← Усуль аль-фикх

Усуль аль-фикх · id 14447

خطبة الكتاب المؤمل للرد إلى الأمر الأول

أبو شامة المقدسي

Полный текст (132 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

المتأخرين بنصوص الشافعي وهو الإمام الحافظ أبو بكر البيهقي ﵀, ذكر ذلك في رسالة له كتبها إلى الشيخ أبي محمد عبد الله بن يوسف الجويني والد إمام الحرمين ناصحا له فيها, ومنكرا عليه ما وقف عليه من تصنيف له في الفقه شرع فيه وسماه "المحيط" فقال فيها: ((وكنت أنظر في كتب بعض أصحابنا حكايات من حكى منهم عن الشافعي ﵁ نصا, وأبصر اختلافهم فيه بعضها, فيضيق قلبي بالاختلاف, مع كراهية الحكاية من غير ثبت, فحملني ذلك على نقل مبسوط ما اختصره المزني ﵀ على ترتيب "المختصر". ثم نظرت في كتاب "التقريب", وكتاب "جمع الجواميع", و "عيون المسائل", وغيرها فلم

стр. 72

أر أحدا منهم فيما حكاه أوثق من صاحب "التقريب", رحمنا الله وإياه, وهو في النصف الأول من كتابه أكثر حكاية لألفاظ الشافعي ﵀ منه في أكثرها وذهاب بعضها في عصرنا - عن حكاية ألفاظ لا بد لنا من معرفتها لئلا نجتريء على تخطئة المزني في بعض ما نخطئه فيه, وهو عندي بريء, ولنتخلص بها عن كثير من تخريجات أصحابنا)) وقال البيهقي في موضع آخر: ((وجدت في بعض ما نقل من كتب الشافعي وحول منها إلى غيره خللا في النقل, وعدولا عن الصحة بالتحويل, فرددت مبسوط كتبه القديمة والجديدة إلى ترتيب "المختصر"؛ ليتبين لمن تفكر في مسائله من أهل الفقه ما وقع فيه من التحريف والتبديل, ويظهر لمن نظر في أخباره من أهل العلم بالحديث ما وقع فيه الخلل بالتقصير في النقل)).

стр. 73

قلت: فلا بد لنا إن شاء الله من إيضاح الحق فيما اختلفوا فيه إن قدرت على ذلك في هذا الكتاب, وإلا أوردت اختلافهم على وجهه, ونسبت كلا إلى قائله في كتابه. وإذا كان هذا الخلل قد وقع منهم في نقل نصوص إمامهم فما الظن بما ينقلونه من نصوص باقي المذاهب؟ فترى في كتبهم من ذلك أشياء ينكرها أصحاب تلك المذاهب, وكأن الخلل إنما جاءهم من تقليد بعضهم بعضا فيما ينقله من مذهب غيره أو من نص إمامه, ويكون الأول قد غلظ فيتبعه من بعده, والغلط جائز على كل أحد إلا من عصمه الله تعالى, ولكن لو أن كل من ينقل عن أحد مذهبا أو قولا راجع في ذلك كتابه إن كان له منصف أو كتب أهل مذهبه كما نفعله نحن إن شاء الله في هذا الكتاب, لقل ذلك الخلل, وزال أكثر الوهم وبطل, والله الموفق. الوجه الثاني: ما فعلونه في الأحاديث النبوية والآثار المروية من كثرة استدلاهم بالأحاديث الضعيفة على ما يذهبون إليه نصرة لقولهم, ومن تغيير لفظ ما صح منها / والزيادة فيه والنقص منه لقلة خبرتهم بذلك وما أكثره في كتب أبي المعالي وصاحبه أبي حامد نحو: ((إذا اختلف المتبايعان تحالفا وترادا))

стр. 74

ومن العجيب ما ذكره صاحب "المهذب" في أول باب إزالة النجاسة قال: ((وأما الغائط فهو نجس لقوله ﷺ لعمار: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمنى والدم والقيء". ثم ذكر بعد ذلك طهارة منى الآدمي ولم يتعرض للجواب عن هذا الحديث الذي هو حجة خصمه, ولم يكن له حاجة إلى ذكره أصلا فإن الغائط لا ضرورة إلى الاستدلال على نجاسته بهذا الحديث الضعيف المنتهض حجة عليه في أمر آخر والله الموفق. ومن قبيح ما يأتي به بعضهم تضعيفهم لخبر يحتج به بعض مخالفيهم, ثم يحتاجون هم إلى الاحتجاج بذلك الخبر بعينه في مسألة أخرى, فيوردونه معرضين عما كانوا ضعفوه به, ففي كتابي "الحاوي" و "الشامل" وغيرهما من ذلك شيء كثير. هذا وهم مقلدون لإمامهم الشافعي ﵀, فهلا اتبعوا طريقته في ترك الاحتجاج بالضعيف, وتعقبه على من احتج بذلك, وتبيين ضعفه.

стр. 75

ثم إن من مذهبه ﵀ ترك الاحتجاج بالمراسيل إلا بشروط سنذكرها في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى. ولو ذكر سند الحديث وعرفت عدالة رجاله إلى التابعي وسقط من السند ذكر الصحابي كان مرسلا, ويورد هؤلاء المصنفون هذه الأحاديث محتجين بها بلا إسناد أصلا, فيقولون: قال رسول الله ﷺ , وروي عن رسول الله ﷺ , ويظنون أن ذلك حجة, وإمامهم ﵁ يرى أنه لو سقط من السند الصحابي وحده لم يكن حجة, وكذا لو سقط غير الصحابي من السند, فليتهم إذ عجزوا عن أسانيد الحديث ومعرفة رجالها عزوها إلى الكتب التي أخذوها منها, ولتكن من كتب الحديث المعتمد عليها, ولكنهم لم يأخذوا تلك الأحاديث إلا من كتب من سبقهم من مشايخهم ممن هو على مثل حالهم, فبعضهم يأخذها من بعض / فيقع التغيير والزيادة والنقصان فيما صح أصله, ويختلط الصحيح بالسقيم, وهذا كله غير مستقيم, بل الواجب في الستدلال على الأحكام, وبيان الحلال والحرام, أن من يستدل بحديث يذكر سنده ويتكلم عليه بما يجوز الاستدلال به, أو يعزوه إلى كتاب مشهور من كتب أهل الحديث المتعمدة, فيرجع من يطلب صحة ذلك الحديث وسقمه إلى ذلك الكتاب وينظر في سنده, وما قال ذلك المصنف أو غيره فيه. وما أحسن ما قال الحافظ البيهقي للشيخ أبي محمد الجويني في "رسالته" التي كتبها إليه ونصحه فيها قال: ((وكنت أسمع رغبة الشيخ-أدام الله أيامه-في سماع الحديث والنظر في كتب أهله, فأسكن إليه, واشكر الله تعالى عليه, وأقول في نفسي ثم فيما

стр. 76

بين الناس: قد جاء الله بمن يرغب في الحديث ويرغب فيه من بين الفقهاء, ويميز فيما يرويه ويحتج به الصحيح من السقيم من جملة العلماء, وأرجو من الله سبحانه أن يحي به سنة إمامنا المطلبي في قبول الآثار, حيث أماتها أكثر فقهاء الأمصار, بعد من مضى من الأئمة الكبار, الذين جمعوا بين نوعي علم الفقه والأخبار. ثم لم يرض بعضهم بالجهل به حتى رأيته حمل على العالم به, والوقوع فيه, والإزراء به, والضحك منه, وهو مع هذا يعظم صاحب مذهبه ويجله, ويزعم أنه لا يفارق في منصوصاته قوله, ثم يدعي في كيفية قبول الحديث ورده طريقته, ولا يسلك فيها سيرته, لقلة معرفته بما عرف, هلا نظر في كتبه ثم اعتبر باحتياطه في انتقاده لرواة خبره, واعتماده فيمن اشتبه عليه حاله على رواية غيره, فيرى سلوك مذهبه مع دلالة العقل والسمع واجبا على كل من انتصب للفتيا, فإما أن يجتهد في تعلمه, أو يسكت عن الوقوع فيمن يعلمه. فلا يجتمع / عليه وزران, حيث فاته الأجران, والله المستعان)). وقال قبل ذلك: ((قد علم الشيخ اشتغالي بالحديث واجتهادي في طلبه, ومعظم مقصودي منه في الابتداء التمييز بين ما يصح الاحتجاج به من الأخبار وبين ما لا يصح,

стр. 77

حين رأيت المحدثين من أصحابنا يرسلونها في المسائل على ما يحضرهم من ألفاظها, من غير تمييز منهم بين صحيحها وسقيمها. ثم إذا احتج عليهم بعض مخالفيهم بحديث يشق عليهم تأويله أخذوا في تعليله بما وجدوه في كتب المتقدمين من أصحابنا تقليدا, ولو عرفوه معرفتهم لميزوا به صحيح ما يوافق أقوالهم من سقيمه, ولأمسكوا عن كثير مما يحتجون به وإن كان يطابق آراءهم, ولاقتدوا في ترك الاحتجاج برواية الضعفاء والمجهولين بإمامهم, وما رد من الأخبار لضعف رواته وانقطاع إسناده كثير)) قلت: وقد يسر الله تعالى - وله الحمد - الوقوف على ما ثبت من الأحاديث وتجنب ما ضعف منها بما جمعه علماء الحديث في كتبهم من الجوامع والمساند. فالجوامع: هي المرتبة على الأبواب من الفقه والرقائق والمناقب وغير ذلك؛ فمنها ما اشترط فيه الصحة أي لا يذكر فيه إلا حديث صحيح شرط مصنفه, كـ: "كتابي البخاري ومسلم" وما ألحق بهما واستدرك عليهما, وكـ: "صحيح إمام الأئمة محمد بن إسحاق بن خزيمة", و"كتاب أبي عيسى الترمذي", وهو كتاب جليل مبين فيه الحديث الصحيح والحسن

стр. 78

والغريب والضعيف, وفيه عن الأئمة فقه كثير, ثم "سنن" أبي داود والنسائي وابن ماجه وغيرهم, ممن هو في زمن هؤلاء المذكورين وفي طبقتهم, ففي ذلك العصر أكثر من تدوين كتب الحديث وجمعت ونقحت وميزت. ومن بعدهم "سنن أبي الحسن الداراقطني", و"التقاسيم" لأبي حاتم بن حبان, وغيرهما. ثم ما / رتبه وجمعه الحافظ الفقيه أبو بكر البيهقي في "سننه الكبير", و"الأوسط", و"الصغير" التي أتى بها على ترتيب "مختصر المزني", وقربها إلى الفقهاء بجهده. فلا عذر لهم ولا سيما الشافعية منهم في تجنب الاشتغال بهذه الكتب أو ببعضها. وكثر النظر فيها وسماعها, والبحث عن فقهها ومعانيها, ومطالعة الكتب النفيسة المصنفة في شروحها وغريبها, بل أفنوا زمانهم وعمرهم في النظر في أقوال من سبقهم من متأخري الفقهاء, وتركوا النظر في نصوص نبيهم المعصوم من الخطأ ﷺ , وآثار الصحابة الذين شهدوا الوحي وعاينوا المصطفى, وفهموا أنفاس الشريعة؛ فلا جرم حرم هؤلاء رتبة الاجتهاد, وبقوا مقلدين على الآباد. وقد كانت العلماء في الصدر الأول معذورين في ترك ما لم يفقهوا عليه من الحديث؛ لأن الأحاديث لم تكن حينئذ فيما بينهم مدونة, إنما كانت تتلقى من أفواه الرجال وهم متفرقون في البلدان, ولو كان الشافعي ﵀ وجد في

стр. 79

زمانه كتابا في أحكام السنن أكبر من "الموطأ" لحفظه مضافا إلى ما تلقاه من أفواه مشايخه, فلهذا كان الشافعي بالعراق يقول لأحمد بن حنبل رحمهما الله: أعلموني بالحديث الصحيح أصر إليه. وفي رواية: إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فقولوا حتى أذهب إليه. ثم قد زال العذر ولله الحمد بجمع الحفاظ الأحاديث المحتج بها في كتب, نوعوها وقسموها, وسهلوا الطريق إليها فبوبوها وترجموها, وبينوا ضعف كثير منها وصحته, وتكلموا في عدالة الرجال وجرح المجروح منهم, وفي علل الحديث, ولم يدعوا لمشتغل شيئا يتعلل به, وفسر القرآن والحديث, وتكلم على غريبهما وفقههما, وكل ما يتعلق / بهما, في مصنفات عديدة جليلة, فالآلات متهيئة لذي طلب صادق وهمة ذكاء وفطنة. وأئمة الحديث المعتبرون هم القدوة في فنهم, فوجب الرجوع إليهم في ذلك, وعرض آراء الفقهاء على السنن والآثار الصحيحة, فما ساعده الأثر فهو المعتبر وإلا فلا. ولا نبطل الخبر بالرأي بل نضعفه إن كان على اختلاف وجوه الضعف من علل الحديث المعروفة عند أهله, أو باجماع الكافة على خلافه, وقد يظهر ضعف الحديث وقد يخفى. وأقرب ما يؤمر به في ذلك أنك متى رأيت حديثا

стр. 80

خارجا عن دواوين الإسلام كـ:"الموطأ" و"مسند أحمد" و"الصحيحين" و"سنن" أبي داود والترمذي والنسائي ونحوها مما تقدم ذكره ومما لم نذكره, فانظر فيه فإن كان له نظير في الصحاح أو الحسان قرب أمره, وإن رأيته يباين الأصول وارتبت به فتأمل رجاله إسناده, واعتبر أحوالهم من الكتب المصنفة في ذلك, وأصعب الأحوال أن يكون رجال الإسناد كلهم ثقات ويكون متن الحديث موضوعا عليهم أو مقلوبا أو قد جرى فيه تدليس, ولا يعرف هذا إلا النقاد من علماء الحديث, فإن كنت من أهله وإلا سل عنه أهله. قال الأوزاعي: كنا نسمع الحديث فنعرضه على أصحابنا كما نعرض الدرهم الزائف, فما عرفوا منه أخذنا, وما أنكروا تركنا. قلت: وكذلك المسائل الفقهية المبنية على دلالات اللغة ومقتضيات الألفاظ يرجع فيها إلى أقوال أهل اللغة وصناعة العربية, وكل ذلك قد حرره أهله وحققوه. فالتوصل إلى الاجتهاد بعد جمع السنن في الكتب المعتمدة - إذا زرق الانسان الحفظ والفهم ومعرفة اللسان - أسهل منه قبل ذلك [لولا قلة همم

стр. 81

المتأخرين, وبعدهم عن المتبحرين]. ومن أكبر أسبابه / تعصبهم وتقيدهم برفق الوقوف, وجهل أكثر المصدرين منهم على ما هو المعروف, الذي هو منكر مألوف. فصل: فإذا ظهر هذا وتقرر تبين أن التعصب لمذهب الإمام المقلد ليس هو باتباع أقواله كلها كيفما كانت, بل بالجمع بينهما وبين ما ثبت من الأخبار والآثار, ويكون الخبر هو المتبع, ويؤول كلام ذلك الإمام تنزيلا له الخبر. والأمر عند المقلدين أو أكثرهم بخلاف هذا إنما هم يؤولون الخبر تنزيلا له على نص إمامهم. ثم الشافعين كانوا أولى بما ذكرناه لنص إمامهم ﵁ على ترك قوله إذا ظفر بحديث ثابت عن رسول الله ﷺ على خلافه, فالتعصب له على الحقيقة إنما هو امتثال أمره في ذلك, وسلوك طريقته في قبول الأخبار, والبحث عنها والتفقه فيها, وقد نقلت - والحمد لله - ما روي عنه من وصيته بذلك في ترجمته في "تاريخ دمشق". قال الربيع: قال الشافعي: قد أعطيتك جملة تغنيك إن شاء الله: لا تدع لرسول الله صلى الله حديثا أبدا إلا أن يأتي عن رسول الله ﷺ خلافه, فتعمل بما قلت لك في الأحاديث إذا اختلفت.

стр. 82

وسيأتي ذلك في مقدمة الأصول إن شاء الله تعالى. وفي رواية: إذا وجدتم عن رسول الله ﷺ سنة خلاف قولي فخذوا السنة ودعوا قولي فإني أقول بها. وفي رواية: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله ﷺ فقولوا بسنة رسول الله ودعوا ما ما قلت. وفي رواية: كل مسألة تكلمت فيها صح الخبر فيها عن النبي ﷺ عند أهل النقل بخلاف ما قلت فأنا راجع عنها في حياتي وبعد موتي. قال: وسمعت الشافعي يقول - وروي حديثا - فقال له رجل: تأخذ بهذا يا أبا عبد الله؟ فقال: متى رويت عن رسول الله صلى الله حديثا صحيحا فلم آخذ به فأشهدكم أن عقلي قد ذه, وأشار بيده على رؤوسهم.

стр. 83

وقال حرملة: قال الشافعي: كل ما قلت / وكان عن النبي ﷺ خلاف قولي مما يصح فحديث النبي ﷺ أولى ولا تقلدوني. وفي " كتاب ابن أبي حاتم" عن أبي ثور قال: سمعت الشافعي يقول: كل حديث عن النبي ﷺ فهو قولي وإن لم تسمعوه مني. وفيه عن الحسين - هو الكرابيسي- قال: قال الشافعي: إن أصبتم الحجة في الطريق مطروحة فاحكوها عني فإني قائل بها. وقال الربيع: سمعت الشافعي يقول: ما من أحد إلا وتذهب عليه سنة لرسول الله ﷺ وتعزب عنه, فمهما قلت من قول أو أصلت من أصل فيه عن رسول الله خلاف ما قلت فالقول ما قال رسول الله ﷺ , وهو قولي. قال: وجعل يردد هذا الكلام.

стр. 84

قال: وقال الشافعي: من تبع سنة رسول الله ﷺ وافقته, ومن غلظ فتركها خالفته, صاحبي اللازم الذي لا أفارقه الثابت عن رسول الله ﷺ وإن بعد, والذي أفارق من لم يقل بسنة رسول الله ﷺ وإن قرب. وقال الزعفراني: كنا ولو قيل لنا: سفيان, عن منصور, عن إبراهيم, عن علقمة, عن عبد الله يعني عن النبي ﷺ , قلنا: هذا مأخوذ وهذا غير مأخوذ, حتى قدم علينا الشافعي فقال لنا: ما هذا؟ إذا صح الحديث عن رسول الله ﷺ فهو مأخوذ به لا يترك لقول غيره. [قال]: فنبهنا لشيء لم نعرفه - يعني نبهنا على هذا المعنى-. وقال أبو بكر الأثرم: كنا عند البويطي فذكرت حديث عمار في التميم, فأخذ السكين وحته من كتابه, وصيره ضربة. وقال: هكذا أوصانا صاحبنا: إذا صح عندكم الخبر فهو قولي أو كما قال هذا معناه. قلت: هذا من البويطي فعل حسن موافق للسنة ولما أمر به إمامه ﵀, وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه في باب التيمم إن شاء الله تعالى. وأما الذين يظهرون التعصب لأقوال الشافعي / كيفما كانت وإن جاءت سنة بخلافها فليسو متعصبين في الحقيقة؛ لأنهم لم يمتثلوا ما أمر به إمامهم, بل دأبهم وديدنهم إذا أورد عليهم حديث صحيح - هو مذهب إمامهم, لو وقف

стр. 85

عليه لقال به - أن يحتالوا في دفعه بما لا ينفعهم, لما نقل عن إمامهم من قول قد أمر بتركه عند وجدان ما يخالفه من السنة, هذا مع كونهم عاصين بذلك لمخالفتهم ظاهر كتاب الله وسنة رسوله على ما سنبنيه إن شاء الله تعالى في فصل كيفية اتباع الكتاب والسنة من كلام الشافعي ﵀ وغيره في مقدمة الأصول السابق ذكرها. وروي الشافعي وأحمد بن حنبل وأبو بكر الحميدي وغيرهم عن ابن عيينة. قال الشافعي: أنا سفيان بن عيينة, أبنا سالم أبو النضر, أنه سمع عبيد الله ابن أبي رافع يخبر عن أبيه قال: رسول الله ﷺ : ((لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه, فيقول: لا أدري, ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)). قال الحميدي: إذ نهي رسول الله ﷺ من ترك ما جاء عنه مما لم يكن في كتاب الله كانت الحجة على من ترك ذلك لرأي نفسه أو كد, وله ألزم, وكان عن طريق الحق أجور.

стр. 86

قلت: فكيف حال من يترك ذلك لأنه لا يجده في كتب المتأخرين المقلدين, أو يجد فيها خلافه. والعجب أن منهم من يستجيز مخالفة نص الشافعي لنص له آخر في مسألة أخرى بخلافه, عسر عليهم الفرق بينهما فيصنعون فيهما شيئا يسمونه النقل والتخريج, فيخالفون نصه في المسألتين لأنهم ينقلون جوابه من كل مسألة منها إلى الأخرى, ثم لا يرون مخالفة نصه لأجل نص رسول الله ﷺ , مع أنه قد صح عن الشافعي أنه أذن لهم فيما لعلهم يتركونه من ذلك, / وليسو يقدرون أن يروا عنه أنه أذن لهم فيما فعلوه من النقل والتخريج, ولعله ﵀ كان عنده بين المسألتين فرق لم يطلعهم [الله] عليه, فمالهم يقولونه في [كل] مسألة منهما قولا لم يقله حتى كثرت الأقوال في المذهب والتخريجات, وكثرت في ذلك المناظرات, ولم يقولوه ما دل عليه قول رسول الله ﷺ مع أنه قال لهم: ((القول ما قال رسول الله ﷺ وهو قولي)) , على ما تقدم نقله عنه ﵁. وقد قال البويطي: سمعت الشافعي يقول: لقد ألفت هذه الكتب ولم آل فيها, ولا بد أن يوجد فيها الخطأ لأن الله تعالى يقول: ﴿ولو كان من عند غير

стр. 87

الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا﴾ , فما وجدتم في كتبي هذه مما يخالف الكتاب والسنة فقد رجعت عنه. وقال إبراهيم بن المنذر الحزامي: ثنا معن بن عيسى القزاز, قال: سمعت مالكا يقول: إنما أنا بشر أخطئ وأصيب, فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوا به, وما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه. قلت: فهذا الإمام مالك بن أنس ﵀ قد سبق إمامنا الشافعي بهذا الكلام وهو الحق, وذلك الظن بجميع الأئمة وإن لم ينقل عنهم. وقد نقل عن أبي حنيفة ﵀ معنى ذلك. قال نعيم بن حماد: سمعت أبا عصمة يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: ما جاء عن رسول الله ﷺ فعلى الرأس والعينين, وما جاء عن أصحابه اخترنا, وما كان غير ذلك فنحن رجال وهم رجال.

стр. 88

وفي رواية: قال نعيم: سمعت ابن المبارك يقول: سمعت أبا حنيفة يقول: إذا جاء عن النبي صلى الله فعلى الرأس والعين, وإذا جاء أصحاب النبي ﷺ نختار من قولهم, وإذا جاء عن التابعين زاحمناهم. وفي رواية أخرى: قال: آخذ بكتاب الله / فإن لم أجد فبسنة رسول الله ﷺ , فإن لم أجد في كتاب الله ولا سنة رسول الله أخذت بقول أصحابه, آخذ بقول من شئت منهم وأدع قول من شئت منهم, ولا أخرج من قولهم إلى قول غيرهم, فأما إذا انتهى الأمر إلى إبراهيم [النخعي] والشعبي وابن سيرين والحسن وعطاء وسعيد بن المسيب وعدد رجالا من التابعين, فقوم اجتهدوا فاجتهدوا. قلت: وليس يعني ﵀ اختيار شهوة بل اختيار نظر واستدلال وقياس واعتبار على ما دل عليه الكتاب والسنة. وفرق بين الصحابة والتابعين

стр. 89

فجوز أن يذهب إلى ما لم ينقل عن واحد منهم في مسألة اختلفوا فيها عن اجتهاد ولا نص فيها, ولم يرد إذا أجمعوا على قول واحد فإن الإجماع حجة في التابعين كما هو في الصحابة على المذهب الصحيح. وقال سفيان الثوري لما بلغه ذلك عن أبي حنيفة: نتهم رأينا كرأيهم. وكأنه ﵀ سوى بين التابعين والصحابة في أنهم إذا أجمعوا في مسألة على قولين مثلا لم يجز لمن بعدهم إحداث قول ثالث, وجوز أبو حنيفة ذلك, وهي مسألة مختلف فيها بين الأصوليين وفيها تفصيل سنذكره إن شاء الله تعالى, وأما ما أجمع الصحابة عليه فلا كلام في أنه لا تجوز مخالفته. فقد وضح لك من أقوال الأئمة أنه متى جاء عن رسول الله ﷺ حديث ثابت فواجب المصير إلى ما دل عليه ظاهره, ما لم يعارضه دليل آخر على ما سيأتي تحقيقه, وهذا هو الذي لا يسع أحدا غيره. قال الله تعالى: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت / ويسلموا تسليما﴾ , فنفي الإيمان عمن لم يحكم رسوله ﷺ فيما وقع التنازع فيه ولم يسلم لقضائه. وقال : ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ فضمن الهِداية في طاعة رسوله ﷺ ولم يضمنها في طاعة غيره.

стр. 90

وقال: ﴿ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزا عظيما﴾. وأوعد على مخالفته فقال: ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم﴾. وقال: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا﴾. قال يونس بن عبد الأعلى: ثنا سفيان بن عيينة, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد قال: ليس من أحد إلا يؤخذ من قوله ويترك إلا النبي ﷺ . وروي أيضا عن مجاهد بإسناد آخر, وروي معناه عن الشعبي, وكذلك روى شعبة, عن الحكم بن عتيبة, وروي أيضا عن مالك بن أنس وقال: إلا صاحب هذا القبر, وأشار إلى قبر النبي ﷺ .

стр. 91

فصل كان العلماء من قدماء أصحابنا يعتنون بـ: " مختصر المزني " ﵀ حفظا وشرحا, وبسببه سهل تحصيل مذهب الشافعي ﵀ على طلابه في ذلك الزمان, وسمعه من المزني خلق عظيم من الغرباء, ورحل إليه بسببه, وامتلأت بنسخه البلدان حتى إنه بلغني أن المرأة كانت إذا جهزت للدخول على زوجها حمل في جهازها مصحف ونسخة من " مختصر المزني ", فاشتهروا اشتهارا عظيما, وانتفع به أئمة أكابر, وتخرج به المشايخ, وتفقه به معظم الأصحاب. ويروى عن المزني ﵀ أنه قال: بقيت في تصنيف هذا " المختصر " ست عشرة سنة, وما صليت الله تعالى في طول هذه المدة فريضة ولا نافلة إلا سألت الله البركة لمن تعلمه ونظر في وجاء عن أبي العباس بن سريج رحمه الله تعالى أنه كان يقول في " المختصر ": لصيق فؤادي مذ ثلاثون حجة. . . وصيقل ذهني والمفرج عن همي عزيز على مثلي إضاعة مثله. . . لما فيه من نسج بديع ومن نظم جموع لأنواع العلوم بأسرها. . . وآيته أن لا يفارقه كمي

стр. 92

وعلى ترتيبه وضعت الكتب المطولة في مذهب الشافعي ومعظم المختصرة. ثم صنف أبو العباس بن القاص مختصره المسمى ب:"التلخيص", فاعتنى به أيضا حفظا وشرحا. وطالت كتب أصحابنا الكبار الشارحة ل: "مختصر المزني" يجمعهم مسائل المذهب المنتشرة إلى ترتيبه, وكذلك يذكرون مذاهب العلماء والكلام عليها بالبحث والتقرير, ويستدلون للجميع بالآيات والأخبار والمعاني, ويلتزمون في كل مسألة منها تقرير مذهبهم, إلا مواضع قليلة نادرة ربما يتوقف فيها بعضهم أو ينبه عليها, وسينقل ذلك في مواضعه إن شاء الله تعالى. ولا شك أن النظر في بعض المسائل يؤدي إلى تصحيح مذهب بعض الأئمة أو إلى ترجيحه, فمن الإنصاف الاعتراف بل هو الواجب نصحا لدين الله وللناس فإن الدين النصيحة. واعلم أنه لا يفقه كل الفقه من لا يعرف اختلاف الناس ومذاهبهم, ويقف على أدلتهم وما تمسكوا به. قال أبو قدامة: سمعت عبد الرحمن بن مهدي يقول: لا يجوز أن يكون / الرجل إماما حتى يعلم ما يصح مما لا يصح, وحتى لا يحتج بكل شيء, وحتى يعلم مخارج العلم. وقال قتادة: من لم يعرف الاختلاف لم يشم الفقه بأنفه.

стр. 93

وقال عطاء الخراساني: لا ينبغي لأحد أن يفتي أحدا من الناس حتى يكون عالما باختلاف الناس, فإنه إن لم يكن كذلك رد من العلم ما هو أوثق من الذي في يديه. وسئل مالك بن أنس: لمن تجوز الفتيا؟ فقال: لمن علم ما اختلف الناس فيه. وقال سعيد بن أبي عروبة: من لم يسمع الاختلاف فلا تعده عالما. وقال يحيى بن سلام: ولا يجوز لمن لا يعلم الأقاويل أن يقول: هذا أحب إلى. وقال الحافظ البيهقي: ((وقد قابلت بتوفيق الله تعالى أقوال كل واحد من الأئمة بملغ علمي من كتاب الله , ثم ما جمعت من السنن والآثار في الفرائض والنوافل والحلال والحرام والحدود والأحكام, فوجدت الشافعي ﵀ وذلك فيما صنف من الكتب القديمة والجديدة في الأصول والفروع, بأبين بيان, وأفصح لسان)).

стр. 94

قلت: ثم اشتهر في آخر الزمان على مذهب الشافعي تصانيف الشيخين أبي إسحاق الشيرازي - وهو إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزاباذي - وأبي حامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي الطوسي رحمهما الله, فأكب الناس على الاشتغال بكتبهما, وكثرت النسخ بها, واشتهرت اشتهارا عظيما, وانتفع بها نفعا كثيرا, وكثر المتعصبون لهما حتى صار المتبحر المرتفع عند نفسه يرى أن نصوصهما كنصوص الكتاب والسنة لا يرى الخروج عنها, وإن أخبر بنصوص غيرهما / من أئمة مذهبه [الواردة] بخلاف ذلك لم يلتفت إليها التفاته إلى نصوصهما؛ تعصبا وحمية وقلة خبرة بالمصنفات ومصنفيها, وإنما هم على قدر مبلغهم من العلم. وقد يقع في بعض مصنفاتهما أو مصنفات أحدهما شيء قد خالف [المصنف] فيه صريح حديث صحيح, أو ساق حديثا على خلاف لفظه, أو نقل إجماعا أو حكما عن مذهب بعض الأئمة وليس كذلك, فإذا ذكر لذلك المتعصب الصواب في مثل ذلك تأذى وتنمر, وصاح وزمجر, وأخفى العداوة وأظهر, وكان سبيله أن يفرح بوصوله إلى علم ما لم يكن يعرفه, ولكن عمى التقليد أصمه عن سماع العلم المفيد. ويقول المتحذلق منهم المتصدر في منصب لا يستحقه: أما كان هؤلاء الأئمة يعرفون هذا الحديث الصحيح الوارد على خلاف نصهم, فيرد حديث رسول الله ﷺ ونصه الدال

стр. 95

على خلاف ما هو عليه بمثل هذا الهذيان الذي لو فكر فيه أسكته عنه؛ لأن خصمه في مثل هذا هو الله ورسوله؛ لأنه سبحانه افترض علينا طاعة رسوله, وقد وصلنا حديثه دالا على أمر فلا نرده بقول أحد إلا بحجة شرعية. ثم إن في ذلك إبطالا لمذهبه وهدما لأصله الذي مهده إمامه وأسسه وبنى عليه, وذلك أن الشافعي ﵀ إنما تعقب على من كان قبله من الأئمة بمثل ذلك من دلالات الكتاب والسنة مما ظنه خفي على من سبقه, وكان من الممكن أن يقال له: أما كان أولئك يعرفون هذا, وأولئك المتقدمون أولى بذلك من هؤلاء المتأخرين, فلو سمع مثل هذا الهذيان لبطلت المذاهب. فهذه طريقة من لا يعد من العلماء, بل ينبغي لكل من يطلب العلم أن يكون أبدا في طلب ازدياد علم ما / لم يعلم من أي شخص كان, فالحكمة ضالة المؤمن أينما وجدها أخذها. وعليه بالإنصاف وترك التقليد واتباع الدليل, فكل أحد يخطئ ويصيب إلا من شهدت له الشريعة بالعصمة وهو النبي ﷺ وإجماع الأمة. قال الشافعي ﵀ في كتاب " اختلاف الحديث": أخبرنا سفيان, عن عمرو بن دينار, عن سالم بن عبد الله بن عمر أن عمر بن الخطاب نهى عن الطيب قبل زيارة البيت وبعد الجمرة. قال سالم: فقالت عائشة:

стр. 96

طيبت رسول الله بيدي هاتين لإحرامه قبل أن يحرم, ولحله قبل أن يطوف بالبيت, وسنة رسول الله ﷺ أحق. قال الشافعي: ((فترك سالم قول جده عمر في إمامته وقبل خبر عائشة وحدها, وأعلم من حدثه أن خبرها وحدها سنة وأن سنة رسول الله ﷺ أحق, وذلك الذي يجب عليه, ومنع ذلك الذين بعد التابعين)). قلت: وما زال أكابر الصحابة من [عهد الصديق] أبي بكر فمن بعده ﵃ يخفى عنهم شيء من السنة كميراث الجدة, وتوريث المرأة من دية زوجها, ووضع اليدين على الركبتين في الصلاة, خفي الأول على أبي بكر, والثاني على عمر, والثالث على ابن مسعود, حتى نبههم على ذلك غيرهم, ولذلك أمثلة كثيرة تأتي في مواضعها عن الصحابة والتابعين وأئمة المسلمين. ويستسهل ذلك من يسمعه من هؤلاء المتفقهة ولا ينكره قلبه. ,وإذا نسب إلى بعض المتأخرين أنه خفي عليه شيء من السنة أنف ذلك المقلد المتعصب المتصعب من هذا وأنكر, وخوف وحذر, وهو غارق في غيه المنكر, لو سمع وأبصر.

стр. 97

ومن العجب أن كثيرا منهم إذا أورد على مذهبهم أثر عن بعض أكابر الصحابة يقول مبادرا بلا حياء ولا حشمة: "مذهب الشافعي الجديد أن قول الصحابي ليس بحجة", وإنما طريقه في هذا / تأويله وتخريجه والاعتذار عنه بدون هذه العبارة الردية التي يروم أن يرد بها قول مثل أبي بكر وعمر ﵄ لتصحيح مذهبه, والنبي ﷺ يقول: ((إن تطيعوا أبا بكر وعمر ترشدوا)) , واقتدوا بالذين من بعدي أبي بكر وعمر)) , وسيأتي الكلام في تحقيق هذه المسألة, ونقل مذهب الشافعي وغيره فيها, وبيان أن الأمر ليس على ما فهموه, أو ظنوه وتوهموه. وإذا أورد لهذا المعجب بمذهبه, القليل الحياء في عبارته, حديث صحيح على خلاف ما سطره له الشيخان أبو إسحاق والغزالي أو أحدهما لا يرى الانقياد له, ومذهب الشافعي ﵀ اتباع الحديث وترك قوله المخالف له كما سبق. فيرى رد قول الصحابي بقول إمامه كما زعم, ولا يرى رد قول من صنف على مذهبه من المتأخرين بقول النبي ﷺ . مع أن الشافعي ﵁ أذن في هذا وأمر بأن يترك نصه هو في نفسه, فما الظن بنص بعض متأخري مقلديه.

стр. 98

ومما يتعجب منه أيضا من هؤلاء أنهم يرون مصنفات الشيخ أبي إسحاق وغيره مشحونة بتخطئة المزني وغيره من الأكابر فيما خالفوا فيه مذهبهم, فلا تراهم ينكرون شيئا من هذا, فإن اتفق أنهم يسمعون أحدا يقول: "أخطأ الشيخ أبو إسحاق في كذا بدليل كذا وكذا" انزعجوا وغضبوا وأنكروا ورأوا أنه قد ارتكب كبيرا من الإثم, فإن كان الأمر كما ذكروا فالذي ارتكبه أبو إسحاق أعظم, فما لهم لا ينكرون ذلك ولا يغضبون منه, لولا قلة معرفتهم وكثرة جهلهم بمراتب السلف ﵃. وما أحسن أبيات منذر بن سعيد البلوطي أحد شيوخ المغرب في العلم والدين قال رحمه الله تعالى: / عذيري من قوم يقولون كلما. . . طلبت دليلا هكذا قال مالك وقد قاله ابن القاسم الثقة الذي. . . على قصد منهاج القضاء هو سالك فإن عدت قالوا هكذا قال أشهب. . . وقد كان لا تخفى عليه المسالك فإن زدت قالوا قال سحنون مثله. . . ومن لم يقل ما قاله فهو آفك فإن قلت قال الله ضجوا وأكثروا. . . وقالوا جميعا أنت قرن مماحك وإن قلت قد قال الرسول فقولهم. . . أتت مالكا في ترك ذاك المآلك

стр. 99

وقال أبو عمر بن عبد البر ﵀: يا سائلي عن موضع التقليد خذ. . . عني الجواب بفهم لب حاضر وأصخ إلى قولي ودن بنصيحتي. . . واحفظ على بوادري ونوادر لا فرق بين مقلد وبهيمة. . . تنقاد بين جنادل ودعاثر تبا لقاض أو لمفت لا يرى. . . عللا ومعنى للمقال السائر فإذا اقتديت فبالكتاب وسنة الـ. . . ـمبعوث بالدين الحنيف الطاهر ثم الصحابة عند عدمك سنة. . . فأولاء أهل نهي وأهل بصائر وكذلك إجماع الذين يلونهم. . . من تابعيهم كابرا عن كابر إجماع أمتنا وقول نبينا. . . مثل النصوص لدى الكتاب الزاهر وكذا المدينة حجة إن أجمعوا. . . متتابعين أوائلا بأواخر وإذا الخلاف أتى فدونك فاجتهد. . . ومع الدليل فمل بفهم وافر وعلى الأصول فقس فروعك لا تقس. . . فرعا بفرع كالجهول الحائر والشر ما فيه فديتك أسوة. . . فانظر ولا تحفل بزلة ماهر

стр. 100

/ ومما لا يعجبني من تصرفات كثير من المصنفين أنهم يذكرون مذهبهم في مسألة ثم يقولون: "وقال فلان كذا" أي بخلاف ذلك, ويذكرون واحدا من أكابر الصحابة كما في "الوسيط" من ذكر عمر ﵁ في مسألة نقض القضاء في امرأة المفقود, ومن ذكر علي ﵁ في منع قتل الذكر بالأنثى, وفي فصل ما يحصل به العتق في باب الكتابة, ومن ذكر ابن مسعود ﵁ في باب القدوة في صلاة الجماعة, وإنما الواجب أن تقابل المذاهب بعضها ببعض وأقوال الصحابة بعضها ببعض, من غير إزراء بشيء منها, ويرجح الراجح منها بطريقة فيقال: مذهب أبي بكر كذا ومذهب ابن مسعود كذا, أو يقال: مذهب الشافعي كذا وهو قول زيد بن ثابت, وقال ابن مسعود كذا, فمثل تلك العبارات وما شاكلها نرجو من الله أن نتجنبها في هذا الكتاب, ونسأله سبحانه أن يوفقنا للصواب. فصل: قد تقدم أن الشافعي ﵀ بني مذهبه بناء محكما وذلك أنه كان اعتماده على كتاب الله, وسنة رسول الله, والنظر الصحيح من الاجتهاد الراجح إلى الكتاب والسنة, وترجيح أشبه المذاهب بالكتاب والسنة, وهذا هو

стр. 101

الأس الصحيح القوي الذي يتم البناء عليه, إلا أنه ﵀ قد يعرض له ما يعرض لغيره من البشر ممن ليس بمعصوم من الغفلة والنسيان, فأحالنا بصريح قوله على أن ما صح من أقوال النبي ﷺ فهو مذهبه, فلم يترك ﵀ لعائب عيبا, ولا لمنتقد من حساده انتقادا, وإنما بقي نظر المقتدين به السالكين مسلكه المتمسكين بمذهبه في البحث في السنن والآثار التي جمعها الأئمة الكبار وتيسرت, فينظر فيما كان فيها مخالفا لما نص عليه فيفعل فيه ما أمر به. وقد بحثت - والحمد لله - عن معرفة أحكام الله تعالى / وما خاطبنا به في كتابه العزيز وعلى لسان نبيه محمد ﷺ , واستخرجت ذلك من معادنه وهي كتب الحديث المعتمد عليها عند أربابها, ورددت ما اختلفت فيه العلماء إلى ذلك بمبلغ جهدي وطاقتي عملا بقوله تعالى: ﴿فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول﴾ , فظهر لي ما ستراه في هذا الكتاب مختارا, وجميع ذلك إن شاء الله هو مذهب الشافعي. من ذلك: - ما هو منصوص له وقد صحح الأصحاب خلافه لأجل نص له آخر كصوم الولي عن الميت. - أو يكون النص لا خلاف عنه لكنه على مخالفة حديث ثابت كاختياره قول المأموم: "سمع الله لمن حمده" في الرفع من الركوع كالإمام.

стр. 102

- أو يكون قد علق قوله على ثبوت حديث فوجد ثابتا كإخراج الأقط في زكاة الفطر. - أو دل عليه حديث آخر ثابت. - أو يكون الشافعي قد تمسك بحديث وفي الباب حديث أثبت منه قد دل على خلاف ذلك, كحديث عمار في التيمم ضربة واحدة مسح بها وجهه وكفيه. - أو يكون الحديث قد دل على حكم في مسألة لم يعلم فيها نص للشافعي بنفي ولا إثبات, كرفع اليدين عند القيام من التشهد الأول. -أو يكون الشافعي قد تمسك بظاهر آية أو حديث وقد دل الدليل على أن ذلك ليس على ظاهره, كإلزام كل من يخرج زكاة ماله بنفسه أن يصرفها إلى الأصناف الثمانية أو من قدر عليه منهم حتى في زكاة الفطر. وكنقص الطهارة بمس الفرج وإن كان الاحتياط فعل ما قاله الشافعي ﵀ في هذا, لكن هذا الاحتياط يكون مندوبا لا واجبا. فمذهب الشافعي في هذا كله أو أكثره الرجوع إلى ما ثبت في السنة. فأما ما طريقة البحث والنظر فللاجتهاد فيه مجال فقد يظهر له ما لم يظهر لغيره, فلا نقوله ما لم يقل كما في مسألة الأصناف ومس الفرج, لكن ننبه على الدليل المقتضي خلاف ذلك ويرجح به مذهب غيره إن لم يمكن إدراج ذلك فيما أمر به من مخالفة قوله لدلالة السنة / الصحيحة لأن هذا في معناه والله أعلم.

стр. 103

فنقول: ما صح من حديثه ﷺ ودل على حكم لا للشافعي على خلافه فهو مذهبه لا شك فيه؛ أخذا من قوله ومما أمر به, وأما ما له نص على خلافه فهو على قسمين: أحدهما: أن يكون الحديث لم يبلغه فهذا كالقسم الأول يترك نصه ويصار إلى الحديث وهو مذهبه كما أمر, وذلك إذا وضحت دلالة الحديث على ذلك الحكم, أما إذا خفيت وأمكن الجميع بين الحديث والنص وأمكن تنزيل الحديث عليه فلا. القسم الثاني: أن يكون الحديث قد بلغ الشافعي ووقف عليه وعرف ثبوته وأوله وتكلم عليه, فينظر في كلامه فإن كان ظاهرا متوجها لا دفع له لم يخالف, وحمل الحديث على ما حمله هو عليه, وذلك كاختيار الجهر بعض الروايات على نفي الجهر بما ذكرناه في كتاب مفرد لذلك. ومن ذلك أيضا إفطار الصائم بالحجامة فإنة ﵀ لم ير ذلك وتكلم على حديث: ((أفطر الحاجم والمحجوم)) بأنه منسوخ فيما سيأتي في موضعه.

стр. 104

وإن كان لكلامه مدفع صير إلى الحديث لأن ذلك يتناوله قوله: ((ودعوا ما قلت)) , وذلك كما سنذكره في التيمم إلى المرفقين ونحوه. فإذا وضحت الحجة, لم يبق إلا سلوك تلك المحجة. ولا ينبغي أن يفعل هذا إلا في حديث لم يعلم أن الشافعي تكلم عليه بكلام شاف بعد البحث التام عن ذلك, ثم ليبحث عن ذلك الحديث هل له معارض أو ناسخ أو مانع من العمل به, ولا يتأتى ذلك إلا من عالم بعلوم الاجتهاد فذلك هو الذي خاطبه الشافعي ﵀ بقوله: ((إذا وجدتم حديث رسول الله ﷺ على خلاف قولي فخذوا به ودعوا ما قلت)) وليس هذا لكل أحد فكم في السنة من أحاديث كثيرة صحيحة والعمل / والفتوى على خلاف ظاهرها إما إجماعا وإما اختيارا لمانع منع من ذلك مما ذكرناه من المعارض والناسخ أو غير ذلك, نحو: ((كان الثلاث واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر)) , ((صليت مع رسول الله بالمدينة سبعا جمعيا وثمانيا جمعيا في غير خوف ولا مطر)) , ((غسل الجمعة واجب على كل محتلم)) , وسيأتي الكلام على كل ذلك إن شاء الله في مواضعه.

стр. 105

فالأمر في ذلك ليس بالسهل ولهذا قال سفيان بن عيينة ﵀: ((الحديث مضلة إلا للفقهاء)) , ويروي: ((إلا للعلماء)) , يريد من قذف الله تعالى في قلبه نور العلم؛ فقه في دينه, وعرف مخارج الأحاديث, وليس العلم بكثرة الرواية كما قال مالك بن أنس ﵀ وقد تقدم والله أعلم. فصل: هذه الفصول التي ذكرناها فصول حسنة كثيرة الفوائد, مجموعة من عدة مصنفات, ينبغي لكل من يعتني بالعلم النظر فيها والاطلاع عليها, وقد رأيت أن أختمها بفصل هو أهمها وأجلها وأعمها نفعا وأولاها ذكرا, وهو ما اعتنى ببيانه الإمام أبو حامد الغزالي ﵀ في أول كتاب "الأحياء" من نصح أهل العلم وبيان العلوم النافعة والتحذير من العلوم الضارة حيث قال: ((أدلة الطريق هم العلماء, الذين هم ورثة الأنبياء, وقد شغر عنهم الزمان, ولم يبق إلا المترسمون وقد استحوذ على أكثرهم الشطان, واستغواهم الطغيان, وأصبح كل واحد بعاجل حظه مشغوفا, فصار يرى المعروف منكرا والمنكر معروفا, حتى ظل علم الدين مندرسا, ومنار الهدى في أقطار الأرض منطمسا, ولقد خيلوا إلى الخلق أن لا علم إلا فتوى حكومة يستعين بها القضاة على فصل الخصام عند تهاويش الطغام, أو جدل يتذرع به

стр. 106

طالب المباهاة إلى والإفحام / أو سجع مزخرف يتوسل به الواعظ إلى استدراج العوام, إذ لم يروا ما سوى هذه الثلاثة مصيدة للحرام, وشبكة للحطام. فأما علم طريق الآخرة وما درج عليه السلف الصالح مما سماه الله سبحانه في كتابه فقها وحكمة وعلما وضياء ونورا وهداية ورشدا فقد أصبح بين الخلق مطويا, وصار نسيا منسيا)). ثم أتى على علم المعاملة وقال: ((هو علم أحوال القلب؛ ما يحمد منها كالصبر والشكر والخوف والرجاء والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق والإخلاص, والرضا والزهد والتقوى والقناعة والسخاء وحسن الخلق والصدق والإخلاص, وما يذم كالغل والحقد والحسد والغش والكبر والرياء والبخل والتزين للخلق والمداهنة والخيانة وطول الأمل والقسوة وقلة الحياء وقلة الرحمة, فهذه وأمثالها من صفات القلب مغارس الفواحش, والأخلاق المحمودة منبع الطاعات, والعلم بحدود هذه الأمور وحقائقها وأسبابها وثمرتها وعلاجها هو علم الآخرة, وهو فرض عين في فتوى علماء الآخرة, المعرض عنها هالك بسطوة ملك الملوك في الآخرة, كما أن المعرض عن الأعمال الظاهرة هالك بسيف سلاطين الدنيا بحكم فتوى فقهاء الدنيا. فنظر الفقهاء في فروض العين بالإضافة إلى صلاح الدنيا, وهذه بالإضافة إلى صلاح الآخرة. ولو سئل فقيه عن معنى من هذه المعاني حتى عن الإخلاص مثلا أو عن التوكل أو

стр. 107

عن وجه الاحتراز عن الربا لتوقف فيه مع أنه فرض عينه الذي في إهماله هلاكه في الآخرة. ولو سألته عن اللعان والظهار والسبق والرمي لسرد عليك مجلدات من التفريعات الدقيقة التي تنقضي الدهور ولا يحتاج إلى شيء منها, وإن احتيج لم يخل البلد عمن يقوم بها ويكفيه مؤنة التعب فيها)). ثم ساق / الكلام إلى أن قال: ((فلا تغفل عن الصحابة وعلو منصبهم, وأنه لم يكن تقدمهم إلا بعلم الآخرة وسلوك طريقها, وما فضل أبو بكر ﵁ الناس إلا بشيء وقر في صدره كما شهد له سيد البشر. فليكن حرصك في طلب ذلك الشيء فهو الجوهر النفيس والدر المكنون, فلقد قبض رسول الله ﷺ عن آلاف من الصحابة كلهم علماء بالله , ولم يكن فيهم أحد يحسن صنعة الكلام, ولم ينصب نفسه للفتوى منهم إلا القليل, وكان ابن عمر منهم وكان إذا سئل عن الفتوى يقول: ((اذهب إلى هذا الأمير الذي تقلد أمور الناس وضعها في عنقه)) , إشارة إلى أن الفتوى في

стр. 108

القضايا والأحكام من توابع الولاية والسلطنة. ولما مات عمر ﵁ قال ابن مسعود: مات تسعة أعشار العلم. فقيل له: أتقول ذلك وفينا جلة الصحابة؟ فقال: لست أريد علم الفتوى والأحكام إنما أريد العلم بالله سبحانه. أفترى أنه أراد صنعة الكلام والجدل, فمالك لا تحرص على معرفة ذلك العلم الذي مات بموت عمر ﵁). ثم قال: ((وقد كان كل واحد من الفقهاء - الذين هم قادة الخلق وكثرت أتباعهم - عابدا زاهدا عالما بعلوم الآخرة, فقيها في مصالح الخلق في الدنيا, مريدا بفقهه وجه الله تعالى. فهذه خمس خصال اتبعهم فقهاء الفرق من جملتها على خصلة واحدة وهي التشمير والمبالغة في تفاريع الفقه؛ لأن الخصال الأربع لا تصلح إلا للآخرة, وهذه الخصلة الواحدة تصلح للدنيا والآخرة إن أريد بها الآخرة, فلصلاحها للدنيا تشمروا لها وادعوا بها مشابهة أولئك الأئمة, وهيهات فلا تقاس الملائكة بالحدادين)).

стр. 109

ثم قال: ((وتصرفوا في لفظ الفقه فخصصوه بمعرفة الفروع الغربية في الفتاوى, والوقوف على دقائق عللها / واستكثار الكلام فيها, وحفظ المقالات المتعلقة بها, فمن كان أشد تعمقا فيها وأكثر اشتغالا بها يقال هو الأفقه. ولقد كان اسم الفقه في العصر الأول مطلقا على علم طريق الآخرة, ومعرفة دقائق آفات النفوس ومفسدات الأعمال, وقوة الإحاطة بحقارة الدنيا, وشدة التطلع إلى نعيم الآخرة, واستيلاء الخوف على القلب. ويدلك عليه قوله تعالى: ﴿ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم﴾ , وما به الإنذار والتخويف هو هذا الفقه دون تفريعات الطلاق واللعان والسلم والإجارة, فذلك لا يحصل به إنذار وتخويف, بل التجرد له على الدوام يقسي القلب وينزع الخشية منه كما يشاهد من المتجردين له. وقال النبي ﷺ للذين وفدوا عليه: ((علماء حكماء فقهاء)).

стр. 110

وسئل سعد بن إبراهيم: أي أهل المدينة أفقه؟ فقال: أتقاهم. فكأنه أشار إلى ثمرة الفقه, والتقوى ثمرة العلم الباطن دون الفتاوى والأقضية. وروي موقوفا ومرفوعا: ((لا يفقه الرجل كل الفقه حتى يمقت الناس في ذات الله, ثم يقبل على نفسه فيكون لها أشد مقتا, وحتى يرى للقرآن وجوها)). وسأل فرقد السبخي الحسن عن شيء فأجابه فقال: إن الفقهاء يخالفونك. فقال الحسن: ثكلتك أمك فريقد, وهل رأيت فقيها بعينك, إنما الفقيه الزاهد في الدنيا, الراغب في الآخرة, البصير بدينه, المداوم على عبادة ربه, الورع الكاف نفسه عن أعراض المسلمين, العفيف عن أموالهم, الناصح لجماعتهم. قال: ((ولفظ العلم كان يطلق على العلم بالله وبآياته, وأفعاله في عباده وبأحكامه وصفاته, وصار الآن مطلقا على من لا يحيط من علوم الشرع
следующие страницы →