← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14447

خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول

أبو شامة المقدسي

Полный текст (132 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ الحمد لله الذي شرفنا بكلمة التوحيد وكرمنا بالاعتقاد السديد وأيدنا باتباع كتابه وسنة نبيه أحسن تأييد وسهل انتزاع الأحكام منهما على كل مجتهد مجيد وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا وكره إلينا طريقة كل جبار عتيد وشيطان مريد ونوع أصناف خلقه في الدنيا وحصرهم في الآخرة بين شقي وسعيد ووعدهم على طاعته وأوعدهم على معصيته فهم راجون خائفون أبدا بين وعد ووعيد سبحانه هو المبدئ المعيد الوارث الشهيد وهو الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد له الحمد على نعمه التي لا تحصى وقد أمر بالتحدث بنعمته وله الشكر على ما أولى من التفقه في كتابه وسنته وصلواته وسلامه على سيدنا محمد خير بريته صلاة وتسليما باقيين على التأبيد وعلى آله وصحابته وأزواجه وذريته وأشياعه وعترته كما صلى

стр. 2

على إبراهيم وعلى آل إبراهيم في العالمين إنه حميد مجيد. اللهم وصل على ملائكتك وأنبيائك وسائر رسلك وأوليائك وسلم عليهم أجمعين وبارك وعلى التابعين لهم بإحسان الذين هم صفوة العبيد وألحقنا بهم بلطفك ورحمتك وإن قصرنا في محاولة طاعتك وجنبنا طرق مخالفتك وقرب علينا فيما يرضيك كل بعيد واجعلنا يا ذا المنن والطول إذ لم يكن لنا إلا بك قوة ولا حول من الذين هدوا إلى الطيب من القول وهدوا إلى صراط الحميد / أما بعد: فإن العلم قد درست أعلامه وقل في هذه الأزمان إتقانه وإحكامه, وآل به الإهمال إلى أن عدم احترامه, وترك إجلاله وإعظامه, فتدارك بعد المحافظة عليه انصرامه, حتى صعب مرامه, وكاد يجهل حلاله وحرامه, هذا مع حث الشرع عليه, ونظره بعين التبجيل إليه, ووصفه العلماء القائمين به بخشيتهم إياه ورفع درجتهم وضمه لهم مع الملائكة في شهادتهم. قال الله تعالى: ﴿إنما يخشى الله من عباده العلماء﴾ وقال: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم﴾ وقال: ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾ وقال: ﴿وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون﴾

стр. 3

وقال: ﴿بل هو آيات بَيِّنات في صدور الذين أوتوا العلم﴾ وقال: ﴿والراسخون في العلم يقولون آمنا به﴾ وقال: ﴿هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون﴾ إلى غير ذلك من الآيات التي فاز بها العالمون. وأخبر الرسول المصطفى ﷺ بفضل العالم وأنه يوم القيامة يشفع، وقال: ((إن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم رضًا بما يصنع)) أخرج أبو عبد الله بن يزيد بن ماجه القزويني في ((سننه)) وغيره من حديث أبان بن عثمان عن أبيه عثمان بن عفان ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: "يشفع يوم القيامة ثلاثة: الأنبياء ثم العلماء ثم الشهداء" وقال بعض أهل العلم: أعظم بمرتبة هي واسطة بين النبوة والشهادة بشهادة رسول الله ﷺ .

стр. 4

وأخرج أبو داود والترمذي وابن ماجه وغيرهم في سننهم بأسانيدهم عن أبي الدرداء ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من سلك طريقًا يلتمس فيه علما سلك الله به طريقا من طرق الجنة, وإن الملائكة لتضع أجنحتها لطالب العلم, وإن فضل العالم على العابد كفضل القمر ليلة البدر على سائر الكواكب, وإن العالم ليستغفر له من في السماوات ومن في الأرض حتى الحيتان في جوف الماء, وإن العلماء ورثة الأنبياء, إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما، وأورثوا العلم, فمن أخذه أخذ بحظ وافر)). فليعلم أن العلم- كما قيل-: أنفس ما طلبه الطالبون, وأجلُّ شيء رغب فيه الراغبون, وأفضل فضيلة سعى لها الفاضلون, باستثماره سعد الصالحون, وبانتحاء مناره فاز الفائزون, اتفق على شرفه الأمم وتطابقت, وتظاهرت الأدلة على تفضيله وتناصرت, فهو ساعد السعادة, وأس السيادة, والمرقاة إلى النجاة إلى في الدار الآخرة التي هي مطمح أمال الستبصرين, وغاية مضمار الموفقين.

стр. 5

ومن كلام السلف: لولا العلم لكان الناس كالبهائم. مثل العالم في البلدة كالعين العذبة نفعها دائم. قال ابو مسلم الخولاني ﵀: مثل العلماء في الأرض مثل النجوم في السماء إذا بدت للناس اهتدوا, وإذا خفيت عليهم تحيروا. ومثل الصالحين مثل الأميال في الأرض ينجوا بها السالك من الضلالة. وقال ميمون بن مهران: بنفسي العلماء, وجدت صلاح قلبي في مجالستهم, هم بغيتي في أرض غربة, وهم ضالتي إذا لم أجدهم. وقال عمرو بن الحارث المصري: الشرف شرفان: شرف العلم, وشرف السلطان, وشرف العلم أشرفهما. وقال يحيى بن أكثم: فلان عن فلان قال: قال: لا. قال: لكني أعرفه: رجل في حلقة يقول: حدثنا فلان بن فلان قال: قال رسول الله ﷺ قلت: يا أمير المؤمنين هذا خير منك وأنت ابن عم رسول الله وولي عهد المسلمين؟ قال:

стр. 6

نعم، ويلك هذا خير مني لأن اسمه مقترن باسم رسول الله ﷺ لا يموت أبدًا نحن نموت ونفنى والعلماء باقون / ما بقي الدهر. وقال ذو النون المصري: الناس كلهم موتى إلا العلماء, والعلماء كلهم نيام إلا العاملين, والعاملون كلهم مغترون إلا المخلصين, والمخلصون, والمخلصون على خطر عظيم. [قال الله تعالى: ﴿ليسأل الصادقين عن صدقهم﴾] ما أحسن هذا الكلام, وما أوقعه في قلوب الموفقين من سامعيه, نسأل الله تعالى العمل بالعلم والإخلاص فيه. ويروي للقاضي أبي محمد عبد الوهاب المالكي رحمه الله تعالى: وا لهف نفسي على شيئين لو جمعا ... عندي لكنت امراءاً من أسعد البشر كفاف عيش كفاني ذل مسألة ... وخدمة العلم حتى ينقضي عمري

стр. 7

وللعلامة أبي القاسم الزمخشري: وكل فضيلة فيها سناء ... وجدت العلم من هاتيك أسمى فلا تعتد غير العلم ذخرا ... فإن العلم كنز ليس يفنى فصل وانضم إلى شرف العلم أن طلبه من أحسن العبادات وأفضلها، والتقرب به إلى الله تعالى من القربات وأكملها. جاء عن إمامنا أبي عبد الله محمد بن إدريس الشافعي ﵀ عليه أنه قال: ما تقرب إلى الله بعد أداء الفريضة بأفضل من طلب العلم. هذه رواية حرملة بن يحي عنه. وفي رواية الربيع بن سليمان عنه قال: طلب العلم أفضل من صلاة النافلة. وفي رواية أخرى عنه: ليس بعد أداء الفرائض شيء أفضل من طلب العلم قيل: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في سبيل الله.

стр. 8

وروي معنى ذلك عمن تقدم الشافعي من التابعين وأتباهم ﵃. جا. عن الحسن البصري أنه قال: ما أعلم شيئا أفضل من الجهاد في سبيل الله إلا أن يكون طلب العلم فإنه أفضل من الجهاد في سبيل. وقال الإمام أبو عبد الله سفيان من سعيد الثوري: لا أعلم شيئا من الاعمال أفضل من طلب الحديث لمن حسنت نيته فيه. وروي مثله عن صاحبه عبد الله بن المبارك. / وقال الإمام أبو عمرو الاوزاعي: من تعلم بابا من العلم كان أفضل من عبادة حول يصام نهاره, ويقام ليله. وقال سليمان التيمي: كنا في مجلس نتذاكر فيه الفقه والسنن ومعنا أبو مجلز, فقال رجل: لو قرأتم سورة. فقال أبو مجلز: ما نرى أن قراءة سورة أفضل مما نحن فيه.

стр. 9

وقال ابن عبد الحكم: كنت عند مالك أقرأ عليه العلم, فدخل وقت الظهر, فجمعت الكتب لأصلي فقال: يا هذا ما الذي قمت إليه بأفضل مما كنت فيه إذا صحت النية. يعني قيامه لأحراز فضيلة أول الوقت والله أعلم. وصح عن الإمام أبي عبد الله أحمد بن حنبل أنه قال لابنه عبد الله لما قدم أبو زرعة الرازي من الري إلى بغداد: يا يبني قد اعتضت عن نوافلي بمذاكرة هذا الشيخ. وكل هؤلاء من أئمة الهدى, الذين بهم يقتدى, وجاء مثل ذلك عن الصحابة ﵃ موقوفاً ومرفوعاَ. قال ابن عباس: مذاكرة العلم ساعة خير من إحياء ليلة.

стр. 10

وقال ابن مسعود: لأن أجلس في مجلس فقه ساعة أحب إلي من صيام يوم وقيام ليلة. وروي مرفوعاَ إلى النبي ﷺ : ((فضل العلم خير من فضل العبادة, وخير دينكم الورع)). وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن: قال أبو هريرة وأبو ذر: باب من العلم نتعلمه أحب إلينا من ألف ركعة تطوع, وباب نعلمه عملنا به أو لم نعمل أحب إلينا من مائة ركعة تطوعا. وقالا: سمعنا رسول الله ﷺ يقول: إلى إذا جاء طالب العلم وهو على هذه الحال مات وهو شهيد.

стр. 11

وعن أبي بكر الهذلي, عن عون بن عبد الله أن رجلا جاء إلى أبي ذر فقال له: يا أبا ذر إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. قال له: تعلم العلم فإنك إن مت عالما خير لك من أن تموت جاهلا. ثم جاء إلى أبي الدرداء فقال له: يا أبا الدرداء إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه. فقال / له: تعلم العلم فإنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل. ثم جاء إلى أبي هريرة فقال: [يا أبا هريرة إني أريد أن أتعلم العلم وأخاف أن أضيعه]. فقال له أبو هريرة: تعلم العلم فإنك لن تجد له إضاعة أشد من تركه. وفي روا ية قال أبو ذر: إنك أن توسد العلم خير من أن توسد الجهل. وقال أبو الدرداء: إن الناس يبعثون من قبورهم على ما ماتوا عليه, فيبعث العالم عالما والجاهل جاهلا. وقال أبو هريرة ما أنت بواجد شيئا أضيع له من تركه.

стр. 12

وفي رواية قال أبو ذر: إن تفترش العلم خير من أن تفترش الجهل. وقال أبو هريرة: كفى بترك العلم إضاعة. قال الحسن البصري: وكان أبو هريرة من أحسن القوم كلاماً. صدق وبر فإنا مأمورون بالعلم وبالعمل, فلا ينبغي أن يحملنا تقصيرنا في العمل على أن نقصر في تحصيل العلم, فنكون قد خالفنا الأمر فيهما, مع أنه يرجى من بركة العلم النافع أنه يفضى بصاحبه إلى العمل, فقد جاء عن جماعة من أكابر التابعين وأتباعهم في العلم والدين أنهم قالوا: تعلمنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله. وقال بعضهم: تعلمنا العلم وما لنا فيه كبير نية ثم رزقنا الله النية بعد. فهذا تفسير قول من قال: ((تعلمناه لغير الله فأبى أن يكون إلا لله)) أى فحصلت النية.

стр. 13

وذكر الغزالي في ((كتاب الأحياء)) أن بعضهم قال: معناه أن العلم أبى وامتنع علينا فلم تنكشف لنا حقيقته, وإنما حصل لنا حديثه وألفاظه. والتفسير الأول إذ بعض الروايات فسر بعضا, ووقع هذا القول من جماعة أكابر لا يظن بهم سوى المعنى الأول. قال سماك بن حرب: طلبنا هذا الأمر ونحن لا نريد الله به, فلما بلغت حاجتي دلني على ما ينفعني, وحجزني عما يضرني. فهذا معنى ما ذهبوا إليه يرحمهم الله. /فصل ثم أفضل العلوم بعد معرفة الله تعالى معرفة أحكامه وتكاليفه التي بعث بها الرسل, وأوضح لها السبل, وهي المعالم الدينية. ثم علم الفقه المستخرج من ذينك الأصلين, الكافل لمن قام به على الوجه المأمور به فضلا بل فضلين, وإلى

стр. 14

ذلك الإشارة بقوله ﷺ في حديث عبد الله بن عمرو بن العاص: ((العلم ثلاثة وما سوى ذلك فضل: آية محكمة, وسنة قائمة وفريضة عادلة)) أخرجه أبو داود وابن ماجة في سننهما. وفي الصحيحين من حديث معاوية أبن أبي سفيان قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين)) وفيهما أيضا من حديث أبي هريرة قال: قال النبي ﷺ : ((الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا)) وفي جامع الترمذي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : ((خصلتان لا تجتمعان في منافق: حسن سمت, وفقه في الدين)).

стр. 15

وفي الحديث: ((فقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. لكل شيء عماد وعماد الدين الفقه. ما عبد الله بشيء أفضل من فقه في الدين)). وعن عمر بن علي بن أبي طالب رفعه: ((نعم الرجل الفقيه إن احتيج إليه انتفع به, وإن استغنى عنه أغنى نفسه)). وقال علي الأزدي: سألت ابن عباس عن الجهاد؟ فقال: ألا أدلك على ما هو خير لك من الجهاد؟ تبنى مسجدا فتعلم فيه القرآن والفقه في الدين أو قال السنة. وعن كعب أن الحواريين قالوا لعيسى بن مريم ﵉: يا روح الله هل بعدنا من أمة؟ قال: نعم أمة أحمد, حكماء علماء, أبرار أتقياء, كأنهم

стр. 16

من الفقه أنبياء, يرضون من الله باليسير من الرزق, ويرضى الله منهم باليسير من العمل. وقال سفيان بن عيينة:/ لم يعط أحد بعد النبوة شيئاً أفضل من العلم والفقه. والله در القائل: كل العلوم سوى القرآن مشغلة ... إلا الحديث والفقه في الدين ولقد أحسن الآخر في قوله: غاية العلم بعيد غورها ... إنما العلم بحور زاخرة فعليك الفقه منه تحتوي ... شرف الدنيا والآخرة فالفقه عميم الفائدة عظيم الجدوى, وإليه المرجع في الأحكام والفتوى, فليطلب بفضل عناية مصحوبة بالتقوى, فهو ثمرة تلك الأصول المباركة والطريقة المثلى. واعلم أن استخراج مسائل الفقه وتحقيقها متوقف على إحكام علم أصول الفقه, وإتقان كل هذه العلوم متوقف على التبحر في معرفة علم اللسان العربي, من وجوهه وطرقه ومجازه ومجازي استعماله؛ ولهذا ضل كثير ممن

стр. 17

جهله فزلوا في علم الأصول والفروع أنواعاً من الزلل, وأخطؤوا فيها ضروباً من الخطأ والخطل. قال أبو عبيد: سمعت الأصمعي يقول: سمعت الخليل بن أحمد يقول سمعت أيوب السختياني يقول: عامة من تزندق بالعراق لجهلهم بالعربية. وقال الزهري: إنما أخطأ الناس في كثير من تأويل القرآن لجهلهم بلغة العرب. قلت: وسبب الخطأ حمل الألفاظ مطلقاً على ظواهرها, وانصراف الأذهان عن مجاري كلام العرب, والغفلة عن كثرة تصرفاته تفننه ومذاهبه التي لا يعقلها إلا العالمون به. وهو لغة صاحب الشريعة المنزل على لغته كلام مرسله, المبلغ ما أنزل إليه من ربه المبين له ﷺ . وكل علم من هذه العلوم بحر زاخر, لا يحصل على درره إلا كل سابح ٍ غواصٍ ماهرٍ, ولا سبيل إلى الإحاطة بجميعها لفاضل, فليمتثل ما / أشار إليه القائل: ما حوى العلم جميعا أحد ... لا ولو مارسه ألف سنه إنما العلم بعيد غوره ... فخذوا من كل شيء أحسنه قيل لبعض الحكماء: من يعرف كل العلم؟ فقال: كل الناس. يعني كل العلم الذي آتاه الله خلقه لا يعرفه إلا جميعهم, ولا يعرف العلم بأسره مطلقاً إلا خالقهم .

стр. 18

فصل والفقه كان شعار أكثر أصحاب رسول الله ﷺ الذين صحبوه ولازموه, ورزقوا فهم ما تلقوه عنه وسمعوه, كالخلفاء الأربعة وباقي العشرة وابن مسعود ومعاذ وأبي وزيد بن ثابت وأبي موسى وأبي الدرداء وعائشة وابن عمر وابن عباس وبن عمرو وابن الزبير وأبي سعيد وأبي هريرة وجابر بن عبد الله وغيرهم. ونقل الفقه أيضاً عن غيرهم في مواضع قليلة كأبي ذر وعمار وحذيفة وسلمان وعبادة بن الصامت وأبي مسعود وفضالة وواثلة وخالد ومعاوية وعمرو بن العاص وأم سلمة وأسماء بنت أبي بكر الصديق والحسن والحسين ﵃ أجمعين. والأولون اشتهروا به وكثرت فتاويهم فيه, وأكثرهم في ذلك تسعة: عمر وعلى وابن مسعود وأبي وزيد وأبو موسى وعائشة وابن عمر وابن وعباس ﵃. والذين اشتهروا من هؤلاء بكثرة الأصحاب ثلاثة: عبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت وعبد الله بن عباس. واعتماد أهل المدينة في الفقه على رأي زيد بن ثابت وعبد الله بن عمر.

стр. 19

واعتماد أهل مكة على رأي ابن عباس. واعتماد أهل الكوفة على رأي علي وعبد الله بن مسعود. واعتماد أهل البصرة على رأي أبي موسى وعمران بن حصين وغيرهما. وكان بالشام معاذ وأبو الدرداء وغيرهما. ثم انتقل الفقه إلى التابعين فمن بعدهم: فكان بالمدينة سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وخارجة بن زيد / وسليمان بن يسار وعبيد الله بن عبد الله وأبو بكر بن عبد الرحمن, وهؤلاء هم فقهاء المدينة السبعة المشهورون بهذه العبارة. وقد جمعوا في بيت قال ناظمه: ألا كل من لا يقتدي بأئمة ... فقسمته ضيزى عن الحق خارجه فخذهم عبيد الله عروة قاسم ... سعيد أبو بكر سليمان خارجه ومن جملة فقهاء المدينة أيضاً من التابعين: سالم بن عبد الله وأبو سلمة بن عبد الرحمن وأبان بن عثمان وقبيصة بن ذؤيب وغيرهم من كبار تابعي المدينة. ولحقهم من تابعيها أيضاً عمر بن عبد العزيز وعلي بن الحسين ويحي بن سعيد وأبو الزناد والزهري وربيعة وغيرهم.

стр. 20

ثم انتقل إلى أتباع التابعين كابن أبي ذئب والماجشون والإمام مالك بن وأصحابه. وكان بمكة عبيد بن عمير وعطاء بن أبي رباح ومجاهد وعكرمة وسعيد ابن جبير وابن أبي مليكة وعمرو بن دينار وغيرهم. ثم انتقل إلى ابن أبي نجيح وابن جريح وسفيان بن عيينة ومسلم بن خالد وسعيد بن سالم وغيرهم. ثم انتقل إلى الإمام أبي عبد الله الشافعي وأصحابه. وكان بالكوفة أصحاب ابن مسعود الأكابر: علقمة وعبيدة ومسروق والأسود وعبد الرحمن ابنا يزيد وعمرو بن شرحبيل وشريح القاضي وغيرهم. وبعدهم عامر الشعبي وإبراهيم النخعي. وبعدهم الحكم بن عتيبة وحماد بن أبي ليلى والحسن بن صالح وشريك والإمامان أبو حنيفة وسفيان الثوري وأصحابهما. وكان بالبصرة الحسن وابن سيرين ومطرف بن عبد الله وجابر بن زين وأبو قلابة. ثم قتادة وأيوب ويونس وسليمان التيمي وأبن عون وعثمان البتي. ثم الحمادان ابن زيد وابن سلمة ويحي بن سعيد وابن مهدي. وكان بالشام أبو إدريس الخولاني / وشهور بن حوشب وابن أبي زكريا وبن حيوة وعبادة بن نسي ومكحول وغيرهم.

стр. 21

ثم الإمام الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وسليمان بن موسى وغيرهم. وباليمن طاووس ووهب بن منبه وغيرهما. وبمصر يزيد بن أبي حبيب وعمرو بن الحارث والليث بن سعد وغيرهم. ثم أصحاب ماللك والشافعي والشافعي ﵏. وبخرسان الضحاك بن مزاحم وابراهيم الصائغ وعبد الله بن المبارك واسحاق بن راهوية. وببغداد أصحاب أبي حنيفة والشافعي وأصحابه وأحمد بن حنبل, ثم أبو ثور وأبو عبيد القاسم بن سلام, ثم داود ومحمد بن جرير وغيرهم. فصل: ثم إن هؤلاء المذكورين من كل طبقة وإن كانوا مشهورين بالفقه والإمامة فبعضهم أشهر من بعض وأغلب في ذلك من بعض. قال القاسم بن محمد: كان أبو بكر وعمر وعثمان وعلي يفتون على عهد رسول الله ﷺ .

стр. 22

وقال مسروق: شاممت أصحاب محمد ﷺ أي قاربتهم فوجدت العلم انتهى إلى ستة. وفي رواية: انتهى علم أصحاب محمد إلى ستة. وفي أخرى: كان أصحاب الفتوى. وفي أخرى: كان أصحاب القضاء من أصحاب رسول الله ﷺ ستة: عمر وعلي وابن مسعود وأبي مسعود وزيد وأبو موسى. وقال الزهري: الفقهاء أربعة يعني من التابعين سعيد بن المسيب بالمدينة, والشعبي بالكوفة, والحسن بالبصرة, ومكحول بالشام. وقال عبد الرحمن بن مهدي: العلماء عندنا أربعة يعني من تابعي التابعين سفيان الثوري ومالك والأوزاعي وحماد بن زيد. وقال سفيان بن عيينة: لم يدرك مثل ابن عباس في زمانه, ولا مثل الشعبي في زمانه. وفي رواية: أئمة الناس ثلاثة بعد أصحاب النبي ﷺ / يعني أكابر الصحابة فذكرهم: ابن عباس والشعبي والثوري.

стр. 23

يعني أنهم أئمة الناس في هذه الأعصار الثلاثة كل واحد في عصره وهم خير القرون, عصر الصحابة بعد الأكابر منهم وعصر التابعين وأتباعهم. وقال الزهري: قدمت على عبد الملك بن مروان فقال: من أين قدمت يا زهري؟ قلت: من مكة. قال: فمن خلفت بها يسود أهلها؟ قلت: عطاء بن أبي رباح قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: وبم سادهم؟ قلت بالديانة والرواية. قال: إن أهل الديانة والرواية لينبغي أن يسودوا. فمن يسود أهل اليمن؟ قلت: طاووس بن كيسان. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: بم سادهم؟ قلت: بما سادهم به عطاء. قال: إنه لينبغي. فمن يسود أهل مصر؟ قلت: يزيد بن أبي حبيب. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال فمن يسود أهل الشام؟ قلت مكحول. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي عبد نوبي أعتقته أمرأة من هذيل. قال: فمن يسود أهل الجزيرة؟ قلت ميمون بن مهران. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل خراسان؟ قلت: الضحاك بن مزاحم. قال: فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من الموالي. قال: فمن يسود أهل البصرة؟ قلت: الحسن بن أبي الحسن. قال: فمن العرب أم من الموالي قلت: من الموالي. قال: فمن يسود أهل الكوفة؟ قلت: إبراهيم النخعي. قال فمن العرب أم من الموالي؟ قلت من العرب. قال: ويلك يا

стр. 24

زهري فرجت عني, والله لتسودن الموالي على العرب حتى يخطب لها على المنابر والعرب تحتها. قلت: يا أمير المؤمنين إنما هو أمر الله ودينه؛ من حفظه ساد, ومن / ضيعه سقط. قلت: فهكذا كان العلماء هم الأعيان يسأل عنهم ويجبلون في كل مكانٍ لجميعهم بين العلم والعمل, وإعراضهم عن المراء والجدل. ثم إن الله تعالى شهر بالفقه أربعة أئمة اشتهرت مذاهبهم, واقتدى الناس بهم في كل الأمصار في جميع الأعصار وهم: أبو حنيفة النعمان بن ثابت, وآباء عبد الله مالك بن أنس الأصبحي, ومحمد بن إدريس الشافعي, وأحمد بن محمد الشيباني. فهم أئمة المسلمين ﵃ أجمعين, فضائلهم ومناقبهم كثيرة, وفوائدهم وفرائدهم غزيرة, وقد صنف في مناقبهم كتب مجردة, مطولة ومقتصدة.

стр. 25

فصل: وقد كان من مضى من الأئمة المجتهدين, بجميع علوم الاجتهاد قائمين, وبنشرها في الآفاق معتنين, وهم في ذلك متفاضلون. فمنهم المحكم لعلم الكتاب, ومنهم القائم بأمر السنة ومنهم المتبحر في العربية, ومنهم المتقن لجودة استنباط الأحكام, وقل من اجتمع فيه القيام بجميع ذلك, فكان من أجمعهم وأقومهم به أمامنا أبو عبد الله القرشي المطلبي الشافعي ﵁, جمع الله تعالى له النسب الطاهر, والعلم الباهر, وكثرة المآثر, وجل الفاخر؛ فكان فيه من المناقب والفضائل, ما فرقه في كثير من الأئمة الأفاضل وشهد له بذلك من أهل كل فن سادة أماثل. قال المزني: سمعت الشافعي يقول: حفظت القرآن وأنا ابن سبع سنين وحفظت "الموطأ" وأنا ابن عشر سنين. قال يونس بن عبد الأعلى: كان الشافعي إذ أخذ في التفسير كأنه شهد التزيل.

стр. 26

قال أحمد بن محمد بن بنت الشافعي: سمعت ابي وعمي يقولان: كان سفيان بن عيينة / إذا جاءه شيء من التفسير والفتيا يسأل عنها التفت إلى الشافعي فيقول: سلوا هذا. وقال له شيخه مسلم بن خالد وهو مفتي مكة: يا أبا عبد الله أفت فقد والله آن لك ان تفتي وابن خمس عشرة سنة. وقيل: ست عشرة. وقيل ثماني عشرة. وفي أخرى: وهو ابن دون عشرين سنة. وقال الربيع: كان الشافعي يفتي وهو ابن خمس عشرة سنة, كان يحي الليل إلى أن مات. قال أبو نعيم الحافظ: سمعت سليمان بن أحمد يقول: سمعت أحمد بن محمد الشافعي يقول: كانت الحلقة في الفتيا بمكة في المسجد الحرام لابن عباس وبعده لعطاء بن أبي رباح, وبعده ليعبد الملك بن جريح, وبعده لمسلم بن خالد, وبعده لسعيد بن سالم, وبعده لمحمد بن إدريس الشافعي وهو شاب. قال ابن مهدي: سمعت مالكاً يقول: ما يأتيني قرشي أفهم من هذا الفتى يعني الشافعي.

стр. 27

قال أبو عبيد القاسم بن سلام: ما رأيت قط أعقل ولا أروع ولا أفصح من الشافعي. قال هلال بن العلاء الرقي: أصحاب الحديث عيال على الشافعي, فتح لهم الأقفال. قال إسحاق بن راهويه: لقيني أحمد بن حنبل بمكة فقال: تعال حتى أريك رجلاً لم تر عيناك مثله, فأراني الشافعي. قال فتناظرنا في الحديث فلم أر أعلم منه ثم تناظرنا في الفقه فلم أر أفقه منه. ثم تناظرنا في القرآن فلم أر أقرأ منه. ثم تناظرنا في اللغة فوجدته بيت اللغة. وما رأت عيناي مثله قط. قال: فلما فارقناه أخبرني جماعة من أهل الفهم بالقرآن أنه كان أعلم الناس في زمانه. بمعاني القرآن وأنه قد كان أوتي فهماً في القرآن. قال أحمد بن حنبل: كان الفقهاء أطباء والمحدثون صيادلة, فجاء الشافعي /طبيباً صيدلانياً, ما مقلت العيون مثله.

стр. 28

وقال إن الله يقيض للناس في رأس كل مائة سنة من يعلمهم السنن, وينفي عن رسول الله ﷺ الكذب, فنظرنا فإذا في رأس المائة عمر بن عبد العزيز, وفي رأس المائتين الشافعي. وقال: إذا سئلت عن مسألة لا أعرف فيها خيراً قلت فيها بقول الشافعي؛ لأنه إمام عالم من قريش وروي عن النبي ﷺ أنه قال: ((عالم قريش يملأ الأرض علماً)). وقال كلام الشافعي في اللغة حجة. وقال أبو عبيد وابن هشام صاحب "المغازي": الشافعي ممن يؤخذ عنه في اللغة أو من أهل الفقه.

стр. 29

قال أبو بكر بن الأنباري" حدثني أبي, عن أبي عن عثمان المازني قال: الشافعي عندنا حجة في النحو. قال أبو العباس المبرد: رحم الله الشافعي كان من أشعر الناس, وآدب الناس, وأعرفهم بالقرآءات. كذا وقع وأظنه تصحيفاً إنما هو:"وأعرفهم بالقرآن" أي بمعانيه وأحكامه, أي رزق فهماً فائقاً فيه على ما سبق من كلام إسحاق بن راهويه ويونس بن عبد الأعلى وغيرهما. قال أبو ثور بن خالد: كان الشافعي من معادن الفقه, وجهابذة الألفاظ, ونقاد المعاني. قال الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني: كان أصحاب الحديث رقوداً حتى جاء الشافعي فأيقظهم فتيقظوا. قال الحسين الكرابيسي: ما أقول في رجل ابتدأ في أفواه الناس الكتاب والسنة والاتفاق, ما كنا ندري ما الكتاب والسنة نحن ولا الأولون حتى سمعنا من الشافعي الكتاب والسنة والإجماع.

стр. 30

يعني أنه أول من وضع علم أصول الفقه, وأتى بهذه العبارات الحسنة ﵀. قال أبو زرعة الرازي: ما عند الشافعي حديث غلط فيه. وقال أبو داود السجستاني: / ما من العلماء أحد إلا وقد أخطأ في حديثه غير ابن علية وبشر بن المفضل, وما أعلم للشافعي حديثاً خطأ. وقال محمد بن عبد الله بن عبد الحكم: إن كان أحد من العلماء حجة في شيء فالشافعي حجة في كل شيء. وقال أبو بكر بن دريد من قصيدة له في مدح الشافعي ﵀: وهذب حتى لم تشر بفضيلة. . . إذا التمست إلا إليه الأصابع فمن يك علم الشافعي أمامه. . . فمرتعه في ساحة العلم واسع

стр. 31

قال سويد بن سعيد: كنا عند سفيان بن عيينة بمكة, فجاء الشافعي فسلم وجلس, فروى ابن عيينة حديثا رقيقاً فغشي على الشافعي. فقيل: يا أبا محمد مات بن إدريس. فقال ابن عيينة: إن كان مات محمد بن إدريس فقد مات أفضل أهل زمانه. فهذا طرف من ثناء العلماء عليه في فضله وفقهه وعلمه بالكتاب والسنة والعربية واستخراج أصول علم الفقه, وانضم إلى ذلك اجتهاده في طاعة ربه من الورع والعبادة, والنصح والخشية والزهادة. قال أبو عبيد: ما رأيت قط رجلاً أورع من الشافعي. قال حرملة بن يحيى: قال الشافعي: ما كذبت قط, وما حلفت قط بالله آثماً. قال الربيع: كان الشافعي لا يصلي مع الناس في قيام رمضان ويصلي في بيته, ويختم ستين ختمة ليس منها شيء إلا في صلاة, ختمة بالنهار وختمة بالليل. قال هارون بن سعيد الأيلي: ما رأيت مثل الشافعي, وما رأيت أحسن صلاة منه.

стр. 32

قال الربيع: كان الشافعي قد جزّء الليل إلى ثلاثة أثلاث: الثلث الأول يكتب, والثلث الثاني يصلي, والثلث الثالث ينام. وقال: سمعت الشافعي يقول: ما شبعت منذ عشرين سنة. وفي رواية: منذ ست عشرة سنة إلا شبعة طرحتها من ساعتي. وقال ما تركت غسل / الجمعة في شتاء ولا صيف قط. قال الحافظ أبو حاتم بن حبان البستي: ((الشافعي رحمة الله عليه ثلاث كلمات ما تكلم بها أحد في الإسلام قبله لا يفوه بها أحد بعده إلا والمأخوذ فيها كان عنه. إحداها أني سمعت ابن خزيمة يقول: سمعت المزني يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا صح لكم الحديث عن النبي ﷺ فخذوا به ودعوا قولي. الثانية: اخبرني محمد بن المنذر بن سعيد, عن الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني قال سمعت الشافعي يقول: ما ناظرت أحدا قط فأحببت أن يخطيء. زاد في رواية أخرى إلا صاحب بدعة فأني أحب أن ينكشف أمره للناس. قال: والثالثة: سمعت موسى بن محمد الديلمي بأنطاكية يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: وددت أن الناس تعلموا هذه الكتب ولم ينسبوها إلي)).

стр. 33

وفي رواية: وددت أن كل علم أعلمه تعلمه الناس أؤجر عليه ولا يحمدوني, وما ناظرت أحدا قط إلا على النصيحة. قلت: وقد كان ﵀ مع ما منحه الله من الطاعة والتبحر في علوم الاجتهاد قد جمع فيه فضائل شتى, كجودة الرمي, والسخاء الذي أربى فيه على نظائره وزاد. قال عمرو بن سواد: كان الشافعي أسخى الناس على الدينار والدرهم والطعام. وقال: قال الشافعي: كان نهمتي في شيئين في الرمي وطلب العلم, فنلت من الرمي حتى أصبحت من عشرة عشرة, والعلم فما ترى. وفي رواية: سكت عن العلم. فقلت له: أنت والله في العلم أكثر منك في الرمي.

стр. 34

وكان الشافعي ﵀ شديد الإنصاف للفضلاء, كثير الثناء على العلماء. فمما روي عنه من ثنائه على الأئمة الثلاثة المشتهرة مذاهبهم مع مذهبه ﵃ أن قال: من أراد أن يتبحر في الفقه فهو عيال على أبي حنيفة, كان أبو حنيفة ممن وفق له الفقه. وقال: من أراد الحديث الصحيح فعليه بمالك, ومن أراد الجدل فليه بأبي حنيفة. وقال: إذا جاء الأثر فمالك النجم, إذا جاءك الحديث عن مالك فشد به يديك, ما على الأرض كتاب في العلم أكثر صوابا من كتاب مالك. وفي رواية: ما أعلم شيئا بعد كتاب الله تعالى أصح من موطأ مالك لولا مالك وسفيان لذهب علم الحجاز.

стр. 35

وقال خرجت من بغداد وما خلفت بها أحد أتقى ولا أورع ولا أفقه ولا أعلم من أحمد بن حنبل. فهذا القدر كاف فيما يتعلق بأخباره وآثاره من اضطلاعه بالعلم واطلاعه, فالحمد لله على ما وفق من اتباعه, وصلاته وسلامه على سيدنا محمد وآله واتباعه, وأصحابه وأشياعه. ولد الشافعي ﵀ سنة خمسين ومائة, ومات بمصر سنة أربع ومائتين, وله أربع وخمسون سنة. وقد جمعت في تاريخنا الشامي ما تفرق من أخباره في كتب المنصفين في ترجمته في حرف الميم. وولد أبو حنيفة ﵀ سنة ثمانين, ومات سنة خمسين ومائة ببغداد, وله سبعون سنة.

стр. 36

فانظر كيف اتفق أن مالكا ولد بعد أبي حنيفة بأربع عشرة سنة وزاد عمره على عمره. وولد أحمد بعد الشافعي بأربع عشرة سنة وزاد عمره على عمره. ومالك أطولهم عمرا, والشافعي أقصرهم عمرا, ﵃ أجمعين. فصل ثم انتقل الفقه بعد الشافعي إلى أصحابه, وأجلهم من أهل مكة أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي, ومن أهل بغداد أبو عبد الله أحمد بن حنبل, وأبو ثور إبراهيم بن خالد, وأبو على الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني, والحسين بن علي الكرابيسي, ومن أهل / مصر أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي, وأبو حفص حرملة بن يحيى التجيبي, وأبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي, وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني, والربيعان ابنا سليمان المرادي, والجيزي, وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وكتب عنه على بن المديني كتاب الرسالة وحملها إلى عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان بالبصرة فأعجبا بها وكانا من كبار أئمة الآثار, فكانا يدعوان الله للشافعي.

стр. 37

وقيل إن الذي حملها إليهما صاحبه الحارث بن سريج النقال. قال الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀: ((وقد عد أبو الحسن الدارقطني منن روى عن الشافعي ﵀ أحاديثه وأخباره وكلامه زيادة على مائة مع قصور سنه عن سن أمثاله من الأئمة, وإنما تكثر الرواية عن العالم إذا جاوز سنه الستين أو السبعين, والشافعي لم يبلغ في السن أكثر من أربع وخمسين)). ثم قام بعد هؤلاء بالفقه على مذهب الشافعي جماعة مثل أبي القاسم الأنماطي, وزكريا بن يحيى الساجي, وأبي نعيم الأستراباذي, وإمام الأئمة أبي بكر محمد بن خزيمة, وهم ممن أخذ عن أصحاب الشافعي وكذلك الإمامان محمد بن نصر المروزي, وأبو بكر محمد بن المنذر. وأخذ عن أبي القاسم الأنماطي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج, وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق, وأخذ عنه فقهاء الإسلام مثل أبي الطيب ابن سلمة, وأبي علي بن خيران, وأبي عبيد بن حربويه, وأبي حفص بن الوكيل, وأبي سعيد الإصطخري, وأبي بكر الصيرفي, وأبي العباس بن القناص,

стр. 38

وأبي بكر محمد بن على القفال الشاشي, وأبي إسحاق المروزي, وأبي علي بن أبي هريرة, وأبي الحسين بن القطان, ومن هذه الطبقة أبو بكر بن زياد, وابن الحداد. ثم حصل الفقه في طبقة أخرى مثل أبي حامد المروروذي, وأبي زيد المروزي, وأبي علي الطبري, وأبي سهل الصعلوكي, وأبي بكر الإسماعيلي, وأبي الحسن الماسرجسي, وأبي القاسم الداركي, وغيرهم. /ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى مثل أبي الحسين بن اللبان الفرضي, وأبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي, والقاضي أبي الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني, وأبي حامد الإسفراييني, وابي بكر البرقاني, والقاضي أبي الطيب الطبري, والقفال المروزي. ثم بعد هؤلاء أبو الحسن المحاملي, والمارودي, وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي, وأصحاب القفال: أبو علي السنجي, وأبو بكر الصيدلاني, والقاضي حسين , وأبو محمد الجويني ثم بعد هؤلاء أبو إسحاق الشيرازي, والشيخ نصر المقدسي, وإمام الحرمين أبو المعالي, والحسين بن مسعود البغوي, وأبو نصر بن الصباغ, وغيرهم. ثم بعدهم الإمام أبو حامد الغزالي, وأبو بكر الشاشي, ومن في طبقتهما بالعراق وخراسان. وعندنا بالشام أبو الحسن علي بن المسلم السلمي جمال الإسلام, وأبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي, وبعدهما أبو المعالي مسعود بن محمد النيسابوري, وأبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون.

стр. 39

ثم الشيوخ الذين أدركناهم ممن جمع بين العلم والعمل كالقاضي أبي القاسم الأنصاري, وشيخنا أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن, ومن تبعه وجرى على ذلك السنن, أذهب الله عنا وعنهم في الدنيا والآخرة الجزن, وأصلح أعمالنا في السر والعلن, ودفع عنا بفضله المحن, ووفقنا للمداومة على الاشتغال بالعلم ورزقنا العمل به. قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: أرجو أن تروني فيه حتى أموت. وقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد. وقال غيره: أليس يقال: يستغفر له - يعني لطالب العلم - كل شيء حتى الحيتان في الماء, أفلهذا مترك؟ فصل في صفة أهل العلم: قال عبد الله بن مسعود ﵁: ليس العلم بكثرة الحديث ولكن العلم الخشية.

стр. 40

/ وقال مالك بن أنس ﵀: ليس العلم بكثرة الرواية, ولكنه نور يجعله الله في قلب من يشاء من خلقه. وفي رواية: العلم الحكمة, ونور يهدي به الله من يشاء, وليس بكثرة المسائل. وقال الأوزاعي ﵀: كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم, فلما كتب ذهب نوره, وصار إلى غير أهله.
следующие страницы →