← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14447

خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول

أبو شامة المقدسي

Полный текст (132 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

فانظر كيف اتفق أن مالكا ولد بعد أبي حنيفة بأربع عشرة سنة وزاد عمره على عمره. وولد أحمد بعد الشافعي بأربع عشرة سنة وزاد عمره على عمره. ومالك أطولهم عمرا, والشافعي أقصرهم عمرا, ﵃ أجمعين. فصل ثم انتقل الفقه بعد الشافعي إلى أصحابه, وأجلهم من أهل مكة أبو بكر عبد الله بن الزبير الحميدي, ومن أهل بغداد أبو عبد الله أحمد بن حنبل, وأبو ثور إبراهيم بن خالد, وأبو على الحسن بن محمد بن الصباح الزعفراني, والحسين بن علي الكرابيسي, ومن أهل / مصر أبو يعقوب يوسف بن يحيى البويطي, وأبو حفص حرملة بن يحيى التجيبي, وأبو موسى يونس بن عبد الأعلى الصدفي, وأبو إبراهيم إسماعيل بن يحيى المزني, والربيعان ابنا سليمان المرادي, والجيزي, وأبو عبد الله محمد بن عبد الله بن عبد الحكم. وكتب عنه على بن المديني كتاب الرسالة وحملها إلى عبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان بالبصرة فأعجبا بها وكانا من كبار أئمة الآثار, فكانا يدعوان الله للشافعي.

стр. 37

وقيل إن الذي حملها إليهما صاحبه الحارث بن سريج النقال. قال الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀: ((وقد عد أبو الحسن الدارقطني منن روى عن الشافعي ﵀ أحاديثه وأخباره وكلامه زيادة على مائة مع قصور سنه عن سن أمثاله من الأئمة, وإنما تكثر الرواية عن العالم إذا جاوز سنه الستين أو السبعين, والشافعي لم يبلغ في السن أكثر من أربع وخمسين)). ثم قام بعد هؤلاء بالفقه على مذهب الشافعي جماعة مثل أبي القاسم الأنماطي, وزكريا بن يحيى الساجي, وأبي نعيم الأستراباذي, وإمام الأئمة أبي بكر محمد بن خزيمة, وهم ممن أخذ عن أصحاب الشافعي وكذلك الإمامان محمد بن نصر المروزي, وأبو بكر محمد بن المنذر. وأخذ عن أبي القاسم الأنماطي أبو العباس أحمد بن عمر بن سريج, وعنه انتشر فقه الشافعي في أكثر الآفاق, وأخذ عنه فقهاء الإسلام مثل أبي الطيب ابن سلمة, وأبي علي بن خيران, وأبي عبيد بن حربويه, وأبي حفص بن الوكيل, وأبي سعيد الإصطخري, وأبي بكر الصيرفي, وأبي العباس بن القناص,

стр. 38

وأبي بكر محمد بن على القفال الشاشي, وأبي إسحاق المروزي, وأبي علي بن أبي هريرة, وأبي الحسين بن القطان, ومن هذه الطبقة أبو بكر بن زياد, وابن الحداد. ثم حصل الفقه في طبقة أخرى مثل أبي حامد المروروذي, وأبي زيد المروزي, وأبي علي الطبري, وأبي سهل الصعلوكي, وأبي بكر الإسماعيلي, وأبي الحسن الماسرجسي, وأبي القاسم الداركي, وغيرهم. /ثم انتقل الفقه إلى طبقة أخرى مثل أبي الحسين بن اللبان الفرضي, وأبي الطيب سهل بن محمد الصعلوكي, والقاضي أبي الحسن على بن عبد العزيز الجرجاني, وأبي حامد الإسفراييني, وابي بكر البرقاني, والقاضي أبي الطيب الطبري, والقفال المروزي. ثم بعد هؤلاء أبو الحسن المحاملي, والمارودي, وأبو الفتح سليم بن أيوب الرازي, وأصحاب القفال: أبو علي السنجي, وأبو بكر الصيدلاني, والقاضي حسين , وأبو محمد الجويني ثم بعد هؤلاء أبو إسحاق الشيرازي, والشيخ نصر المقدسي, وإمام الحرمين أبو المعالي, والحسين بن مسعود البغوي, وأبو نصر بن الصباغ, وغيرهم. ثم بعدهم الإمام أبو حامد الغزالي, وأبو بكر الشاشي, ومن في طبقتهما بالعراق وخراسان. وعندنا بالشام أبو الحسن علي بن المسلم السلمي جمال الإسلام, وأبو الفتح نصر الله بن محمد المصيصي, وبعدهما أبو المعالي مسعود بن محمد النيسابوري, وأبو سعد عبد الله بن محمد بن أبي عصرون.

стр. 39

ثم الشيوخ الذين أدركناهم ممن جمع بين العلم والعمل كالقاضي أبي القاسم الأنصاري, وشيخنا أبي منصور عبد الرحمن بن محمد بن الحسن, ومن تبعه وجرى على ذلك السنن, أذهب الله عنا وعنهم في الدنيا والآخرة الجزن, وأصلح أعمالنا في السر والعلن, ودفع عنا بفضله المحن, ووفقنا للمداومة على الاشتغال بالعلم ورزقنا العمل به. قيل لعبد الله بن المبارك: إلى متى تطلب العلم؟ قال: أرجو أن تروني فيه حتى أموت. وقال: لعل الكلمة التي فيها نجاتي لم أسمعها بعد. وقال غيره: أليس يقال: يستغفر له - يعني لطالب العلم - كل شيء حتى الحيتان في الماء, أفلهذا مترك؟ فصل في صفة أهل العلم: قال عبد الله بن مسعود ﵁: ليس العلم بكثرة الحديث ولكن العلم الخشية.

стр. 40

/ وقال مالك بن أنس ﵀: ليس العلم بكثرة الرواية, ولكنه نور يجعله الله في قلب من يشاء من خلقه. وفي رواية: العلم الحكمة, ونور يهدي به الله من يشاء, وليس بكثرة المسائل. وقال الأوزاعي ﵀: كان هذا العلم كريما يتلاقاه الرجال بينهم, فلما كتب ذهب نوره, وصار إلى غير أهله.

стр. 41

وقال: إذا أراد الله بقوم شرا فتح عليهم الجدل, ومنعهم العمل. وقال مسلم بن يسار: إياكم والمراء فائنها ساعة جهل العالم, وعندها يبتغي الشيطان زلته. وقال مالك بن أنس: ليس هذا الجدال من الدين بشيء. وقال أيضا: المراء في العلم يقسي القلوب, ويورث الضغائن. وقال وهب بن منبه: دع المراء الجدال, كيف تمارى وتجادل من هو أعلم منك أو من أنت أعلم منه ولا يطيعك! فاطو ذلك عنه. قالو: وكان أبو سلمة يماري ابن عباس فحرم منه علما كثيرا.

стр. 42

وكان هارون الرشيد مع محبته للفقه والفقهاء, وميله إلي العلم والعلماء, يكره الجدال في الدين والمراء, ويقول: إنه لخليق أن لا يفتح خيرا. وفي جامع الترمذي عن أبي يمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ما ضل قوم بعد هدى كانوا عليه إلا أوتوا الجدل, ثم تلا رسول الله ﷺ ﴿ما ضربوه لك إلا جدلا بل هم قوم خصمون﴾. قال هذا حديث حسن صحيح. جعلنا الله ربنا من القائمين بحقوق العلم العاملين به, المرتفعين في الدنيا والآخرة بسببه, وأوضح لنا به المحجة, ولا جعله علينا حجة, بل كما كان الفقهاء من السلف الصالح أهل نسك وعبادة, وورع وزهادة, أرادو الله بعلمهم, وصانوا العلم / فصانهم, وتدرعوا من الأعمال الصالحة ما زانهم, ولم يشنهم الحرص على الدنيا وخدمة أهلها, بل أقبلوا على طاعة الله تعالى التي خلقوا من أجلها, فاؤلئك الذين عناهم الإمام الشافعي ﵀ بقوله: ما أحد أورع لخالقه من الفقهاء. وفي رواية: إن لم يكن الفقهاء أولياء الله في الآخرة فما الله ولي.

стр. 43

قال ابن مسعود: لو أن أهل العلم صانوا العلم ووضعوه عند أهله لسادوا أهل زمانهم, ولكنهم وضعوه عند أهل الدنيا لينالوا من دنياهم فهانوا عليهم. وروي ليث, عن مجاهد, عن ابن عباس قال: لو أن العلماء أخذوا العلم بحقه لأحبهم الله والملائكة والصالحون من عباده, ولهابهم الناس لفضل العلم وشرفه. وقال وهب بن منبه: إن الفقهاء فيما خلا حملوا العلم فأحسنوا حمله فاحتاجت إليهم الملوك وأهل الدنيا, ورغبوا في عملهن, فلما كان بأخرة فشت علماء فحملوا العلم فلم يحسنوا حمله, فطرحوا عملهم على الملوك وأهل الدنيا فاهتضموهم واحتقروهم. وقال أيضا: كان العلماء قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم, فكانوا لا يلتفتون إلى دنياهم, وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم, فأصبح أهل العلم منا اليوم يبذلون لأهل الدنيا علمهم رغبة في دنياهم, وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم. وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم لما رأوا من سوء موضعه عندهم

стр. 44

اللهم فجنبنا طريقة أقوام لم يقوموا بحق العلم وأرادوا به الدنيا, وأعرضوا عما لهم في الآخرة من الدرجة العليا, فلم يهنؤوا بحلاوته, ولم يمتعوا بنضارته, بل خلقت عندهم ديياجته, ورثت حالته, وعرف مقداره جماعة من السادة فعظموه وبجلوه ووقروه واستغنوا به, ورأوه بعد المعرفة أفضل ما أعطي البشر, واحتقروا في جنبته كل مفتخر, / وتلوا: ﴿فما آتني الله خير مما آتاكم﴾ , وكيف لا يكون الأمر كذلك والعلم حياة والجهل موت, فبينهما كما بين الحياة والموت. ولقد أحسن القائل: وفي الجهل قبل الموت موت لأهله. . . فأجسامهم قبل القبور قبور وإن امرءا لم يحي بالعلم ميت. . . وليس له حتى النشور نشور وعن إسماعيل بن عبيد الله, عن عبد الله بن عمرو قال: من قرأ القرآن فكأنما استدرجت النبوة بين جنبيه إلا أنه لا يوحى إليه. ومن قرأ القرآن فرأى أن أحدا من الخلق أعطى أفضل مما أعطى فقد حقر ما أعظم الله وعظم ما حقر الله. ليس ينبغي لحامل القرآن أن يجهل فيمن يجهل, ولا يجد فيمن يجد, ولكن يعفو ويصفح لحق القرآن.

стр. 45

وللقاضي أبي سعيد الخليل بن أحمد السجزي الحنفي: رضيت من الدنيا بقوت يقيمني. . . ولا ابتغي من بعده أبدا فضلا ولست أروم القوت إلا لأنه. . . يعين على علم أرد به الجهلا فما هذه الدنيا بطيب نعيمها. . . لأصغر ما في العلم من نكتة عدلا فهذه رحمة الله عرف مقدار العلم؛ فلا جرم زهد في الدنيا, وقنع منها بالقوت, وحصل على رياض العلم ومتنزهاته, ومحاسن أوجه وطيب أوقاته. وما أجود أبيات القاضي أبي الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني من أصحابنا في صيانة العلم وترك التبذل به, وهي قصيدة نفيسة منها: ولو أن أهل العلم صانهم. . . ولعظموه في النفوس لعظما ولكن أذالوه فهان ودنسوا. . . محياه بالأطماع حتى تهجما ولم أقض حق العلم إن كان كلما. . . بدا طمع صيرته لي سلما وأقبض خطوي عن فضول كثيرة. . . إذا لم أنلها وافر العرض مكرما / يقولون هذا منهل قلت قد أرى. . . ولكن نفس الحر تحتمل الظما وماذا عسى الدنيا وإن جل خطبها. . . ينال بها من صير الصبر مطعما

стр. 46

وينبغي لمن نظمه الله سبحانه في سلك العلماء أن يعرف قدر نعمته عليه, فقد قربه من درجة النبوة بما أسداه إليه, فلا يحزن لما يفوته من أمر الدنيا, فما آتاه الله خير مما أوتي أهلها, ولا يتبرم بما ينزل به من مصائبها فأن ذلك من علامات قبوله ولحوقه بسلفه, فقد جاء في الحديث: ((أشد الناس بلاء الأنبياء ثم العلماء ثم الصالحون)). وفي رواية: ((النبيون, ثم الأمثل فالأمثل)). وقال وهب بن منبه: لا يكون الفقيه فقيها حتى يعد البلاء نعمة, والرخاء مصيبة, وذلك أن صاحب البلاء ينتظر الرخاء, وصاحب الرخاء ينتظر البلاء.

стр. 47

فصل صح من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من الناس, ولكن يقبض العلم, حتى إذا لم يترك عالما اتخذ الناس رؤرسا جهالا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا)). ما أعظم حظ من بذل نفسه وجهدها في تحصيل العلم حفظا على الناس ما بقى بأيديهم منه, فإن هذه الأزمة قد غلب على أهلها الكسل والملل وحب الدنيا, فالمشتغل منهم عليها يحوم, ولها يعقد ويقوم, فإذا حصلت فترت همته واشتغل بها, وطلب الزيادة منها. ومنهم من تفتر همته لعدم حصولها [له] ولا سيما إذا حصلت لغيره ممن يراه دون درجته, هذا / مع أن اشتغال المشتغل منهم ضعيف, قد قنع الحريص منهم من علوم القرآن بحفظ سواده, ونقل بعض قراءآته, وأغفل علم تفسيره ومعانيه, واستنباط أحكام الشريعة من مبانيه. واقتصر من علم الحديث على سماع بعض الكتب على شيوخ أكثرهم أجهل منه بعلم الرواية, فضلا عن الدراية, وأغفل إتقان معرفة الأسانيد والمتون من التقييد اللفظي, والبحث الصحيح المعنوي.

стр. 48

واجتزأ من علم الفقه بحفظ مختصر, ولولا الجاري عليه بسببه لما صبر. ومنهم من صعب عليه أيضا حفظ المختصر [ورفع نفسه عنه] , فنظر في بعض نكت الخلافيين المتأخرين, العارية عن مآخذ الأئمة وفقه المتقدمين, وعد نفسه - لغرابة ما أتى به - من رؤوس العلماء, وهو عند الله تعالى وعند علماء الشريعة من أجهل الجهلاء, قد حرم أنفاس أهل الدين والعلم الفاخر, ورضي مما هم عليه بإطلاق اسم المستدل المناظر. واكتفى من علم العربية بالنظر في مقدمة يزعم أنه يصلح بها لسانه, ويقوى بها عند الجدال جنانه, وصدف عن الكتب النفيسة الكافلة بنفائس هذا الشأن, وعن الاشتغال بعلمي اللغة والبيان, اللذين بهما يفهم الحديث والقرآن. وأما علم أصول الفقه فقد هجر هجرا, فلا تكاد تسمع له ذكرا, إلا بأبحاث خارجة عنه, وإن كانت قد سطرت فيه حتى حسبت أنها منه. فليتدبر ما قلناه طالب العلم, وليتهم نفسه بالتحصيل, فكل علم من هذه العلوم بحر زاخر, ولا يحصل على درره إلا كل سابح غواص ماهر, قد مرت عليه أزمنة في ملازمة الطلب, وطول / النصب والتعب, من التكرار والبحث والشرح والمراجعات , ومذاكرة العلماء وكثرة المطالعات, مع الأهلية التامة من صحة الذهن وحدته, وطول الفكر منه وحسن نيته, فيراجع ما أشكل عليه ويحققه, وإذا عد تنبيه من نبهه على خطئه فائدة منه وشكره عليها فالله يوفقه.

стр. 49

وليعتمد من مذاكرة الشيوخ ومطالعة الكتب كل معتمد عليه, ولا يتجاوز تحقيق ما أشكل لديه, فهذه صفة المشتغل المحقق, وهو الذي ينتفع وينفع الله به كل موفق. قال مسلم بن الحجاج في " صحيحه ": حدثنا يحيى بن يحيى التميمي, أنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير, قال: سمعت أبي يقول: لا يستطاع العلم براحة الجسم. قلت: ومن آدابه: اجتناب المراء والافتراء, واللغط الهراء, وحرصه أبدا على إظهار الحق, وطلبه من حيث كان, كما قال إمامنا الشافعي ﵀: ما ناظرت أحدا إلا على النصيحة, وما ناظرت أحدا فأحببت أن يخطئ. وما روينا عنه أيضا أنه قال: من تعلم علما فليدقق فيه لئلا يضيع دقيق العلم.

стр. 50

فصل والعلم بالأحكام واستنباطها كان أولا حاصلا للصحابة فمن بعدهم من علمهم بالقرآن والسنة, ومعرفتهم بلسان العرب, فكانوا إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه ﷺ , وكانوا يتدافعون الفتوى ويود كل منهم لو كفناه إياها غيره. وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع, ويقولون للسائل /عنها: أكان ذلك؟ فإن قال: لا, قالوا: دعه حتى يقع, ثم نجتهد فيه. كل ذلك يفعلونه خوفا من الهجوم على ما لا علم لهم به, واشتغالا بما هو الأهم من العبادة والجهاد, وإذا وقعت الواقعة لم يكن بد من النظر فيها. قال الحافظ البيهقي: وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن ولم يمض به كتاب ولا سنة ولا إجماع ولا أثر, ليعملوا عليه إذا وقع, وكرهوا للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع؛ لأن الاجتهاد إنما أبيح للضرورة ولا ضرورة قبل الواقعة, وقد يتغير اجتهاده عند الواقعة فلا يغنيهم ما مضى من الاجتهاد. واحتج بعضهم في ذلك بما روي عن النبي ﷺ موصولا ومنقطعا: ((من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه)).

стр. 51

وعن طاووس قال عمر بن الخطاب وهو على المنبر أحرج بالله على كل امرىء مسلم سأل عن كل شيء لم يكن؛ فإن الله قد بين ما هو كائن. وفي رواية: لا يحل لكم أن تسألوا عما لم يكن فإنه قد قضى فيما هو كائن. وعن عبد الرحمن بن شريح أن عمر بن الخطاب ﵁ كان يقول: إياكم وهذه العضل فإنها نزلت بعث لها من يقيمها ويفسرها. وعن الصلت بن راشد قال: سألت طاووسا عن شيء فقال: أكان هذا؟ قلت: نعم. قال: آالله الذي لا إله إلا هو قلت: الله الذي لا إله إلا هو. قال:

стр. 52

إن أصحابنا حدثونا عن معاذ بن جبل أنه قال: أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فيذهب بكم هاهنا وهاهنا, وإنكم إن لم تفعلوا - أي لم تعجلوا بالبلاء قبل نزوله - لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سدد أو قال: وفق. وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن مرسلا قال: رسول الله ﷺ : ((لا تستعجلوا بالبلية قبل / نزولها فائنكم إذا فعلتم ذلك لم يزل منكم من يوفق ويسدد, وإنكم إن استعجلتم بها قبل نزولها تفرقت بكم السبل هاهنا وهاهنا وأشار عن يمينه وشماله)). وقال مسروق: سألت أبي بن كعب عن شيء فقال: أكان بعد؟ قلت: لا. قال: فأجمنا حتى يكون, فإذا كان لك رأينا. وقال عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب محمد ﷺ ما منهم من أحد يحدث بحديث إلا ود أن أخاه كفاه إياه, ولا يستفتى عن شيء إلا ود أن أخاه كفاه الفتيا.

стр. 53

وفي رواية: يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترجع إلى الأول. قلت: ثم كثرت الوقائع والنازل وأفتى فيها مجتهدوا الصحابة والتابعين وأتباعهم, وحفظت فتاويهم وسطرت ودونت, ووصلت إلى من بعدهم من الفقهاء الأئمة ففرعوا عليها وقاسوا واجتهدوا في إلحاق غيرها بها, فتضاعفت مسائل الفقه وكثر الاختلاف. واختلاف الأئمة رحمة إذ نصوص القرآن والسنة تحتمل وجوها من التأويل, وطرق العربية ومجاريها واسعة, فلكل قول منها دليل. ولم يزل علم الفقه كريما يتوارثه الأئمة معتمدين على الأصلين الكتاب والسنة مستظهرين بأقوال السلف على ما فيهما من غير تقليد. قد نهى إمامنا الشافعي ﵀ عن تقليده وتقليد غيره على ما سنذكره في فصل بعد هذا. وكانت تلك الأزمنة مملوءة بالمجتهدين, وكل صنف على ما رأى, وتعقب بعضهم بعضا مستمدين من الأصلين الكتاب والسنة, وترجيح الراجح من أقوال السلف المختلفة. ولم يزل الأمر على ما / وصفت إلى أن استقرت المذاهب المدونة, ثم اشتهرت المذاهب الأربعة وهجر غيرها,

стр. 54

فقصرت همم أتباعهم إلا قليلا منهم, فقلدوا ولم ينظروا فيما نظر فيه المتقدمون من الاستنباط من الأصلين الكتاب والسنة, بل صارت أقوال أئمتهم بمنزلة الأصلين, فأخذوها مسلمة مفروغا منها, ففرعوا عليها, واستنبطوا منها, ولم يبق لهم نظر إلا فيها, وأعرضوا عن علوم الأصلين, فعدم المجتهدون, وغلب المقلدون, حتى صاروا ممن يروم رتبة الاجتهاد يعجبون, وله يزدرون, وكثر التعصب للمذاهب, وقلت النصفة وبانت المثالب, ودبت بينهم العقارب, فجرى من بعضهم في بعض العجائب والغرائب, وآل بهم التعصب إلى أن صار أحدهم إذا أورد عليه شيء من الكتاب والسنة الثابتة على خلاف مذهبه يجتهد في دفعه بكل سبيل من التأويل البعيد نصرة لقوله, وإعراضا عما يجب عليه الأخذ به, ولو كان ذلك وصل إلى إمامه الذي يقلده هذا المتعصب لقابله ذلك الإمام بالتعظيم والتبجيل, ولصار إليه إن لم يعارضه دليل. ثم تفاقم الأمر حتى صار كثير منهم لا يرون الاشتغال بعلوم القرآن والحديث, ويعيبون من يعتني بهما, ويرون أن ما هم عليه هو الذي ينبغي المواظبة عليه, وتقدمته بين يديه, من الاحتجاج للمذاهب بالآراء, وكثرة الجدال والمراء, فينقضي منهم المجلس بعد المجلس لا يسمع فيه آية تتلى, ولا حديث يروى, وإن اتفق ذكر شيء من ذلك لم يكن في المجلس من يعرف صحيحه من سقيمه, ولا إيراده على وجهه ولا فهم معناه. وغرض كل منهم

стр. 55

قمع خصمهم وإبطال حكمه, وعدم منهم / الإنصاف في مسائل الخلاف, ولا سيما لما وقفت عليهم الأوقاف. ثم نبغ قوم آخرون صارت عقيدتهم في الاشتغال بمسائل المذهب كعقيدة أولئك في الاشتغال بعلوم الأصلين, يرون أن أولى منه الاقتصار على نكت خلافية وضعوها, وأشكال منطقية ألفوها. بالمنطق اشتغلوا فقلت لجمعهم. . . إن البلاء موكل بالمنطق فاعرضوا عن تلك المحاسن, وسموا المشتغلين بعلم المذهب كوادن, وذلك من وساوس الشيطان, وعلامات الخذلان؛ فنعوذ بالله من هذا البلاء, وسوء القضاء, ومن تضييع الزمان في الجدال والمراء, ونسأله الثبات على التمسك بالآثار, والاعتماد على [صحيح] الأخبار, ويلحقنا بالسادة الأخيار, ويباعدنا من هؤلاء الجهال الأغبياء الأشرار.

стр. 56

وقوم آخرون قنعوا بزي المتفقهين, والصياح الجاري بين المتناظرين, وقالو: علام نتعب أنفسنا, وريع المدارس حاصل لنا. وما أظرف ما قال فيهم بعض الظرفاء, من المتأخرين الفضلاء: يا طالب العلم من كتاب. . . ومن حديث طلاب مسلم بدون هذا ترى فقيها. . . فوسع الثوب ثم عمم والبس من الشرب طيلسانا. . . واعقده في المنكبين واختم واقعد مع القوم في جدال. . . لا بالبخاري ولا بمسلم إلا صياحا ونفض كم. . . وقول لا لا وعقد لم لم فما أرى عندهم علوما. . . أكثر من لم ولا أسلم وفي "مسند البزاز" وغيره عن جبير بن نفير, عن عوف بن مالك الأشجعي قال: قال رسول الله ﷺ : ((تفترق أمتي على بضع وسبعين شعبة, فرقة أعظمها فتنة على أمي قوم يقيسون الأمور برأيهم فيحلون الحرام ويحرمون الحلال)).

стр. 57

وعن عقبة بن أوس, عن عبد الله بن عمرو قال: رسول الله ﷺ : ((لن يستكمل مؤمن إيمانه حتى يكون هواه تبعا لما / جئتكم به)). وقال عمر بن الخطاب وسهل بن حنيف ﵄: اتهموا الرأي على الدين. وفي رواية: اتقوا الرأي على دينكم. وقال عبد الله بن مسعود ﵁: يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فيهدم الإسلام. وقال عبد الله بن عمر ﵄: لا يزال الناس على الطريق ما اتبعوا الأثر.

стр. 58

وعن الشعبي من قوله, وقيل: رفعه إلى عمر بن الخطاب ﵁: إياكم وأصحاب الرأي فإنهم أعداء السنن, أعيتهم الأحاديث أن يحفظوها فقالوا بالرأي فضلوا وأضلوا. وقال الأوزاعي: عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس, وإياك ورأي الرجال وإن زخرفوه بالقول, فإن الأمر ينجلي وأنت منه على طريق مستقيم. وقال أيضا: إذا بلغك عن رسول الله ﷺ حديث فإياك أن تقول بغيره فإن رسول الله ﷺ كان مبلغا عن الله ﵎. وقال أيضا: العلم ما جاء عن أصحاب محمد ﷺ , وما لم يجيء عن أصحاب محمد ﷺ فليس بعلم - يعني ما لم يجيء أصله عنهم -.

стр. 59

وقال سفيان الثوري: إنما العلم كله العلم بالآثار. وقال ابن المبارك: ليكن الذي تعتمد عليه الأثر, وخذ من الرأي ما يفسر لك الحديث. وقال أحمد بن حنبل: سألت الشافعي عن القياس فقال عند الضرورات. وقال: كان أحسن أمر الشافعي عندي أنه كان إذا سمع الخبر لم يكن عنده قال به وترك قوله. قلت: وما أحسن قول القائل: تجنب ركوب الرأي فالرأي ريبة. . . عليك بآثار النبي محمد فمن يركب الآراء يعم عن الهدى. . . ومن يتبع الآثار يهد ويحمد

стр. 60

وقال الآخر: دين النبي محمد أنوار. . . نعم المطية للفتي أثار لا ترغبين عن الحديث وأهله. . . فالرأي ليل والحديث نهار ولبعض فضلاء المغاربة: أنظر بعين الهدى إن كنت ذا نظر. . . فإنما العلم مبنى على الأثر لا تر غير رسول الله متبعا. . . ما دمت تقدر في حكم على خبر / ومن شعر القاضي أبي الطيب طاهر بن عبد الله الطبري الشافعي ﵀: أقول بالأثر المروي متبعا. . . وبالقياس إذا لم أعرف الأثرا وما أبالي إذا ما العلم صاحبني. . . ثم التقى فيه أن لا أصحب البشرا

стр. 61

فصل لم أزل منذ فتح الله على الاشتغال بعلم الشريعة, وفهم ما ذكرت من الاتفاق والاختلاف ولالات الكتب والسنة, مهتما بجمع كتاب يجمع ذلك أو يقاربه, توفيقا من الله تعالى لمعاود الأمر الأول, وهو ما كان عليه الأئمة المتقدمون من استنباط الأحكام من الأصلين مستظهرين بأقوال السلف فيها طلبا لفهم معانيها, ثم يصار إلى الراجح منها بطريقة وددت لو كان كفاني ذلك غيري ممن هو في زمني, أو وجدت أحدا من أصحابنا فعله قبلي, بل دأب كل مصنف من أصحابنا ومن غيرهم التعصب لمذهبه وترجيح قول إمامه في كل ما أتى به, وكان الواجب على الجميع نظرهم بعين الإنصاف, في كل ما وقع فيه الاختلاف, والصيرورة إلى القول الراجح وهو الأقرب إلى ما دل عليه الأصلان الكتاب والسنة, فيزول الخلاف في كثير من المسائل, ولا يبقى منها إلا القليل على ما ستراه من السبيل إن شاء الله تعالى. وهذا الكتاب المشار إليه أرجوا أن أكون الممت فيه بامتثال أمر الله في قوله سبحانه: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾. قال الشافعي ﵀ في كتاب " الرسالة ": ((يعني - والله أعلم - إلى ما قال الله والرسول إن عرفتموه, وإن لم تعرفوه سألتم الرسول عنه. ومن تنازع من بعد رسول الله ﷺ رد الأمر إلى قضاء الله

стр. 62

ثم قضاء رسوله, فإن لم يكن فيما يتنازعون فيه قضاء فيهما ولا في واحد منهما ردوه قياسا على أحدهما)) قلت: ولم يختلف المفسرون فيما وقف عليه من كتبهم في أن معناها إلى كتاب الله وسنة رسوله, وتقدير ذلك: فردوه إلى قول الله تعالى وقول الرسول, فيجب رد جميع / ما اختلف فيه إلى ذلك, فما كان أقرب إليه اعتقد صحته وأخذ به؛ ولذلك قال عمر بن الخطاب ﵁: ((ردوا الجهالات إلى السنة)). وفي رواية: ((يرد الناس من الجهالات إلى السنة)). وهذه كانت طريقة العلماء الأعلام أئمة الدين كما سبق ذكره, وهي طريقة إمامنا أبي عبد الله الشافعي ﵏, فإنه تعقب على من تقدمه من العلماء بذلك السبب, ولهذا قال فيه أبو عبد الله أحمد بن حنبل ﵀: ما من أحد وضع الكتب حتى ظهرت أتبع للسنة من الشافعي.

стр. 63

ثم إن الشافعي ﵀ احتاط لنفسه وعلم أن البشر لا يخلو من السهو والغفلة وعدم الإحاطة, فصح عنه من غير وجه أنه أمر إذا وجد قوله على مخالفة الحديث الذي يصح الاحتجاج به أن يرد قوله ويؤخذ بالحديث. أنبأنا القاضي أبو القاسم, عمن أخبره الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسن البيهقي, أنبأنا أبو عبد الله الحافظ, ثنا أبو العباس بن يعقوب, قال: سمعت الربيع بن سليمان يقول: سمعت الشافعي يقول: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ﷺ , ودعوا ما قلت. قال البيهقي: ((وقد يثق - يعني الشافعي - ببعض من هو مختلف في عدالته على ما يؤدي إليه اجتهاده كما يفعله غيره, ثم لم يدع لرسول الله ﷺ سنة بلغته وثبتت عنده حتى قلدها, وما خفي عليه ثبوته علق به ــ يعني - على ثبوته, وما عسى لم يبلغه أوصى من بلغه باتباعه وترك خلافه, وذلك بين في كتبه وفيما ذكر من أقاويله. أخبرنا أبو عبد الله الحافظ, أنبأنا أبو زكريا العنبري, أنا أبو عبد الله محمد بن إبراهيم العبدي فيما ذكره من فضائل الشافعي ﵀ ومناقبه قال:

стр. 64

((ثم بلغ من حرصه - يعني من حرص الشافعي - على إفهام المسترشدين أني سمعت ربيعا يقول: قال الشافعي ﵀: " وددت أن الناس نظروا في هذه / الكتب ثم نحلوها غيري "؛ طلبا منه للنصيحة لهم, وأن قصده أنما كان من وضع الكتب وتسييرها في الناس أن يفهموها, ليدلهم البيان فيها على الأرجح من المذاهب التي هي أتبع للكتاب والسنة وما أشبه الكتاب والسنة, تبرأ إلى الله جل ذكره من حوله وقوته, غير ملتمس بها ذكرا ولا في الدنيا شرفا. قال: وهذه صحة النية, ومشكور الطوية, وما يحمد من الصالحين من الضمير والعزيمة)). قلت: وعلى هذا المعنى كان وضع الشافعي وغيره من الأئمة الكتب إرشادا للخلق إلى ما ظنه كل واحد منهم صوابا, لا على أنهم أرادوا تقليدهم ونصرة أقوالهم كيفما كانت, فقد صح أن الشافعي ﵀ نهى عن تقليده وتقليد غيره. قال صاحبه أبو إبراهيم المزني في أول " مختصره ": ((اختصرت هذا من علم الشافعي ومن معنى قوله لأقربه على من أراده مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره؛ لينظر فيه لدينه, ويحتاط لنفسه)). أي مع إعلامي من أراد علم الشافعي نهي الشافعي عن تقليده وتقليد غيره. هذا أحسن ما أول به هذا الكلام. وانظروا رحمكم الله إلى قوله: ((لينظر فيه لدينه, ويحتاط لنفسه)) أي ليسترشد بذلك إلى الحق.

стр. 65

قال صاحب " الحاوي " وهو القاضي أبو الحسن علي بن محمد بن حبيب الماوردي: ((وقوله: " ويحتاط لنفسه " أي ليطلب الاحتياط لنفسه بالاجتهاد في المذاهب, وترك التقليد بطلب الدلالة)). قلت: فعلى هذا كان السلف الصالح يتبعون الصواب حيث كان, ويجتهدون في طلبه وينهون عن التقليد. وقال أبو العباس أحمد بن أبي أحمد الطبري المعروف بابن القاص صاحب أبي العباس بن سريج في أول كتاب " التلخيص " له: ((ذكر المزني في كتابه المترجم بـ:" الجامع الكبير " في المتيمم إذا دخل في الصلاة, ثم رأى الماء أن الشافعي / نهى عن التقليد نصحا منه لكم, فله أجر صوابكم وهو بريء من خطئكم ﵁ وقبل منه نصحكم)). قال الشيخ أبو علي [السنجي] في كتاب " شرح التلخيص ": ((وإنما ذكر المزني هذا في هذه المسألة لأنها أول مسألة خالف الشافعي فيها في " جامعيه الصغير والكبير " حيث ذهب فيها إلى مذهب أهل الكوفة

стр. 66

أنه يخرج من صلاته ويتوضأ ويستأنف. فبسط العذر لنفسه في مخالفة الشافعي لأنه منعه من تقليده وتقليد غيره. قلت: فالمزني ﵀ امتثل أمر إمامه في النهي عن تقليده, فخالفه في هذه المسألة لما ظهر له من جهة النظر والرأي, فما الظن به لو وجد حديثا مصرحا بخلاف نصه, فهو إن شاء الله حينئذ كان أشد مبادرة إلى مخالفة نص إمامه, وإن كان في الحقيقة موافقا لا مخالفا لأنه قد أمر إذا وجد الحديث على خلاف قوله أن يترك قوله, فهو إنما ترك قوله بقوله فهو موافق ممتثل للأمر. وقد فعل هذا صاحبه أبو يعقوب البويطي ﵀ في مسألة التيمم إلى الكوعين فخالفه وصار إليه كما سيأتي. وإذا كشفت واعتنيت بهذا وكانت لك همة في التنقيب عنه وعناية بظهور الحق, وجدت جماعة من أهل العلم والتحقيق والمصنفين على مذهب الشافعي ﵏ قد نصروا مذهبه, وامتثلوا ما أمر به من مخالفة قوله لحديث يصح الاحتجاج به, وهذا مأمور به من جهة الشارع ولو لم يقله الشافعي. فذكر كل واحد منهم ما أمكنه مما وصل إليه علمه على قلة ذلك وعزته في كتبهم, وإنما يكثر ذلك في كتب المتضلعين من الحديث الباحثين عن فقهه ومعانيه, الذاكرين لأقوال العلماء ومذاهبهم من غير تقيد, كأبي بكر بن المنذر وأبي سليمان الخطابي وأبي بكر البيهقي وأبي عمر بن عبد البر وغيرهم ﵏. ونبه صاحب "التهذيب" من أصحابنا وهو أبو علي / الحسين بن مسعود البغوي على مواضع حسنة منها:

стр. 67

تصحيحه للقول القديم أن وقت المغرب يمتد إلى وقت مغيب الشفق فقال: وهو الصحيح لحديث بريدة أن النبي ﷺ صلاها في يومين في وقتين. ووافقه على ذلك إمام الحرمين أبو المعالي ابن الجويني في "مختصره" الذي اختصر فيه كتاب "النهاية", وإن لم يكن ما نذكره في نفس كتاب "النهاية", فقال في "المختصر": والظاهر عندنا القول الثاني - يعني القديم -, فقد صح أن رسول الله ﷺ صلى المغرب عند اشتباك النجوم قال: وفي نصرة هذا القول نصوص ولذلك اختاره الإمام أحمد, ولولا صحة الأخبار عنده لما رأى ذلك.

стр. 68

ونقل أيضا إمام الحرمين في باب التعزيز من كتاب "النهاية" عن صاحب "التقريب" كلاما حسنا في هذا المعنى وإن كان فيما استنبطه نظر فقال: ولما ذكر صاحب "التقريب" مقالات الأصحاب في التعزيزات ومبالغها روى عن أبي بردة بن نيار أن رسول الله ﷺ قال: ((لا يجلد فوق العشرة إلا في حد)). قال صاحب "التقريب": هذا خبر صحيح لو بلغ الشافعي لقال به. وقد صح من أقوال الشافعي ﵁ أن من يبلغه مذهبه عنه ويصح عنده خبر على خلافه فحق عليه أن يتبع الخبر ويعتقد أنه مذهب الشافعي, فإن كل ما أطلقه في المسائل مقيد باستثناء الخبر, وكأنه لا يقول قولا في واقعة إلا وهو مصرح بأن الأمر كذلك إن لم يصح خبر على خلافه عن رسول الله ﷺ . قلت: وهذا الحديث متفق عليه في "الصحيحين" ولكن له عندي تأويل وهو أن المراد به ضرب التأديب الصادر من غير الولاة؛ كضرب السيد عبده والزوج امرأته, والأب ولده, والمعلم / والمؤدب من تحت أيديهما من الصبيان المتعلمين.

стр. 69

وقوله ﷺ : ((إلا في حد)) يعني ما يضربه الولاة على الجرائم فإنها حدود شرعية أي موانع وزواجر. وهي مقسمة إلى حد مقدر كحد الزنا والقذف, وإلى [حد] غير مقدر وهي التعزيزات على الجرائم التي لا مقدر في حدها من جهة الشرع, وإنما هو موكول إلى اجتهاد ولاة الأمر يفعلون من ذلك ما هو الرادع الزاجر لصاحب تلك الجريمة مما هو لائق به, وذلك يختلف باختلاف الجرائم؛ فمنها كبائر كأكل الربا, ومال اليتيم, والغصب, والفرار من الزحف, وعقوق الوالدين, فكيف يسوى بين هذه وبين الصغائر في أن لا يبلغ بالجميع عشرة أسواط؟ فأي انزجار يحصل بذلك؟ لا سيما من الأراذل والسفل, وقد قال عمر بن الخطاب ﵁: ((إن الناس قد تتايعوا في شرب الخمر, واستقلوا الحد)) , هذا مع كونه أربعين جلدة لم يبالوا بها وانهمكوا على الشرب الذي هو متلف للأموال, ومذهب للعقول, وحامل على كثرة المعاصي, فكيف بمن تمرد وتمرن على عقوق الوالدين والسحر, وشرهت نفسه في جمع الأموال من الربا والغصب, أيزجر بتسعة أسواط مثلا, هذا مناف لحكمة شرعية الحدود والتعزيزات, فليس لهذا الحديث الصحيح محمل إلا ما ذكرته وهو معنى حسن جيد. والحمد لله على فهمه,

стр. 70

وسيأتي تقرير ذلك إن شاء الله تعالى في موضعه, وإنما قدمته هنا خوفا من اخترام المنية قبل الوصول إليه لأنه في أواخر الكتاب, واستطرد الكلام بنا إليه فذكرته, ولم يكن الغرض هنا إلا ذكر ما نقله إمام الحرمين عن صاحب "التقريب" في تقرير جواز مخالفة نصوص الشافعي المخالفة لما صح من الحديث وإن لم يكن هذا منها وبالله التوفيق. فصل: ثم إن المصنفين من أصحابنا المتصفين بالصفات المتقدمة من الاتكال على نصوص إمامهم, معتمدين عليها اعتماد الأئمة قبلهم على الأصلين الكتاب والسنة, قد وقع في مصنفاتهم خلل كثير من وجهين عظيمين: الأول أنهم يختلفون كثيرا فيما ينقلون من نصوص الشافعي ﵀, وفيما يصححونه منها ويختارونه, وما ينسبونه إلى القديم والجديد ولا سيما المتأخرين منهم, وصارت لهم طرق مختلفة خراسانية وعراقية, فترى هؤلاء ينقلون عن إمامهم خلاف ما ينقله هؤلاء, والمرجع في هذا كله إلى إمام واحد, وكتبه مدونة مروية موجودة, أفلا كانوا يرجعون إليها, وينقون تصانيفهم من كثرة اختلافهم عليها. وأجود تصانيف أصحابنا من الكتب الكبار فيما يتعلق بصحة نقل نصوص الشافعي ﵀ هو كتاب "التقريب" , أثنى عليه بذلك أخبر

стр. 71

المتأخرين بنصوص الشافعي وهو الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀, ذكر ذلك في رسالة له كتبها إلى الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين ناصحا له فيها, ومنكرا عليه ما وقف عليه من تصنيف له في الفقه شرع فيه وسماه "المحيط" فقال فيها: ((وكنت أنظر في كتب بعض أصحابنا حكايات من حكى منهم عن الشافعي ﵁ نصا, وأبصر اختلافهم فيه بعضها, فيضيق قلبي بالاختلاف, مع كراهية الحكاية من غير ثبت, فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني ﵀ على ترتيب "المختصر". ثم نظرت في كتاب "التقريب", وكتاب "جمع الجواميع", و "عيون المسائل", وغيرها فلم

стр. 72

أر أحدا منهم فيما حكاه أوثق من صاحب "التقريب", رحمنا الله وإياه, وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكاية لألفاظ الشافعي ﵀ منه في أكثرها وذهاب بعضها في عصرنا - عن حكاية ألفاظ لا بد لنا من معرفتها لئلا نجتريء على تخطئة المزني في بعض ما نخطئه فيه, وهو عندي بريء, ولنتخلص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا)) وقال البيهقي في موضع آخر: ((وجدت في بعض ما نقل من كتب الشافعي وحول منها إلى غيره خللا في النقل, وعدولا عن الصحة بالتحويل, فرددت مبسوط كتبه القديمة والجديدة إلى ترتيب "المختصر"؛ ليتبين لمن تفكر في مسائله من أهل الفقه ما وقع فيه من التحريف والتبديل, ويظهر لمن نظر في أخباره من أهل العلم بالحديث ما وقع فيه الخلل بالتقصير في النقل)).

стр. 73

قلت: فلا بد لنا إن شاء الله من إيضاح الحق فيما اختلفوا فيه إن قدرت على ذلك في هذا الكتاب, وإلا أوردت اختلافهم على وجهه, ونسبت كلا إلى قائله في كتابه. وإذا كان هذا الخلل قد وقع منهم في نقل نصوص إمامهم فما الظن بما ينقلونه من نصوص باقي المذاهب؟ فترى في كتبهم من ذلك أشياء ينكرها أصحاب تلك المذاهب, وكأن الخلل إنما جاءهم من تقليد بعضهم بعضا فيما ينقله من مذهب غيره أو من نص إمامه, ويكون الأول قد غلظ فيتبعه من بعده, والغلط جائز على كل أحد إلا من عصمه الله تعالى, ولكن لو أن كل من ينقل عن أحد مذهبا أو قولا راجع في ذلك كتابه إن كان له منصف أو كتب أهل مذهبه كما نفعله نحن إن شاء الله في هذا الكتاب, لقل ذلك الخلل, وزال أكثر الوهم وبطل, والله الموفق. الوجه الثاني: ما فعلونه في الأحاديث النبوية والآثار المروية من كثرة استدلاهم بالأحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه نصرة لقولهم, ومن تغيير لفظ ما صح منها / والزيادة فيه والنقص منه لقلة خبرتهم بذلك وما أكثره في كتب أبي المعالي وصاحبه أبي حامد نحو: ((إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا))

стр. 74

ومن العجيب ما ذكره صاحب "المهذب" في أول باب إزالة النجاسة قال: ((وأما الغائط فهو نجس لقوله ﷺ لعمار: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمنى والدم والقيء". ثم ذكر بعد ذلك طهارة منى الآدمي ولم يتعرض للجواب عن هذا الحديث الذي هو حجة خصمه, ولم يكن له حاجة إلى ذكره أصلا فإن الغائط لا ضرورة إلى الاستدلال على نجاسته بهذا الحديث الضعيف المنتهض حجة عليه في أمر آخر والله الموفق. ومن قبيح ما يأتي به بعضهم تضعيفهم لخبر يحتج به بعض مخالفيهم, ثم يحتاجون هم إلى الاحتجاج بذلك الخبر بعينه في مسألة أخرى, فيوردونه معرضين عما كانوا ضعفوه به, ففي كتابي "الحاوي" و "الشامل" وغيرهما من ذلك شيء كثير. هذا وهم مقلدون لإمامهم الشافعي ﵀, فهلا اتبعوا طريقته في ترك الاحتجاج بالضعيف, وتعقبه على من احتج بذلك, وتبيين ضعفه.

стр. 75

ثم إن من مذهبه ﵀ ترك الاحتجاج بالمراسيل إلا بشروط سنذكرها في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى. ولو ذكر سند الحديث وعرفت عدالة رجاله إلى التابعي وسقط من السند ذكر الصحابي كان مرسلا, ويورد هؤلاء المصنفون هذه الأحاديث محتجين بها بلا إسناد أصلا, فيقولون: قال رسول الله ﷺ , وروي عن رسول الله ﷺ , ويظنون أن ذلك حجة, وإمامهم ﵁ يرى أنه لو سقط من السند الصحابي وحده لم يكن حجة, وكذا لو سقط غير الصحابي من السند, فليتهم إذ عجزوا عن أسانيد الحديث ومعرفة رجالها عزوها إلى الكتب التي أخذوها منها, ولتكن من كتب الحديث المعتمد عليها, ولكنهم لم يأخذوا تلك الأحاديث إلا من كتب من سبقهم من مشايخهم ممن هو على مثل حالهم, فبعضهم يأخذها من بعض / فيقع التغيير والزيادة والنقصان فيما صح أصله, ويختلط الصحيح بالسقيم, وهذا كله غير مستقيم, بل الواجب في الستدلال على الأحكام, وبيان الحلال والحرام, أن من يستدل بحديث يذكر سنده ويتكلم عليه بما يجوز الاستدلال به, أو يعزوه إلى كتاب مشهور من كتب أهل الحديث المتعمدة, فيرجع من يطلب صحة ذلك الحديث وسقمه إلى ذلك الكتاب وينظر في سنده, وما قال ذلك المصنف أو غيره فيه. وما أحسن ما قال الحافظ البيهقي للشيخ أبي محمد الجويني في "رسالته" التي كتبها إليه ونصحه فيها قال: ((وكنت أسمع رغبة الشيخ-أدام الله أيامه-في سماع الحديث والنظر في كتب أهله, فأسكن إليه, واشكر الله تعالى عليه, وأقول في نفسي ثم فيما
следующие страницы →