Полный текст (485 стр.). Показаны 456–485 · переход к 461.
стр. 456
إنّ هذا الطيرَ، حمامَ الزاجلِ، أو حمامَ الرسائلِ - كما يُسَمَّى - يقطعُ مسافةَ ألفِ كيلومترٍ دونَ توقُّفٍ، في طيرانٍ مستمرٍّ، يقطعها بسرعةِ كيلومترٍ واحدٍ في الدقيقةِ، وفي الساعةِ يقطعُ ستينَ كيلومتراً، ويعطي هذا الحمامُ الزاجلُ سنوياً تسعةَ أزواجٍ من الزغاليلِ كلَّ عامٍ، ويُعِينُك على نقلِ رسائلِك عبرَ الآفاقِ، ويهتدي إلى إيصالِها بسرعةٍ فائقةٍ بالقياسِ إلى ذلك الزمانِ.
على كلٍّ فَقَدِ استخدمَ السلطانُ نورُ الدين الحمامَ لنقلِ رسائِلِه بين دمشقَ والقاهرة، حيث كان البريدُ يُنقَل عن طريقِ الحمامِ، وكان اسمُ السلطانِ يُنقَشُ على المنقارِ الأحمر لهذا الحمامِ، وكان له وَرَقٌ خاصٌّ يحملُه لينقلَ به الرسائلَ ذات الوزنِ الخفيفِ نسبياً، وكانَ يَستخدِمُ هذا السلطانُ ألفين من الحمامِ لنقلِ الرسائلِ بينه وبين عمّالِه في الأمصارِ.
стр. 457
إنّ ثمّةَ لُغْزاً كبيراً جدّاً ما زالَ إلى اليوم يُحيّرُ الباحثين، كيفَ يهتدي هذا الحمامُ الذي خَلَقَه اللهُ إلى هدفِه؟ وما الطريقةُ التي يستخدمُها؟ ويسألُ العلماءُ: كيف يستدلُّ الحمامُ على طريقِه الطويلِ في السّفرِ؟ ولا تَنْسَوْا أنّ الحمامَ يُعَدُّ أوّلَ وكالةِ أنباءٍ في التاريخِ، فقد كان يُستخدَمُ عندَ الشّعوب كلِّها؛ الإغريقِ، واليونانِ، والرومانِ، وعند العربِ، وفي كلّ العصورِ، فقد كان يُستخدَمُ لِنَقلِ الرسائلِ، وإيصالِ الأنباءِ، وقد استخدَمَتْهُ بعضُ الدُّوَلِ الغربيّةِ كهولندة لإبلاغِ الأوامرِ إلى جزيرة سُومطرة في أندونيسة، (جنوبيّ شرقيّ آسية) ، يقطعُ مسافاتٍ تزيدُ على سبعةَ عشر ألف كيلو متر تقريباً، لكن السؤالُ الذي يحيِّرُ العقولَ: كيف يهتدِي هذا الطائرُ عبْرَ هذه المسافاتِ الطويلةِ، التي يعجز عن الاهتداءِ إليها أذكَى طيّارٍ على وجهِ الأرضِ بالنَّظَر؟ فلا بدّ مِن إشاراتٍ، ولا بدّ مِن إحداثياتٍ، وخرائطَ، وبثٍّ مستمرٍّ يحدّدُ له في أيِّ موقعٍ هو على سطحِ الأرضِ؟ إنها رحلةٌ طويلةٌ مِن غربيّ أوربة إلى جنوبيّ شرقيّ آسية، فكيف يوصِلُ طائرٌ صغيرٌ رسالةً إلى أبعدِ مكانٍ؟ وكيف تعملُ الحاسّةُ التي توجّهُ الطائرَ نحو طريقِهِ؟ قالَ العلماءُ: "إنّ شيئاً مَا يوجِّهُ هذه الطّيورَ إلى أهدافِها لا نعرفهُ".
وقد توقَّعَ بعضُ العلماءِ أنّ معالمَ الأرضِ تنطبعُ في ذاكرةِ هذا الطّيْرِ، فهو يعرفُها، ويهتدي بها، وهذه فرضيّةٌ، فجاءَ عالمٌ آخرُ، ونَقَضَ هذه الفرضيّةَ، بأنْ جاء بِحمامٍ زاجلٍ، وعَصَبَ عينيه، وأطلقَه فانطلقَ إلى هدفِه، فأينَ تلك المعالمُ؟ وأين الذاكرةُ؟ مع أنّه قد عُصِبَتْ عيناه فقد انطلقَ إلى هدفِه.
فرضيّةٌ ثانيةٌ: أنّه يشكِّلُ مع الشّمسِ زاويةً يهتدي بها إلى موطنِه، فلما قيل: يطيرُ في الليلِ؟ وكيف يهتدي إلى هدفِه، وهو يطيرُ ليلاً؟ نُقِضَتْ هذه النظريّةُ.
نظريةٌ ثالثةٌ: أنّهم توقّعوا وجودَ جهازِ رادارٍ في دماغِه يهديه إلى الهدفِ، فوضَعوا على رأسِه جهازاً صغيراً كهربائيّاً يصدرُ إشاراتٍ كهربائيّةً من أجلِ أنْ تشوّشَ عليه، ومع ذلك وصلَ إلى هدفِه.
стр. 458
ثم توقّعوا أنّه يهتدي إلى أهدافِه عن طريقِ الساحةِ المغناطيسيّةِ التي في الأرضِ، فوضعوا على رأسِه حلقاتٍ حديديّةً ممغْنَطَةً باتجاهاتٍ مختلفةٍ من أجلِ تشويشِ هذه الساحةِ، فاهتدى إلى هدفِه.
ولم تبْقَ عندهم نظريةٌ إلا نُقِضَتْ، فكيف يقطعُ هذا الطائرُ عشراتِ الآلافِ من الأميالِ فوق البحر، وفوق الجبال، وفي الصحراءِ، والوديان؟ وكيف يأخذُ زاويةً باتّجاهِ الهدفِ؟ هذا سرٌّ لا يزالُ يُحَيّرُ عقولَ العلماءِ، وقد قالَ أحدُ العلماء: "إنّ شيئاً ما يوجّهُ الطيورَ إلى موطنِها"، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
وأصحُّ تفسيرٍ لهذا الموضوع أنّ الأمر يتعلَّقُ بهدايةِ اللهِ : قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ١-٣] .
لذلك يُسمِّي علماءُ التوحيدِ هذه الظاهرةَ التي تحيِّرُ العقولَ هدايةَ اللهِ تعالى، ويُسمِّيها علماءُ الحياةِ الغريزةَ، فهي آليّةٌ معقّدةٌ توجدُ عند المخلوقِ دونَ تعلُّمٍ، عملٌ ذكيٌّ، على مراحلَ، ومبرمجٌ، يفعلهُ الحيوانُ بلا تعلّمٍ.
هجرة الطيور
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذلك لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] ، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] .
هذه الآياتُ ماذا نفعل بها؟ أليسُ فيها حضٌّ على التفكّرِ في السماواتِ والأرضِ؟ أليس فيها حضٌّ على التفكّرِ في ظاهرةِ الطيورِ في السماءِ؟ أليس في هذه الآيةِ التي اختارَها اللهُ دليلٌ على عظمتِه؟.
стр. 459
منذ أنْ عَرَفَ الإنسانُ الطيورَ؛ رآها تختفي كليّاً في الخريفِ، وتظهرُ في الربيعِ، وقد قالَ العلماءُ: "إنّ هناك عشراتِ آلافِ الملايينِ من الطيورِ تهاجرُ كلّ عامٍ، ولا سيّما من نصفِ الكرةِ الشماليِّ إلى نصفِها الجنوبيِّ، وبالذات إلى جنوبِ أمريكا، وجنوبِ إفريقية، أما بلادُ الهجرةِ فأمريكا الشمالية، وأوربة، وآسيا، هذه الطيورُ تتجاوزُ خطَّ الاستواءِ إلى جنوبِ إفريقية"، وفي كلّ الموسوعاتِ العلميّةِ يتحدّثون كيف توصَّلوا إلى هذه الحقائقِ.
هناك ما يزيدُ على أربعةِ ملايينِ طيرٍ وُضِعَت في أرْجُلِها حلقاتٌ معدنيّةٌ تبيّن هويّةَ الطيرِ وتحركاتِه، وهنك مجموعةٌ أخرى ثلاثةُ ملايين، وهناك مجموعةٌ ثالثةٌ ثلاثة عشر مليونَ طيرٍ وُضِعَتْ في أرجُلِها يومَ كانت صغيرةً في أعشاشِها حلقاتٌ كيْ تُتابِعَ حركاتِها من الشمالِ إلى الجنوبِ، حيث كانت مراكزُ البحوثِ منتشرةً بين شمالِ الكرةِ الأرضيّةِ وجنوبِها.
هناك نوعٌ مِنَ الطيورِ يقطعُ في رحلتِه أربعة عشر ألف كيلومتر! وهناك طيورٌ قطعتْ ستَّة عشر ألفَ كيلومتر، وأطْوَلُ رحلةٍ قامَتْ بها مجموعةٌ من الطيورِ قطَعَت اثنين وعشرين ألف كيلو متر من منطقةِ المتجمِّدِ الشماليِّ إلى منطقةِ جنوبِ إفريقية، حيث كانت سرعةُ هذه الطيورِ تتراوحُ بين أربعينَ كيلو متراً في الساعةِ إلى مئةِ كيلو مترٍ في الساعة، أما سرعةُ الصقرِ في أثناءِ انقضاضِه على فريسته فتصل إلى ثلاثمئة وستين كيلومتراً في الساعة، وهناك ملحوظاتٌ سُجِّلَتْ على أنواعِ بعضِ الطيورِ التي تطير ما يزيد على ألفين وسبعمئة كيلومتر دونَ توقّفَ، تقطعُها في عشرين ساعةً، وقد تحلّقُ على ارتفاعِ يزيد على تسعمئة متر، وهو قريبٌ من الكيلومتر، وبعضُها يحلّق على ارتفاعِ ألفٍ وخمسمئة متر، وبعضُها على ارتفاعِ أربعةِ آلاف ومئتي متر، وبعضُها على ارتفاعِ ستّة آلاف متر، أي ستّة كيلومتراتٍ، والطائراتُ الحديثةُ ترتفع اثني عشر كيلومتراً.
стр. 460
لا بدّ أنْ يكونَ في رأسِ الطيورِ ساعةٌ، لأنَّ الطيورَ تهاجرُ في الوقتِ ذاتِه من كلّ عامٍ! فما الذي يخبِرُها أنَّه قد آن الأوانُ؟ لا بدّ مِن ساعةٍ زمنيّةٍ في رأسٍ كلّ طيرٍ، قال بعضُ العلماءِ: "للطيورِ قوّةٌ خارقةٌ لقطعِ المسافاتِ التي تقومُ بها، ولا يوجدُ مخلوقٌ على وجهِ الأرضِ أقوى من الطيرِ في قطعِ المسافاتِ الشاسعةِ، لحكمةٍ أرادَها اللهُ ".
ومِن أعجبِ العجبِ أنَّ الطيورَ التي تستعدُّ لقطعِ مسافاتٍ طويلةٍ تزيدُ على عشرينَ ألفَ كيلومترٍ، تُخزِّنُ الدهونَ في جسمِها قَبْلَ أنْ تسافِر، حيث يصبحُ وزنُ بعضِ الطيورِ مضاعفاً بسببِ الدُّهنِ المخزَّنِ في جسمِها، لتستعملَه وقوداً لها في رحلتِها الطويلةِ الشاقَّةِ.
لقد ظنَّ بعضُهم أنَّ بعضَ الظواهرِ الجُغرافيةِ، مِن أنهارٍ، مِن بحارٍ، مِن سواحلَ، مِن جبالٍ، يهتدي بها الطيورُ، ولكنْ هذه نظريةٌ ثَبَتَ بطلانُها، لأنّ الطيورَ تطيرُ ساعاتِ الليلِ كلَّها، وفي الأيامِ المظلمةِ، ولا ترى شيئاً، ومع ذلك لا تحيدُ عن هدفِها.
وقال بعضُهم: لعل في الطيورِ رائحةَ شمٍّ نفَّاذةً، وقد أثبتَ العلمُ عكسَ ذلك.
وقالوا: تهتدي بالشمس، فأُجريَتْ تجارِبُ، وعزلوا الطيرَ عن أشعّةِ الشمسِ فسارَ في الاتّجاهِ الصحيحِ.
وقالوا: تساعده القبّةُ السماويّةُ، عزلوه عن القبّةِ السماويّةِ، فسار في خطِّه المعتادِ.
وقالوا: يسجّلُ الطائرُ في أعماقِه انعطافاتِ الرحلةِ في الذهابِ، فوضعوه على قرصٍ يدورُ كي تضيعَ هذه الانعطافاتُ، فما أفلحوا.
وطَرَحَ بعضُهم تفسيراً لهذه النظريةِ، ولكن العلماءَ المُحْدَثين اكتشفوا أنّ في رأسِ الطائرِ نسيجاً لا يزيدُ حجمُه على نصفِ ميليمترٍ مربعٍ، مُؤَلَّفاً مِن موادَّ تتأثّرُ بالمغناطيسيةِ الأرضيةِ، وحينما رَكَّبوا بعضَ الوشائعِ، وعَكَسُوا تيارَ الكهرباءِ فيها ارتدَّ الطيرُ إلى الوراءِ، وعَكَسَ اتِّجاهَه، ما هذا النسيجُ الذي بين العينِ والمخِّ في الطائرِ؟ إنّه يتحسّسُ بالساحةِ المغناطيسيةِ الأرضيةِ؟.
стр. 461
وعَرَفَ العلماءُ نظريةً أخرى، وهي أنّ الطائرَ يهتدي بنجومِ السماءِ، وأنتَ أيها الإنسانُ الذكيُّ، الذي درستَ وحصَّلَ، ربما لا تستطيعُ أنْ تهتديَ بنجومِ السماءِ.
إنه لم يَبْقَ في الميدانِ إلا نظريتانِ: الأولى: الاهتداءُ بنجومِ السماءِ، ولكن كيف؟ لا ندري، وأيُّ نجمٍ هذا؟ لا ندري، والنظريةُ الثانيةُ: أنّ في الطائرِ نسيجاً يتأثرُ بالساحةِ المغناطيسيةِ الأرضيةِ، حتى يقطعَ هذه المسافةَ الطويلةَ دونَ أن يحيدَ عن هدفِه.
ولا يزال هذا السرُّ غامضاً حتى الآن، وهذا معنى قول الله تعالى: ﴿مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] ، إنها هدايةٌ مِن اللهِ مباشرة.
الشيءُ الذي يلفتُ النَّظَرَ أنَّ الطيورَ الصغيرةَ التي وُلِدَتْ حديثاً وُضِعَتْ حلقاتٌ في أَرجُلها، وسارَتْ في رحلتِها بالاتجاهِ الصحيحِ دون تعليمِ الطيورِ الكبيرةِ! فمَن الذي أوْدَعَ في هذه الطيورِ الصغيرةِ هذه القدرةَ العجيبةَ كي تهتديّ إلى أهدافِها، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
إن الشيءَ العجيبَ أنّ خطوطَ الرحلةِ ليْسَت مستقيمةً، كيف أنّ الطائرةَ العاديةَ في مسافة كذا كيلو مترٍ يتغيّرُ اتّجاهُها كذا زاويةٍ، هناك خُطَطٌ، وهناك طيّارٌ، وهناك مساعدُ طيَّارٍ، وهناك راداراتٌ، وخرائطُ، وهناك توجيهاتٌ أرضيّةٌ، واتِّصالٌ مستمرٌّ مع الأرضِ كي تبقَى الطائرةُ في خطِّ سيْرِها، أمّا خطوطُ الرحلاتِ في الطيورِ فليْسَتْ مستقيمةً، إنَّها خطوطٌ فيها انحرفاتٌ، وانعطافاتٌ، لأنّ هناك مَن رَسَمَ لها هذه الخطوطَ، وأَلْهَمَهَا أنْ تسيرَ فيها.
قالَ بعضُ العلماءِ: "لو أنَّ هذا الطيرَ انحرفَ عن هدفِه درجةً واحدةً لوصلَ إلى هدفٍ في نهايةِ المطافِ بعيدٍ عن هدفِه، ما لا يَقِلُّ عن ألفِ كيلو مترٍ"، فمَن الذي يُسَدِّدُ هذا الهدفَ؟ لا يزالُ علماءُ الأرضِ في حيرةٍ مِن هذه القوةِ؛ التي توجِّهُ الطيورَ في طيرانِها.
стр. 462
وُضِعَ طائرٌ في طائرةٍ، وأُبْعِدَ عن موطنِه خمسة آلاف كيلو مترٍ نحو الشرقِ، أو نحو الغربِ، أو نحوَ الشمالِ وقد كان في قفصٍ محجوزاً عن الرؤيةِ، فعاد إلى موطنِه بعد عشرةِ أيَّامٍ!!.
لذلك قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذلك لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] .
الحشرات
دودة القز والحرير
يقولُ ربُّنا : ﴿وَفِي الأرض آيَاتٌ لِّلْمُوقِنِينَ﴾ [الذاريات: ٢٠] .
دودةُ القزِّ يُسمّيها العلماءُ: مَلِكَةَ الأنسجةِ بلا منازعٍ، إنّ هذه الدودةَ إذا لامسَ لعابَها الهواءُ تجمَّدَ، فصارَ خيطاً حريريّاً، هذا اللّعاب مطليّ بِمَادّةٍ بروتينيّةٍ، يُعطيهِ لمعاناً لؤلؤيّاً، ودودةُ القزِّ تستطيعُ أن تنسجَ ستّةَ بوصاتٍ في الدقيقةِ الواحدةِ، وطولُ خيطِها ثلاثمئة مترٍ مستمرّ، وكلّ ثلاثمئة وستّين شرنقةً تساوي قميصاً حريريّاً واحداً، فكَمْ وزْنُ هذا القميص؟.
لم يستطع الإنسانُ حتى الآن أن يقلِّدَ خيطَ الدودةِ، وأن يصنعَ شبيهه، لماذا؟ لأنّ مِن ميزاتِ تصنيعِ خيط الدودةِ أنها ذاتُ وزنِ خفيفٍ جدّاً، ومتانتهُ أعلى من متانةِ الفولاذ، وأن خمسةً وعشرين ألف شرنقة تساوي رطلَ حرير، وأنّ عشرةَ آلافِ شرنقةٍ تساوي كيلو من الحرير، فلو أمكنَ أنْ يُسحَبَ الفولاذُ بقُطرِ خيطِ الحريرِ لكان خيطُ الحريرِ أمْتنَ من الفولاذِ، ومع ذلك فهو جميلٌ، وبرّاقٌ، ومتينٌ، وخفيفٌ، وهذا من صُنع اللهِ ، ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ﴾ [النمل: ٨٨] .
هناك فراشٌ يصنعُ الحريرَ الذّهبيَّ، يصنع حريراً فضِيّاً، لؤلؤيّاً تماماً، والحريرُ الذهبيّ بلونٍ طبيعيٍّ، لا يتأثّرُ بالشمسِ، ولا يحتاجُ إلى تثبيتٍ، لونٌ ثابتٌ كالذّهبِ، ولونٌ ثابتٌ كاللّؤلؤِ.
стр. 463
هذه الآياتُ التي بثّها اللهُ في الأرضِ من أجلِ أنْ نعرفَ عظمَتَه، وعلْمَهُ، ورحمتَه، وخبرتَه، وقدرتَه، وغناه، قال تعالى: ﴿وَمِنَ الناس والدوآب والأنعام مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِكَ إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ العلماء﴾ [فاطر: ٢٨] .
قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١] .
فعلى المرءِ أنْ يتفكّرَ قائماً كان أم قاعداً، في بيتِه أم مع أصحابِه، ليتفكر في خلْقِه، وفي نفسِه، وفي ولدِه، وحاجاتِه، في لباسِه، في خيطِ الصوفِ، وخيطِ الحريرِ الذي لم يستطعْ تقليدَه.
النحل آية عظمى
إنّ النحلَ آية مِن آياتِ اللهِ الباهرةِ الدالَّةِ على عظمته، قال تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] .
هذه الياءُ في قولهِ: ﴿اتخذي﴾ ياءُ المُؤَنَّثةِ المخاطبةِ، وكأنّ الآيةَ مُنْصَبَّةٌ على الإناثِ حصراً دون الذكورِ، قال تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٨-٦٩] .
إنّ النحلَ هو الحشرةُ الوحيدةُ التي تستطيعُ تخزينَ رحيقِ الأزهارِ مِن أجلِ الغذاءِ، وهي إضافةً إلى بنائِها لخلايَاهَا، وتصنِيعِها للشّمعِ والعسلِ، فإنها تقومُ بعملٍ جليلٍ، هو تلقيحُ الأزهارِ، ودونَ تدخُّلِ النحلِ فإنّ عدداً كبيراً مِن النباتاتِ لا يُثمِرُ.
والنحلُ مِن الخلايا ذاتِ النظامِ الاجتماعيِ الدقيقِ المُحكَمِ، الذي تعجزُ عن تقليدِه أرقى المجتمعاتِ البشريةِ.
стр. 464
تزورُ النحلةُ ما يزيد على ألفِ زهرةٍ لكي تحصلَ على قطرةٍ مِنَ الرحيقِ، وتحتاجُ القطرةُ الواحدةُ مِن الرحيقِ إلى أنْ تَحُطَّ النحلةُ على ألفِ زهرةٍ، أو أكثرَ، ومِن أجلِ أنْ تجمعَ النحلةُ مئةَ غرامٍ مِنَ الرحيقِ تحتاجُ إلى مليونِ زهرةٍ.
إنّ سرعةَ النحلةِ في طيرانِها تزيدُ على خمسةٍ وستينَ كيلو متراً في الساعةِ، فهي تقاربُ في سرعتِها سرعةَ السيارةِ، فإذا كانتْ محمّلةً برحيقِ الأزهارِ تنزلُ سرعتُها إلى ثلاثينَ كيلو متراً في الساعةِ، ولا تَنْسَوْا أنّ حمولةَ النحلةِ من رحيقِ الأزهارِ يعادلُ ثُلُثَيْ وزنِها، ويحتاجُ الكيلو الواحدُ مِن العسلِ إلى طيرانٍ يعادلُ أربعمئة ألفِ كيلو مترٍ تقريباً، ويحتاجُ الكيلو الواحدُ من العسلِ إلى عشرِ دوراتٍ حولَ الأرضِ في خطِّ الاستواءِ، أي ما يعادلُ عشرةَ أضعافِ محيطِ الأرضِ، ويطرأُ على الرحيقِ في أثناءِ الطيرانِ تبدلٌ كيميائيٌّ.
إنّ بعضَ الدولِ المتقدِّمةِ في الصناعةِ تأخذُ الموادَّ الأوليةَ مِن قارةٍ، وفي طريقِها إلى المصانعِ تُجرِي على هذه الموادِّ عملياتٍ كثيرةً معقدةً في الباخرةِ نفسِها، كسباً للوقتِ، وتوفيراً للجهدِ، فإذا ابتدعَ هؤلاءِ هذه الطريقةَ؛ فإنَّ النحلةَ سَبَقَتْهُم في هذا أشواطاً كثيرةً، إنّها في أثناءِ طيرانِها تُجرِي على الرحيقِ تبدُّلاتٍ كيماويةً كثيرةً.
إنه إذا كان موسمُ الأزهارِ غزيراً فإنّها تعطِي حمولتَها لنحلةٍ أخرى، وتعودُ سريعاً لكسبِ الوقتِ، وجَنْيِ رحيقِ الأزهارِ، وإذا كانت الأزهارُ قليلةً، فإنها تدخلُ بها إلى داخلِ الخليّةِ، وتضعُها في المكانِ المناسبِ.
أمّا الملكةُ فهي أكبرُ النحلِ حجماً، فهي تضعُ كلَّ يومٍ في فصلِ الربيعِ قريباً من ألفٍ إلى أَلْفَيْ بيضةٍ، والذي يأخذُ بالألبابِ أنَّ هذه الملكةَ تضعُ الملكاتِ في مكانٍ، والذكورَ في مكانٍ آخرَ، والإناثَ في مكانٍ غيرِه، ليتلقّى كُلٌّ غذاءً خاصاً، وعنايةً خاصةً، بحسبِ جنسِه، وكأنها تعرفُ نوعَ المولودِ قَبْلَ الولادةِ، وهذا يَعجزُ عنه البشرُ.
стр. 465
لو أن امرأةً درستِ الطبَّ، وتخصّصتْ في الأمراضِ النسائيةِ، وفي الولادةِ، وتزوَّجتْ، وحملتْ، هل تعرفُ ما في بطنِها بنفسها؟ إنَّ ملكةَ النحلِ تعرفُ أنَّ في بطنِها ذكراً، أو أنثى، أو ملكةً، وحينما تأتي لتضعَ البيضَ تَضَعُه في المكانِ المناسبِ.
إنّ العاملاتِ منهنَّ يأتينَ بالطعامِ الخاصِّ بالملِكَةِ، ويسمِّي علماءُ النحلِ هذه النحلاتِ الوصيفاتِ.
وإذا ماتتِ الملكةُ اضطربتِ الخليةُ، ويلاحِظُ الإنسانُ هذا التبدُّلَ، وحُمَّةُ الملِكَةِ لا تَلْدَغُ الإنسانَ، بل تلدغُ ملكةً أخرى تُنافِسُها على منصِبِها، لذلك كانت مهمةُ الذكورِ تلقيحَ الملِكاتِ، ومهمةُ الإناثِ العملَ، والملكةُ مهمَّتُها الولادةُ.
هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ دالةٌ على عظمتِه، قال تعالى: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ * ثُمَّ كُلِي مِن كُلِّ الثمرات فاسلكي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٨-٦٩] .
وشاءتْ حكمةُ اللهِ أنْ يخلقَ مجتمعاً قائماً على أعلى مستوياتِ التعاونِ والتكاملِ، والاختصاصِ والعملِ الدؤوبِ المُنتِجِ، والتنظيمِ المعجزِ، بأمرٍ تكوينيٍّ لا بأمرٍ تكليفيٍّ.
لذلك لا يمكن أنْ تجدَ في هذا المجتمعِ خللاً، ولا فساداً، إنه كمالٌ خَلْقيٌّ مطلقٌ، لأنَّ أمْرَه هنا تكوينيٌّ، لا تكلِيفيٌّ، هذا ما نجدُه في مجتمعِ النحلِ.
إنه مجتمعٌ موحَّدٌ، متكاملٌ، على رأسِه ملكةٌ واحدةٌ، لا تنازِعُها أخرى، تشعرُ كلُّ نحلةٍ في الخليةِ بوجودِ الملكةِ عن طريقِ مادةٍ تفرزُها، وتنقلُها العاملاتُ إلى كلِّ أفرادِ الخليةِ، فإذا ماتتِ الملكةُ اضطربَ النظامُ في الخليةِ، وعَمَّتِ الفوضى، وشُلَّتِ الأعمالُ.
إنّ لإناثِ النحلِ أعمالاً متنوعةً كثيرةً تُوَزَّعُ فيما بينها بحسبِ أعمارِها، واستعدادِها الجسمانيِّ، وعندَ الضرورةِ، وعند الخطرِ، وفي المواسمِ الصعبةِ تعملُ كلُّ نحلةٍ أيَّ عملٍ يُفْرَضُ عليها.
стр. 466
هناك وَصيفاتٌ للملكةِ يَقُمْنُ على خدمتِها، وجَلبِ الطعامِ الملكيِّ لها، وهناك حاضناتٌ مُرَبِّيَاتٌ، يَقُمْنَ برعايةِ الصغارِ، وجلْبِ الغذاءِ المناسبِ، وهناك عاملاتٌ يُحضِرنَ الماءَ إلى الخليةِ، وأخرياتُ يَقُمْنَ بتهويةِ الخليةِ صيفاً، وتدفئَتِها شتاءً، وترطيبِها في وقتِ الجفافِ، وغيرُهنّ يَقُمْنَ بتنظيف الخليةِ، وجعلِ جدرانِها ملساءَ، ناعمةً، لامعةً عن طريقِ مواد خاصّةٍ.
وهناك حارساتٌ يَقُمْنَ بحراسةِ الخليةِ من الأعداءِ، ولا يسمحنَ لنحلةٍ أنْ تدخلَ الخليةَ ما لم تذكرْ كلمةَ السرِّ، وإلاّ قُتِلَتْ، وكلمةُ السرِّ تُبَدَّلُ عند الضرورةِ.
وهناك مَن يَقُمْنَ بصنعِ أقراصِ الشمعِ ذاتِ الشكلِ السداسيِّ، الذي تنعدمُ فيه الفراغاتُ البَيْنِيَّةُ، بأسلوبٍ يعجزُ عن تقليدِه كبارُ المهندسين.
وهناك رائداتٌ يَقُمْنَ بمهمةِ استكشافِ مواقعِ الأزهارِ، فإذا عَثَرْنَ عليها عُدْنَ إلى الخليةِ، ورَقَصْنَ رقصةً خاصةً تُحَدِّدُ هذه الرقصةُ لبقيةِ النحلاتِ العاملاتِ الموقعَ، من حيثُ المسافةُ، ومن حيث الاتجاهُ، ودرجةُ النشاطِ في الرقصِ تدلُّ على وفرةِ الغذاءِ، أو تناقُصِه.
والجمهرةُ الكبيرةُ مِن العاملاتِ تنطلقُ إلى مواقعِ الأزهارِ لجنيِ رحيقِها، لأنَّه المادّةُ الأوليةُ للعسلِ، وقد تبعُدُ هذه المواقعُ عن الخليةِ أكثرَ من عشرةِ كيلو متراتٍ، وتعودُ النحل إلى الخليةِ بعدَ أخذِ الرحيقِ بطريقةٍ لا تزالُ مجهولةً حتى اليوم.
والنحلُ أَكْفَأُ الحشراتِ في جمعِ، ونقلِ، وتخزينِ أكبرِ قَدْرٍ مِن رحيقِ الأزهارِ، في أقصرِ وقتٍ، وفي أقلِّ مجهودٍ، وهي أكفأُ الحشراتِ في تلقيحِ النباتاتِ، لتساعدَها على إنتاجِ البذورِ، والثمارِ.
ويخرجُ النحلُ إلى مكانٍ واحدٍ، محدَّدٍ مسبقاً، لتجنيَ رحيقَ أزهارِ نوعٍ واحدٍ، محدَّدٍ مسبقاً، واللافِتُ للنظرِ أنّ أمراضَ النحلِ كلَّها لا تنتقلُ إلى الإنسانِ عن طريقِ العسلِ.
ويتمتّعُ النحلُ بقدرةٍ على الإحساسِ بالزمنِ يصعبُ تقسيرُها، فيعرفُ متّى تُفْرِزُ أزهارُ كلِّ نوعٍ من النباتاتِ رحيقَها، ومتى تنثرُ حبوبَ لقاحِها، ثم يداوِمُ على زيارةِ كلٍّ منها في الموعدِ المناسبِ.
стр. 467
إنّ قيمةَ العسلِ العلاجيةَ أضعافُ قيمتِه الغذائيةِ، ففوائدُه العلاجيةُ في مختلفِ أجهزةِ الجسمِ، وأعضائِه، ونُسُجِه ثابتةٌ، بل تفوقُ الحدَّ المعقولَ؛ كيف لا، وقد قال اللهُ : ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ إِنَّ فِي ذلك لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [النحل: ٦٩] .
فماذا عن إعجازِ نظمِ هذه الآيةِ؟ فلنَدَع الأمرَ لِرَاويهِ وعالِمِهِ.
عمِلَ أستاذٌ من الأساتذةِ في الجامعةِ أربعين عاماً يدرِّسُ علمَ تربيةِ النحلِ، وحينما قرأ قولُه : ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ [النحل: ٦٨] أخذتْهُ دهشةٌ لا حدودَ لها؟ لأنَّ ترتيبَ هذه الآيةِ ونظْمَها، ومدلولَ كلماتِها، وروعةَ إشاراتِها تتوافقُ مع أحْدثِ نظرياتِ النحلِ، بل إنّه لم يكن للعسلِ وقتَ نزولِ هذه الآيةِ الدورُ الذي عُرِفَ الآن، لقد كان العسلُ وقتَها غذاءً، فصار اليومَ دواءً، كان مادّةً حلوةَ الطّعمِ، فصار اليومَ صيدليةً بأكملِها، ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي مِنَ الجبال بُيُوتاً وَمِنَ الشجر وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾ .
قال العلماء: "لقد أوحى اللهُ إلى الأرضِ: ﴿بِأَنَّ رَبَّكَ أوحى لَهَا﴾ [الزلزلة: ٥] ، ووحيُهُ إلى الأرضِ أن يأمرَها بأنْ تفعلَ شيئاً معيَّناً، وعندما يوحِي للنحلِ فذاك وحيُ الغريزةِ التي أودَعَها اللهُ فيها، وقد يوحي لإنسانٍ عادي وحْيَ إلهامٍ، كما أوحى إلى أمِّ موسى: ﴿وَأَوْحَيْنَآ إلى أُمِّ موسى أَنْ أَرْضِعِيهِ﴾ [القصص: ٧] ، وعندما يوحي لأنبيائه فهو وحيُ الرسالة".
стр. 468
فإذا أوحَى اللهُ تعالى إلى النحلِ فلأنَّ هذه الحشرةَ تقدِّم للإنسانِ شيئاً ثميناً، بل إنَّ كلمةَ: (الشفاء) لم تَرِدْ في القرآنِ إلا في مَوْطِنَيْنِ؛ في موطِن العسل، وموطنِ القرآن، وكأنَّ العسلَ شفاءٌ للأجسامِ، والقرآنَ شفاءٌ للنفوس، أما قولهُ سبحانه: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل﴾ ، فلم يقل: وأوحى اللهُ، مع أنَّ اسمَ (الله) عَلَمٌ على الذاتِ واجبةِ الوجودِ، ومع أنّ الأسماءَ الحُسنَى كلَّها منطويةٌ في لفظِ الجلالة، لكنّ اللهَ أرادَ أن يبلِّغ الإنسانَ أنَّ هذا الرّبَ الكريمَ الذي يرعاكَ ويمدُّكَ، هو الذي خَلَقَ النحلَ من أجلك، فالمقامُ هنا مقامُ التربيةِ والرعايةِ.
إنّ ربَّك هو الذي يُربِّيكَ، الذِي يُرَبِّي جسدَك، الذي يربِّي نفسَك، الذي أَوْجَدَكَ، الذي أَمَدَّكَ بالهواء، والماءِ، والطعامِ، والشرابِ، والمعادنِ، وبأشباهِ المعادنِ، وبكلِّ ما في الأرضِ مِن مخلوقاتٍ، هو نفسُه ربُّك الذي أوحى إلى النحلِ.
أمّا الشيءُ الذي يأخذ بالألبابِ فهو أنّ الأمرَ للنحلَ ورد في هذه الآية بصيغة التأنيث: ﴿وأوحى رَبُّكَ إلى النحل أَنِ اتخذي﴾ [النحل: ٦٨] ، بينما جاء الخطابُ للنملِ مذكَّراً، قال : ﴿حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ﴾ [النمل: ١٨] ، فلماذا جاء خطابُ النملِ مذكراً، وخطابُ النحلِ مؤنثاً؟ ذلك أنَّ النملَ جماعةٌ فيها الذكورُ والإناثُ، وإذا أردتَ أنْ تخاطِبَ في اللغةِ الذكورَ والإناثَ مجتمِعين فإنك تستخدمُ ضميرَ الذكورةِ، أمّا إذا كان الخطابُ موجَّهاً إلى الإناثِ فقط فتستخدمُ ضميرَ التأنيث، فجاء الخطابُ للنحلِ مؤنَّثاً لأنّ العاملاتِ وحدَهنَّ اللواتي يصنعن العسلَ، فهل كان هذا معروفاً مِن قبْلُ في عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ ؟.
آياتٌ كثيرةٌ جداً بثَّها اللهُ في الكونِ والأرض، وما على الإنسانِ إلاّ أنْ يدقِّق فيها، ليكونَ إيمانُه بالله تحقيقياً من خلالِ هذه الآياتِ الباهرةِ، التي يعجزُ عن تصوُّرِها عقولُ أهلِ العقولِ.
العسل وفوائده
стр. 469
إنّ النحلَ خُلِقَ على نظامٍ اجتماعيٍّ مُعْجِزٍ، فيه أعلى درجاتِ التعاونِ، وفيه أعلى درجاتِ التنظيمِ، وفيه أعلى درجاتِ الاختصاصِ، وفيه أعلى درجاتِ المرونةِ تحقيقاً للمصلحةِ العامّةِ، ولكن بأمرٍ تكوينيٍّ لا بأمرٍ تكليفيٍّ، فكان من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه مجتمعُ النحلِ، إنّه العسلُ الذي هو محورُ حديثِنا.
بادىء ذي بدءٍ من الآياتِ التي تنضوي تحتَ الإعجازِ في القرآنِ الكريمِ، أو ما يُسمِّيه بعضُ علماءِ القرآنِ السَّبْقَ العلميَّ في القرآنِ الكريمِ، هو أنَّ اللهَ ذَكَرَ أنَّ العسلَ شفاءٌ للناسِ، قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِن بُطُونِهَا شَرَابٌ مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ [النحل: ٦٩] ، وحينما نَزَلَ القرآنُ الكريمُ لم يكن العسلُ في نظرِ الناسِ إلا قيمةً غذائيَّةً، وليسَت علاجيَّةً، فالقرآنُ أشارَ إلى هذا قبلَ أكثر من ألف وأربعمئة عامٍ.
قد قالَ بعضُ العلماءِ: "إنَّ قيمةَ العسلِ العلاجِيَّةَ أساسُها وجودُ أنزيماتٍ نشيطةٍ، هذه الأنزيماتُ سريعةُ التأثّرِ والتَّلَفِ بالتسخينِ، فلو خُزِّنَ العسلُ شهراً بدرجةِ ثلاثين لفَقدَ معظمَ خصائصِه، ولو خُزِّن بدرجةِ عشرين فوق سنةٍ لَفَقدَ معظمَ خصائصِه، يجب أنْ يحافظَ على وضعِه الطبيعيِّ دون أنْ يُسَخَّنَ، أو يُخزَّن في مَكانٍ حارٍّ".
وحتّى لا يقعَ الإنسانُ في خيبةِ أملٍ وهو يسمعُ قولَه تعالى: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ فإنّه ينبغي أن يُفَرِّقَ بين العسلِ الحقيقيِّ الذي أرادَه ربُّنا، الذي هو جنيُ رحيقِ الأزهارِ، والعسلِ المزيّفِ الذي هو جنيُ الماءِ والسكرِ الذي يوضعُ للنحلِ على مقربةٍ من الخلايا، فإنّ تأثيرَ العسلِ المزيّفِ ضعيفٌ جدّاً، وإلهُ الكونِ يقولُ: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾ .
стр. 470
أجْريَتْ بحوثٌ، ودراساتٌ، وتجارِبُ دقيقةٌ جدّاً على آثارِ العسلِ في الجهازِ الهضميِّ، والجهازِ العصبيِّ، والجلدِ، والكبدِ، والأمعاءِ، وبُحِث عن علاقتِه بمرضى السكرِ، وعلاقتِه بالتوتّرِ العصبيِّ، وبالأرقِ، وبأمراضِ الحساسيّةِ، وبالجهازِ التنفّسيِّ، وجهازِ القلبِ والدورانِ، بل إنّ كلَّ أجهزةِ الجسمِ دونَ استثناءٍ تتأَثَّرُ تأثُراً إيجابيّاً وسريعاً بالعسلِ الحقيقيِّ الذي يؤخذُ من رحيقِ الأزهارِ.
ومن باب التقريبِ فإنّ اللهَ يشفي بالعسلِ من الْتهاباتِ الأمعاءِ الحادَّةِ، ويُحسّنُ بالعسلِ نموُّ العظامِ، لأنَّه سريعُ الامتصاصِ، ويمنعُ التَّعفّنَ في الأمعاءِ، وله دورٌ إيجابيٌ في التَّحكَمِ بعضلاتِ المثانةِ البوليّةِ، وهو علاجٌ ممتازٌ للمصابين بتقرّحاتِ المعدةِ والأمعاءِ، ومعظمِ أمراضِ الجهازِ الهضميِّ.
والعسلُ لا يؤذِي مرضى السكري، لأنَّه سكّرٌ أحاديٌّ سهلُ الهضمِ، والتوتّرُ العصبيُّ يتأثَّر إيجابيّاً بِتَناولِ العسلِ، والأرقُ يزولُ بتناولِ العسلِ، وكذلك أعراضُ الحساسيّةِ، وأمراضُ الجلدِ، حتى إنَّ الأطبّاءَ الآن يضعون على الجروحِ العسلَ قبلَ أن تلتئِم؛ لأنّ سرعةَ التئامِ الجروحِ عن طريقِ العسلِ ثلاثةُ أضعافِ سرعةِ التئامها العاديِّ.
والإنسانُ بدلَ أنْ يأخذَ الأدويةَ الغاليةَ الثمنِ عليه أنْ يستعينَ بهذا الشرابِ الصافي الذي أوْدَعَ اللهُ فيه هذه الخصائصَ العجيبةِ، وقد قال العلماءُ في العسلِ: "إنه سبعون مادَّةً دوائيَّةً"، وتكادُ تكونُ شربةُ العسلِ صيدليّةً كاملةً! أنزيمات، معادن، فيتامينات، اثنا عشر نوعاً من السكرِ، وكلُّ نوعٍ له فوائدُ خاصَّةٌ، وما يزالُ هذا الموضوعُ قيْدَ البحثِ، والعلماءُ قدَّموا شيئاً، وغابَتْ عنهم أشياءُ.
هذا هو مجتمع النمل
стр. 471
النملةُ حشرةٌ اجتماعيةٌ راقيةٌ، موجودةٌ في كلِّ مكانٍ، وفي كلِّ وقتٍ، بل إنَّ أنواعَ النملِ تزيدُ على تسعةِ آلافِ نوعٍ، وبعضُ النَّملِ يحيا حياةً مستقرةً في مساكنَ مُحكمَةٍ، وبعضُ النملِ يحيا حياةَ التَّرحالِ كالبدوِ تماماً، وبعضُه يكسبُ رزقَه بجِدِّه وسعيِه، وبعضُه يكسبُ رزقَه بالغدرِ والسيطرةِ، والنملُ حشرةٌ ذات طبعٍ اجتماعيٍّ، فإذا عُزِلَتْ عن أخواتِها ماتتْ، ولو تهيَّأَ لها غذاءٌ جيِّدٌ، ومكانٌ جيدٌ، وظروفٌ جيدةٌ، فهي كالإنسانِ، إذا عَزَلْتَه في مكانٍ بعيدٍ عن الضوءِ، والصوتِ، والساعةِ، والزمنِ، والليلِ، والنهارِ عشرين يوماً فَقَدَ توازنَه.
وتعلِّمُ النملةُ الإنسانَ درساً بليغاً في التعاونِ، فإذا التقتْ نملةٌ جائعةٌ بأخرى شبعى، تُعطي النملةُ الشَّبعى الجائعةَ خلاصاتٍ غذائيةً مِن جسمِها، ففي جهازِها الهضميِّ جهازُ ضَخٍّ تُطعمُ به غيرِها، دقِّقوا في حديثِ رسول اللهِ ﷺ : "لَيْسَ الْمُؤْمِنُ الَّذِي يَبِيتُ شَبْعَانَ، وَجَارُهُ جَائِعٌ".
لقد رصَدَ العلماءُ طرقَ معيشةِ النملِ، وأدهشَهم عملَها الجادَّ الدؤوبَ في تحصيلِ أرزاقِها، والتعاون وتوزيع الوظائفَ فيما بينها بكلِّ دقَّةٍ وجدِّيَّةٍ.
стр. 472
فِللنَّملِ مَلِكَةٌ كبيرةُ الحجمِ، مهمَّتُها وضعُ البيضِ، وإعطاءُ التوجيهاتِ، ولها مكانٌ أمينٌ في مساكنِ النملِ، وهي على اتّصالٍ دائمٍ بكلِّ أفرادِ المَملكةِ، والإناث العاملاتُ لها مهماتٌ متنوعةٌ، من هذه المهماتِ تربيةُ الصغارِ، وهذا يشبهُ قطاعَ التعليمِ، وفي النملِ عساكرُ لها حجمٌ أكبرُ، ولها رأسٌ صلبٌ، كأنَّ عليه خوذةً، وهذا يشبهُ قطاعَ الجيشِ في حراسةِ الملِكةِ، وحفظِ الأمنِ، ورَدِّ العدوانِ، ومن مهماتِ العاملاتِ تنظيفُ المساكنِ والممرّاتِ، وهذا يشبه قطاعَ البلدياتِ، ومن مهماتِ العاملاتِ سحْبُ جثثِ الموتى من المساكنِ، ودفنُها في الأرض، وهذا يشبهُ مكاتبَ دفنِ الموتى، ومِن مهماتِ العاملاتِ جلبُ الغذاءِ من خارجِ المملكةِ، وهذا يشبهُ قطاعِ المستوردين، ومن مهماتِ العاملاتِ زَرْعُ الفطرياتِ، وهذا يشبهُ قطاعَ الزراعةِ، ومن مهماتِ العاملاتِ تربيةُ حشراتٍ يعيشُ النملُ على رَحيقِها، وهذا يشبهُ قطاعَ مربِّي الماشيةِ.
إنّ للنملِ نظاماً دقيقاً في معاشِه، فله قائدٌ يوجِّهه، ويأمره، وله مساكنُ يعيش فيها، وهذه المساكنُ مقسَّمةٌ إلى غرفِ معيشةٍ، ومستودَعاتٍ لتخزينِ المؤنِ، ولها دهاليزُ معقَّدةٌ، عليها حراسةٌ مشدَّدةٌ على مدارِ الساعةِ، ويجتمع من تلك المساكنِ قُرًى كاملةٌ، كأنّها مستعمراتٌ تصل بينها طرقٌ ومسالكُ، حيث تهتدي بها إلى أعلى الأرضِ.
يعمل النمل في قراهُ بموجبِ انضباطٍ مدهِشٍ وصارمٍ للغايةِ، وبإشرافِ النملِ الذي كبرتْ رؤوسُه، وعظمتْ خراطيمُه.
يبني النملُ المدنَ، ويشقُّ الطرقاتِ، ويحفرُ الأنفاقَ، ويخزِّن الطعامَ في مخازنَ وصوامعَ، وبعضُ أنواعِ النملِ يقيمُ الحدائقَ، ويزرعُ النباتاتِ، وبعضُ أنواعِه يقيمُ حروباً على قبائلَ أخرى، قال : ﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
стр. 473
وهناك نوعٌ آخرُ مِنَ النملِ يبني بيوتَه فوق الأرضِ مِن أوراقِ الأشجار وأغصانِها، ويكثرُ هذا تحت شجرِ الصنوبرِ، أو ينحتُ هذه البيوتَ في الأشجارِ العتيقةِ، كما يتَّخذُ الإنسانُ من الجبالِ بيوتاً، ومع أنّ النملَ لا يملكُ الآلاتِ والعُدَدَ فإنه يبني أبراجاً في غايةِ الدِّقَّةِ والإحكامِ، مستعِيناً بمقصِّ فمِه الحادِّ، حيث يمضغُ ما يقصُّه حتى يصبحَ كالعجينِ، ولعلّ ما بناه قدماءُ المصريِّينَ في مساكنهم وأهراماتِهم كان تقليداً للنملِ.
ويبقى صغارُ النمل في الديار، فتحفرُ الحجراتِ، وتبنيِ السراديبَ، وتنمو وهي فيها، بالإضافةِ إلى وجودِ المربياتِ، وبعض النملِ مسؤولٌ عن الحراسةِ، والتنظيفِ، وحفظِ وترتِيبِ المُؤنِ التي يُحضِرُها النملُ العاملُ، وهو يأبى كلَّ الإباءِ أنْ يطَّلعَ أحدٌ على أسرارِه، أو يتطفَّلَ عليه لمعرفةِ نظامِه العجيبِ في الحياة.
وقد وجدَ العلماءُ أن النملَ حين يغادرُ قريتَه يرسلُ في كلِّ مسافةٍ معيَّنةٍ مادّةً كيميائيةٍ لها رائحةٌ حتى يستطيعَ تعرف طريقِ عودتِه، وأنه عندما قام أحدُهم بإزالةِ آثارِ هذه المادةِ لم يستطِع النملُ الاهتداءَ إلى طريق عودتِه، وإذا رأت النملةُ شيئاً مفيداً لا تقوى على حمْلِه نشَرَتْ حوله بعضَ الرائحةِ، وأخذتْ منه قدراً يسيراً، وكرَّتْ راجعةً إلى أخواتِها، وكلما رأتْ واحدةً منهن أعطتها شيئاً ممَّا معها لتدلَّها على ذلك، حتى يجتمعَ على ذلك الشيءِ جماعاتٌ منها، يحملونه، ويجرُّونه بجهدٍ وعناءٍ، متعاونين في نقلِه، علماً بأنّ للنملِ قُوًى عضليةً بالنسبةِ إلى حجمِه تزري بقوّةِ أعظمِ المصارِعين والرياضيِّين، حيث تستطيع النملةُ الواحدةُ أنْ تحملَ بين فكَّيْها حِملاً أثقلَ مِن وزنِها بثلاثةِ آلافِ مرّةٍ مِن غيرِ عناءٍ.
كما وجد العلماءُ أن النملَ ينشرُ عند موتِه رائحةً خاصةً تنبِّهُ بقيَّةَ الأفرادِ على ضرورةِ الإسراعِ بدفنِه قبل انجذابِ الحشراتِ الغريبةِ إليه، وعندما قام أحدُ العلماءِ بوضعِ نقطةٍ من هذه المادةِ على جسم نملةٍ حيَّةٍ سارعَ باقي النملِ إليها، ودفنوها وهي حيَّةٌ.
стр. 474
والنملُ مِنَ الحيواناتِ والحشراتِ القليلةِ التي أودعَ اللهُ فيها غريزةَ ادِّخارِ الغذاءِ، فهو يحتفظُ بالحبوبٍ في مسكَنِه الرطبِ الدافِئ تحت الأرضِ دون أنْ يصيبَها تَلَفٌ، ويتفنَّنُ النملُ في طرقِ الادِّخارِ بحسبِ أنواعِه، فهو يقطع حبَّةَ القمحِ نصفينِ، ويقشِّرُ البقولَ لئلاّ تنبتَ من جديدٍ، أو يترُكها عدَّةَ أسابيعَ في تهويةٍ وحرارةٍ معينةٍ، ويسمحُ لها بعدّها بالإنباتِ، فتنمو، ويظهرُ لها جذرٌ وساقٌ صغيرانِ، حيث تقومُ بقطعِها وتجفيفِها، لتصبحَ مادَّةً جاهزةً يتغذَّى عليها طوالَ مدةِ الشتاءِ، كما أنه يقومُ بتسميدِ أوراقِ الأشجارِ المقطَّعةِ ببرازِ نوعٍ معيَّنٍ من الفراشاتِ، وعندها ينمو عليها نوعٌ من الفطرياتِ يُسمَّى خبزَ الغرابِ، يقومُ النملُ بالتغذِّي عليه، كما أنّ بعضَ أنواعِ النملِ يجلبُ بيوضَ المنِّ إلى عشِّهِ، وعندما يفقسُ يحملُه إلى الخارجِ، ويضعه على النباتاتِ التي تفرز الندوةَ العسليةَ، ثمّ يعيدُه إلى عشِّه في الليلِ، ويحلبُ منه هذه الندوةَ العسليةَ، حيث تُعطِي كلُّ حشرةٍ ما يقاربُ ثمانٍ وأربعينَ نقطةً من هذه الندوة خلالَ أربع وعشرين ساعةً، علماً بأنه يبنى لهذه الحشراتِ حُجُراتٌ خاصَّةٌ لتسكنَ فيها، قال تعالى: ﴿حتى إِذَآ أَتَوْا على وَادِ النمل قَالَتْ نَمْلَةٌ ياأيها النمل ادخلوا مَسَاكِنَكُمْ لاَ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [النمل: ١٨] .
لقد أثبتَ اللهُ ﷻ مِنْ خلالِ هذه الآيةِ اللغةَ والكلامَ للنملِ، وهذه معانٍ في هذه الآيةِ نقلَتْها ملكةُ النملِ إلى رعيَّتها، فهل كشفَ العلماءُ لغةَ النملِ؟ نعم، قال العلماءُ: "إنّ في النملِ غُدداً كيميائيةً في البطنِ والرأسِ، تقومُ بإرسالِ المادةِ الكيميائيةِ؛ التي هي اللغةُ التي تتخاطبُ بها جماعةُ النملِ".
стр. 475
في لغةِ النملِ هناك لغةٌ صوتيةٌ، وهناك لغةٌ إشاريةٌ - حركات - لغةٌ مسموعةٌ، ولغةٌ مشاهدَةٌ، لغةُ الحركاتِ، ولغةُ الأصواتِ، ولغةُ الشمِّ، اللغةُ التي تجرِي بين النَّملِ هي لغةٌ كيميائَّةٌ، النمل تستقبلُ بأعضاءِ حاسّةِ الشمِّ الموزَّعةِ على قرنيّ الاستشعارِ هذه الإشاراتِ الكيميائيَّةَ، فإذَا أرادَ النملُ الانتقالَ الجماعي إلى مكانِ الغذاء خرجتْ نملةٌ تبحثُ عن الغذاءِ، وأفرزتْ مادَّةً كيميائيّةً على طريقِ سيرِها، وهذه لغةٌ من لغاتِ النملِ.
كما أثبتَ اللهُ ﷻ مِنْ خلالِ هذه الآيةِ نوعاً من المعرفة، كما أثبتَ له الروحَ الجماعيةَ، فلم تفكِّرِ النملةُ في إنقاذِ نفسِها على نحوٍ أنانيٍّ، بل حذَّرتْ أصحابَها من سليمانَ وجنودِه، ممّا يدلُّ على روحِ الجماعةِ، والتعاونِ، والتفاني المفطورةِ عليها.
للنملةِ مخٌّ صغيرٌ، وخلايا عصبيةٌ، وأعصابٌ لتقديرِ المعلوماتِ، وخرائطُ كي تهتديَ بها إلى مواقعِ الغذاءِ، وإلى مساكنِها.
وللنملةِ رأسٌ، ووسطٌ، وذنَبٌ أسطوانيٌّ، ولها ستُّ أرجُلٍ تقدِرُ بها على الجريِ السريعِ، ولبعضِها أجنحةٌ للوثوبِ، ولها خمسُ أعينٍ، عينانِ مركَّبتانِ على جانبَي الرأسِ، مكوَّنتانِ من أعينٍ بسيطةٍ تعدُّ بالمئاتِ، وهي ملتئمةُ الوضعِ والتركيبِ والترتيبِ، حيث تُرى وكأنّ لها عيناً واحدةً، والعيونُ الثلاثُ الباقيةُ موضوعةٌ على هيئةِ مثلَّثٍ، يعلو العينين المركبتين، وهي أعينٌ بسيطةٌ لا تركيبَ فيها، غيرَ أنّ عيونَ الذَّكَرِ أكبرُ مِن عيونِ الأنثى، ومتقاربٌ بعضُها من بعضٍ بسببِ قوَّةِ المهامِّ المنوطةِ به.
ولكلِّ نملةٍ قرنانِ طويلان كالشعرتين، بهما تحسُّ الأشياءَ، ويقومان مقامَ اليدين والرِّجلينِ والأصابعِ في الحملِ، ويسمَّيانِ الحاسَّتَيْنِ.
стр. 476
وإنَّ النملةَ تملكُ نوعاً من التصرُّفِ العقلانيِّ، وهي مِن أذكى الحشراتِ، وهي ترى بموجاتٍ ضوئيةٍ لا يراها الإنسانُ، ولغةُ النملِ كيماويةٌ، لها وظيفتان؛ التواصلُ والإنذارُ، فلو سَحَقْتَ نملةً فإنَّ رائحةً تصدرُ عنها، تستغيثُ بها النملاتُ، أو تحذِّرُها من الاقترابِ مِن المجزرةِ، ولا تستطيعُ نملةٌ دخولَ مسكنِها إلا إذا بيِّنتْ كلمةَ السِّرِّ.
وللنملِ جهازُ هضمٍ مدهشٌ، فيه فمٌ ومريءٌ، ومعدةٌ وأمعاءٌ، وجهازُ مصٍّ وضَخٍّ.
وتضعُ إناثُ النملِ بيوضَها في أماكنَ تقربُ من مساكنِ الكبارِ، وتخصِّصُ لها مربِّياتِ يلاحظنَهنَّ ليلاً ونهاراً، مع توفيرِ الحرارةِ المناسبةِ لها حتى تتفتَّح البيوضُ، وتخرج دوداً صغيراً لا جناحَ له ولا أرجلَ، تلاحظُه المربِّياتُ وتطعمهُ، حيث يأكل بشراهةٍ لعدَّةِ أسابيعَ، ثمّ يغزلُ بفمِه، وينسجُ على نفسِه كُرةً من الحريرِ وينامُ، فإذَا مضتْ أيامٌ نهضَ مِن رقدتِه، وقطعَ خيوطَ الكُرةِ، وقرَضَ حريرَها المحيطَ به، تساعدُه في ذلك المربِّياتُ، وتقومُ بتنظيفِه، حيث تظهرُ أرجلُه وأجنحتُه، والنملُ يحبُّ النظافةَ حبّا مفرطاً.
ويعرفُ النملُ غيره من النمل بغيرِ علامةٍ، والتواددُ موجودٌ بين أهلِ القريةِ الواحدةِ فقط، ما عدا ذلك فعداءٌ مُستَحْكَمٌ، حيث يمكنُ أن تنشَبَ الحربُ بين عدةِ قرًى من النملِ، فينتظِمُ في صفوفٍ قتاليةٍ، وتحدثُ المعاركُ، ويقعُ القتلى والجرحى، ويأخذُ النملُ المنتصِرُ الأسرى ليجعلهم خدماً في قُراه، ويقومُ بدفنِ موتاه في مقابرَ خاصَّةٍ به، كما ينظِّف أرضَه من جثثِ أعدائِه، حتى قيل: إنّ النملَ أقربُ الحشرات إلى الإنسانِ في أفعالِه، وقد يصبحُ النملُ قوةً مزعجَةً مهلِكةً، شديدةَ الخطرِ على الإنسانِ نفسِه، حيث يمكنُ أن يقوِّضَ دعائمَ المساكنِ الخشبيةِ، حتى تتداعى عروشُها، أو يكوِّنَ مستعمراتٍ في دورِ الكتبِ، حيث يقومُ بإتلاف الورق أكلاً وتمزيقاً.
стр. 477
أختمُ هذا الموضوعَ بقولِ سيدنا عليّ ﵁: (انْظُرُوا إِلَى النَّمْلَةِ في صِغَرِ جُثَّتِها، وَلَطَافةِ هيئتِها، لا تكادُ تُنَالُ بِلَحْظِ البصرِ، ولا بِمُسْتَدْرَكِ الفِكَرِ، كيفَ دَبَّتْ علَى أرضِها، وصُبَّتْ علَى رِزْقهَا، تنقلُ الحَبَّةَ إلى جُحْرِها، وتُعِدُّها في مُسْتَقَرِّها، تَجْمعُ مِن حَرِّها لِبَرْدِها، وفي وِرْدِها لِصدْرِها، مكفولةٌ برزْقِها، مَرْزوقَةٌ بِوَسَقِهَا، لا يغفلُها المَنَّانُ، ولا يَحْرِمُها الدَّيَّانُ، ولو في الصفا الوابدِ، والحجرِ الجامدِ، ولو فكَّرتَ في مَجَارِي أَكْلِهَا، فِي عُلْوِها وَسُفْلِها، وما في الجوفِ مِن شَرَاسِيفِ بَطْنِها، وما في الرأسِ مِن عَينِها وأُذُنِها، لَقَضَيْتَ مِن خَلْقِها عَجَباً، وَلَقِيتَ مِن وَصْفِها تَعَباً، فتعالى اللهُ الذي أَقَامَهَا عَلَى قَوَائِمِهَا، وَبَنَاهَا عَلَى دَعَائِمِها، لمْ يُشْرِكْهُ في فِطْرَتِها فَاطِرٌ، ولمْ يُعِنْهُ عَلَى خَلْقِهَا قَادِرٌ، لا إِلهَ إلا هوَ، ولا مَعبودَ سواهُ) .
البعوضة
مِن آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهاذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ [البقرة: ٢٦] .
إذا وقفَتْ بعوضةٌ على يدك قتلتَها، ولا تشعرْ بشيءٍ، وكأنّ شيئاً لمْ يحدُثْ، لِهَوَانِها عليك، حتى إنّ النبيَّ ﵊ قال: "لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِراً مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ".
إنّ في رأسِ البعوضة مئةَ عينٍ، ولو كُبِّر رأسُ البعوضةِ بالمِجْهَرِ الإلكترونيِّ لرأينا عيونَها المئةَ على شكلِ خليةِ النحلِ، وفي فمها ثمان وأربعون سنّا، وفي صدرِ البعوضة ثلاثةُ قلوبٍ، قلبٌ مركزيٌّ، وقلبٌ لكلِّ جناحٍ، وفي كل قلبٍ أُذينان وبطينان ودسّامان.
стр. 478
وهي تملك جهازاً لا تملكُه الطائراتُ الحديثةُ، إنه جهازُ (رادار) ، أو مستقبلاتٌ حراريةٌ، بمعنى أن البعوضةَ لا ترى الأشياءَ بأشكالِها وألوانِها، بل بحرارتِها، فلو أنّ بعوضةً وُجِدَتْ في غرفةٍ مظلمةٍ فإنّها ترى فيها الإنسانَ النائمَ، لأن حرارتَه تزيدُ على درجة حرارة أثاث الغرفة، وحساسيةُ هذا الجهاز واحد من الألْفِ من درجة الحرارةِ المئويةِ.
والبعوضةُ تملك جهازاً لتحليل الدمِ، فما كلُّ دمٍ يناسبها، فقد ينامُ طفلانِ على سريرٍ واحدٍ، وفي الصباحِ تجد جبينَ أحدِهما مليئاً بلسعاتِ البعوضِ، أمّا الثاني فلا تجد أثراً للسعِ البعوض فيه.
والبعوضةُ تملكُ جهازاً للتخديرِ، فلو غرستْ خرطومَها في جلد النائم لقتَلَها، ولكنها تخدِّرُ موضعَ لسْعِها، وحينما يزولُ أثرُ المخدِّرِ يشعرُ النائمُ بألمِ اللسعِ، في حين أنّ البعوضةَ تطيرُ في جوِّ الغرفةِ.
وتملك البعوضةُ جهازاً لتمييع الدمِ الذي تمتصُّه من الإنسانِ، حتى يتيسَّرَ له المرورُ عبْرَ خرطومِها الدقيقِ.
وللبعوضةِ خرطومٌ فيه ستُّ سكاكين، أربعُ سكاكينَ تُحدِثُ في جلدِ الملدوغ جرحاً مربَّعاً، ولا بد مِن أن يصلَ الجرحُ إلى وعاءٍ دمويٍّ، والسكِّينتانِ الخامسةُ والسادسةُ تلتقيان لتكوِّنا أنبوباً لامتصاصِ دمِ الملدوغِ.
ويرِفُّ جناحَا البعوضةِ عدداً كبيراً من المرَّاتِ في الثانيةِ الواحدة، حيث يصلُ هذا الرفيفُ إلى درجةِ الطنينِ.
وفي أرجُلِ البعوضةِ مخالبُ إذَا أرادتْ أنْ تقفَ على سطحٍ خشنٍ، ولها محاجمُ إذا أرادتْ أن تقفَ على سطحٍ أمْلسَ.
قال تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الذين آمَنُواْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الحق مِن رَّبِّهِمْ وَأَمَّا الذين كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ الله بهاذا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الفاسقين﴾ .
стр. 479
قال ابن القيم ﵀: "قولُه تعالى: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ، الآية، وهذا جوابُ اعتراضٍ اعترضَ به الكفارُ على القرآنِ، وقالوا: إنَّ الربَّ أعظمُ من أنْ يَذكرَ الذبابَ، والعنكبوتَ، ونحوَها من الحيواناتِ الخَسِيسةِ، فلو كان ما جاء به محمَّدٌ كلامَ اللهِ لم يذكرْ فيه الحيواناتِ الخسيسةَ، فأجابهم اللهُ تعالى بأنْ قال: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ ، فإنَّ ضرْبَ الأمثالِ بالبعوضةِ فما فوقَها إذا تضمَّنَ الحقِّ، وإيضاحَه، وإبطالَ الباطلِ وإدْحاضَه كان مِن أحسنِ الأشياءِ، والحَسَنُ لا يُسْتَحْيَا منهُ".
إنّ البعوضةَ ليست أقلَّ شأناً مِنَ الحوتِ الأزرقِ الذي بلغُ وزنُه أكثرَ من مئةٍ وخمسين طناً، ويستهلكُ وليدُه في الرضعةِ الواحدةِ ثلاثمئة كيلو، حيث تعادِلُ ثلاثُ رضعاتٍ من الحليبِ يومياً طنّاً واحداً، وإذا أرادَ الحوتُ أنْ يأكلَ أكلةً متوسطةً يملأُ بها معدتَه يحتاجُ إلأى أربعةِ أطنانٍ من السمكِ، وهذه وجبةٌ ليست دسِمَةً، وليس خَلْقُ البعوضةِ بأقلَّ مِن خلقِ الحوتِ، والدليل قوله تعالى: ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ، وقولُه سبحانه: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
إنّه خلْقٌ كاملٌ؛ بدءاً من الفيروساتِ التي لا تُرى إلا بالمجاهرَ الإلكترونيةِ، وهناك مخلوقاتٌ أدقُّ من ذلك، وانتهاءً بالمجراتِ التي تبعدُ عنا مليارات السنوات الضوئية، ذلكم اللهُ ربُّ العالمين، من الذَّرَّةِ إلى المجرةِ، نظامٌ واحدٌ، إتقانٌ واحدٌ، صنعَ اللهِ الذي أتقن كلَّ شيءٍ.
الذبابة
يقولُ اللهُ تعالى: ﴿ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ [الحج: ٧٣] .
стр. 480
قالوا: إزعاجُ الذبابِ، وإيذاؤُه، وما يُسَبِّبُه من أمراضٍ قد صَرَفَ الأنظارَ عن التأمُّلِ في هذه الحشرةِ، التي تُعَدُّ أعجوبةً في الخَلْقِ الإلهيِّ.
لقد ضربَ اللهُ للناس الذبابةَ مثلاً، هذا المخلوقُ الضعيفُ المستقذَرُ، الذي يتكاثرُ بسرعةٍ جنونيةٍ، والذي يبدو ضعيفاً، لو أنك رششتَ مكاناً موبوءاً بالذبابِ، وقضيتَ على كلِّ الذبابِ إلا ذبابةً واحدةً؛ لأنتَجتْ هذه الذبابةُ جيلاً من الذبابِ يقاوِم هذه المادّةَ التي رشَشْتَها في هذا المكانِ، فتصنيعُ المضادّاتِ الحيويةِ عند الذبابِ شيءٌ معجزٌ، فَأيُّ شيء يقضي على الذبابِ تصنِّع الذبابةُ في أجهزتِها الدقيقةِ مضاداً حيويّاً يُكسِبُها مناعةً ضد هذه المادّةِ الفعّالةِ، حتى إنّ الذبابَ إذا ماتَ في البردِ ينجبُ جيلاً يقاوِمُ البردَ.
كُبِّرَتْ عينُ الذبابةِ مئاتِ المراتِ، فكان من هذا التكبيرِ العجبُ العجابُ، آلافُ العدساتِ المرصوفةِ بعضُها إلى جانبِ بعضٍ تحقِّقُ للذبابةِ رؤيةً كاملةً، فهذا المخلوقُ الضعيفُ الذي يشمئِزُّ الناسُ منه يستطيعُ أن يُنَاوِرَ مناورةً لا تستطيعُ أعظمُ الطائراتِ الحربيةِ وأحدثُها أنْ تفعلَ فعْلَها، إنها تسيرُ بسرعةٍ فائقةٍ بالنسبة إلى حجمِها، وتستطيعُ أنْ تنتقلَ فجأةً إلى زاويةٍ قائمةٍ، وتستطيعُ أنْ تنتقل من سقفٍ إلى سقفٍ، وهذا شيءٌ لا تستطيعُ طائرةٌ في الأرضِ أنْ تفعلَه، قال تعالى: ﴿ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ .
أما الذي يَلفت النظر فحديثُ سيِّدِ البشر، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قال: قَالَ النِّبِيُّ ﷺ : "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً".
وفي روايةٍ: "فأَمقِلُوهُ"، أي: اغمسوه.
стр. 481
أَكَّدَ العلمُ الحديثُ صحّةَ هذا الحديثِ، فقد كُشفَ أنّ في بعضِ جناحي الذبابةِ مادةً ترياقيةً مضادةً للجراثيمِ، ولأنواعِ الميكروبات، فإذا علِقَ بأرجلِ الذبابةِ بعضُ الجراثيمِ، أو الميكروباتِ، أو البكترياتِ الضارّةِ، ووقعَ هذا الذبابُ في سائلٍ، فعليكَ أنْ تغمسَ الجناحَ الثانيّ، فإنّ في بعضِ الأجنحةِ الدواءَ الترياقَ المضادَّ لهذه الجراثيمِ قال تعالى: ﴿ياأيها الناس ضُرِبَ مَثَلٌ فاستمعوا لَهُ إِنَّ الذين تَدْعُونَ مِن دُونِ الله لَن يَخْلُقُواْ ذُبَاباً وَلَوِ اجتمعوا لَهُ وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ .
مِن وظائفِ هذه الحشرةِ أنها تُنَقِّي الهواءَ بقضائِها على النباتاتِ والعضوياتِ المتفسِّخةِ، ولكنّ الذبابةَ الواحدةَ تحمِلُ في طَيَّاتِها ما يزيدُ على خمسمئةِ مليونِ جرثومٍ، ووجودُ الذبابِ في مكانٍ ما مؤشِّر على أنَّ هذا المكانَ ليس نظيفاً، فكأنّها رادعٌ قويٌّ كي نُنَظِّفَ أَفْنِيَتَنَا كما وجَّهنا النبيُّ ﵊.
إنها سريعةُ التنقُّلِ، بينما هي على مائدتِك إذا هي في يومٍ ثانٍ في مكانٍ تزيدُ مسافتُه على عشرة كيلو متراتٍ، وتنجبُ جيلاً كاملاً كلَّ عشرةِ أيامٍ، توالدُها عجيبٌ.
أمّا الشيءُ الذي لا يكاد يُصَدَّقُ فهو أنّ جُملَتَها العصبيّةَ تشبهُ الجملةَ العصبيةَ عند الإنسانِ، وعينُ الذبابةِ غايةٌ في القوّةِ، وغايةٌ في قوّةِ الإبصارِ، ولها إدراكٌ عالِي المستوى، وقد تتصرَّفُ بغضبٍ شديدٍ إذا ما لاح لها خطرٌ، فهي تغضبُ، وتتعلّمُ، وتحسُّ بالألمِ، ووزنُ دماغِها واحدٌ من مليونِ جزءٍ من الغرامِ، وهو يعملُ بأعلى كِفايةٍ، وفي الذبابة جُمْلَةٌ مِن الغُدَد، ولها ذاكرةٌ تستمرُّ دقيقتين.
والذبابُ أنواعٌ منوَّعةٌ تزيدُ على مئاتِ ألوفِ، منه ذبابٌ مفترِسٌ، ونوعٌ كالنحلةِ يمتصُّ الرحيقَ، ونوعٌ يُخَمِّرُ الفاكهةَ، ونوعٌ ينافِسُ الطائراتِ في مناورَتِها، وفي سرعتِها، وتستطيعُ أنْ تُضَلِّلَ مُطارِدَها، وتسخرَ منه.
стр. 482
فإذا كان الخلْقُ جميعاً في أرقى عصورِهم العلميّةِ عاجزين عن أنْ يخلقوا ذباباً، فقد قال الخلاَّقُ العليمُ: ﴿وَإِن يَسْلُبْهُمُ الذباب شَيْئاً لاَّ يَسْتَنقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطالب والمطلوب﴾ .
كيف عرف الحديثُ النبويُّ هذه الحقيقةَ، مِن أين عرفَها؟ أكان هناك تحليلٌ عنده؟ أكان هناك معاملُ للتحليل؟ أكان هناك ميكروسكوبات؟ كيف قال النبي ﷺ : "إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ، ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ؛ فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً، وَالأُخْرَى شِفَاءً"، وكيف أنّ العلمَ الحديثَ أثبتَ ذلك؟.
إنْ هو إلا وحيٌ يوحَى، وإنّ السنةَ المطهرةَ، بل إنّ ما تواترَ من السنةِ المطهرةِ قطعيُّ الثبوتِ، ومنه ما هو قطعيُّ الدلالةِ، ومَن أَنْكَرَهُ فقدْ كفرَ.
دقِّقوا في آياتِ اللهِ التي بثَّها في الكون، ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
قال ابنُ القَيِّمِ في "الطبِّ النبويِّ" معلَّقاً على حديث: إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ ... : "هذا الحديثُ فيهِ أمْرانِ، أمرٌ فقهي، وأمرٌ طبيٌّ ... وأما المعنى الطبِّي - أي في الحديث - فقال أبو عبيد: معنى أمقِلوه: أغْمسوه، ليخرجَ الشفاءُ منه كما خرجَ الداءُ ... واعلمْ أنّ في الذبابِ قوةً سُمِّيةً يدلُّ عليها الورمُ والحكّةُ العارضةُ عن لسعٍ، وهي بمنزلةِ السلاحِ، فإذا سقطَ فيما يؤذيه اتّقاهُ بسلاحِه، فَأَمَرَ النبيُّ ﷺ أنْ يُقابلَ تلك السّمِّيةَ بما أوْدَعَه الله سبحانه في جناحِه الآخرِ من الشفاءِ، فيُغمَسُ كلُّه في الماءِ والطعام، فتُقابل المادةُ السمّيةُ المادّةَ النافعةَ فيزولُ ضررُها، وهذا طبٌّ لا يهتدي إليه كبارُ الأطباء، وأئمتُهم، بل هو خارجٌ من مشكاةِ النبوةِ، ومع هذا فالطبيبُ العالمُ العارفُ الموفَّقُ يخضعُ لهذا العلاجِ، ويقرُّ لمن جاءَ به بأنه أكملُ الخلْقِ على الإطلاقِ، وأنه مُؤَيَّدٌ بوحيٍ إلهيٍّ خارجٍ عن القُوى البشريةِ".
أسراب الجراد
стр. 483
يقولُ اللهُ : ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] .
إنّ جنودَ اللهِ لا يعلمُها إلا هو سبحانه، وممّا نسمعُ من حينٍ لآخرَ أنَّ أسراباً من الجرادِ تنتقلُ من بلدٍ إلى بلدٍ، وتكافَحُ في هذا البلدِ، وتفلتُ من أيدي المكافحين في بلدٍ آخرَ، هذه الجرادةُ التي تبدو للناسِ ضعيفةً هي شيءٌ خطيرٌ جداً.
يقولُ بعضُ العلماءِ: "إنَّ كميةَ الطعامِ التي تأكلُها الجرادةُ يومياً تعادلُ وزنَها"، فإذا كان سربٌ من الجرادِ يزن ثمانينَ ألفَ طُنٍّ، فهو يأكلُّ في اليومِ الواحدِ ثمانينَ ألفَ طنٍ من الموادِ الغذائيةِ، ولعلَّ اسمَه يشيرُ إلى ذلك، فلا يَدَعُ شيئاً من أوراقِ الأشجارِ، ولا من ثمارِها، ولا من لحائِها، فهي لا تُبقِي ولا تَذَرُ.
يوجدُ في الكيلو متر الواحدِ المربعِ من أسرابِ الجرادِ ما بين مئةِ مليونٍ، ومئتي مليون جرادةٍ.
ويزيدُ طولُ بعضِ أسرابِ الجرادِ على أربعمئة كيلو مترٍ - أي مِن دمشق إلى حلب، أو أكثر - ويضمُّ بعضُ أسرابِ الجرادِ أكثرَ من أربعينَ ألفَ مليونِ جرادةٍ.
بيت العنكبوت
يقولُ اللهُ في كتابِه الكريم: ﴿مَثَلُ الذين اتخذوا مِن دُونِ الله أَوْلِيَآءَ كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] .
بيتُ العنكبوتِ أَوْهَنُ بيتٍ على الإطلاقِ بنصِّ هذه الآيةِ، قال العلماءُ: " (إنّ) حرفٌ مُشَبَّهٌ بالفعلِ، يفيدُ التوكيدَ، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت﴾ ، واللام في قوله تعالى: ﴿لَبَيْتُ﴾ اللام: لامُ المُزَحْلَقَةِ، أساسُها لامُ التوكيد، زُحلِقَتْ من اسمِ إنّ إلى خبرِها"، إذاً هناك توكيدان في الآيةِ، ﴿وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت﴾ ، ويقولُ اللهُ : ﴿وَتِلْكَ الأمثال نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَآ إِلاَّ العالمون﴾ [العنكبوت: ٤٣] .. وهذا التعريفُ يفيدُ التخصُّصَ، فعلماءُ الحشراتِ وحْدَهم يعلمون سرَّ هذه الآيةِ.
стр. 484
جاء في بعضِ التفاسيرِ أنّ بيتَ العنكبوتِ ضعيفٌ لأنه لا يغني عنها من حرٍّ، ولا من قرٍّ، ولا من مطرٍ، ولا من رياحٍ، وهو ضعيفٌ لتفاهتِه، وحقارتِه، هكذا وردَ في بعضِ التفاسيرِ، لكن أستاذاً في علمِ الحشراتِ، في كُلِّيةِ العلومِ في جامعةِ القاهرةِ قال في بعض كتبه العلميّةِ: "إنّ في قوله تعالى: ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ إعجازاً علميّاً؛ حيث إنّ التي تبني البيتَ هي الأنثى، فجاءت تاءُ التأنيثِ في قولهِ: ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً﴾ ".
الأنثى هي التي تغزِلُ البيتَ، وهي التي تُرغِّبُ الذَّكَرَ في الدخولِ إلى البيتِ، حيث تقومُ أمامه بحركاتٍ مُغريةٍ، وتُسمِعُه بعضَ الألحانِ الطنّانةِ، فيأوي إلى بيتِها، وبعدَ التلقيحِ تأكلُه إنْ لم يفرّ ويهرب، وتفترسُه، وتأكلُ أولادَها من بعدُ إنْ لم يفرّوا، ويأكلُ بعضُ أولادِها بعضاً، فضعفُ بيتِ العنكبوت إضافة إلى ضعفِ بنيتِه، هو ضعيف في علاقاتِه الداخليةِ، وقد يُجمعُ الضَّعفانِ في ضعفٍ واحدٍ.
وقيل: إنّ الذي يسمحُ لزوجته أنْ تطغَى عليه، ويخضعُ لمشيئتِها، وينساقُ إلى أوامرِها، فيطيعها فيما لا يرضي اللهَ فهو كالأنعامِ، بل هو أضلُّ سبيلاً؛ لأنّ خضوعَ الذَّكرِ للأنثى لا يكونُ إلا عند الحيواناتِ والبهائمِ.
والمسلمون اليومَ في محنتِهم مع أعدائِهم اليهودِ ومَن كان وراءَهم، إذا اعتمدوا على غيرِ الله، وركنوا إلى قُوى الأرضِ، واستسلموا لها فمثلُهم: ﴿كَمَثَلِ العنكبوت اتخذت بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ البيوت لَبَيْتُ العنكبوت لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ [العنكبوت: ٤١] .
قرون الاستشعار في الحشرات
اخترع الإنسانُ المراصدَ ليرصدَ حركاتِ النجومِ، والأجسامَ المتحركةَ، والمناخَ، مَن يصدِّقُ أنّ في الكائناتِ الحية قرونَ استشعارٍ تقومُ بوظائفَ يعجزُ عنها الإنسان؟
стр. 485
في الحشراتِ الدنيا التي نحتقرُها أجهزةٌ تضاهِي أدقَّ الأجهزةِ التي اخترَعَهَا الإنسانُ، قالَ العلماءُ: "إنّ في بعضِ الحشراتِ قرونَ استشعارٍ فيها مستقبلاتٌ كيميائيةٌ، تستقبل الروائحَ والعطورَ، وروائحَ الموادِّ، فتبني حركتَها وبحْثَها عن رزقِها وَفقَ المعطياتِ التي تقدِّمُها هذه المستقبلاتُ الكيميائيةُ".
وفي بعضِ الحشراتِ قرونُ استشعارٍ فيها مستقبلاتٌ ميكانيكيةٌ تسمعُ بها الأصواتَ، وتحسُّ بها حركةَ الرياحِ كما هو موجودٌ عند بعض أنواع الذبابِ، وهذه المستقبلاتُ الميكانيكيةُ تتأثرُ بالحركةِ، أمّا الأولى فتتأثّرُ بالتركيبِ الكيميائيِّ.
شيءٌ آخرُ: بعضُ الحشراتِ لمجردِ أنْ يكونَ هناكَ مادةٌ حلوةٌ تأتي فوراً، كيف أَتَتْ؟ إنها أَتَتْ عن طريقِ المستقبِلاتِ الكيميائيةِ.
كيف أَتَتْ هذه الذبابةُ الكبيرةُ إلى هذا المكانِ؟ إنها أتَتْ لوجودِ حيوانٍ ميتٍ، هذه الرائحةُ انتشرتْ في الجوِّ، وتأثرتْ بها هذه الذبابةُ، فجاءتْ إلى هذا المكانِ، هذه مستقبلاتٌ كيميائيةٌ، لكنّ الأغربَ مِن هذا أنّ هناك مستقبلاتٍ في بعضِ الحشراتِ تتحسَّسُ بالأشعةِ تحتَ الحمراءِ، فإذا استمرَّ إحساسُها بهذا الشيء الحارِّ، وبهذه الأشعةِ فهي على استقامةٍ معه، وإذا جاءَ الإحساسُ نوبياً، فهي تقطعُه عرضياً، فإذا جاءتْ على محورِه يستمرُّ هذا الإحساسُ، وتتّجهُ إليه، وهذا الجهازُ موجودٌ في البعوضةِ، فلو أنّ رجُليْن نائمين على فراش، الأولُ مصابٌ بالحمى، حرارته مرتفعة، فإنّ البعوضةَ على بُعْدِ ثلاثةِ أمتارٍ تميِّزُه، لأنّ عندها قرونَ استشعارٍ، فيها نهاياتٌ تتحَسَّسُ بالأشعة تحتَ الحمراءِ، فتأتي إليه وحْدَه.