Полный текст (485 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.
стр. 421
إذا حَرَّمَ اللهُ شيئاً كان هناك علةٌ علميةٌ بين النتائج وعلّةِ التحريمِ، فأيُّ لحمٍ مليءٍ بالديدانِ واليرقاتِ لو طبَخْتَه طبخاً عادياً، أو شويته شيّاً عادياً، فإنّ هذه اليرقاتِ لا تموتُ، لذلك حينما تشيعُ الأمراضُ في بعضِ البلادِ التي تأكلُ لحمَ الخنزيرِ، كان ذاك شيئاً طبيعيّاً جداً، بل إنَّ ستَّ حالاتِ وفاةٍ، إحداها من هذه الدودةِ التي تعيشُ في خلايا الخنزيرِ.
شيءٌ آخرُ، إنّ الدهونَ التِي في هذا الحيوانِ فيها نسبةٌ عاليةٌ من الكولسترول، لذلك فإنّ الذبحة القلبيةَ، وتصلُّبَ الشرايينِ تزدادُ ثمانيةَ أضعافٍ في الدولِ التي تأكل هذا اللحمَ، وتقلُّ في الدولِ التي لا تأكلُ هذا النوعَ من اللحمِ.
أردتُ من هذه المقالةِ التي نُشِرَتْ في مجلةٍ أنْ يعرفَ المسلمُ لماذا حَرَّمَ اللهُ عليه لحمَ الخنزيرِ؟ والمقالةُ طويلةٌ، تنطوي على تفصيلاتٍ كثيرةٍ، ولكن أتيت على بعضِ ما فيها من فقراتٍ.
إنّ اللهَ حَرّم الخبائثَ، وأحلَّ الطيباتِ، فالشيءُ التي تطيبُ النفسُ به حلالٌ، والشيءُ الذي يتلِفُ الجسَدَ، أو يذهبُ العقلَ فهو حرام.
وعلى كل فإن علّةَ أيِّ أمرٍ إلهيٍّ أنّه أمرٌ إلهيٍّ وكفى، فبَعدَ جدالٍ طويلٍ بينَ عالِمَيْنِ مسلمَيْن حوْلَ حكمةِ تحريمِ لحمِ الخنزيرِ قال الأكثرُ فقهاً: يكفيك من هذا الجدلِ الطويل أن تقولَ لي: إنّ اللهَ حرّمه.
حيوان يعيش في الصحاري شبيه بالكنغر
مِن عجائبِ المخلوقاتِ حيوانٌ من الحيواناتِ التي تعيشُ في الصحارى، هذا الحيوانُ له رِجلانِ طويلتان، يقفزُ بهما كما يقفزُ حيوانُ أستراليا الكنغر، ولِذَنبِه خصلةٌ من شَعرٍ يستطيعُ به في أثناءِ قفزتِه أنْ يحوّلَ اتِّجاهه، وهو في الهواءِ كَذَيْلِ الطائرةِ تماماً، هذا الحيوانُ فيه ظاهرةٌ عجيبةٌ، حيوانٌ كأيِّ حيوانٍ، له جهازُ هضْمٍ، وله جهازُ دورانٍ، وفيه سوائلُ كثيرةٌ، ولكنَّ هذا الحيوانَ لا يتناوَلُ قطرةَ ماءٍ في كلّ حياتِه، واللهُ يقول: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ أَفَلاَ يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنبياء: ٣٠] .
стр. 422
فما مِن كائنٍ حيٍّ إى والماءُ جزءٌ أساسيٌّ منه، فالإنسانُ مثلاً فيه سبعون بالمئة من وزنِه ماءً، وهذا الحيوانُ لا يتناولُ الماءَ أبداً في كلّ حياتِه.
بعضُ علماءِ الحيواناتِ اسْتأنسوا هذا الحيوانَ، فوَضَعُوه في مزارعَ، وحَمَلُوه على شُربِ الماءِ فلم يفلحوا، لا يتناولُ الماءَ في حياتِه أبداً، سؤالٌ كبيرٌ، مِن أين يأتيه الماءُ إذاً؟ معَ أَنَّ السوائلَ موجودةٌ في كلِّ أجهزتِهِ، ثم اكتشفوا أخيراً أنّه يصنعُ الماءَ في جهازهِ الهضميِّ، من الأكسجينِ الذي يستنشقُه، ومن الهيدروجينِ، وهذا يحتاجُ إلى أجهزةٍ بالغةِ التعقيدِ، فهذا الحيوانُ الذي يعيشُ في الصّحارى، ويصنعُ الماءَ بِجهازه الهضميِّ، يأخذُ الأكسجينَ من الهواءِ، ويأخذُ الهيدروجينَ، وهما مكوّنا الماءِ، من بعض الحبوبِ الجافّةِ التي يحرصُ على أكلِها، يأخذ منها الهيدروجين، ويصنعُ من هذا الهيدروجين، وذاك الأكسجين الماءَ الذي يُعِينُه على أنْ تستمرَّ حياتُه على النَّحوِ الذي ينبغي.
في الكَونِ أشياءُ من العَجَب العُجاب لو تراه العيونُ الباحثةُ عن الحقيقةِ لأيقَنَتْ بعظمةِ الله، فاللهُ على كلّ شيءٍ قديرٌ، وإنّ كلَّ حيوانٍ قد يتفوّقُ على الإنسانِ بِشَكل أو بآخرَ، ولكنَّ الإنسانَ أكرَمه اللهُ بأنْ حمَّلَهُ أمانةَ التكليفِ، فإذا غَفَلَ عن هذه الأمانةِ فأيُّ حيوانٍ يعدُّ أرْقَى منه، لأنه مسيَّرٌ، وغيرُ مكلَّفٍ، ولا يُعَذَّبُ، تفكَّروا في مخلوقاتِ اللهِ، ففي الكونِ آياتٌ لا حصْرَ لها، وفي الأرض آياتٌ للموقنين؛ في طعامِكم، وفي شرابِكم، فيما حوْلكم من الظواهرِ التي تروْنَها في كلِّ مكانٍ، آياتٌ دالّةٌ على عظمةِ اللهِ.
الكلاب وما ينتج عنها من أمراض
اطَّلعتُ على بحثٍ علميٍّ متعلّقٍ بالكِلابِ، هذا البحثُ مُصَدَّرٌ بثلاثةِ أحاديثَ شريفةٍ صحيحة.
فالأوّلُ: عَنِ ابْنِ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ".
стр. 423
وفي الحديثِ الثاني: قال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنِ اقْتَنَى كَلْباً لا يُغْنِي عَنْهُ زَرْعاً وَلا ضَرْعاً نَقَصَ كُلَّ يَوْمٍ مِنْ عَمَلِهِ قِيرَاطٌ".
والثالثُ: عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُغَفَّلٍ قَالَ: إِنِّي لَمِمَّنْ يَرْفَعُ أَغْصَانَ الشَّجَرَةِ عَنْ وَجْهِ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ: "لَوْلاَ أَنَّ الْكِلاَبَ أُمَّةٌ مِنَ الأُمَمِ لأَمَرْتُ بِقَتْلِهَا فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهيمٍ، وَمَا مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَرْتَبِطُونَ كَلْباً إِلا نَقَصَ مِنْ عَمَلِهِمْ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ إِلا كَلْبَ صَيْدٍ أَوْ كَلْبَ حَرْثٍ أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ".
مؤلِّفُ هذا البحثِ العلميِّ ذَكَرَ ستّةً وثلاثين مرضاً، يسبِّب الكلبُ العدوى بها، وليس من طريقٍ للتخلُّصِ من هذه الأمراضِ إلا أنْ نتخلَّصَ من الكلابِ نفسِها، والجديرُ بالذكرِ أن هناك مرضاً خطيراً هو مرضُ الكلَب، إنه مرضٌ قاتلٌ يتربَّصُ بالمرءِ خمسةَ أيامٍ ثم يهلكُه، ولعلك تسألُ: أليس هناك حيواناتٌ أخرى تسبِّبُ العدوى، فنقول: شتَّانَ ما بينهما، فنسبةُ نقلِ القططِ - مثلاً - للأمراضِ لا تتعدَّى ٧%، ولكنها في الكلابِ ربما تصل إلى ٩٢%.
في فرنسا وحْدَها كان عددُ الكلاب عام (١٩٧٦) سبعةَ ملايين كلبٍ، وكان عددُ سكانها اثنين وخمسين مليوناً، والعالَمُ الغربيُّ يعتني بالكلابِ إلى درجةٍ غيرِ معقولةٍ إطلاقاً، وكأنه استغنى عن الأولادِ بالكلابِ.
ومن الغريبِ أنّ لهذه الكلابِ ذاتِ العددِ الكبيرِ في ظلِّ الفراغِ الروحيِّ دوراً قَذِراً في الشذوذِ الجنسيِّ في أوربة وأمريكا.
وأمّا في إسلامِنا الحنيفِ، ودينِنا الطاهرِ فلا بأسَ بوجودِ كلبِ الصيدِ، وكلبِ الحراسةِ، أمّا لغير هذه الأهدافِ فلا يجوزُ أنْ تقتنيَ كلباً، "مَنِ اتَّخَذَ كَلْباً إِلا كَلْبَ زَرْعٍ أَوْ غَنَمٍ أَوْ صَيْدٍ يَنْقُصُ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطٌ".
حاسة الشم عند الكلاب
أودعَ ربُّنا سبحانه في الحيواناتِ آياتٍ عجيبةً، وخصَّ كُلاًّ بآيةٍ فريدةٍ، فهذه الكلابُ فيها حاسَّةُ شمٍّ تفوقُ حاسَّة البشرِ بمليونِ ضِعفٍ.
стр. 424
يمكنُ أنْ تضعَ بضعَ غراماتٍ من مادةٍ مخدِّرة في علبةٍ مُحكَمَةِ الإغلاق، وهذه المادةُ مغلَّفةٌ بوَرَقٍ كتيم، والعلبةُ محكمةٌ ضمنَ علبةٍ، والعلبتان ضمنَ صندوقٍ، وأنْ تأتيَ بمئةِ صندوقٍ متشابهةٍ، وأنْ ترسلَ كلباً، فإذا هو يهتدي إلى هذه المادةِ من بين مئة صندوقٍ، لقد أعطاه اللهُ هذه القدرةَ، وتسأل حينئذٍ: كيف تنقذُ الرائحةُ؟ وكيف تصل إلى أنفِ هذا الحيوانِ؟!! إنّه شيءٌ معجِزٌ.
لقد أثبتَ العلمُ الحديثُ أنّ لكلِّ إنسانٍ على وجهِ الأرضِ رائحةً خاصَّةً، ولا يتشابَهُ اثنان في رائحةٍ، بل إنّ لكلّ من التَّوْأَمَيْنِ اللذين وُلِدَا من بويضةٍ واحدةٍ رائحةً خاصةً، فيكفي أنْ تقرِّبَ إلى أنفِ هذا الحيوانِ شيئاً مِن رائحةِ عَرَقِ الإنسانِ، ولو كان هذا الإنسانُ بين مئاتِ الألوفِ من البشرِ، فإنَّ الكلب يهتدي إليه، وهذا شيء معجِزٌ.
تحتلُّ خلايا الشمِّ في الإنسانِ مسَاحةً لا تزيدُ على خمسةِ سنتيمتراتٍ مربعةٍ، وأمَا خلايا الشمِّ في هذا الحيوان فتحتلُّ مساحةً تزيدُ على مئةٍ وخمسين سنتيمتراً مربعاً، هناك ما يزيد على خمسة ملايين خلية لِتَحَسُّسِ الروائحِ، أمّا في هذا الحيوانِ فهناك ما يزيد على مئةٍ وخمسين مليونَ خلية لِتَحَسُّسِ هذه الروائح.
تفوق حاسّةُ الشمِّ لدى هذا الحيوان حاسَّةَ الإنسانِ بمليونِ مرةٍ، لذلك مهما احتال مهربو المخدِّراتِ، ومهم أخفَوْها في حرزٍ حريز، فإنّ هذه الحيواناتُ تستطيعُ أنْ تكتشفَ هذه المادةَ، التي تقضي على سعادة الأُسرِ.
ويستطيع الحيوانُ المدرَّبُ على تَتَبُّعِ الروائحِ أنْ يشمَّ رائحةَ إنسانٍ من بينِ مئةِ ألفِ إنسان، بشرطِ أنْ يُعْطَى بادئَ ذي بدءٍ شيئاً مِن رائحته، ولو كان ذا دلالةٍ طفيفةٍ.
مَن يصدِّق أنَّ ذاكرةَ هذا الحيوانِ يمكنُ أنْ تستوعبَ ملايينَ الروائحِ، فإذا دُرِّبَ على كشفِ روائحَ معينةٍ، فأيُّ رائحةٍ مدرجةٍ في ذاكرتِه يكتشفُها.
شيءٌ آخرُ: إذَا كان لديك وعاءان، وفي كل وعاء خمسون لتراً من الماء، ووضعتَ في أحدهما ملعقةً صغيرةً من الملحٍ، فإن هذا الحيوانَ يفرِّق بين العذبِ والمالحِ عن طريقِ الشمِّ فقط.
стр. 425
شيءٌ آخرُ: لو وضعتَ ملعقةَ خلٍّ في خمسةِ آلاف لترٍ، أي في خمسة أطنانٍ، ووضعتَ في خمسة آلاف لتر أخرى ماءً عذباً لاهتدى هذا الحيوانُ إلى الماءِ الذي فيه ملعقةُ الخل، فما هذه الحاسّةُ العجيبةُ؟.
ومِنَ الطريفِ أنْ يُشارَ إلى بعضِ الدولِ التي تستخدمُ هذا الحيوانَ لكشفِ تسرُّبِ الغازِ في الأنابيبِ المدفونةِ تحتَ الأرضِ، إنه يتَّبعُ هذا الأنبوبَ، ويعوِي في أي مكانٍ شمَّ منه الغازَ، ليشيرَ إلى مكانِ تسرُّبِ الغازِ.
لقد سَخَّرَ اللهُ لنا هذا، فماذا فعلنا؟ هل شَكَرْنَاهُ على هذا الكونِ العظيمِ؟ هل شكرناهُ على هذه المخلوقاتِ التي سُخِّرتْ مِن أجلِنا ﴿هُوَ الذي خَلَقَ لَكُمْ مَّا فِي الأرض جَمِيعاً﴾ [البقرة: ٢٩] .
العقرب والانفجار النووي
الإنسانُ له خصائصُ يتميَّزُ بها، وخصائصُ يشتركُ فيها مع بقيةِ الخَلْقِ، وأيُّ صفةٍ يفتخرُ بها ففي المخلوقاتِ مَا يفوقُه فيها، لكن الإنسانَ ميَّزهُ اللهُ بالعلمِ، والحكمةِ، والقوةِ الإدراكية، وميَّزَه بأنْ جعله المخلوق المكرَّم، كلَّفه عمارةَ الأرضِ، وكلَّفه تزكيةَ نفسِه، فإذا اشتغلَ الإنسانُ بما انفردَ به خيرٌ له مِن أنْ يسعى إلى التفوُّقِ في أشياء قد ميزَّ اللهُ بها بعضَ مخلوقاتِه عليه.
وقعتْ تحت يدي مقالةٌ، مضمونُها أنّ فرنسا قبل خمسٍ وثلاثين سنةً قامت بتفجيرٍ نوويٍّ في صحراءِ الجزائرِ، وهذا التفجيرُ النوويُّ لهيبٌ حارقٌ، أو ضغطٌ ماحقٌ، لا يبقِي نباتاً، ولا حيواناً، ولا إنساناً، وأحْدَثَ هذا الانفجارُ حفرةً كبيرةً جداً، وكوَّنَ كرةً من النارِ تعلو مساحاتٍ شاسعةً، وبَعْدَ نهايةِ الانفجارِ، وسكونِ الأرضِ؛ وجدُوا عقرباً يمشِي في أرضِ الانفجار، إنها مفاجأة غريبة عجيبةٌ.
стр. 426
عَكَفَ علماءُ الحيوانِ ربعَ قرنٍ على دراسةِ هذا العقربِ، فوجدوا أنّ العقربَ يستطيعُ أنْ يبقى بلا طعامٍ ولا شرابٍ ثلاثَ سنواتٍ متتاليةٍ، ووجدوا أنّ العقربَ يستطيعُ أنْ يكّتمَ أنفاسَه تحتَ الماءِ مدةَ يومين كاملين، ووجدوا أنه إذا وُضِعَ في الثلاجةِ وكانت درجةُ البرودةِ عشرَ درجاتٍ تحت الصفرِ، ثم نُقِلَ إلى رملِ الصحراءِ المحرِقةِ - وهي في درجةٍ ستين - فإنّه يتكيَّف مع هذا التبدُّلِ الطارئ، ثم إنه إذَا وُضِع في حمّامٍ من الجراثيمِ الفظيعةِ لم يتأثَّرْ بها أبداً، وكأنه في حمّامٍ باردٍ، ثم إنهم عرَّضوه لأشعةٍ نوويةٍ تزيدُ ثلاثمئةِ ضعفٍ على ما يتحمَّله الإنسانُ فتحمَّلها، شرَّحوه فإذَا به ليس بذي دمٌ، بل فيه مصلٌ أصفرُ، ماذا يعلِّمنا هذا؟
يعلِّمنا هذا البحثُ أنّ الإنسانَ سريعُ العطبِ، يحتملُ سبعاً وثلاثين درجةً من الحرارةِ، لا يحتمل الأربعينَ، ولا يحتملُ الصفرَ.
أرادَ اللهُ أنْ يكونَ الإنسانُ حساساً، كان من الممكنِ أن يكونَ كهذا المخلوقِ، فلا يتأثرُ بشيءٍ، ولا يمرضُ، ولكنّ المرضَ نافذةٌ إلى السماءِ تُفتَحُ على الإنسانِ، العقربُ مخلوقٌ صغيرٌ لا أحدَ يأبهُ له، بل نقتلُه إنْ رأيناه، يتمتعُ بهذه الحصانةِ، بم يتأثَّرْ وهو في بؤرةِ الانفجارِ النوويِّ، وبقيَ يمشي.. معنى ذلك أنّ في المرضِ حكمةً تغيبُ عنا أحياناً، كان من الممكنِ، واللهُ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، أن نتمتعَ بهذه الحصانةِ، فلا مرضَ، ولا مستثفيات، ولا ارتفاعَ ضغطٍ، ولا مرضَ قلبٍ، ولا رئتين، ولا أورامَ، ولا شيءَ من هذا القَبيلِ.
أراد اللهُ أن يكونَ الإنسانُ معرَّضاً للبلايا والأمراضِ لِما في المرضِ مِن حِكمٍ بالغةٍ، قد تظهر، وقد تخفى، مع أن قدرةَ الله تتعلَّق بأنْ يجعلَ المرءَ في حماية تامَّةٍ من الأمراضِ، وبُعدٍ عن المستشفياتِ، وأمانٍ من الأورام، ولكنّ المرضَ نافذةٌ إلى السماءِ.
تحريم الدم
стр. 427
قال تعالى: ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ الله بِهِ فَمَنِ اضطر غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾ [الأنعام: ١٤٥] .
ماذا يقولُ العلماءُ عن الدمِ؟..
يحملُ الدمُ سموماً وفضلاتٍ كثيرةً، ومركباتٍ ضارّةً، ذلك لأنَّ إحدى وظائفِه هي نقلُ فضلاتِ الجسمِ، وسمومِه؛ لِيُصَارَ إلى طرحِها، وأهمُّ الموادِّ التي يحويها الدمُ هي البولةُ وحمضُ البولِ، وهي المستقلباتُ النهائيةُ الناتجةُ عن تقويضِ البروتيناتِ، ويحملُ بعضَ السمومِ التي ينقلُها مِنَ الأمعاءِ إلى الكبدِ بُغْيَةَ تعديلِها، فإذا ما تناولَ الإنسانُ كمياتٍ من الدمِ فإنّ هذه المركباتِ تُمتصُّ، ويرتفعُ مقدارُها في الجسم، إضافةً إلى المركباتِ التي تنتجُ عن هضمِ الدمِ ذاتِه، مما يؤدِّي إلى ارتفاعِ نسبةِ البولةِ الدمويةِ، وبالتالي إلى حدوثِ اعتلالٍ دماغيٍّ، ينتهي بالسُّباتِ.
هذا ما يقولُه العلماءُ حولَ الدمِ ... إذ حينما حرَّمه اللهُ حرّمه لحكمةٍ بالغةٍ.
ويُعدُّ الدمُ وسطاً ملائماً جداً لنموِّ أنواعٍ كثيرةٍ من الجراثيمِ، استُفيدَ من هذه الخاصةِ في صنعِ مزارعِ الجراثيمِ من الدمِ، ولا يمكنُ أن يُعَدَّ الدمُ غذاءً، لذلك فإنّ الذبيحةَ غيرَ المُذكَّاةِ لا يجوزُ أكْلُها، لأنّ دمَها فيها ... والذبيحةُ التي لم تُذبحْ وَفقَ الشريعةِ الإسلاميةِ لا يجوزُ أن تأكلَها بحالٍ، والدمُ فيه كلُّ هذه السمومِ، وهذه الفضلاتِ، وهذه الأشياءِ المؤذيةِ.
стр. 428
شيءٌ آخرُ، هذا الحكمُ الشرعيُّ المأخوذُ من هذه الآيةِ الكريمةِ يجبُ أنْ يكونَ واضحاً في أذهانِ المسلمينَ إذا سافَروا إلى بلادِ الغربِ، فما ذُبِحَ على غيرِ الطريقةِ الإسلاميةِ لا يجوزُ أكْلُه، أما إنْ لم يسمَّ عليها فهناك رأيٌ لبعضِ الفقهاءِ بجواز أكلها إذا سمَّى آكِلُهَا، أما إنْ لم تُذبَحْ بطريقةِ الذبحِ الشرعيِّ، بطريقةِ إخراجِ الدمِ كلِّه إلى خارجِ الذبيحةِ، فهذا يؤذي الإنسانَ أشدَّ الأذى، ويوقِعُهُ في معصيةِ اللهِ .
الدم المسفوح وعلاقته بالجراثيم
لقد حرَّم ربُّنا علينا الدمَ المسفوحَ، وهذا من الإعجازِ العلميِّ في قوله : ﴿قُل لاَّ أَجِدُ فِي مَآ أُوْحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً على طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلاَّ أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَّسْفُوحاً﴾ [الأنعام: ١٤٥] ، وفي كلمةِ: ﴿مَّسْفُوحاً﴾ إشارةٌ إلى أنّ هذا الدمَ المسفوحَ موطنٌ للجراثيمِ، غيرَ أنّ في الجسم أجهزةً بأعلى مستوى للتصفيةِ، فالكليتان تنقِّيانِه من الموادِّ السامَةِ، والرئتان تنقِّيانِه من الغازاتِ السامةِ، ولكنْ إذا ماتتِ الدابةُ أصبحَ الدمُ موطِناً للجراثيمِ والأوبئةِ، لذلك فالشيءُ الذي يَلفتُ النظرَ أنّ العالَمَ الغربيَّ بعد أنْ اكتشِفَتِ الجراثيمُ صدَرَتِ القوانينُ بتحريمِ الدمِ، وتحريمِ لحومِ الميتةِ، بعد أنْ عَرَفُوا ضررَه، ولكنّ اللهَ في القرآنِ الكريمِ قَبْلَ أكثر من ١٤٠٠ عام حرَّمَ علينا الدمَ المسفوحَ، وحرّمَ علينا لحمَ الدابِّةِ الميتةِ.
стр. 429
إنّ الشيءَ الذي يؤكِّدُ هذه الحقيقةَ أنّ أيَّ سكينِ جزارٍ فيها آلافٌ مُؤَلَّفَةٌ مِنَ الجراثيمِ، وبمجردِ أنْ تلامِسَ هذه الجراثيمُ الدمَ تتوالدُ كلَّ نصفِ ساعةٍ وتتضاعفُ، ففي ثلاثِ ساعاتٍ تزدادُ مِن ألفِ جرثومٍ إلى مئاتِ مِئاتِ الألوفِ من الجراثيمِ، فلذلك لما حرَّمَ علينا ربُّنا في كتابهِ الكريمِ الدمَ، وحرّمَ علينا لحمَ الميتةِ، وجدناه يتطابقُ مع أحدثِ النظرياتِ الحديثةِ المتعلِّقَةِ بتكاثرِ الجراثيمِ، وبالعدوى، فحينما تقرأُ القرآنَ يجبُ أنْ تعلمَ أنّ هذا كلامُ الخالقِ، ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] ، وليس ثمّةَ جهةٌ أعْظمَ خبرةً، وأعظمَ صواباً في توجيهاتها مِن خالقِ الكونِ.
إنّ هذه الكلمةَ: ﴿دَماً مَّسْفُوحاً﴾ ، تؤكِّدُ أنّ هذا الدمَ وهو يجري في العروقِ دمٌ طاهرٌ، فإذا أصبح مسفوحاً تسلَّطتْ عليه الجراثيمُ.
والعربُ قبلَ الإسلامِ كانت تضع الدمَ في الأمعاءِ، وتَشْوِيهِ، وتأكلُه، واليوم في البلادِ التي لا تأتمرُ بأمرِ اللهِ يحلو لها أنْ تأكلَ اللحمَ مع دمِه، لذلك يُصعَقُ الحيوانُ صعقاً، ولا يذبحُ، ويقطَّع، وهذه اللتراتُ الخَمْسةُ التي هي دمُ هذا الحيوانِ تبقى في لحمِه، فإذا أحببتَ السعادة لنفسَك، وأردتَ أنْ تنجوَ من متاعبِ الحياةِ فطبِّقْ تعليماتِ الصانعِ، وهذا القرآنُ الكريمُ هو تعليماتُ الصانعِ، وهذا الذي ينبغي أنْ يفهمَه المؤمنُ، فليستْ أوامرُ الدين حدًّا لحرِّيتِه، ولكنّها ضمانٌ لسلامته.
إذا رأيتَ عمودَ كهرباءٍ كُتِبَ عليه: "خطر الموت"، هل تشعرُ أنّ المسؤولين وَضَعوا هذه اللوحةَ ليَحُدُّوا مِن حريتك، لا، إنما وضعُوها ليضمنوا لك سلامتَك.
стр. 430
يجبُ أنْ نفهمَ الدينَ هذا الفهمَ العميقَ، فإذا رأيتَ جسراً، وعليه لوحةٌ كُتِبَ عليها: "الحمولةُ القصوى خمسةُ أطنانٍ"، وأنتَ تقودُ شاحنةً حمولتُها سبعةُ أطنانٍ، فإذا أردتَ أنْ تسيرَ على هذا الجسرِ، هل تقول: هل أُخَالَفُ؟ هل هناك مَن يراقبني؟ لا، القضيةُ أعمقُ من ذلك، لنْ يخالِفَك أحدٌ، وإذا مررتَ على هذا الجسرِ فلا بد أنْ تسقطَ في النهرِ، هذه اللوحةُ التي كُتِبَتْ على هذا الجسرِ ليستْ حدّاً لحريتِك، ولكنَّها ضمانٌ لسلامتِك، هكذا ينبغي أنْ يفهمَ المؤمنُ، لذلك حدَّ ربُّنا حدوداً، قال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩] .
كهذا التيارِ الكهربائيِّ العالي تَوَتُّرُهُ، حوْلَ هذا التيارِ ساحةٌ تجذِبُ إليه، إذا كانت المعاصي مِن هذا النوعِ انطبقَتِ الآيةُ الأخرى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ [البقرة: ١٨٧] .
فالمسافةُ كبيرةٌ بين: ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ، و: ﴿فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ ، فالحدودُ التي مِن شأنِها أنْ تَجذِبَ الإنسانَ إليها لا تقرَبُوها.
قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى﴾ [الإسراء: ٣٢] ، الزنى خطواتٌ، وقال : ﴿تِلْكَ حُدُودُ الله فَلاَ تَقْرَبُوهَا﴾ ، أمّا أكل المال الحرامِ، ﴿فَلاَ تَعْتَدُوهَا﴾ ، وعلى كلٍّ هي حدودُ سلامتِك، إذا قلنا: حدودُ الله، فهي حدودٌ لسلامتك، وأنْ يرضى اللهُ عنك، وأنْ تستحقَّ عنايةَ اللهِ بك، وأنْ تستحقَّ حفْظَ الله لك، هذه كلُّها ضمنَ حدودِ اللهِ، فإذا كنتَ في طاعةِ الله فأنت في ذمةِ الله، وفي حفظ الله، وفي توفيقه، فلو أننا بحثنا عن كل طاعةٍ، وعن كل معصية لعَرَفْنا أنها تنطوي على خيرٍ ليس له حدودُ، وأنّ المعصيةَ تنطوي على شرٍّ ليس له حدود، ولكنْ على الإنسانَ أنْ يفهمَ، وعليه أنْ يُسَلِّمَ فيما لا يفهمْ.
الحكمة من تذكية الذبيحة
стр. 431
مِن دلائلِ نُبوَةِ النبيّ ﷺ هذا الموضوعُ العلميُّ، تذكيةُ الذبيحةِ، وبحسبِ توجيهِ النبي ﷺ هي الذبحُ بطريقةٍ معيَّنةٍ، ويتمُّ ذلك بقطعِ الوريدِ الرئيسيِّ فقط، وأنْ يمتنِعَ الذابحُ عن قطع الرأسِ بالكاملِ، ولم يكن في عصرِ النبيِّ ﷺ ولا في الجزيرةِ العربيةِ، ولا في مراكزِ الحضاراتِ شرقاً وغرباً مِن معطياتِ العلمِ ما يسمحُ بتعليلِ هذا التوجيهِ، بل ولا في العصورِ التي تَلَتْ عصرَه ﷺ ، إلى أن اكْتُشِفَ أخيراً قَبْلَ بضعةِ عقودٍ من الزمنِ أنَّ القلبَ - قلبَ الإنسان وقلبَ الذبيحةِ - ينبضُ بتنبيهٍ ذاتيٍّ يأتيه من مركزٍ كهربائيٍّ في القلب، ومع هذا المركزِ الأولِ مركزان كهربائيان احتياطيان لهذا المركزِ، يعملُ الثّانِي عندَ تعطُّلِ الأوّلِ، ويعممل الثالثُ عندَ تعطُّلِ الثانِي، ولكنَّ هذا التنبيهَ الذاتيَّ الذي يأتي من القلبِ يُعطِي النبضَ الطبيعيَ (ثمانينَ نبضةً في الدقيقةِ، ليس غير) ، أما حينما يواجهُ الكائنُ خطراً، ويحتاجُ إلى مئةٍ وثمانين نبضةً في الدقيقة لِتُسَرِّعَ الدمَ في الأوعيةِ، وليرتفعَ الجهدُ العضليُّ بزيادةِ إمدادِه بالدمِ فلا بد عندئذٍ مِن أنْ يأتيَ أمرٌ استثنائيٌّ كهربائيٌّ هرمونيٌّ من الغدَّة النخامية في الدماغ إلى الكظرِ، ثم إلى القلبِ، وهذا يقتضي أنْ يبقى رأسُ الدابةِ متّصلاً بجسمِها حتى يُفَعَّلَ الأمرُ الاستثنائيُّ برفعِ النبضِ.
стр. 432
إنَّ نبضَاتِ القلبِ الاستثنائيةَ بعدَ الذبحِ - مِن خلالِ وجودِ علاقةٍ بين المخِّ والقلبِ - تدفعُ الدمَ كلَّه إلى خارجِ الجسم، فيصيرُ الحيوانُ المذبوحُ طاهراً ورديَّ اللون، ومعلومٌ أنَّ مهمّةَ القلبِ عندَ ذبحِ الحيوانِ هي إخراجُ الدمِ كلِّه من جسم الدابّةِ، والنبضُ الطبيعيُّ لا يكفِي لإخراجِ الدمِ كلِّه مِن جسمِ الذبيحةِ، فإذَا قُطِعَ رأسُ الذبيحةِ بالكاملِ حُرِمَ القلبُ من التنبيه الاستثنائي الكهربائي الهرموني الذي يُسْهِمُ في إخراج الدم كلِّه مِن الذبيحةِ، عندئذ يبقى دمُ الدابَّةِ فيها، ولا يخفى ما في ذلك مِن أذىً يصيبُ آكِلِي هذه الذبيحةِ، فإذا بقيَ دمُ الدابّةِ فيها كان خطراً على صحّةِ الإنسانِ، لأنّ الدمَ في أثناءِ حياةِ الدابّةِ يُصفَّى عن طريقِ الرئتين والكليتين والتعرقِ، أما بعدَ الذبح فيصبحُ الدمُ بيئةً صالحةً لنموِّ الجراثيمِ الفتّاكةِ، حيث تسري الحموضُ السامَّةُ التي تؤذِي الإنسان بسبب وجودِها في جسم الحيوانِ، وبهذا يتسمَّمُ اللحمُ كلُّه، وبوجودِ حمضِ البولِ في الدمِ، وبوجودِ الدمِ في اللحمِ يسري هذا كلُّه إلى آكلِ هذه الذبيحةِ، فإذا أكلَ الإنسانُ هذا اللحمَ فإنه يعاني من آلامٍ في المفاصلِ، لأن حمضَ البولِ يترسَّبُ في تلك المفاصلِ ولذلك فتذكيةُ الذبيحةِ تطهيرُها بخروجِ الدمِ منها، ولا يخرجُ الدمُ كلُّه مِن الذبيحةِ إلا إذا بَقِيَ الرأسُ متّصلاً بالذبيحة.
مَن أنبأَ النبيَّ ﷺ بهذه الحقائقِ التي اكتُشِفَتْ قبَلَ حينٍ، حيثُ أَمَرَ أصحابَه بقطعِ أوداجِ الدابّةِ دونَ قطعِ رأسِها، كما تفعلُ معظمُ المسالخِ في العالَمِ غير الإسلاميِّ؟
إنّ هذا الحديث الشريف مِن دلائلِ نبوَّةِ النبيِّ ﷺ . إنَّ كلَّ شيءٍ حرَّمهُ اللهُ علينا إنما حرَّمه لأنّه عليمٌ خبير، قال تعالى: ﴿وَلاَ يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ﴾ [فاطر: ١٤] ، ولأنه خَلَقَنَا، وهو أعلمُ بما ينفعنا، فمَن خَالَفَ أمْرَ اللهِ فعليه أنْ يدفعَ الثمنَ.
стр. 433
ومِن سننِ النبيِّ ﷺ إنهارُ الدمِ، وفريُ الأوداجِ، إذْ لا بدَّ أنْ يخرجَ هذا الدمُ الذي يحملُ كلَّ عواملِ المرضِ من جسمِ الدابَّةِ، فقد قال العلماءُ: "إنّ الدابَّةَ التي تحتجزُ الدمَ في أنسجتِها يميلُ لونُها إلى اللونِ الأزرقِ، وإذا بقيَ هذا الدمُ في النسيجِ العضليِّ تحلَّلَ، وخَرجَتْ منه حموضٌ تؤدِّي إلى تيبُّسِ اللحمِ وتصلُّبِه، وبعد ساعاتٍ ثلاثٍ تنفردُ الجراثيمُ الهوائيةُ واللاهوائيةُ بإفسادِ هذه النُّسُجِ اللحميةِ التي بقيَ الدمُ فيها، وهذا التفاعلُ تنتجُ عنه مركباتٌ كريهةُ الرائحةِ، سامّةُ التأثيرِ، وينتفخُ اللحمُ بالغازاتِ المتولِّدةِ".
لذلك حينما علَّمنا النبيُّ ﷺ أنه لا بدَّ من ذبحِ الدابةِ مِن أوداجِها، فمِن أجل أنْ يخرجَ الدمُ من جسمِها، ويبقَى اللحمُ طاهراً طيِّباً.
من هُنا كانت حكمةُ ربِّنا بأنْ حَرَّمَ علينا أكلَ المنخنقةِ، والموقوذةِ، والمترديةِ، والنطيحةِ، وما أَكَلَ السَّبُعُ، ففي هذه الحالاتِ كلِّها يبقى الدمُ في بدنِ الدابةِ، والدمُ فيه كلُّ عواملِ المَرَض، وعواملِ التفسخِ، وعواملِ التصلبِ، وعواملِ الانتفاخِ، فلا بدَّ أنْ يكونَ اللحمُ مذبوحاً بالطريقةِ الشرعيةِ.
стр. 434
لكنَّ النبيَّ ﵊ استثنى السمكَ من شرطِ إنهارِ الدمِ، وقد يسألُ سائلٌ: ما بالُ السمكِ نأكلُه ميتاً؟ وهل دمُ السمكِ غيرُ دمِ الدوابِّ الأخرى؟ يجيبُ العلماءُ عن هذا التساؤلِ بأنّ للسمكِ خاصةً أوْدَعَها اللهُ فيه، وهي أن السمكةَ إذا اصطيدتْ، وخرجتْ من الماءِ، وفارَقَتِ الحياةَ فسوف يتجمَّع دمُها كلُّه في غلاصمِها، وكأنها ذُبِحَتْ، لذلك فأنت تميِّزُ السمكَ الذي صِيدَ حديثاً من القديمِ مِن غلاصمِه، فإذا كانتْ ممتلئةً بالدمِ الأحمرِ فإنّ السمكَ طازجٌ، وإذَا كانت الغلاصمُ ذاتَ لونٍ أزرقَ فقد مضى وقتٌ على صيدِها، لذلك استثنى النبيُّ ﵊ تناوُلَ السمكِ مما مات من الحيوانات، وهذا من دلائل نبوته ﷺ ، وهو لا ينطقُ عن الهوى، فحينما أَمَرَنَا بهذه السُّنَن فلأنها تنطوي على حكمةٍ يكشفُ العلمُ شيئاً فشيئاً عن أبعادِها، وعن دقائقِها، وعن حكمتِها.
الأسماك
الحوت
مِن آياتِ اللهِ الدالَّةِ على عظمتِه هذه الحيتانُ التي تجوبُ المحيطاتِ، والشيءُ اللافتُ للنّظر أنّ نوعاً واحداً منها، وهو الحوتُ الأزرقُ يزيدُ عددُه على مئةٍ وخمسين ألف حوتٍ، كما قدَّره بعضُ العلماءِ، والحوتُ الأزرقُ يزِنُ مئةً وثلاثين طنّاً، ويبلغُ طولُه خمسةً وثلاثين متراً! فلو ضربْتَ وزْنَ هذا الحوتِ بِعَدد الحيتانِ لكان الرقمُ عظيماً، فلو قُسِّمَ على أهلِ الأرضِ لأصابَ كلُّ إنسانٍ من ستّةِ آلافِ مليون أربعةَ كيلو غرامات.
стр. 435
هذا الحوتُ يولَدُ وِلادةً، وإذَا كان طولُه وهو جنينٌ في بطنِ أمِّه لا يزيدُ على سنتمترٍ واحدٍ فإنه يصلُ بعد الولادةِ إلى سبعةِ أمتار، ويَزِنُ طنَّيْن، ويستطيع الحوتُ أنْ يبقى في البحرِ أكثرَ من ثلاثينَ دقيقةً، وأمّا الإنسانُ فلا يستطيعُ أن يبقى دونَ تنفّس أكثرَ من ثلاث دقائقَ، هذا لأنّ طريقةَ بناءِ جسمِ الحوتِ تجعلُ هذا الأكسجينَ الذي اسْتنشقهُ يخزَّنُ في عضلاتِه، وفي دمِه، وفي أنسجتِه، وعشرةٌ بالمئة منه يُخزَّنُ في رِئتَيْهِ، ويجوبُ هذا الحوتُ الكرةَ الأرضيّةَ من الشمالِ إلى الجنوبِ، يذهبُ إلى القُطْبَينِ، ويعودُ إلى خطِّ الاستواءِ، وممّا هو معلومٌ أنّ هناك فروقاً كبيرةً في درجاتِ الحرارةِ، غيرَ أنّ طبقةً من الدُّهْنِ تَقِيهِ من البرْدِ، تصلُ سماكتُها إلى مترٍ، فإذا توجَّهَ نحو خطّ الاستواءِ حيث المياهُ الدافئةُ قلَّتْ هذه الكمياتُ الدهنيّةُ إلى النّصفِ تقريباً.
والحوت لا يشبعُ بِوَجبةٍ أقلَّ من أربعةِ أطنانٍ، يَسُدُّ بها جَوْعَتَه كما يقولون، هذا الحيوانُ الكبيرُ، لو نظرْتَ إلى أحوالِ السّمك الصغير، فإنّ فيها من الأجهزةِ ما في الحوتِ، ولكنْ على نحوٍ مصغّرٍ، فتباركَ اللهُ الخلاّقُ لِمَا يشاءُ، هذه آيةٌ من آياتِ اللهِ تعالى، فالبحرُ وما فيه مِن حيواناتٍ تزيدُ أنواعها على المليونِ نوعٍ من السّمكِ، هذه كلُّها خُلْقَتْ لنا، قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض جَمِيعاً مِّنْهُ﴾ [الجاثية: ١٣] .
إنّ اللهَ خَلَقَ هذه الآياتِ لِوَظيفَتَين؛ الوظيفةُ الأولى وظيفةٌ دلاليّةٌ، والثانيةُ دُنيويّةٌ، ﴿نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً وَمَتَاعاً لِّلْمُقْوِينَ﴾ [الواقعة: ٧٣] ، في كلّ شيءٍ خَلَقَه اللهُ تذكرةٌ، ومتاعٌ، ﴿فَسَبِّحْ باسم رَبِّكَ العظيم﴾ [الواقعة: ٧٤] .
السمك زعانفه ومقياس الضغط عنده
قال تعالى: ﴿وَهُوَ الذي سَخَّرَ البحر لِتَأْكُلُواْ مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً﴾ [النحل: ١٤] .
стр. 436
يستهلِكُ العالَمُ بحسبِ بعضِ الإحصاءاتِ القديمة ما يزيدُ على مئةِ مليونِ طنٍّ مِنَ السمكِ البحريِّ، فهي غذاءٌ لبني البشرِ، ويقدِّر العلماءُ أنّ في البحرِ ما يزيدُ على مليونِ نوعٍ مِنَ السمكِ؛ بعضُها كبيرٌ، يزيدُ وزنُها على مئةٍ وأربعين طناً، كالحوتِ، وبعضُها صغيرٌ، بعضُها وديعٌ، وبعضُها شَرِسٌ، بعضُها جميلٌ، وبعضُها مُكَهْرَبٌ، فهناك أنواعٌ مِنَ السمكِ لا تعدُّ، ولا تُحصَى.
ولكنّ العلماءَ وقفوا عند الزعانفِ، فقالوا عنها: إنها وسائلُ للدفعِ، والتوازنِ، والتوجيهِ، وكَبْحِ جماحِ السمكةِ، إنها توقِفُ أو تخفِّفُ سرعتَها عن طريقِ الزعانفِ، وتتحرَّكُ نحو الأمامِ عن طريقِ الزعانفِ، وتتوازنُ عن طريقِ الزعانفِ، وتعدِّلُ وِجهتَها؛ يميناً أو شمالاً، ارتفاعاً أو انخفاضاً، عن طريقِ الزعانفِ.
هذه الزعانفُ بها تسيرُ الأسماكُ، وبها تغيِّرُ مسارَها، أو تصحِّحُه، وبها تتوازنُ، وتقفُ.
وأَوْدعَ اللهُ فيها جهازاً لقياسِ الضغطِ، فإنَّ السمكةَ تعرفُ في أيِّ لحظةٍ أينَ هي من عُمقِ الماءِ، لو أمسكتُم سمكةً بأيديكم، لرأيتم في قِسْمِها العُلويِّ خطاً متصلاً من غلاصِمِها إلى ذَنَبِها، هذا الخطُّ هو أنبوبٌ مفرَّغٌ من الهواءِ، كلما زادَ ضغطُ الماءِ عليه انضغطَ، فبانضِغاطِه تعرفُ السمكةُ أين هي مِن عمقِ الماءِ، أفي السطحِ هي أم في الأسفل؟.
إن السمكَ آيةٌ من آياتِ اللهِ ، فالسمكةُ تستطيعُ أنْ تحوِّلَ الطعامَ إلى هواءٍ، فتطفو، وترتفعُ، فإذا أطْلقتْ هذا الهواءَ الزائدَ غاصتْ في الأعماقِ، وإنّ الهواءَ الذي في جوفِها تصنعُه من الطعامِ، فترتفع، أو تطلِقُه، فتنخفض، وهذه آيةٌ أيضاً من آياتِ الله في خَلْقِه.
تبارك الذي خَلَقَ لنا كلَّ شيءٍ، وسخَّرَ لنا كلَّ شيءٍ، فيجبُ على الإنسانِ أنْ يصولَ ويجولَ، وأن يفكِّرَ في آياتِ الله، فلعلّه يعرفُه من خلالِ آياتِه، وإذا عرفَه استقامَ على أمْرِه، فخَشِيَه، وعظَّمَه، قال سبحانه: ﴿وَمَا قَدَرُواْ الله حَقَّ قَدْرِهِ والأرض جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ القيامة والسماوات مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر: ٦٧] .
стр. 437
فالتفكُّرُ عبادةٌ، بل إنك لن تعرفَ اللهَ إلا من خلالِ آياتِه، قال تعالى: ﴿تَلْكَ ءايات الله نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بالحق﴾ [الجاثية: ٦] ، وقال: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١] .
سمك السلمون
من الآياتِ الدالّةِ على عظمةِ اللهِ سَمَكٌ في البحارِ اسمه السَّلمون، وله اسمٌ آخرُ هو حوتُ سليمانَ، هذه الأسماكُ لها سلوكٌ حيَّر العلماءَ، على أنّ ذلك مِن المعجزاتِ، ولا تفسيرَ له إلاّ في ضوءِ القرآنِ، قال تعالى:
﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
стр. 438
هذه الأسماكُ تُولَدُ في رؤوسِ الأنهارِ في أمريكة (منابعِ الأنهارِ) وتهاجرُ مِن هذه المنافع إلى مصبَّاتِها، ومن مصبَّاتِها إلى نهايةِ المحيطِ الأطلسي، إلى سواحلِ فرنسة، ثم تعودُ من سواحلِ فرنسة إلى مصبَّاتِ هذه الأنهارِ، وإلى مكانِ ولادتِها، لا تظنَّ أنَّ هذا كلامٌ، فإنّ في هذا بحوثاً استغرقتْ عشراتِ السنين، وهناك مركزُ بحوثٍ وُضِعَ في بعضِ الأنهارِ، أَحْصَى مليوني سمكةٍ من نوعِ السلمونِ تعودُ إلى مسقطِ رأسِها كلَّ يومٍ، ولمدةِ شهرين، وكان بعضُ العلماءِ قد وَضَعَ عليه قطعةً معدنيةً فيها تاريخُ هجْرتِه، فلما عادَ عرفوا مدةَ الرحلةِ، أمّا السؤالُ الكبيرُ الذي يحيِّر العقولُ: كيف رجعَ هذا السمكُ من المحيطِ الأطلسيِّ إلى مصبِّ النهر ثم إلى منبعِه؟ لو أتينا بأحدِ علماءِ البحارِ، وأركبْنَاه قارباً، وله عينانِ مبصرتانِ، وقلنا له: اتَّجِهْ، وأنت على سواحلِ فرنسا إلى مصبِّ الأمازون، فهذا الإنسانُ العاقلُ المفكِّرُ، لو كان عالماً كبيراً في علمِ البحارِ لا يستطيعُ أنْ يصلَ إلا بالخرائطِ، والإحداثياتِ، والاتصالاتِ اللاسلكيةِ، وعناءٍ، وأشياءَ كثيرةٍ، أمّا السمكةُ في باطنِ البحر وأعماقِه فلو أنها حادَتْ في زاويةِ انطلاقِها درجةً واحدةً لَجَاءَتْ في نهرٍ آخرَ، لو أنها حادَتْ ثلاثَ درجاتِ لتغيَّرَ مكانُ اتِّجاهِها من أمريكة الشماليةِ إلى الجنوبيةِ، فكيف تستطيعُ هذه السمكةُ، وهي لم تُؤْتَ ما أوتيَ الإنسانُ أنْ تعودَ من سواحلِ فرنسة إلى مصبِّ النهرِ الذي خرجتْ منه، ثم تتابعُ سيْرَها في النهرِ نفسِه، وقد تصعدُ الشلالَ، وهناك صورٌ دقيقةٌ أُخِذَتْ لسمكِ السلمونِ، وهو يصعدُ الشَّلالَ ليعودَ إلى مسقطِ رأسِه، فتُولَدُ وتموتُ هناك، من سَيَّرَها؟ قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] ، وقال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ١-٣] .
стр. 439
لو تفكَّرْنا في سلوكِ الحيوانِ لوجَدْنا العجبَ العُجابَ، وإضافةً إلى سَمَكِ السَّلمون هناك ثعابينُ البحارِ، والطيورُ في السماءِ، مَن يسيِّرها؟ مَن يعطِيها هذه القدرةَ على معرفةِ أهدافِها ليلاً أو نهاراً، مهما ضلَّلها الإنسانُ، فلا بد أنْ تَصِلَ إلى هدفِها.
السمك الهلامي
ثمة نوع من الأسماك يسمَّى السَّمَكَ الهلاميَّ، وقد غزا بالملايينِ شواطىءَ فرنسة وإيطالية واليونانَ منذ فترة قريبةٍ، وحوَّلها إلى أرضٍ شائكةٍ شبيهةٍ بِغاباتٍ من الثعابين، ثمّة سابحٌ أشْرَفَ على الموتِ، كان يسبحُ بعيداً عن الشاطئ الصّخري قُرْبَ (أثنيا) ، قال: شعرتُ فجأةً بألَمٍ شديدٍ في ساقِي، كالألَمِ الذي تُحدثُه لسْعةُ مِكواةٍ حاميةٍ، وبعد ربْعِ ساعةٍ شعرتُ بما يُشبهُ وَخْزَ الدبابيسِ في رأسِي، ثمّ أُغْمِيَ عليَّ، وحينما أُسعِفتُ، وفحَصَني الطبيبُ، وجدَ ضغطِي يُقاربُ الصّفرَ! وقد قدّرَ بعضُ العلماءِ أنّ عددَ السّمكِ الهلاميِّ في الأماكنِ التي يغزوها يزيدُ على خمسٍ وعشرين سمكةً في المترِ المكعّبِ الواحدِ، وأنّ سِرباً طولُه مترانِ يحوي عدداً كبيراً من هذا السّمكِ، ويتّفقُ علماءُ الحياةِ على أنْ ليس لهذا السّمكِ منطقٌ واضحٌ في تحرُّكاتِه لماذا غزا هذه الشواطئ؟ لا نعلم.. هل هناك قاعدةٌ؟ لا نعلم، وهل هناك دوراتٌ ثابتةٌ؟ لا نعلم، والسّمكُ الهلاميُّ أنواعٌ تزيدُ على الألفِ، يبلغُ قطْرُ بعضِها مترَيْنِ، ولسْعةُ السّمكِ الهلاميِّ الأستراليِّ تؤدِّي إلى الموتِ في غُصونِ دقائقَ، ليس لهذا السّمكِ الهلاميِّ أعْيُنٌ ولا آذانٌ، ولا أدمغةٌ، أجسامُها شفّافةٌ، تبدو رقيقةً ناعمةً انسيابيّةً، الماءُ فيها ثمانيةٌ وتسعون بالمئة، تتجلّى من جسمِها مجسّاتٌ سامّةٌ دقيقةٌ، مثلُ الخيوطِ، يصْعبُ رؤيتُها، والمجسّاتُ هذه قابلةٌ للتمدّدِ نحوَ ثمانين سنتمتراً، لأنّها مخزونةٌ في حقبٍ على شكلِ نوابضَ! فما إن يَلمسُ هذا السّمكُ الهلاميُّ جسداً حتى تنطلقَ ملايينُ الخيوطِ من أعقِلَتِها لِتَنفثَ السمَّ في جسمِ ضحيّتِها.
стр. 440
ينصحُ الأطبّاءُ بِتَجنيدِ الشواطئِ بِوَحداتِ إسعافٍ، وينصحُ الأطبّاءُ السبَّاحين أنْ يُزَوَّدوا بِحُقَنِ الكورتيزون، لأنّ هناك لسعاتٍ مميتةً.
إنّه إذا اتَّفَقَ علماءُ الحياةِ البحريّةِ على أنّه ليس ثمَّةَ منطقٌ واضحٌ في تحرّكاتِ هذا السّمكِ الهلاميِّ، فإنّ علماءَ التوحيدِ يتَّفقون على أنّ هذا السّمكَ الهلاميَّ يتحرّكُ وَفْقَ خِطّةٍ واضحةٍ، وهدفٍ واضحٍ، رَسَمَهُ له ربُّه الذي خَلَقَهُ، إنّ هذا السّمكَ تحرّكَ نحو الشواطئ التي كثُرَ فيها الفسادُ، وربَنا يقول: ﴿ظَهَرَ الفساد فِي البر والبحر بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي الناس لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الذي عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: ٤١] ، ويقولُ: ﴿الله خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ على كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ﴾ [الزمر: ٦٢] .
لا يُسمَحُ لهذا السّمكِ بالتحرّكِ إلا وَفْق مشيئةِ اللهِ، وخِطَّةٍ دقيقةٍ رَسَمَهَا له ربُّه الذي خَلَقَهُ، وما من إنسانٍ عاقلٍ يحرّكُ شيئاً من دونِ هدفٍ، فكيفَ بربّ العالمينَ؟ أيتحرّكُ هذا السمكُ نحو تلك الشواطئ بلا هدفٍ. قال تعالى: ﴿مَّا مِن دَآبَّةٍ إِلاَّ هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَآ﴾ [هود: ٥٦] ، وقال سبحانه: ﴿مَآ أَصَابَ مِن مُّصِيبَةٍ فِي الأرض وَلاَ في أَنفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كتاب مِّن قَبْلِ أَن نَّبْرَأَهَآ إِنَّ ذلك عَلَى الله يَسِيرٌ﴾ [الحديد: ٢٢] ، إنّه جندٌ مِن جنودِ اللهِ، ﴿وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ﴾ [المدثر: ٣١] ، وجنودُه كثيرةٌ.
وإنّ هذا السمكَ الهلاميَّ الذي غزا شواطئَ فرنسة، وإيطالية، واليونان، وجَعَلَها كالغابةِ من الثعابينِ، إنّ اللهَ حرَّكَها لحكمةٍ لا تخفى على أهلِ الإيمانِ.
السمكة الطبيبة
كان أحدُ علماءِ البحارِ يركبُ غوَّاصةَ أبحاثٍ تحتَ سطحِ البحرِ، لَفَتَ نظَرَه سمكةٌ كبيرةٌ خَرجتْ مِن سرْبِها، واتجهتْ إلى سمكةٍ صغيرةٍ، فتصوَّر - كما هي العادةُ - أنّ هذه السمكةَ الكبيرةَ توجَّهت إلى الصغيرة لتأكلَها، ولكنه وَجَدَ أنها وَقَفَتْ إلى جانبِها، وبدأتِ السمكةُ الصغيرةُ تأكلُ مِن حراشفِ الكبيرةِ، فسجَّلَ عنده هذه الظاهرةَ.
стр. 441
بعد عشرةِ أعوامٍ تقريباً اكتُشِفَتْ حقيقةٌ رائعةٌ، هي أنّ هذه السمكةَ الصغيرةَ مُتَخَصّصةٌ في علاجِ أمراضِ الأسماكِ كلِّها، وكأنَّ عهداً وميثاقاً غيرَ مكتوبٍ بينَ أسماكِ البحرِ يقرِّرُ أنّ هذه السمكةَ الصغيرةَ، المتخصّصةَ في مداواةِ أمراضِ السَّمَكِ الخارجيّةِ لا ينبغي أنْ تُؤْكَلَ، لذلك أُجْرِيَتْ بحوثٌ كثيرةٌ، وتَتَبَّعَ العلماءُ مواطنَ هذا السمكِ، الذي أَعْطَوْه اسماً خاصّاً.
هذا السمكُ جعلَ اللهُ غذاءَه على التقرّحاتِ والإنتاناتِ، والطُّفَيْلِيَّاتِ، والفطريَّاتِ التي تَتَوَضَّعُ على حراشفِ الأسماكِ الكبيرةِ، فالأسماكُ الكبيرةُ تتجهُ إليها لتعالجَها من أمراضِها، وكأنّ هناك عُرفاً وامتناناً.
بل إنّ بعضَ الحالاتِ الغريبةِ التي سُجِّلتْ، وصُوِّرَتْ، أنّ سمكةًَ كبيرةً كانتْ تشكُو قرحةً في فَمِها، فإذا بها قد فتحتْ فَمَهَا، ودخلتْ السمكةُ الممرِّضةُ آمنةً مطمئنةً، لتعالِجَها مِن هذه القروحِ، وفي الوقتِ نفسِه هاجمتْ هذه السمكةَ - التي تُعالَج - سمكةٌ أكبرُ منه لتأكلَها، فما كان منها إلا أنْ أخرجتْ مِن فمِها هذه السمكةَ التي تمرِّضُها، وَوَلَّتْ هاربةً.
ما هذا العُرف؟ وما هذا العَقدُ؟ وما هذا الميثاقُ؟ وما هذا القانونُ المتَّبَعُ في كلِّ أنحاءِ البحارِ؟ إنّ هذه السمكةَ التي خَلَقَها اللهُ مزوّدةٌ بمنقارٍ دقِيقٍ يصلُ إلى أدقِّ الثنايا، وإنّ جهازَها الهضميَّ يتقبَّلُ الفطريّاتِ، والتقرّحاتِ، والإنتاناتِ، وما شاكلَ ذلك، وهو غذاءٌ لها، وإنّ هذه الأسماكَ الكبيرةَ تتّجهُ إليها حينما تشكُو مِن تقرحاتٍ، بسببِ ما يحدثُ بين الأسماكِ مِن احتكاك، أو من معاركَ أحياناً.
الشيء الذي يلفتُ النظرَ أنه إذا كثُرتْ هذه الأسماكُ أمامَ السمكةِ الصغيرةِ، صفَّ بعضُها وراءَ بعضٍ، وكأنّها مجتمعٌ متحضِّرٌ؛ ليس هناك تزاحمٌ، ولا تدافعٌ، ولا سِبابٌ، وقفتْ هذه الأسماكُ الكبيرةُ، وقد سَجَّلتْ هذه الصورةُ بضعَ عشراتٍ مِن الأسماكِ، يقفُ بعضها وراء بعض، تنتظرُ دَوْرَها في المعالجةِ، وقد تستغرقُ المعالجةُ دقيقةً، أو أكثرَ، ثمَّ تنصرفُ إلى سبيلِها.
стр. 442
﴿هاذا خَلْقُ الله فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الذين مِن دُونِهِ﴾ [لقمان: ١١] ، مليونُ نوعٍ مِن السمكِ، مَن أَعْلَمَهُمْ جميعاً أنّ هذه لا تُؤْكَلُ، ولا يُعتَدَى عليها، فإنها تقومُ بمهمةٍ سمكية نبيلةٍ، مَن أَعْلَمَهَا؟ هل هذه الأسماكُ عاقلةٌ؟ قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
جروح الأسماك وسرعة التئامها
إنّ من آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه تلك الفُنونَ الحربيَّةَ التي تُتْقِنُها الأسماكُ، والحربُ كما تعلمونَ كَرٌّ وفَرٌّ، وما من حُروبٍ تدورُ إلا وفيها قَتلَى وجرْحَى، وكذلك الأمرُ لدى سُكَّانِ البحارِ، فكمْ مِن سمكةٍ فَرَّتْ، وهي تحملُ جراحاً من عَضَّةٍ، أو نَهشةٍ أصابتْها مِن عدوّها، ولكنَّ الشيءَ العجيبَ أنّ جِرَاحَ الأسماكِ سريعاً ما تُشْفَى، وسريعاً ما تَلْتَئِمُ، وفي وقتٍ قياسيٍّ لا يُصدَّقُ، هذا الأمرُ حيَّرَ علماءَ الحيوان والبحارِ!.
стр. 443
عزا بعضُ العلماء هذه الظاهرةَ، سرعةَ التِئامِ جروحِ الأسماكِ في وقتٍ قياسيٍّ، وقصيرٍ جدّاً بالقياسِ إلى التئام جروحِ الإنسانِ، عزاها إلى مُلوحةِ المياهِ، ولكنَّ هذا التفسيرَ سَقَطَ أمامَ ظواهرَ كثيرةٍ شاهَدَهَا علماءُ البحارِ بِأُمِّ أعْيُنِهم، فعُلماءُ البحارِ، وعلماءُ الأسماكِ وجدوا مِن خلالِ الملاحظَةِ الدقيقةِ أنّ بعضَ الأسماكِ إذا ما جُرِحَ يلجأُ إلى أسماكٍ مِن نوعِهِ، يتناوَبُ بعضُها خَلْفَ بعضٍ على الالتِصاقِ بأماكنِ الجروحِ، أسماكٌ تلتصقُ مع السمكةِ الجريحةِ، تأتِي الأُولى، والثانيةُ، والثالثةُ، إلى أنْ يلتئمَ الجُرحُ، اعْتَقَد العلماءُ أنّ هذه الأسماكَ تفرِزُ موادَّ تُعينُ على شِفاءِ الجروحِ والتئامِها، فما كان مِن علماءِ الأسماكِ إلاّ أنْ جاؤوا ببعضِ هذه الأسماكِ إلى مختبراتٍ، ووضَعوها في مياهٍ مالحةٍ، ووضعوها في الشروطِ نفسِها، وأحْدثوا جرحاً في بعضِ هذه الأسماكِ، الشيءُ الذي لَفَتَ النظرَ أنّ هذه الأسماكَ امْتَنَعَتْ عن معالجةِ زميلتِها!! وهي تحت سمْعِ وبصرِ العلماءِ!! وبقيَ هذا السرُّ دفيناً سنواتٍ طويلةً، إلى أنِ استطاعَ عالمٌ قَضَى سنواتٍ طويلةً في تحليلِ هذه الموادِّ التي تُفرِزُها الأسماكُ حينما تلتصقُ بِزَميلاتِها الجرحَى، فإذا هذه الموادُّ سامَّةٌ، وضارَّةٌ ظاهراً، لكنّ يعضَها متخصِّصٌ بِتَخثيرِ الدَّمِ، وبعضُها يُعين على انقباضِ الجلدِ والعضلاتِ، وفي بعضِها مادّةٌ لاصقةٌ، يُخَثَّرُ الدمُ أوّلاً، وتُشَدُّ العضلاتُ والجلدُ ثانياً، ثم تأني المادةُ اللاصقةُ ثالثاً لِتُنهيَ هذا الجرحَ نهائيّاً.
стр. 444
جيءَ بِبَعضِ هذه الموادِّ، ووُضِعَت على جرحِ الإنسانِ، فإذا هو يلتئِمُ في ثلثِ الوقتِ الذي مِن عادتِه أن يلتئمَ مِن عشرةِ أيامٍ إلى ثلاثة أيامٍ بتأثيرِ هذه الموادِّ، دونَ أنْ يكونَ لهذه الموادِّ أعراضٌ جانبيَّةٌ، قال العلماءُ: "وكأنَّ هذه الموادَّ المتنوّعةَ بعضُها للتخثيرِ، وبعضُها لِشَدِّ الجلدِ والعضلاتِ، وبعضُها مادّةٌ لاصقةٌ"، كأنّ هذه الموادَّ تتعاونُ فيما بينها، وتنسِّقُ وظائفَها، وكأنَّها واعِيَةٌ هادفةٌ تتعمَّدُ الوُصولَ إلى نتيجةٍ واحدةٍ، ألا وهي سُرعةُ التئامِ الجروحِ.
إنّ هذه الآيةَ الكَوْنيَّةَ مِصْداقُ قولِ اللهِ تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
عِلمٌ ما بعده علم، وقدرةٌ ما بعدها قدرةٌ، لذلك قال بعضُ العلماءِ: "كلُّ إنسانٍ لا يرَى مِن هذا الكونِ قوَّةً هي أقوى ما تكونُ، عليمةً هي أَعْلَمُ ما تكونُ، حكيمةً هي أَحْكَمُ ما تكونُ، رحيمةً هي أرحمُ ما تكونُ، فهو إنسانٌ حيُّ الجسدِ، ولكنَّهُ ميِّتُ القلبِ والعقلِ"، ففي كلِّ شيءٍ له آية تدلّ على أنَّه واحد لا شريكَ له.
أسماك البحر الكهربائية
стр. 445
يقولُ العلماءُ: "ما مِن كائنٍ حيٍّ إلا وفي نشاطِه الحيويِّ طاقةٌ كهربائيّةٌ"، فالقلبُ مثلاً يولِّدُ تيَّاراً كهربائيّاً تُعادِل شدّتُه واحداً بالمئة من الفولطِ، وما عملُ أجهزةِ قياسِ ضرباتِ القلبِ إلاّ عن طريقِ هذا التيارِ الكهربائيِّ الذي يولِّدُه هذا القلبُ، لذلك تُسمَّى هذه الأجهزةُ أجهزةَ التخطيطِ الكهربائيِّ، هذا شيءٌ معلومٌ، فأيُّ عضلةٍ مِن حركتِها تتولّدُ طاقةٌ كهربائيّةٌ، هي مِن الشدّةِ حيثُ يتحمّلها الإنسانُ، ولكنّ الشيءَ الذي لا يُصدَّقُ أنّ بعضَ الأصنافِ في البحارِ تولِّدُ تياراتٍ كهربائيّةً تزيدُ شدّتُها على مئتين وعشرين فولطاً، وأنّ هذه الأسماكَ تُدافعُ عن نفسِها عن طريقِ إرسالِ صَعقةٍ كهربائيّةٍ تُميتُ خصْمَها في أعماقِ البحارِ، وأنّ بعضَ الأصنافِ الأخرى تزيدُ شدّةُ التيارِ الذي تولِّدُه من جَنْبَيْها على ستّمئة فولطٍ، وقد أُخِذَتْ بعضُ هذه الأسماكِ، ووُضِعَتْ في أحواضٍ، ووُضِعَ في هذه الأحواضِ مصابيحُ كهربائيّةٌ، فاستطاعَتِ السمكةُ الواحدةُ أنْ تجعلَ ستّة مصابيحَ كهربائيّةٍ - وطاقةُ المصباحِ الواحد مئةُ واطٍ - أن تجعلها تتألّق جميعاً لعدّة ثوانٍ.
стр. 446
سمكةٌ في أعماقِ البحارِ يدرسُها الطلاّبُ في مادَّةِ العلومِ الحيويّةِ، يسألُ العلماءُ: كيف تولِّدُ هذه السّمكةُ تلك الطاقةَ الكهربائيّةَ؟ شرَّحوها فإذا على جَنْبيْها مواشيرُ سُداسيّةٌ، هي بِمنزلة الخلايا الكهربائيّةِ، عن طريقِ الطاقةِ الكيميائيّةِ تتولّدُ هذه الكهربائياتُ في أجسامِها، فوجدوا أنّ في السَّمكةِ الواحدةِ ما يزيدُ على أربعمئةِ خليّةٍ كهربائيّةٍ، هذه الخلايا مُرتبطةٌ بعضُها مع بعضٍ عن طريقِ التسلسلِ، حيثُ إذا صَدَرَ أمرٌ من دماغِ السّمكةِ فإنها تفرغُ شُحناتِها دفعةً واحدةً باتّجاهِ العدوِّ، والشيءُ العجيبُ دِقّةُ توصيلاتِ هذه الخلايا، ووصْلُ الأمر بِتَفريغِ شحناتِها بالدّماغِ شيءٌ يأخذُ بالألبابِ؛ أربعمئةُ خليّةٍ كيميائيّةٍ تستطيعُ أنْ تُصدرَ تيَّاراً كهربائيّاً صاعقاً، تزيدُ شدّتُه على ستّمئةِ فولط، يموتُ الإنسانُ بهذا التيارِ فوْراً، فلو أنّ سمكةً أرسلتْ لِسابحٍ هذه الصّعقةَ فإنّها تميتُه فوراً، واللهُ يقولُ: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق﴾ [فصلت: ٥٣] .
فهذه سمكةٌ تصدرُ تياراً كهربائيّاً يزيدُ على مئتين وعشرين فولطاً، وسمكةٌ أخرى تصدرُ تياراً كهربائيّاً يزيدُ على ستّمئة فولطٍ! وُضِعَت هذه السمكةُ على قماشٍ مبلّلٍ قبلَ أنْ تموتَ، وأمْسَكَ بالقماشِ المبلّلِ رجلٌ، وأمسكه رجل آخرُ، إلى أنْ أصبح الرّجالُ ثمانيَةً، فما إنِ اتَّصَلَت الدارةُ حتى انتفضَ الرّجالُ الثمانيةُ من شِدّةِ صعْقةِ هذه السمكةِ.
إنّ مخلوقاتِ اللهِ دالّةٌ على عظمتِه، وعلى قدرتِه، وعلى علمِه، وعلى خِبرتِه، ﴿أَلاَ يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللطيف الخبير﴾ [الملك: ١٤] .
ثعبان الماء الكهربائي
في مجارِي المياهِ العذبةِ في البرازيلِ، وفي حوضِ نهرِ الأمازون تعيشُ وحوشٌ مائيةٌ غريبةٌ، تُسمَّى ثعابينَ الماءِ الكهربائيةَ، وهي مشحونةٌ بكهرباء قويةٍ جداً، إذ يكفي أنْ يلمسَها الإنسانُ مرةً واحدةً ليصابَ بصدمةٍ كهربائيةٍ لا ينساها طوالَ حياتِه.
стр. 447
هذا الثعبانُ طولُه يزيدُ على مترين، وأربعةُ أخماسِ جسمِه مليئةٌ بأجهزةِ توليدِ الكهرباءِ وتخزينِها، وتُحشرُ مَعِدته وأعضاؤُه الحيويةُ في القسمِ الأمامي من جسمِه.
وله ثلاثةُ أزواجٍ من المُوَلِّداتِ الكهربائيةِ، وكلُّها مجهَّزةٌ بألواحٍ تؤدِّي الوظيفةَ نفسَها التي تكونُ للتخزينِ في السيارةِ، مرصوفةٍ بعضها إلى جانبِ بعضٍ، كلُّ مولِّد معه من ثلاثينَ إلى ستّةٍ وثلاثين لوحاً لتخزينِ الكهرباءِ.
ليس في المخلوقاتِ كلِّها إلا ستةُ أنواعٍ توِّلدُ الطاقةَ الكهربائيةَ، وجميعُ هذه الأنواعِ من الأسماكِ، وثعبانُ الماءِ الكهربائيُّ يعطي تياراً كهربائيّاً يصلُ إلى خمسمئة فولط، وكلكم يعلمُ أنّ البيوتَ فيها ١١٠، أو ٢٢٠ فولطاً، ومع ذلك تسبِّب صدمةً، وقد تكون قاتلةً، ولكنّ هذا الثعبانَ يطرحُ تياراً شدَّتُه خمسمئة فولطٍ.
الثعبانُ الكهربائيُّ يولِّدُ أقوى تيارٍ، حيث يصلُ إلى عدةِ مئاتٍ من الفولت.. أما الشيءُ الغريبُ فهو أنّ هذا الثعبانَ يتحكَّمُ في قوةِ التيارِ، فإذا أرادَ أنْ يهدِّد حيواناً بالابتعادِ عنه فإنه يرسلُ إليه تياراً ضعيفاً من أضعفِ مولِّداتِه الكهربائية - البطارية الضعيفة - وإذا أراد أنْ يحدِّدَ موقعَ حيوانٍ عدوٍّ فإنه يرسلُ إليه تياراً ضعيفاً، ويرجعُ التيارُ منعكساً على الحيوانِ كفعلِ الرادارِ تماماً، فمن خلالِ التيارِ الضعيفِ يعرفُ موقعَ العدوِّ، أو يحذِّرُ العدوَّ، أما إذا أرادَ قتلَ العدوِّ فإنّه يعطِيه التيارَ القويَّ، فهذا الثعبانُ يتحكّمُ في شدّةِ التيارِ.
إنّ صدمةً واحدةً من التيارِ القويِّ تكفي لقتلِ عدوٍّ له بحجمِ إنسانٍ، وتكفي لإحداثِ صدمةٍ ربما تكون مُميتةً في عدوٍّ بحجمِ الفرسِ، لشدةِ هذا التيارِ.
ثمّةَ أنواعٌ أخرى من الأسماك التي تولِّدُ التيارَ الكهربائيَّ، بعضُ هذه الأسماكِ جسمُه مُكَهْرَبٌ، فإذا أَمْسَكَهُ الإنسانُ أُصِيبَ بصدمةٍ كهربائيةٍ، فيضطرُّ إلى إطلاقِه، هذا نوعٌ من الأسماكِ.
وبعضُ هذه الأسماكِ لها القدرةُ على إشعالِ أضواءٍ وإطفائِها، على جسمِها مصابيحُ تتألّقُ وتنطفئ، وبعضُ هذه الأسماكِ يبعثُ ضوءاً أحمرَ تارةً، وأبيضَ تارةً، وأزرقَ تارةً أخرى.
стр. 448
وبعضُ الحيتانِ، ولها اسمٌ غريبٌ، على جسمِها صفٌّ متصلٌ من المصابيحِ كبعضِ الشاحناتِ التي نراها في الطرقاتِ ليلاً.
وبعضُ هذه الأسماكِ يستخدمُ إطفاءَ الأضواءِ أحدَ وسائلِ الدفاعِ عن ذاتِها، فإذا اقتربَ منها عدوٌّ أطْفَأَتِ الأنوارَ، وغابتْ عن الأنظارِ.
أغْربُ شيءٍ في هذا الموضوعِ العلميِّ أنّ الإنسانَ حينما يولِّدُ الضوءَ عن طريقِ استهلاكِ الطاقةِ، يُسْتهلَكُ جزءٌ كبيرٌ من الطاقةِ على شكلِ حرارةٍ لا يحتاجها، وهذه الحرارةُ طاقةٌ مهدورةٌ، لذلك ما مِن تَأَلُّقِ مصباحٍ إلاّ وفيه حرارةٌ كبيرةٌ جداً، هذه الحرارةُ طاقةٌ مهدورةٌ، إلا أنّ الأسماكَ تصدرُ هذه الأضواءَ دونَ أن يسخُنَ جسمُها أبداً.
يقولون: إنّ في البحارَ مليونَ نوعٍ من الأسماكِ، وإن في البحارِ تنوعاً في المخلوقاتِ يدهشُ العقولَ، وهذا كلُّه من خلقِ اللهِ، وهذا كلُّه مُسَخَّرٌ للإنسانِ، وهذا الإنسانُ الذي سُخِّرَتْ له كلُّ هذه المخلوقاتِ في غفلةٍ عن ربِّه، قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ السماوات السبع والأرض وَمَن فِيهِنَّ وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ ولاكن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾ [الإسراء: ٤٤] .
فهذه المخلوقاتُ تسبِّح ربَّها، وأمّا الإنسانُ الذي سُخِّرَتْ له كلُّ هذه المخلوقاتِ فهو في غفلةٍ عن ربِّه من جهةٍ، وفي معصيةٍ له من جهةٍ أخرى.
الطيور
الطيور وإمكاناتها التي تفوق الطائرات والإنسان
جاء في مقدّمةِ موسوعةٍ علميةٍ عملاقةٍ عن الطيرانِ: "إنه ما مِن طائرةٍ صَنَعَها الإنسانُ، ترتقِي إلى مستوى الطيرِ، أو تجرُؤُ على أنْ تقتربَ منه".
فالطيورُ التي خَلَقَها اللهُ آيةٌ من آياته، وقد وَصَفَها بقوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] .
стр. 449
إنّ الطيورَ مِن أكثرِ مخلوقاتِ اللهِ جمالاً، ومِن أجملِها نغماً، ومِن أكثرِها استحواذاً على الإعجابِ، تُوجَدُ في كلِّ بقعةٍ من بقاعِ العالمِ؛ في أطرافِ المناطقِ القُطبيةِ، في قِمَمِ الجبالِ الشامخةِ، في أكثرِ البحارِ هيجاناً، في أكثرِ الغابات ظلمةً، في أكثر الصحارى عُرياً، في أكثرِ المدنِ ازدحاماً.
عَدّ العلماءُ حتى هذا التاريخِ مِن أنواعِ الطيورِ ما يزيدُ على تسعةِ آلافِ نوعٍ، وقد زوّدَ اللهُ الطيرَ بوزنٍ خفيفٍ، يُعِينُه على الطيرانِ، وأكياسٍ هوائيةٍ منتشرةٍ في كلِّ أماكنِ جسمِه، تخفِّفُ مِن وزنِه، وتبرِّدُ عضلاتِه الحارّةِ، بسببِ شدّةِ الخَفَقانِ، وجَعَلَ عظامَه مجوَّفةً، وجَعَلَ ريشَه خفيفاً، لِيُعِينَه على الطيرانِ، وأمدَّه بميزاتٍ يحتاجُها في طيرانِه.
وهو يتمتَّعُ بقوّةِ البصرِ، بل إنَّ قوةَ بصرِ بعضِ الطيورِ تزيدُ على قوةِ إبصارِ الإنسانِ ثمانيةَ أضعافٍ، وإنّ بعضَ أنواعِ الطيورِ يرى فريستَه على بُعْدِ ألفينِ مِن الأمتارِ، والعينُ عندَ الطائرِ أكبرُ حجماً مِن مُخِّهِ، وتستطيعُ أنْ ترى عينُه دائرةً تامّةً، أمّا الإنسان فيرى مئةً وثمانين درجةً، وحينما يديرُ وجْهَهُ ورأسَه تتّسعُ هذه الدرجاتِ، لكنَّ الطائرَ مزوَّدٌ بعينين جانبيتين، تمسَحَانِ الدائرةَ بأكملِها، دونَ أن يديرَ رأسَه وجسمَه.
فبعضُ أنواعِ الطيورِ يرى الجيفةَ على ارتفاعِ ألفيْ مترٍ، يراها واضحةً، وبعضُها يرى البيضةَ على الأشجارِ تحتَ الأوراقِ، وبعضُها الآخرُ يرى السمكةَ في الماءِ، وهو في أعالي الجوِّ فيهوي في الماء، وينقضُّ عليها ليأكلَها.
والطائرُ له سرعةٌ تزيدُ على مئةٍ وثلاثين كيلو متراً في الساعةِ، وبعضُ أنواعِ الطيورِ يقطعُ ستةَ آلافِ كيلو مترٍ دونَ توقُّفٍ، يطير ستّاً وثمانين ساعة بلا توقّفٍ، أيُّ طائرةٍ تقطعُ هذه المسافةَ، ستّاً وثمانين ساعة دون توقّف؟ ودونَ تزوُّدٍ بالوقودِ، أو بالطعامِ، أو بالشرابِ؟ : ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] .
стр. 450
إنَّ توليدَ القدرةِ بكفايةٍ عاليةٍ، والهيكلَ المتينَ الخفيفَ شرطانِ أساسيانِ لا بد مِن تضافُرِهما في أيِّةِ طائرةٍ، فلو لخَّصتَ خصائصَ الطائرةَ في كلمات لقُلتَ: توليدُ القدرةِ بكفايةٍ عاليةِ، وهيكلٌ متينٌ خفيفٌ.
قال علماءُ الحيوانِ: إنّ الشرطيْنِ متحققٌ على نحوٍ فذٍّ في الطيورِ، كفايةٌ عاليةٌ في القدرةِ، ووزنٌ خفيفٌ متينٌ.
وتأتي القدرةُ المحرِّكةُ، من عضلاتِ صدرٍ قويةٍ، وقلبٍ كبيرٍ، مرتفعِ النبضِ، وذي معدلِ ضخٍّ سريعٍ، ويمكنُ لهذه الطيورِ أنْ تطيرَ لفتراتٍ طويلةٍ، بل هي أسرعُ الحيواناتِ قاطبةً.
ويتحكمُ جهاز التنفسِ - الذي هو أعلى أجهزةِ تنفسِ الفقارياتِ كفايةً - بالحرارةِ المتولّدةِ من العضلاتِ الدافعةِ.
إنّ مصنِّعِي المحركاتِ يواجهون أكبرَ عقبةٍ، وهي عقبةُ تبريدِ المحركِ، فلو قصَّروا في التبريدِ لاحترقَ المحرِّكُ.
وهذا الطائرُ الذي يطيرُ ما يزيد على خمسةِ آلاف كيلو مترٍ بلا توقف، وهو لا يتعرَّقُ، وهو يبذل جهداً عالياً في الطيران، ويحتاج هذا الجهد العالي إلى تبريد مثاليٍّ، أيُّ قلبٍ له؟ وأي ضخٍّ له؟ وأيُّ نبضٍ له؟ وأيُّ عضلاتٍ لا تكلُّ ولا تتعب له؟
ثم إنّ هناك قنواتٍ مِن الرئتينِ ينفذ منها الهواءُ إلى كلِّ أنحاءِ جسمهِ، حتى أطرافِ أظلافِه، من أجلِ تبريدِ عضلاتِه في أثناءِ الطيرانِ.
شيءٌ يأخذ بالألبابِ! جهازُ التنفسِ متشعبٌ في كلِّ جسمِ الطائرِ، الهواءُ الذي يستنشقُه يتغلغلُ في كل عضلاتِه كي يبرِّدَها.
إنّ استخدامَ الوقودِ، الذي هو بعضُ الشحومِ المُتَوَضِّعةِ تحت جلدِه يتمُّ بكفايةٍ عاليةٍ.
فالطائرُ الذي يسمَّى الكرَوان الذهبيَّ يطيرُ بلا توقفٍ مسافةَ خمسةِ آلافٍ وخمسمئة كيلو مترٍ، ولا يفقدُ من وزنِه إلا جزءاً يسيراً جداً، ليس بشيءٍ إذا قِيسَ بوزنِه العامِّ.
وفي كل شيءٍ له آيةٌ ... تدلُّ على أنه واحدُ
صقر البحر (خطاف البحر)
стр. 451
نوعٌ من الطيورِ اسمُه: صقر البحر، يَنْفِرُ مِن البَرْدِ، لذلك فهو يهاجرُ من شمالِ آسية وأمريكة إلى المناطقِ الدافئةِ في جنوبِ الكرةِ الأرضيةِ، فيقطع تسعة عشر ألفَ كيلو مترٍ في رحلة الشتاء، ورحلة الصيف، لكنَّ هذا الطائرَ لا يحملُ زاداً، ولا يتأثَّر ريشُه بالماءِ، لأنه لو تأثّرَ بالماءِ لَمَا أمكَنَه أنْ يطيرَ بَعدَ أنْ يغوصَ فيه، حيث يتغلغلُ الماءُ في أجنحتِه، وفي ريشِه فيَثقُلُ، ولا يمكنُه أنْ يطيرَ.
قال علماءُ الطيورِ: "إنّ كلَّ طيورِ البحرِ لا يتأثَّرُ ريشُها بالماءِ، ولا يَعْلَق بها الماءُ إطلاقاً، لأنها تتغذَّى بأسماكِ البحر".
بل إنّ هذا الطائرَ يَتَتَبَّعُ بعضَ الطيورِ الجارحةِ، فإذا صادتْ هذه الطيورُ سمكاً مِن الماءِ، واعتزمتْ أنْ تحملَه إلى صغارِها، هاجَمَهَا في الهواءِ، فخافتْ مِنْه، فتركتْ صيْدَها يسقطُ إلى الماءِ، فيَنْقَضُّ هذا الطيرُ، ويأخذُ هذه السمكةَ قبلَ أنْ تصلَ إلى الماءِ، هل في إمكان طيّارٍ أنْ يفعلَ هذا؟ أنْ يأخذَ هذا الصيدَ بعد أنْ سقط مِن فمِ الطيرِ الجارحِ؟ يأخذُه قبلَ أنْ يعودَ في الماءِ، ويطيرُ به في جوِّ السماءِ؟
نوعٌ آخرُ من الطيورِ الخرشنة، يهاجرُ من المنطقةِ المتجمّدةِ الشماليةِ، إلى المنطقةِ المتجمدةِ الجنوبيةِ، ويقطعُ اثنين وثلاثينَ ألفَ كيلو مترٍ في هذه الرحلةِ، قد يقولُ قائلٌ: وكيف عَرَفَ العلماءُ ذلك؟
يقال: إنّ طيوراً تُؤخَذُ مِن أوكارِها في المنطقةِ الجنوبيةِ من الأرضِ، ويُوضَعُ في أرجُلِها حلقاتٌ معدنيةٌ، مع رموزٍ مكتوبةٍ على هذه الحلقاتِ، وبهذه الطريقةِ يعرفُ العلماءُ هجرةَ الطيورِ، ومقدارَ ما تقطعُه في هذه الرحلةِ الطويلةِ.
يقطعُ نوعٌ آخرُ من الطيورِ مسافةَ أربعةِ آلافِ كيلو مترٍ دونَ أن يأكلَ شيئاً، ويطيرُ بعضُ هذه الطيورِ ستاً وثمانين ساعةً، طيراناً مستمراً، قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان﴾ [الملك: ١٩] .
ويقول : ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ﴾ [النور: ٤١] .
стр. 452
ومعنى ﴿صَآفَّاتٍ﴾ ، أي: باسطاتٍ أجنحتَها عند الطيران.
وقال سبحانه: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذلك لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] .
فهذه ثلاثُ آياتٍ محكماتٍ، بيِّناتٍ، واضحاتٍ، تحضُّنا على التفكّرِ في الطير كخَلْقٍ مِن مخلوقاتِ اللهِ .
أخلاق الصقر
إنَّ مِن أخلاقِ الصقرِ التناصرَ، لأنه رمزٌ للإباءِ، يحمِي بني جنسِه، ويدافعُ عنهم، وإذا استغنى تَرَكَ، لهذا السببِ تتَّخِذُ بعضُ الدولِ الصقرَ شعاراً لها، ومِن أخلاقِ الصقرِ أنه يقبلُ التعلُّمَ، وهو يجدُ متعةً عندما يشعرُ أنَّ مدرِّبَه راضٍ عنه، ومن أخلاقِ الصقرِ أنه لا يرضى بالذلِّ، ولا يرضى بالغدرِ، وإذا احتاجَ أَخَذَ، وإذا استغنَى تَرَكَ، ومعاملتُه لأنثاه آيةٌ في الرِّقةِ، والمجاملةِ، وهو محبٌ لفراخِه، غيورٌ على أبنائِه.
قلت: سبحان الله! أيكون الصقرُ أكرمَ من الإنسان؟ أيكون الصقرُ أشرفَ من الإنسان، وهو الذي كرَّمه ربُّه وفضَّلَه؟! ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي البر والبحر وَرَزَقْنَاهُمْ مِّنَ الطيبات وَفَضَّلْنَاهُمْ على كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٠] .
стр. 453
رُكِّبَ المَلَكُ من عقلٍ بلا شهوةٍ، ورُكِّبَ الحيوانُ من شهوةٍ بلا عقلٍ، ورُكِّبَ الإنسانُ من كِلَيْهِمَا، فإنْ سَمَا عقلُه على شهوتِه أصبحَ فوقَ الملائكةِ، وإنْ سمتْ شهوتُه على عقلِه أصبحَ دون الحيوانِ، أيكونُ الإنسانُ الكافرُ دونَ الحيوانِ؟ نعم، إنه شرُّ البريةِ، هذا الصقر الحيوانُ الأعجمُ، هكذا أخلاقُه، تناصرُه لبني جنسِه، دفاعُه عنهم، قَبولُه للتعلُّمَ، متعتُه بالتعلُّمِ، لا يرضى بالذلِّ، لا يرضى بالغدرِ، إذا احتاجَ أَخَذَ، وإذا استغنَى تَرَكَ، آيةٌ في الرِّقَّةِ في معاملةِ أنثاهُ، محبٌّ لفراخِه، غيورٌ على أبنائِه، إذا كان الصقر على هذا النحوِ فما قولك في بني البشر الذين يغدرون، والذين يرضون بالذلِّ، والذين يأخذون ما لا يأكلون، ويجمِّعون من الأموال ما لا يحتاجون؟ ما قولُك في بني البشرِ الذين يتكبَّرون على التعلمِ!! فإذَا دعوْتَه إلى هدىً أَخَذَتْه العزّةُ بالإثمِ: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتق الله أَخَذَتْهُ العزة بالإثم﴾ [البقرة: ٢٠٦] ، ﴿إِنَّهُمْ كانوا إِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ إلاه إِلاَّ الله يَسْتَكْبِرُونَ﴾ [الصافات: ٣٥] .
أيكونُ الصقرُ أشرفَ من الإنسانِ الذي سَخَّرَ اللهُ له ما في السماواتِ وما في الأرضِ جميعاً، وكرَّمه؟
لقد أتعبتِ الصقورُ المزارعين، حتى شَكَا بعضُهم كثرتَها في بلادِهم؛ لأنها أحياناً تنقضُّ على أفراخِ الدجاجِ فتأكلُها، فشَكَوْا ذلك إلى المسؤولين هناك، في أمريكا، فوضَعتِ الدولةُ جائزةً سخيّةً لمن يقتلُ الصقرَ خلالَ شهرين متتابعين، وبذلك تم القضاءُ كلياً على صقورِ هذه البلادِ، ثم فوجئَ المزارعون أنّ فئرانَ الحقل تكاثرتْ تكاثراً غيرَ معقولٍ، وهذه الفئرانُ قد أكلتْ أكثرَ المحاصيلِ التي هم في أشدِّ الحاجةِ إليها، ثم عرفوا أنّ هناك توازناً في البيئة بين كلِّ الحيواناتِ، وبين كل النباتاتِ، والآن هناك اتّجاهٌ جديدٌ إلى استخدامِ المبيداتِ الحيويةِ، وليس الكيماويةِ؛ لأنّ المبيداتِ الحيويةَ متوازنةٌ مع الأمراضِ النباتيةِ، أما إذا استخدمنا المبيداتِ الكيماويةَ فربما اختلَّ توازنُ البيئةِ، ووقعنا في أمراضٍ نحن في أشدِّ الحاجةِ إلى تَجَنُّبِها.
стр. 454
إنّ تغييرَ خَلْقِ اللهِ صفاتِ أهلِ الدنيا، ومن صفاتِ الشاردين عن الله، هناك حكمةٌ بالغةٌ، هناك توازنٌ دقيقٌ بين الكائناتِ، الحيواناتِ، والنباتاتِ، بين الحيوانِ والنباتِ، وبين النباتِ والإنسانِ، فأيُّ خللٍ يصيبُ البيئةَ دفَعْنَا ثمنَه باهظاً.
نقار الخشب
معلوماتٌ لا تُصدَّقُ؛ طائرٌ من الطُّيورِ التي أَبْدَعَها اللهُ اسمُه نقّارُ الخشبِ، لا شكّ أنّ معظمَ الناسِ يسمعُ به، ولكنّنا إذا دقّقْنا في بُنيةِ هذا الطائرِ رأَيْنا في صَنعتِه إحكاماً يفوقُ حدَّ الخيالِ، له مِنقارٌ قويٌّ متينٌ، يقاوِمُ قُوى الضّغطِ، ومتين يقاومُ قُوى الشدِّ، قويٌّ متينٌ يعمل تماماً كأداةٍ لِخَرقِ الخشبِ؛ إنّه مِثْقب.
هذا المِنقارُ مصنوعٌ من تركيبٍ عجيبٍ، في قوّةٍ، ومتانةٍ، ومرونةٍ، وعضلاتُ رقبةِ هذا الطائرِ قويّةٌ شديدةٌ؛ لأنّ قوّةَ العضلاتِ، وشِدَّتَها ضروريتان لِتَأمينِ ضرباتٍ إيقاعيّةٍ قويةٍ للمنقارِ الذي يعملُ به كأنّه إزميل، كيف يخرقُ الخشبَ؟ يقفُ على شجرةٍ، ويثقبُها إلى أنْ يصلَ إلى لبِّها، وقد يكونُ في اللبِّ حشرةٌ أو دودةٌ فيَصِلُ إليها، ويأكلُها، أمّا كيفَ يعرفُ هذا الطائرُ أنّ هذه الحشرةَ في المكانِ المحدَّدِ، فهذا شيءٌ لا يعلمهُ أحدٌ حتى الآن.
ولا بدّ له من جُمجمةٍ سميكةٍ، ولكنّها أُعْطِيَتْ مرونةً بأربطةٍ دقيقةٍ متعامدةٍ، ولا بدّ لهذا الطائرِ مِن مُخمِّدٍ للصّدماتِ، كما هي الحالُ في أحدثِ الآلاتِ، هذه المخمِّداتُ للصّدماتِ نسيجٌ ثخينٌ جدّاً بينَ المنقارِ والجمجمةِ.
ولا بدّ له من لسانٍ رفيعٍ طويلٍ بِطولِ المنقارِ، ينتهي بِسَطحٍ خشِنٍ، عليه مادّةٌ لزِجةٌ، من أجلِ أنْ يصطادَ حَشَرَتَه المفضّلةَ.
ولا بدّ له من أرجلٍ قصيرةٍ قويّةٍ، لا تُشبِهُ الأرجلَ النحيلةَ لِمُعظمِ الطُّيورِ، لأنّه سيَسْتَنِدُ عليها، وبِحَسبِ استنادِه عليها سيكونُ ضرْبُهُ في الخشبِ قويّاً، ولا بدّ له من أصابعَ كالملزمةِ تماماً؛ اثنتان في المقدّمةِ، واثنانِ في المؤخّرةِ، فهي كمَّاشةٌ كاملةٌ تُعينهُ على التعلّقِ المتينِ بلِحاءِ الشَّجرِ.
стр. 455
ولا بدّ له مِن ذَنَبٍ مِن ريشٍ قاسٍ ومتينٍ يستندُ به إلى جِذعِ الشّجرةِ، ويُعِينُه على هذه الضرباتِ الإيقاعيّةِ كي يوصِلَ مِنقارَه إلى لبِّ الشّجرةِ.
ولا بدّ له مِن قائمتين قصيرتين قويتين، ومِن أربع كمّاشاتٍ على لحاء الشجرة.
قال تعالى: ﴿صُنْعَ الله الذي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ﴾ [النمل: ٨٨] .
كأنّ هذا الطائرَ آلةٌ معقدةٌ جدّاً، آلةٌ فيها كلُّ إمكاناتِ المِثْقَبِ، استنادٌ قويٌّ، ومُخَمِّدٌ للضرباتِ والاهتزازاتِ، منقارٌ متينٌ قويٌّ، لسانٌ بِطُولِ المنقارِ، ذو سطحٍ خشنٍ، وعليه مادّةٌ لَزِجَةٌ.
قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
يعني: أعطاه كمالَ خَلْقِه.
وقال سبحانه: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى﴾ [الأعلى: ١-٢] ، أيْ: سوَّى هذه الأجهزةَ والأعضاءَ ملائِمةً للطائرِ، فهذا وظيفته أنْ يصلَ إلى لُبِّ الشجرةِ، لِيَأكلَ من الحشراتِ التي تؤذِي الشجرةَ، فجُهِّزَ بهذه الإمكاناتِ، وهي لا تقِلُّ عن أَعْقَدِ آلات الثقب.
الحمام الزاجل أو وكالة أنباء في التاريخ
إنّ الأميرَ نورَ الدين الشهيدَ استخدمَ البريدَ الجوِّيَّ حينما كان أميراً على بلادِ الشامِ ومصرَ.
وقد قالَ العلماءُ: إنّ مِنَ حَمامِ الزاجلِ أو حمامَ الرسائلِ ما يزيد على خمسمئةِ نوعٍ، وهو يمتازُ بحدَّةِ الذكاءِ، والقدرةِ الفائقةِ على الطيرانِ، والغريزةِ القويةِ التي يهتدي بها إلى هدفِه وموطنِه، وهو حيوانٌ مستأنَسٌ أليفٌ، قال تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ﴾ [يس: ٧٢] .
مَن ذَلَّلَ هذا الطيرَ؟ مَن جَعَله حادَّ الذكاءِ، ذا قدرةٍ فائقةٍ على الطيرانِ، ذا غريزةٍ قويّةٍ يهتدي بها إلى عدفِه؟ مَن جَعَلَه مستأنساً يألفُ الإنسانَ ويخدمُه، وهو مسخَّرٌ له؟.
стр. 456
إنّ هذا الطيرَ، حمامَ الزاجلِ، أو حمامَ الرسائلِ - كما يُسَمَّى - يقطعُ مسافةَ ألفِ كيلومترٍ دونَ توقُّفٍ، في طيرانٍ مستمرٍّ، يقطعها بسرعةِ كيلومترٍ واحدٍ في الدقيقةِ، وفي الساعةِ يقطعُ ستينَ كيلومتراً، ويعطي هذا الحمامُ الزاجلُ سنوياً تسعةَ أزواجٍ من الزغاليلِ كلَّ عامٍ، ويُعِينُك على نقلِ رسائلِك عبرَ الآفاقِ، ويهتدي إلى إيصالِها بسرعةٍ فائقةٍ بالقياسِ إلى ذلك الزمانِ.
على كلٍّ فَقَدِ استخدمَ السلطانُ نورُ الدين الحمامَ لنقلِ رسائِلِه بين دمشقَ والقاهرة، حيث كان البريدُ يُنقَل عن طريقِ الحمامِ، وكان اسمُ السلطانِ يُنقَشُ على المنقارِ الأحمر لهذا الحمامِ، وكان له وَرَقٌ خاصٌّ يحملُه لينقلَ به الرسائلَ ذات الوزنِ الخفيفِ نسبياً، وكانَ يَستخدِمُ هذا السلطانُ ألفين من الحمامِ لنقلِ الرسائلِ بينه وبين عمّالِه في الأمصارِ.
стр. 457
إنّ ثمّةَ لُغْزاً كبيراً جدّاً ما زالَ إلى اليوم يُحيّرُ الباحثين، كيفَ يهتدي هذا الحمامُ الذي خَلَقَه اللهُ إلى هدفِه؟ وما الطريقةُ التي يستخدمُها؟ ويسألُ العلماءُ: كيف يستدلُّ الحمامُ على طريقِه الطويلِ في السّفرِ؟ ولا تَنْسَوْا أنّ الحمامَ يُعَدُّ أوّلَ وكالةِ أنباءٍ في التاريخِ، فقد كان يُستخدَمُ عندَ الشّعوب كلِّها؛ الإغريقِ، واليونانِ، والرومانِ، وعند العربِ، وفي كلّ العصورِ، فقد كان يُستخدَمُ لِنَقلِ الرسائلِ، وإيصالِ الأنباءِ، وقد استخدَمَتْهُ بعضُ الدُّوَلِ الغربيّةِ كهولندة لإبلاغِ الأوامرِ إلى جزيرة سُومطرة في أندونيسة، (جنوبيّ شرقيّ آسية) ، يقطعُ مسافاتٍ تزيدُ على سبعةَ عشر ألف كيلو متر تقريباً، لكن السؤالُ الذي يحيِّرُ العقولَ: كيف يهتدِي هذا الطائرُ عبْرَ هذه المسافاتِ الطويلةِ، التي يعجز عن الاهتداءِ إليها أذكَى طيّارٍ على وجهِ الأرضِ بالنَّظَر؟ فلا بدّ مِن إشاراتٍ، ولا بدّ مِن إحداثياتٍ، وخرائطَ، وبثٍّ مستمرٍّ يحدّدُ له في أيِّ موقعٍ هو على سطحِ الأرضِ؟ إنها رحلةٌ طويلةٌ مِن غربيّ أوربة إلى جنوبيّ شرقيّ آسية، فكيف يوصِلُ طائرٌ صغيرٌ رسالةً إلى أبعدِ مكانٍ؟ وكيف تعملُ الحاسّةُ التي توجّهُ الطائرَ نحو طريقِهِ؟ قالَ العلماءُ: "إنّ شيئاً مَا يوجِّهُ هذه الطّيورَ إلى أهدافِها لا نعرفهُ".
وقد توقَّعَ بعضُ العلماءِ أنّ معالمَ الأرضِ تنطبعُ في ذاكرةِ هذا الطّيْرِ، فهو يعرفُها، ويهتدي بها، وهذه فرضيّةٌ، فجاءَ عالمٌ آخرُ، ونَقَضَ هذه الفرضيّةَ، بأنْ جاء بِحمامٍ زاجلٍ، وعَصَبَ عينيه، وأطلقَه فانطلقَ إلى هدفِه، فأينَ تلك المعالمُ؟ وأين الذاكرةُ؟ مع أنّه قد عُصِبَتْ عيناه فقد انطلقَ إلى هدفِه.
فرضيّةٌ ثانيةٌ: أنّه يشكِّلُ مع الشّمسِ زاويةً يهتدي بها إلى موطنِه، فلما قيل: يطيرُ في الليلِ؟ وكيف يهتدي إلى هدفِه، وهو يطيرُ ليلاً؟ نُقِضَتْ هذه النظريّةُ.
نظريةٌ ثالثةٌ: أنّهم توقّعوا وجودَ جهازِ رادارٍ في دماغِه يهديه إلى الهدفِ، فوضَعوا على رأسِه جهازاً صغيراً كهربائيّاً يصدرُ إشاراتٍ كهربائيّةً من أجلِ أنْ تشوّشَ عليه، ومع ذلك وصلَ إلى هدفِه.
стр. 458
ثم توقّعوا أنّه يهتدي إلى أهدافِه عن طريقِ الساحةِ المغناطيسيّةِ التي في الأرضِ، فوضعوا على رأسِه حلقاتٍ حديديّةً ممغْنَطَةً باتجاهاتٍ مختلفةٍ من أجلِ تشويشِ هذه الساحةِ، فاهتدى إلى هدفِه.
ولم تبْقَ عندهم نظريةٌ إلا نُقِضَتْ، فكيف يقطعُ هذا الطائرُ عشراتِ الآلافِ من الأميالِ فوق البحر، وفوق الجبال، وفي الصحراءِ، والوديان؟ وكيف يأخذُ زاويةً باتّجاهِ الهدفِ؟ هذا سرٌّ لا يزالُ يُحَيّرُ عقولَ العلماءِ، وقد قالَ أحدُ العلماء: "إنّ شيئاً ما يوجّهُ الطيورَ إلى موطنِها"، قال تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الذي أعطى كُلَّ شَيءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هدى﴾ [طه: ٥٠] .
وأصحُّ تفسيرٍ لهذا الموضوع أنّ الأمر يتعلَّقُ بهدايةِ اللهِ : قال تعالى: ﴿سَبِّحِ اسم رَبِّكَ الأعلى * الذي خَلَقَ فسوى * والذي قَدَّرَ فهدى﴾ [الأعلى: ١-٣] .
لذلك يُسمِّي علماءُ التوحيدِ هذه الظاهرةَ التي تحيِّرُ العقولَ هدايةَ اللهِ تعالى، ويُسمِّيها علماءُ الحياةِ الغريزةَ، فهي آليّةٌ معقّدةٌ توجدُ عند المخلوقِ دونَ تعلُّمٍ، عملٌ ذكيٌّ، على مراحلَ، ومبرمجٌ، يفعلهُ الحيوانُ بلا تعلّمٍ.
هجرة الطيور
قال تعالى: ﴿أَلَمْ يَرَوْاْ إلى الطير مسخرات فِي جَوِّ السمآء مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الله إِنَّ فِي ذلك لأيات لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ [النحل: ٧٩] ، وقال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطير فَوْقَهُمْ صافات وَيَقْبِضْنَ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرحمان إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ﴾ [الملك: ١٩] .
هذه الآياتُ ماذا نفعل بها؟ أليسُ فيها حضٌّ على التفكّرِ في السماواتِ والأرضِ؟ أليس فيها حضٌّ على التفكّرِ في ظاهرةِ الطيورِ في السماءِ؟ أليس في هذه الآيةِ التي اختارَها اللهُ دليلٌ على عظمتِه؟.
стр. 459
منذ أنْ عَرَفَ الإنسانُ الطيورَ؛ رآها تختفي كليّاً في الخريفِ، وتظهرُ في الربيعِ، وقد قالَ العلماءُ: "إنّ هناك عشراتِ آلافِ الملايينِ من الطيورِ تهاجرُ كلّ عامٍ، ولا سيّما من نصفِ الكرةِ الشماليِّ إلى نصفِها الجنوبيِّ، وبالذات إلى جنوبِ أمريكا، وجنوبِ إفريقية، أما بلادُ الهجرةِ فأمريكا الشمالية، وأوربة، وآسيا، هذه الطيورُ تتجاوزُ خطَّ الاستواءِ إلى جنوبِ إفريقية"، وفي كلّ الموسوعاتِ العلميّةِ يتحدّثون كيف توصَّلوا إلى هذه الحقائقِ.
هناك ما يزيدُ على أربعةِ ملايينِ طيرٍ وُضِعَت في أرْجُلِها حلقاتٌ معدنيّةٌ تبيّن هويّةَ الطيرِ وتحركاتِه، وهنك مجموعةٌ أخرى ثلاثةُ ملايين، وهناك مجموعةٌ ثالثةٌ ثلاثة عشر مليونَ طيرٍ وُضِعَتْ في أرجُلِها يومَ كانت صغيرةً في أعشاشِها حلقاتٌ كيْ تُتابِعَ حركاتِها من الشمالِ إلى الجنوبِ، حيث كانت مراكزُ البحوثِ منتشرةً بين شمالِ الكرةِ الأرضيّةِ وجنوبِها.
هناك نوعٌ مِنَ الطيورِ يقطعُ في رحلتِه أربعة عشر ألف كيلومتر! وهناك طيورٌ قطعتْ ستَّة عشر ألفَ كيلومتر، وأطْوَلُ رحلةٍ قامَتْ بها مجموعةٌ من الطيورِ قطَعَت اثنين وعشرين ألف كيلو متر من منطقةِ المتجمِّدِ الشماليِّ إلى منطقةِ جنوبِ إفريقية، حيث كانت سرعةُ هذه الطيورِ تتراوحُ بين أربعينَ كيلو متراً في الساعةِ إلى مئةِ كيلو مترٍ في الساعة، أما سرعةُ الصقرِ في أثناءِ انقضاضِه على فريسته فتصل إلى ثلاثمئة وستين كيلومتراً في الساعة، وهناك ملحوظاتٌ سُجِّلَتْ على أنواعِ بعضِ الطيورِ التي تطير ما يزيد على ألفين وسبعمئة كيلومتر دونَ توقّفَ، تقطعُها في عشرين ساعةً، وقد تحلّقُ على ارتفاعِ يزيد على تسعمئة متر، وهو قريبٌ من الكيلومتر، وبعضُها يحلّق على ارتفاعِ ألفٍ وخمسمئة متر، وبعضُها على ارتفاعِ أربعةِ آلاف ومئتي متر، وبعضُها على ارتفاعِ ستّة آلاف متر، أي ستّة كيلومتراتٍ، والطائراتُ الحديثةُ ترتفع اثني عشر كيلومتراً.
стр. 460
لا بدّ أنْ يكونَ في رأسِ الطيورِ ساعةٌ، لأنَّ الطيورَ تهاجرُ في الوقتِ ذاتِه من كلّ عامٍ! فما الذي يخبِرُها أنَّه قد آن الأوانُ؟ لا بدّ مِن ساعةٍ زمنيّةٍ في رأسٍ كلّ طيرٍ، قال بعضُ العلماءِ: "للطيورِ قوّةٌ خارقةٌ لقطعِ المسافاتِ التي تقومُ بها، ولا يوجدُ مخلوقٌ على وجهِ الأرضِ أقوى من الطيرِ في قطعِ المسافاتِ الشاسعةِ، لحكمةٍ أرادَها اللهُ ".
ومِن أعجبِ العجبِ أنَّ الطيورَ التي تستعدُّ لقطعِ مسافاتٍ طويلةٍ تزيدُ على عشرينَ ألفَ كيلومترٍ، تُخزِّنُ الدهونَ في جسمِها قَبْلَ أنْ تسافِر، حيث يصبحُ وزنُ بعضِ الطيورِ مضاعفاً بسببِ الدُّهنِ المخزَّنِ في جسمِها، لتستعملَه وقوداً لها في رحلتِها الطويلةِ الشاقَّةِ.
لقد ظنَّ بعضُهم أنَّ بعضَ الظواهرِ الجُغرافيةِ، مِن أنهارٍ، مِن بحارٍ، مِن سواحلَ، مِن جبالٍ، يهتدي بها الطيورُ، ولكنْ هذه نظريةٌ ثَبَتَ بطلانُها، لأنّ الطيورَ تطيرُ ساعاتِ الليلِ كلَّها، وفي الأيامِ المظلمةِ، ولا ترى شيئاً، ومع ذلك لا تحيدُ عن هدفِها.
وقال بعضُهم: لعل في الطيورِ رائحةَ شمٍّ نفَّاذةً، وقد أثبتَ العلمُ عكسَ ذلك.
وقالوا: تهتدي بالشمس، فأُجريَتْ تجارِبُ، وعزلوا الطيرَ عن أشعّةِ الشمسِ فسارَ في الاتّجاهِ الصحيحِ.
وقالوا: تساعده القبّةُ السماويّةُ، عزلوه عن القبّةِ السماويّةِ، فسار في خطِّه المعتادِ.
وقالوا: يسجّلُ الطائرُ في أعماقِه انعطافاتِ الرحلةِ في الذهابِ، فوضعوه على قرصٍ يدورُ كي تضيعَ هذه الانعطافاتُ، فما أفلحوا.
وطَرَحَ بعضُهم تفسيراً لهذه النظريةِ، ولكن العلماءَ المُحْدَثين اكتشفوا أنّ في رأسِ الطائرِ نسيجاً لا يزيدُ حجمُه على نصفِ ميليمترٍ مربعٍ، مُؤَلَّفاً مِن موادَّ تتأثّرُ بالمغناطيسيةِ الأرضيةِ، وحينما رَكَّبوا بعضَ الوشائعِ، وعَكَسُوا تيارَ الكهرباءِ فيها ارتدَّ الطيرُ إلى الوراءِ، وعَكَسَ اتِّجاهَه، ما هذا النسيجُ الذي بين العينِ والمخِّ في الطائرِ؟ إنّه يتحسّسُ بالساحةِ المغناطيسيةِ الأرضيةِ؟.
следующие страницы →