Полный текст (485 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.
стр. 1
ـ[موسوعة الإعجاز العلمي في القرآن والسنة]ـ
المؤلف: محمد راتب النابلسي.
الناشر: دار المكتبي - سورية - دمشق - الحلبوني - جادة ابن سينا.
الطبعة: الثانية ١٤٢٦ هـ - ٢٠٠٥ م.
عدد الأجزاء: ٢
[الكتاب مرقم آليا غير موافق للمطبوع]
стр. 2
المقدمات
الإعجاز
إنّ اللهَ خلَقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويمٍ، وكرّمه أعظمَ تكريم، وسخّر له الكونَ تسخيرَ تعريفٍ وتفضيلٍ، ووهبَه نعمةَ العقلِ، وفطَرَه فطرةً تنزعُ إلى الكمالِ، وأودعَ فيه الشهوات ليرقى بها صابراً أو شاكراً إلى ربّ الأرضِ والسماواتِ، ومنحَه حريّةَ الإرادةِ ليجعلَ عملَه ثميناً، وأنزلَ كُتباً أحلّ له فيها الطيباتِ، وحرّم عليه الخبائثَ، كلُّ ذلك ليعرفَ ربّه فيعبدَه، ويسعدَ بعبادتِه في الدنيا والآخرةِ.
إنّ الحقَّ لابَسَ خلْقَ السماواتِ والأرضِ، وهو الشيءُ الثابتُ، والهادفُ، بخلافِ الباطلِ، فإنه الشيءُ الزائلُ والعابثُ، إنّ الحقَّ دائرةٌ تتقاطعُ فيها أربعةُ خطوطٍ؛ خطُّ النقلِ الصحيحِ، وخطُّ العقلِ الصريحِ، وخطُّ الفطرةِ السليمةِ، وخطُّ الواقعِ الموضوعيِّ، فالنقلُ الصحيحُ كلامُه ، مع بيانِ المعصومِ ﷺ ، والعقلُ الصريحُ ميزانٌ مِن خَلْقِ اللهِ أودعه اللهُ في الإنسانِ ليتعرّفَ من خلاله إلى الله، والفطرةُ ميزانٌ آخرُ متطابِقٌ مع الشرعِ الإلهيِّ، وهو مركوزٌ في أصلِ كيانِ الإنسانِ ليكتشفَ من خلالها خطأَه، والواقعُ خَلْقُ الله تحكُمُهُ القوانينُ التي قنّنها اللهُ ﷻ ، فإذا كانت هذه الفروعُ الأربعةُ من أصلٍ واحدٍ فهي متطابقةٌ فيما بينها.
يقومُ دِين الله بشرائِعه المتعددةِ على أصلين لا ثالثَ لهما، قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلاَّ نوحي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ أَنَاْ فاعبدون﴾ [الأنبياء: ٢٥] .
فالأصلُ الأولُ: معرفةُ اللهِ موجوداً، وواحداً، وكاملاً، وهو ذو الأسماءِ الحسنى والصفاتِ العلا، (وهذا هو التوحيد) ، والأصلُ الثاني: معرفةُ منهجه من أجْلِ عبادته التي هي علّةُ وجودِ الإنسانِ، وهي طاعةٌ طوعيةٌ، ممزوجةٌ بمحّبةٍ قلبيةٍ، أساسُها معرفةٌ يقينيةٌ، تُفضِي إلى سعادةٍ أبديةٍ، (وهذه هي العبادةُ) ... فالتوحيدُ قمّةُ العلمِ، والعبادةُ قمّةُ العملِ.
стр. 3
إنّ اللهَ ﷻ خلَقَ الكونَ بسماواتِه وأرضِه، وخلَق العوالمَ، وعلى رأسِها الإنسانُ وَفْقَ أنظمةٍ بالغةِ الدّقةِ، ومِن أبرزِ هذه الأنظمةِ نظامُ السّببيةِ، وهو تلازمُ شيئين وجوداً وعدماً، أحدُهما قَبْلَ الآخر، فنسمِّي الأولَ سبباً، ونسمِّي الثانيَ نتيجةً، وممّا يكمِّلُ هذا النظامَ الرائعَ أنّ العقلَ البشريَّ يقومُ على مبدإِ السببيّةِ، أي إنّ العقلَ لا يفهمُ حدثاً من دونِ سببٍ، ومن رحمةِ اللهِ بنا أنّ هذا النظامَ في الكونِ، وذلك المبدأَ في العقلِ يقودُنا برفقٍ إلى معرفةِ اللهِ مسبِّبِ الأسبابِ، الأقدامُ تدلُّ على المسيرِ، والماءُ يدلُّ على الغديرِ، أفسماءٌ ذاتُ أبراجٍ، وأرضٌ ذاتِ فِجاجٍ، ألا تدلاَّنِ على الحكيمِ الخبيرِ؟.
ومِن رحمةِ الله بنا أيضاً أنّ تلازُمَ الأسبابِ مع النتائجِ يُضفي على الكونِ طابعَ الثباتِ، ويمهِّدُ الطريقَ لاكتشافِ القوانينِ، ويعطي الأشياءَ خصائصَها الثابتةَ ليسهُلَ التعاملُ معها، ولو لم تكن الأسبابُ متلازمةً مع النتائجِ، ولو لم تكن النتائجُ بقدْرِ الأسبابِ لأخذَ الكونُ طابعَ الفوضى والعبثِيّةِ، ولَتَاهَ الإنسانُ في سبُلِ المعرفةِ، ولم ينتفعْ بعقلِه، لكن من اعتقدَ أنّ الأسبابَ وحدَها تخلُق النتائجَ، ثمّ اعتمدَ على الأسبابِ وحدها فقدْ أشركَ، لذلك يتفضَّل اللهُ على هذا الإنسانِ الذي وقعَ في الشركِ الخفيِّ فيؤدِّبُه بتعطيلِ فاعليةِ الأسبابِ التي اعتمدَ عليها، فيُفاجَأ بنتائجَ غيرِ متوقّعةٍ، ومَن تركَ الأخذَ بالأسبابِ متوكِّلاً - في زعْمهِ - على اللهِ فقد عصَى، لأنه لم يعبأْ بهذا النظامِ الذي ينتظمُ الكون، ولأنه طمعَ - بغيرِ حقٍّ - أن يخرِقَ اللهُ له هذه السننَ، أمّا المؤمنُ الصادقُ فيأخذُ بالأسبابِ دونَ أنْ يعتقدَ أنّها تصنعُ النتائجَ، وبالتالي دونَ أنْ يعتمدَ عليها، يأخذُ بها، وكأنّها كلُّ شيءٍ، ويعتمدُ على اللهِ، وكأنّها ليست بشيءٍ، معتقداً أنه ما شاء اللهُ كان، وما لم يشأ لم يكن، وأنّ الأسبابَ وحدها لا تقودُ إلى النتائجِ إلا بمشيئةِ اللهِ، وهذا هو التوحيدُ الإيجابيُّ الذي يغيبُ عن كثيرٍ من المؤمنين، فضلاً عن غيرِ المؤمنين، قال تعالى:
стр. 4
﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بالله إِلاَّ وَهُمْ مُّشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦] .
لكنَّ هذا النظامَ نظامَ السببيةِ يُخرَقُ أحياناً ... متى وكيف؟
حينما يأتي إنسانٌ ويقول: إنّه رسولٌ مِن عندِ الله جاءَ ليبلِّغَ منهجَ الله فلا بدَّ مِن أنْ يطالبَه الناسُ ببرهانٍ على أنه رسولُ الله، وعلى أنّ الكتابَ الذي جاء به هو مِن عندِ الله، وهنا تأتي المعجزةُ لتكونَ برهاناً على صدقِ إرسالِ النبيِّ، ومصداقيةِ منهجِه، والمعجزةُ في بعضِ تعاريفِها خرقٌ لنواميسِ الكونِ ولقوانينِه، ولا يستطيعُها إلا خالقُ الكونِ، لأنه هو الذي وضعَ القوانينَ والنواميسَ، يعطيها لرُسُلهِ لتكونَ برهاناً على صدْقِهم في إرسالهِم، وصدقِهم في إبلاغِهم عن ربِّهم، والمعجزةُ مُمكِنةٌ عقلاً غيرُ مألوفة عادةً، فهناك فرقٌ بين أنْ يحكُمَ العقلُ على شيء باستحالتِه، وأنْ يعلنَ عجزَه عن فهمِ هذا الشيءِ، فعدمُ العلمِ بالشيءِ لا يلزم العلمَ بعدمِه.
ولكنْ لا معنى للحديثِ عن المعجزاتِ التي هي خرقٌ للنواميسِ والعاداتِ، وعن جزئياتِها، وعن وقوعِها، أو توهُّمِها، إذا كان أصلُ الدِّينِ الذي يتلخّصُ في الإيمانِ بالله، موجوداً، وواحداً، وكاملاً، والإيمانُ أنّه بكلِ شيءٍ عليمٌ، وعلى كل شيء قديرٌ، وفعّالٌ لِمَا يريدُ، إذا كان هذا الأصلُ محلَّ إنكارٍ أو شكٍّ فلا معنى للحديثِ عن المعجزاتِ أصلاً، فالناس يخاطبُون عادةً بأصولِ الدِّين، والمؤمنون يخاطَبون بفروعِ الدينِ، والحديثُ عن المعجزاتِ من فروعِ الدينِ، فإذا كان الأصلُ مهتزًّا فلا جدوى من الحديثِ عن المعجزاتِ.
стр. 5
ثم إنّ الكونَ بمجرّاتِه وكازاراتهِ، بكواكِبه ومذنّباتِه، بالمسافاتِ البَيْنِيةِ، والسرعاتِ الضوئيةِ، بحجومِ النجومِ، بدورانِها، وتجاذبِها، وإنّ الأرضَ بجِبالِها، ووديانِها، وسهولِهَا، وقفارِها، ببحارِها، وبحيراتِها، بينابيعِها، وأنهارِها، بحيواناتِها، ونباتاتِها، بأسماكِها، وأطيارِها، بمعادنِها، وثرواتِها، وإنّ الإنسانَ بعقلِه، وعاطفتِه، وأعضائِه، وأجهزتِه، بفطرتِه، وطباعِه، بزواجِه، وذريّتِه؛ هذه كلُّها معجزاتٌ، وأيّةُ معجزاتٍ، وبكلامٍ مُجمَلٍ: الكونُ بسماواته وأرضِه هو في وضْعِه الراهنِ، من دونِ خرْقٍ لنواميسِه، ومن دونِ خروجٍ عن نظامِه، هو في حدِّ ذاتِه معجزةٌ، وأيّةُ معجزة! والدليلُ قولُه تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١] .
غيرَ أنّ الإنسانَ لانهماكِه بمشاغلِه، وغفلتِه عن خالقِه، ولطُولِ أُلْفَتِهِ لِمَا حولَه ينسَى وجْهَ الإعجازِ في الكونِ، ويغفلُ عن عظمةِ الخالقِ فيما خَلََقَ، فيحسبُ جهلاً منه، وغروراً أنّ المعجزةَ هي تِلْكُمُ التي تخالِفُ ما أَلِفَه واعتادَه، ثم يمضي هذا الإنسانُ الجاهلُ فيتّخذُ ممّا أَلِفَه واعتاده مقياساً لإيمانِه بالأشياءِ، أو كفْرِه بها، وهذا جهلٌ عجيبٌ في الإنسانِ، على الرّغمِ مِن ارتقائِه في مدارجِ المَدَنيَّةِ والعلمِ، فتأمّلٌ يسيرٌ مِن الإنسانِ يوضحُ له بجلاءٍ أنّ الخالقَ جلّ وعلا الذي خَلَق هذه الكونَ المعجزَ ليس عسيراً عليه أنْ يزيدَ فيه معجزةً أخرى، أو أن يبدِّلَ، أو أن يغيِّرَ في بعضِ أنظمتِهِ التي خلَق العالَمَ وَفْقَهَا.
стр. 6
يقول بعضُ العلماءِ الغربيّين: "القدرةُ التي خَلَقت العالَمَ لا تعجزُ عن حذفِ شيءٍ منه، أو إضافةِ شيءٍ إليه، ولو لم يكن هذا العالَمُ موجوداً"، ولو قيل لرجلٍ ممّن ينكر المعجزاتِ والخوارقَ: "سيُوجَد عالَمٌ صفتُه كذا وكذا، فإنه سيجيبُ فوراً: هذا غيرُ معقولٍ، ولا متصوَّر، ويأتي إنكارُه هذا أشدَّ بكثير من إنكارِ بعضِ المعجزاتِ".
والشيءُ المهمُّ هنا أن نعلمَ أنّ الرُّسلَ السابقين بُعِثوا لأقوامهم ليس غير، فكانت معجزاتُهم حسيّةً محدودةً بالزمانِ والمكانِ الذي بُعِثوا فيه، إذنْ معجزاتُهم كتألُّقِ عودِ الثّقابِ، وقعتْ مرةً واحدةً، وأصبحتْ خبراً يصدِّقُه مَن يصدِّقه، ويكذِّبه مَن يكذِّبه.
أمّا نبيُّنا محمّد ﷺ ، الذي هو خاتَمُ الأنبياءِ والمرسلين، وأُرسِلَ إلى الناسِ كافةً بشيراً ونذيراً، فينبغي أنْ يكونَ مِن معجزاتِه ما هو مستمِرٌّ، ولذلك كانت آياتُ الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنةِ معجزةً علميةً نَصّيَّةً.
ففي القرآنِ الكريمِ ألفٌ وثلاثُمئة آيةٍ تتحدّثُ عن الكونِ، وعن خَلقِ الإنسانِ، وهذه الآياتُ تقتربُ مِن سدُسِ القرآنِ، وإذَا كانَت آياتُ الأمرِ تقتضِي الطاعةَ، وآياتُ النهيِ تقتضي التركَ، فماذا تقتضِي آياتُ الكونِ؟ إنها تقتضي التفكُّرَ، لذلك وردَ في الأثرِ: "تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ".
ولحكمةٍ إلهيةٍ بالغةٍ لم يفسِّر النبيُّ ﷺ هذه الآياتِ؛ إمّا باجتهادٍ منه، أو بتوجيهٍ مِن اللهِ جلّتْ حكمتُه، لأنّه لو فسَّرها على نحوٍ يناسِبُ فهْمَ مَن حَوْله لأنكرَ هذا التفسيرَ مَن سيأتي بَعْدَه، ولو فسّرها تفسيرًا يفهمُه مَن سيأتي بَعْده لاستَغْلقَ هذا التفسيرُ على مَن حَوْله.
لذلك تُرِكتْ هذه الآياتُ للعصورِ اللاّحقةِ، ليكشفَ التقدُّمُ العلميُّ في كلّ عصرٍ جوانبَ الإعجازِ فيها، وبهذا يكونُ القرآنُ الكريمُ، بما فيه من آياتٍ كونيةٍ معجزةً مستمرّةً إلى يومِ القيامةِ.
стр. 7
العلم
والعلمُ كما يَرَى بعضُ العلماءِ؛ علمٌ باللهِ، وعلمٌ بأمرِه، وعلمٌ بخَلْقه، أو علمٌ بالحقيقةِ، وعلمٌ بالشريعةِ، وعلمٌ بالخليقةِ، والعلمُ باللهِ أصلُ الدِّينِ، والعلمُ بأمْرِه أصلُ العبادةِ، والعلمُ بخَلْقِهِ أصلٌ في صلاحِ الدنيا.
لقد دعا الإسلامُ إلى العلمِ بالله، من خلالِ التفكُّرِ في خَلقِ السماواتِ والأرضِ، حيث تَتَابَعَ الأمرُ به في سُوَرِ القرآنِ، وعُدَّ الأساسَ الأولَ لبناءِ دعائمِ العقيدةِ والإيمانِ.. قال تعالى:
﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِن مَّآءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِن بَيْنِ الصلب والترآئب﴾ [الطارق: ٥-٧] .
وقال تعالى:
﴿فَلْيَنظُرِ الإنسان إلى طَعَامِهِ * أَنَّا صَبَبْنَا المآء صَبّاً * ثُمَّ شَقَقْنَا الأرض شَقّاً * فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبّاً * وَعِنَباً وَقَضْباً * وَزَيْتُوناً وَنَخْلاً * وَحَدَآئِقَ غُلْباً﴾ [عبس: ٢٤-٣٠] .
وقال أيضاً:
﴿أَفَلاَ يَنظُرُونَ إِلَى الإبل كَيْفَ خُلِقَتْ * وَإِلَى السمآء كَيْفَ رُفِعَتْ * وإلى الجبال كَيْفَ نُصِبَتْ * وَإِلَى الأرض كَيْفَ سُطِحَتْ﴾ [الغاشية: ١٧-٢٠] .
وقال تعالى: ﴿قُلِ انظروا مَاذَا فِي السماوات والأرض وَمَا تُغْنِي الآيات والنذر عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ﴾ [يونس: ١٠١] .
стр. 8
والتفكّرُ في خَلقِ السماوات والأرضِ نوعٌ من العباداتِ، بل هو مِن أرقى العباداتِ، ففي صحيح ابن حبان عن عطاء أنّ عائشة ﵂ قالت: " ... أَتَانِي النَّبِيُّ ﷺ فِي لَيْلَتِي، وَقَالَ: ذَرِينِي أَتَعَبَّدُ لِرَبِّي ، فَقَامَ إِلَى القِرْبَةِ، فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي، فَبَكَى حَتَّى بَلَّ لِحْيَتَهُ، ثُمَّ سَجَدَ حَتَّى بَلَّ الأَرْضَ، ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَىَ جَنْبِهِ، حَتَّى أَتَى بِلاَلٌ يُؤْذِنُهُ بِصَلاَةِ الصُّبْحِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا يُبْكِيكَ، وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ؟ فَقَالَ: وَيْحَكَ يَا بِلاَلُ، وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَبْكِيَ وَقَدْ أَنْزَلَ اللهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ اللَّيلَةِ: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب﴾ ".
انظرْ إلى الشمسِ، وَسَلْ مَن رَفَعَها ناراً، ومن نَصبَها مناراً، ومن ضَرَبها ديناراً، ومَن علّقها في الجوّ ساعةً، يَدِبُّ عقربَاها إلى قيامِ السّاعةِ، ومَن الذي آتاها مِعراجَها، وهَداها أدراجَها، وأحلّها أبراجَها، ونقَّلَ في سماءِ الدنيا سِراجَهَا، الزمانُ هي سببُ حصولِه، ومنشعبُ فروعِه وأصولهِ، وكتابهِ وفصولهِ، لولاها ما اتّسَقتْ أيّامُه، ولا انتظمتْ شهورُه وأعوامُه، ولا اختلف نورُه وظلامُه، ذهبُ الأصيلِ مِن مناجِمِهَا، والشفقُ يسيلُ مِن محاجمِها، تحطّمتِ القرونُ على قرنِها، ولم يَمْحُ التقادمُ لمحةَ حُسْنِها.
لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقولُ:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق﴾ [فصلت: ٥٣] .
стр. 9
وانظرْ إلى القلبِ، في فعلِه وأثرِه، وغرضِه ووطرِه، وقدْرِه وقَدَره، وحيطانِه وجُدُره، ومنافذِه وحُجِرِه، وأبوابِه وسُتُرِه، وكهوفِه وحفرِه، وجدولِه وغديرِه، وصفائِه وكدَره، ودأْبِه وسهرِه، وصبرِه وحذرِه، وعظيمِ خطرِه، لا يغفلُ ولا يغفو، ولا ينسى ولا يسهو، ولا يعثر ولا يكبو، ولا يخمدُ ولا يخبو، ولا يملّ ولا يشكو، وهو دائبٌ صبور، بأمرِ الذي أحسنَ خِلقَتَه، وأعدَّ له عُدّته، وأوقد فيه جَذوتَه، وقدّر له أجَلَه ومدّته، يعمل من دونِ راحةٍ، ولا مراجعةٍ ولا توجيه.
لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقولُ:
﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق﴾
وانظر مع سيّدنا علي ﵁.. (انظرْ إلى النملةِ في صِغرِ جثّتِها، ولطافةِ هيئتِها، لا تكادُ تُنالُ بلَحْظِ البصرِ، ولا بمُستدرَكِ الفِكَرِ، كيفَ دبّتْ على أرضِها، وصُبَّتْ على رِزقِها، تنقلُ الحبّةِ إلى جُحرِها، وتعدُّها في مستقرِّها، تجمع في حرّها لبَرْدِها، وفي وِرْدِها لصَدرِها، مكفولةٌ برِزقها، مرزوقةٌ بوسقِها، لا يغفلُها المنَّان، ولا يحرمُها الدَّيَّان، ولو في الصفا الوابدِ، والحجرِ الجامدِ، ولو فكّرتَ في مجاري أكْلِها، في عُلْوِها وسُفلِها، وما في الجوفِ من شراسيفِ بطْنِها، وما في الرأسِ من عَينِها وأذنِها، لرأيتَ من خَلْقها عجباً، ولقيتَ من وَصفِها تعباً، فتعالى الذي أقامها على قوائمِها، وبناها على دعائمِها، لم يشرِكْه في فِطرتها فاطرٌ، ولم يُعِنْهُ على خَلْقها قادر) .
لقد صدق اللهُ العظيمُ إذ يقولُ:
﴿وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأرض وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَّا فَرَّطْنَا فِي الكتاب مِن شَيْءٍ ثُمَّ إلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] .
هذا عن العلمِ باللهِ، علمِ الحقيقةِ، فماذا عن العلمِ بأمرِ اللهِ، علمِ الشريعةِ؟
стр. 10
إنّ الإنسانَ إذا تفكّر في خَلقِ السماواتِ والأرض، فعرفَ اللهَ خالقاً ومربّياً ومسيّراً، وعرفَ طَرفاً من أسمائِه الحسنى، وصفاتِه الفضلى، يشعرُ بدافعٍ قويٍّ إلى التقربِ إليه مِن خلالِ امتثالِ أمْرِه، واجتنابِ نهْيِه، عندها يأتي علمُ الشريعةِ ليبيّنَ أمْرَ اللهِ ونهيَه، في العباداتِ والمعاملاتِ والأخلاقِ.
والشريعةُ عدْلٌ كلُّها، ورحمةٌ كلُّها، ومصالحُ كلُّها، وحكمةٌ كلُّها، فكلُّ مسألةٍ خرجتْ عن العدلِ إلى الجورِ، وعن الرحمةِ إلى ضدّها، وعن المصلحةِ إلى المفسدةِ، وعن الحكمةِ إلى العبثِ، فليست من الشريعةِ، وإن أُدخِلَتْ عليها بألْفِ تأويلٍ وتأويلٍ.
قال ﵊ فيما رواه البخاري في صحيحه: "مَنْ يُرِدُ اللهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ".
بقي علمُ الخليقةِ، لقد دعا الإسلامُ إلى العلمِ بطبائعِ الأشياءِ وخصائصِها، والقوانينِ التي تحكمُ العلاقةَ بينَها، كي نستفيدَ منها، تحقيقاً لتسخيرِ اللهِ جلّ وعلاَ الأشياءَ لَنا.. قال تعالى:
﴿أَلَمْ تَرَوْاْ أَنَّ الله سَخَّرَ لَكُمْ مَّا فِي السماوات وَمَا فِي الأرض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ [لقمان: ٢٠] .
﴿وَأَنزَلْنَا الحديد فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ [الحديد: ٢٥] .
وتعلُّم العلومِ الماديةِ يحقِّق عمارَة الأرضِ عن طريقِ استخراجِ ثرواتِها، واستثمارِ طاقاتها، وتذليلِ الصعوباتِ، وتوفيرِ الحاجاتِ، تحقيقاً لقوله تعالى:
﴿وإلى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ ياقوم اعبدوا الله مَا لَكُمْ مِّنْ إلاه غَيْرُهُ هُوَ أَنشَأَكُمْ مِّنَ الأرض واستعمركم فِيهَا فاستغفروه ثُمَّ توبوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ﴾ [هود: ٦١] .
وتعلُّمُ العلومِ الماديّةِ، والتفوُّقُ فيها قوّةٌ، يجبُ أنْ تكونَ في أيدي المسلمين، ليجابِها أعداءَهم، أعداءَ الحقِّ والخيرِ والسلامِ، وتحقيقاً لقوله تعالى:
﴿وَأَعِدُّواْ لَهُمْ مَّا استطعتم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الخيل تُرْهِبُونَ بِهِ عَدْوَّ الله وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: ٦٠] .
стр. 11
ولأنّ قوةَ هذا العصرِ في العلمِ، بلِ إنّ الحربَ الحديثةَ ليست حرباً بين سَاعِدَيْن، بل هي حربٌ بين عَقْلَيْنِ، فينبغي أنْ يكونَ المسلمُ قويًّا، لأنّ الحقَّ الذي يحملُه يحتاجُ إلى قوّةٍ، فقد قال ﵊: "المُؤْمِنُ الْقَوِيُّ خَيْرٌ وَأَحَبُّ إلَى اللهِ مِنَ الْمُؤْمِنِ الضَّعِيفِ، وَفِي كُلٍّ خَيْرٌ".
في القرآن والسنة
إنّ معجزةَ القرآنِ العلميةَ لتظهَرُ لأهلِ العلمِ في كلِّ مجالٍ من مجالاتِه، فهي ظاهرةٌ في نَظْمه، وفي إِخبارِه عن الأوّلِين، وفي إنبائِه بحوادثِ المستقبلِ، وفي ظهورِ حِكَمِ التشريعِ وغيرِها، ولقد شاعَ مصطلحُ الإعجازِ العلميِّ في عصرِنا، للدَّلاَلةِ على أَوْجُهِ الإعجازِ في القرآنِ والسُّنةِ، والتي كشفتْ عنها العلومُ الكونيةُ، والمعجزةُ في اصطلاحِ العلماءِ: أمرٌ خارِقٌ للعادةِ، مَقرونٌ بالتحدِّي، سالِمٌ مِنَ المعارضةِ.
وإعجازُ القرآنِ يُقصَد به تحدِّي القرآنِ الناسَ أنْ يأتوا بمثلِه، ووصفُ الإعجازِ هنا بأنّه علميٌّ نسبةً إلى العلم، الذي هو حقيقةٌ، مقطوعٌ بها، تُطابِقُ الواقعَ، عليها دليلٌ، فإذا لم يكن مقطوعاً بها كانت وَهْماً، أو شكاً، أو ظنًّا، وإذا لم تطابِقِ الواقعَ كانت جهلاً، وإذا افتقرتْ إلى الدليلِ كانت تقليداً.
والإعجازُ هو إخبارُ القرآنِ الكريمِ أو السُّنَّةِ النبويةِ بحقيقةٍ أثْبتَها العلمُ التجريبيُّ، وثبتَ عدمُ إمكانيةِ إدراكِها بالوسائلِ البشريةِ، في زمنِ الرسولِ ﷺ ، ممّا يُظهِرُ، ويؤكِّدُ صِدْقَه فيما أخبرَ به عن ربِّه ، والمعجزةُ القرآنيةُ - بما تتضمنه من حقائقَ علميةٍ - دليلٌ على عالَميةِ الرِّسالةِ الإسلاميةِ.
стр. 12
لمّا كان الرُّسُلُ قبْل محمَّدٍ ﷺ يُبعَثون إلى أقوامِهم خاصّةً، ولأزمنةٍ محدودةٍ، فقد أيّدهم اللهُ ببيناتٍ حسيةٍ، مثلُ: عصا موسى ﵇، وإحياءِ الموتى بإذنِ الله على يدِ عيسى ﵇، وتستمرُّ هذه البياناتُ الحسِّيّةُ محتفِظةً بقوّةِ إقناعِها في الزمنِ المحدّدِ لرسالةِ كلِّ رسولٍ، حتى إذا تطاولَ الزمنُ، وتقادمَ، وتكدّرَ نبعُ الرسالةِ الصافي، اختفتْ قوّةُ الإقناعِ الحسِّيةُ، وبَعث الله رسولاً آخرَ بالدِّينِ الذي يرضاه، وبمعجزةٍ جديدةٍ، وبيِّنةٍ مشاهَدَةٍ، ولمّا خَتَمَ اللهُ النبوةَ بمحمّدٍ ﷺ ضَمِنَ له حِفْظَ دِينِه، وأيّده ببيّنةٍ كبرى، تَبقى بين أيدي الناسِ إلى قيامِ الساعة، قال تعالى:
﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شهادة قُلِ الله شَهِيدٌ بِيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هاذا القرآن لأُنذِرَكُمْ بِهِ وَمَن بَلَغَ﴾ [الأنعام: ١٩] .
وقال تعالى: ﴿لاكن الله يَشْهَدُ بِمَآ أَنزَلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: ١٦٦] .
وفي هاتين الآيتين اللتين نَزَلَتا رداً على تكذيبِ الكافرين بنبوّةِ محمَّدٍ ﷺ بيانٌ لطبيعةِ المعجزةِ العلميةِ التي تبقى بين أيدي الناسِ، وتتجدَّدُ مع كلِّ فتحٍ بشريٍّ، في آفاقِ العلومِ والمعارفِ، ذاتِ الصلةِ بمعاني الوحيِ الإلهيِّ.
وهكذا تَسْطَعُ بيِّنةُ الوحيِ المنزَّلِ على محمَّدٍ ﷺ بما نَزَل فيه مِن علمٍ إلهيٍّ يدرِكُه الناسُ في كلِّ زمانٍ ومكانٍ، ويتجدَّد على مرِّ العصورِ والدهورِ، ولذلك قال ﵊: "مَا مِنَ الأَنْبِيَاءِ نَبِيٌّ إِلاَّ أُعْطِيَ مِنَ الآيَاتِ مَا مِثْلُه آمَنَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ، وَإِنَّما كَانَ الَّذِي أَوتِيتُهُ وَحْياً أَوْحَاهُ اللهُ إِلَيَّ، فَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَكْثَرَهُمْ تَابِعاً يَوْمَ الْقِيَامةِ".
стр. 13
قال ابنُ حجرٍ عند شرحه لهذا الحديث: "رتّبَ هذا الكلامَ على ما تقدَّم مِن معجزةِ القرآنِ المستمرةِ لكثرة فائدتِه، وعمومِ نفعِه، لاشتمالِه على الدعوة والحُجّةِ والإخبارِ بما سيكونُ فعمَّ نفعُه مَن حَضَرَ، ومَن غابَ، ومَن وجدَ، ومن سيُوجد فَحَسُنَ ترتيب ذلك ... وقيلَ: المرادُ أنّ معجزاتِ الأنبياءِ انقرضتْ بانقراضِ أعصارِهم فلم يشاهدْها إلا مَن حَضَرَها، ومعجزةُ القرآنِ مستمرةٌ إلى يومِ القيامةِ، وخرقُه للعادةِ في أسلوبِه، وبلاغتِه، وأخبارِه بالمغيّباتِ، فلا يمرُّ عصرٌ من الأعصارِ إلاَّ ويظهرُ فيه شيءٌ ممّا أخبرَ به أنه سيكونُ يدلُّ على صحةِ دعواه ... ".
ولأنّ القرآنَ معجزةٌ مستمرّةٌ لكلِّ الخَلْقِ إلى يومِ القيامةِ، فإنّ بينةَ القرآنِ العلميةَ يدرِكُها العربيُّ والأعجميُّ على حدٍّ سواءٍ، وتبقى ظاهرةً متجدِّدةً إلى قيام السّاعةِ، ففي القرآن أنباءٌ نعرفُ المقصودَ منها لأنّها بلسانٍ عربيٍّ مبينٍ، لكنّ حقائقَها وكيفياتِها لا تتجلَّى إلا بعدَ حينٍ، قال تعالى:
﴿إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ لِّلْعَالَمِينَ * وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينِ﴾ [ص: ٨٧-٨٨] .
وشاءَ اللهُ أنْ يجعلَ لكلِّ نبإ زمناً خاصًّا يتحقّقُ فيه، فإذا تَجَلَّى الحَدَثُ ماثلاً للعيانِ أشرقَتِ المعاني التي كانت تدلُّ عليها الحروفُ والألفاظُ في القرآنِ، كما في قوله تعالى:
﴿لِّكُلِّ نَبَإٍ مُّسْتَقَرٌّ وَسَوْفَ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنعام: ٦٧] .
ويبقَى النبأُ الإلهيُّ محيطاً بكلّ الصورِ التي يتجدّدُ ظهورُها عبْرَ القرونِ.
قال تعالى: ﴿والخيل والبغال والحمير لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: ٨] .
لقد نزلَ القرآن في عصرِ انتشارِ الجهلِ وشيوعِ الخرافةِ، والكهانةِ، والسِّحرِ، والتنجيمِ في العالم كلِّه، وكان للعربِ النصيبُ الأوفى مِن هذه الجاهليةِ والأميّةِ كما بيَّن القرآنُ ذلك بقوله:
﴿هُوَ الذي بَعَثَ فِي الأميين رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الكتاب والحكمة وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي ضَلاَلٍ مُّبِينٍ﴾ [الجمعة: ٢] .
стр. 14
في ذلك العصرِ، وعلى تلك الأمّةِ نزَلَ الوحيُ، وفيه علمُ اللهِ، ويصفُ أسرارَ الخَلقِ في شتّى الآفاقِ، ويجلِي دقائقَ الخلْق في النفسِ البشريةِ، ويقرِّر البِدايَة في الماضي، ويصفُ أسرارَ الحاضرِ، ويكشفُ غيبَ المستقبلِ، الذي ستكونُ عليه سائرُ المخلوقاتِ.
وعندما دخلَ الإنسانُ في عصرِ الاكتشافاتِ العلميةِ، وامتلكَ أدَقَّ أجهزةِ البحثِ العلميِّ، وتمكَّنَ من حشدِ جيوشٍ من الباحثين في شتّى المجالاتِ، يبحثون عن الأسرارِ المحجوبةِ في آفاقِ الأرضِ والسماءِ، وفي مجالاتِ النفسِ البشريةِ، يجمعون المقدِّماتِ، ويرصُدون النتائجَ، في رحلةٍ طويلةٍ عبْرَ القرونِ، ولمّا أخذتِ الصورةُ في الاكتمالِ، والحقيقةُ في التجلِّي، وقعتِ المفاجأةُ الكبرى بتجلِّي أنوارِ الوحيِ الإلهيِّ، الذي نَزل على محمَّدٍ ﷺ قبْلَ أكثرَ من ألفٍ وأربعمئة عامٍ، بذكرِ تلك الحقيقةِ في آيةٍ مِنَ القرآنِ أو بعضِ آيةٍ، أو في حديثٍ أو بعضِ حديث، بدقّةٍ علميةٍ معجزةٍ، وبعباراتٍ مشرِقةٍ، وبهذا أنبأنا القرآنُ الكريمُ فقالَ:
﴿قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ الله ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفاق وفي أَنفُسِهِمْ حتى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الحق أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [فصلت: ٥٢-٥٣] .
وقال أحدُ العلماءِ: "وأمّا الطريقُ العيانِي فهو أن يرَى العبادُ مِن الآياتِ الآفاقيةِ والنفسيةِ ما يبيِّنُ لهم أنّ الوحيَ الذي بلَّغتْهُ الرسلُ عن اللهِ حقٌّ"، وقال عالِم آخرُ: "الآفاق: تعني أقطارَ السماوات والأرض؛ من الشمسِ والقمرِ والنجومِ والليلِ والنهارِ، والرياحِ والأمطارِ، والرعدِ، والبرقِ، والصواعقِ، والنباتِ والأشجارِ، والجبالِ، والبحارِ، وغيرها"، ورُوِيَ هذا عن عددٍ من أئمّةِ التفسيرِ.
فهذه آياتُ اللهِ في كتابِه تتحدّثُ عن آياتِه في مخلوقاتِه، وتتجلّى بمعجزةٍ علميةٍ بيّنةٍ تسطعُ في عصرِ الكشوفِ العلميةِ في آفاقِ الكونِ.
стр. 15
إنّنا على وعدٍ مِن اللهِ ، بأنْ يُرِيَنَا آياتِه، فيتحقَّقُ لنا بهذه الرؤيةِ العلمُ الدقيقُ بمعاني هذه الآياتِ، كما قال تعالى:
﴿وَقُلِ الحمد للَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا﴾ [النمل: ٩٣] .
وممّا سبَقَ يتبيّنُ لنا أن البشريةَ على موعدٍ من اللهِ، متجدّدٍ ومستمِرٍّ، بكشفِ آياتِه في الكونِ، وفي كتابِه، أمامَ الأبصارِ، لتقومَ الحجّةُ والبرهانُ، وتظهرَ المعجزةُ للعيانِ.
والفرقُ بين التفسيرِ العلميِّ والإعجازِ العلميِّ، هو أنّ التفسيرَ العلميَّ كشفٌ عن معانِي الآيةِ أو الحديثِ، في ضوءِ ما ترجَّحَتْ صحّتُه مِن حقائقِ العلومِ الكونيةِ.
أما الإعجازُ العلميُّ فهو إخبارُ القرآنِ الكريمِ، أو السنّةِ النبويةِ بحقيقةٍ أثبتَها العلمُ التجريبيُّ أخيراً، وثبتَ عدمُ إمكانيةِ إدراكِها بالوسائلِ البشريةِ، في زمنِ الرسولِ ﷺ .
قواعدُ وأسسُ أبحاثِ الإعجازَ العلميِّ:
١- علمُ اللهِ، هو العلمُ الشاملُ المحيطُ الذي لا يعترِيه خطأٌ، ولا يشوبُه نَقصٌ، وعلمٌ الإنسانِ محدودٌ، وقابلٌ للازديادِ، ومُعَرَّضُ للخطإِ.
٢- هناك نصوصٌ من الوحيِ قطعيةُ الدَّلالةِ، كما أنّ هناك حقائقَ علميةً كونيةً قطعيةً.
٣- في الوحيِ نصوصٌ ظنيةٌ في دَلالتِها، وفي العلمِ نظرياتٌ ظنّيةٌ في ثبوتِها.
٤- لا يمكنُ أنْ يقعَ صِدامٌ بين قَطعِيٍّ مِن الوحي وقطعيٍّ مِن العلمِ التجريبيِّ، فإنْ وَقَعَ في الظاهرِ فلا بد أن هناك خلَلاً في اعتبار قطعيةِ أحدِهما، وهذه قاعدةٌ جليلةٌ قرَّرَها علماءُ المسلمين، وقد أَلَّفَ غيرُ واحدٍ مِنَ العلماءِ كُتباً تؤكِّدُ حتميةَ توافُقِ العقلِ مَع النقلِ.
عندما يُرِي اللهُ عبادَه آيةً من آياتِه في الآفاقِ أو في الأنفس مُصَدِّقَةً لآيةٍ في كتابِه، أو حديثٍ مِن أحاديثِ رسولِه ﷺ يتّضحُ المعنى، ويكتملُ التوافقُ، ويستقرُّ التفسيرُ، وتُحدَّدُ دَلالاتُ ألفاظِ النصوصِ بمَا كُشِفَ من حقائقَ علميةٍ، وهذا هو الإعجازُ.
стр. 16
إنّ نصوصَ الوحي قد نزلتْ بألفاظٍ جامعةٍ، فقد قال ﷺ : "بُعِثْتُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ... " ممّا يدلُّ على أنّ النصوصَ التي وردتْ عن النبيِّ ﷺ بكلِّ المعاني الصحيحةِ في مواضيعِها التي قد تَتَابَعَت في ظهورِها جيلاً بعد جيلٍ.
إذا وقعَ التعارضُ بين دَلالةٍ قطعيةٍ للنصِّ، ونظريةٍ علميةٍ، رُفِضَتْ هذه النظريةُ، لأنّ النصَّ وحيٌ مِن الذي أحاطَ بكلِّ شيء علماً، وإذا وقعَ التوافقُ بينهما كان النصُّ دليلاً على صحةِ تلك النظريةِ، وإذا كان النصُّ ظنياً، والحقيقةُ العلميةُ قطعيةً يُؤَوَّلُ النصُّ بها، وحيث لا يوجد مجالٌ للتوفيقِ فيُقدَّمُ القطعيُّ.
منهجيةُ أبحاثِ الإعجازِ العلميِّ في ضوءِ منهجِ السلفِ وكلامِ المفسِّرين:
إنّ كلامَ الخالقِ سبحانه عن أسرارِ خلْقِه في الآفاقِ وفي الأنفسِ غيبٌ قبْل أن يُرِيَنَا اللهُ حقائقَ تلك الأسرارِ، ولا طريقَ لمعرفةِ كيفياتها وتفاصيلِها قبلَ رؤيتِها، إلاَ ما سمعْنَا عن طريقِ الوحيِ، وكان السلفُّ لا يتكلَّفون ما لا علمَ لهم به.
إنّ معانيَ الآيات المتعلِّقةِ بالأمورِ الغيبيةِ، ودِلالتَها اللغويةَ معلومةٌ، ولكنّ الكيفيَّاتِ والتفاصيلَ محجوبةٌ، وإنّ مَن وَصَفَ حقائقَ الوحيِ الكونيةَ بدقائِقها وتفاصيلِها بعدَ أنْ كشَفها الله وجلاّها للأعينِ غيْرُ مَن وَصَفها مِن خلالِ نصٍّ يسمعُهُ، ولا يَرَى مدلولَه الواقعيَّ، لأنّ وصفَ من سَمع وشاهَدَ غيرُ مَن سَمِعَ فقط.
ولقد وُفِّقَ السلفُ الصالحُ من المفسِّرين كثيراً في شرحِهم لمعنى الآياتِ القرآنيةِ على الرّغم من احتجابِ حقائِقها الكونيةِ، مع أنّ المفسِّرَ الذي يَصفُ حقائقَ وكيفيَّاتِ الآياتِ الكونيةِ في الآفاقِ والأنفسِ، وهي محجوبةٌ عن الرؤيةِ في عصرِه، قياساً على ما يَرَى من المخلوقاتِ، وفي ضوءِ ما سمعَ مِنَ الوحيِ، يختلفُ عن المفسِّرِ الذي كُشِفتْ أمامه الآيةُ الكونيةُ، فجمعَ بين ما سَمع من الوحيِ، وما شاهدَ في الواقعِ.
стр. 17
ونظراً لعدمِ خطورةِ ما يتقرّرُ في مجالِ الأمورِ الكونيةِ على أمرِ العقيدةِ يوم ذاك، لم يقف المفسِّرون بها عند حدودِ ما دلّت عليه النصوصُ، بل حاولوا شرْحَها بما يسَّرَ اللهُ لهم من الدرايةِ التي أُتيحَتْ لهم في عصورهم، وبما فَتَحَ اللهُ به عليهم من أفهامٍ، وكانت تلك الجهودُ العظيمةُ التي بَذَلَها المفسِّرون عبْرَ القرونِ لشرحِ نصوصِ الوحيِ المتعلِّقةِ بالأمورِ الكونيةِ - التي لم تُكشَفْ في عصرِهم - مبيّنَةً لمستوى ما وصلَ إليه الإنسانُ مِن علمٍ، في تلك المجالاتِ، ومبيِّنةً لمدى توفيقِ اللهِ لهؤلاءِ المفسِّرين، فإذا ما حانَ حينُ مشاهدةِ الحقيقةِ في واقعِها الكونيِّ، ظهرَ التوافقُ الجليُّ بين ما قرّره الوحيُ وما شاهدَتْه الأعينُ، وظهرتْ حدودُ المعارفِ الانسانيةِ المقيَّدةِ بقيودِ الحسِّ المحدودِ، والعلمِ البشريِّ المحدودِ بالزمانِ والمكانِ، وازدادَ الإعجازُ تَجَلِّياً وظهوراً.
وكَتَبَ اللهُ التوفيقَ للمفسِّرين فيما شرحوه من آياتٍ وأحاديثَ متعلقةً بأسرارِ الأرضِ والسماءِ، بفضلِ اهتدائهِم بنصوصِ الوحيِ المنزَّلِ، ممّن يعلمُ السرَّ في الأرضِ والسماءِ، ومسترشدين بما علَّمهم مِن دَلالاتِ الألفاظِ ومعاني الآياتِ.
أوجُهُ الإعجازِ العلميِّ:
١- التوافقُ الدقيقُ بين ما في نصوصِ الكتابِ والسُّنةِ، وما كشفَه علماءُ الكونِ من حقائقَ وأسرارٍ كونيةٍ لم يكن في إمكان بشرٍ أنْ يعرفَها وقتَ نزولِ القرآنِ.
٢- تصحيحُ الكتابِ والسنةِ لِما شاعَ بين البشريةِ في أجيالِها المختلفةِ من أفكارٍ باطلةٍ حولَ أسرارَ الخَلقِ.
٣- إذا جُمِعَتْ نصوصُ الكتابِ والسنةِ الصحيحةِ المتعلِّقةُ بالكونِ وجدتَ بعضَها يكمِّلُ الاَخرَ، فتتجلَّى بها الحقيقةُ، مع أنّ هذه النصوصَ قد نزلتْ مفرَّقةً في الزمنِ، وفي مواضِعها من الكتابِ الكريمِ، وهذا لا يكونُ إلاّ مِن عندِ اللهِ الذي يعلمُ السرَّ في السماواتِ والأرضِ.
٤- سنُّ التشريعاتِ الحكيمةِ، التي قد تخفَى حكمتُها على الناسِ وقتَ نزولِ القرآنِ، وتكشِفُها أبحاثُ العلماءِ في شتَّى المجالاتِ.
стр. 18
٥- عدمُ الصِّدامِ بين نصوصِ الوحيِ القاطعةِ التي تصفُ الكونَ وأسرارَه - على كثرتِها - والحقائقِ العلميةِ المكتشفةِ - على وفرِتها - مع وجودِ الصِّدامِ الكثيرِ بين ما يقولُه علماءُ الكونِ من نظرياتٍ تتبدَّلُ مع تقدُّمِ الاكتشافَاتِ، ووجودِ الصِّدامِ بين العلمِ، وما قرّرتْه سائرُ الأديانِ المحرَّفةِ والمُبَدَّلةِ.
ضوابطُ البحثِِ في الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنةِ:
١- أنْ تراعَى معاني المفرداتِ كما كانت في اللغةِ إبّانَ نزولِ الوحيِ، وأن تراعَى القواعدُ النحويةُ ودَلاَلاتُها، وأنْ تراعَى القواعدُ البلاغيةُ وخصائصُها، ولاسيّما قاعدةُ: "أَلاّ يخرجَ اللفظُ مِنَ الحقيقةِ إلى المجازِ إلا بقرينةٍ كافيةٍ".
٢- البعدُ عن التأويلِ في النصوصِ المتعلِّقةِ بالإعجازِ العلميِّ في القرآنِ الكريمِ، ودَلالةِ نبوّةِ النبي ﷺ .
٣- ألاَّ تُجعَلَ حقائقُ القرآنِ موضعَ نظَرٍ، بل أنْ تُجعَلَ الحقائقُ هي الأصل: فما وافقَها قُبِلَ، وما عارضَها رُفِضَ.
٤- ألاّ يُفَسَّرَ القرآنُ إلا باليقينِ الثابتِ مِنَ العلمِ، لا بالفروضِ والنظرياتِ التي ما تزالُ موضعَ فحصٍ وتمحيصٍ، أمّا الحدسيّاتُ والظنّياتُ فلا يجوزُ أنْ يُفَسَّرَ بها القرآنُ، لأنها عرضةٌ للتصحيحِ والتعديلِ، بل للإبطالِ في أيِّ وقتٍ.
وإذا كانَ النقصُ يعتري بعضَ الدراساتِ في مجالِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسُّنةِ، فلا يصحُّ أنْ يكون ذلك حُكْماً ينسحِبُ عليها جميعِها، وإنّ هذا ليوجِبُ على القادرينَ مِن علماءِ الإسلامِ أنْ يسارِعوا إلى خدمةِ القرآنِ والسُّنةِ في مجالِ العلومِ الكونيةِ، كما خدَمَها السلفُ في مجالِ اللغةِ، والأصولِ، والفقهِ، وغيرِها من مجالاتِ العلومِ الشرعيةِ، فنحن أمامَ معجزةٍ علميةٍ كبرى تنحنِي أمامَها جِبَاهُ المنصفين من قادةِ العلومِ الكونيةِ في عصرِنا.
стр. 19
والطرَفُ الآخرُ مِن أعداءِ الإسلامِ اتّخذوا مِنَ المقولاتِ المرتجَلَةِ، والمتسرِّعةِ في موضوعِ الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسُّنّةِ ذريعةً لا تُقَدَّرُ بثمنٍ - بالنسبةِ إليهم - لنقضِ آياتِ القرآنِ وأحاديثِ النبي ﷺ ، مِن خلالِ نقضِ النظريةِ العلميةِ الفجّةِ التي لم تثبتْ، فينبغي للباحثِ في الإعجازِ العلميِّ في الكتابِ والسنّةِ أنْ يبالغَ في التحقُّقِ والتثبُّتِ والتريُّثِ قبلَ أن يربطَ آيةً في كتابِ اللهِ، أو حديثاً لرسول الله ﷺ بمقولةٍ يتوهّمُ أنّها نتنمي إلى العلمِ، والعلمُ منها بَراءٌ.
ومجمَلُ القولِ: إنّ التفسيرَ العلميَّ للقرآنِ والسنةِ مرفوضٌ إذا اعتمدَ على النظرياتِ العلميةِ التي لم تثبتْ، ولم تستقِرَّ، ولم تصلْ إلى درجةِ الحقيقةِ العلميةِ المقطوعِ بها، ومرفوضٌ إذا خرجَ بالقرآنِ عن قواعدِ اللغةِ العربيةِ، ومدولولاتِ مفرداتها في زمنِ النبي ﷺ ، ومرفوضٌ إذا صَدر عن خلفيةٍ تعتمدُ العلمَ أصلاً، وتجعلُ القرآنَ تابعاً، مرفوضٌ إذا خالفَ ما دلَّ عليه القرآنُ في موضعٍ آخرَ، أو دلّ عليه صحيحُ السنّةِ، وهو مرفوضٌ ممّن هبَّ ودبَّ مِن الذين لم يتحقّقوا في أخذِهم، ولم يتثبَّتُوا في إلقائِهم، وهم يزعمون أنهم على علمٍ، والعلمُ منهم بَراءٌ؛ وهو مقبولٌ بعْد ذلك ممّن التزمَ القواعدَ المعروفةَ في أصولِ التفسيرِ والتزمَ ما تفرضه حدودُ اللغة، وحدودُ الشريعةِ، وامتازَ بالتحرِّي، والاحتياطِ، والضبطِ الذي يلزم كلَّ ناظرٍ في كتابِ اللهِ، وهو مقبولٌ ممّن رَزَقه اللهُ علماً بالقرآنِ والسنةِ، وعلماً بالسننِ الكونيةِ معاً، فلا بد من أن يكونَ النصُّ الذي هو موضعُ الإعجازِ قطعيَ الثبوتِ والدَّلالةِ، وأنْ يكونَ الجانبُ العلميُّ مقطوعاً بصحّتِه، وأنْ يكونَ التطابقُ عفوياً وتامًّا، لا مفتعلاً أو متكلَّفاً.
أهميةُ أبحاثِ الإعجازِ العلميِّ وثمارُها:
стр. 20
إذا كان المعاصرون لرسولِ اللهِ ﷺ قد شاهَدوا بأعينِهم كثيراً مِن المعجزاتِ، فإنّ اللهَ أَرَى أهلَ هذا العصرِ معجزةً لرسولِه تتناسبُ مع عصرِهم، ويتبيَّنُ لهم بها أنّ القرآنَ حقٌّ، وتلك البيِّنةُ هي بيِّنةُ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسُّنّةِ، وأهل عصرِنا لا يذعنون لشيءٍ كإذعانِهم للعلمِ، على اختلافِ أجناسِهم وأديانِهم.
لقد جعلَ اللهُ النظرَ في ملكوتِ السماواتِ والأرض، الذي تقومُ عليه العلومُ التجريبيّةُ طريقاً إلى الإيمانِ به، وطريقاً إلى الإيمانِ برسولِه، وطريقاً إلى الإيمانِ بدينِه الحقِّ، الذي يدعو إلى العلمِ، والعلمُ يدعو إليه.
وإنّ بإمكان المسلمين أنْ يتقدَّموا لتصحيحِ مسارِ العلمِ في العالَمِ، ووضعِه في مكانِه الصحيحِ، وجعلِه طريقاً إلى الإيمانِ باللهِ ورسولهِ، ومصدّقاً لِما في القرآنِ، ودليلاً على أحقِّيَّةِ الإسلامِ.
إنّ التفكُّرَ في خلقِ السماواتِ والأرضِ عبادةٌ من أجلِّ العباداتِ، والتفكُّرَ في معاني الأحاديثِ عبادةٌ مِن أرفعِ المستويات، وتقديمَها للناسِ دعوةٌ خالصةٌ إلى اللهِ خالقِ الأرضِ والسماواتِ، وهذا كلُّه متحقّقٌ في بحوثِ الإعجازِ العلميِّ في القرآنِ والسنّةِ، وهذا مِن شأنِه أيضاً أنْ يحفّزَ المسلمين إلى اكتشافِ أسرارِ الكونِ، بدوافعَ إيمانيةٍ تعبُرُ بهم فترةَ التخلُّفِ التي عاشوها حقبةً من الزمنِ في هذه المجالاتِ، وسيجدُ الباحثون المسلمون في كلامِ الخالقِ عن أسرارِ مخلوقاته أدلّةً تهديهم في أثناءِ سَيْرِهم في أبحاثهم، تقرِّبُ لهم النتائجَ، وتوفِّرُ لهم الجهودَ.
إذَا علِمنَا أهميَّةَ هذه الأبحاثِ في تقويةِ إيمانِ المؤمنين، ودفعِ الفتنِ التي أَلْبَسها الإلحادُ ثوبَ العلمِ عن عقولِ المسلمين، وفي دعوةِ غيرِ المسلمين إلى هذا الدِّينِ القويم، وفي فهْمِ ما خُوطِبْنَا بهِ في القرآنِ الكريمِ والسنّة الصحيحةِ، وفي حفزِ المسلمين إلى الأخذِ بأسبابِ النهضةِ العلميةِ التي تتوافقُ مع الدين؛ تبيَّنَ مِن ذلك كلِّه أنّ القيامَ بهذه الأبحاثِ مِن أهمِّ فروضِ الكفاياتِ.
стр. 21
قصة هذا الكتاب
لهذا الكتابِ قصّةٌ ... فلقد شرَّفني اللهُ بأنْ أدعوَ إليه منذ ثلاثين عاماً، معتقِداً أن هذا الدينَ دينُ اللهِ، وأنه - وحْده - قادرٌ على حفظِه ونصرِه، فلا ينبغي أنْ نقلقَ عليه، ولكنْ ينبغِي أنْ نقلقَ ما إذاَ سمحَ اللهُ لنا أو لم يسمح أنْ نكونَ جنوداً له، وقد انطلقتُ في هذه الدعوةِ التي حُمِّلْتُ مسؤوليتَها لعقودٍ ثلاثةٍ سَبَقَتْ مِن قناعاتٍ راسخةٍ.
من هذه القناعاتِ أنْ يتَّجهَ الخطابُ الإسلاميُّ إلى عقلِ الإنسانِ، وإلى قلبهِ، وإلى معاشِه ودنياه؛ ذلك لأنّ الإنسانَ عقلٌ يدرِكُ، وقلبٌ يحِبُّ، وجسمٌ يتحرَّكُ، وغذاءُ العقلِ العلمُ، وغذاءُ القلبِ الحبُّ، وغذاءُ الجسمِ الطعامُ والشرابُ، واللباسُ والمأوى، وما لم تُرَاعَ في الخطابِ الإسلاميِّ مبادئُ العقلِ، وما لم يَتوَجَّهْ إلى القلبِ، وما لم يحقِّقْ مصالحَ الإنسانِ الأساسيةَ والمشروعةَ فلن ينجح الخطابُ الإسلاميُّ في امتلاكِ القدرةِ على التأثيرِ في الآخرين، وحمْلهِم على تغييرِ تصوّراتِهم، وقناعاتِهم من جهةٍ، ثم حَمْلِهم على تغييرِ سلوكِهم، وأنماطِ حياتهِم من جهةٍ أخرى، مع التأكيدِ على أنْ يكونَ هذا التغييرُ طوعاً لا كرهاً.
كلُّ داعيةٍ ينبغي أنْ يكون عالماً بأصولِ الدين وفروعِه، وحقائِقه المؤصَّلةِ والمدلَّلة المأخوذةِ من الوحيين؛ الكتابِ والسنةِ، عالماً بطبيعةِ النفسِ الإنسانيةِ وخصائِصها، عالماً بالوسائلِ التربويةِ الفعّالةِ في إحداثِ التغييرِ الحقيقيِّ في النفسِ، وينبغي للداعيةِ - أيضاً - أنْ يستوعبَ الثقافةَ العصريةَ بثوابتِها ومتغيّراتِها، وبطبيعةِ العصرِ، وسرعةِ التطوّرِ، والقُوى الفعّالةِ، والموازينِ المعتمَدةِ فيه؛ وإذَا استثقلَ الداعيةُ هذا الثمنَ الباهظَ فينبغي ألاّ يغيب عنه أنّ الدعوةَ إلى اللهِ هي أعظمُ عملٍ يتقرّبُ به العبدُ إلى ربِّه، وأنها تقترِبُ من صنعةِ الأنبياءِ، حيث يقول الله ﷻ :
﴿ياأيها النبي إِنَّآ أرسلناك شاهدا وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً * وَدَاعِياً إِلَى الله بِإِذْنِهِ وَسِرَاجاً مُّنِيراً﴾ [الأحزاب: ٤٥-٤٦] .
стр. 22
فمن الثابتِ أنّ من أسبابِ قوّةِ التأثيرِ الموضوعيةِ، ربط الأهدافِ بالوسائلِ، وربطَ الأصالةِ بالحداثةِ، وربط الثوابتِ بالمتغيِّراتِ، وربطَ القديمِ بالحديثِ، وربطَ الإسلاممِ بالحياةِ، فهو دينُ الفطرةِ، ودينُ الواقعِ، ودينُ العلمِ، ودينُ الوسطيةِ التي جمعتْ بين الحاجاتِ والقيمِ، وبينَ المبادئ والمصالحِ، وبينَ المادةِ والروحِ، وبين الدنيا والآخرةِ.
وانطلاقاً من هذه القناعاتِ الإيمانيةِ الثابتةِ، والرؤيةِ الموضوعيةِ لِما ينبغي أنْ يكونَ الخطابُ الدينيُّ المعاصرُ، كنتُ أحرصُ في خطابي الإسلاميِّ بكل أُطُرِه وأنماطِه، وأشكالِه وألوانِه، سواءٌ في المساجدِ، أو في الجامعاتِ، أو في المؤسّساتِ الدعويةِ، أو في المراكزِ الثقافيةِ، أو في وسائلِ الإعلامِ المحليةِ، والعربيةِ، والإسلاميةِ، والدوليةِ، كنتُ أحرصُ على أنْ أجمعَ بين حقائقِ الدينِ، وحقائقِ العلمِ، لتترسّخَ حقيقةٌ غابتْ عن كثيرٍ من المسلمين، هي أنّ الذي خلَقَ الأكوانَ هو الذي أنزل القرآنَ، وأنّ الحقَّ دائرةٌ تتقاطعُ فيها خطوطُ النقلِ الصحيحِ، والعقلِ الصريحِ، والفطرةِ السليمةِ، والواقعِ الموضوعيِّ؛ لذلك لا تغيبُ الفقرةُ العلميةُ عن كلِّ خطاباتي الدينيةِ.
وهذا الكتابُ في حقيقتِه مجموعُ الموضوعاتِ العلميةِ التي أُلقِيَتْ خلالَ ثلاثين عاماً في الدعوة إلى الله، جُمِعَتْ، ونُسِّقَتْ، ونُقِّحتْ، وعُرِضَتْ على متخصّصين في العلومِ التي تناولتها، وأُخِذَ بملحوظاتِهم، وقد أثبَتُ في قائمةِ المصادرِ والمراجعِ قائمةَ المصادرِ والمراجعِ المتعلّقةِ بالإعجازِ العلميّ في الكتابِ والسنةِ التي كانت جزءاً رئيساً من مكتبتي.
стр. 23
ومع أنّني جهدتُ في تعديلِ الأرقامِ القديمةِ المأخوذةِ من مراجعَ علميةٍ قبل عقدٍ أو عقدين مِن الزمنِ إلى أحدثِ ما توصّلَ إليه العلمُ من حقائقَ وأرقامٍ، ومع كلِّ هذا الجهدِ والمراجعةِ والعرضِ على المتخصّصين فقد يجدُ القارئَ عدداً، أو حجماً، أو شكلاً، أو اسماً، أو وصفاً، يبايِنُ ما في كتابٍ علميٍّ في حوزتِه، فهذا التباينُ طبيعيٌّ جداً، لأنّ العلمَ في تطوُّرٍ مستمِرٍّ، وهو تباينٌ مقبولٌ، لأنّ هذا الكتابَ في جوهره تعريفٌ بالله جلّ في عُلاه، وليس تعريفاً بدقائقِ علمٍ من العلومِ.
إنّ الحقائقَ العلميةَ في هذا الكتابِ وسيلةٌ، وليست هدفاً بذاتها، فلا يعِنينا في هذا الكتابِ الرقْمُ، ولكن يعِنينا مدلولهُ الذي يَشفُّ عن تعريفٍ باللهِ ﷻ مِن خلالِ الكونِ والإنسانِ، فإذا كان هناك تباينٌ بينَ الأرقامِ فأنا لستُ طرفاً في هذا التباينِ، ولكنه تباينٌ بين المراجعِ التي في حوزتي، والتي في حوزة القارئ، وما لم يكن الهدفُ الكبيرُ من تأليفِ الكتابِ واضحاً لدى القارئ فلن يتنفعَ منه بالقدْرِ الذي أردتُه من تأليفِ الكتابِ.
стр. 24
والكمالُ لله وحده، والنبيُّ ﷺ معصومٌ بمفرِده، وأمّته معصومةٌ بمجموعِها، ولأَنّ كلّ طالبِ علمٍ قد تفوّقَ في جانبٍ، وتفوّق غيرُه في جانبٍ آخرَ؛ فلا بد من العلمِ من الأخذِ والعطاءِ، ولأنّ كلَّ إنسانٍ يُؤْخَذُ منه ويُرَدُّ عليه إلا صاحبَ القبّة الخضراء؛ سيدنا محمد ﷺ ، فإني أنتظر من الإخوة القراء - كما عوّدوني في كتبي السابقة - تنفيذاً لوصية سيدنا عمر بن الخطاب ﵁ حينما قال: (أَحَبُّ الناسِ إِليَّ مَن رَفَعَ إِليَّ عيوبِي) أن يتفضّلوا بإبداءِ ملحوظاتِهم حولَ مضامينِ الموسوعةِ العلميةِ، والأدلةِ القرآنية والنبوية، والاستدلالاتِ والاستنباطاتِ التي رَبطت بينَ حقائقِ العلمِ وحقائقِ الدينِ؛ لآخُذَ بها في الطبعاتِ القادمةِ، إن شاء الله تعالى، فالكتابُ لا يزيد على محاولةٍ متواضعةٍ لبيانِ أنّ الذي خَلَقَ الأكوانَ هو الذي أنزلَ القرآنَ، وهو الذي أرسلَ النبيَّ العدنانَ ﷺ ليكونَ هادياً للأنامِ، فإنْ أصبتُ فمِن توفيقِ اللهِ وفضلهِ، وإنْ لم أُصِبْ فمِن تقصيري وضعفِ حيلتي.
فالحقُّ فوقَ الجميعِ، والمضامينُ فوق العناوينِ، والمبادئُ فوقَ الأشخاصِ، فالمؤمنونَ بعضُهم لبعض نَصَحَةٌ متوادُّون، والمنافقون بعضهم لبعضٍ غَشَشَةٌ متحاسدون، ويُروى أن إماماً لقي غلاماً وأمامه حفرةٌ، فقال له: إيّاك يا غلامُ أن تسقطَ، فقال له الغلامُ: بل إيّاك يا إمامُ أن تسقطَ؛ إنّي إنْ سقطتُ سَقطتُ وحدي، وإنك إنْ سقطتَ سقطََ معك العالَمُ، لذلك ما من أحدٍ أصغرُ مِن أن يَنقدَ، وما من أحد أكبرُ مِن أنْ يُنقَدَ.
ولا يَسَعُني هنا إلا أنْ أدعوَ فأقولَ: جزى اللهُ عنا سيدَنا محمداً ﷺ ما هو أهلُه، وجزى عنا أصحابَه الكرامَ ما هم أهلُه، وجزى عنا والدِينا، وأساتذتنا، ومشايخَنا، ومَن علّمنا، ومَن له حقٌّ علينا ما هم أهله.
стр. 25
ولا بد مِن أنْ أشكرَ في نهايةِ المطافِ كلَّ الإخوةِ الكرامِ الذين ساهموا على نحوٍ ما في إخراجِ هذا الكتابِ إلى حيّزِ الوجودِ، وأخصُّ بالشكرِ الذين صمّموا برامجَ الحاسوبِ التي أُفرِغَتْ فيها النصوصُ، والذين أفرغوا الشريطَ على الحاسوبِ، والذين راجعوا النصوصَ مع الشريطِ، والذين دقّقوا النصوصَ لُغَوِيًّا، والذين نفّذوا التصحيحَ على الأصلِ، ثم الذين نضدُوا نصوصَ الكتابِ، وأخرجوه على الشكلِ الفنيِّ الذي هو عليه، والذين راجعوا النصوصَ مراجعةً أخيرةً، والذين قاموا بطباعتِه، والقائمين على دار المكتبي، وعلى رأسِهم صاحبُ دار المكتبي، سواءٌ منهم مَن أخذ أجرةً أو ابتغى أجراً، إلى كلِّ هؤلاء الذين ساهموا في إخراجِ هذه الموسوعةِ إلى حيِّزِ التداولِ، ممّن أعرفهم، وممن لا أعرفهم - وما ضرّهم أني لا أعرفهم إذا كان الله يعرفهم - إنه فريقُ عملٍ دعويٍّ، إنهم جميعاً مشمولون بقوله تعالى:
﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلاً مِّمَّن دَعَآ إِلَى الله وَعَمِلَ صَالِحاً وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ المسلمين﴾ [فصلت: ٣٣] .
وأرجو اللهَ أن أكونَ واحداً منهم، راجياً أن أكونَ من يبتغي وجهَ اللهِ بعملِه، فلعلّ اللهَ يقبلنَا جميعاً، ويرحمنا جميعاً.
أعوذ بك يا رب أنْ يكونَ أحدٌ أسعدَ بما علّمتني منّي، وأعوذُ بك أنْ أقولَ قولاً فيه رضاك، ألتمس به أحداً سواك، وأعوذُ بك من فتنةِ القولِ، كما أعوذُ بك من فتنةِ العملِ، وأعوذ بك أنْ أتكلّف ما لا أحسنُ، كما أعوذُ بك من العُجبِ فيما أحسن.
الإنسان
أليس الكون معجزة ؟
إنّ الأشياءَ المألوفةَ وغيرَ المألوفةِ، والأشياءَ المعتادةَ وغيرَ المعتادةِ، والأشياءَ التي نعرفها معقولةً، والأشياءَ التي يظنها بعضُ الناسِ غيرَ معقولةٍ، إنها في قدرةِ اللهِ سواءٌ، لأنّ أمرَ اللهِ تعالى: كنْ فيكون، ألا تقرأُ قولَهُ :
﴿قُلْنَا يانار كُونِي بَرْداً وسلاما على إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء: ٦٩] .
стр. 26
النارُ لا تحرقُ إلا بإرادةِ اللهِ، فإذا شاءَ اللهُ لها أنْ تحرقَ أحرقتْ، وإن لم يشأْ لم تحرقْ، والماءُ مائعٌ بمشيئةِ اللهِ، فإذا شاءَ اللهُ له أنْ يكونَ يبساً صُلْباً صارَ يبساً صُلْباً، انظر ما فَعَلَه اللهُ عزوجل مع سيدنا موسى: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الجمعان قَالَ أَصْحَابُ موسى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ * قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ * فَأَوْحَيْنَآ إلى موسى أَنِ اضرب بِّعَصَاكَ البحر فانفلق فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كالطود العظيم﴾ [الشعراء: ٦١-٦٣] .
اضربْ بعصاك البحرَ فأصبحَ البحرُ طريقاً يبساً، لماذا يخرِق اللهُ العاداتِ؟ لأنك إذا رأيتَ أنّ هذا الشيءَ نتيجةٌ لهذا السببِ، وظننتَ أنّ هذا السببَ هو خالقُ هذا الشيءِ فقد وقعتَ في الشركِ، وأنتَ لا تدري، خالقُ الشيءِ هو اللهُ ، وهذا السببُ رَافَقَ النتيجةَ، هذه هي العقيدةُ الصحيحةُ، ولكنَّ الذي يخلقُ الإحراقَ في النارِ هو اللهُ، والذي يخلقُ الانتقالَ بلمحِ البصرِ من مكانٍ إلى مكانٍ هو اللهُ، فإذا ما أرادَ خالقُ الزمان والمكانِ أنْ يعَطِّلَ شرطَ الزمانِ والمكانِ فَعَلَ، لذلك كان الإسراءُ والمعراجُ حكمُه حكمُ أيِّ معجزةٍ وردتْ في القرآنِ الكريمِ.
شيءٌ آخرُ، وهو أنّ الأشياءَ المألوفةَ وغيرَ المألوفةِ كلاهما معجزةٌ، ألا تنظرُ إلى البقرةِ، وهي تعطيك الحليبَ، لو اجتمع أهلُ الأرضِ، لو اجتمعَ علماءُ الكيمياءِ العضويةِ في العالَمِ على أنْ يصنعوا مِن هذا النباتِ الأخضرِ حليباً فيه قِوامُ غذائِنا لَمَا استطاعوا، أليستِ البقرةُ معجزةً؟ أليستْ هذه الدجاجةُ معجزةً؟ أليس خَلْقُ الإنسانِ معجزةً؟ أليس إنباتُ النباتِ معجزةً؟ أليس هطولُ الأمطارِ معجزةً؟ أنتَ محاطٌ بملايينِ ملايينِ المعجزاتِ، وأنتَ لا تدري، أليسَ الْكَوْنُ مُعْجِزَةً؟
стр. 27
الكونُ معجزةٌ، هذا الطفلُ الصغيرُ خُلِقَ مِن ماءٍ مهينٍ، من نطفةٍ صغيرةٍ، هذه النطفةُ لا تُرَى بالعينِ، أربعمئة مليونٍ من النطاف تنطلقُ مِنَ الرَّجُلِ، وكلُّ نطفة لها رأسٌ، ولها عُنُقٌ، ولها ذيلٌ، وهي تسْبحُ، وفي رأسِها مادةٌ مُغَطَّاةٌ بغشاءٍ رقيقٍ، إذا اصطدمتْ بالبيضَةِ تَمَزَّقَ الغشاءُ، وساهمتْ هذه المادةُ في إذابةِ جدارِ البَيْضَةِ، والدخولِ إليها، دَخَلَت النطفة إلى البيضةِ، فانقسمتْ إلى عددٍ كبيرٍ، وهي في طريقِها إلى الرَّحِمِ، دونَ أنْ يزدادَ حجمُها، فَخَلْقُ الإنسانِ معجزةٌ.
بعد أنْ يُولَدَ الإنسانُ يكونُ في دماغِه مئةٌ وأربعون مليارَ خليةٍ استناديةٍ، ويكون فيه أيضاً أعصابٌ، وعظامٌ، وقلبٌ، وشرايينُ، ورئتان، ومعدةٌ، وأمعاء، وسمعٌ، وبصرٌ، وشفتان، ولسان، وعضلاتٌ، وأعضاء، وشَعر، وجلد، ومسام، وغددٌ دهنية، وغدد عرقية، هذا المخلوقُ الصغيرُ معجزةٌ، فخَلْقُ هذا الطفلِ مِن نطفةٍ، ومن بَيضةٍ معجزةٌ من أعظم المعجزات.
النباتُ، هذه الورقةُ لا يرقى إلى مستواها أعظمُ معملٍ صَنَعَه الإنسانُ على وجهِ الأرضِ، إنها معملٌ صامتٌ، يأخذُ مِنَ التربةِ الماءَ والمعادنَ، ويضخُّ هذا الماءَ إلى أعالِي الشجرةِ، هذه الورقةُ فيها اليخضورُ، تأخذُ من الهواءِ ثانيَ أكسيدِ الكربونِ، وتأخذُ من الشمسِ "الفوتونَ"، وتأخذُ مِن أملاحِ الحديدِ خوَاصَّهُ الوسطيةَ، وتصنعُ النُّسغَ النازلةَ، هذا النُّسْغُ النازلُ هو الذي يصنعُ الجذعَ، والأغصانَ، والفروعَ، والجذرَ، والثمارَ، والفواكهَ.
مَنْ علَّم هذا؟ كيف أَودعَ اللهُ كلَّ هذه الصفاتِ في البذرةِ؟ النباتُ معجزةٌ، الحيوانُ معجزةٌ، مليونُ نوع مِنَ السمكِ في البحارِ، أحدث رقم في وزن الحوت مئةٌ وثمانون طنًّا، رضعتُه الواحدة ثلاثمئة كيلو غرام، ثلاثُ رضعاتٍ تساوي طنًّا كلَّ يومٍ، هذا بعضٌ من المعلومات عن الحوت.
стр. 28
أمَّا البعوضةُ الصغيرةُ التي ذكرها اللهُ في قوله: ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ [البقرة: ٢٦] . ففيها جهازُ رادارٍ، وجهازُ تمييعٍ للدمِ، وجهازُ تخديرٍ، وجهازُ تحليلٍ، أربعةُ أجهزةٍ، وهذه البعوضةُ يرفُّ جناحاها مئاتِ المرات في الثانيةِ الواحدةِ، ولها ثلاثةُ قلوبٍ، قلبٌ مركزيٌّ، وقلبٌ لكلِّ جناحٍ، ولأرجُلِها محاجمُ لتقفَ على السطوحِ الملساءِ، ومخالبُ لتقفَ على السطوحِ الخشنةِ، ﴿إِنَّ الله لاَ يَسْتَحْى أَن يَضْرِبَ مَثَلاً مَّا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا﴾ .
البعوضةُ معجزةٌ، الخروفُ معجزةٌ، البقرةُ معجزةٌ، الدجاجةُ معجزةُ، خَلْقُ الإنسانِ معجزةٌ، أنواعُ الفواكهِ والثمارِ معجزةٌ، الشمسُ معجزةٌ، فهي تبعدُ عنا مئةً وستةً وخمسين مليونَ كليو مترٍ، ومع ذلك نستدفئ بحرارتِها، ونستضيءُ بضوئِها، ولو أُلْقِيَتِ الأرضُ في جوفِها لتبخرتْ في ثانيةٍ واحدةٍ.
الكونُ كلُّه معجزةٌ، أفيصعُبُ على اللهِ عزوجل أنْ يَنقُلَ النبيَّ ﵊، ويُلغيَ بُعْدَ المكانِ، وبُعْدَ الزمانِ؛ أنْ ينقلَه من مكةَ إلى بيتِ المقدسِ، وأنْ يعرجَ به إلى السماءِ، لو تعمَّقتُم في الكونِ لرأيتُمْ أنّ الأشياءَ المألوفةَ، وغيرَ المألوفةِ هي في قدرةِ اللهِ سواءٌ، تماماً، ولرأيتم أنّ الأشياءَ المألوفةَ، وغيرَ المألوفةِ هي في الأصلِ كلُّها معجزةٌ.
جسم الإنسان
هناك في حياةِ كلٍّ منّا آياتٌ معجزةٌ، صارخةٌ، دالّةٌ على عظمةِ اللهِ ، منها جسمُنا الذي هو أقربُ شيءٍ إلينا، ففي رأسِ كلٍّ منا ثلاثُمئةٍ ألفِ شعرةٍ، لكلِّ شعرةٍ بصلةٌ، ووريدٌ، وشريانٌ، وعضلةٌ، وعصبٌ، وغدةٌ دهنيةٌ، وغدةٌ صبغيةٌ.
وفي شبكيةِ العينِ عشرُ طبقاتٍ، فيها مئةٌ وأربعون مليونَ مستقبِلٍ للضوءِ، ما بينَ مخروطٍ وعُصَيّةٍ، ويخرجُ من العينِ إلى الدماغِ عصبٌ بصريٌّ، يحوي خمسمئة ألفِ ليفٍ عصبيٍّ.
стр. 29
وفي الأذنِ ما يشبهُ شبكةَ العينِ، فيها ثلاثونَ ألفَ خليةٍ سمعيةٍ لنقلِ أدقِّ الأصواتِ، وفي الدماغِ جهازٌ يقيسُ التفاضلَ الزمنيَّ لوصولِ الصوتِ إلى كلٍّ مِن الأذنينِ، وهذا التفاضلُ يقلُّ عن جزءٍ مِن ألفٍ وستمئة جزءٍ من الثانيةِ، وهو يكشفُ للإنسانِ جهةَ الصوتِ.
وعلى سطحِ اللسانِ تسعةُ آلافِ نتوءٍ ذوقيٍّ، لمعرفةِ الطعمِ الحلوِ، والحامضِ، والمُرِّ، والمالِح، ثم تنقلُ هذا الطعم إلى الدماغِ.
وإنّ كلَّ حرفٍ ينطقُه اللسانُ يسهمُ في تكوينِه سبع عشرَةَ عضلةً.
مَن يصدِّق أنّ في مخاطيةِ الفمِ، أعني الغشاءَ الداخلي للفمِ خمسمئةِ ألف خلية؟! يموتُ في كلِّ خمسِ دقائقَ نصفُ مليونِ خليةٍ في الجدارِ الداخلي، ليحلّ محلَّها نصفُ مليونِ خليةٍ جديدةٍ.
إنّ كرياتِ الدمِ الحمراءَ لو صُفَّ بعضُها إلى جانبِ بعضٍ لزاد طولُها على محيطِ الأرضِ ستةَ أضعافٍ، وإنّ في كلِّ ميليمتر مكعبٍ من الدمِ خمسةَ ملايين كريةٍ حمراء، وإنّ كلَّ كريةٍ حمراءَ تجولُ في الدمِ في اليومِ الواحدِ ألفاً وخمسمئة جولةٍ، تقطع فيه ألفاً ومئةً وخمسين كيلو متراً.
يضخُّ القلبُ مِنَ الدمِ في عمرٍ متوسّطٍ ما يملأ أكبرَ ناطحاتِ سحابٍ في العالَمِ، وينبض في الدقيقةِ الواحدةِ مِن ستينَ إلى ثمانينَ خفقةً، وينبض يومياً مئةَ ألف مرة، يضخُّ مِن خلالِها ثمانيةَ آلاف لتر، والمئتا لتر تعادلُ برميلاً! وقد أجرى بعضُ العلماءِ حساباً عن ضخِّ القلب للدم في العمرِ فوجده ستةً وخمسين مليون جالون، والجالونُ يعادلُ خمسة لِترات.
يستهلكُ الإنسانُ في الثانية الواحدةِ مئةً وعشرين مليونَ خليةٍ.
في دماغِ الإنسانِ أربعةَ عشرَ مليارَ خليةٍ قشريةٍ، ومئةٌ أربعون مليار خليةٍ استناديةٍ لم تُعرفْ وظيفتُها بعدُ، وهو أعقدُ ما فيه، ومع ذلك فهو عاجزٌ عن فهمِ ذاتِه.
وفي الرئتين سبعمئة مليون سنخٍ رئويٍّ، كعنقود العنب، وهذه الأسناخ لو نُشِرتْ لاحتلَّتْ مساحةَ مئتيْ متر مربّعٍ، وإن هاتين الرئتين تخفقان في اليومِ خمسةً وعشرينَ ألف مرة، وتستنشقان مئةً وثمانين متراً مكعباً.
стр. 30
وفي الكبدِ ثلاثُمئةِ مليارِ خليةٍ، يمكن أن تُجَدَّدَ كلياً خلالَ أربعةِ أشهرٍ، ووظائفُ الكبدِ كثيرةٌ، وخطيرةٌ، ومدهشةٌ، حيث لا يستطيعُ الإنسانُ أنْ يعيشَ بلا كبدٍ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ.
إنّ في جدارِ المعدةِ مليارَ خليةٍ تفرزُ من حمضِ كلورِ الماءِ ما يزيدُ على عدةِ لِتراتٍ في اليوم الواحِد، وقد جهدَ العلماءُ في حلِّ هذا اللغزِ، لمَ لا تَهضمُ المعدةُ نفسَها؟ أليستِ المعدةُ معجزةً؟!.
وفي الأمعاءِ ثلاثُ آلافٍ وستمئة زغابةٍ معويةٍ للامتصاصِ في كل سنتمترٍ مربعٍ، وهذه الزغاباتُ تتجدّدُ كلياً كلَّ ثمانٍ وأربعين ساعةً.
وفي الكُليتين مليونا وحدةِ تصفيةٍ، طولُها مجتمعةً مئةٌ كيلو مترٍ، يمرُّ فيها الدمُ في اليومِ الواحدِ خمسَ مراتٍ.
وتحتَ سطحِ الجلدِ خمسةَ عشرَ مليونَ مكيّفٍ لحرارةِ البدنِ، وهي الغددُ العرقيةُ، لكلّ غدّةٍ عرقيةٍ مكيِّفٌ لتكييفِ حرارتِه، وتعديلِ رطوبتِه.
إن جِسمَنا الذي نعيشُ معه أقربُ شيءٍ إلينا، هذه حقائقُ مسلَّمٌ بها، عَرَفَهَا الأطبّاءُ من عشراتِ السنينِ، وليست خاضعةً للمناقشةِ إطلاقاً، قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
خلق الإنسان في أحسن تقويم
قال تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ * ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ * إِلاَّ الذينءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصالحات فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ [التين: ٤-٦] .
إنّ اللهَ ﷻ أَتْقَنَ كلَّ شيءٍ صَنَعَه، وأحسَنَ كلَّ شيءٍ خَلَقَه، وإنك ﴿مَّا ترى فِي خَلْقِ الرحمان مِن تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: ٣] ، من حيثُ كمالُ الخَلْقِ، ومع ذلك فقد خصَّ اللهُ الإنسانَ في هذه الآيةِ، وفي آياتٍ أخرى بحُسْنِ التركيبِ، قال تعالى: ﴿في أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَآءَ رَكَّبَكَ﴾ [الانفطار: ٨] ، وبحسن التقويم: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] ، وبحسنِ التعديلِ: ﴿الذي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ﴾ [الانفطار: ٧] .
وهذا فضْلُ عنايةٍ بهذا المخلوقِ المكرَّم، وإشارةٌ إلى أنّ لهذا الإنسانِ شأناً عندَ اللهِ ﷻ ، وأنّ له وزناً في نظامِ الكونِ.
стр. 31
فهذا الإنسانُ الذي هو أعقدُ آلةٍ في الكونِ، في خلاياه، وأنسجتِه، وفي أعضائِه، وأجهزتِه من التعقيدِ، والدقَّةِ، والإتقانِ ما يَعجَزُ عن فهمِ بِنيتِها، وطريقةِ عملِها حقَّ الفهم أعلمُ العلماءِ.
وفي هذا الإنسانِ نفسٌ تعتلِجُ فيه المشاعرُ والعواطفُ، وتصطرعُ فيها الشهواتُ والقيمُ، والحاجاتُ، والمبادىُ، حيث يعجزُ عن إدراكِ خصائِصها تمام الإدراك أعلمُ علماءِ النفسِ.
وفي هذا الإنسانِ عقلٌ، وفيه من المبادئ، والمُسَلَّماتِ، والقُوَى الإدراكيةِ، والتحليليةِ، والإبداعيةِ ما يؤَهِّلُه ليكونَ سيِّدَ المخلوقاتِ وأفْضلَها، ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِيءَادَمَ﴾ [الإسراء: ٧٠] .
وممَّا يبيِّنُ، ويوضِّحُ أنّ الإنسانَ خُلِقَ في أحسنِ تقويمٍ جهازُ المناعةِ المكتسبُ، أو خطُّ الدفاعِ الثالثُ في جسمِ الإنسانِ.
لقد خصَّ المولى جَلَّ وعلاَ الإنسانَ بأجهزةِ دفاعٍ بالغةِ الدقّةِ، وأولُ هذه الأجهزةِ الجلدُ، وهو درعٌ سابغةٌ على البدنِ، تَرُدُّ عنه الجراثيمَ، والأوبئةَ، وهو خطُّ الدفاعِ الأولُ، وخصَّ المولى جل وعلا كلَّ عضوٍ في الإنسانِ، وكلَّ جهازٍ، وكلَّ حاسّةٍ بجهازِ دفاعٍ خاصٍّ به.
فالعينُ مثلاً خُصَّتْ بالأهدابِ، والأجفانِ، والدمعِ، وهذه الأجهزةُ الخاصّةُ هي خطُّ الدفاعٍ الثاني.
وأمّا خطُّ الدفاعِ الثالثُ فهو الدَّمُ بجنودِه من الكرياتِ البيضاءِ، وعددُ هذه الكرياتِ التي هي جنودُ خطِّ الدفاعِ الثالثِ خمسةٌ وعشرون مليونَ كريةٍ في أيّامِ السِّلمِ، ويتضاعفُ هذا العَددُ في حالِ الاستنفارِ، وقد يصلُ إلى مئاتِ الملايينِ في حالِ القتالِ، في فترةٍ لا تتجاوزُ الساعاتِ، أو الأيامَ، ولهذه الجيوشِ الجرّارةِ من الكريَّاتِ البيضاءِ سلاحُ إشارةٍ مؤلّفٌ من بضعِ موادّ كيماويةٍ، يعدُّ وسيلةَ الاتصالِ، والتفاهمِ فيما بيْنَها.
стр. 32
أمّا خطّةُ جهازِ المناعةِ في الدفاعِ عن الجسمِ فهي من الدقَّةِ، والتنسيقِ، والفعاليةِ، والذكاءِ الخارق، على نحوٍ عجيب، إنها خلايا الدمِ البيضاءُ، التي أدهشت العلماءَ؛ إنْ في نظامِ عملِها، أو في توزيعِ الأدوارِ القتاليةِ على أفرادِها، أو في تحقيقِ المهماتِ المنوطةِ بها، فبعْدَ ثوانٍ معدوداتٍ من اجتيازِ أيِّ جسمٍ غريبٍ لخطوطِ الدفاعِ الأولى والثانيةِ، تتوجَّهُ إلى الجسمِ الغريبِ.
وثمةَ كريّاتٌ مهمّتُها أخْذُ الشِّفْرَةِ الكيماويةِ الخاصّةِ بهذا العدوِّ، والاحتفاظُ بها، ثم نقْلُها إلى المراكزِ اللمفاويةِ، حيث تقومُ الخلايا المحصنةُ بتفكيكِ رموزِ هذه الشفرةِ تمهيداً لصنعِ المصلِ المضادِّ.
وبعدَ صنعِ المصلِ المضادِّ تتوجّهُ الخلايا المقاتلةُ حاملةً هذا السلاحَ، وهو المصلُ، لتهاجمَ به الجسمَ الغريبَ، وبعدَ أن تصرَعَه بهذا السلاحِ الفعّالِ تأتي الخلايا اللاقمةُ لتنظيفِ ساحةِ المعركةِ من بقايا جثثِ الأعداءِ، ليعودَ الدمُ كما كان نقياً سليماً، وهذه الكريةُ البيضاءُ التي هي العنصرُ الأساسيُّ في جهازِ المناعةِ؛ لا يزيدُ قطْرُها على خمسةَ عشرَ ميكروناً، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ [التين: ٤] .
وهناك فرقةٌ في هذا الجيشِ، اكتُشِفَت حديثاً، وهي فرقةُ المغاويرِ، التي بإمكانِ عناصرِها اكتشافُ الخليةِ السرطانيةِ في وقتٍ مبكّرٍ جداً، ثم تلتهمها.
أما قوله سبحانه: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: ٥] ، فإنه يتحقق حينما ينحرفُ الإنسانُ عن منهجِ ربِّه، ويستجيبُ لنداءِ غريزتِه من دونِ ضابطٍ من شرعٍ، أو رادعٍ من فطرةٍ، أو زاجرٍ من عقلٍ، وعند ذلك يبطلُ عملُ هذا الجهازِ، ويموتُ الإنسانُ لأدنى مرضٍ، وما مرضُ نقصِ المناعةِ المكتسبُ؛ الذي يهدِّد العالَمَ المتفلِّتَ؛ إلا تأكيدٌ لهذه الحقيقةِ: ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ .
стр. 33
ربما كان تركيزُ الآياتِ على الجانبِ الروحيِّ من الإنسانِ؛ لأنه هُيَّىء - إذَا عرفَ ربَّه، وسارَ على منهجِه، وتقرّبَ إليهِ بالعملِ الصالحِ - لأن يبلغَ من الرفعةِ ما يفوقُ الملائكةَ المتقرَّبين، ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الإنسان في أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ﴾ أمّا إذا أعرضَ عن ربِّه سبحانه، وتفَلَّتَ من منهجِه، وأساءَ إلى خَلْقِه فإنه يهوي إلى دركاتٍ لا يصلُ إليها مخلوقٌ قطُّ، ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ حيث تصبحُ البهائمُ أَرْفَعَ منه، وأقومَ، لاستقامتِها على فطرتِها، وتسبيحِها لربِّها، وحُسْنِ أدائِها لوظيفتِها.
التوازن بين الذكور والإناث
في أعقابِ الحربِ العالميةِ الثانيةِ أصبحتْ نِسبةُ النساءِ إلى الرجالِ أربعاً إلى واحدٍ، أي كلُّ أربع نساءٍ في مقابلِ رجلٍ واحدٍ، وما هي إلا أعوامٌ قليلةٌ حتى عادتِ النسبةُ إلى تلكَ التي وضَعَها اللهُ عزوجل، مئةٌ وخمسة بالمئةِ ذكورٌ، وخمسةٌ وتسعون بالمئةِ إناثٌ، هذه النسبةُ ثابتةٌ في كل البلادِ، وفي كلِّ الأمصارِ، وفي كلِّ القاراتِ، وفي كلِّ الأزمانِ، أما الشيءُ الذي يلفتُ النظرَ فهو أنّه على الرغمِ من أنّ لكلِّ زوجين عدداً مختلفاً من الذكورِ والإناثِ، فلهذا الرجلِ مثلاً ثمانِي بناتٍ، وللآخرِ أربعُ بناتٍ، وأربعةُ ذكورٍ، وهذا رجلٌ عقيمٌ، هذه النسبُ المتفاوتةُ، في أيِّ بلدةٍ، في أيِّ مصرٍ، وفي أي عصرٍ، في أيِّ مكانٍ، وفي أيِّ زمانٍ، ترجعُ في النهايةِ إلى نسبٍ نظاميةٍ يعرفُها علماءُ الجغرافية البشريةِ، وزارةُ الماليةِ مثلاً ماذا تفعلُ من أجلِ أنْ يكونَ الإنفاقُ وَفق المقرَّرِ؟ كلُّ قرارِ نفقةٍ يجب أنْ يذهبَ إلى الشطبِ، فإذا انتهى الاعتمادُ يتوقفون عن الصرفِ، إذاً لا بد مِن سجلٍّ، والأمرُ كذلك هنا، هذا عنده سبعةُ ذكورٍ، وذاك عنده سبعُ إناثٍ، وعند الله عزوجل سجلٌّ دقيقٌ، حيث إنه في النهايةِ يكونُ المجموعُ وَفقَ النسبةِ المقرَّرةِ مِن قِبَلِ الله .
стр. 34
هذا موضوعٌ يقتضي التفكُّرَ، مع أنّ النسبةَ كانت ٢٥% ذكوراً، و٧٥% إناثاً بعد الحربِ العالميةِ الثانيةِ، بعد سنواتٍ كانت الأرحامُ كلُّها تنجبُ ذكوراً، إلى أنْ عُدِّلتِ النسبةُ، وأصبحتْ على ما هي عليه الآن، ألَيْسَت هناكَ يدٌ إلهيةٌ تعملُ في الخفاءِ؟ أليس هناك سجلاَّتٌ دقيقةٌ تحكمُ هذه النسبَ؟ أليست هناك ترتيباتٌ دقيقةٌ؟ هذه الآيةُ مبذولةٌ بين الأيادي، ظاهرةٌ للعَيانِ، قال تعالى: ﴿الله يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أنثى وَمَا تَغِيضُ الأرحام وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِندَهُ بِمِقْدَارٍ﴾ [الرعد: ٨] .
وليس الذكر كالأنثى
قال ربُّنا في قصّةِ السيدةِ مريمَ: ﴿فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَآ أنثى والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذكر كالأنثى﴾ [آل عمران: ٣٦] .
يتَّفقُ علماءُ المسلمين على أنّ المرأةَ كالرجلِ تماماً في التكليفِ، والتشريفِ، والمسؤولية، ولكنّ المرأةَ ليستْ كالرجلِ في أشياءَ أخرى، إذْ لها خصائصُ في بنيتها الجسميةِ، ولها خصائصُ في بنيتها النفسيةِ، ولها خصائصُ في بنيتها الاجتماعيةِ، ولها خصائصُ في قوّةِ إدراكِها، وفي طبيعةِ إدراكِها، فالذي عنده أولاد ذكور أو إناث، لو تتبَّعَ حركاتِهم، وألعابَهم، وأنماطَ تعلقاتِهم لرأى ذلك الاختلافَ، فالبنتُ الصغيرةُ، وهي في سنٍّ مبكرةٍ لها اهتماماتٌ، وميولٌ، وتطلعاتٌ ليست كالتي عند أخيها الصغيرِ، مع أنّ علاماتِ الذكورةِ والأنوثةِ لم تظهرْ بعدُ.
إنّ علماءَ النفسِ، ولا سيما علماءِ نفسِ الطفولةِ والمراهقةِ يقرِّرون أنّ الأنثى لها خصائصُ غيرُ الخصائصِ البيولوجيةِ الماديةِ، أضِفْ إلى أنّ جسمَ الأنثى، وجسمَ الذَّكَرِ يختلفانِ اختلافاً بيّناً.
стр. 35
أنقلُ لكم رأيَ بعضِ العلماءِ في الفَرْقِ الدقيقِ الماديِّ والجسميِّ بين المرأةِ والرجلِ، يقولُ أحدُ العلماءِ الأطباءِ بَعْدَ دراسةٍ طويلةٍ أثبَتَهَا في كتبٍ معتمدةٍ: "إنّ قامةَ المرأةِ في جميعِ الأجناسِ أقصرُ مِن قامةِ الرجلِ، بل إنّ معدَّلَ الفرقِ عند تمامِ النموِّ عشرةُ سنتيمترات، وكذلك الوزنُ؛ فهيكلُ المرأةِ العظميُّ أَخَفُّ مِن هيكلِ الرجلِ العظميِّ، وتركيبُ هيكلِها يجعلُها أقلَّ قدرةً على الحركةِ والانتقالِ، وعضلاتُها أضعفُ مِن عضلاتِ الرجلِ بمقدارِ الثلثِ، لكنَّها تفضُلُه بنسيجِها الخَلَوِيِّ الذي يحتوي على كثيرٍ من الأوعيةِ الدمويةِ، والأعصابِ الحسّاسةِ، ونسيجُها الخلويُّ يسمحُ لها باختزانِ طبقةٍ دهنيةٍ، وبفضلِ هذه الطبقةِ الدهنيةِ تكونُ استدارةُ الشكل".
إنَّ مُخَّ الرجلِ يزيدُ على مخِّ المرأةِ بمئةِ غرامٍ، ونسبةُ مخِّ الرجلِ إلى جسمِه واحدٌ مِن أربعين، وأمّا نسبةُ مخِّ المرأةِ إلى جسمِها فهي واحدٌ مِن أربعةِ وأربعين، مخُّها أَقَلُّ ثَنياتٍ، وتلافيفُها أقلُّ نظاماً، أمّا القسمُ السنجابيُّ (القسمُ الإدراكيُّ في المخِّ) فهو أقلُّ مساحةً، لكنَّ مراكزَ الأحساسِ، والإثارةِ، والتهيجِ أشدُّ فاعليةً بكثيرٍ من مراكزِ الرجلِ، وصدرُ المرأةِ، ورئتَاها أقلُّ سَعَةً مِن صدرِ الرجلِ ورئَتَيْهِ، لكنَّ تنفّسَها أسرعُ من تنفُّسِه، وقلبُها أصغرُ من قلبِه، لكنّ نبْضَها أسرعُ مِن نبضِه.
هذه الفروقُ الدقيقةُ من حيث القلبُ، والتنفسُ، ومراكزُ الإحساسِ، والدماغُ، ومن حيث الهيكلُ العظميُّ، ومن حيثُ القامةُ، ومن حيثُ الوزنُ، تبيِّن أن هناك خَلْقاً محكَماً مِن لَدُنْ حكيمٍ عليمٍ، هذا التكوينُ هو الذي يجعلُ المرأةَ مُحبَّبةً إلى الرجلِ، وقد جعلَها اللهُ سَكَناً، قال : ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاً لتسكنوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: ٢١] .
التوازن في كل شيء خلقه الله
стр. 36
قال تعالى: ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] .
مِن آياتِ اللهِ الدالةِ على عظمتِه أنّ اللهَ خَلَقَ كلَّ شيءٍ، وجعلَه موزوناً، لئلاّ يَطغَى شيءٌ على شيءٍ، فَمِن أغربِ ما وقعَ في قارة أسترالية أنّه زُرع نوعٌ من الصَّبّار، كسِياجٍ وِقائي، لكنّ هذا النباتَ مضى في سبيلِه حتى غطّى مساحةً تزيدُ على مساحةِ بريطانيا! وصار هذا النباتُ نباتاً وبائياً، زاحمَ أهلَ المدنِ والقرى، وأتلفَ مزارعَهم، وحتى إنّه حالَ بينهم وبين زراعةِ أراضِيهم، إلى أنْ توصَّلَ العلماءُ إلى حشرةٍ لا تعيشُ إلا على الصَّبارِ، هذه الحشرةُ استطاعَتْ أن تضعَ حدّاً لانتشارِه، فكأن كلّ شيءٍ خلقه اللهُ تعالى فيه طبيعةُ النموّ العشوائيِّ، خَلَقَ له مضاداً يحولُ بينه وبين هذا النموِّ، وهذا هو التوازنُ.
ووَفْقَ هذه القاعدةِ هناك أشياءُ كثيرةٌ، فربّنا جعلَ الغدّة النخاميّةَ تحثّ الغدّةَ الدرقيّةَ، لكنّ هرمونَ الغدّةِ الدرقيّةِ يثبّطُ الحاثَّةَ النخامية الخاصّةَ بالغدةِ الدرقيةِ، وبهذا يقومُ التوازنُ بين الغدّةِ النخاميّةِ، والغدّةِ الدرقيّةِ.
هناك جهازٌ لِضَبْطِ السوائلِ في الجسمِ، قد خَلَقَه اللهُ موزوناً.
هناك جهازٌ آخرُ لضَبطِ السكّر في الجسمِ، هناك جهازٌ ثالثٌ لِضَبطِ الأملاحِ في الجسم، فنِسَبُ الأملاحِ ثابتة، وكذا نِسَبُ السّكرِ، ونسبُ الماءِ، ونسبُ الهرموناتِ.
هناك فيتاميناتٌ دونَ أن تُؤخذَ يُصابُ الإنسانُ بأمراضٍ كثيرةٍ وبيلةٍ، سمّاها العلماءُ أمراضَ نقْصِ التغذيةِ، وكان بعضُ البحّارةِ يموتون في أثناءِ رحلتِهم الطويلةِ دونَ سببٍ، إلى أنْ عرفوا أنّ غذاءَهم تنقصُهُ الفيتاميناتُ.
стр. 37
هذا التوازنُ الذي حقّقه اللهُ في الكونِ شيءٌ يلفتُ النّظرَ، ويدعو إلى الدّهشةِ، فالأسماكُ مثلاً لولا أنّ كبيرَها لا يأكلُ صغيرَها لطَفَتْ على مياهِ البحرِ، ولأصبحَ البحرُ بحراً من السّمكِ، لا بحراً من الماءِ، وكذا الحشراتُ، فقد جعَلَ اللهُ تنفّسَها عن طريقِ أنابيبَ، لا عن طريقِ الرئةِ، ولأنّ تنفّسَها عن طريقِ الأنابيبِ فلا تنمو أكثرَ مِن حجمِها الذي تروْنَهُ، ولو كان لها رئتان لأصبحَت بِحَجمٍ كبيرٍ، ولأهلكَتِ الإنسانَ، فالحشراتُ لها حدّ تقفُ عنده، والنباتاتُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والحيواناتُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والأسماكُ لها حدٌّ تقفُ عنده، والجسْمُ البشريُّ فيه حدودٌ، وفيه مقاييسُ، وفيه ضوابطُ، وفيه موازينُ.
لو دقَّقتم في خلقِ السَّماواتِ والأرضِ لرأيتم العجبَ العُجابَ، قال : ﴿والأرض مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ شَيْءٍ مَّوْزُونٍ﴾ [الحجر: ١٩] .
فهذا النباتُ موزونٌ، قيمُه الغذائيّةُ موزونةٌ، حجمهُ موزونٌ، نموُّه موزونٌ، تكاثرهُ موزونٌ، لولا هذا الشيءُ الموزونُ لأهلكَ اللهُ الإنسانَ بهذا النموِّ العشوائيِّ، وما حادثةُ هذا النوعِ من الصَّبّارِ إلاّ دليلٌ واضحٌ على أن الله تعالى قد خَلَق كل شيءٍ بقدَرٍ.
هذه الآياتُ التي تسمعونها، أو التي تروْنها، أو التي تقرؤونها، لا تجعلوها تمرُّ هكذا مروراً عابراً دون أنْ تقفوا على حقيقتِها، وعلى عظمةِ خالقِها، فالله يقول: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السماوات والأرض واختلاف اليل والنهار لآيَاتٍ لأُوْلِي الألباب * الذين يَذْكُرُونَ الله قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السماوات والأرض رَبَّنَآ مَا خَلَقْتَ هَذا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩٠-١٩١] .
عدد الخلايا وأعمارها
стр. 38
إنّ عددَ الخلايا في الجسمِ البشريِّ يزيدُ على مئةِ ألفِ ألفِ مليونٍ، أيْ مئة ألفِ بليونٍ، أو مئة ترليون، هذه الخليةُ لا يمكنُ أن تراها بالعينِ المجرَّدةِ، إلا إذا كُبِّرتْ مئةً وأربعين مرةً، ووزنُ هذه الخليةِ واحدٌ مِن ألفِ مليونٍ من الغرامِ، أيْ إنّ ألفَ مليون خلية إذَا وُضِعتْ في ميزانٍ فإنها تزن غراماً واحداً، وإنّ الجسمَ يستهلك في كلِّ ثانيةٍ مئةً وخمسةَ وعشرين مليونَ خليةٍ.
ولكنَّ الشيءَ الذي يلفتُ النظرَ أنّ الخليةَ لها نواةٌ، وفيها الصبغياتُ التي تنطوي على المورِّثاتِ، فقد توصل العلمُ إلى اكتشافِ ثمانمئة مورِّثٍ، أو معلومة على المورِّثات، بِكَمٍّ كبير.
في الخلية نواةٌ، ونويةٌ، وهيولى، التي هي جسمُ الخليةِ، وغشاءٌ، وللغشاءِ حديثٌ آخرُ، أما الهيولى (جسم الخلية) فهو الذي حيَّر العلماءَ، حتى إنهم صاحوا: إنّ الخليةَ ليست وحدةَ بناءٍ، بل هي وحدةٌ وظيفيةٌ، وليست أصغرَ جسمٍ يتألَّفُ منه الجسمُ.
فماذا في الخلية؟
الشيء المعجِزُ أنّ في الخليةِ تُصنع البروتيناتُ، وفي الخليةِ مخازنُ تخزَّنُ بها بعضُ الموادِّ، وفي الخليةِ أجهزةُ تنظيفٍ، وفي الخليةِ أنابيبُ توصيلٍ، وفي الخليةِ مولِّداتُ طاقةٍ، كلُّ هذا في هيولى الخليةِ، فهي إذاً ليست وحدةَ بناءٍ، بل هي وحدةٌ وظيفيةٌ.
الشيءُ المعجِزُ أنّ الخليةَ تتفاوتُ أعمارُها بحسبِ طبيعتِها، فخلايا البشرةِ لا تعيشُ أكثرَ من ثلاثِ ساعاتٍ، كلما دخلتَ إلى الحمامِ، وأردتَ أنْ تنظفَ جسمَك شعرتَ أنّ شيئاً ينزاح عن جلدِك، إنها الخلايا الميتةُ، أمّا خلايا الأمعاءِ الدقيقةِ الماصَّة فإنها لا تعيشُ أكثرَ مِن ثمانٍ وأربعين ساعةً، أي يجب أنْ تعلمَ علمَ اليقينِ أنَّه في كلِّ ثمانٍ وأربعين ساعةً تتجدَّد أمعاؤُك الدقيقةُ، وإنّ هناك مِن الخلايا ما يعيش سبعةَ أيامٍ، كخلايا التذوُّقِ، وأنّ الكرياتِ الحمراءَ تعيشُ مئةً وخمسةً وعشرينَ يوماً.
стр. 39
ولكنّك إذا عشتَ خمسَ سنواتٍ، فيجب أنْ تعلمَ علمَ اليقينِ أنّ كلَّ خليةٍ فيك قد تجدَدتْ، إلا في موضعين؛ خلايا الدماغِ، والقلبِ، فلو أنّ خلايا الدماغِ تجددَّتْ لنسيَ الإنسانُ معلوماتِه، تعلَّم الطبَّ، ثم نسيَه، تعلّمَ الهندسةَ، ثم نسيَها، تنسى كلَّ المعلوماتِ، والخبراتِ، والذكرياتِ؛ لذلك شاءت حكمةُ اللهِ أنْ تبقى خلايا الدماغِ في الجنينِ حتى الموت، وكذلك خلايا القلبِ.
مَن هو الشيخُ؟ هو الذي غلبتْ فيه عواملُ الموتِ على عواملِ الحياةِ، فالخلايا لها عمرٌ، وهي هناك حيةٌ ميتةٌ، تدخلُ شيئاً فشيئاً في جسمه، هذا معنى: ﴿تُولِجُ الليل فِي النهار وَتُولِجُ النهار فِي الليل وَتُخْرِجُ الحي مِنَ الميت وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي﴾ [آل عمران: ٢٧] .
الخلايا الميتةُ تلدُ خلايا حيَّة، ﴿وَتُخْرِجُ الميت مِنَ الحي وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٢٧] .
أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون
قال تعالى: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
إنّ الجسمَ البشريَّ يتكوَّنُ من خلايا، والخليةُ هي الوحدةُ الأساسيةُ التي يتكوّنُ منها الكائنُ الحيُّ، وفي جسمِ الإنسانِ البالغِ مئةُ ترليون، أيْ ألفُ بليون، أيْ مئة ألفِ ألْفِ مليونِ خليةٍ، والخليةُ وجودٌ حيٌّ لا تدركُه حواسُّنا، ولا تراهُ، ومِن الكرياتِ التي تحتاجُ إلى عدسةٍ مجهريةٍ تكبِّرُ الشيءَ مئةً وأربعين ضعفاً حتى تُرى بالعينِ الكرياتُ الحمراءُ، فإذا كبَّرنا الكريةَ الحمراءَ مئةً وأربعينَ مرةً نراها بالعينِ، ووزنُها واحدٌ من مليارٍ من الغرامِ، والجسمُ البشريُّ يستهلكُ في كل ثانيةٍ مئةً وخمسةً وعشرينَ مليونَ خليةٍ، والخلايا تجدِّدُ شبابَها كلَّ أسبوعٍ، وأصلُ كلِّ هذه الخلايا التي تعدُّ مئةَ ترليون خلية هي خليةُ نطفةِ الأمشاجِ، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَا الإنسان مِن نُّطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَّبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً﴾ [الإنسان: ٢] .
стр. 40
هذه الخليةُ فيها نواةٌ، قالوا عنها: إنها مركزُ الإدارةِ والإشرافِ، والقيادةِ، وعلى هذه النواةِ ثلاثةٌ وعشرون زوجاً من الصبغياتِ، وهذه مادةُ الحياةِ، وبها أسرارُ الوجودِ، وعلى هذه المورِّثاتِ، أو العُرَا الملونةِ، أو الجيناتِ، معلوماتٌ تزيدُ على خمسةِ آلافِ مليونِ معلومةٍ، وإنّ المعلوماتِ التي هي على المورِّثاتِ لو أردنا أنْ نكتبَها باللغةِ لاحتاجتْ إلى موسوعةٍ تزيدُ على مليونِ صفحةٍ، وفي كلِّ صفحةٍ خمسة آلافِ معلومةٍ، أي خمسةُ آلافِ مليونِ معلومةٍ متوضِّعةٍ على هذه المورثاتِ، ونحن لا ندري.
إنّ بحثَ المورِّثاتِ، وبحثَ الجيناتِ، وبحثَ الخليةِ شيءٌ معجزٌ، ويمكِنُ مِن خلالِه أنْ نعرفَ عظمةَ اللهِ إذْ يقول: ﴿وفي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ﴾ [الذاريات: ٢١] .
حينما يغتسلُ الإنسانُ، وينزل مِن جلدِه بعضُ ما يسمَّى الوسخَ، إنها خلايَا ميتةٌ، وكلُّ خليةٍ لها نواةٌ، ولها نُوَيةٌ، ولها هيولى، ولها غشاءٌ، فهي وجودٌ حيٌّ قائمٌ بنفسِه، وفيها نشاطات، وقد تُدرس الخليةُ وحْدَها في الجامعاتِ سنواتٍ طويلةً.
أتحسبُ أنّك جِرمٌ صغيرٌ ... وفيكَ انْطَوَى العالَمُ الأكبرُ
أهذا الخالقُ العظيمُ الذي خَلَقَكَ، ولم تكنْ شيئاً مذكوراً، ألا ينبغي أن تتعرَّفَ إليه؟ ألا ينبغي أنْ تطيعَه؟
أجراس الإنذار المبكر في الجسم البشريّ
следующие страницы →