتقاقها ما يغني عن إعادته ههنا. ثم قد أباحت اللغة استعارة هذا/ الاسم لسائر الحيوان، والموات من الأواني، لأبوابها حروف، وللصور المصورة والأمثلة الممثلة في الثياب والحيطان، والأصنام والأوثان واللعب، التي لا تعقل شيئا، فتقول لحرف الكوز والجرة والحب والقدر والقدح والجراب والزق ونحو ذلك، شفته، فكيف باستعارة ذلك للبهيمة التي هي من جنس الإنسان في الحيوانية، وليس ذلك بمنكر في اللغة وإن كان الأصل في الإنسان؛ لن أكثر اللغة على التشبيه والاستعارة والاختصار والمجاز، ولو حظر ذلك فيها لضاق الكلام علينا، وعسر البيان عما في نفوسنا. وقد زعم أهل اللغة أن "الشفة" لا تكون إلا للإنسان، ولو عنوا أن هذا العضو لا يكون إلا له لصدقوا، ولكنهم ذهبوا إلى أنه لا يسمى بالشفة أول الفم، من غيره. وذلك خطأ، لأنهم يحظرون بذلك الاستعارة والتشبيه والاشتقاق ومعاني كثيرة مباحة في اللغة، لو شئنا أن نأتي من الشعر والكلام الذي قد سمي فيه بالشفة، غير عضو الإنسان، لأتينا منه بالكثير؛ لأنه ذائع فاش مشهور. وسمي المشفر من ذوات الخف مشفرا، وهي الإبل خاصة، وليس فيه من معاني الشفة وأفعالها، التي عددناها شيء، وإن كان يشاركهما في أنهما عضوان من أعضاء الحيوان، وأنهما مقدما الأفواه، وحجابا للأسنان مع اختلاف صورهما وتباين خلقيهما، في الغلظ
стр. 495
والرقة والصلابة واللين وغير ذلك؛ فلذلك سمي باسم آخر الشفة، لا للفرق بين البعير والإنسان كما توهموا. والمشفر مفعل من الشفر، أو من الشفير، على مثال ما في أول الميم الزائدة من الأدوات المستعملة والأصل من شفر العين، وشفر الفرج، وشفير الوادي والبئر، وخصت الإبل بذلك مع جواز استعارته للإنسان الغليظ الشفة، أو المشقوقها،/ كقولهم: إنه لعظيم المشافر، وإنه لمشفراني، وقيل للأذن الكبيرة: الشفارية، وقيل لضرب من اليرابيع: الشفاري. ويقال: ما بالدار شفاري، أي ما بها أحد وقال الفرزدق:
فلو كنت ظبيا عرفت قرابتي ولكن زنجيا عظيما المشافر
فجعل للإنسان مشفرا، لما غلظت شفته، وجمعه أيضا للمبالغة. وقد فرق بين الإبل وذوات الحافر مع اشتراكهما في البهيمية، وفي أكثر الخلقة فقيل لذوات الحافر: الجحفلة؛ لعدمها النعو والعلم اللذين يكونان في مشفري البعير، ولسبوغ خلق الجحفلة واستوائها وغلظها، لا للفرق بين الخف والحافر، كما لم يقل: مشفر البعير من أجل خفة. واشتقت الجحفلة من الجيش الكثير، فإنه يسمى جحفلا. وقد تستعار الجحفلة للإنسان وغيره على التشبيه. ويوضح ذلك تسميتهم الجيش بالجحفل. وخولف بين ذوات
стр. 496
الأظلاف، وهي البقر والغنم وأما أشبههما، وبين ذوات الخف والحافر أيضا؛ لاختلاف صور ذلك منها، وتباين الخلق والأفعال، فقيل له: مقمة، على مثال مفعلة من القمام؛ لأنها تقتم وتقمم، لا لأنها ذات ظلف، ومن هذا قيل قمة الرأس، وكذلك المرمة مفعلة من الرمة، لأنها ترم، أي تجمع وتلف ما قد رم من حشيش ونحوه بفيها، والرميم منه، وهو البالي من كل شيء فتأكله. ولو فعل إنسان مثل فعل البقرة والشاة بالقمام والرمة لقيل: قد ارتم واقتم وتقمم، كما يقال للبهيمة. ولو أشبه فم إنسان مرمة الشاة ومقمته لجاز أن تسمى مقمة ومرمة، وهو لا يقم ولا يرم، وإنما هو مشبه بما يرتم ويقتم.
وزعم أن الخطم والخرطوم من السباع، وليس كما قال؛ لأن الخطم يقال لكل شيء من الحيوان،/ ولذلك قيل لخطام البعير خطام؛ لأنه يجعل في خطمه، وهو المخطم أيضا، بذلك أخبرنا "علي بن عبد العزيز" عن "أبي عبيد" أنه قال في أول كتاب "الغريب المصنف": الأنوف يقال لها: المخاطم، واحدها: مخطم. وفي حديث النبي- صلى الله عليه- أن الدابة تخرج في آخر الزمان، فتسم المؤمن، وتخطم الكافر". وفي صفة الحشر يوم القيامة في العرق: "إنه يلجمهم ثم يخطمهم" أي يبلغ إلى خطم الناس. وذكر "الخليل" أن الخطم من البازي، ومنكل طائر: منقاره، ومن كل دابة: مقدم أنفه، وفيه، نحو الكلب والبعير وقال: يقال: إبل مخطمة، أي موسومة على أنوفها. والسمة على الأنف تسمى: الخطام. وإذا طعن الرجل في أنفه، أو ضرب بالسيف قيل: قد خطم، أي أصيب خطمه، أو قطع خطمه؛ ولذلك سميت خطم الإبل خطما، وواحدها: خطام؛ لأنها
стр. 497
تجعل في أنوفها، فأي فرق ههنا. والخرطوم أيضا اسم يقع على أنف الإنسان وشفته فيقال للغضبان: قد دلى خرطومه، وعلق خرطومه، وقد تخرطم. وقال "الخليل" يقال: خرطمت، إذا ضربت خرطومه فعوجته. وقال: المخرنطم: الغضبان، ويقال لأول كل شيء خرطوم، حتى الخمر أول ما ينزل منها خرطوم. وكل متقدم في كل شيء خرطوم. ومنه قيل للسادات: الخراطيم، وليس الأمر على ما وصف "ثعلب".
وأما الفنطيسة من الخنزير فليست بمقدم فمه، ولا هي كالشفة من الإنسان ولكنها فنعيلة من الفطس، وهي الفطسة أيضا. وذلك قصر الأنف وانخفاض قصبته. والفطسة تكون في البقر والغنم، وفي الزنج والترك، وكثير من غيرهم؛ ولذلك تسمى البقرة الخنساء؛ لأن الخنس قصر النف. ويقال للرجل وكل ذكر بأنفه فطس، والأنثى: فطساء، والجميع: فطس، والزنج فطس والترك/ فطس. ومن هذا سميت مطرقة الحداد الغليظة: الفنطيس. ويقال لحب الآس: الفطس، والواحدة فطسة؛ لقصرها، والانخفاض الذي بين طرفيها ووسطها. ويقال للرجل إذا مات من غير داء ظاهر: قد فطس فطوسا. فإنما الفنطيسة والفطسة من الخنزير أنفه، لا ما وصف "ثعلب" وهي اسم مشترك يسمى به كل ما كان مثل أنف الخنزيرة.
وأما المنقار من الطائر غير الصائد فمباين لسائر ما تقدم من هذه الأعضاء في الخلقة والمعنى والعمل به؛ لأنه عظم يابس، وليس وراءه شيء من الأسنان، بل هو نفسه كالسن، ولم يسم منقارا من أجل أنه للطائر، ولكنه سمي بذلك من النقر؛ لأنه ينقر به الحب، الذي يأكله يقال: نقر ينقر نقرا، فهو ناقر، والحب منقور؛ ولأنه ينقر به الطائر أيضا، ويقاتل
стр. 498
به وينقر صائده. وإنما المنقار مفعال من النقر؛ لأنه كالأداة التي تنقل وتستعمل، مثل المفتاح من الفتح، والمغلاق من الغلق، والمقراض من القرض ويسمى أيضا منقادا، بالدال، لأنه ينقد به الحب وغيره، وإن كان النقد خلاف النقر، وهما جميعا يستعملان في كل شيء ناقر وناقد، من الناس وغيرهم فيقال لحديدة النجار، التي ينقر بها الخشب منقار، وللمعول الذي يستعمله الحفار منقار، ولفأس الرحى ونحوها من الحجارة: المنقار، وللحديدة التي ينقش بها السراج اللجم، والركب، منقار، ويسمى الرجل المفتش للعلم: منقارا. ولو طالت شفة الرجل العيا ودقت، لجاز أن يقال لها منقار. وقد قال "علي" – رضوان الله عليه- لشريح: "أيها العبد الأبظر". ولا يكون للرجل بظر. ويقال منه: نقرت بالخيل، إذا زجرته بلسانك، ونقرت بالطائر، إذا فعلت ذلك. وقال الشاعر:
أنا ابن ماوية إذ جد النقر
/فحول الرفع من الراء إلى القاف؛ لئلا يقف على المتحرك، وإنما يريد "النقر" ومنه قول الله تعالى: (فَإذَا نُقِرَ فِي النَّاقُورِ) يريد نفخ في الصور، والتنقير عن الأمور: التفتيش. والنقرة: مكان يحتبس فيه ماء المطر. والنقرة في القفا أيضا. والنقير: النقرة الصغيرة في ظهر النواة. والنقير أيض: جذع منقور ينتبذ فيه. والنقري: دعوة القوم متفرقين فمنه قول طرفة:
стр. 499
نحن في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا ينتقر
ويقال: نقرت الدرهم بإصبعي، ونقرت أنفه. والمغني ينقر الدف بإصبعه. والرجلان يتناقران، أي يتخاصمان. والقوم يتناقرون أيضا، أخذ ذلك من نقار الطائرين بمناقيرهما في قتالهما، وهكذا يتصرف النقد في وجوه كثيرة منها النقد في البيع، وذلك لا يكون بنسيئة. والناقد: الصيرفي الذي ينقد الدراهم بإصبعه وينتقدها. ومنه قولهم للحية، إذا لسعت، والعقرب والزنبور، وقد نقدته الحية، وكل هذا دليل لما قلنا.
وأما المنسر في الصائد من الطير كالصقر والبازي، وما أشبههما، فمخالف أيضا للمنقار في جميع معانيه، وفي صورته وفعله؛ لأنه أصلب من المنقار، وهو أعقف معوج منكس الطرف حاد كالفأس ولا ينقر الحب ولا يلتقطه. وإنما سمي منسرا؛ لأنه ينسر به اللحم نسرا، أي ينتفه نتفا، وينثره نثرا، ويقلعه؛ ولهذا سمي النسر من النسور نسرا؛ لقوته وشدة نسره، وبه سمي اللحم الصلب الذي يكون في باطن الحفر نسرا؛ لصلابته ويبسه، ويسمى كوكبان بالنسرين: أحدهما يقال له الطائر تشبيها بالطائر، والآخر الواقع تشبيها بالواقع، فهذا كله مما يدل على أن هذه الأسماء/ لم تقع على مسمياتها؛ ليفرق بها بين بعضها وبعض، ولكن سميت بها مسميات مختلفة الخلق والصور والمعاني والأفعال، كاختلاف أسمائها المستقة لها من أفعالها، وليست هذه الأسماء لشيء واحد من الأعضاء كما يتوهم "أهل اللغة". بل على ما يوجبه العقل والقياس في التسميات ويصح به المعنى والاشتقاق. وهذا دليل على سائر ما ذكروا من الفروق في كتب "الفرق" في سائر أعضاء الحيوان وغيرها.
وأما قوله بعد ذلك: وهو الظفر من الإنسان، ومن ذي الخف المنسم، ومن ذي الحافر: الحافر، ومن ذي الظلف: الظلف، ومن السباع والصائد من الطير: المخلب،
стр. 500
ومن الطائر غير الصائد والكلاب ونحوها: البرثن، ويجوز في السباع كلها، فإن "الخليل" ذكر أن "الظفر" ظفر الإصبع، وظفر الطائر. وزعم "أحمد بن يحيى" أن "الظفر" للإنسان خاصة، وقد جعله امرؤ القيس للكلب في قوله:
فأنشب أظفاره في النسا فقلت هبلت ألا تنتصر
وقد يسمى منسم البعير أيضا ظفرا. ويقال للظفر: الأظفور أيضا في غير الإنسان فلذلك جمع على: الأظافر. وقد يجوز أن تكون الأظافير جمع الأظفار، والأظفار جمع الظفر، ويقال لضرب من العطر: الأظافر، وهو نبات يشبه ثمره أظافير الناس، ولا يفرد لها واحد. وقال بعضهم: يقال لواحدتها: إظفارة وإظفار أيضا. والظفرة: داء يغشي حدقة الإنسان، شبيهة بالظفر، تنبت من ناحية موق العين، وتزداد حتى تغطي الناظر، وتعالج بالقطع. ويقال منه: ظفرت العين وهي منظفورة. والظفر: الفوز والغلبة في القتال والخصام، وغير ذلك، يقال: ظفر فلان يظفر، وظفرت يده تظفر، وأظفره الله، وإنه لمظفر، إذا كثر ظفره. وضرب من الوشى يسمى: المظفر؛ لأنه معمول/ على صورة الظفر. وإنما سمي ظفر الإصبع. وظفر الطائر والكلب؛ لظفره بما يحاول؛ ولذلك قيل: ظفرت يداه والظفر من اليد.
وأما قوله: ومن ذي الخف المنسم، فإنه وإن لم يستعمل إلا في الإبل لهو مأخذو مما هو مستعمل في غير الإبل. وقد ذكر "الخليل" أن المنسم من الفيل أيض، وأنشد في ذلك:
من كل جانب لهن منسم
стр. 501
وحكى بعضهم: المنسم في النعامة أيضا، وهو مأخوذ من النسم والنسيم. أما النسم فالأرواح، وواحدتها: نسمة، وهي النفوس. ويقال في الدعاء: يا بارئ النسم. وفي الحديث "في العتق نسمة مؤمنة". ويقال لنفس الإنسان: نسمة. وهو يتنسم النسيم، أي يتنشق الأرواح تنسما. وقال: تنسمت الريح نفسها إذا تضوعت. ومنه قول الشاعر:
فإن الصبا ريح إذا ما تنسمت على كبد محزون تجلت غمومها
والمنسم إنما اشتق له من هذه الأشياء، لسرعة سيره وتفرقه في البلاد. وليس المنسم من البعير بمنزلة الظفر من الإنسان في شيء من المعاني، بل هو بمنزلة الأصابع، وخفه بمنزلة القدم. وإنما الحافر من ذي الحافر كالفرس والبغل والحمار، فسمي بذلك؛ لأنه يحفر الأرض بحده وصلابته، وكل ما حفر الأرض من حديد أو خشب أو حجارة أو عظم أو يد أو رجل، فهو حافر، وإذا كثر منه الحفر لهو حفار؛ ولذلك سمي حفار الآبار والقبور وغير ذلك حفارا، ويسمى ما يحفر به: محفارا، وتسمى كل جوبة أو وقبة حفرة وحفيرة. وإن لم يحفرها أحد؛ لأنها تشبه ما قد حفر. ومن هذا قولهم: "النقد عن الحافر" أي أذا اشتريت السلعة لم تبرح حتى تنقد ثمنها، والخيل والبغال والحمير تسمى أنفسها: الحافر، فيقال:/ الحافر خير من ذوات الأظلاف. والحفر والحفر: ما يلصق بالأسنان من ظاهر وباطن، ويؤثر فيها، يقال: حفرت أسنانه تحفر حفرا، وحفرت تحفر حفرا؛ فإنما سمي الحافر حافرا؛ لأنه يحفر، فهو اسم له، ولكل ما حفر، وليس الحافر أيضا من الظفر، ولكن ما طال منه، ويأخذه عنه البيطار مثل الظفر والظلف أيضا سمي من ذوات
стр. 502
الظلف لشدته وصلابته، وهو في الشدة والصلابة مثل الحافر، إلا أنه لا يطول ولا يصير له حد، ولا يحفر كما يفعل ذلك الحافر، وهو أيضا مخالف للحافر في الصورة؛ لأنه قد افترق فرقين، والحافر مجتمع، ولكنه شبه بما صلب من الأرض، وهي الظلفة على فعلة، والأظلوفة على أفعولة، وهي: الأرض الصلبة التي فيها حجارة حداد خشنة. والجميع: الأظاليف. ويقال: مكان ظلف، أي خشن فيه رمل كثير؛ ولذلك سمي طرف حنو القتب، وحنو الإكاف، وأشباه ذلك: الظلفة؛ لأنه يقع على جانبي الحمار والبعير، فيؤثر فيه بشدته وصلابته، حتى يذهب منه الشعر والوبر، ويبيض كما قال فيه الشاعر:
كأن مواقع الظلفات منه مواقع مضرحيات بقار
ويقال: قد ظلفت نفسي عنه. فهي تظلف ظلفا، أي أنفت وكرهته. ولو اجتمع أصابع قدمي الإنسان فصارت فرقتين، أو كانت قدمه كذلك من خلقة، أو داء لجاز أن يسمى بذلك ظلفا؛ لأن ظلف الشاة والبقرة لم يسم بالظلف، من أجل أنه في بقرة أو شاة، ولكن لما وصفنا من الشدة والصلابة، وإذا اشتد رجل الإنسان جاز أن تسمى بذلك وبالحافر أيضا. وأما المخالب من السباع. والصائد من الطير على ما ذكره "أحمد بن يحيى" فلم تسم به للفرق بين السبع/ وغير السبع، ولا بين الصائد وغيره من الطير. وإنما سمي به لمعناه وفعله، وأخذ من لفظ يستعمل في كل شيء. قال "الخليل": الخلب: مزق الجلد بالناب وهذا لغير المخلب أيضا، وهو الدليل على أنه المخلب إنما سمي مخلبا؛ لأنه يخلب به الجلد واللحم. قال: والسبع يخلب الفريسة
стр. 503
إذا شق جلده بناب أو مخلب، ولكل طائر من الجوارح مخلب، ولكل سبع [مخلب] وهو أظافير. قال: والمخلب: المنجل. وقال النابغة:
قد أفناهم الدهر قبل الوفاة كهد الإشاءة بالمخلب
وقال بعضهم: هو المنجل الذي لا أسنان له، يقطع به سعف النخل وما أشبهه. وقال "الخليل": ورق الكرم والعرمض ونحوه، والخلب: حبل دقيق شديد الفتل من ليف أو قنب أو شيء صلب. وقال الراجز:
كالمسد اللدن أمر خلبه
ويقال لغشاء القلب: الخلب، بالكسر، قال الشاعر:
بين خلب وكبد
قال: والمخالبة: المخادعة في كل شيء، وهي الخلابة أيضا، ورجل خلاب، وامرأة خلاب وخلوب، أي خدوع. وفي حديث أن النبي – صلى الله عليه- قال لرجل كان يخدع في تجارته: "قل لا خلابة إذا بعت". ومنه: برق خلب، وهو الذي يومض ولا يمطر. والخباء: المرأة الحمقاء، وهي الخلبن أيضا بزيادة النون. وقال رؤبة:
وخلطت كل دلاث علجن تخليط خرقاء اليدين خلبن
стр. 504
والمخلب من الثياب: الكثير الوشي، كما قال لبيد:
كوشي العبقري المخلب
فكل هذا بعضه مشتق من بعض؛ لأن في كل واحد منه لفظ سائره ومعناه وإنما اشتق مخلب السبع والطائر من الخلب./ ولو طالت أظافير الإنسان حتى تخلب وتخدش، لجاز أن يقال لها: مخالب أيضا.
وأما البرثن الذي ذكر أنه من السباع كلها، فإن السباع تدخل فيها: الذئاب والضباع، والكلاب والسنانير، والفأر واليرابيع، وهذه كلها ذوات مخالب وبراثن. وليس "البرثن" من المخلب في شيء، ولكن البرثن مثل نصاب السكين والموسى للمخلب، يدخل فيه المخلب عامته، فإذا أراد السبع الوثبة على فريسة أو الصيد ونحو ذلك تمطى فأخرج مخالبه من براثنها، وكذلك السنور إذا أراد الصيد أو القتال. وقال الشاعر:
فقلت يا قوم إن الليث منقبض على براثنه لوثبة الضاري
فأما قول الآخر:
كأن براثنه الأشافي
فإنه جعل البرثن كأنه المخلب؛ لأنه أصله، وهما شيئان مختلفان. ويجوز أن يكون البرثن ثلاثيا، قد ألحق بالرباعي، بزيادة النون، كما ألحق زرقم، وستهم بزيادة الميم. وكما قيل: ناقة علجن من العنج، وامرأة خلبن من الخلب فيكون أصله من البرث، وهو الأرض السهلة اللينة الحسنة، وهو أيضا جبل من رمل، وفي تربه صلابة، وجمعه:
стр. 505
البروث، والبراث، لأن البرثن لين، وهو جلد كالغلاف للمخلب، فلو كان لإنسان مثله خلقة، أو من داء وكأن ظفره يدخل فيها لجاز أن يسمى ذلك برثنا.
وأما قوله بعد ذلك: هو الثدي من الإنسان، ومن ذوات الخف: الخلف، ومن ذوات الحافر والسباع: الأطباء، واحدها: طبي، ويقال: طبي، ومن ذوات الظلف: الضرع، فإن العامة تقول: ثدي، بكسر الثاء، وتضيفه إلى جميع الحيوان، وهو من المرأة خاصة. فأما الرجل فلا ثدي له، ولكن له ثنودة بدل الثدي، / هكذا قال "الخليل"، وهو مفتوح الأول، ساكن الأوسط، وجمعه: الثدي، على فعول، ولكن انقلب واو فعول فيه ياء من أجل سكونها، والياء التي بعدها، وصارت مدغمة فيها، وانكسر الدال للياء التي بعدها وأدنى العدد فيه: أثد، على أفعل، كما يقال في دلو: أدل؛ لأن الدال تنكسر للياء التي بعدها. ويقال: امرأة ثدياء، أي عظيمة الثديين. والعامة تكسر أول ثدي، وهو خطأ، وتجمعه على: الأثداء. وقال الأعشى:
رضيعي لبان ثدي أم تقاسما بأسحم داج عوض لا نتفرق
ولو أشبهت ثندوة الرجل ثدي المرأة جاز أن تسمى ثديا، وكذلك لو كان ضرع شاة أو خلف ناقة على خلقة الثدي وصورتها لجاز ذلك فيهما. والدليل على ذلك تسمية العرب جميعا: ذا الثدية من أجل أن يده كانت منقبضة مجتمعة لا عظم لها، كثدي المرأة، وفي الحديث عن النبي- صلى الله عليه- حين وصف الخوارج، فقال: "فيهم رجل مثدن اليد" فشبهها بالثندوة، هكذا رواه الرواة. وقياسه: مثند اليد، فكأنه مقلوب. وإنما قالوا الثدية، بالتأنيث والثدي مذكر، من أجل أنها يد، وإن كانت تشبه الثدي.
стр. 506
وأما الخلف من ذوات الخف فنظير الثدي من المرأة؛ لأنهما اللذان يحلب منهما ويرتضع. وفيه اختلاف. ذكر "الخليل" أنه المؤخر من الأطباء، وأن القادم هو المقدم. وعند بعضهم: الخلف هو الشرع نفسه، وقادماه المتقدمان والمتأخران. والجميع: الأخلاف. والدليل على أن الخلفين هما المتأخران من الضرع قول الراجز:
كأن خلفيها إذا ما درا جروا خراش خورشا فهرا
ونفس الخلف يدل بحروفه على أنه المتأخر؛ لأنه مشتق من الخلف والمتخلف، وهو المتأخر. والعامة تسمى الخلف:/ الضرع، ولا تعرف غير ذلك، ولكنهم يكسرون الضاد وهو خطأ. وقد تسمى المرأة العظيمة الثديين: الضرعاء. ويقال: هي عظيمة الضرعين؛ فقد ظهر أن الخلف إنما سمي خلقا لتخلفه، لا لأنه لذوات الخف.
وإنما الطبي من السباع والكلاب وكل ما ليس له ضرع فهو بمنزلة الحلمة من ثدي المرأة. يقال: أطباء الكلبة، وأطباء اللبؤة، وأطباء الرمكة والأتان أيضا، وهي جماعة الطبي، بضم الطاء، وبعضهم يكسر الطاء، وهو مأخوذ من قولهم: طباه يطبيه عن رأيه، إذا صرفه عنه، ودعاه إلى غيره ويقال: أطباه يطبيه، وذلك أن الذكر كلما قرع طبيا طباه طبي آخر عنه إلى نفسه.
وأما الضرع فهو مفتوح الأول. والعامة تكسره. وفيه اختلاف. ذكر "الخليل"
стр. 507
أنه للشاة والبقرة ونحوهما من ذوات الأظلاف، وأن منهم من يجعل للدواب كلها الضرع؛ ولذلك قيل: ما له زرع ولا ضرع. وتفسيره: ما له ذوات ضرع تحلب، يعني الإبل والبقر والغنم. ومن كلامهم أيضا: مطرنا الزرع والضرع، وهو مثل الأول، حكى ذلك "سيبويه" ومعناه: أنه كثر من المطر زرعهم ولبنهم. وقال "الخليل" يقال: أضرعت الناقة فهي مضرع عند اللبن، لقرب النتاج. وهذا حجة لمن جعل الضرع في اللبن. قال: وشاة ضريع أي حسنة الضرع؛ ولذلك قيل للمرأة العظيمة الثدي ضرعاء. وإما الضارع فإنما اشتق من ضارع لأنه الخاضع الذليل المنقاد لما التمس منه، كما أن الضرع معرض لحالبه، والشارب منه. ومنه التضرع في المسألة والطلب والدعاء وغيره. والمضارعة مفاعلة منه، وهي المخالطة والمشاركة والمشابهة ونحو ذلك، يقال: هذا الشراب حلو، يضارع الحموضة، أي يخالطها، وكذلك الضريع الذي ذكره الله تعالى في القرآن إنما هو طعام رذل خسيس وضيع، لا منفعة فيه لآكله كما وصف الله/ تعالى: (لا يُسْمِنُ ولا يُغْنِي مِن جُوعٍ) وإن كان يضارع الطعام، فقد تبين أن الضرع لم يسم ضرعا من أجل أنه لظلف ولا لخف ولا لفرق بين شيئين، ولكن لما فيه من التأتي للحلب، والتمسح به، كما قلنا.
وأما قوله بعد ذلك: وإذا أرادت الناقة الفحل قيل ضبعت ضبعة شديدة وهي ضبعة، وتقول لذوات الحافر: استودقت وأودقت، وأتان وديق وودوق وبها وداق، وقد استحرمت الماعزة، وهي ماعزة حرمى، وبها حرام، وقد حنت النعجة، وهي حان، وبها حناء، وصرفت الكلبة، وهي صارف وأجعلت أيضا، وهي مجعل، وكذلك السباع كلها، ويقال للظبية إذا أرادت الذكر، كما يقال للماعزة، ويقال للبقرة من الوحش، كما يقال للضائنة. والظبية عند العرب: ماعزة، والبقرة عندهم نعجة. فإنما قيل للناقة: ضبعت ضبعة شديدة من قولك: ضبعت في سيرها تضبع، أي سارت سيرا شديدا، وذلك بمد ضبعيها والضبع
стр. 508
وسط العضد. ومنه قولهم: أخذت بضبعى فلان، وشددت بضبعه، إذا قبضت على وسط عضديه. والمضبعة: اللحمة التي تحت الإبط من قدم. وفي الحديث: "مد رسول الله- صلى الله عليه- ضبعيه إلى السماء" أي في الدعاء، وذلك أنها إذا أرادت الفحل تمطت وتمددت بضبعيها وجميع بدنها، فيقال: ضبعت ضبعة شديدة، بسكون الباء وبفتحها على نية المرة الواحدة، وعلى اسم الداء، وإن بها لضبعة وضباعا، على وزن لعال كأوزان العيوب من الحران والجماح والحلاء، وكذلك الهياج والوداق ونحو ذلك. والعامة تقول: ضبعة مخففة.
وأما قوله: استودقت لذوات الحافر، وأودقت، فهما استفعلت وأفعلت من الوداق، وهو الهياج. والعامة تقول: ودقت الأتان وغيره توديقا على فعلت بالتشديد/ تفعيلا. وقوله: هي وديق وودوق من أبنية المبالغة، على فعيل وفعلول، والوداق على فعال مثل سائر أسماء العيوب وهو مأخوذ من الودق، وهو المطر، قال الله تعالى في السحاب: (فَتَرَى الوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلالِهِ) وذلك أن الأتان إذا استوقدت مجت الماء من فرجها. ويقال: سحابة ذات ودقين، وحرب ذات ودقين. ويروى لعلي بن أبي طالب- ﵁:
تلكم قريش تمناني لتقتلني فلا وربك ما بروا ولا ظفروا
فإن بقيت فرهن ذمتي لكم بذات ودقين لا يعفو لها أثر
ولا يكاد يستعمل الفعل من الدوق، وقياسه إن استعمل أن يقال: ودق يدق ودقا، ودقة، مثل وزن يزن وزنا وزنة، وهو وداق، ومنه الوديقة، وهي شدة الحر في نصف النهار، مثل الهجيرة. وجمعها: الودائق.
стр. 509
قال الشاعر:
تكلف إدلاج السرى والودائق
والمودق: معول الشر؛ فهذا معنى أتان وديق. ومنه قيل: استودقت.
وأما قوله: استحرمت الماعزة، وهي ماعزة حرمى، وبها حرام، فإن "الخليل" قال: الحرمى من الشاء والبقر هي المستحرمة، يقال: استحرمت حرمة، أي أرادت السفاد، وهن حرامى ومستحرمات، فجعل ذلك في الشاء والبقر، ولم يخص الماعزة. وقال أيضا: تقول: حرم الرجل، إذا لج في الشيء ومحك. فكأن هذا مأخوذ منه؛ لأنه كاللجاج والمحك. وقال: يقال: قد حرم الشيء، إذا وجب. ومنه قراءة من قرأ: (وحِرم على قرية" أي واجب. والحرمة والحرام بمنزلة الوداق والضبعة، إلا أنه من هذا.
وأما قوله: قد حنت النعجة، وهي حان، وبها حناء؛ فقال "الخليل": إذا أمكنت النعجة الكبش يقال: قد حنت، وهي حانية؛ وذلك من شدة صرافها، فجعل الصراف في النعجة بمنزلة الوداق/ والحرام، وجعل الحناء مطاوعة الصارف فحلها، كأنه اشتق من الحنو، يقال: حنت الأم على ولدها وحنت إليه تحنو إذا برته وأشفقت عليه.
стр. 510
وفي حديث أن النبي- صلى الله عليه- قال: "إني والسفعاء الحزين الحانية على ولدها كهاتين يوم القيامة- وأشار بإصبعيه". وبين "الخليل" أن الحنو غير الصراف بقوله: إمكان النعجة، فهذا معنى النعجة الحانية.
وقال "أحمد بن يحيى"﵀: نعجة حان، بغير هاء، وقد بينا دخول التأنيث وسقوطه في مثل هذا.
وأما قوله: صرفت الكلمة، وهي صارف وأجعلت أيضا وهي مجعل، وكذلك السباع كلها؛ فإنه قد روي عن "الأصمعي" أنه قال: قولهم: صرفت الكلبة ليس من كلام العرب، ولكنه من توليد أهل الأمصار. وقد قال "الخليل"- وهو أقدم من الأصمعي في اللغة وأعلم وأثبت رواية عن العرب: إن الصراف: حرمة الشاء والبقر والكلاب، وقد صرفت تصرف صروفا، فهي صارف، وجعل ذلك في الشاء والبقر أيضا، ولم يخص السباع. وذكر "الخليل" أيضا: أن صرف الدهر: حدته، وهذا يدل على أن صراف الشاء والسباع وغيرها مأخوذ من الحدة. ومنه قولهم: صرف البعير بنابه يصرف صريفا؛ وذلك حين يحرق أحدهما بالآخر، والصرف: الزيادة أيضا في قيمة الذهب والفضة، ونحو ذلك لكل واحد منهما على الآخر.
وقال "الخليل" أيضا: كلبة مجعل، وقد أجعلت، إذا أرادت السفاد وهي تجعل إجعالا، فالجعال فيها بمنزلة الصراف، ويم يذكر السباع، وهي في معنى الكلاب، وقال: يقول أهل الحجاز: ماء مجعل وماء جعل إذا ماتت في الجعلان والخنافس. والجعلان ضرب من الخنافس تولع بالروث، وتلتزق به وتدحرجه في الطريق. وواحدها:
стр. 511
جعل فكأن/ الكلاب إذا طلبت السفاد صارت كالماء المجعل في قذره ونتنه وصارت كالجعلان في لهجها ولزومها للروث ولججها في دحرجته.
وأما قوله بعد ذلك: قالوا: مات الإنسان، ونفقت الدابة، وتنبل البعير والنبيلة: الجيفة. وقال "ابن الأعرابي": وتنبل الإنسان أيضا وغيره، ومات يصلح في ذلك كله؛ فإنه قد خص الإنسان بالموت، وهو عام في كل شيء كما قاله ابن الأعرابي. ويقال ذلك في الحيوان والنبات والحجارة. وهو في وجه خروج الروح والنفس من البدن، وفي وجه الكفر من الكافر، وفي وجه الجهل من الجاهل، وفي وجه شدة الهم والغم في القلب، وفي وجه عمى القلب، وبلادة صاحبه وفي وجه تعطل الدار من سكانها، وفي وجه خراب الأرض، وفي وجه يبس الشجر والنبات، وفي وجه كساد السلعة، وفي وجه انطفاء الناء والمصباح ونحوه، وهو متصرف في وجوه كثيرة؛ لقلة التباسه واعتياده.
وزعموا أن "الأصمعي" أنكر قولهم: ماتت النخلة. وقال: العرب لا تقول هذا في النخل، ولا في شيء من الشجر، وليس كما قال. وقد أجاء "الخليل" ذلك، ورواه عن العرب، وذكر من وجوه الموت أشياء كثيرة، واحتج فيها بالقرآن، وكلام رسول الله- صلى الله عليه- وقال: الموت خلق من خلق الله، لقوله [تعالى]: (الَّذِي خَلَقَ المَوْتَ والْحَيَاةَ) فالحياة ضد الموت في كل شيء، والفعل من الموت يتصرف على فعل يفعل، بفتح الماضي وضم المستقبل، يقال: مات يموت موتا، فهو مائت وميت، فالميت [أصله] ميوت، على وزن فيعل، بكسر العين، وأصله الفتح، ولكن قلبت الواو من أجل الياء التي قبلها، وأدغمت مع الياء، ثم كسرت؛ ليخالف بينها وبين فعيل من الصحيح، نحو صيقل وجيدر، وقد يخفف بحذف الياء المبدلة، لثقل التشديد والكسرة، فيقال: ميت في ميت،/ وهين في هين، ونحو ذلك؛ فهذا مذهب البصريين. وزعم غيرهم أنه كان أصل
стр. 512
ميت: مويت، على زون فعيل، وسيد: سويد كذلك، فأدغمت الواو في الياء، ونقل فعيل إلى فيعل، وهذا قول ضعيف، لا يقاس عليه، ولا يقال إلا بالحدس والظن، ومن التخفيف الميتة، كقول الله عز ذكره: (إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ المَيْتَةَ والدَّمَ) وهي ما خرجت روحه من غير أن يذكى، وميمها مفتوحة. فأما الميتة، بكسر الميم فهي الموت نفسه، ولكنها نوع منه؛ ولذلك بنيت على فعلة، مثل الجلسة والمشية، يقال: ماتت ميتة سواء، والموتة بالواو: المرة الواحدة، كما قال تعالى (إنْ هِيَ إلاَّ مَوْتَتُنَا الأُولَى) والموتان: كثرة الموت، وهو الوباء، يقال: وقع في الناس موتان كثير، وفي المال يعني الإبل والبقر ونحوهما، والموتان من ارض الخراب التي لم تعمر بعد. وكذلك الموات من الأرض. والموات: اسم يقع على الجماد كله كالحجارة والنبات. وهذا يبطل ما قاله "الأصمعي" وحكاه عن العرب في الشجر ويقال: مات فلان، وأماته الله، وقوله- عز ذكره: (يُخْرِجُ الحَيَّ مِنَ المَيِّتِ ويُخْرِجُ المَيِّتَ مِنَ الحَيِّ) معناه المؤمن من الكافر، والكافر من المؤمن. وقال أيضا: (وَيُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي يعمرها بعد الخراب بالزرع والنبات والخصب وقوله [تعالى]: (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وجَعَلْنَا لَهُ نُورًا) معناه كان كافرا فهديناه، ويقال: قلب ميت، أي بليد، وفلان ميت، أي جاهل. ويسمى الحرف المتحرك حيا، والساكن ميتا. وهذا دليل عموم الموت في كل شيء.
وأما قوله: نفقت الدابة، إذا ماتت فلا يقال في شيء غيرها، إلا أن يستعار لإنسان محله في الإنسانية محل الدابة، وفعله: نفق ينفق نفوقا، وهو أيضا خروج روحها من بدنها، وهو مأخوذ من النافقاء، وهو جحر من جحرة اليربوع/ ينتفق منها إذا طلب،
стр. 513
وهو أيضا النفق، ومن النفق أيضا: السرب في الأرض، يخرج منه الهارب إلى غيره. ومنه قول الله- تعالى ذكره-: (فَإنِ اسْتَطَعْتَ أَن تَبْتَغِيَ نَفَقًا فِي الأَرْضِ). وسمي المنافق منافقا؛ لإظهاره الإسلام وخروجه منه سرا. وكل من فعل ذلك في معاملة أو غيرها فهو منافق. ومن هذا نفاق السلعة، وهو خروجها إلى البيع، ونفاق السوق: كثرة المبايعة فيها وسرعتها ومن هذا سميت نفقة الإنسان، وهي ما يخرج عنه من المال في الحوائج ويفنى. يقال: قد أنفق ينفق إنفاقا، وكذلك ما يخرجه في سبيل الله ومرضاته، كما قال [تعالى]: (أَنفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ). وقال [تعالى]: (ولا يُنفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً) وكذلك خروج الروح من بدن الدابة: نفوق.
وأما قوله: تنبل البعير، فخص به "أحمد بن يحيى" البعير، ثم قال: والنبيلة الجيفة. والجيفة تكون من الإبل وغيرها. ثم حكى عن "ابن الأعرابي": تنبل الإنسان وغيره إذا مات، وهو مأخوذ من النبل، وهي الحجارة. وفي الحديث: "أعدوا النبل" يعني حجارة الاستنجاء، وهي العظام منها عندنا. ووحدتها نبيلة. وبعضهم يروي: "أعدوا النبل" بضم النون، ويجعل واحدتها: نبلة. والدليل على أنها العظام أن الجيفة تسمى باسمها؛ لانتفاخ الجيفة وعظم بدنه، وأن البعير عظيم. وقد خص بالتنبل. ويجوز أن تكون الجيفة النبيلة لخروج الروح عنها، وأنها صارت مواتا، بمنزلة الحجارة. وقولهم: تنبل إنما هو تفعل من النبيلة ومن النبل. وزعم "أبو عبيد" أن "النبل" في حديث الاستنجاء: الحجارة الصغار وأنه من الأضداد أيضا، واحتج بقول الشاعر:
стр. 514
أفرح أن أرزأ الكرام وأن أورث ذودا شصائصا نبلا
/ وهذا غلط من كل من قال به؛ لأن الحجارة الصغار لا يمكن الاستنجاء بها؛ لأن الصغير يعجز عن القبض على بعضها، والاستنجاء ببعضها، وأصغر ما يستنجى به أن يكون مقداره ما يتمكن القابض عليه بثلاث أصابع، ويستنجى منه ثلاث مرات بثلاث قرن، وإلا لطخ يده وجسده، وإذا كان هكذا لم يجز أن يكون صغيرا، وإن كان في الحجارة أكبر منه. والبيت الذي احتج به "أبو عبيد" شاهد للعظم لا للصغر. وذلك أنه إنما عنى بالنبل فيه المسان من الأبل الكبار الأجسام المهازيل؛ وذلك أن الشصائص جمع الشصوص، وهي المهزولة، التي لا لبن لها، لا أولاد الإبل ولا صغارها، ولا تسمى صغار الإبل ولا أولدها: شصائص، والإبل المهازيل، وإن قل لحمها فألواحها وخلقها عظام. وقد بينا من تفسير هذا الشعر وغيره في كتاب "إبطال الأضداد" ما لا يصلح ذكره ههنا.
وأما قوله بعد ذلك: وجلد بيضة الإنسان الصفن، ووعاء قضيب البعير الثيل، ووعاء قضيب الفرص وغيره من ذوات الحافز: القنب؛ فإن الصفن بفتح الصاد والفاء كما قال جلد بيضتي الإنسان. وقد حكى "الخليل" فيه لغة أخرى، وهي الصفن، بضم الصاد، وسكون الفاء، وهو مأخوذ من الصفنة، وهي جلدة كالسفرة الصغيرة، تجمعها حلقة واحدة، يستقى بها الماء في السفر، فإذا كانت كبيرة فهي الصفن بغير تأنيث. وقد قال "الخليل": الصفن: ما تنضده ونحوها من حشيش أو غيره، ثم تبني في وسطه بيوتها. وفعله: التصفين. ومنه صفن الخيل، وهو نصبها سنابكها وقيامها. يقال: صفنت
стр. 515
صفونا، وهي صافنة وصوافن. ومنه قول الله تعالى: (إذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الجِيَادُ). وكذلك النوق تصفن عند الحلب. وإنما قيل الصفن/ لجلد البيضتين؛ لأنه قد غثي به البيضتان وهما منتصبتان في جوفه، وهي كالسفرة التي يجمع أطرافها الحلقة، وليس الصفن بوعاء لقضيب الرجل فيأتي به مع الثيل والقنب، ألا ترى أن خصيتي البعير والفرس ظاهرتان غير داخلتين مع القضيب في الثيل والقنب، وقضيب الرجل ظاهر لا وعاء له إلا جلده. وأما الثيل فليس بوعاء للقضيب كما ذكر، ولا هو وعاء للبيضتين؛ لأن الثيل الجلدة فارغة من القضيب. وإنما يكون القضيب فوق الخصية منقبضا متشمرا حتى ينتشر، فيخرج من الثيل، وينقلب من داخل إلى خارج. وقال "الخليل": الثيل جراب قنب البعير، ويقال: بل هو قضيبه، ولا يكون القنب إلا للفرس. والثيل مأخوذ من الثيل، وهو نبات يشك الأرض ولا ينفصل منها. وكذلك الثيل من البعير متعلق بالقضيب.
وأما القنب فذكر "الخليل" أنه جراب قضيب الدابة، وأنه إذا كنى عما يخفض من المرأة قيل: قنبها. والقنب شراع ضخم للسفينة، وهو أعظم ما يكون من الشرع، ومنه المقنب، وهو الجيش زهاء ثلاثمائة. والقنب: ضرب من الكتان غليظ، تعمل منه الحبال وغيرها. فكأن القنب مأخوذ من هذه الأشياء لغلظه واجتماعه؛ لأنه أصل قضيب الفرس ونحوه. وليس في الإبل ولا في الناس وغيرهم شيء أعظم قضيبا منه. وليس بجراب ولا وعاء ولكنه أصله، والقضيب طرفه، فإذا انتشر ظهر منه وتبين أنه أصله، وإذا
стр. 516
انشمر قصر فغاب وخفي أصله، فيتوهم أنه جرابه. وإنما هو كالشيء المقلوب مرة ينقلب إلى داخل، ومرة إلى خارج.
/وأما قوله بعد ذلك: ويقال لما يخرج من بطن المولود من الناس قبل أن يأكل: العقى، ويقال: "أحرص من كلب على عقى صبي" ويقال له من ذوات الحافر: الردج، ومن ذوات الخف: السخت؛ فإن العقى على وزن فعل: ما يخرج من بطن الصبي حين يولد، أسود لزج كالغراء، يسقي الصبي شيئا من العسل ونحوه، ليلين طبيعته فيخرج عقيه، وهو ما كان يغتذيه في بطن أمه، من دم الحيض؛ ولذلك يحرص الكلب على أكله. ويقال: قد عقينا الصبي تعقيه، إذا سقي العسل أو نحوه ليعقى، يقال: قد عقي يعقي عقيا، بفتح العين، واسمه العقي، بالكسر.
وأما الردج، فقد ذكر "الخليل" أنه ما يخرج من بطن السخلة أو ما توضع، والسخلة تكون للغنم، وإنما سموا المهرة سخلة، فقد جعله عاما، ولم يخصص ذوات الحافر. وقال أيضاً: وهو للصبي أيضا، فجعله في الناس، واستشهد بقول "ثابت قطنة" في ابنه الذي تركه بالفلاة:
بحيث يستودع الكدري أفرخه والكب يلحس عن حرف استه الردجا
ولم يذكر منه فعلا.
стр. 517
وأما السخت ففارسية معربة، وهي السختة؛ أي المحترق من كل شيء وإن جعل من قولهم: السختيت أيضا، فهو فارسي معرب، ومعناه: الصلب الشديد ولعله أراد السخذ، بالذال؛ لأن السخذ: الماء الذي يكون فيه الولد من المرأة. وهو ماء السلا، الذي يكون فيه. ويقال: هو ماء ثم غليظ، فكأن ما يخرج من ذوات الخف عند الولادة شبه به، كما يقال للثقيل الكسلان بعد قيامه من نومه: مشخذ.
وأما قوله بعد الفراغ من الكتاب: اختصرناه وأقللناه لتخف المئونة فيه على متعلمه، الصغير والكبير، وليعرف به فصيح الكلام، ولم نكثره بالتوسعة وغريب الكلام. ولكنا/ ألفناه على نحو ما ألف الناس، ونسبوه إلى ما تلحن فيه العوام، فتأملنا ذلك فوجدناه خلاف ما ضمنه هذا الكتاب؛ لأن المتعلم لا يتعلم شيئا مما ذكره، إلا بمثل الشرح والبيان الذي شرحناه. ولو أنه ألفه على نحو ما ألف الناس من لحن العوام، ولم يبوبه أبوابا، ولم يذكر الأمثلة كما لم يفعلوا ذلك. فكيف يعرف فصيح الكلام الذي ذكره من غير الفصيح من لم يقف على معانيه، ولا جححه ولا قياسه، وإنما يحصل الناظر فيه على التقليد لا غير، وحفظ ألفاظ لا يعرف تفسيرها، إلا بما شرحنا.
وقد كنا شرطنا في آخر "كتاب الكتاب" أن نتبعه بكتاب مشتمل على جملة مما يحتاج إليه الكتاب، من تثقيف الألفاظ وتبيين المعاني، فضمنا ذلك هذا
стр. 518
الكتاب، وأودعناه من التنبيه على جزل الكلام وفصيحه ومعرفة جيدة من رديئه جملا تغنيهم عن الكتب المصنفة في لحن العامة، وغلط الخاصة، وتدلهم على إصلاح المنطق، وتجسير المعاني، وتبين للناظر فيه فضله على جميع ما ألف في هذا المذهب، ويهدي إلى حسن المطلب، مع شرح ما أبهمه صاحب "الفصيح" وغيره، وإيضاح ما أهملوا وإصلاح ما أفسدوا، محصورا كل ذلك بأبواب مرتبة، وأبنية ممثلة، وفصول مفصلة تقيم على المحجة، وتمنع من المضلة. وبالله الحول والقوة، وله الطول والمنة.
تم الكتاب بحمد الله ومنه، وحسن توفيقه وعونه، وكان الفراغ منه لعشر خلون من شهر الله الأصم "رجب" من سنة إحدى وستين وخمسمائة.
حامدا لله تعالى، ومصليا على رسوله، محمد النبي وآله ومسلما.
* * *