← Язык

Язык · id 14443

تصحيح الفصيح وشرحه

ابن درستويه

Полный текст (518 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

كقول الله :/ (فَقَدْ جَاءَكُم بَيِّنَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ) وقوله [تعالى]: (إنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِّنَ المُحْسِنِينَ) إلا أن المعتاد أحسن. وأما قوله: ودرع الحديد مؤنثة، ودرع المرأة مذكر، فإنما أنث درع الحديث؛ لأنها حلقة، ولذلك تسمى السابغة والشكة والفضفاضة واللأمة ونحو ذلك. وأما درع المرأة فذكر؛ لأنه قميص، والقميص مذكر. وكان يجب أن يذكر هذا في باب ما يذكر ويؤنث. وقال "الخليل" كان بعضهم يذكر درع الحديد أيضا، وذا صغروهما لم يؤنثوا واحدا منهما رواية عن العرب، يقولون فيهما: دريع، وأنشد في تذكير درع الحديد، لأوس بن حجر: وأبيض صوليا كنهي قرارة أحس بقاع نفح ريح فأجفلا وأما قوله: يقال لهذا الطائر: قارية، والجميع: قوار، ولا تقل قارور؛ فإنه يعني الذي يسمى الشقراق. والعامة تسميه: القارور، كأنها تحكي صوته كما قال الراجز: كأن صوت جرعهن المنحدر صوت الشقراق إذا قال قرر وإنما سميت قارية؛ لأنها تقري في حواصلها الماء والعلف. وقال بعضهم: سميت قواري؛ لأن ألوانها كألوان الجرار الخضر، لأنهما تسمى القواري؛ واحدتها؛ قارية، وإنما سميت

стр. 457

هذه الجرار قارية؛ لما يقرى فيها من الطعام والشراب أيضا. وزعم "الخليل" أن بضعهم يقول: هي طير سود، كأنها السودانيات، سميت قارية لسوادها، وأن بعضهم قال: هي خضر، وأنشد لدريد في خضرتها: سوابقها يخرجن من متنصب خروج القواري الخضر من سبل الرعد وقال: أكثر ما يأكل هذا الطير العنب والزيتون، وهذا دليل على أنها سميت قواري؛ لما يقرى في حواصلها. وأما قوله: عندي زوجان من الحمام، يعني ذكرا وأنثى، وكذلك كل اثنين لا يستغني أحدهما عن الآخر؛ فإن العامة تقول: عندي زوج من حمام، أي ذكر وأنثى، ولا تثني الزوج، وكذلك كل شيء بهذا المعنى، كقولهم: المقراض والجلم والنعل. ويزعم قوم من اللغويين أنه لا يجوز إلا مقراضان وجلمان ونعلان؛ لأن الواحد منهما لا يستغني عن الآخر. وقد أجاز بعضهم قول العامة في هذه الأشياء. وتقول العامة أيضا للولدين يولدان في بطن واحد: توأم، ولا تقول: توأمان، على ما اختاره "ثعلب". وقال الله تعالى: (فِيهِمَا مِن كُلِّ فَاكِهَةٍ زَوْجَانِ) ويفسر هذا: لونان ويحتمل أن يكون معنى زوجين أربعة. وقوله [تعالى]: (قُلْنَا احْمِلْ فِيهَا مِن كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ) يحتمل أن يكون معناه: احمل اثنين، وأن يكون بمعنى: احمل

стр. 458

أربعة. ومن هذا النحو قولهم: ضعف الشيء، يقال هو واحد، ويقال هو اثنان؛ لأنه بمعنى مثل، وسي، مما لا يستغني أحدهما عن الآخر. وقد أجاز "الخليل" أن يقال: هما توأمان، للوالدين. والعرب تعني بالحلة ثوبين، لا تقول حلتان، وهذا مما كان حقه أن يذكر في باب ما يثنى. وأما قوله: هم المسودة والمبيضة والمحمرة والمطوعة؛ فإن المسودة هم الذين يلبسون السواد من الجند وأعوان الشرط؛ لأنهم قد سودوا ثيابهم تسويدا. والمبيضة الذين يلبسون البياض؛ لأنهم بيضوا ثيابين فصاروا مبيضين، ولكن أنثوا؛ لأنهم جماعة، وكل جماعة مؤنثة، وصار علم التأنيث عوضا من الواو والنون. وكذلك المحمرة الذين يلبسون الحمرة. وكذلك يقال للأمراء الذين يسودون أعلامهم وراياتهم، أو يبيضونها. والعامة تقول كل ذلك، بفتح /عين الفعل، كأنهم مفعولون، قد سودهم غيرهم. وأما المطوعة، فقوم يخرجون إلى المرابطات، يتطوعون بالجهاد، وقد طوعوا كما قال الله عز ذكره: (فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ) وتطوعوا بفعلهم من ذات أنفسهم، أي تبرعوا بما لا يلزمهم. والعامة تفتح الواو في المطوعة، وهو خطأ. وقد يقال لهم: المطوعة، بتشديد الطاء أيضا؛ لأن الأصل: المتطوعة، فأدغمت التاء في الطاء؛ لتقارب مخرجيهما. وكان يجب أن يذكر هذا في باب ما يكسر. وأما قوله: يقول: كان ذاك عاماً أول يا فتى، وعام الأول إن شئت، فإن قولهم عاماً أول هو الأصل الجيد؛ لأن عاما نكرة، وأول وصف له نكرة مثله، والنكرة يوصف بالنكرة، وهما منصوبان على الظرف بكان، والمعنى كان ذلك في عام أول.

стр. 459

وأما قوله: عام الأول فخطأ في القياس؛ لأن الأول إنما هو صفة العام، وقد أضاف الموصوف إلى صفته، وهذا لا يجوز في شيء من الكلام؛ لأن الإضافة إنما تعرف المضاف بالمضاف إليه، والصفة لا تعرف موصوفها بالإضافة إليها. ولا يقول أحد من العرب هذا ثوب الجيد، ولا هذا فرس الفاره، ولا هذا حمار الأسود، ولا رجل البزاز ولا عبد الرومي، على إضافة الأول إلى الثاني، إلا أن تجعل هذه الصفة المضاف إليها صفة لاسم مضمر غير العام، كأنك تريد: فعل ذلك عام الحديث الأول وعام الخصب الأول، وعام الحديث الأول أو نحو ذلك، وهو مع ذلك رديء؛ لأن الموصوف لم يتقدم له ذكر، فتعرف به صفته. وليس يجوز أن يكون الأول صفة لعام، لأن عاما نكرة، والأول معرفة، ولا توصف النكرة بالمعرفة. والعامة لا تقول إلا "عام الأول"/ ولا تعرفه، ولا تعرف الإضافة ولا غيرها والوجه والصواب في هذا أن يدخل في عام الألف واللام أيضا، ثم يوصف بالأول فيقال: كان ذلك العام الأول، منصوبين على الظرف، أي في العام الأول، حتى يصح الكلام. وقد أجاز "ثعلب" قول العامة كما ترون. وقد كان يجب أن يذكر هذا في باب ما يضاف. وأما قوله: هو المعسكر، بفتح الكاف، فإن العامة تكسر الكاف، وهو خطأ؛ لأنهم يريدون العسكر نفسه، أو موضع العسكر، وليس يعنون صاحب العسكر فيكون فاعلا مكسور الكاف. وإنما المعكسر بالفتح اسم المفعول، وهو العسكر، الذي قد عسكر صاحبه عسكرة، ومعسكرا. واسم فاعله: معسكر بالكسر، كما تقول: دحرجته دحرجة ومدحرجا وأنا مدحرج، والعسكر المجتمع الذي فيه السلاح والرجال والخيل، وكل مجتمع من شيء كثير فهو عسكره. ومنه قول طرفة: بات في عسكرة من حبها وأما قوله: أطعمنا خبز ملة، وخبزة مليلا، ولا تقل أطعمنا ملة؛ لأن الملة: الرمادة والتراب الحار؛ فإنه خبز يدفن في رماد حار أو في رمل حار حتى ينضج؛ وذلك الرماد

стр. 460

والرمل سمي الملة، وهو مصدر المرة الواحدة، وقد سمي به، وكان القياس أن يقال له: الممل أو المملة على مثال مفعل ومفعلة، فاستغنى عن ذلك باسم المرة الواحدة، على المجاز والتخفيف. فأما الخبزة المليل فهي المملولة، ولكنه عدل من المفعول إلى فعيل، وهو مثال يشترك فيه المذكر والمؤنث على لفظ واحد. ويقال فيه: قد امتل الرجل، إذا خبز خبز ملة، وقال الراجز: يا صاحبي اشتويا وامتلا لا خير في اللحم إذا [ما] صلا /وتقول: مللت اللحم والخبز أملهما ملا، والخبز مملول، وكل شيء يمل في النار مملول، قال الشاعر: كأن ضاحيه بالنار مملول والعامة تقول: أكلنا ملة. و"ثعلب" قد أنكر ذلك، وله في العربية مخرج صحيح؛ لأنه يجوز تسمية الممل بالملة على الاتساع. ويجوز أن يحذف المضاف ويقوم المضاف إليه مقامه، فيقال: أكلنا ملة، أي خبز ملة، كما قال الله تعالى: (واسْأَلِ القَرْيَةَ). وكان الواجب أن يذكر هذا في باب المشدد، وما لا يقال إلا بالإضافة. وأما قوله: رجل آدر مثل آدم؛ فإن العامة تشدد الراء منه، وتقصر الألف، وهو خطأ؛ لأنه من الأدرة، على وزن فعلة، فآدر، على وزن أفعل منه، وهو الذي تنتفخ خصيته. ويقال: الذي له بيضة واحدة. ويقال: قد أدر أدرا وأدرة. واسم الخصية المنتفخة: الأدرة، بفتحتين. وأما قوله: هي القازوزة، والقاقوزة، ولا تقل: قاقزة فإنه يعني القدح الطويل

стр. 461

الضيق الأسفل، الذي يسميه الزجاجون: البازنج. والقاقوزة بالفارسية يقال لها: كاكزة، بكافين وزاي خفيفة. والعامة تقول: القاقزة، بتشديد الزاي، على مثال فاعلة، كأنها تتبع ذلك مثالها في العجمية، والجميع: القواقيز، والقوازيز. وقال "الخليل": هي مشربة دون القرقارة وهي أعجمية، ولا تكون في العربية كلمة يفصل بالألف بين حرفين مثلين منها ترجع إلى بناء مثل ققز، إلا "بابل" وهي بلدة لا يجري مجرى سائر الأسماء. وقول العامة قاقزة، مثل قولهم: آجرة في البناء، إلا اجتماع المثلين في صدره. وكان يجب أن يذكر هذا في باب ما لا يقال بالتشديد. وأما قوله: نظر إلي بمؤخر عينه، فإنه العامة تقول: بمؤخر العين ومقدمها بالتشديد وضم الميم، على ما يقال في كل شيء، وليس بخطأ./ وأما العرب فيقولون في العين خاصة: مؤخر العين ومقدمها خفيفتين، على بناء مفعل، ولا يقولون ذلك في غير العين، ومؤخرها: ما تأخر منها، ومقدمها: ما تقدم. وكان يجب أن يذكر هذا في باب ما تشدده العامة وتخففه العرب. وأما قوله: بينهما بون بعيد، فإن البون: المسافة والمقدار من الأرض وغيره ومنه سمي العمود الذي يكون عند باب الخباء: بوانا، ويجمع على الأبونة، والبوائن، وليس من البين في شيء، وكان يجب أن يكون هذا في باب فعل بسكون العين، أو ما يكون بالواو.

стр. 462

وأما قوله: الحب ملآن، والجرة ملأى، وكذلك ما أشبههما؛ فإن العامة تقول: الحب ملا، بألف مقصورة، على مثال عصا وقفا، وتقول: جرة ملا مثل ذلك، وملانة، فأما "ملا" فله قياس من العربية- وإن كان العرب لا تعرفه- وهو: أن يحذف همزة "ملأى" وتلقى فتحتها على اللام، فهذا جائز في نعت الجرة، ولا يكون في نعت الحب؛ لأن الحب مذكر، ولكن لو قالت في الحب على هذا ملان، بحذف الهمزة لجاز. فأما الجرة فلا يجوز فيها ملانه؛ لأن النون في فعلان إنما هو للمذكر، والنثى على فعلى، مثل عطشان وعطشى، وريان وريا. والفعل منه: ملأت الشيء أملؤه ملأ. والاسم منه الملء، بكسر الميم فهو مملوء، وأنا مالئ، وامتلأ الشيء، فهو يمتلئ امتلاء، واسمه: ممتلئ، كل ذلك مهموز. وكان يجب أن يذكر هذا في باب المهموز. وأما قوله: وتقول هي الكرة؛ فإن العامة تسميها أكرة، بالهمز على مثال فعلة، وهي المدورة المخيطة، أو المحروزة التي تضرب الصوالجة بها. وإنما الكرة: الحفرة التي تحفر في الأرض للنار، أو للعبة بالجوز ونحوه. وجمعها: أكر على فعل ومنها أخذ اسم الأكار؛ لأنه يحفر الأرض/ بمسحاته للزراعة. وأما كرة الصولجان فهي فعلة من كروت مثل البرة والظبة، والمحذوف من آخرها واو. ويجمع على الكرين، مثل البرين والظبين، أو الكرات مثل البرات والظبات. وكان يجب أن يذكر هذا في باب ما لا يمهز فمنه قيل: أمة كرواء، وهي التي تصطك ركبتاها، كأنهما كرتان. وأما قوله: هو الصولجان والطيلسان والسيلحون، لهذه القرية. كل هذا بفتح اللام؛ فإن هذه الثلاثة أسماء أعجمية معربة، وفيها لغتان. فالفصحاء من العرب يفتحون لاماتها؛ ليكون ما قبل الألف والنون، على بناء الأسماء العربية: الصولج، والطيلس، والسيلح، مثل الكوثر والحيدر ونحو ذلك. ومن العرب من يترك هذه اللامات فيها مكسورة على ما كانت

стр. 463

عليه في العجمة. لأن الأعجمي من الأسماء، التي على غير أبنية العرب في كلامهم كثير جدا؛ فيكتفون بما غير من حروفها وأبنيتها وحركاتها، عما كانت عليه. وزعم "أبو العياس المبرد" أنه إذا سمى رجلا بطيلسان، على لغة من يكسر اللام، ثم رخمه، وجعل ما بقي منه اسما على حياله، لم يجز فيه إلا فتح اللام؛ لأن مثال فيعل لا يكون في أسماء العرب، وقد أخطأ، وبينا خطأه في كتبنا في النحو. فأما الصولجان فالعصا المعقفة الرأس، التي تضرب بها الكرة. وأما الطيلسان فالملاء المقورة وهو مشهور. وأما السيلحون فقرية من قرى النبط، وفيها يقول الأعشى: وتجبى إليه السيلحون وعنده صريفين في أنهارها والخورنق وكان يجب أن يذكر هذا في باب الأسماء الأعجمية، أو باب ما يفتح أوله. وأما قوله: هو التوت؛ فإنه أيضا اسم أعجمي معرب، وهو بلسان العجم: توث، بالثاء المعجمة،/ بثلاث نقط، كما تتكلم به العامة. ومن العجم من يقول: توذ، بالذال، فأبدلت العرب التاء منهما، فقال توت؛ لأن التوث والتوذ مهملان في كلامهما، لا في كلامها، فردته إلى لفظ يكون مثله في العربية، وإن قل، مثل الطوط والسوس والقوق، واسم التوث عند العرب: الفرصاد، وفيه يقول الشاعر: ... ... فكأنما قنأت أناملها من الفرصاد

стр. 464

وأما قوله: هو يوم الأربعاء، بفتح الألف وكسر الباء؛ فإن هذه لغة قد أجروها مجرى الجميع، مثل قولهم: سعيد وأسعداء، كأنها جمع ربيع، و"سيبويه" لا يجيزها إلا في الجمع خاصة. وقد حكى "الخليل" فيها فتح الباء، فقال: أربعاء وأربعاوات، بفتح الباء في جميع هذا، كأنه اسم واحد مؤنث مثل قصباء، وهو يشبه الأربعة من العدد، كما أن الثلاثاء يشبه الثلاثة. وقد حكى بعضهم أيضا كسر الهمزة مع الباء فقال: الاربعاء، على مثال قولهم: إرمداء، وهو أقل هذه اللغات. والعامة على فتح الباء والهمزة. وأما قوله: ماء ملح، ولا يقال: مالح، وسمك مملوح ومليح، ولا تقل مالح؛ فإن العامة تقول في كل هذا: مالح، على فاعل، ولا تعرف غيره. وكان القياس في الماء أن يقال فيه: مليح، على فعيل، لأن فعله على فعل يفعل، بضم العين من الماضي والمستقبل مثل قولهم: عذب يعذب، ولكن اجتنب فعيل فيه؛ لئلا يلتبس بفعيل الذي في موضع مفعول في قولهم: سمك مليح، وطعام مليح، وبالشيء المستملح كقولهم للوجه مليح من المرحة، فوصفوه باسم الفعل نفسه لذلك، ولخفته، كما وصف بالعذب لخفته في موضع العذيب، والشيء إذا كثر استعماله وجب تخفيفه. وقال الله تعالى في ماء البحر: (هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ). وقول العامة ليس بخطأ في القياس؛ لأن ما كان/ فعله على فعل يفعل قد يجيء نعته على فاعل، مثل ماكث وحامض، إذا أريد به النسب، ولم يعن به الفعل. وكان يجب أن يذكر هذا في باب قوله: ملحت القدر، وأملحتها، وملحتها. وأما قوله: تقول: رجل يمان من أهل اليمن، وشآم من أهل الشام، وتهام من تهامة؛ فإن العامة تشدد الياء من جميع هذا، وهو خطأ في الكلام، ولكنه في الشعر

стр. 465

جائز، للضرورة خاصة. وإنما يجوز التشديد في الياء من مثل هذه الأسماء، إذا كانت الأسماء في أنفسها على أصولها غير مغيرة على أبنيتها، فتكون الياء فيها ياء النسب. فأما اليماني فإنما هو منسوب إلى اليمن لا إلى يمان وكان حق من نسب إلى اليمن أن يقال في يمني، بغير ألف، ولكنه لما كثر في الكلام وبج تخفيفه، فحذفت إحدى ياءي النسب، وعوضت الألف منها قبل النون، فصار يمان، بياء خفيفة تسقط من أجل دخول التنوين عليها، لئلا يجتمع ساكنان، ولذلك لا يجوز تشديد الياء، إلا أن تحذف الألف، لئلا يجمع بين العوض والمعوض منه. وكذلك رجل شآم، إنما هو منسوب إلى الشأم، والشأم ساكن الهمزة على وزن فعل، فكان يجب أن يقال شأمي، بتسكين الهمزة وإدخال ياء النسب المشددة بعد الميم، ولكنه لما كثر في الكلام فعل به كما فعل باليمني، من حذف إحدى اليائين، وتعنويض الألف منها قبل الميم فقيل: شآم، بفتح الهمزة وألف بعدها، فبقيت الياء خفيفة، فلا يجوز تثقيلها، إلا مع حذف هذه الألف وكذلك رجل تهام، بفتح التاء [على وزن فعال، فكان يجب أن يقال تهامي بإدخال ياء النسب المشددة بعد الميم]، فلو تركت على كسرتها لقيل: تهامي، بياء مشددة، ولكن لما حذفت إحدى ياءي النسبة منه لم يمكن تعويض الألف منها لأن في مكانها ألفا، ولو زدتها لاجتمع الساكنان، فاضطررت إلى حذف أحدهما، ففتحت/ التاء فقيل تهام ونابت هذه الفتحة عن ألف التعويض، فصار على لفظ يمان وشآم، كما فعل بثمان في العدد، وكان أصلها ثمانية، بياء مشددة منسوبة إلى الثمن، فخففت ياء النسب وعوضت منها ألف فقيل ثمان، مثل ما وصفنا. وكذلك ثمانية. وكان يجب أن يذكر هذا في باب المخفف. وأما قوله: فعلت ذلك من أجلك ومن جراك؛ فإن العامة تقول من إجلك، بكسر الهمزة، ومجراك، بحذف نون "من" وتخفيف الراء من "جراك"، وذلك خطأ.

стр. 466

قال الله تعالى: (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ). وقال عدي بن زيد: أجل أن الله قد فضلكم فوق ما أحكأ صلبا بإزار وأنشد سيبويه: من اجلك يا التي تيمت قلبي وأنت بخيلة بالود عني وهو اسم غير مصرف منه فعل، ولكن أصله من قولهم: أجل عليهم شرا، أي جلبه وجناه، فكأنه قيل: من جنايتك، ومن سببك، وقد تحذف منه "من" كما قال عدي، فيقال: أجل إنك. وللعرب فيه لغة أخرى: كانت بعدها أن، حذفوا همزة أن ولام أجل، وجعلوا الكلمتين كالكلمة الواحدة، تخفيفا وأمانا من اللبس، فقالوا: أجنك فعلت كذا، يريدون: أجل أنك، ففتحوا الجيم بفتحة الهمزة المحذوفة. وقال "الخليل": هو بمنزلة قول الله عز ذكره: (لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي) أي لكن أنا. ويروى في الحديث: "أجنك من أصحاب محمد" أي أجل أنك. وأما قوله: من جراك، فإن جرى على وزن فعلى، وهي بمعنى جريرتك، أي من جريرتك وكسبك. قال أبو النجم: فاضت دموع العين من جراها ولغة أخرى للعرب تقول: فعلت ذلك من جللك، ومن جلالك، وأنشدنا لجميل ابن معمر:

стр. 467

رسم دار وقفت في طلله/ كدت أقضي الحياة من جلله ومعناه: من جلاله وعظمه عندي. وكان يجب أن يذكر هذا مع نظائره في باب المفتوح والمشدد. وأما قوله: جئنا من رأس عين، وعبرت دجلة، بغير ألف ولام، فإنما يعني أن العامة تدخل الألف واللام في "دجلة" وفي "عين" وهما موضعان معرفتان، والأعلام لا يجوز تعريفها بالألف واللام، ولا سيما ما لا يكون له ثان يتنكر به كزيد وعمرو. وقال الشاعر في "رأس عين" قرية فوق نصيبين: نصيبين بها إخوان صدق ولم أنس الذين برأس عين وأما دجلة فالنهر العظيم المشهور بالعراق. ومن هذا الباب "عرفة وعرفات" والعامة تقول: العرفة والعرفات. وكان يجب أن يذكر هذا كله في باب ما لا يدخله حرف التعريف. وأما قوله: وتقول: أسود سالخ ولا تضيف، والأنثى أسودة، ولا توصف بسالخة؛ فإن أسود إنما هو من صفة السواد، غلب على الموصوف، حتى صار كالاسم في الاستغناء به عن ذكر الموصوف، بمنزلة قولهم: أبطح وأجرع وأبرق. والأصل: مكان أبطح، ومكان أجرع، ومكان أبرق. والمؤنث فيها: بطحاء وجرعاء وبرقاء، فيغلب عليها نعتها حتى يصير كالاسم بمنزلة مذكرها، إجماعا من العرب. ولا يقول أحد للمؤنث:

стр. 468

أبطحة ولا أجرعة ولا أبرقة، كما ذكر "ثعلب" في الحية الأنثى: أسودة، والذي قاله غلط. وإنما سمعوا اسم بئر بالبادية تسمى "أسودة" لأنها بجنب جبل أسود، وليس ذلك يوصف، وإنما هو اسم سميت به، وهذا نعت خالص، وقياسه أن يقال للأنثى: سوادا سالخ، إن عرفت من الذكر، وألا يقال أسودة؛ لأن/ الأسود ههنا، وإن استغنى به عن المنعوت، فقد جرى مجرى النعوت، بمنزلة أحمر وأصفر ونحوهما، مما لا يجوز في مؤنثه أحمرة وأصفرة. وقد قيل للعجم: الحمراء، ولم يقل فيهم أحمرة. وقيل للجماعة: الدهماء، ولم يقل فيهم أدهمة. وقيل للقيد: أدهم، ولا يجوز فيه: أدهمة، إذا عنيت الحلقة. فأما سالخ فنعت ثان تبع النعت الأول، ولم يجر مجرى الاسم، وهو من قولهم: سلخ يسلخ؛ وذلك أن الحية تخرج من جلدها في كل سنة، فتسلخ جلدها، وتخرج منه، كما يخرج الرجل ثوبه عنه، فتبرق عند ذلك ويشتد سوادها، ويسمى جلدها الذي تسلخه: سلخ الحية. ويقال للنبات أيضا إذا سلخ ثم عاد واخضر كله وحسن: سالخ. وسالح إذا أريد به الذكر والأنثى صلح للمؤنث بغير تأنيث، وإن كان على بناء فاعل. وأما ما ذكره من إضافة أسود إلى سالخ فخطأ، كما ذكره؛ لأن الشيء لا يضاف إلى نعته، وقد أجاز هو إضافة عام إلى الأول، وهو نعته، وإن كان معرفا بالألف واللام. وامتنع ههنا من مثل ما أجازه. والحية مما لا يعرف ذكره من أنثاه. وإنما الحية اسم مؤنث يقع على الذكر، كما يقع على الأنثى، فكما غلب التأنيث على الاسم كذلك غلب التذكير على النعت لهما جميعا، واستغنى بالنعت عن الاسم فيهماجميعا، وإن عرفت الأنثى فقياسها ما قدمنا، وإن لم تعرف لم يجز فيها إلا أسود سالخ. وأما قوله: ما رأيته مذ أول من أمس، فإن أردت يومين قبل ذلك قلت: ما رأيته مذ أول من أول من أمس، ولم تجاوز ذلك؛ فإن قوله: ما رأيته مذ أول من أمس معناه:

стр. 469

مذ يوم واحد، ولكن "من" دخلت على أمس، كما تدخل في قولك: هو أعلم من زيد؛ لأن أول بمنزلة أفعل التي تضاف بمن في/ كل شيء كقولك: هو أكبر من هذا، فأفعل ههنا أبدا مضاف إلى ما بعده، ولكنه قد فتح "أول" والأجود فيه الرفع، وإنمايختار الجر بعد "منذ" والرفع بعد "مذ" كما تقول: ما رأيته مذ يومان، ومنذ يومين، وفتحه في موضع الجر لأنه لا ينصرف وهو عنده مجرور بمنذ. وكذلك قوله: مذ أول من أول من أمس، يجب أن يكون أول بعد مذ مرفوعا، والذي بعد "من" مفتوحا في موضع جر بمن لأنه لا ينصرف. ولا يجوز أن ينصب "أول" بعد "مذ" على الظرف؛ لأنه لا يقع بعد "مذ أو منذ" شيء ينتصب على الظرف، وإنما يكون ما بعدهما مرفوعا على الابتداء أو مجرورا بمنذ ومذ؛ لأنهما حرفا جر في الزمان بمزلة "من" في كل شيء، والجر في منذ هو الوجه الجيد، والرفع في "مذ" هو الوجه، وإن كانا قد يشتركان في الرفع والجر. وأما قوله: ولا تجاوز ذلك؛ فإنه يعني أنك لا تقول هذا إذا كان قبل أمس ثلاثة أيام، مثل قولك: ما رأيته مذ أول من أول من أمس؛ لأن العرب لا تتكلم به في أكثر من يومين، لطوب الكلام وقبحه وثقله وإشكاله. وأما قوله: والظل للشجرة وغيرها بالغداة، والفيء بالعشي، كما قال الشاعر: فلا الظل من برد الضحى تستطيعه ولا الفيء من برد العشي تذوق وقال أبو عبيدة: قال رؤبة: كل ما كانت عليه الشمس فزالت عنه، فهو: فيء وظل؛ فإن الأصل في هذا أن الظل مأخوذ من قولهم: ظل يفعل كذا وكذا، إذا ثبت

стр. 470

وأقام يومه أو ساعته، فهو يظل ظلولا، أي ثبت ثبوتا. والعرب تقول: ظللنا يومنا في سرور، وبتنا ليلتنا في هموم، أي مكثنا ولبثنا، فقولهم: ظل للنهار كقولهم: بات لليل، قال الشاعر: / ظللنا نخبط الظلماء ظهرا هنالك والمطي له أوام وقال الله عز ذكره: (فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ) أي مكثتم. وقال [تعالى]: (فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ) أي مكثوا؛ ولذلك قال رؤبة: ما لم تكن عليه الشمس فهو ظل؛ لأن المكان الذي لا تقع عليه الشمس فهو فيء وظل؛ لنه إذا عدم الشمس صار ظلا ثابتا ماكثا أيضا. فأما الفيء فلا يكون إلا من الشمس؛ وذلك أنه يفيء ويرجع بعدما ذهبت به الشمس، والفيء: الرجوع من كل شيء. وقد كنا شرحنا ذلك والأصل في الفيء للظل الذي يفيء من الشمس، أي يرجع عند زوالها، فيسمى لذلك فيئا وهو ظل، وقال امرؤ القيس: تيممت العين التي عند ضارج يفيء عليها الظل عرمضها طامي ولذلك قيل: إن الظل ما نسخته الشمس، أي جاء بعدها. وقال الشاعر: سبوب تتبع أفياء الظلال عشية على طرق كأنهن سبائب وإنما قيل: ظل الشجرة، ولم يقل: فيء الشجرة؛ لأن كن الشجرة ثابت دائم من أجل أغصانها وورقها، التي تمنع الشمس من الانبساط تحتها. وأما ما خص "ثعلب" به الغداة من الظل والعشي من الفيء، فإنما أخذه من قول الشاعر الذي أنشده، ولم يرد الشاعر

стр. 471

أن الظل لا يكون إلا بالغداة، ولكنه ذكر أنه هو يعدم الظل بالغداة قبل طلوع الشمس على الأرض، أو المكان، ويعدم بالعشي ما فاء عن الشمس من الكن، فلا ينال واحداً منهما، وهذا راجع إلى ما شرحناه، وغلط هو في تأويله. وقال "الخليل": الظل ضد الصبح ونقضيه، وواد الليل يسمي ظلاً، والجميع: الظلال. قال الله تعالى: (أَلَمْ تَرَ إلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ) إنما هو/ الليل. والظل في كلام العرب: الليل. والحكماء يقولون: الليل ظل الأرض؛ يعنون: أن الأرض تستر الشمس. قال: والمكان الظليل: الدائم الظل. ويقال: قد أظلني الشيء، أي ألقى على ظله. وهذا كله دليل على ما شرحنا. وأما قوله: وتقول للأمة، إذا شتمها: يا لكاع، يا غدار، يا خباث، يا فجار بفتح أوله وكسر آخره. وتقول للرجل: يا غدر ويا لكع ويا فسق؛ فإن العامة لا تفرق بين مذكر هذا وبين مؤنثه، ولا بين الأمثلة والإعراب، فهى تخطىء فيه. وأصل اللكع واللكاع ما ذكره "الخليل" [من] أن اللكع وسخ القلفة، ومنه قيل للعي في الكلام: اللكع. ويقال: قد لكع لكعاً، وهو الكع ولكع ولكيع، وهو: اللئيم. وللعبد: اللكع، على فعل، وقد لكع يلكع لكاعة، وهو لكيع، ولكع، وإمرأة لكيعة، أي حمقاء مائقة. ويقال للحمار والجحش أيضاً: لكع، وللجاهل: لكع. وقال "الحسن" لرجل يستجهله: يا لكع. ويقال: اللكع: الصغير من كل شيء، وفي كل شيء. ويروى أن النبي- صلى الله عليه – قال للحسن أو الحسين: "يا لكع". وفي الحديث: "لا تقوم الساعة حتى يملكها لكع بن لكع". وفي حديث آخر: يأتي على الناس زمان، يكون اسعد الناس فيه، لكع بن لكع". ورجل ألكع وإمرأة لكعاء، والرجل ملعكان والمرأة ملعكانة. وقال بعضهم، لا تقل ملعكان إلا في النداء. وقال آخرون: يقال في النداء وغيره، إلا أنه معدول معرفة لا ينصرف. فهذا أصل لكع ولكاع. فأما لكع في النداء فيجري

стр. 472

مجرى حطم وزفر؛ فيبنى على الضم؛ لأنه معرفة. وأما لكاع فبنى على الكسر؛ لأنه على بناء نزال ودراك وما أشبههما، من أسماء الأمر والنهي، التي لا تتمكن في غير النداء؛ لأنها على وزنها، وهي مؤنث مثلها، ومعرفة كذلك، وهو في / غير النداء أيضاً مكسور كقول الحطيئة: أطوف ما أطوف ثم آتي إلى بيت قعيدته لكاع وأما قوله: إذا قيل: ادن فتغد، فقل: ما بي تغد، وفي العشاء: ما بي تعش، ولا تقل: غداء ولا عشاء؛ لأنه الطعام بعينه. وإذا قيل لك: ادن فاطعم فقل: ما بي طعم، ومن الشراب: ما بي شرب. وإذا قيل لك: ادن فكل، فقل: ما بي أكل؛ بالفتح؛ فإنما يعني أنك تأتي في هذا الموضع بمصادر الفعل الذي دعيت إليه لا غير، وهو الأصل كما قال. والعامة تقول: ما بي عشاء، وما بي غذاء، ولا تعلم أن الغداء والعشاء اسمان للطعام الذي يتغدى به ويتعشى، بل تظن أنه اسم الفعل الذي هو المصدر، وتستعمله في كلامها كذلك. وهو مما يجوز على الاتساع والاستعارة، وعلى حذف المضاف وإقامة المضاف إليه مقامه. والمعنى ما بي حاجة إلى غداء، وما بي حاجة إلى عشاء، وما بي شهوة ونحو ذلك لكان جيداً، ولم يكن فيه لفظ التغدي والتعشي بعد أن يكون مصدراً في ذلك المعنى. والغداء اسم الطعام الذي يتغدى به، والعشاء اسم الطعام الذي يتعشى به. وأما الطعم والشرب والأكل فأسماء الفعل. والعامة تستعملها كما تستعملها الخاصة. وفي حديث النبي – صلى الله عليه – أنه قال:"ماء زمزم طعام طعم، وشراب شرب". وأما قوله: وتقول هذه عصا معوجة؛ فإنه يعني بتسكين العين، وتشديد الجيم؛ لأن

стр. 473

فعلها: اعوجت تعوج، مثل احمرت تحمر، وهي معوجة مثل قولك محمرة، كما قال الراجز: إذا اعوججن، قلت: صاحب قوم والعامة تقول: معوجة، بفتح العين وتشديد الواو. وإنما هذا إذا كانت مفعولة لا فاعلة، تقول: عوجتها أعوجها فاعوجت فهي معوجة،/ فإذا أردت أنها مفعولة لم يج، إلا قول العامة. وإذا أردت أنها فاعلة لم يجز إلا قول "أحمد" – ﵀ – ومصدر فعلها نفسها: الاعوجاج. ومصدر فعل صاحبها: التعويج وكان يجب عليه أن يبين الوجهين. وأما قوله: تقول: رجل صنع اليد واللسان، وإمرأة صناع اليد؛ فإن الصنع من الرجال: الجيد الصنعة الحاذق. والقياس فيه أن يقال: الصانع والصنع بكسر النون، من قولك: صنع يصنع صنعاً، وللمرأة صانعة وصنعة، كما قال الفرزدق: قال ابن صانعة الزروب لقومه لا أستطيع رواسي الأعلام ولكن وصف الرجل بصنع، وهو مصدر صنع يصنع، كما قالوا: دنف وقمن، وقال الراجز: مثل أشافي الصنع الحراز وقيل للمرأة: صناع، على فعال، وإنا هي صانعة وصنعة، كما قيل لها رداح وكعاب ووساع، قال الراجز: وهي صناع باللسان واليد

стр. 474

وقال النمر بن تولب: كأن محطا في يدى حارثية صناع علت مني به الجلد من عل وجمع الصنع: صنعون، وتكسيره: أصناع. وجمع صناع: صناعات، وتكسيرها: صنع، مثل إمرأة حصان وحصن. وأما قوله: سير مضفور، وللمرأة ضفيرتان، وقد ضفرت رأسها؛ فإن الضفر مثل سف الخوص على ثلاث قوى، أو أكثر. وكذلك تضفر المرأة ضفيرتها. والعامة تقول: حبل مظفور، بالظاء، وظفيرتان، وهما خطأ. والجميع: الضفار، وكل جانب من شعر المرأة: ضفيرة؛ لأنها مضفورة. وأما قوله: تقول: لقيته لقية، ولقاءه، ولا تقل لقاه؛ فإنه خطأ، وكان ابن الأعرابي يجيزها؛ فإن اللقية صحيحة، على وزن / فعله، للمرة الواحدة من لقيت. واللقاءة أيضاً الواحدة من اللقاء. وليس اللقاء على القياس؛ لأن لقيته من باب فعلت بكسر العين في الماضي، ومستقبله ألقى، مفتوح العين، فمصدره المنقاس؛ على فعل، وهي لقى، مقصور، وقد مدوه وكسروا أوله فقالوا: لقاء. والعامة تقوله: لقاه، بفتح اللام وقصر الألف، وهي الواحدة من اللقى المقصور على القياس، مثل قذيت عينه قذى وقذاة واحدة، وهو قول ابن الأعرابي وقد فسرناه فيما تقدم أيضاً. وقوله: عائشة بألف؛ فإن العامة تقوله: عيشة، بغير ألف، والذي تسمي به العرب نساءها بألف على فاعله. وكذلك اسم عائشة – زوج النبي صلى الله عليه -

стр. 475

قال لها: "إنما سميت عائشة؛ لتعيشي، وتنعمي". وقوله العامة له مخرج في العربية، وذلك أنها تعني به العيشة الواحدة، على ما قدمنا تفسيره. وأما قوله: هو الحاير لهذا الذي تسميه العامة الحير، وجمعه: حوران؛ فإن الحاير اسم المكان الواسع الذي تسيل إليه الأمطار، كالحوض العظيم، حتى يتحير فيه الماء، كما قال لبيد: حتى تحيرت الدبار كأنها زلف وألقى قتبها المحزوم وإنما قيل حوران في الجميع بالواو؛ لأنه جمع على فعلان فانقلبت الياء واواً، لانضمام الحاء قبلها. ومن جمعه على الحيران لم يقلب الياء إلى الواو؛ لأن قبلها كسرة، وهى على فعلان، وربما ذهب ماء الحاير ويبس، وبقى اسم الحاير عليه، كما بقى على حاير الحجاج بالبصرة، وقد يبس وذهب ماؤه. وذكر "الخليل" أن الحير بغير ألف تخفيف وحذف، وأنه لغة فيه، وفي عيشة ونحوهما، و "يسر من رأى" حاير للمتوكل، يسمى الحير، لا ماء فيه. وبناحية الكوفة مكان يسمى الحير، فيه قبر الحسين / رضوان الله عليه – والأصل في جميع ذلك الحاير، قال العجاج: سقاه ريا حاير روي والماء يتحير في السحابة، والرجل يتحير في أمره، أي يضل فيه، فلا يهتدي فيه لوجهه.

стр. 476

وأما قوله: وتقول: الحائط، ولا تقل: الحيط، فإنه من كلام العامة، وهو مثل ما قبله كحير وعيشة، قد حذفت منه الألف. والحائط على مثال فاعل من قولهم: حاط يحوط حوطا، أي حفظ، وهو الجدار. وجمعه: الحيطان، على فعلان؛ ولذلك انقلبت الواو ياء؛ لانكسار الحاء. ويقال منه: قد أحاط بالمكان، أي حازه كله. ومنه قول الله تعالى: (ولا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ). ومنه قولهم: حطت الرجل والشيء حياطة. وأما قوله: ورجل عزب، وامرأة عزبة؛ فإن العامة تقول في هذا: أعزب، بألف، على أفعل، وهو خطأ، ولو كان صوابا لقيل للمرأة: عزباء، على فعلاء، وليس هذا من باب العيوب والألوان، وإنما هو الذي لا زوجة له وهومصدر قد وصف به، مثل دنف وقمن، والمرأة أيضا: عزب مثله؛ لأن المصادر إذا وصف بها استوى فيها المذكر والمؤنث، والتثنية والجمع على لفظ الواحد. والعامة تقول: امرأة عزبة، وهذا لا يجوز في المصادر، إذا غلبت على الصفة، حتى جرت مجرى الأسماء، وليس بالمختار، وأنشدنا "ثعلب والمبرد" لعمرة بنت الحمارس: هل عزب أدله على عزب على فتاة مثل تمثال الذهب على ابنة الحنارس الشيخ الأزب وأما قوله: وهو أعسر يسر؛ فإن العامة تقول: أعسر أيسر، بإثبات الألف في أيسر، على مثال أعسر للإتباع. والعرب لا تقول فيه أيسر؛ لأنه من اليسر والياسر، وهما يتبرك بهما، وليسا من العيوب. بل هو الذي يعمل بيديه /كلتيهما. والعامة تجعله من اليسار، وهو الشمال، ولو كان كذلك لكان معناه أعسر أعسر؛ لأن معنى الأيسر من اليسار معنى الأعسى بعينه.

стр. 477

وأما قوله: هي "ريطة" اسم امرأة، بمنزلة الريطة من الثياب؛ فإن العامة تزيد فيه الألف، تقول: رايطة، وهو خطأ؛ لأن الريطة: الثوب الأبيض المشرق. والجميع: الريط، والرياط. وأما قوله: هي "فيد" لهذه القرية؛ فإنه يعني منزلا، فوق الكوفة من طريق الحاج، يقول: لا يدخل فيه حرف التعريف، ولاتقول: فايد، وهو اسم معرفة. وأما قوله: تقول: قرط، وثلاثة قرطة، فإن العامة تقول: أقرطة في الجمع، بألف، على أفعلة، وهو خطأ، إنما أفعلة جمع فعال، وهو مثل قولهم: باب وأبوبة، ورحى وأرحية، وقفا وأقفية. ولا يكون الجمع إلا لما كان واحده على فعال، أو فعيل، أو فعول، إلا أن يجعل جمعا للجمع، فأما فعل مثل القرط فجمعه لأدنى العدد، القرطة، على فعلة. والقرط: ما يعلق من الحلي في شحمة الأذن، قال ذو الرمة: والقرط في حرة الذفرى معلقة تباعد الحبل منه فهو مضطرب وأما قوله: جحر، وثلاثة جحرة، وجرز وثلاثة جرزة؛ فإنهما مثل قرط وعلى وزنه، وجمعهما كجمعه. والعامة تقول فيه: أجحرة وأجرزة، بألف، وهو خطأ، كما بينا. والجحر معروف، كجحر الفأر، والجرز: عمود من حديد. وأما قوله: وتقول: ناقة شائلة، إذا ارتفع لبنها، وجمعها: شول، وناقة شائل، إذا شالت بذنبها، وجمعها: شول، فإن الفعل منهما واحد، وتصريفه واحد، وهو قولك: شالت تشول، أي رفعت ترفع، إلا أن فعل الشول/ للبن غير متعد، وفعل الشول لأذنابها يتعدى بحرف الجر. وقال "الخليل": تقول: شولت الأبل، إذا لزقت بطونها بظهورها، وهي الشول والشوَّل، بضم الشين وتشديد الواو. إنما هو جمع للشائل والشائلة

стр. 478

مثل: صائم وصوم، وقائم وقوم. وإنما الشول، بفتح الشين وسكون الواو بمنزلة صحب وركب، جمع صاحب وراكب. وكلا الجمعين جائز في الوجهين جميعا، غير أنه قد فرق بين الجمعين؛ للفرق بين المعنيين؛ فاستعمل في جمع الرافعة لذنبها فعلا، وفي المرتفعة الألبان: فعلا، وهو أخفها؛ لكثرة الاستعمال والحاجة إليه، وزال اللبس به، كما فرقوا في الواحد منهما بإثبات علامة التأنيث في التي ارتفع لبنها، وحذفها من الرافعة لذنبها، والقياس فيهما واحد، لإشراكهما في اللفظ والبناء والمعنى، وإرادة الفعل والنسب فيهما وهما جميعا، أنثيان لا ذكر فيهما. وربما تركوا استعمال القياس؛ للاستغناء عنه. وأما قوله: هي أكيلة السبع، وأكولة الراعي التي يسمنها، ويكره للمصدق أن يأخذها، فإن قوله أكيلة السبع إنما تدخلها علامة التأنيث؛ لأنها اسم، وليست بصفة بمعنى المأكولة، ولو كانت صفة لكانت على بناء فعيل، بغير هاء؛ لأنها منقولة من مفعولة إلى غير بابها، فكان يستوي فيه نعت الذكر والأنثى وقد تقدم شرح هذا. وكذا أكولة الراعي اسم، وليس بنعت، وهي التي تعد للأكل، وهي فعولة بمعنى مفعولة؛ مثل الحلوبة للتي تحلب، والركوبة للتي تركب، والقتوبة للتي تقتب. ومنه قول الله تعالى: (ومِنَ الأَنْعَامِ حَمُولَةً وفَرْشًا) وقوله [تعالى]: (فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ ومِنْهَا يَاكُلُونَ) وهي التي تقتنى ليحمل عليها. ولا توصف بشيء من ذلك، لا يقال ناقة حمولة، ولا شاة/ حلوبة ولا شيء منذلك. فإن أدرت النعت كان بغير تأنيث إن كان مما ينعت به الذكر والأنثى، مثل امرأة صبور وشكور، وقد مر تفسيره، أو كان للذكر

стр. 479

دون الأنثى. ولا يوصف بأكولة الراعي، لا يقال: شاة أكولة، إلا أن يجعلها فاعلة مؤنثة في اللفظ. ولا تقول: كبش أكولة، ولكن أكول؛ لأنه نعت حنيئذ. وأما قوله: ويقال لهذا الذي يوزن به: منا ومنوان وأمناء؛ فإن العامة تقول بتشديد النون، على وزن فعل، من ومنان وأمنان، وهي لغة مستعملة، واللغة الأخرى أكثر في كلامهم، وهو على وزن فعل، مثل عصاً وعصوان؛ لأن أصله من الواو؛ ولذلك تظهر في التثنية. وكان يجب أن يذكر هذا في باب ماجاء بلغتين. وأما قوله: هو قص الشاة وقصصها؛ فإن العامة تقول هذا بالسين وهو الزور، أي وسط الصدر، موضع المشاش والشحم من الشاة وغيرها وهو بالصاد. وأما قوله: صقر للطائر، وهو الصندوق؛ فإن العامة تقولهما بالسين جميعا: سقر وسندوق، وتفتح سين سندوق أيضا، وهو خطأ. فأما السين فلغة للعرب في مثل هذن الكلمات التي يجتمع فيها حروف الإطباق وحروف الصفير، والزاي أيضا لغة فيها تقول العرب: صقر وزقر وسقر. والأصل فيها الصاد. وأما السين والزاي فتخفيف وتقريب للمخرج من نظيره ومجاوره. وجمع الصقر: صقورة، وصقور. وجمع الصندوق: صناديق وهو على وزن فنعول، بضم الأول. ويقال: نونه زائدة للإلحاق بفعلول مثل عصفور. وأما قوله: ما حك الأمر في صدري، فإن العامة تقول: ما حاك، بألف وتخفيف الكاف. وإنما هذا من الحكة والاحتكاك والحكاكات، وهي التي تقع في قلب الإنسان وتؤثر فيه من غير غم أو عدواة/ أو ظلم أو إثم أو رداءة نية، ونحو ذلك، تقول: حك في صدر يحك حكا، وذلك الشيء الذي يحك فيه الحكاكة؛ ولذلك قيل: ما حك في صدري، بتشديد الكاف، أي عمل في قلبي. وأما قول العامة: ما حاك فغلط.

стр. 480

وإنما يقال ذلك في المشي، يقال: حاك في مشيه، يحيك، أي تبختر، وأحاك السيف في الضريبة، يحيك، إذا مضى وأثر فيها. وما أحاك فيه السيف؛ أي لم يؤثر. وأما قوله: تقول: مررت على رجل يسأل، ولا تقل يتصدق؛ فإنما المتصدق: المعطي؛ فإن العامة تسمى السائل المتصدق، وتقول: تصدق وهو يتصدق إذا سأل الصدقة، وتسمى معطى الصدقة مصدقا. وتقول: قد صدق الرجل وهو يصدق، أي يعطي الصدقة، وهذا خطأ. وإنما يقال: تصدق، لمن أعطى الصدقة، وهو المتصدق، كما قال الله [تعالى]: (إنَّ اللَّهَ يَجْزِي المُتَصَدِّقِينَ) وهو متفعل من الصدقة. والصدقة: ما يخرجه الرجل من زكاة ماله، أو يتنفل به متطوعا من غير الزكاة، أو يدفعه عن إبله وغنمه، منحق الله، ومن النخل والزرع الواجب. والمصدق على مثال المفعل: العامل الذي يجبي الصدقات من أربابها، وهو الذي يصدقها، أي يأخذ صدقاتها. والعامة تجعل المصدق الذي يدفع الصدقة إلى السؤال، وهو خطأ. وزعم "الخليل" أنه يقال للسائل والمعطي الصدقة جميعا: متصدق، على لفظ واحد، وهو قول العامة. وأما قوله: أشليت الكلب وغيره، إذا دعوته إليك، وقول الناس: أشليته على الصيد خطأ؛ فإن أردت ذلك قلت: آسدته على الصيد وأوسدته، فإن أشليت إنما هو أفعلت من الشلو. والشلو من كل شيء من الحيوان: جلده وجسده، إذا مات. وأعضاؤه: أشلاؤه. وكذلك يقال إذا هزل أو بلي من الكبر ونحوه، يقال منه: ما/بقي منه إلا شلو، وإلا أشلاء؛ ولذلك تسمى سيور اللجام أشلاء اللجام، وهو جمع الشلو، ومنه قول الفرزدق: تنازعني جسما تمزق لحمه فلم يبق إلا شلوه وأكارعه

стр. 481

وقال "الخليل": تقول: أشليت الكلب، واستشليته، إذا دعوته. وكل من دعوته حتى تنجيه من الضيق أو الهلاك فقد استشليته، وهذا يدل على أن العامة تخطئ إذا زادت في كلامها "عليه أو إليه" فأما إذا قالت: أشليت الكلب، ولم تذكر "عليه ولا إليه" فليس ذلك بخطأ، ولكنه قد يدعى ليطعم أو ليرسل على الصيد، فإرساله على الصيد هو إنجاؤه من الضيق أو الهلاك وهو الجوع؛ فمن قال أشليته على الصيد فإنما معناه دعوته فأرسلته على الصيد، ولكن حذف قوله: "فأرسلته" تخفيفا واختصارا. وليس حذف مثل هذا للاختصار بخطأأ. ونفس لفظ "أشليت" إنما هو أفعلت من الشلو، فهو يقتضي الدعاء إلى الشلو ضرورة. وقد قال "الشافعي": دعوت الكلب فأجاب وأرسلته فاستشلى. واستشلى استفعل من الشلو، أي طاوع المشلي، وهو يعني الانفعال، لا يتعدى في هذا، ولكن إذا قلت: استشليت فلانا، إذا دعوته إلى أن ينجو من ضيق أو هلكة، وهو متعد، أي سألته أن يستجيب لإشلائي. وأما آسدته فهو أفعلت من قولك: أسد يأسد، إذا صار جريئا، وقد آسده غيره، أي جرأه على فعله، أي صيره مثل الأسد. ومنه قول إحدى النسوة في حديث أم زرع: "زوجي إن دخل فهد، وإن خرج أسد". وليس حقيقة آسدته دعوته إلى السيد ولا أرسلته، ولكن معناه جرأته. فأما قول "ثعلب": أوسدته بمعنى آسدته فخطأ بالواو؛ لأن الواو في أوسدته إنما هو على أفعلته من الوساد والتوسد لا غير، فأما من الأسد لا يكون إلا على لغة من قال: واخيته وواكلته في/ آكلته وآخيته، بتحويل الهمزة الثانية واوا،

стр. 482

وهي لغة رديئة؛ لأن هذه الهمزة إنما تجعل ألفا لسكونها وانفتاح ما قبلها. وإنما تتكلم بهذا العامة، كما يقولون في: أذنت وذنت. وأما قوله: تقولك استخفيت منك، أي تواريت، ولا يقال: اختفيت، فإن العامة تقول: اختفيت في موضع اختبأت، وتخطئ في ذلك؛ لأن معنى اختفيت استخرجت، وهو فعل متعد إلى ما يستخرج، وهو الشيء الخفي، أو المندفن، أي أظهرته، كما قال امرؤ القيس: وإن تدفنوا الداء لا نخفه وإن تبعثوا الحرب لا نقعد ولذلك سمي النباش: مختلفيا. وأما قوله: تواريت فإنما يقال فيه: استخفيت على مثال استفعلت من الخفاء والخفية، قال الله تعالى: (يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ ولا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وهُوَ مَعَهُمْ). وإذا سترت الشيء قلت: أخفيته إخفاء وقد خفي الشيء نفسه يخفى، إذا انستر فهو خاف؛ ولذلك قيل للجن: الخافي. ومنه قولهم: ربح الخفاء، أي زال الشك، ممدود. والخفى مقصور: الشيء الخفي، والموضع الخفي، وقال أمية: تسبحه الطير الكوامن في الخفى وإذ هي في جو السماء تصعد ومنه خوافي الريش من الطائر، وهو ما لم يظهر من الجناح وخفي تحته، وواحدته: خافية. والخافية من الأمور ضد العلانية، وجمعها: خافيات. والخفاء على فعال: رداء تلبسه المرأة، وجمعه: الأخفية، كما قال الراجز: جر العروس جانبي خفائها

стр. 483

وكل ما غطي به شيء من كساء أو ثوب أو غير ذلك فهو خفاء، على فعال. والخفية على فعيلة: غيضة ملتفة يتخذ الأسد فيها عريشه، وقال الشاعر:/ أسود شرى، لاقت أسود خفية تساقت على لوح دماء الأساود والشرى: ما ظهر وبرز. ويقال: بل الشرى والخفية موضعان خاصان. وأما قوله: دابة لا ترادف، إذا لم تحمل رديفا؛ فإن العامة تقوله: لا تردف، كما تقول للراكب نفسه: لا يردف، وهوخطأ عند "ثعلب". وقد أجازه "الخليل" فقال: يقول هذا البرذون لا يردف ولا يرادف، أي لا يدع رديفا يركبه. وقال: الرداف: موضع مركب الرديف، يعني الكفل، وهو من الإنسان الردف. ومؤخر كل شيء ردفه، ورديفك: الذي تردفه خلفك، أي تركبه، وكل شيء يتبع شيئا فهو ردفه. وإذا تتابع القوم بعضهم خلف بعض قلت: قد ترادفوا ترادفا. والجميع: المترادف. والذي تركبه خلفك يرتدفك ويردفك، وفعله: أردف يردف. وقال "الخليل": يقال للقوم إذا نزل بهم أمر قد ردف لهم أعظم منه. وهذا الفعل على فعل يفعل مثل سهر يسهر، وهو غير متعد؛ ولذلك عدي باللام فقيل: ردف لهم، والذي قبله فعل يفعل، مثل ضرب يضرب؛ ولذلك عدي فقيل: درفته أردفه بغير لام. وقال الله تعالى: (أَن يَكُونَ رَدِفَ لَكُم).

стр. 484

وأرداف النجوم: ما يتلوها من النجوم كما قال الشاعر: وردت وأرداف النجوم كأنها قناديل فيهن المصابيح تزهر وأما قوله: لا ترادف، على يفاعل، فلأنه جعل الفعل منه ومن الدابة؛ لأنها لا تواتي الرادف عليها. وأما قوله: هذا يساوي ألفا، فإن العامة تقول فيه: يسوى، وماضيه: قد سوي، وهو خطأ؛ ويدل على ذلك أن الفاعل منه لا يجيء على فعل ولا فاعل، ولكنه على مفاعل، وهو مساو. والمصدر منه: المساواة أيضا، أي لا يعادله من هذا قولهم: ساوى الماء الخشبة، وساوى/ فلان فلانا، أي عادله وماثله. وكذلك الثوب أو البعد أو الفرس، يساوي الألف، أي يعادله ويماثله في القدر والقيمة فهما متساويان، كل واحد منهمامعادل للآخر، وهو فعل من اثنين لا يكون كل واحد منهما معادلا للآخر، كقولهم: يوازي، أي كل واحد بإزاء صاحبه ويوازن مثله، أي كل واحد بوزن الآخر، أو بعدد، وأصله من السي، وهو المثل، وهما يسان، أي مثلان. وأما قوله: فلان يتندى على أصحابه، كقولك يتسخى؛ فإنه يتعفل من الندى وهو العطاء؛ لأنه مشبه بندى المطر، ويقال: ما أندى كفه، أي ما أسخاه، وفلان أندى يدا من فلان، أي أسمح يدا، وقد ندي يندى ندى أيضا منه. وقال أيضا: قد أندى علينا فلان ندى كثيرا، وإن يده لندية، خفيفة، على فعلة، أي سخية بالمعروف. وقال "الخليل": الندى له وجوه، منها: ندى الماء وندى الخير، وندى الشر، وندى الصوت، وندى الحضر، وندى الدخنة، تقول من ندى الماء: أصابه ندى من طل،

стр. 485

ويوم ند، وأرض ندية، ومصدر هذا: الندوة، يعني على فعولة، ولذلك انقلبت ياؤه واوا كما قيل الفتوة، وهذا كله عندنا من بعد المذهب، مشبه بالمطر، لبعد مذهبه من السماء إلى الأرض. وكذلك المعروف، ينال القريب والبعيد، فيبعهد مذهبه، وكذلك ندى الأرض يبعد مذهبه، وهكذا الخير والشر، وكذلك الصوت قيل له ندى؛ لبعد مذهبه، وكذلك البخور. وأما النداء، ممدودا فمصدر: ناديته نداء، وقال الشاعر في الصوت: بعيد ندى التغريد أرفع صوته سحيل، وأدناه شحيج محشرج ومن الشر قول العرب: أصابته المنديات، وهي المخزيات، التي يبعد بها الصوت وتسيرم في الآفاق وواحدتها: مندية. وأما قوله: أصابه ما قدم وما حدث، فإنهما من القدم والحدثا، وفعلهما: فعل يفعل، بضم العين من الماضي والغابر. واسم فاعلهما على فعيل، لما فيها من معنى المبالغة، وهو قديم وحديث، مثل ظريف وكريم، ومصدرهما على: القدم والحدثان. ومعنى الكلام: أخذني ما تقدم وما تأخر، يعني من الغم أو الغيظ أو الخير أو الخوف ونحو ذلك. وأما قوله: تقول: كسفت الشمس، وخسف القمر، هذا أجود الكلام؛ فإن فيه لغتان، هذه أجودهما، يقال: كسفت الشمس تكسف كسوفا، فهي كاسفة، الفعل للشمس، وهو غير متعد إلى مفعول، وماضيه مفتوح، ومستقبله مكسور، ومصدره على فعول، ومعناه: أظلمت الشمس أو اسودت، وعلى هذا يوجه قول جرير:

стр. 486

فالشمس كاسفة، ليست بطالعة تبكي عليك نجوم الليل والقمر فتكون "نجوم الليل والقمر" منصوبين على الظرف؛ لأنه بمعنى ما طلع نجم، أو قمر، أي الليل كله، وهو تفسير "الخليل". ويروى على هذا: فالشمس طالعة ليست بكاسفة تبكي عليك نجوم الليل والقمرا والمعنى: ليست بكاسفة نجوم الليل والقمر، يعني أنه لا ضوء لها، فهي لا تذهب بطلوعها ضوء النجوم والقمر، وهذا على اللغة الأخرى، على أن "كسفت" فعل يتعدى، مثل ضربت تضرب، ومثل هذا الكسف على هذه اللغة، تقول العامة: كسفت الشمس، بضم الكاف، كأنها مفعولة لم يسم فاعلها، كأن شيئا كسفها، فانكسفت هي، أي طاوعت. وزعم قوم أنها لغة معروفة جيدة، وكلام صحيح، وذكر "الخليل" أنها خطأ. وأما قوله: خسف/ القمر، فمن قوله: خسفت عينه، إذا غارت، وقال الله تعالى: (فَإذَا بَرِقَ البَصَرُ (٧) وخَسَفَ القَمَرُ) وقد يقال: خسف القمر، على ما لم يسم فاعله، كأن غيره خسفه، فانخسف هو، كما يقال: انخسفت البئر، وخسفها غيرها. وفي الحديث: "يلون الخسف والقذف" يعني أن الأرض تخسف بهم، أو يقذفون بالحجارة، أي يخسف الله الأرض بهم خسفا ويقذفهم بالحجارة قذفا.

стр. 487

وأما قوله: شويت الشواء حتى انشوى، ولا يقال: اشتوى، إنما المشتوي الرجل؛ فإن العامة تقول: قد اشتوى الشواء، فيجعل الفعل للحم بتاء، بمعنى: قد نضج وهو خطأ. إنما يقال منه قد انشوى على بناء انفعل، إذا نضج وشواه صاحبه إذا تولى إنضاجه يشويه شيا، وهو شاو، كما قال الأعشى: وقد غدوت إلى الحانوت يتبعني شاو نشول مشل شلشل شول وأما اشتويت ففعل صاحب اللحم، إذا استعمل غيره أن يشوي له، يقال: اشتويت شواء، أي اتخذته. وأما قوله: قليت السويق واللحم وغيره، فهو مقلي، وقد يقال في البسر: مقلو، وقلوته؛ فإن "أصحابنا" يقولون: قلوت السويق والبسر ونحوهما قلوا فهو مقلو، بالواو لا غير، وهو مأخوذ من قول العرب: قلوت الحمار أقلوه قلوا، إذا حثثته على السير واستعجلته، وهو من شدة الحركة، وكذلك البسر ونحوه، إنما يحرك في المقلي ويستعجل، وقال الراجز: لا تقلواها وادلواها دلوا إن مع اليوم أخاه غدوا والدلو: السير الرفيق. ومنه أخذ: دلوت الحبل والدلو في البئر. وأما قليته أقليه/ فهو مقلي، فمن الهجران والبغض. والفاعل منهما جميعا: القالي. هذا مذهب البصريين، فأما الكوفيون فقلوته قليا من البغض ومن البسر ونحوه. وكذلك قولته من السويق، والقلي جميعا. والقلى، بكسر القاف وفتح اللام هو مصدر البغض، على غير قياس، وقال الشاعر:

стр. 488

هجرتك حتى قيل ما يعرف القلى وزرتك حتى قيل ليس له صبر فهذا الكلام يحتمل أن يكون "ما" فيه بمعنى الذي، وما بعده صلته له، ويكون الضمير العائد الذي مجرورا؛ لأن المعنى: الذي يعرفه القلي، ويحتمل أن يكون "ما" نفيا، ويكون المعنى أنه ليس يعرف ما في القلى، من الشدة والعذاب أي هو هين عليه، لا يهتم منه ولا يبالي به؛ فلذلك يقلي، وسمعناه على وجه آخر، وهو: وصلتك حتى قيل لا يعرف القلى وزرتك حتى قيل ليس له صبر والوصل غير الزيارة. وأما قوله: قال "الفراء": كلام العرب، إذا عرض عليك الشيء أن تقول: توفر، بالفاء، ولا تقل: توثر؛ فإن معنى "توفر" بالفاء من الوفور، أي نفر عليك مالك، ونحمدك من غير أن نرزأك. ومعنى "توثر" بالثاء، أي نؤثرك بما عرضت علينا، على أنفسنا، ونحمدك مع إيثارنا إياك. وكلاهما صحيح المعنى، ليس فيهما خطأ. وليس يلزم أحدا ألا ينطق إلا بما تكلمت به العرب، بل واجب أن يتكلم بكل صواب، وإن لم يتكلموا به. وأما قوله: إن فعلت كذا وكذا فبها ونعمت، بالتاء؛ فإن العامة تقول: نعمة، وتقف بالهاء، وينبغي أن يكون ذلك عند "ثعلب" هو الصواب، وأن تكون التاء خطأ؛ لأن/ الكوفيين يزعمون أن "نعم وبئس" اسمان، والأسماء تدخل فيها هذه الهاء بدل تاء التأنيث وأما البصريون فيقولون: هما فعلان ماضيان، وأصلهما: نعمت وبئست، والأفعال تلحقها تاء التأنيث، ولا تلحقها الهاء. واختياره التاء في نعمت وبئست رد لمذهب "أصحابه". وهو كما ذكر، وهو قول البصريين ومعنى الكلام إن فعلت هذه الفعلة

стр. 489

فبالسنة فعلت، أو بالوثيقة، ونعمت الفعلة هي، أو ونعمت الخصلة ونحو ذلك. إلا أنه كلام مختصر محذوف؛ للإيجاز معلوم غير ملبس. وأما قوله: أرعني سمعك، أي اسمع مني؛ فإن العامة تقول: أعرني سمعك، من العارية، وليس ذلك بخطأ في العربية، وإن كان غير ما تستعمله العرب، وله معنى صحيح. فأما قولهم: أرعني سمعك، فمأخوذ من الرعي والرعاية، أي أبحني، أي أرعى سمعك، وهو كلام مستعار أيضا حسن المعنى، والفعل منه: أرعاه يرعيه إرعاء، وهو مرعيك وأنت مرعيه. والأول معناه: اجعل سمعك إلي، واستمع مني. وأما قوله: بخصت عين الرجل، وبخسته حقه، فإن العامة تقولهما جميعا بالسين. والصاد والسين تتداخلان، إذا كانتا مع الخاء ونحوها من الحروف المستعلية والمطبقة، كالقاف والطاء. والأصل غير ذلك؛ لأن كل حرف منهما غير الآخر، ولكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر، فقالوا: بخصت عينه، بالصاد، أي فقأتها، وهو مأخذو من بخص القدم وهو لحم باطنها، يعني أنه جعل عينه مع وجهه بخصة واحدة. يقال: بخص يبخص بخصا، وهو باخص، وهي مبخوصة. وأما بخسته حقه فمن قول الله [تعالى]: (ولا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) أي لا تنقصوهم حقوقهم. ومنه قيل للزرع: /بخس، إذا لم يسقه زراعه، ولكنه ينبت بالمطر، يقال: بخسته يبخسه بخسا، وهو باخس، والمفعول: مبخوس. والعامة لا تفرق بينهما. وقال "الخليل": البخص: ما ولي الأرض من تحت أصابع الرجلين، وتحت مناسم البعير والنعامة، وربما أصاب الدابة داء في بخصها، يقال: هي مبخوصة، تظلع من ذلك. قال: وبخص اليد: لحم أصول الأصابع مما يلي الراحة. والبخص في العين عند الجفن الأسفل مثل اللخص عند الجفن الأعلى.

стр. 490

والبخص: لحم الذراع أيضا. قال: وتقول: بخصت عين فلان أبخصها بخصا، إذا أدخلت يدك فيها. وأما قوله: بسق الرجل، وهو البصاق، وبسق النخل، أي طال؛ فإنهما مما ذكرنا أنه يتداخل فيه الصاد والسين والزاي، لتقارب مخارجها وتجانسها؛ فمن ذلك: أن البصاق فيه ثلاث لغات؛ البصاق بالصاد، والبزاق بالزاي، والبساق بالسين. والأصل الصاد. وهو ما يبصقه الإنسان من فيه ومن ريقه، يقال: بصق يبصق بصقا وبصاقا، وهو باصق، وتبصق يتبصق تبصقا، فهو متبصق. والبصق مصدر، والمرة الواحدة منه البصقة. وأما البصاق فهو اسم على فعال، كاللعاب والمخاط، وما أشبه ذلك من العيوب والأدواء. وبصاق الجراد: ما يسيل من فيه كالدبس، وقال فيه الشااعر: بصاق الدبا محموميا والجنادب وكل هذا يقال بالزاي، والزاي فيه أكثر من السين. والمبصقة: ما يبصق فيه. والعامة تقول: مبزقة. وأما السين فهو في النخل وفي كل شيء طويل من الشجر والناس، تقول: بسقت النخلة تبسق بسوقا، فهي باسقة، والجميع: بواسق وباسقات، كما قال الله عز ذكره: (والنَّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَّهَا طَلْعٌ نَّضِيدٌ) / ولا يجوز في هذا الصاد ولا الزاي. وإنما جاز في الأول؛ لأن أصله الصاد. وتقول: جبل باسق، وجبال بواسق، ومجد باسق أيضا. وأما قوله: لصقت به، وصفقت الباب، وهو صفيق الوجه؛ فإن العامة تقولها بالسين، وبعضها بالزاي، والزاي في قولهم: لزقت به أكثر من الصادر؛ لما ذكرنا من

стр. 491

العلة. والأصل الصاد. ويقال في تصريف فعله: يلصق لصوقا، ويلزق لزوقا لهو لاصق ولازق، والتصق الشيء والتزق، يلتصق ويلتزق التصاقا والتزاقا، وهو ملتصق وملتزق، وبيته ملاصق بيتي وملازق بيتي، وهو لصيقي ولزيقي، أي بجنبي، واللصوق واللزوق: الصمغ والغراء وكل ما ألصق به الشيء، فأكثر الكلام به بالزاي، والعامة عليه. وأما صفقت الباب فمعناه: رددته بشدة حتى صوت، فأنا أصفقه صفقا، وكذلك صفقت يدي على الأخرى، وأكثر ما يقال بالتشديد: صفقت بيدي أصفق تصفيقا، كما تفعل المرأة في العرسات والولاءم وعند الطرب وغيره. ومنه قول النبي- صلى الله عليه-: "التسبيح للرجال، والتصفيق للنساء" يعني في الصلاة. وقد صفق البائع على يد المشتري يصفق صفقا، أي يضرب عند وجوب البيع. ومنه قيل: صفقة البيع، وصفقة البيعة. والطائر يصفق بجناحية تصفيقا، إذا طار، وإذا طرب وغرد، والديك إذا صاح يفعل ذلك. ويقال: أصفق الأمير على القوم، أي أتى عليهم بالحبس أو الضرب أو القتل، يصفق إصفاقا. وقد أصفق القوم على أمر، إذا أجمعوا عليه. والعامة تقول هذا بالسين. وكذلك إنه لصفيق الوجه، ومعناه: قليل الحياء، وهو ضد الرقيق. وقد صفق وجهه يصفق صفاقة، وصفقه صاحبه تصفيقا كأنه أضاف إليه وجها آخر، أو جلدا/ آخر. وكذلك ثوب صفيق، وقد صفق صفاقة. وصفقه ناسجه يصفقه تصفيقا، وهو ضد الرقيق السخيف النسج والعامة تقوله بالسين. وأما قوله: والبرد قارس، واللبن قارص، فإن البرد أصله السين، واللبن أصله الصاد، فإن كانت العامة تقولهما جميعا بالسين، تقول: قرس البرد يقرس قرسا، بفتح الراء، وهو قارس، إذا اشتد. ومنه قيل: قرس الماء ومنه القريس من الطبيخ، الذي يجمد من البرد.

стр. 492

والعامة تقول: قريص بالصاد. وأما اللبن القارص فبالصاد، وهو الحامض الذي يقرص اللسان وقد قرص يقرص قرصا. ومنه قيل للنبيذ الحديث، إذا حذى اللسان: قارص، وذلك قبل أن يشتد ويسكر. وهو مأخوذ من قرص الأسنان بالأصابع والظفر، تقول: قرصته بيدي أقرصه قرصا. ويستعار فيقال: قرصته بلساني قرصا، أي تناولته بغيبة أو شتيمة أو وقيعة. ومنه قيل: قرصت العجين، أي قطعته قرصة قرصة، وهي التي يبسط منها الرغيف. وقد قرص العطار العطر، أي قطعه قطعة مثل الند، والبرمكية، والسك، وما أشبهها. والقرض: الرغيف، وهو أيض من الأدوية، ما يشبه الرغيف في بسطه، وتدويره، وإن كان صغيرا. ويجمعان على: الأفراص، والقرصة، وضرب من النبات، يقال له: القراص، والقريص. فهذا آخر تفسير هذا الباب. * * *

стр. 493

تصحيح الباب الثاني والثلاثين وهو المترجم بباب من الفرق هذا باب قد صنف فيه متقدمو أهل اللغة والنحو كتبا كثيرة، وتبع "أحمد بن يحيى" آثارهم/ في إفراده له بابا. وقد كان يجوز أن يضيف كل كلمة إلى نظيرتها في بابها من الكتاب، فلم يفعل. وفي هذا الباب تلبيس من أهل اللغة وإيهام لما لا حقيقة له، وحظر لما أباحه قياس اللغة. فمن ذلك قوله: هي الشفة من الإنسان، ومن ذوات الخف: المشفر، ومن ذوات الحافر: الجحفلة، ومن ذوات الظلف: المقمة والمرمة، ومن السباع: الخطم والخرطوم، ومن الخنزير: الفنطيسة، ومن ذي الجناح غير الصائد: المنقار، ومن الصائد: المنسر. فهذه عشرة أسماء مختلفة الحروف والحركات والأمثلة لعشرة أعضاء مختلفة الصور والمنافع وأكثر المعاني، وقد أوهمونا أنه عضو واحد؛ جعلت له عشرة أسماء مختلفة للفرق، بين ذوات هذه الأعضاء من الحيوان، ولبسوا عليه بذلك، وليس الأمر على ما قالوا؛ لأن الشفة لا تكون لغير الإنسان؛ لأنها عضو رطب رقيق، ينقبض ويتبسم ويومأ به ويشار إلى المعاني، ويقبل به ويلثم به ويمص وينفخ ويصفر وينطق بحروف من حروف المعجم، متحركة وساكنة، ومشددة ومخففة، ويحسو ويتمطق ويبصق وليس لسائر الحيوانات التي ذكروها مثل هذا العضو، ولا فيما سموا لها من الأعضاء شيء من هذه المعاني والأفعال، التي وصفناها، فمن الواجب ألا يكون اسمها كأسماء تلك التي شبهوها بها، وأن يسمى كل عضو منها بالاسم الموافق لمعناها وفعلها، وهو القياس، وما يوافق العقل؛ ولذلك قيل للإنسان: ذو شفة؛ لأنه يشافه بها مخاطبيه بما أراد من الخطاب، الذي هو خاص في

стр. 494

الإنسان، وقد فضله الله به على غيره من الحيوان. وقد قدمنا في أول الكتاب من تفسير الشفة واشتقاقها ما يغني عن إعادته ههنا. ثم قد أباحت اللغة استعارة هذا/ الاسم لسائر الحيوان، والموات من الأواني، لأبوابها حروف، وللصور المصورة والأمثلة الممثلة في الثياب والحيطان، والأصنام والأوثان واللعب، التي لا تعقل شيئا، فتقول لحرف الكوز والجرة والحب والقدر والقدح والجراب والزق ونحو ذلك، شفته، فكيف باستعارة ذلك للبهيمة التي هي من جنس الإنسان في الحيوانية، وليس ذلك بمنكر في اللغة وإن كان الأصل في الإنسان؛ لن أكثر اللغة على التشبيه والاستعارة والاختصار والمجاز، ولو حظر ذلك فيها لضاق الكلام علينا، وعسر البيان عما في نفوسنا. وقد زعم أهل اللغة أن "الشفة" لا تكون إلا للإنسان، ولو عنوا أن هذا العضو لا يكون إلا له لصدقوا، ولكنهم ذهبوا إلى أنه لا يسمى بالشفة أول الفم، من غيره. وذلك خطأ، لأنهم يحظرون بذلك الاستعارة والتشبيه والاشتقاق ومعاني كثيرة مباحة في اللغة، لو شئنا أن نأتي من الشعر والكلام الذي قد سمي فيه بالشفة، غير عضو الإنسان، لأتينا منه بالكثير؛ لأنه ذائع فاش مشهور. وسمي المشفر من ذوات الخف مشفرا، وهي الإبل خاصة، وليس فيه من معاني الشفة وأفعالها، التي عددناها شيء، وإن كان يشاركهما في أنهما عضوان من أعضاء الحيوان، وأنهما مقدما الأفواه، وحجابا للأسنان مع اختلاف صورهما وتباين خلقيهما، في الغلظ

стр. 495

والرقة والصلابة واللين وغير ذلك؛ فلذلك سمي باسم آخر الشفة، لا للفرق بين البعير والإنسان كما توهموا. والمشفر مفعل من الشفر، أو من الشفير، على مثال ما في أول الميم الزائدة من الأدوات المستعملة والأصل من شفر العين، وشفر الفرج، وشفير الوادي والبئر، وخصت الإبل بذلك مع جواز استعارته للإنسان الغليظ الشفة، أو المشقوقها،/ كقولهم: إنه لعظيم المشافر، وإنه لمشفراني، وقيل للأذن الكبيرة: الشفارية، وقيل لضرب من اليرابيع: الشفاري. ويقال: ما بالدار شفاري، أي ما بها أحد وقال الفرزدق: فلو كنت ظبيا عرفت قرابتي ولكن زنجيا عظيما المشافر فجعل للإنسان مشفرا، لما غلظت شفته، وجمعه أيضا للمبالغة. وقد فرق بين الإبل وذوات الحافر مع اشتراكهما في البهيمية، وفي أكثر الخلقة فقيل لذوات الحافر: الجحفلة؛ لعدمها النعو والعلم اللذين يكونان في مشفري البعير، ولسبوغ خلق الجحفلة واستوائها وغلظها، لا للفرق بين الخف والحافر، كما لم يقل: مشفر البعير من أجل خفة. واشتقت الجحفلة من الجيش الكثير، فإنه يسمى جحفلا. وقد تستعار الجحفلة للإنسان وغيره على التشبيه. ويوضح ذلك تسميتهم الجيش بالجحفل. وخولف بين ذوات
следующие страницы →